Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.
стр. 7526
حول الأوزاعي
للأستاذ أمين الخولي
المدرس بكلية الآداب وكلية أصول الدين
الأوزاعي الكاتب: تفسير النصوص التاريخية والاستنباط منها
اتفق وأنا قريب عهد بكتاب (أحسن المساعي، في مناقب الأمام أبي عمرو الأوزاعي) الذي نشره ونقحه وعلق عليه، وقدم له، الأستاذ الكبير الأمير شكيب أرسلان؛ أن وصلني العدد ٨٩ من الرسالة الصادر في ١٨ مارس سنة ١٩٣٥، وفيه مقال عن الأوزاعي لحضرة الأديب عبد القادر علي الجاعوني؛ فلما قرأته تبدت لي نواح من القول عن الأمام الأوزاعي؛ وعن مقال الرسالة فيه، وأحببت أن أحدث بها قراء الرسالة؛ لكنما أحب قبل الخوض في شيء من ذلك أن أرسل وراء البحار، على صفحات الرسالة الغراء، تحية وإجلالاً للأمير العربي الكبير الأمير شكيب أرسلان لصدق غيرته، وجليل خدمته للعروبة وأهلها علمياً وأدبياً واجتماعيا: تحية تقدير لحقه على الشرق والعرب؛ وإجلال لذكريات كريمة للأديب العالم الأمير، على تمادي الأيام، ونأي الديار
الاوزاعي الكاتب
اشتهر عند القدماء والمحدثين، أن الأوزاعي إمام فقيه مجتهد، صاحب مذهب، أو ما يتصل بذلك وينتهي إليه، فحسب، ولم يعرفه الأدباء ومؤرخو الآداب، من أصحاب الأقلام والناثرين المقتدى بهم في القرن الثاني الهجري، من جيل عبد الحميد الكاتب أو يكاد؛ لكن هناك ناحية أدبية، في الأوزاعي، له فيها تفوق خطير، وآثار ذائعة، ومشاركة فعلية في حياة النثر العربي الأولى، وتاريخ الرسائل؛ إذ يذكر مترجموه أنه كان بارعاً في الكتابة والترسل؛ وأنه كانت صنعته الكتابة والترسل فرسائله تؤثر وينقلون أنه كان من ذلك موضع الإعجاب والإكبار، إذ يروون أن كتبه كانت ترد على المنصور فينظر فيها، ويتأملها، ويتعجب من فصاحتها وحلاوة عبارتها؛ بل كان في موضع الاحتذاء والتقليد، بل كان يقتبس رءوس الكتابة من قوله، ويأخذون عنه، ويتهيبون الإجابة عن رسائله؛ إذ يقول المنصور يوماً لأحظى كتابه عنده، وهو سليمان بن مخلد: ينبغي أن تجيب الأوزاعي عن
стр. 7527
كتبه، فيقول: والله يا أمير المؤمنين لا يقدر أحد من أهل الأرض على ذلك وقال: لا على مثل كلامه ولا على شيء منه؛ وإنا لنستعين بكلامه نكاتب به إلى الآفاق، إلى من لا يعرف أنه كلام الأوزاعي. لكن فقه الشيخ طغى على أدبه، وأخمل ذكره فيه؛ حتى يقول الذهبي في طبقات الحفاظ بعد أن روى عن أبي زرعة الدمشقي أن الأوزاعي كانت صنعته الكتابة والترسل فرسائله تؤثر: قلت: هذا ناقلة سوى الفقه؛ وهكذا غلب الفقه الأدب على الرجل، كما غلبه على الشافعي من بعده؛ وكما لا تزال تهيئ تلك الغلبة ظروف الحياة، فتمضي بأدباء متفوقين إلى غير حرفة الأدب. لكنا لا ننصف حين نؤرخ الأدب فنتابع القدماء على اعتبار أدب الأوزاعي نافلة؛ ولا ننصف إذا أعطينا هذا العهد المبكر بنثره لعبد الحميد وابن المقفع وحدهما؛ ولا نتحرى درس الأوزاعي الأديب الناثر الممتاز إذ ذاك، ولا نعني بجمع آثاره في هذا، ولاسيما بعد ما نسمع قول المؤرخين أنهم عرفوا له كلاماً ومواعظ ورسائل كثيرة. فلعل الأدباء يعنون بجمع هذه الآثار وتتبعها؛ ولعل المؤرخين يعنون بدراسة أثر الرجل ومنزلته بين الأدباء الناثرين في هذا العصر. وفي سبيل هذا التعاون أشير إلى مواضع ذلك في الكتاب المنشور عنه؛ ففي الصفحات - ٨٤، ١٢٠، ١٢١، ١٣٦، كتب للأوزاعي. وفي - ٨٧، ١٢٤، ١٣٧، مواعظ له؛ وفي - ١٣٨ وما بعدها كلمات له وحكم، ولعل الزمن يسعفني على المشاركة في شيء من ذلك الدرس
