← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7491–7530 · переход к 7496.

стр. 7491

عديدة، وقد بدأ ظهور هذه الموسوعة منذ سنة ١٩٢٩ في ثوب أنيق رائع هو أبدع ما أخرجت المطابع الإيطالية وربما كان أبدع ما أخرجت مطابع العالم؛ ومن ذلك الحين يصدر مجلد واحد كل ثلاثة أشهر بانتظام تام؛ وسوف تظهر الأجزاء الأخيرة في سنة ١٩٣٧، وتكون الموسوعة في ستة وثلاثين مجلداً. وقد ظهر إلى اليوم المجلد الرابع والعشرون ووصلت المواد إلى حرف ويحتوي كل مجلد على نحو مائتي صورة؛ وهي تطبع في مطبعة أنشئت خصيصاً لها في ميلانو عاصمة الطباعة الإيطالية، وقد اشترك في موادها جميع العلماء على اختلاف نحلهم ومذاهبهم العلمية والسياسية، وبلغ عدد الذين يشتركون في كتابتها ٢٥٠٠ عالم منهم نحو العشرة فقط من الأجانب، وكتب السنيور موسوليني مادة (الفاشزم)، وكتب كثير من أقطاب الحركة الفاشستية عن مناحي الحركة وتطوراتها؛ وسوف تكون هذه الموسوعة بلا ريب من أحدث المجموعات العلمية والأدبية والفنية التي ظهرت حتى اليوم

стр. 7492

الكتب ترجمة نفسية تحليلية ٢ - هو ذا تاريخ إنسان. . .! للأستاذ خليل هنداوي جبران (دمعة وابتسامة) كان رؤوفاً بالناس محباً للناس، راحماً ضعفهم، مشفقاً على بؤسهم، وهو - وإن يكن في نزعاته هذه مقلداً - فقد عبر عن عاطفة صحيحة صادقة لم تدنسها الأرض. فهو مؤمن بالعدل السماوي والرحمة المتغلغلة في كل جزء من أجزاء الكون، ولكن جبران الإنسان أفسد على جبران الهادئ هدوءه، وقلقه الحسي عمل قلقه الروحي. . . فالفقر والهجرة وموت الأعزاء والخيبة، كلها عوامل تألبت على جبران فخنقت فيه جبران الهادئ، ووترت أعصاب جبران القاسي، ومن يطفئ مثل هذه الثورة إلا خمرة (نيتشه) يتناولها بيد (زرادشت)؟ خلقت خمرة (نيتشه) عواصف جبران، وقد أثبت الناقد تأثير نيتشه في (العواصف) وهو تأثير لمن يرى؛ وعندي أن هذا التأثير مهما أحاطت به عوامل هذا الفيلسوف فهو لا يخلو من تأثير روح جبران الباطنية التي تمثلت أن الناس كانوا سبب خيبتها، فكرهتهم، لأن في كراهيتها انتقاماً لها منهم. قد كان - في طوايا جبران - زرادشت راقداً، فأيقضه زرادشت نيتشه. . . وألهبه بروحه، وهتف به ليكون هداماً مثله، دافناً للأموات الأحياء! لا يرضى النعيمي عن كل هذا التمرد ولا بعضه، لأنه لا يعرف للتمرد غاية. . . وإنما أظهر رضاه عنه في (غرباله) لأنه كان نفثة صادقة من فتى التفت إلى لباب الحياة، أو طفل صاح صيحة الحياة، برغم القابلة الواقفة على كل طفل يولد لتحول بينه وبين صيحته بالخنق أو بالسحق: هتف جبران برغم ذلك هتاف المرارة والحرقة، فوجد الناقد في هتافه تحرقاً للمجهول، فرضى عن هذا التحرق وإن لم يرض عن هذا التمرد. . . فنظر - كما قال جبران - إلى مستقبله لا إلى ماضيه، وأدرك الناقد أن هذه الثورة النفسية هي ثورة لم يخل منها فنان أو شاعر، وأي حجر ينزل في القاع بدون دوائر وأمواج. وهذه الثورة هي علامة الحياة. . .

стр. 7493

صدق النعيمي في نبوءته؛ فإن جبران لم يطل تمرده، ولو طال تمرده لما كان شريفاً كالذي قلده في تمرده؛ فإن تمرد نيتشه ناشئ عن المثل الأعلى الذي وجده واتبعه، لا يثنيه ثان عنه إلا رده، ولا يحول بينه وبين مثله حائل إلا صده. أما تمرد جبران فهو تمرد تقليدي - كمن يمد لمصافحة يداً شائكة إذا أنكره أو يداً ملساء إذا عرفه. تمرد نيتشه لا يقبل رحمة من يشتمهم، ولا يرضى بهبة من يدعوهم أمواتاً لأنه هو الحي العظيم! أما جبران فهو يعمل لهم ويقبل صداقتهم ويبني فنه على عطفهم ومعونتهم. ولو أن نيتشه حل محل جبران وعرضت عليه - ماري هاسكل - هذه الخمسة والسبعين دولاراً هبة، فماذا كان فاعلاً؟ لكن جبران علل نفسه بأنه اليوم مستسلماً وغداً يتمرد ثائراً. . وجاءت ساعة التمرد فأعلن العصيان، ثم فاء إلى منطقة السكينة الصامتة، والحياة كلها متوزعة في منطقة الصمت ما هي العوامل التي دفعت جبران إلى السكينة بعد تلك العاصفة الهوجاء؟ ذلك ما حاول النعيمي أن يسدل عليه ستاراً فيأتي بالعوامل الخارجية التي لا يسكن إليها العقل. فجبران المتمرد قد يكون سبب سكونه أنه لم يكن داعياً بتمرده إلى مثل أعلى تؤمن به روحه كما يذيعهيراعه. ولكن (زرادشت) الثائر في قلب جبران هو ذات (زرادشت) الذي هدأ، والذي أسماه (المصطفى) وفيه لا يزال نتيشه عرقاً حياً ينبض في قلب جبران! يرى (النعيمي) في المصطفى جبران الاسمي الذي بلغ بخياله ما لم يبلغه بإرادته. . . جبران الذي هو في القاع وهدأ في مكانه. جبران الساكن الذي دفن جبران المتمرد! جبران الذي رضى عن الحياة بكل ما انطوت عليه الحياة؛ وقبل الحياة المتصلة اتصال كل ذرة بذرة وكل قطرة بقطرة؛ الحياة التي لا ينفصل ألمها عن فرحها وجميلها عن قبيحها! هذه هي القمة التي بلغها جبران وأراد النعيمي من جبران أن يبلغها! يقف النعيمي عند هذه النقطة ولا يتقدم، ويبقى القارئ مشوشاً لأنه لا يستطيع أن يصل بين حلقة التمرد وحلقة الكون؛ وقد تركهما الناقد مقطوعتين. عرف مولد التمرد ولم يعرف مولد السكينة، ولكن المحلل اليقظ يسهل عليه أن يدرك أن في (جبران المصطفى) أثراً من روح (نعيمة الهادئ) أما جبران الثائر فقد علمنا أنه وليد نتيشه، أما جبران الهادئ فأي (نتيشه آخر) ذهب بروحه إلى هذا الأفق.، وهداه إلى هذه الغاية؟ إن الناقد الحقيقي قد يساعد الشاعر على

стр. 7494

خلق نفسه وتتميم رسالته، والتغلب على الصدمات التي تعترض سبيله إذا كان فناناً. . . والناقد لا يحيط بمعاني العبقري إلا إذا كان ممن أوتوا من هذه العبقرية شيئاً. . والنعيمي هو صاحب فلسفة ومذهب في الحياة شامل، تراه في كل آثاره. ألم يحمل إلى جبران الثائر من هذا الطعام شيئاً؟ ألم يكيفه بشيء؟ أنا أعتقد بأنه أثر فيه وإن أخفى النعيمي هذه الصفحة تواضعاً منه، فجبران يوم كان يبعث بعواصفه المدمرة كان النعيمي يبشر بهذه الحياة الهادئة الساكنة. . هذا هو كتاب (المصطفى) الذي يمثل الروح الشاملة المطلقة التي يبشر بها النعيمي؛ هذه الروح التي تضم إلى صدرها كل شيء، وتجعل صاحبها في أمن من الألم، لأن الألم عندها مفقود، وكيف يتألم من يؤمن بأن الحياة في كل حركة من حركاتها وفي كل سكنة من سكناتها ساعية دائبة وراء غايتها التي لا تحد! (يتبع) خليل هنداوي

стр. 7495

العدد ٩١ - بتاريخ: ٠١ - ٠٤ - ١٩٣٥

стр. 7496

الفردية علتنا الأصيلة لا تزال الفردية أبين الصفات المميزة للعرب؛ ولا تزال هذه الصفة أجلى ما تكون في مصر! فان المرء ليغالي في فرديته حتى ليوشك أن يكون أمة وحده! غلبت هذه الشيمة على العرب الأولين لقلة المرافق المشتركة، وأثرة الطبيعة الشحيحة، ووحدة الحياة الرتيبة، واستقلال النفس القوية، فالرجل منهم كان يحصر الدنيا في خيمته، ويجمع العالم في قبيلته، ثم يختصر القبيلة في نفسه فيجعلها قاعدة لتمثاله وإطاراً لصورته! فهو لا يحيا حياة بهائم الأنعام تحمي ضعفها بالاجتماع، وإنما يعيش عيش سباع الطير والوحش لا تشبل على أفراخها وأجرائها إلا ريثما ترتاض وتضرى. فلما اختيروا إلى الدعوة الكبرى استجابوا لقوة القوى، واطمأنوا لألفة الروح، واستجروا لحكم الجماعة، حتى بلغوا رسالة الله، ثم تحرك فيهم الهوى الموروث، وتيقظ الطبع الأثر، فهبت الفردية تحلل العقدة وتشتت الوحدة، حتى قسمت الوطن بلاداً، ومزقت الشعب أفراداً، خضعوا لسلطان المغير وداوا لقوة الغاضب! لا تزال هذه الفردية القبيحة وتوابعها من شهوة الرياسة وحب الاستئثار ودناءة الحرص، تقطع أوشاج المجتمع في أقطار العرب، فتفد كل موضوع، وتبطل كل مشروع، وتشعث كل ألفة. وفي مصر أحد تلك الأقطار تستطيع أن تعرض جملة أمرها على رأيك فتجد المثال الذي لا يبعد والحال التي لا تختلف. فالسياسة هنا وهناك لا تكاد أحزابها تقوم على فكرة جامعة ومبدأ متحد، إنما هي فرد ينبه في الخير أو ينبع في الشر، فتأتلف عليه الأفراد المختلفون، فيكون منهم مكان النظام من العقد، يمسكه ما دام حياً قوياً، فإذا ما انقطع ذهب الحب أباديد. والاقتصاد هنا وهناك جهود فردية تخشى المنافسة وتتعجل الربح وترضى بالنصيب الأخس، لأن الفردية قتلت فينا الثقة فلا نساهم في رأس مال، وأضعفت شعورنا بالخير العام فلا نشارك في مشروع، ونشرت بيننا داء الحسد فلا نستقيم على رأي جميع؛ وما النهضة الاقتصادية الحديثة إلا نبوغ فرد أنس الناس بناحيته، واطمأنوا إلى كفايته، فأخلدوا إليه بالثقة، وألقوا في يديه المقاليد. والأدب هنا وهناك لا تزال دوافعه فردية ومراميه خاصة؛ فالقصيدة عواطف