٢ - تفسير النصوص التاريخية والاستنباط منها
تاريخنا الفني والعلمي والاجتماعي لم يكتب بعد، إذ اتجهت عناية القدماء إلى التاريخ السياسي واستيفائه؛ فلم يتركوا إلا أصولا متفرقة عن التاريخ غير السياسي، وإن النهضة لتتقاضانا هذا الحق، سداً لذلك النقص البادي، ونحن في هذا العصر نحاوله في النواحي المختلفة، وننتفع بما كتبة المستشرقون فيه، ولكن المادة الحقيقية إنما هي تلك المتفرقات القديمة التي كتبها أهل ذلك الشأن، عن قرب ومباشرة، وبادراك صحيح لروح ما يؤرخون وحقيقته. وفي الرجوع إلى هذه المتفرقات نحتاج إلى تفسير النصوص التاريخية بعد فهمها على وجهها فهما صحيحا لنستنبط منها أحكامنا على العصور والرجال والأعمال؛ والمتصدون لهذه الدراسة التاريخية الفنية أو العلمية أو الاجتماعية، يجرون من ذلك على أسلوب أشعر أنه لا يزال يحتاج إلى غير قليل من الدقة؛ وإن أحكامهم معه لا تسلم من
стр. 7528
الدخل والوهن؛ وليس هذا موضع الإفاضة والبيان المسهب في ذلك، فانه مما يستحق القول المفرد في غير هذه الفرصة؛ وإنما أحببت في هذا المقام أن أشير إلى ما يقع كثيراً في تفسير هذه النصوص، من عدم الرجوع إلى مواضعات القدماء أنفسهم في الشؤون الخلقية والعلمية والعملية مما تشرحه كتبهم؛ والاعتماد في الفهم على ظواهر العبارات، أو القياس على مواضعاتنا وعوائدنا دون تقدير لما هناك من اختلاف قد يكون كبيراً، وكذلك عدم التنبه إلى نواميس الحياة النفسية الإنسانية التي يجب توفر الخبرة بها قبل التصدي لتفسير أعمال الأشخاص وأقوالهم أو الأقوال عنهم، ثم وجوب رعاية السنن الاجتماعية وتأثيرها وتأثرها قبل الحكم على الحوادث أو الرجال وتعليل الأعمال وبيان آثارها؛ فكل أولئك وكثير غيره مما يجب أن يقوم عليه فهم النص التاريخي، وتفسيره بله الاستنباط منه؛ وليست تلك المهمة من الهوان بما يتراءى لبعض محاولي تلك الدراسة، وأستميح الأديب الجاعوني عذرا في أن أشير إلى بعض تفسيرات تاريخية وردت في مقالته، تمثيلا لهذه الدقة وما تجب مراعاته في هذه المهمة. فهو مثلا يقول، حين عد شيوخ الأوزاعي وتلامذته: (وروى عنه جماعة من الذين سمعهم كقتادة والزهري وغيرهم) (ص ٤١٩ رسالة) وعلق على ذلك في الهامش رقم ٧ بقوله: (يظهر أن قتادة والزهري كانا معاصرين للأوزاعي، فسمع عنهم وبذلك نعدهم أساتذته، ومن ثم رووا عنه، ولذلك يصح لنا تجاوزاً أن نعدهم من تلاميذه)
وتنظر أولا إلى قوله إن قتادة والزهري كانا معاصرين للأوزاعي فلا ترى ذلك صواباً على هذا الإطلاق؛ فهؤلاء من التابعين، وليس الأوزاعي منهم - وإن ادعي بعضهم له ذلك - ثم هم على كل حال جيل آخر، بين وفاة الأوزاعي ووفاة آخرهم نيف وثلاثون عاماً - قتادة توفي سنة ١١٧، والزهري سنة ١٢٣، والأوزاعي توفي سنة ١٥٧ - وتدع هذا فترى تفسير الكاتب لأخذه عنهم وأخذهم عنه واعتبارهم تجوزا تلاميذه، تراه قلقاً مظطربا. وكانت تدفعه ملاحظة عادة القوم في هذا النوع من الروية الذي كانوا يسمونه رواية الأكابر عن الأصاغر، ويفردونه بالبيان الخاص في أصول الروية؛ وكانوا يرمون فيه إلى اعتبار خلقي نبيل من تقدير العلم وأخذه حيث كان، وحطم الكبرياء المغرورة للأستاذية، ليظل المروى عنه أبدا طالب علم، ومرتاد حقيقة يأخذها حتى عن تلميذه، وهذا التفسير نفسه
стр. 7529
منصوص في كتاب أحسن المساعي الذي أرجح كثيرا أن الكاتب قد رجع إليه، إذ ورد في ص ٥٢ - ٥٣ منه ما نصه (. . . وحدث عنه جماعات من سادات المسلمين، كمالك بن أنس، والثوري، والزهري، وهو من شيوخه، وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر فان الزهري من التابعين، وليس الأوزاعي من التابعين) ثم إن الكاتب صاحب المقال عن الأوزاعي يتعرض لقول جولدزيهر بتأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني، ويرى أن الأوزاعي أحرى بأن يكون آخر المتأثرين؛ ص ٤٢٠ (رسالة)؛ ويحتاج لهذا الاستنباط (بأنه من أبعد الفقهاء عن الرأي، ومن أقربهم إلى اتباع الكتاب والسنة. . . والكتاب والسنة أبعد الأشياء عن التأثر بالفقه الروماني). ومع عدم تعصبي للقول بهذا التأثر، ومع القصد في بيانه، فإني أرى هذا الاستدلال على عدم تأثر الأوزاعي غير مقبول من الوجهة الاجتماعية والنفسية، فان متبع الكتاب والسنة لا بد له من أن يفهمهما، ويتبين مراميهما، وأغراضهما، وعللهما وحكمهما، ولكل شخص في هذا الفهم والتبين عقله الخاص، وشخصيته الخاصة، ومنهجه الخاص، وذلك كله من أشد ما يكون تأثراً بالثقافة والبيئة، فلا غرابة في أن يتأثر فهم الفاهم للكتاب والسنة المتبع لهما، تأثراً جلياً بعوامل تثقيفه، وظروف حياته، كما تأثر بذلك تفسير القرآن في كل الأزمنة، بل كما تأثر بذلك فهم العقائد وأصول الدين ذاتها تأثراً لا يسعنا إنكاره؛ ولا قيمة لحرصنا على هذا الإنكار، لأننا بذلك نقاوم سنن الله في خلقه
تلك مثل صغيرة لما تجب مراعاته في تفسير النصوص وفهمها والاستنباط منها، حتى نوفق لكتابة تاريخنا غير السياسي، بل السياسي كذلك كتابة علمية صحيحة، تنير ماضينا وتمد مستقبلنا بكل قوة وحقيقة
أمين الحولي
стр. 7530
حول الأوزاعي أيضاً
للأستاذ علي الطنطاوي
أسكر للكاتب الفاضل صاحب ترجمة الأمام الأوزاعي ﵁ المنشورة في الرسالة التاسعة والثمانين عنايته بدراسة تاريخنا الجليل، واستخراج (جواهره) التي شغلتنا عنها (أصداف) غيرنا، وأرجو أن يقبل هذه الملاحظات قبولاً حسناً، وأن يعلم أن الذي حفزني إلى نشرها إنما هو حرمة الحق، وأمانة التاريخ
١ - يقول الكاتب في تحقيق نسبة الأوزاعي: (وقد اختلف في
معنى هذه الكلمة، فمن قائل إنها بطن من ذي الكلاع من
اليمن، وقيل بطن من همذان (بالذال)، وقيل إن الأوزاع قرية
بدمشق خارج باب الفراديس) اهـ
والصحيح أنه ليس بين هذه الأقوال اختلاف، فالأوزاع اسم قبيلة من اليمن، سكنت هذا الموضع فسمي بها - كما ذكر باقوت - ونسبهم في حمير ولكن عدادهم في همدان - كما قال في التاج - وهمدان - كما في اللسان - قبيلة في اليمن، أما همذان التي ذكرها الكاتب فمدينة مشهورة في أرض العجم، وعجيب أن ينسب إليها الأوزاعي، وأعجب منه أنه نقل هذه الرواية عن ابن خلكان، وهي في ابن خلكان في الصفحة التي نقل منها الرواية، همدان بالدال لا همذان بالذال!