стр. 7497

الشاعر لا تكاد تخرج عن دخائل نفسه ومدارج حسه، والمقالة خواطر الكتاب لا تكاد ترمي إلى غرض محدد ولا تجري في مذهب معين، والأغنية لواعج المغنى فلا تعبر عن المعاني العامة، ولا تهتف بالأماني المشتركة. أما الملاحم القومية، والقصص الاجتماعية، والأناشيد الشعبية، فتلك أغراض لا تزال منابعها ناضبة ودوافعها دخيلة يأخذ المرء حال من الوجد أو الشوق أو الطرب، فيجد من القصائد والأناشيد ما يترجم هذه الحال، فيدندن ويتغنى؛ وتكون الجماعة منا في مجمع من المجامع، أو ملهى من الملاهي، أو موكب من المواكب، فيأخذها انفعال مشترك من ابتهاج أو احتجاج أو افتخار أو تحمس، فتريد أن تعبر عن ذلك بقول واحد وصوت واحد ونغم واحد، فلا تجد إلا خلجات تتوقد، ونظرات تتردد، ثم سكوناً بارداً كعرق المبهوت الخجل! حتى السلام الملكي الرسمي نعرفه نغماً ولا نعرفه كلماً كأنما وضعوه لأمة بكماء! كذلك الفن هنا وهناك لا يجد من حرج الفردية مكاناً للتنوع ولا مجالاً للتقدم، فالتصوير كالشعر قلما يتعدى صورة الفرد وعاطفته، والرقص حتى الرجال لا يكون إلا من فرد، ولا يظهر من هذا الفرد إلا متعاقباً على أجزاء خاصة من جسمه، كالعجز والبطن والثديين والعنق، فهو حركات متقطعة مستقلة كأبيات القصيدة القديمة لا تربطها علاقة ولا تجمعها وحدة! والغناء والموسيقى يقعان دائماً على أصوات مفردة، وتقاسيم مرددة، وفرديات (مونولوجات) متشابهة، ومعان متكررة! فليس لنا - حتى ولا للقرويين - غناء جماعي ولا رقص جماعي يعبران عن شعور الجماعة ساعة الطرب أو الغضب أو النصر بكلمات موقعة وحركات موزونة؛ ولكل أمة من أمم الأرض أفنان شتى من ذلك حتى الزنوج! إن الفردية تعلو فتكون الاستبداد، وتسفل فتكون الأنانية؛ وأن الجمعية ترتفع فتكون الإنسانية، وتنخفض فتكون العصبية؛ وإن بين الإنسانية والعصبية شعباً يعز، وأمة ترقي، وذكراً يبقى، وأثراً يخلد، ولكن بين الاستبداد والأنانية تحكم الهوى وشقاء العيش وذل الأبد. فإذا رأيت الأحزاب تتناقض وتنحل، مشروعات الشباب تضعف وتعتل، وإدارة الحكومة تسوء وتختل، فأبحث علل ذلك - غير مخطئ - في هذه الفردية حين تتعلى فتستبد، أو حين تتدلى فتستأثر. فلولا هذا الطبع الأصيل الذي طغى على الشعور، وبغى على الفطرة، لتنبه فينا الضمير الاجتماعي فأخلصنا للأمة كما نخلص للأسرة، وعملنا في

стр. 7498

الديوان كما نعمل في البيت، وأحببنا لعامة الناس ما نحب لخاصة النفس؛ ولكن الفردية داء دخيل لا يحسمه إلا الدين الذي حسمه عن نفوس العرب حين اتبعوه، فهل إلى رجوع إليه من سبيل؟ أحمد حسن الزيات

стр. 7499

تاريخ يتكلم. . . للأستاذ مصطفى صادق الرافعي أيعرف القراء أن في الأحلام أحلاماً هي قصص عقلية كاملة الأجزاء محكمة الوضع متسقة التركيب بديعة التأليف، تجعل المرء حين ينام كأنه أسلم نفسه إلى (شركة من الملائكة)، تسيح به في عالم عجيب كأنما سحر فتحول إلى قصة؟ إن يكن في القراء من لا يعلم هذا فليعلمه مني؛ فإني كثيراً ما أكتب وأقرأ في النوم، وكثيراً ما يلقى علي من بارع الكلام، وكثيراً ما أرى ما لو دونته لعد من الخوارق والمعجزات وهذهالقصة التي أرويها اليوم، كانت المعجزة فيها أني مشيت في التاريخ كما أمشي في طريق ممتدة؛ فتقدمت إلى أهل سنة ٣٩٥ للهجرة وما يليها، فعشت معهم وتخبرت من أخبارهم، ثم رجعت إلى زمني لأقص ما رأيته على أهل سنة ١٣٥٣. . . أمسيت البارحة كالمغموم في أحوال ثقيلة على النفس ما تنطلق النفس لها، أولها سوء الهضم، ومتى كان البدء من هنا لم تكن الحركة في النفس إلا دائرة، تذهب ما تذهب ثم لا تنتهي إلا في سوء الهضم عينه. فجلست في الندى الذي أسمر فيه أحياناً، فكان لجوه وزن أحسسته كما يحس الغائص في الماء ثقل الماء عليه؛ ودخنت الكر كرة فلم تكن هواء ودخاناً يتروح، بل كانت من ثقلها كالطعام يدخل على الطعام؛ ونظرت ناحية فأخذت عيني رجلاً فيلي الخلقة، منطاد البطن، كأنما نفخ بطنه بالآلات، يحمل منه مقدار أربعة من بطون البدينات الحوامل، كل منهن في الشهر التاسع من حملها. . .؛ وكان معي إلى كل هذا البلاء خمس صحف يومية أريد قراءتها. . .! ثم جئت إلى الدار، والمعركة حامية في أعصابي؛ وما كان سوء الهضم منومة فيدعو إلى النوم، فدخلت بيت كتبي وأردت كتاباً أي كتاب تناله يدي، فخرج لي كتاب في خرافات الأولين وأساطيرهم وهذيانهم وسوء هضمهم العقلي. . كالكلام أدونيس وأرطاميس وديونيس وسميراميس وإيسيس وأتوبيس وأثرغتيس. . . فاستعذت بالله وقلت: حتى الكتب لها في هذه الليلة أعصاب قد نالتها الثقلة والألم.؟ وبات الليل يقظان، وبقيت متململاً أتقلب حتى أخذ الصداع في رأسي، فانقلب التعب نوماً، وجاء من النوم تعب آخر، وقذفت إلى عالم الأحلام في قنبلة، تستقر بي حيث تريد لا حيث

стр. 7500

أريد: ورأيتني في قوم لا أعرف منهم أحداً، قد اجتمعوا جماهير، وسمعت قائلاً منهم يقول: (الساعة يمر مولانا العالي) فقلت لمن يليني: (من يكون مولانا العالي؟) قال: (أو أنت منهم؟) قلت (ممن؟) فألهاه عن جوابي تشوف الناس وانصرافهم إلى رجل أقبل راكباً حماراً أشهب؟ فصاحوا: (القمر القمر) ورفع الرجل الذي يناكبني صوته يقول: (البركات والعظمات لك يا مولانا العالي!) قلت: (إنا لله! لقد وقعت في قوم من الزنادقة، يعارضون (التحيات والصلوات والطيبات لله)؛ ثم مر صاحب الحمار بحذائي، وغمزه الرجل علي، فقال: (ما بالك لا تقول مثله؟) قلت: أعوذ باله من كفر بعد إيمان؛ فكأنما أراد أن يلطمني فرفع يده، فصحت فيه: (كما أنت ويلك وإلا قبضت عليك وأسلمتك للبوليس، وشكوتك إلى النيابة، ورفعتك إلى محكمة الجنح!) قال: (ماذا أسمع؟ الرجل مجنون فخذوه!) وأحاط بي جماعة منهم، ولكنه ترجل عن حماره واخذ بيدي ومشينا، فقلت: (من أنت يا هذا؟) قال: (أراك من غير هذا البلد؛ أما تعرف الحاكم بأمر الله؟ فأنا هو.) قلت: (انظر ويحك ما تقول؛ فما أظنك إلا ممروراً؛ لقد كتبت أمس كتاباً إلى مجلة (الرسالة) أرخته ١٣ ذي الحجة سنة ١٣٥٣ و١٨ من مارس سنة ١٩٣٥، وأرسلت به مقالة (الخروفين. . .) قال: ماذا اسمع؟ نحن الآن فيسنة ٣٩٥؛ فالرجل مجنون، أو لا فأنت أيها الرجل من معجزاتي. لقد جئت بك من التاريخ وتكتب، ثم تعود إلى التاريخ فتكون من معجزاتي، وتقص عني وتشهد لي. . .!) قلت: (فإني أعرف أعمالك إلى أن قتلت في سنة ٤١١. . .!) قال: (أو إله أنت، فتخلق ست عشرة سنة بحوادثها؟ لقد كدت من أفنك وغباوتك تفسد على دعوى المعجزة!) وهاج الصداع في رأسي، وبلغ سوء الهضم حده، واشتبكت سينات إيسيس وأتوبيس الخ بسين إبليس، ومرت بين كل هذا حوادث الطاغية المعتوه المتجبر، فرأيته يبتدع في كل وقت بدعاً، ويخترع أحكاماً يكره الناس على أن يعملوا بها، ويعاقبهم على الخروج منها ثم

стр. 7501

يعود فينقض أمره، ويعاقب على الأخذ به، كأن الذي نقض غير الذي أبرم، وكأنه حين يتبلد فيعجزه أن يخترع جديداً - يجعل اختراعه إبطال اختراعه! ورأيته كأنما يعتد نفسه مخ هذه الأمة، فلابد أن يكون عقلاً لعقولها، ثم لابد أن يستعلي الناس ويستبد بهم استبداد الشريعة في أمرها ونهيها، فكانت أعماله في جملتها هي نقض أعمال الشريعة الإسلامية، وظن أنه مستطيع محو ذلك العصر من أذهان الناس وقتل التاريخ الإسلامي بتاريخ قاتل سفاك وسول له جنونه أن خلق تكذيباً للنبوة؛ ثم افرط عليه الجنون فحصل في نفسه أنه خلق تكذيباً للألوهية. وفي تكذيبه للنبوة والألوهية يحمل الأمة بالقهر والغلبة على ألا تصدق إلا به هو؛ وفي سبيل إثباته لنفسه صنع ما صنع، فجاء تاريخه لا ينفي ألوهية ولا نبوة، بل ينفي العقل عن صاحبه؛ وجاء هذا التاريخ في الإسلام ليتكلم يوماً في تاريخ الإسلام. . . رأيتني أصبحت كاتباً لهذا الحاكم، فجعلت أشهد أعماله وأدون تاريخه وأقبلت على ما أفردني به، وقلت في نفسي: (لقد وضعتني الدنيا موضعاً عزيزاً لم يرتفع إليه أحد من كتابها وأدبائها، فسأكتب عن هذا الدهر بعقل بينه وبين هذا الدهر ٩٦٨ سنة صاعدة في العلم ودونت عشرة مجلدات ضخمة انتهيت وأنا أحفظها كلها، فإذا هي جمل صغيرة، جعل الحلم كل نبذة منها سفراً ضخماً كما يخيل للنائم أنه عاش عمراً طويلاً وأحدث أحداثاً ممتدة، على حين لا تكون الرؤيا إلا لحظة وهذه هي المجلدات التي قلت: إن التاريخ يتكلم بها في التاريخ. . . المجلد الأول ابتلى هذا الطاغية بنقيصتين: إحداهما من نفسه والأخرى من غيره؛ فأما التي من نفسه فإني أراه قد خلق وفي مخه لفافة عصبية من يهودية جده رأس هذه الدعوة؛ فهو الحاكم بن العزيز بن المعز بن القاسم بن المهدي عبيد الله، ويقولون إن عبيد الله هذا كان ابن امرأة يهودية من حداد يهودي، فاتفق أن جرى ذكر النساء في مجلس الحسين بن محمد القداح فوصفوا له تلك المرأة اليهودية، وأنها آية في الحسن، وكان لها من الحداد ولد، فتزوجها الرجل وأدب ابنها وعلمه، ثم عرفه أسرار الدعوة العلوية وعهد إليه بها

стр. 7502

من بعض اللفائف العصبية في المخ ما ينحدر بالوراثة مطبوعاً على خيره أو شره، لا يد للمرء فيه ولا حيلة له في دفعه أو الانتفاء منه، فيكون قدراً يتسلسل في الخلق ليحدث غاياته المقدورة، فمتى وقع في مخ إنسان فالدنيا كالحبلى ولابد أن تتمخض عنه هذه اللفافة اليهودية في مخ هذا الطاغية ستحقق به قول الله تعالى: (لتَجدَنّ أشَدّ الناس عداوةً للّذين آمنُوا اليهود.) فهو لن يكون العدو للإسلام دون أن يكون الأشد في هذه العداوة، ولن يكون فيها الأشد حتى يفعل بها الأفاعيل المنكرة. وما أرى هذه المآذن القائمة في الجو إلا تخرق بمنظرها عينيه من بغضه للإسلام وانطوائه على عداوته؛ فويل لها منه! وأما النقيصة الثانية فقد ابتلي بقوم فتنوه بآرائهم ومذهبهم، وهم حمزة بن علي، والأجرم، وفلان، وفلان. . . وقد لفقوا للدنيا مذهباً هو صورة عقولهم الطائشة، لا يجيء إلا للهدم، ثم لا يضع أول معاوله إلا في قبة السماء ليهدمها. . .! ولو أنا جمعت هذا المذهب في كلمة واحدة لقلت: هو حماقة حمقاء تريد إخراج الله من الوجود لإدخال الله في بعض الطغاة! ويتلقبون في مذهبهم بهذه الألقاب: العقل، الإرادة، الإمام، قائم الزمان، علة العلل. . .! وهذه هي الشيوعية بعينها، تعمل على هدم فكرة الألوهية وإلحاقها بالخرافة؛ كأن القائم بهذا المذهب هو عقل الناس وإرادتهم، كرهوا أم رضوا، فلا إرادة لهم معه ولا عقل، وهو الزمن فيصبغ الزمن بما شاء، ويجعله كيف شاء، لأنه به وعلة العلل في سياسته وتدبيره شيوعية آثمة، كبرت في حماقتها أن تقوم بجنون واحد، فلا تقوم إلا باثنين معاً: جنون العقل، وجنون السيف! المجلد الثاني أظهر الطاغية أن الله يؤيد به الإسلام، ليتألف الجند والشعب ويستميلهم إليه، وكان في ذلك لئيم الكيد دنيء الحيلة يهودي المكر. فأمر المدارس للفقه والتفسير والحديث والفُتْيا، وبذل فيها الأموال، وجعل فيها الفقهاء والمشايخ، وبالغ في إكرامهم والتوسعة عليهم والتخضع لهم، ودخل في ظلال العمائم. . . وأحضر لنفسه فقهين مالكيين (اثنين لا واحد) يعلمانه ويفقهانه، وكان أشبه بمريد مع شيخ الطريقة يتسعد به ويتيمن؛ أشرف ألقابه أنه خادم العمامة الخضراء، وأسعد أوقاته اليوم الذي يقول له فيه الشيخ: رأيتك في الرؤيا ورأيت لك. . .!