وقد وجدت في كتاب - لا يحضرني اسمه - أن الأوزاعي من العقيبة (قرية بظاهر دمشق). والعقيبة اليوم حي كبير من أحياء دمشق، بالقرب من السور خارج باب العمارة، وهذا الباب هو باب الفراديس بعينه، وهولا يزال موجودا، ولا يزال داخله طريق مواز للسور، يسمى طريق (بين السورين)، فعلى هذا تكون العقيبة هي قرية الأوزاع
٢ - وقال الكاتب إن الأوزاعي (لم يكن يستعمل الرأي، بل
إنه - كما فعل غيره - عدل إلى الكتاب والسنة) اهـ
والذي يفهم من هذه الجملة أن من يقول بالرأي يعدل عن الكتاب والسنة، وهذا خطاء
стр. 7531
فاحش، لأن أصحاب الرأي أو القياس، لا يعملون رأيهم، ولا يجرون قياسهم، إلا في المسائل التي لم يرد فيها نص من كتاب ولا سنة، فهم يرجعونها إلى هذين الأصلين، ويطبقونها عليهما؛ وليس لمسلم أن يقول في الدين برأيه، ويتكلم فيه بهواه؛ والحنفية هم الذين يسمون بأصحاب الرأي؛ وجميع الحنفية - كما يقول ابن حزم - مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من الرأي والقياس. وقد قدم أبو حنيفة ﵀ العمل بالأحاديث المرسلة على العمل بالرأي في مسائل عدة
ولعل الكاتب لم يقصد هذا الذي قد يفهم من كلامه!
٣ - وقال الكاتب: (ذهب بعض المؤرخين أمثال كولدزيهر
إلى أن الفقه الإسلامي قد تأثر بالفقه الروماني، وأنا أقول إن
كان هذا صحيحاً فأخر بالأوزاعي أن يكون آخر المتأثرين به
لأنه من أبعد الفقهاء عن الرأي) اهـ
فلم يهتم الكاتب بدحض هذه الفرية التي افتراها كولدزيهر وأمثاله من المؤرخين، ولم يبين أنها في رأي العلم خرافة من الخرافات، وأن المحققين قد تكلموا فيها، وبينوا خطأها، بل كان جل همه أن يبرئ الأوزاعي منها، ولو يسلم ضمنا بأن الفقهاء قد تأثروا بالفقه الروماني!
على حين أنه لا يمكن أن يقوم دليل علمي واحد على أن الفقه الإسلامي مأخوذ من الفقه الروماني، إلا إذا كان القرآن مترجما عن لغة الرومان، وكان سيدنا محمد صلى الله عليه واله وسلم رومانياً خرج من أبوين عربيين! والذي نقوله إنه إذا كانت هناك علاقة بين الفقهين، فإن الفقه الروماني المعروف اليوم هو المقتبس عن الفقه الإسلامي، ودليلنا على هذا أن الفقه الروماني الحاضر جديد، لفقه طائفة من العلماء، بعد أن اندثر الفقه الروماني القديم، وهذا الدليل على علاقة أقوى من دليلهم على دعواهم، فليثبتوا إن استطاعوا أن الفقه الروماني الحاضر هو القديم ذاته، وليأتونا بالأسانيد الصحيحة والروايات المضبوطة، كما نأتيهم نحن بأسانيد حديثنا، وروايات سنتنا!
٤ - هذا وإن في ترجمة الأوزاعي كتابا قائما برأسه نشره من
стр. 7532
عهد قريب كاتب الإسلام الأمير شكيب أرسلان فلينظره الكاتب
الفاضل
علي الطنطاوي
стр. 7533
الحكم في المسابقة الأدبية
يذكر قراؤنا أننا نشرنا في العدد ٧٩ من الرسالة قصيدة من الشعر الفرنسي عنوانها. (ارتياب) للآنسة النابغة (مي) ومعها ترجمتها بقلمها، وقد قدمتها إلى شعرائنا مقترحة أن ينقلوها نظماً إلى العربية جاعلة للسابق الأول جائزة مالية قدرها جنيهان مصريان؛ وقد استبق إلى مقترح الآنسة الفاضلة سبعة وعشرون شاعراً من مصر ومن سائر الأقطار العربية، وفي مساء يوم الجمعة الماضي اجتمعت في دار الشاعرة لجنة التحكيم وهي مؤلفة كما ذكرنا في عدد سابق من حضرات الدكتور طه حسين، والأستاذ مصطفى عبد الرزاق، والدكتور أحمد زكي، ومحرر هذه المجلة، فقرأوا القصائد، ثم غربلوها، ثم نخلوها، حتى علق بالعيون ثلاث قصائد منها، فأعادوا النظر فيها، ثم وازنوا بينها، فكانت الأولى لشاعر لم يذكر اسمه ولم يرمز إليه، والثانية للأستاذ فخري أبو السعود، والثالثة لشاعر دمشقي إمضاؤه أ. ط، فقرروا نشر القصائد الثلاث وحكموا للشاعر الأول بالجائزة. والرسالة ترجو منه أن يرسل إليها عنوانه لترسل إليه حقه. وتلك هي القصائد:
القصيدة الأولى
ارتياب
أصديقتي ذات العيو … ن النجل! قد ولى النهارُ!
والريح هوجاء تهب (م) … بنا، وليس لها قرارُ
ولها أنينٌ ثائرُ، … كالقلب عاوده ادّكارُ
ولها صدى في النفس مك … بوتُ عَصى مستثار
أصديقتي، ذات العيو … ن النحل! قد ولى النهار
بين الزهور جلست أح … لمُ في حنينٍ واكتئابِ
والزعزعُ النكباءُ تع … صِف كل آونة ببابي
والسحب باكية، فوا … شجني لهذا الانتحابِ!
فلكم يثير من الشجى … في مهجتي دمعُ السحاب!
بين الزهور جلست أح … لم في حنين واكتئاب
هل تذكرين اليومَ رأ … سَ العام؟ ما أحلاه ذكرى!
стр. 7534
يومُ به السرّ الخفيّ … أضاَء في عينيك سحرا
وهلالُ روحي عابدُ … مِنْ رُوحك المعبود بدرا
يومُ به أوحيت في نف … سي حديثاً مستسرَّاً
هل تذكرين اليومَ رأ … س العام؟ ما أحلاه ذكرى!
أسفي لهذا الشهر قد … ولَّى، وآذن بانَتهاءِ
فيه رأيتك مرتي … ن، لدي سويعات المساءِ
والآن أقضي الليل في … غير ابتهاج أو صفاءِ
واحرّ أشواقي لفج … رِ منك فتان الضياءِ
أسفي لهذا الشهر قد … ولى وآذَنَ بانتهاءِ
ليلُ مطير حالكُ … وكأنه ليلُ الوداعِ
والفكر أقتمُ لم يزل … وسط الهواجس في صراعِ
أمس الفؤاد ممزقاً … بين ارتياب وارتياعِ
ماذا لو أن فؤادَك المغ … رورَ أُولعَ بالخِداع
ليلُ مطيرُ حالك، … وكأنه ليل الوداعِ
القصيدة الثانية
ارتياب
أصديقتي يا رَبّة الحَدَقِ العِذا … بِ النُّجل روُحي رددتْ نجواك
الريحُ في هذا المساء عنيفة … هوجاء ذات صدى عصىّ باك
جاّرةُ أمسى عَصيّاً داوياً … في النفس مكبُوتاً صَدَاها الحاكي
أصديقتي يا ربة الحدق. . .
ما بين هاتين الزهور جلستُ واس … تسلمتُ للأحلام والأشجان
يغزو جناحُ النَّوْءِ نافذتي وقد … بكتِ السماءُ بِدَمعِها الهتَّان
واهاً لذاك الدمع يجري ناحباً … ماذا يُحرَّك في مدى الأعوان؟
ما بين هاتيك الزهور. . .
стр. 7535
يا هل نراك ذكرت فيما قد مضى … يوماً لنا قد كان رأس العام؟
يوماً بمغرى السر نوَّرَ مقلة … خاطبتني منها بغير كلام
ورأت به روحي بروحك أُختها ال … كبرى ونلتِ عبادتي وهيامي
يا هل تراك ذكرت. . .