стр. 7503

وكانت هذه المعاملة الإسلامية الكريمة من هذا الطاغية - هي بعينها ربا اللفافة اليهودية في مخه؛ تصلح بإقراض مائة، وفيها نية الخراب بالستين في المائة. .! فإنه ما كاد يتمكن من الناس ويعرف إقبالهم عليه وثقتهم به، حتى طلبت اللفافة رأس المال والربا؛ فأمرهم بهدم تلك المدارس وإخرابها، وأبطل العيدين وصلاة الجمعة، وقتل الفقهاء وقتل معهم فقيهيه وأستاذيه، وعاد كالمريد المنافق مع شيخ الطريقة، يقول في نفسه: إن هناك ثلاثة تعمل عملاً واحداً في الصيد: الفخ، والعمامة، واللحية. . .! إن هذا الطاغية ملك حاكم، يستطيع أن يجعل حماقته شيئاً واقعاً، فيقتل علماء الدين بإهلاكهم، ويقتل مدارس الدين بإخرابها، ولو شاء لاستطاع أن يشنق كل ذي عمامة من سواد المسلمين في عمامته. ويبلغ من كفره أن يتبجح ويرى هذا قوة ولا يعلم أنه لهوانه على الله جعله الله كالذبابة التي تصيب الناس بالمرض، والبعوضة التي تقتل بالحمى، والقملة التي تضرب بالطاعون، فلو فخرت ذبابة أو تبجحت قملة أو استطالت بعوضة لجاز له أن يطن طنينه في العالم. وهل فعل أكثر مما تفعل؟ لقد أودي بأناس يقوم إيمانهم على أن الموت في سبيل الحق هو الذي يخلدهم في الحق، وأن انتزاعهم بالسيف من الحياة هو الذي يضعهم في حقيقتها، وأن هذه الروح الإسلامية لا يطمسها الطغيان إلا ليجلوها إنه والله ما قتل ولا شنق ولا عذب، ولكن الإسلام احتاج في عصره هذا إلى قوم يموتون في سبيله، وأعوزه ذلك النوع السامي من الموت الأول الذي كان حياة الفكر ومادة التاريخ، فجاءت القملة تحمل طاعونها. . .! لقد أحياهم في التاريخ، أما هم ققتلوه في التاريخ، وجاءهم بالرحمة من جميع المسلمين، أما هم فجاءوه باللعنة من المسلمين جميعاً! المجلد الثالث يرى هذا الطاغية أن الدين الإسلامي خرافة وشعوذة على النفس، وأن محو الأخلاق الإسلامية العظيمة هو نفسه إيجاد أخلاق، وأن الإسلام كان جريئاً حين جاء فاحتل هذه الدنيا؛ فلا يطرده من الدنيا إلا جراءة الشيطان كالذي توقح على الله حين قال: (فَبعزَّتكَ لأُغْويَنَّهُمْ أجمعين.) ولهذا أمر الناس بسب الصحابة، وأن يكتب ذلك على حيطان المساجد

стр. 7504

والمقابر والشوارع! أخزاه الله! أهي رواية تمثيلية يلصق الإعلان عنها في كل مكان؟ لو سمع لسمع المساجد والمقابر والشوارع تقول: أخزاه الله. . .! المجلد الرابع هذا الفاسق لا يركب إلا حماراً أشهب يسميه: (القمر)، وقد جعل نفسه محتسباً لغاية خبيثة؛ فهو يدور على حماره هذا في الأسواق ومعه عبد أسود، فمن وجده قد غش أمر الأسود فـ. . .! ووقف ينظر ويقول للناس: انظروا. . .! ومن غلبة الفسوق على نفسه وعلى شيعته أن داعيته (حمزة بن علي) نوه بالحمار في كتابه وأومأ إليه بالثناء، لخصال: منها أن. . .! وكتب حمزة هذا في بعض رسائله: أن ما يرتكبه أهل الفساد بجوار البساتين التي يمر بها (الفاسق) من المنكر والفحشاء - إنما يُرتكب في طاعته. . .! هذه طبيعة كل حاكم فاسق ملحد، يرى في نفسه رذائله عريانة فلا يكون كلامه وعمله وفكره إلا فحشاً يتعرى؛ وإن في هذا الرجل غريزة فسق بهيمية متصلة بطور الحيوان الإنساني الأول؛ فما من ريب أن في جسمه خلية عصبية مهتاجة، ما زالت تسبح بالوراثة في دماء الأحياء، متلففة على خصائصها حتى استقرت في أعصاب هذا الفاسق، فانفجرت بكل تلك الخصائص ولست أرى أكثر أعماله ترجع في مردها إلا إلى طغيان هذه الغريزة فيه؛ فهو يحاول هدم الإسلام، لأنه دين العفة، ودين صون المرأة، يلزمها حجاب عفها إبائها، ويمنعها الابتذال والخلاعة، ويعينها أن تتخلص ممن يشتهيها ولو كان الحاكم. . . إنه يمقت هذا الدين القوي كما يمقت اللص القانون؛ فهو دين يثقل على غريزته الفاسقة، ولكل غريزة في الإنسان شعور لا مهنأ لها إلا أن يكون حراً حتى في التوهم؛ وهل يعجب السكير شيء أو يرضيه أو يلذه كما يعجبه أن يرى الناس كلهم سكارى، فينتشي هو بالخمر، وتسكر غريزته برؤية السكر وما زال رأي الفساق في كل زمن أن الحرية هي حرية الاستمتاع، وأن تقييد اللذة إفساد للذة المجلد الخامس

стр. 7505

يزعم الطاغية أنه يعز قومه - وما أراه يعزهم - ولكنه يمتحن ذلهم وضعفهم وهوانهم على الأمم؛ فهو يتجزأ شيئاً فشيئاً منتظراً ما يتسهل مترقباً ما يمكن؛ وهو يرى أن أخلاقنا الإسلامية هي أمواتنا دفنوا أنسهم فينا؛ فمن ذلك يهدم الأخلاق ويظن عند نفسه أنه يهدم قبوراً لا أخلاقاً ولقد سخر منه المصريون بنكتة من ظرفهم البديع، وجاءوه من غريزته فصنعوا امرأة من الورق الذي يشبه الجلد، وألبسوها خفها وإزارها، حتى لا يشك من رآها أنها آدمية، ثم وضعوا في يدها قصة وأقاموها في طريقه؛ فلما رآها عدل إليها وأخذ من يدها القصة وقرأها، فإذا فيها سب له ولآبائه، وسخرية من جنونه ورعونته المضحكة؛ فغضب وأمر بقتل المرأة؛ فكانت هذه سخرية أخرى حين تحقق أنها من الورق، وأخذته النكتة الظريفة بمثل البرق والرعد؛ فاستشاط وأمر عبيده من السودان بتحريق الدور لا ونهب ما فيها وسبي النساء والفجور بهن؛ حتى جاء الأزواج يشترون زوجاتهم من العبيد بعد أن طارت الزوبعة والسوداء في بياض الأعراض اندلعت ثورة الفجور في المدينة، لا من العبيد، ولكن من الحيوان العتيق المستقر في هذا الطاغية المجلد السادس وهذه رعونة من أقبح رعوناته، كأن هذا الحيوان لا يحسب نساء لأمة كلها إلا نساءه، فيأمرهن بأمر امرأته، وكأن النساء في رأيه هن إلا استجابات عصبية تطلق وترد إن لموجة الفسق في الغريزة الطاغية جزراً ومداً يقعان في تاريخ الفساق؛ فهذا الطاغية قد جزرت فيه الموجة، فأمر أن يمنع النساء من الخروج ليلاً ونهاراً، لا تطأ أرض المدينة قدم امرأة؛ وأمر الخفافين ألا يصنعوا لهن الأخفاف والأحذية؛ ولما علم أن بعض النساء خرجن إلى الحمامات هدم الحمامات عليهن! ولو مدت الموجة في نفس الفاسق لفرض على النساء الخروج والاتصال بالرجال والتعرض للإباحة إن الصلاح والفساد كلاهما فساد، ما لم يكن الصلاح نظافة في الروح وسمواً في القلب

стр. 7506

المجلد السابع يزعم الطاغية أنه سيهدم كل قديم، وإني لأخشى والله أن يأمر الناس في بعض سطوات جنونه؛ أن كل من كان له أب أو أم بلغ الستين فليقتله لتخلص الأمة من قديمها الإنساني. . .! كأنه لا يعرف أنه إنما يتسلط على أيام معاصريه لا على التاريخ ويحكم على طاعة قومه وعصيانهم لا على قلوبهم وطباعهم وميراثهم من الأسلاف؛ فما هو إلا أن يهلك حتى ينبعث في الدنيا شيئان: نتن رمته في بطن الأرض؛ ونتن أعماله على ظهر الأرض إن هذا الرجل المسلط كالغبار المستطار، لا يكنس إلا بعد أن يقع. . . ولقد رأى المأفون أن أكل الناس الملوخيا الخضراء والفقاع، والترمس والجرجير، والزبيب والعنب - هوى قديم في طباع الناس فنهى عن كل ذلك، لا يباع ولا يؤكل، وظهر على أن جماعة باعوا أشياء منها فضربهم بالسياط، وأمر فطيف بهم في الأسواق، ثم ضرب أعناقهم؛ كأن الذي يحمل الملوخيا الخضراء على رأسه ليبيعها يلبس عمامة خضراء. . . أهذا - ويحه - تجديد في الأمة، أم تجديد في المعدة. . .؟ المجلد الثامن لا يرضى الطاغية إلا أن يمحق روحانية الأمة كلها، فلا يترك شيئاً روحانياً يكون له في أعصاب الناس أثر من الوقار. وبمن يستظهر إذا محقت روحانية الأمة وأشرفت نزعتها الدينية على الانحلال؟ كأنه لا يعلم أن حقيقة الوجود لأمة من الأمم إنما تستمد من إيمانها بالمثل الأعلى الذي يدفعها في سلمها إلى الحياة بقوة، كما يدفعها في حربها إلى الموت بقوة؛ وكأنه لا يعلم أن التاريخ كله تقرره في الأرض بضعة مبادئ دينية هذا الحاكم الأخرق هو عندي كالذي يقول لنفسه: لم أستطع أن أفتح دولة، فلأفتح دولة في مملكتي. . . لقد أمر بهدم الكنائس والبيع، حتى بلغ ما هدم منها ثلاثين ألفاً ونيفاً أي مجنون أسخف جنوناً من هذا الذي يحسب النفوس الإنسانية كالأخشاب؛ تقبل كلها بغير استثناء أن تدق فيها المسامير. . .؟ سيعلم إذا نشبت حرب بينه وبين دولة أخرى، أنه كسر أشد سيوفه مضاء حين كسر الدين!