قد راح شهر بعد ذاك مولياً … ها نحن نرقب متهاه الداني
ولى وقد جادت بحُسْنَ لقاك أُم … سيتان في أثنائه ثنتان
والآن إذ جذلي إلى غده انتهى … أصبو إلى فجر مضى فتان
قد راح شهر بعد ذاك. . .
هذا مساء ممطر متساقط … ساجي الدجى، هذا مساء وداع
تعتامني غُبْرُ الهموم وقد مشى … رَيْب بقلبٍ للجوى مُنْصاع
ريْب خبيث! ما ترى لو لم يكن … لك غير قلبٍ مُزدْهٍ خدَّاع؟
هذا مساء ممطر متساقط … ساجي الدجى، هذا مساء وداع
فخري أبو السعود
القصيد الثالثة
صديقتي ذات العيون العذابْ … روحي تناديك! فهل تسمعينْ
جُنْ جنون الريح هذا المساءْ … وانفعت صخَّابة كالحُممْ
تروى وذي صيحاتها في الفضاء … يعيدُ في نفسي صداها الأصم
صديقتي ذات العيون العذابْ … روحي تناديك! فهل تسمعينْ
هأنذى أجلس بين الزَهَر … حالمةً مغمورةً بالشٌّجون!
نافذتي تلطُمها العاصفة … والسحب تُذري عبرات الحنان
لله هذي الأدمع الواكفة … ماذا ستذكي في صميم الكيان
هأنذى أجلس بين الزّهَرْ … حالمةَ مغمورةً بالشُّجون
صديقتي بالله هل تذكرين … أول هذا العام هل تذكرين؟
إذ نم عنك الكلم الصامت … ونور عينيك نِمى السرَّا (كذا)
стр. 7536
ويوم نفسي، والفضا ناصت (كذا) … ألفت لديكِ روحها الكبرى؟
صديقتي باللهِ هل تذكرين … أول هذا العام، هل تذكرين؟
شهر تولى ومضى مُسرعاً … وراحَ يغفو في خضمّ القرونْ
لم نحظ في أيامهِ باللقاء … سوى مساءين، ولم نسعدِ
والآن، إذ في الغَدِ كلُّ الهناءْ … أذوب أشواقاً لفجر الغد. . .
شهر تولى ومضى مسرعاً … وراح يغفو في خضم القرون
هذا مساءٌ دامعٌ قاتمٌ … مثل أماسي الوداع الحزين
خواطري فيه تُحاكي الدُّجى … والغم في نفسي طغى، والملل
والشك يلهو بيَ: ما تُرى … لو كان منك القلب جم الحيل؟
هذا مساءٌ دامعٌ قاتمٌ … مثل أماسي الوداع الحزين
أط
دمشق
стр. 7537
قصة المكروب
كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي
وكيل كلية العلوم
اسبلنزاني
صلة حديثه
(القس الماكر الذي مالق الكنيسة والسلطات وهو يحتقرها جميعا لكي يعيش ولكي يعمل في سكون؛ الذي ناضل نضال الجند بغير أهبة الجند وعدة الجند؛ الذي أثبت من مرق اللحم أن المكروبات ككل الأحياء لا بد لها من آباء؛ الذي أهدى للعلم مثانته الوبيئة، ذلك الأثر الوحيد الذي بقي للناس إلى اليوم من هذا الرجل الكبير الخالد)
وجرت مكاتبات كثيرة بين اسبلنزانى وبين الكثير من بحاث أوروبا وشكاكيها. وجرت صداقة بالبريد بينه وبين فلتير ذلك الماكر الخبيث، وشكا له في كتبه أن إيطاليا ليس بها إلاأفذاذ قليلون من الرجال ذوي العقول الراجحة، وشكا له الطقس والرطوبة والضباب. ودار الزمن فإذا اسبلنزانى يتزعم تلك العصابة الرعناء من الفلاسفة والعلماء الذين طلبوا الحق صادقين وأرادوا للناس السعادة والعدل مخلصين، فإذا بهم يمهدون غير قاصدين لفتن هوجاء، تلطخ بها وجه الأرض بأغزر الدماء