стр. 7507

المجلد التاسع هذه الطامة الكبرى؛ فلا أدري كيف أكتب عنها: لقد تطاول المجنون إلى الألوهية فادعاها وصار يكتب عن نفسه: باسم الحاكم الرحمن.! لو كان أغبى الأغبياء في موضعه لاتقى شيئاً، لا أقول تقوى الدين والضمير، ولكن تقوى النفاق السياسي؛ فكان يحمل الناس أن يقولوا عنه: (أبانا الذي في الأرضين. . .!) وإلا فأي جهل وخبط وأي حمق وتهور، أن يكون إله على حمار، وإن كان اسم حماره القمر! المجلد العاشر سيأخذه الله بامرأة؛ ولكل شيء آفة من جنسه، لقد بلغ من وقاحة غريزته أن ائتفك على أخته الأميرة (ست الملك)، ورماها بالفاحشة وهي من أزكى النساء وأفضلهن، واتهمها بالأمير (سيف الدين بن الدواس) وقد علمت أنها تدبر قتله، وأنها اجتمعت لذلك بسيف الدين. فسأمسك عن الكتابة في هذا المجلد، وأدع سائره بياضاً حتى أذهب إليهما فأعينهما بما عندي من الرأي، ثم أعود لتدوين ما يقع من بعد. . . ورأيت أني اجتمعت بهما واطمأنا إلي، فأخذنا ندير الرأي: قالت الأميرة لسيف الدين فيما قالته: (والرأي عندي أن تتبعه غلماناً يقتلونه إذا خرج في غد إلى جبل المقطم، فإنه ينفرد بنفسه هناك!) فقلت أنا: (ليس هذا الرأي ولا بالتدبير) قالت: (فما الرأي والتدبير عندك؟) قلت: (إن لنا علماً يسمونه (علم النفس)، لم يقع لعلمائكم، وقد صح عندي من هذا العلم أن الرجل طائش الغريزة مجنونها، وأن الأشعة اللطيفة الساحرة التي تنبعث من جسم المرأة، هي التي تنفجر في مخه مرة بعد مرة؛ فإذا خبت هذه الأشعة، وبطلت الغريزة - بطلت دواعي أعماله الخبيثة كلها وكف عن محاولته أن يجعل الأمة مملوءة من غرائز جسمه وشهواته لا من فضائلها ودينها. فلو أخذتم برأيي وأمضيتموه فإنه سينكر أعماله إذا عرضها على نفسه الجديدة، وبهذا يصلح ما أفسد، وتكون حياته قد نطقت بكلمتها الصحيحة كما

стр. 7508

نطقت بكلمتها الفاسدة؛ فإذا. . .) قال الأمير: (فإذا ماذا؟) قلت: (فإذا خصي. . .) فضحكت ست الملك ضحكة رنت رنيناً. قلت: (نعم إذا خصي هذا الحاكم. . .) فغلبها الضحك أشد من الأول ورمتني بمنديل لطيف كان في يدها أصاب وجهي فانتبهت وأنا أقوال (نعم إذا خصي هذا الحاكم. . .) طنطا

стр. 7509

عصر الخفاء في مصر الإسلامية الحاكم بأمر الله للأستاذ محمد عبد الله عنان - ١ - لبثت مصر منذ الفتح الإسلامي زهاء قرنين ونصف قرن ولاية خلافية، تتوارثها الخلافة أينما حلت؛ الخلافة العامة، فالأموية، فالعباسية. غير أن مصر كانت منذ الفتح تتبوأ بين الولايات الخلافية مركزاً ممتازاً؛ فقد اتخذت قاعدة لفتح إفريقية فالأندلس، وكان ولاتها الأوائل، ولاة لأفريقية؛ وكانت أيضاً، بموقعها الجغرافي، وأهميتها العمرانية مطمع الزعماء المتغلبين يرون فيها ملاذاً منيعاً للحركات الاستقلالية؛ فقد وليها فاتحها عمرو بن العاص ولايته الثانية من قبل معاوية، ولكنه جعل منها وحدة شبه مستقلة، وربما كان في اهتمام عمرو بالبقاء في ولاية مصر وسعيه لدى عثمان في تحقيق غايته، ثم اقتطاعها بعد ذلك من معاوية ثمناً لحلفه ومؤازرته ما يحمل على الاعتقاد بأنه لو ثابت لهذا القائد العظيم والسياسي البارع فرصة ملائمة لأنشأ بمصر لنفسه ولعقبه دولة أو خلافة مستقلة. ولما قام عبد الله بن الزبير بثورته على الخلافة الأموية ألفى في انتزاع مصر طعنة قوية يسددها لصدر الخلافة. ولما تألق نجم بني العباس وسحقت الخلافة الأموية في موقعة الزاب، فر مروان الثاني آخر الخلفاء الأمويين إلى مصر ليتخذها قاعدة للدفاع عن ملكه وتراث أسرته؛ ولعله لم يكن بعيداً عن التفكير في اتخاذ مصر بعد الشام معقلاً للخلافة الأموية وقاعدة لاسترداد تراثها الذاهب لو كتب له الظفر على مطارديه ولما ضعف سلطان الدولة العباسية وتراخت قبضتها في النواحي، غدت مصر طعمة لطائفة من الحكام الأقوياء، يحكمونها باسم الخلافة، ولكن ينشئون بها دولاً مستقلة، لا تكاد تربطها بالخلافة أية روابط سياسية أو إدارية. وكان ابن طولون أول هذا الثبت من الحكام الأقوياء؛ قدم مصر والياً من قبل الخليفة المعتز سنة ٢٥٤هـ (٨٦٨م)، فلم يلبث أن استخلصها بعزمه وقوة نفسه، وأنشأ بها لنفسه ولعقبه دولة باذخة ترامت حدودها إلى شمال الشام؛ واستمرت مدى ربع قرن تنافس دولة الخلافة في السلطان والبهاء؛ فلما آنست

стр. 7510

الخلافة أن الانحلال قد سرى إلى الدولة الفتية، بعثت جيوشها إلى مصر غازية، فاقتحمت مدينة القطائع عاصمة بني طولون، وقضت على تلك الدولة الزاهرة (٢٩٢هـ - ٩٠٤م) واستعادت الخلافة سلطانها على مصر عصراً آخر؛ بيد أن هذا السلطان لبث عرضة للانتقاض بين آونة وأخرى، وحاول ولاة أقوياء مثل تكين وابن كيغلغ أن ينتزعوها لأنفسهم في ظل الخلافة الأسمى؛ حتى كانت ولاية محمد ابن طغج الإخشيد، فاستطاع أن يقوم بمصر بمثل ما قام به ابن طولون، وأن ينشئ بها دولة قوية مستقلة شملت الشام والحرمين، واستمرت مدى ثلاثين عاماً (٣٢٧ - ٣٥٨هـ) كانت مصر تتمتع إذاً بمركزها الممتاز بين ولايات الخلافة؛ وكان هذا المركز الخاص يجعلها قبلة مختارة لأطماع المتغلبين وذوي النزعة الاستقلالية من الولاة والحكام؛ ويرجع هذا المركز الممتاز إلى موقع مصر الجغرافي ونأيها عن مركز الخلافة العباسية، ثم إلى اتساعها وغناها، وكونها تصلح بمواردها الخاصة لأن تكون مركز مملكة مستقلة. ولم تخف على الفاطميين هذه الحقيقة يوم استطاعوا أن ينفذوا بدعوتهم إلى أفريقية، وأن ينشئوا بها دولتهم الأولى على أنقاض ملك الأغالبة، فاتجهوا بأنظارهم إلى مصر؛ وما كاد ملكهم يستقر بأفريقية، حتى بعث أبو عبيد الله المهدي أو خلفائهم جيوشه لافتتاح مصر، فاستولت على برقة والإسكندرية، ولكنها ارتدت أمام جيوش مصر وجيوش الخلافة (٣٠٢هـ)؛ ثم غزت مصر ثانية، واستولت على الإسكندرية والفيوم، وأشرفت على عاصمة مصر، ولكنها ارتدت إلى المغرب كرة أخرى بعد حروب طاحنة مع جيوش الخلافة (٣٠٧هـ) واستطاعت مصر أن تظفر مدى حين، في ظل الدولة الإخشيدية، بقسط من الاستقرار والقوة، ولكن الخلافة الفاطمية الفتية لم تنبذ مشروعها في افتتاح ذلك القطر الشاسع الغنى، وبعث القائم بأمر الله ثاني الخلفاء الفاطميين جنده إلى مصر، فاستولوا على الإسكندرية مرة أخرى (٣٣٢هـ)؛ وكانت الخلافة الفاطمية تشعر أنها، وهي في مركزها النائي بقفار المغرب تبقى بعيدة عن تحقيق غاياتها السياسية والمذهبية الكبرى، أعني مناوأة خصيمتها الدولة العباسية والعمل على تقويض دعائمها، وانتزاع زعامة الإسلام منها؛ وكانت مصر بتوسطها العالم الإسلامي، وبما اكتمل لها من أسباب الغنى والخصب، هي أصلح مركز لتحقيق هذه الغاية، وفيها دون غيرها تستطيع الخلافة الفاطمية أن تقيم ملكها السياسي على

стр. 7511

أسس قوية باذخة. فلما سرى الوهن إلى الدولة الإخشيدية، رأى الفاطميون فرصتهم قد سنحت، وجهز المعز لدين الله الفاطمي حملة كبيرة لافتتاح مصر بقيادة مولاه وقائده أبي الحسين جوهر الصقلي، فسار إلى مصر، واستولى عليها بعد معارك يسيرة في شعبان سنة ٣٥٨ (يوليه سنة ٩٦٠)، وفي مساء نفس اليوم الذي تم فيه ذلك الفتح العظيم، وضع جوهر بأمر سيده المعز خطط مدينة جديدة هي القاهرة، ثم اختط الجامع الأزهر بعد أشهر قلائل، وأعدت المدينة الجديدة لتكون منزل الخلافة الفاطمية، وقاعدة ملكها السياسي، كما أعد الجامع الجديد (الأزهر) ليكون منبراً للدعوة الفاطمية ورمزاً للإمامة الجديدة وهكذا تحقق مشروع الخلافة الفاطمية في افتتاح مصر؛ ومنذ السابع من رمضان سنة ٣٦٢هـ (منتصف يونيه سنة ٩٧٣) وهو تاريخ مقدم المعز لدين الله إلى مصر، تغدو القاهرة منزل الخلافة الفاطمية، بدلاً من رقادة والمهدية، وتغدو مصر معقل الخلافة الفاطمية وملاذها بدلاً من المغرب. فلم تكن مصر للفاطميين غنماً سياسياً فقط، ولكنها غدت أيضاً معقلاً للدعوة الشيعية التي لبث بنو العباس يطاردونها زهاء قرنين، والتي بدأت ظفرها السياسي بافتتاح المغرب؛ وكانت الدولة الفاطمية منذ قيامها بمصر تحتفظ بنفس الصبغة المذهبية التي اتشحت بها منذ قيامها بالمغرب، وكانت هذه الصبغة المذهبية الخاصة عنصراً من أهم عناصر الخصومة السياسية التي نشبت بين الدولتين العباسية والفاطمية؛ فالفاطميون الذين يرجعون نسبهم إلى فاطمة وعلي يختصون خلافتهم بالصفة الشرعية، ويعتبرون الدولة العباسية وريثة الدولة الأموية غاصبة للإمامة والخلافة اللتين اغتصبهما من قبل بنو أمية من علي وأبنائه، ويتخذون من هذا المبدأ دعامة لملكهم السياسي؛ فهم حسب دعواهم أبناء فاطمة بنت الرسول، وورثة علي وعقبه الشرعيين في إمامة المسلمين وخلافتهم وهنا تعرض نقطة دقيقة. من هم في الواقع أولئك الفاطميون؟ وهل يرجع أصلهم حقاً إلى فاطمة وعلي؟ هذه مسألة يحيط بها الخفاء والغموض، ولم يقل فيها التاريخ كلمته الحاسمة؛ وقد لبثت مدى عصور موضع الخلاف والجدل في العالم الإسلامي والرواية الإسلامية؛ ففريق من العلماء والمؤرخين يؤيد الفاطميين في دعواهم وفي شرعية إمامتهم؛ ويرجع نسبة إمامهم ومؤسس دولتهم عبيد الله المهدي إلى الحسين بن علي وفاطمة. ولكن فريقاً

стр. 7512

آخر ينكر عليهم هذه الدعوة ويرى أنهم أدعياء لا يمتون بأية صلة إلى علي، وأنهم إنما استتروا بالتشيع والإمامة ليكسبوا عطف العالم الإسلامي. ويرجع هذا الفريق المنكر نسبة الفاطميين إلى عبد الله بن ميمون القداح بن ديصان البوني، وهو فقيه وافر الذكاء والمعرفة من الأهواز يرجع إلى أصل مجوسي، وداعية من أعظم الدعاة السريين الذين عرفهم التاريخ؛ وقد كان يدعو سراً إلى مذهب فلسفي إلحادي لإنكار الأديان والنبوة ساغه في سبع دعوات سرية ينتهي الداخل فيها إلى إنكار جميع العقائد والشرائع، ومنها استمدت دعوة القرامطة وبعثت ثورتهم الإباحية المروعة؛ وكان يستتر بالتشيع ويدعو لإمام من آل البيت هو محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق من ولد الحسين بن علي؛ فلما توفي قام بدعوته السرية ولده أحمد، ومن بعد أحمد ولده الحسين فأخوه سعيد؛ واستقر سعيد بسلمية من أعمال حمص واستمر في نشر الدعوة وبث الدعاة حتى استفحل أمره وأمر دعوته، وحاول الخليفة المكتفي بالله أن يقبض عليه وأن يخمد دعوته ففر إلى المغرب؛ وبشر له هناك دعاته وقاتلوا من أجله حتى ظفر بملك الأغالبة وتلقب بعبيد الله المهدي، وادعى أنه من آل البيت وانتحل إمامتهم. ويقدم إلينا فريق آخر من المنكرين عن أصل عبيد الله رواية خلاصتها أن الحسين حفيد عبد الله بن ميمون هو الذي استقر بسلمية، وكانت له زوجة يهودية رائعة الحسن تزوجها بعد أن مات عنها زوجها الأول وهو يهودي ولها منه ولد فائق الذكاء والظرف، فتبناه الحسين وعلمه وأدبه ولقنه أسرار الدعوة، وتقدم إلى أصحابه بخدمته وطاعته، وزعمأنه هو الإمام، وهو الوصي؛ وانتحل له نسباً في ولد علي، فكان هو عبيد الله المهدي. وهنالك أيضاً من يقول إن عبيد الله هو ولد الحسين من زوجه اليهودية؛ وهنالك روايات وتفاصيل أخرى لا يتسع لها المقام وهذا الجدل حول نسب الفاطميين، والطعن فيه وفي شرعية إمامتهم ومبادئهم يشغل فراغاً كبيراً في الكتب المذهبية؛ ونحن ممن يميل إلى الأخذ برواية المنكرين، ولا نجد في تدليل المؤيدين وشروحهم ما يلقي ضياء مقنعاً؛ وكان هذا الطعن سلاحاً في يد الدولة العباسية تشهره للنيل من الفاطميين وتشويه سمعتهم في العالم الإسلامي؛ وقد اتخذ قبل بعيد صبعة سياسية رسمية؛ ففي سنة ٤٠٢ هـ في عهد الخليفة القادر بالله، أصدر بلاط بغداد محضراً رسمياً موقعاً عليه من كبار الفقهاء والقضاة، وبعض زعماء الشيعة، يتضمن الطعن في

стр. 7513

نسب الفاطميين خلفاء مصر، وأنهم ليسوا من آل البيت، بل هم ديصانية ينتسبون إلى ميمون ابن ديصان، بل إنهم كفار زنادقة، وفساق ملاحدة، أباحوا الفروج، وأحلوا الخمور، وسبوا الأنبياء، وادعوا الربوبية. وفي سنة ٤٤٤هـ، كتب ببغداد محضر آخر يتضمن نفس المطاعن؛ وزيد فيه أن الفاطميين يرجعون إلى أصل يهودي أو مجوسي. ونلاحظ أن الوثيقة الأولى صدرت من بلاط بغداد، وفي عهد الحاكم بأمر الله، وقد كان في تصرفاته وفي ظروف عصره، ما يصلح مادة غزيرة لهذه المطاعن - ٢ - كانت مصر غنماً يسيراً للدولة الفاطمية الفتية، ولكنها كانت أسطع جوهرة في تاجها، وأعظم قطر في تلك الإمبراطورية الشاسعة التي أصبحت تسيطر عليها. ولقد كان قيام هذه الدولة القوية الشامخة في مصر مستهل عصرها الذهبي، ومفتتح تلك العظمة وذينك البهاء والبذخ التي نثرتها من حولها وطبعت بها حياة مصر العامة عصراً مديداً؛ وكانت مصر بخصبها ونعمائها وفيض مواردها أعظم دعامة في إقامة هذا الصرح الباذخ الفخم؛ فالعصر الفاطمي من أسطع عصور مصر الإسلامية إن لم يكن أسطعها جميعا؛ غير أن هذا العصر الذهبي الوهاج يبعث إلى كثير من التأمل، فبينا نراه وضاء واضحاً في بعض النواحي، إذ نراه في البعض الآخر مظلماً مغلقاً، وإذا هذه الخلافة القوية الساطعة يكتنفها كثير من الخفاء والغموض والريب، وإذا تتبدى لنا في هذا الصرح البراق ثغرات سود لا نستطيع أن نسبر غورها أو نظفر بقراراتها؛ ويشتد هذا الخفاء والغموض بالأخص كلما حاولنا أن نستعرض من هذا العصر نواحيه الدينية والمعنوية، فهنا تبدو من آن لآخر ظلمات يصعب استجلاؤها. على أننا سنحاول مع ذلك أن نستعرض من العصر الفاطمي فترة ربما كانت أشده خفاء وغموضاً، وربما كانت مع ذلك أدعى إلى الاهتمام والدرس، لما تعرضه لنا من حوادث وظرف وخواص مدهشة، ولما تسفر عنه أحياناً من الحقائق والأسرار الغريبةالتي تلقي شيئاً من الضياء على روح السياسة الفاطمية الدينية والمدنية، وعلى حقيقة وجهاتها وغاياتها نريد بذلك عصر الحاكم بأمر الله أغرب وأغمض شخصية في تاريخ مصر الإسلامية قدم المعز لدين الله (تميم أبو معد) إلى مصر بجيوشه وأمواله وعصبته في السابع من

стр. 7514

رمضان سنة ٣٦٢هـ (منتصف يونيه سنة ٩٧٣) بعد أن أنشئت العاصمة الجديدة (القاهرة) وأعدت لنزوله، واستتب النظام، وتوطد الملك الجديد، وتلقى المعز ملك الشام كما تلقى ملك مصر على يد قائده جعفر بن فلاح، ودعا له بنوحمدان في حلب، فكانت مملكته الشاسعة تمتد من أواسط المغرب إلى شمال الشام؛ ولكن فورة القرامطة كانت تهدد ملكه الجديد في مصر والشام، وكان القرامطة قد زحفوا على مصر بالفعل في أوائل سنة ٣٦١، ونشبت بينهم وبين جيوش المعز بقيادة جوهر معارك هائلة على مقربة من الخندق (بجوار القاهرة) انتهت بهزيمتهم، ولكنهم ارتدوا عندئذ نحو الشام فافتتحوها من يد ابن فلاح نائب المعز، ثم زحفوا على مصر كرة أخرى، فلقيتهم جيوش المعز على مقربة من بلبيس، وهزمتهم هزيمة ساحقة (أواخر سنة ٣٦٣هـ). وفي العام التالي خاضت الجيوش الفاطمية في الشام معارك شديدة ضد أفتكين المتغلب على دمشق وحلفائه البيزنطيين؛ وفي الوقت نفسه غلبت الدعوة الفاطمية على الحجاز ودعا للخليفة الفاطمي على منابرها وتوفى المعز في ١٤ ربيع الثاني سنة ٣٦٥هـ (ديسمبر سنة ٩٧٥م)، فخلفه ولده العزيز بالله (أبو منصور نزار)، ولبث في الخلافة زهاء إحدى وعشرين سنة. وفي أول عهده زحف القرامطة وحليفهم أفتكين على مصر، فلقيهم العزيز في فلسطين وهزمهم بعد حرب شديدة وأسر أفتكين (٣٦٨هـ) وفي أيامه استردت دمشق، وافتتحت الجيوش الفاطمية حمص وحماه وحلب وخاضت مع البيزنطيين معارك عديدة كان النصر حليفها فيها؛ ودعا للعزيز في الموصل واليمن، واتسع بذلك نطاق الدعوة الفاطمية اتساعاً عظيماً. ثم توفي العزيز في ٢٨ رمضان سنة ٣٨٦ هـ (سبتمبر سنة ٩٩٦م) في بلبيس حيث كان يعتزم السير بعساكره إلى الشام؛ فخلفه يوم وفاته ولده وولي عهده أبو علي منصور، ولقب بالحاكم بأمر الله، وكان العزيز قد استدعاه إليه في مرض موته؛ وفي اليوم التالي سار الحاكم إلى القاهرة ومعه جثة أبيه، فدخلها في موكب فخم مؤس معاً للبحث بقية محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 7515

كيف نبعث الأدب وكيف نترواه للأستاذ عبد العزيز البشري تتمة أين أدبنا الصريح؟ لقد تعرف أن الأدب الحق لكل أمة هو الذي يشاكل حضارتها، ويكافئ ثقاتها، ويواتيها في جميع أسبابها، ويترجم في صدق ويسر عن عواطفها، وينفض ما يعتلج في الصدور من ألوان الشعور والإحساس. ولقد تعرف أن الأمم كما تختلف في ألوانها وفي ألسنتها وفي أخلاقها وعاداتها وغير أولئك، فإنها تختلف كذلك في شعورها وفي أذواقها ومنازع عواطفها. ومهما تختلف في أفراد الأمة الواحدة هذه العواطف بالقوة والضعف، والرقة والجفاء، وغير ذلك من وجوه الاختلاف، فإنها ترجع إلى اصل واحد، وتندرج تحت جنس واحد، على تعبير أصحاب المنطق، وذلك لأنها أثر من أثار الإرث، والبيئة، والعادة، والتاريخ، وما يتردد عليه النظر من صور الطبيعة، وغير ذلك. كما أن لنوع الثقافة ومبلغ حظ الأمة منها أثره البعيد أو القريب في هذا الباب ومهما يكن من شيء فان لون العواطف الشائع في كل أمة ليس بالشيء الذي يستعار استعارة، ولا بالذي تتناقله الأمم كما تتناقل العلوم وفنون الصناعات مثلا. وكيف له بهذا وقد رأيت أن أبلغ عناصره مما لا يدرك بالكسب ولا بالاختيار، إن هو إلا حكم الطبيعة وما من حكم الطبيعة مناص! وأحسب أننا، بعد التسليم بهذا، في غير حاجة إلى أن نبعث الأدلة على أن ما يترجم عن عواطف قوم ويصور من حسهم الباطن قد لا يؤدي هذا لغيرهم، وأن ما يستقيم من البيان لأذواق خلق من الناس لقد ينشز على أذواق معشر آخرين. على أنه قد تشترك العاطفة والذوق كلاهما في معنى من المعاني وحينئذ يصدق البيان وعلى هذا فانه مهما نسرف في مطالعة أدب الغرب والتروي منه، ومهما نجهد في محاكاته وتقليده، فانه لن يكون لنا أدباً في يوم من الأيام، اللهم إلا أن تنقلب أوضاع الطبيعة، فان الأمم لا تطبع على غرار الآداب، بل إن الآداب لهى التي تطبع على غرار الأمم!

стр. 7516

لقد نكون في حاجة ولقد تكون هذه الحاجة شديدة جداً إلى مطالعة آداب الغرب وإطالة النظر فيها، واستظهار الكثير من روائعها، ونقل ما يتهيأ نقله إلينا منها في لسان العرب، ولكن ليس معنى هذا أن نتخذها آداباً لنا. فذلك، كما علمت، عبث لا يغني ولا يفيد والآن نلتمس أدبنا باعتبارنا عرباً أو مستعربين نعيش في مصر، مأخوذين بثقافتها القائمة، وموصولين بتاريخها القديم. إننا نلتمس هذا الأدب الذي يوحي به إلينا تاريخنا العربي من ناحية، وتاريخنا المصري من الناحية الأخرى. هذا الأدب الذي تلهمنا إياه أخلاقنا وعاداتنا وثقافتنا، ويسويه لنفوسنا العيش في وادي النيل. إننا نلتمس هذا الأدب الذي يفيض بما تجيش به عواطفنا، ويصدق في الترجمة عما يعتلج في نفوسنا، ويصور دخائل حسنا أكمل تصوير، ويعبر عنها أدق تعبير. وإن شئنا الكلمة الجامعة قلنا إننا نلتمس الأدب القومي فلا نصيب أثره إلا قليلاً فيما يخرج لنا من آثار الأدباء والمتأدبين! اللهم إن فينا أدباء جروا من العربية على عرق، وأحرزوا صدراً من بديع صيغها، وتفتحت نفوسهم لمنازع بلاغاتها، واستظهروا الكثير من روائعها فيما نظم متقدمو شعرائها وما أرسل المجلون من كتابها. على أن أكثر هؤلاء، والشعراء منهم على وجه خاص، إذا اجتمع أحدهم لحديث العاطفة لم ينفض ما يحس هو وما يشعر، وإنما تراه يترجم عما كان يجده السلف الأقدمون من مئات السنين، لأنه جعل كل همه إلى المحاكاة والتقليد ليخرج شعره عربياً لا شك فيه، وهؤلاء يتناقص عديدهم على الزمان حتى أشفى فنهم على الزوال وهناك شباب لم يبلغوا حظاً مذكوراً من العربية، ولعل من بلغ منهم حظاً منها لم يعن ولم يكترث لها، وهؤلاء أقبلوا على أدب الغرب فجعلوا يحاكونه ويترسمون آثاره، فيستحدثون أخيلة لم تتراء لأحلامهم، ويسوون صوراً لم تتمثل لخواطرهم، ويريقون عواطف لم تترقرق في نفوسهم، ويفصدون أحاسيس لم تجش قط في صدورهم. وتراهم يستكرهون هذه الأمشاج من المعاني على نظام ليس فيه من العربية إلا مفردات الألفاظ، يشد بعضها إلى بعض بمثل قيود الحديد برغم تنافرها وتناكرها بحيث لو أطلقت من إسارها لتطايرت إلى الشرق والغرب ما يلوي شيء منها على شيء! فيخرج من هذا ومن هذا كلام لا يستوي للطبع، ولا يستريح إليه الذوق، ولا يخف للتعلق به الخيال! وكيف له بشيء من هذا ولم ينتصح به طبع، ولا رهف له حس، ولا تحركت به عاطفة، ولا انبعث إليه من

стр. 7517

نفسه خيال! فهو أدب مصنوع مكذوب على كل حال بل إن هناك شباباً لم يحذقوا شيئاً من لغات الغرب، ولم يظهروا فيها على شيء من آداب القوم، ولكن لقد تعاظمتهم صنعة أولئك فراحوا هم الآخرون يشاكلونها ويحذون جاهدين حذوها ليضافوا هم كذلك إلى جمهرة (المجددين)، وما التجديد في شرعة أكثر هؤلاء إلا الإتيان بالغريب الشامس في نظمه وفي صوره وأخيلته ومعانيه! وإذا كان هذا اللون من البيان مما يصح أن ينتسب إلى أي أدب من الآداب، فانه مما لا يصلح لنا على أي حال! وإن مما يضاعف الإساءة ويزيد في الألم أن يقبل الناشئون من طلبة المدارس على هذا اللغو فيتخذوا منه نماذج يحتذونها إذا شمروا للبيان، ولن يجشمهم التجويد والبراعة فيه جليلاً من جهد ولا مشقة، لأن قسر أي معنى على أي لفظ، وتسوية الخيال في أية صورة، وليس مما يعي جهد المرء ولا مما يعتريه بالمشاق. ومن هنا يشيع ارخص الآداب، أو أنه ينذر بالشيوع في هذه البلاد! ولو قد ترك في مذهبه هذا لطغى أشد الطغيان ما تغني في صده جهود الأعلام من الأدباء وحينئذ يكتب على مصر أن تعيش من غير أدب أو تعيش بهذا الأدب المنكر الشائه الذي لا نسب له مدة طويلة من الزمان! الأدب القومي إذن لا مفر لنا من أن نلتمس أدبنا القومي. ولا يكون هذا الأدب إلا عربي الشكل والصورة، مصري الجوهر والموضوع. وإذن فقد حق علينا أن نبعث الأدب العربي القديم، وننثل دواوينه، ونستظهر روائعه، ونتروى منها بالقدر الذي يفسح في ملكاتنا، ويقوم السنتنا، ويطبعنا على صحيح البيان. فإذا أرسلنا الأقلام في موضوع يتصل بالآداب، بوجه خاص. أطلقنا القول في صيغة عربية لا شك فيها، على ألا نطلب بها إلا الترجمة عما يختلج في نفوسنا، ويتصل بإحساسنا، ونصور بها ما نجد مما يلهمه كل ما يحيط بنا، وما يعترينا في مختلف أسبابنا من فكر ومن شعور ومن خيال ولقد قدمت لك أننا قد نكون في حاجة شديدة جداً إلى مطالعه آداب الغرب وإطالة النظر فيها، واستظهار الكثير من روائعها. ونقل ما يتهيأ نقله إلينا منها في لسان العرب. وهذا أمر لا شك فيه ولا غناء لنا عنه، فان ذلك مما يهذب من ثقافتنا، ويفسح في ملكاتنا، ويرهف من حسنا، ويهدينا إلى كثير من الأغراض التي تشتعبها آداب الغرب في هذا

стр. 7518

العصر. والواقع أننا تهدينا من آداب الغرب إلى فنون لم يكن لنا بها عهد من قبل، أو أنها مما عالجه سلفنا ولكن لم يكن حظهم منه جليلاً. ومن أظهر هذه الفنون القصص بالمعنى القائم، ومذاهب النقد الحديث! على أن شيئاً من ذلك الأدب الأجنبي لا يجدي علينا، ولا يؤدي الغرض المقسوم بمطالعته والإصابة منه إلا إذا هذبناه وسوينا من خلقه ولونا من صورته حتى يتسق لطباعنا ويوائم مألوف عاداتنا، ويستقيم لأذواقنا. كما ينبغي أن نجهد الجهد كله في تجليته في نظام من البلاغة العربية محكم التنضيد، فلا نحس فيه شيئاً من نبو ولا نشوز. وبهذا نزيد في ثروة الأدب العربي، ونرفع من شأنه درجات على درجات وليس هذا الذي نرجوه لأدبنا بدعا في شريعة الآداب سواء في جديد الزمن أو في قديمه. فقد كان الأدباء وما برحوا إلى اليوم يعتمدون الفكرة البديعة، والمعنى السامي، والخيال الطريف المنسجم، ويصيبونه في لغي أجنبية، فلا يزالون به يطامنون منه لأذواقهم، ويروضونه لأساليب لغاهم، حتى يجلوه فيها من غير عسر ولا استكراه. وان تصرف المتقدمين من أقطاب البيان العربي فيما شكوا من ألوان المعاني في اللغات الأجنبية لمن أصدق الدليل على صحة هذا الكلام. وهل رأيت إلى ابن المقفع لو لم يجئك أنه ترجم كتابه (كليلة ودمنة) عن إحدى اللغات الهندية. أفكان يتسرح بك الشك في أنه عربي الأصل والمنجم، عربي الحلية والنسب؟ اللهم إن تسوية المترجم لما ينقل إلى لغته، وطبعه على ما يواتي أحلام معشره، ويسوغ في أذواقهم، وينزع منازع بلاغاتهم، ليس مما يقدح في كفايته، بل إنه لما يرفع من قدره ويغلى من تصرفه. وكيف لا وهذا القرآن الحكيم لقد حدثنا عن عشرات من الأمم، كانوا ينطقون في الأعجمية لغات متفرقة، ونقل إلينا كثيراً من أحاديثهم ومقاولاتهم ومحاوراتهم ومجادلاتهم، فما أداها إلا في أعلى العربية الخالصة، بل في العربية البالغة حد الاعجاز، وهل بعد بلاغة القرآن بلاغة، وهل وراء بيان الكتاب العزيز بيان؟! وصفوة القول أنه لا يعيب اللغة أو يغض من شأنها أن تصيب من بلاغات غيرها على أن تسيغه وتهضمه وتسويه حتى ينتظم في سلكها، ويتصل بخلقها، ويوسع في مادتها، ويضاعف ثروتها، لا أن يقسر عليها قسراً ويستكره لها استكراهاً، فينكر صورتها ويشوه من خلقها على ما نرى من صنع كثير يعربدون في الأدب العربي باسم (التجديد) في هذه

стр. 7519

السنين! كيف نعلم الأدب: ولا شك في أن الينبوع الأول الذي يرده النشء لينهلوا من فنون العربية ويترووا آدابها ويستشعروا بلاغتها، وينبعثوا لترسمها إذا هم أقبلوا على البيان، هو معاهد التعليم على وجه عام، فإذا هي جدت في مهمها وأخذت من بين يديها من التلاميذ بما ينبغي أن يؤخذوا به من أساليب التعليم والتمرين، كان لنا في هذا الباب كل ما نريد وإذا كان الأدب كسائر الفنون إنما يبرع المرء فيه بالاستعداد الفطري مع الكلف به وشدة الاقبال عليه وطول التمرين فيه بأكثر مما يحرز بالتعليم والتلقين، فان مما لا يعتريه الريب أن للأستاذ، وخاصة في ابتداء العهد بالطلب، أثراً بعيداً في تعليم أصول الفن وبيان حدوده، وإعلام طريقه بين يدي الطالب، وتهذيبه بطول التعهد، وتوسيع ملكاته بألوان الملاحظة، وإسلاس الإجادة له بفنون التدريب والتمرين. ولعمري لو قد أخذ الأساتيذ تلاميذهم بهذا الأسلوب في تعليم الأدب العربي لأحبوه وكلفوا به وانبعثوا من تلقاء أنفسهم لمراجعته في أوقات فراغهم، وإمتاع النفس بتسريح النظر في بدائعه. وكذلك تصبح مطالعة الأدب رياضة يطلب بها الترفيه والاستجمام إذا لحق الكد، وأجهدت المطاولة في طلب العلم. وسرعان ما تستقيم الطباع، وتدرك الملكات، ويجري صادق البيان في الأعراق مجرى الدماء أما إذا حصب التلاميذ بالقواعد جافة لا يترقرق فيها ماء البيان صافياً، وقنع الأساتذة بأن يلقوا إليهم قطعاً من الشعر أو النثر ليحفظوها دون أن يوصل بين نفوسهم وبين ما تحوي من ناصح البلاغة، فقد استثقلوا الدرس وكرهوه وبرموا به، وتجرعوه تجرعاً إشفاقاً من العقوبة أو من التخلف إذا كان الامتحان! وإني لأكره أن أقول إن إقبال كثرة التلاميذ على هذا الأدب الرخيص الذي يخرج في العامية حيناً، وفي تلك العربية المنكرة الشائهة أحياناً، وتهافتهم عليه، وافتتانهم به، وأخذ الأقلام بمحاكاته وترسمه، إنما هو أثر من آثار ذلك البرم والاستثقال لدروس العربية وآدابها في معاهدنا المصرية! والآن فالرأي في قيام أدبنا القومي وفي لغة الكتاب العزيز إلى أساتيذ المدارس، وإلى وزارة المعارف، فلننظر ما هم فاعلون!

стр. 7520

عثرة ورجاء: بقيت هنالك مسألة لا يجمل بنا أن نختم هذا المقال دون أن نعرض لها بشيء من البيان: يقولون إن اللغة العربية فقيرة، أو إنها أصبحت فقيرة بحيث لا تستطيع أن تؤدي بعض مطالب الحياة في هذا العصر إلا في شدة عسر وحرج، ولا تستطيع أن تؤدي بعضها أبداً. وهذا كلام، على أنه لا يخلو من الحق، فانه لا يخلو من الإسراف إلى حد بعيد. إذ الواقع أن اللغة العربية غنية سخية بالكثير مما يواتي مطالب العاطفة، ويصور نوازع الشعور أحسن تصوير. فلقد بلغ المتقدمون من شعراء العربية في هذا الباب ما لا أحسب أن قد برعهم فيه كثير من أصحاب البيان في اللغات الأخرى. ولو قد نفض متكلفو الأدب دواوين أولئك الشعراء وفروا ما أجنت من قصائد ومقطوعات لخرج لهم من ذلك ما يبلغهم جليلاً من تصوير مختلف العواطف والتعبير عن خفيات الحس والشعور. وهذا، لو علمت، أجل مطالب الأدب في جميع اللغات. وحبذا لو أكثر الأساتيذ من عرض هذه الأشعار على تلاميذهم، وتقدموا إليهم الفنية بعد الفنية بالحديث في الموضوعات الإنشائية، عن الحس والعاطفة في مختلف الأسباب، واستدركواعليهم ما عسى أن يكون قد أخطأهم في ذلك من ناصح البيان على أن هناك عقبة أخرى تحتاج إلى جهد في التذليل، وهي أنه في ركود لغة العرب بانقباض حضارتهم، عقد ما لا يكاد يحصره العدد من الاصطلاحات العلمية والفنية، واستحدثت أشياء كثيرة جداً في جميع وسائل الحياة، سواء منها الضروريات والكماليات. ولا شك في أن إصابة هذه الأشياء في لغاتها إفساد للعربية واستهلاك لها. كما أنه لا معنى للالتفات عنها إلا الإعراض عن هذه الحضارة العريضة، بل الإعراض عن أكثر ما نجده وما نعالجه في هذه الحياة. وهذه العقبة تقوم الآن على تذليلها جهود أفاضل الأدباء من جهة، والمجمع الملكي للغة العربية من جهة أخرى، بالغوص عما يدل على ذلك في مجفو العربية سواء بأصل الوضع أو بالطرق الفنية الأخرى ولقد يكون من المفيد في هذا المقام أن ننبه حضرات رجال هذا المجمع أن الاكتفاء بإثبات ما يتسق لهم من المصطلحات والألفاظ في معجم جامع أو نشرها في كراسات دورية ليس مما يجدي كثيراً في إصابة الغرض المقسوم، فقد ثبت، بحكم التجربة، أن أبلغ الوسائل في

стр. 7521

شيوع الألفاظ والصيغ المستحدثة أو المبعوثة من جاثم اللغة، وكثرة دورانها على الألسن والأقلام، هي استعمال كبار الشعراء والكتاب لها، وترديدها فيما تجليه الصحف السائرة لهم من الآثار، فحبذا لو سعى إلى هذا أولياء اللغة، وخاصة فيما يتصل، مما يستظهرون، بالفنون والآداب نسأل الله تعالى أن يهدي الجميع سواء السبيل عبد العزيز البشري

стр. 7522

موسى بن ميمون وعقدة الاتصال بين الفلسفة الإسلامية والفلسفة الغربية بمناسبة ذكراه المئوية الثامنة للدكتور إبراهيم مدكور موسى بن ميمون، هو فيلسوف الأندلس ومصر في القرن الثاني عشر، وأحد كبار حكماء بني إسرائيل الذين خلدوا أسماءهم بما خلفوا من كتب وآراء. ولد بقرطبة في الثلاثين من شهر مارس سنة ١١٣٥؛ وتوفي بالقاهرة سنة١٢٠٤. تنقل بين مراكش وفلسطين؛ إلا أنه قضى بمصر جزءاً عظيما من حياته، فعاش بها سبعاً وثلاثين سنة يدرس الفلسفة والطب، ويشغل كرسي الحاخام. فكان بذلك وليد الحياة العقلية الإسلامية، وتلميذ المدرسة العربية التي أثرت فيه تأثيراً عظيما. وليس ثمت من مثل أوضح لهذا التأثير من كتابه (دلالة الحائرين)، تلك المرآة الناصعة والصادقة في أغلب الأحيان، التي تعكس علينا في تفصيل ودقة تاريخ شطر كبير من الأفكار الدينية والفلسفية الإسلامية لا أحاول في هذه الكلمة القصيرة أن أبين الصلة بين فلسفة ابن ميمون وفلسفة الإسلام، أو إن شئت بين هذه والفلسفة اليهودية عامة في القرون الوسطى، والتي يمثلها رجلنا أصدق تمثيل؛ فقد تصديت لهذا الموضوع في بحث حديث العهد، وأثبت ببراهين لا تدع مجالاً للشك أن ما يصح أن نسميه فلسفة يهودية إنما هو امتداد طبيعي للدراسات الإسلامية. ولقد كتب في هذا من قبل مؤرخين متعددون على رأسهم رينان. وإنما أريد فقط أن أوضح نقطة لم يوفها الباحثون حقها، لم يتنبهوا إلى أهميتها التاريخية: ألا وهي الدور الذي لعبه ابن ميمون في نشر الفلسفة والأفكار الإسلامية في العالم الغربي. لم يكتف مفكرو اليهود باعتناق آراء فلاسفة الإسلام ونظرياتهم، بل عملوا على نقلها إلى المدارس المسيحية؛ فوصلوا الشرق بالغرب، وربطوا حلقات التاريخ بعضها ببعض. وفضلهم في هذا الصدد أوضح من أن ينوه عنه؛ وحسبنا دليلاً ما صنعوا ببعض الكتب الفلسفية التي فقد أصلها العربي، ولم يبق لنا منها إلا المترجمات العبرية واللاتينية. فابن رشد مثلا تتعذر علينا دراسته إن وقفنا عند مؤلفاته العربية التي وصلت إلينا؛ ويكاد يكون أعرف إلى قراء

стр. 7523

العبرية اللاتينية منه إلى قراء العربية. وعلى الجملة فاليهود الذين تتلمذوا على العالم العربي، وانتشروا في كبار العواصم الأوربية يعدون بحق عقدة الاتصال بين الفلسفة الإسلامية والفلسفة المسيحية لم يكن ابن ميمون بالناقل أو المترجم؛ بيد أن كتابه (دلالة الحائرين) كان من أول ما ترجم إلى اللاتينية في الدائرة الفلسفية والعلوم الدينية. ليس في مقدورنا أن نحدد بالدقة تاريخ ولا صاحب أول ترجمة لاتينية لهذا الكتاب؛ وكل ما يمكن تعيينه أن هذه الترجمة سابقة لمنتصف القرن الثالث عشر الميلادي: ذلك لأن و ; يرددان كثيراً اسم موسى بن ميمون؛ كما أن , و ; يشيران إلى (دلالة الحائرين) كمصدر أخذا عنه واعتمدا عليه. لم يكد هذا الكتاب يترجم إلى اللاتينية حتى أكب على دراسته كبار فلاسفة القرن الثالث عشر الذين ذكرنا بعض أسمائهم. فأفادوا منه كثيراً؛ وكان عمدتهم في تعرف النظريات الإسلامية الهامة. ونستطيع أن نقول إن (دلالة الحائرين) أول وأشمل مؤلف درس فيه اللاتينيون الفلسفة العربية، وأنه قد عمل على نشر هذه الفلسفة بدرجة لا يعادله فيها كتاب آخر. نحن لا ننكر أن بعض مؤلفات الفارابي وابن سينا وحظاً وافراً من مؤلفات ابن رشد قد ترجم إلى اللاتينية، غير أن (دلالة الحائرين) كان أسبق من هذه المترجمات وأعظم شيوعاً. فأما الفارابي فما كان يعرفه إلا آحاد من فلاسفة الغرب، وإذا استثنينا لا نكاد نجد مؤلفاً قد أشار إلى اسمه في كتاب من كتبه. وأما ابن سينا فبرغم نفوذه العظيم لدى طائفة من علماء القرن الثالث عشر لم يكن بالمقرب إليهم قرب ابن ميمون؛ ولعل للفوارق الدينية أثراً في هذه الظاهرة. وأما ابن رشد فقد كانت خرافة إلحاده التي سادت أوربا في القرون الوسطى، والتي درسها (رينان) دراسة مفصلة سبباً في أن ينظر إليه بنظرة خاصة. على العكس من هؤلاء جميعا قد استطاع ابن ميمون بفصل كتابه (دلالة الحائرين) أن يمكن من نفوذ الفلسفة الإسلامية في المدارس الغربية عن طريق غير مباشر لا يشك فيه ولا يخشى خطره ويجب أن نضيف إلى ما تقدم أن نقد هذا الحبر لبعض نظريات المتكلمين قد حببه، فيما يظهر، إلى الفلاسفة المسيحيين. فهو ينقض نظرية الجوهر الفرد ونظرية تعريف الله ونظرية الصفات الألهية بشكل يقربه من أرسطو بقدر ما يبعده عن علماء التوحيد

стр. 7524

المسلمين. وقد كان لهذا النقض أثر واضح على كبار فلاسفة القرن الثالث عشر. ونظرة إلى مناقشة الجوهر الفرد تحملنا على أن نجزم بأنه اعتمد اعتماداً كبيراً على كتاب لابن ميمون؛ على أنه هو نفسه يعترف بذلك في صراحة تامة، ولا يفوتنا أن نشير إلى أن هذا الكتاب هو المصدر الوحيد الذي عرف منه الفلاسفة اللاتينيون نظرية الجوهر الفرد الإسلامية؛ فإنا لا نجد أي إشارة هامة متعلقة بهذه النظرية فيما ترجم إلى اللاتينية من كتب عربية أخرى. (فدلالة الحائرين) قد اختص إذاً بنقل بعض المسائل الإسلامية إلى المدارس الغربية في القرن الثالث عشر الميلادي لم يقف أثر هذا الكتاب في نشر الأفكار الإسلامية عند القرون الوسطى، بل جاوزها إلى العصور الحديثة. وذلك أنا نجد لدي واحد كاسيبنوزا أو كلابنتزا آراء كثيرة الشبة بآراء فلاسفة الإسلام. فنظرية النبوة عند الأول تشبه شبها عظيماً النظرية التي أخذ بها الفارابي؛ ومشكلة العناية ' عند الثاني لا تختلف كثيراً عما قال به ابن سينا من قبل. ربما يبدو غريباً أن نحاول إثبات علاقة بين مفكري الإسلام وهؤلاء الفلاسفة المحدثين؛ خصوصاً وقد جرت عادة مؤرخي الفلسفة الإسلامية أن يقفوا بها عند القرون الوسطى؛ وما فكر واحد منهم، فيما أعلم، أن يدرس الصلة بين هذه الفلسفة وفلسفة العصور الحديثة. غير أنا نرى أن هذه الصلة جديرة بالبحث والدرس ومعتمدة على أسس تعززها، فقد عرف اسبينوزا كتاب (دلالة الحائرين) وعني به عناية خاصة، كما عرفه لايبنتز، وأثنى عليه ثناء كبيراً. فعلى ضوء هذا الكتاب نستطيع أن نحدد إلى أي مدى تأثر رجال العصور الحديثة بالأفكار الإسلامية. يخيل إلينا أنا أول من تنبه إلى هذه العلاقات التاريخية؛ وقد حققناها فيما يتعلق بنظرية النبوة. ونأمل أن يمعن الباحثون في هذه الطريق التي سلكناها كي يلقوا جزءا من الضوء على طائفة كبيرة من النقط الغامضة، ويخدموا في آن واحد القرون الوسطى والتاريخ الحديث. نحن لا نقول بأن الفلسفة الإسلامية قد أثرت تأثيرا مباشرا في الفلسفة الحديثة، ولكنا نلاحظ فقط أن هناك مواطن شبه بين الفلسفتين فلنعمل إذا على توضيحها وبيدنا كتاب (دلالة الحائرين) الذي ألف بلغة الإسلام وفوق أرضه وتحت سمائه؛ ثم نقل إلى أوربا فكان موضع تقدير المفكرين منذ القرن الثالث عشر الميلادي حتى اليوم إبراهيم مدكور

стр. 7525

دكتور في الأدب والفلسفة

стр. 7526

حول الأوزاعي للأستاذ أمين الخولي المدرس بكلية الآداب وكلية أصول الدين الأوزاعي الكاتب: تفسير النصوص التاريخية والاستنباط منها اتفق وأنا قريب عهد بكتاب (أحسن المساعي، في مناقب الأمام أبي عمرو الأوزاعي) الذي نشره ونقحه وعلق عليه، وقدم له، الأستاذ الكبير الأمير شكيب أرسلان؛ أن وصلني العدد ٨٩ من الرسالة الصادر في ١٨ مارس سنة ١٩٣٥، وفيه مقال عن الأوزاعي لحضرة الأديب عبد القادر علي الجاعوني؛ فلما قرأته تبدت لي نواح من القول عن الأمام الأوزاعي؛ وعن مقال الرسالة فيه، وأحببت أن أحدث بها قراء الرسالة؛ لكنما أحب قبل الخوض في شيء من ذلك أن أرسل وراء البحار، على صفحات الرسالة الغراء، تحية وإجلالاً للأمير العربي الكبير الأمير شكيب أرسلان لصدق غيرته، وجليل خدمته للعروبة وأهلها علمياً وأدبياً واجتماعيا: تحية تقدير لحقه على الشرق والعرب؛ وإجلال لذكريات كريمة للأديب العالم الأمير، على تمادي الأيام، ونأي الديار الاوزاعي الكاتب اشتهر عند القدماء والمحدثين، أن الأوزاعي إمام فقيه مجتهد، صاحب مذهب، أو ما يتصل بذلك وينتهي إليه، فحسب، ولم يعرفه الأدباء ومؤرخو الآداب، من أصحاب الأقلام والناثرين المقتدى بهم في القرن الثاني الهجري، من جيل عبد الحميد الكاتب أو يكاد؛ لكن هناك ناحية أدبية، في الأوزاعي، له فيها تفوق خطير، وآثار ذائعة، ومشاركة فعلية في حياة النثر العربي الأولى، وتاريخ الرسائل؛ إذ يذكر مترجموه أنه كان بارعاً في الكتابة والترسل؛ وأنه كانت صنعته الكتابة والترسل فرسائله تؤثر وينقلون أنه كان من ذلك موضع الإعجاب والإكبار، إذ يروون أن كتبه كانت ترد على المنصور فينظر فيها، ويتأملها، ويتعجب من فصاحتها وحلاوة عبارتها؛ بل كان في موضع الاحتذاء والتقليد، بل كان يقتبس رءوس الكتابة من قوله، ويأخذون عنه، ويتهيبون الإجابة عن رسائله؛ إذ يقول المنصور يوماً لأحظى كتابه عنده، وهو سليمان بن مخلد: ينبغي أن تجيب الأوزاعي عن

стр. 7527

كتبه، فيقول: والله يا أمير المؤمنين لا يقدر أحد من أهل الأرض على ذلك وقال: لا على مثل كلامه ولا على شيء منه؛ وإنا لنستعين بكلامه نكاتب به إلى الآفاق، إلى من لا يعرف أنه كلام الأوزاعي. لكن فقه الشيخ طغى على أدبه، وأخمل ذكره فيه؛ حتى يقول الذهبي في طبقات الحفاظ بعد أن روى عن أبي زرعة الدمشقي أن الأوزاعي كانت صنعته الكتابة والترسل فرسائله تؤثر: قلت: هذا ناقلة سوى الفقه؛ وهكذا غلب الفقه الأدب على الرجل، كما غلبه على الشافعي من بعده؛ وكما لا تزال تهيئ تلك الغلبة ظروف الحياة، فتمضي بأدباء متفوقين إلى غير حرفة الأدب. لكنا لا ننصف حين نؤرخ الأدب فنتابع القدماء على اعتبار أدب الأوزاعي نافلة؛ ولا ننصف إذا أعطينا هذا العهد المبكر بنثره لعبد الحميد وابن المقفع وحدهما؛ ولا نتحرى درس الأوزاعي الأديب الناثر الممتاز إذ ذاك، ولا نعني بجمع آثاره في هذا، ولاسيما بعد ما نسمع قول المؤرخين أنهم عرفوا له كلاماً ومواعظ ورسائل كثيرة. فلعل الأدباء يعنون بجمع هذه الآثار وتتبعها؛ ولعل المؤرخين يعنون بدراسة أثر الرجل ومنزلته بين الأدباء الناثرين في هذا العصر. وفي سبيل هذا التعاون أشير إلى مواضع ذلك في الكتاب المنشور عنه؛ ففي الصفحات - ٨٤، ١٢٠، ١٢١، ١٣٦، كتب للأوزاعي. وفي - ٨٧، ١٢٤، ١٣٧، مواعظ له؛ وفي - ١٣٨ وما بعدها كلمات له وحكم، ولعل الزمن يسعفني على المشاركة في شيء من ذلك الدرس ٢ - تفسير النصوص التاريخية والاستنباط منها تاريخنا الفني والعلمي والاجتماعي لم يكتب بعد، إذ اتجهت عناية القدماء إلى التاريخ السياسي واستيفائه؛ فلم يتركوا إلا أصولا متفرقة عن التاريخ غير السياسي، وإن النهضة لتتقاضانا هذا الحق، سداً لذلك النقص البادي، ونحن في هذا العصر نحاوله في النواحي المختلفة، وننتفع بما كتبة المستشرقون فيه، ولكن المادة الحقيقية إنما هي تلك المتفرقات القديمة التي كتبها أهل ذلك الشأن، عن قرب ومباشرة، وبادراك صحيح لروح ما يؤرخون وحقيقته. وفي الرجوع إلى هذه المتفرقات نحتاج إلى تفسير النصوص التاريخية بعد فهمها على وجهها فهما صحيحا لنستنبط منها أحكامنا على العصور والرجال والأعمال؛ والمتصدون لهذه الدراسة التاريخية الفنية أو العلمية أو الاجتماعية، يجرون من ذلك على أسلوب أشعر أنه لا يزال يحتاج إلى غير قليل من الدقة؛ وإن أحكامهم معه لا تسلم من

стр. 7528

الدخل والوهن؛ وليس هذا موضع الإفاضة والبيان المسهب في ذلك، فانه مما يستحق القول المفرد في غير هذه الفرصة؛ وإنما أحببت في هذا المقام أن أشير إلى ما يقع كثيراً في تفسير هذه النصوص، من عدم الرجوع إلى مواضعات القدماء أنفسهم في الشؤون الخلقية والعلمية والعملية مما تشرحه كتبهم؛ والاعتماد في الفهم على ظواهر العبارات، أو القياس على مواضعاتنا وعوائدنا دون تقدير لما هناك من اختلاف قد يكون كبيراً، وكذلك عدم التنبه إلى نواميس الحياة النفسية الإنسانية التي يجب توفر الخبرة بها قبل التصدي لتفسير أعمال الأشخاص وأقوالهم أو الأقوال عنهم، ثم وجوب رعاية السنن الاجتماعية وتأثيرها وتأثرها قبل الحكم على الحوادث أو الرجال وتعليل الأعمال وبيان آثارها؛ فكل أولئك وكثير غيره مما يجب أن يقوم عليه فهم النص التاريخي، وتفسيره بله الاستنباط منه؛ وليست تلك المهمة من الهوان بما يتراءى لبعض محاولي تلك الدراسة، وأستميح الأديب الجاعوني عذرا في أن أشير إلى بعض تفسيرات تاريخية وردت في مقالته، تمثيلا لهذه الدقة وما تجب مراعاته في هذه المهمة. فهو مثلا يقول، حين عد شيوخ الأوزاعي وتلامذته: (وروى عنه جماعة من الذين سمعهم كقتادة والزهري وغيرهم) (ص ٤١٩ رسالة) وعلق على ذلك في الهامش رقم ٧ بقوله: (يظهر أن قتادة والزهري كانا معاصرين للأوزاعي، فسمع عنهم وبذلك نعدهم أساتذته، ومن ثم رووا عنه، ولذلك يصح لنا تجاوزاً أن نعدهم من تلاميذه) وتنظر أولا إلى قوله إن قتادة والزهري كانا معاصرين للأوزاعي فلا ترى ذلك صواباً على هذا الإطلاق؛ فهؤلاء من التابعين، وليس الأوزاعي منهم - وإن ادعي بعضهم له ذلك - ثم هم على كل حال جيل آخر، بين وفاة الأوزاعي ووفاة آخرهم نيف وثلاثون عاماً - قتادة توفي سنة ١١٧، والزهري سنة ١٢٣، والأوزاعي توفي سنة ١٥٧ - وتدع هذا فترى تفسير الكاتب لأخذه عنهم وأخذهم عنه واعتبارهم تجوزا تلاميذه، تراه قلقاً مظطربا. وكانت تدفعه ملاحظة عادة القوم في هذا النوع من الروية الذي كانوا يسمونه رواية الأكابر عن الأصاغر، ويفردونه بالبيان الخاص في أصول الروية؛ وكانوا يرمون فيه إلى اعتبار خلقي نبيل من تقدير العلم وأخذه حيث كان، وحطم الكبرياء المغرورة للأستاذية، ليظل المروى عنه أبدا طالب علم، ومرتاد حقيقة يأخذها حتى عن تلميذه، وهذا التفسير نفسه

стр. 7529

منصوص في كتاب أحسن المساعي الذي أرجح كثيرا أن الكاتب قد رجع إليه، إذ ورد في ص ٥٢ - ٥٣ منه ما نصه (. . . وحدث عنه جماعات من سادات المسلمين، كمالك بن أنس، والثوري، والزهري، وهو من شيوخه، وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر فان الزهري من التابعين، وليس الأوزاعي من التابعين) ثم إن الكاتب صاحب المقال عن الأوزاعي يتعرض لقول جولدزيهر بتأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني، ويرى أن الأوزاعي أحرى بأن يكون آخر المتأثرين؛ ص ٤٢٠ (رسالة)؛ ويحتاج لهذا الاستنباط (بأنه من أبعد الفقهاء عن الرأي، ومن أقربهم إلى اتباع الكتاب والسنة. . . والكتاب والسنة أبعد الأشياء عن التأثر بالفقه الروماني). ومع عدم تعصبي للقول بهذا التأثر، ومع القصد في بيانه، فإني أرى هذا الاستدلال على عدم تأثر الأوزاعي غير مقبول من الوجهة الاجتماعية والنفسية، فان متبع الكتاب والسنة لا بد له من أن يفهمهما، ويتبين مراميهما، وأغراضهما، وعللهما وحكمهما، ولكل شخص في هذا الفهم والتبين عقله الخاص، وشخصيته الخاصة، ومنهجه الخاص، وذلك كله من أشد ما يكون تأثراً بالثقافة والبيئة، فلا غرابة في أن يتأثر فهم الفاهم للكتاب والسنة المتبع لهما، تأثراً جلياً بعوامل تثقيفه، وظروف حياته، كما تأثر بذلك تفسير القرآن في كل الأزمنة، بل كما تأثر بذلك فهم العقائد وأصول الدين ذاتها تأثراً لا يسعنا إنكاره؛ ولا قيمة لحرصنا على هذا الإنكار، لأننا بذلك نقاوم سنن الله في خلقه تلك مثل صغيرة لما تجب مراعاته في تفسير النصوص وفهمها والاستنباط منها، حتى نوفق لكتابة تاريخنا غير السياسي، بل السياسي كذلك كتابة علمية صحيحة، تنير ماضينا وتمد مستقبلنا بكل قوة وحقيقة أمين الحولي

стр. 7530

حول الأوزاعي أيضاً للأستاذ علي الطنطاوي أسكر للكاتب الفاضل صاحب ترجمة الأمام الأوزاعي ﵁ المنشورة في الرسالة التاسعة والثمانين عنايته بدراسة تاريخنا الجليل، واستخراج (جواهره) التي شغلتنا عنها (أصداف) غيرنا، وأرجو أن يقبل هذه الملاحظات قبولاً حسناً، وأن يعلم أن الذي حفزني إلى نشرها إنما هو حرمة الحق، وأمانة التاريخ ١ - يقول الكاتب في تحقيق نسبة الأوزاعي: (وقد اختلف في معنى هذه الكلمة، فمن قائل إنها بطن من ذي الكلاع من اليمن، وقيل بطن من همذان (بالذال)، وقيل إن الأوزاع قرية بدمشق خارج باب الفراديس) اهـ والصحيح أنه ليس بين هذه الأقوال اختلاف، فالأوزاع اسم قبيلة من اليمن، سكنت هذا الموضع فسمي بها - كما ذكر باقوت - ونسبهم في حمير ولكن عدادهم في همدان - كما قال في التاج - وهمدان - كما في اللسان - قبيلة في اليمن، أما همذان التي ذكرها الكاتب فمدينة مشهورة في أرض العجم، وعجيب أن ينسب إليها الأوزاعي، وأعجب منه أنه نقل هذه الرواية عن ابن خلكان، وهي في ابن خلكان في الصفحة التي نقل منها الرواية، همدان بالدال لا همذان بالذال! وقد وجدت في كتاب - لا يحضرني اسمه - أن الأوزاعي من العقيبة (قرية بظاهر دمشق). والعقيبة اليوم حي كبير من أحياء دمشق، بالقرب من السور خارج باب العمارة، وهذا الباب هو باب الفراديس بعينه، وهولا يزال موجودا، ولا يزال داخله طريق مواز للسور، يسمى طريق (بين السورين)، فعلى هذا تكون العقيبة هي قرية الأوزاع ٢ - وقال الكاتب إن الأوزاعي (لم يكن يستعمل الرأي، بل إنه - كما فعل غيره - عدل إلى الكتاب والسنة) اهـ والذي يفهم من هذه الجملة أن من يقول بالرأي يعدل عن الكتاب والسنة، وهذا خطاء
следующие страницы →