واعتقد هؤلاء العلماء أن اسبلنزانى قضى كل القضاء على تلك الفرية التي افتراها الخصماء حيث قالوا إن الحياة قد تنبعث من لا شيء، وأخذ هؤلاء العلماء، وفي طليعتهم (فلتير)، يقهقهون بالنكات النادرة، ويتندرون بالفكاهات المستملحة، على القوة النباتية وعلى (بيفون) الفخم الطنان، وعلى صبي معمله الأدب (نيدم)
وبينا هم على هذا، صاح نيدم: (ولكن هذه القوة النباتية موجودة يا قوم. إنها شيء مستسر خفي. حقاً إنها لا ترى ولا توزن، ولكن بسببها تخرج الحياة من مرق اللحم ونقيع الحب، وقد تخرج بواسطتها من لا شيء. من الجائز أنها احتملت ذلك التحميص الشديد الذي
стр. 7538
أولاها إياه اسبلنزانى. إنها قوة أكثر ما تحتاج إليه مرونة الهواء، وقد أغلى اسبلنزانى قبابته ساعة فأفسد مرونة الهواء بداخلها، ففسدت القوة النباتية فلم تتكون الأحياء)
سمع الطلياني بهذا فقام تواً للصراع. ونادى نيدم: (هل من تجارب تثبت بها أن الهواء إذا سخن قلت مرونته؟). وانتظر التجارب فلم يجب نيدم بغير ألفاظ. فصاح به الطلياني: (إذن فأنا آتيك بالتجارب). ورجع إلى معمله مرة أخرى فوضع البذر في القوارير، وصفها وأغلاها ساعة. وفي ذات صباح ذهب إليها يقصف رقابها. قصف الأولى وأرهف سمعه فسمع لها صفيراً. (ما هذا؟). واختطف الثانية فأدناها من أذنه وكسرها فسمع لها صفيراً. (هذا هو الصفير يعود! ومعنى هذا أن الهواء يدخل إلى القارورة أو أنه يخرج منها). وأشعل شمعة وأدناها من فم قارورة أخرى وفض قاها فإذا اللهب ينعطف نحوها. فصاح: (معنى هذا أن الهواء يدخل القارورة، ومعنى هذا أن الهواء بالقارورة أقل مرونة من الهواء خارجها، ومعنى هذا أن نيدم قد يكون على حق!)
وعندئذ أحس اسبلنزانى بجيشان في معدته، وأحس بالعرق يتصبب من جبينه، والأرض تدور به. . . أيجوز أن يكون هذا الأبله نيدم قد خبطها خبطةً عشواء فأصابت؟ أيكون قد تظنن فيما تحدث الحرارة في الهواء المخزون بداخل الزجاج المختوم فوقع على الحقيقة وهو لا يدريها؟ أيكون قد قدر لهذا الفيهق الثرثار اللغاط الهراء أن يفسد عليه الجهد الكبير الذي أنفقه في استنباط الحقائق في حرص وحذر كل هذه السنوات الطويلة؟ وقضى اسبلنزانى أياماً وهو سقيم المزاج، مشتت الفكر، ضيق الصدر، واشتد لتلاميذه واخشوشن من بعد رفق ولين. وأراد أن يروح عن نفسه فأخذ ينشد شعر (دانتى) و (هوميروس)، فلم يزده الإنشاد إلا ضيقاً. واستيقظ في نفسه شيطان أخذ يوسوس له: (قم وادرس لم يدخل الهواء داخل القبابة كلما كسرت ختمها، فلعل هذا لا صلة له بمرونة الهواء). وصاحبه هذا الوسواس الخناس وألح عليه حتى استيقظ ذات ليلة على صوته مخبولاً مرتبكاً. . . . وفي برهة كلمحة البصر وقع على تفسير للمعضل الذي هو فيه، فجرى إلى معمله، وكان نضده قد تغطى بقوارير مكسورة وزجاجات مهجورة تبعثرت جميعها عليه فكانت شواهد على ما كان فيه رجلنا من ترك ويأس. ومد يده إلى قمطر فأخرج منه قبابه. لقد كان ضل الطريق واليوم اهتدى اليه، وعما قريب يثبت أن نيدم مخطئ ضال. وتمطى يملأ رئتيه وسمعهما،
стр. 7539
ثم زفر زفرة طويلة أبدلته من ضيق سعة ومن أزمة فرجا. ومع أنه لم يكن أثبت أن ما بدا له هو التفسير الحق لصفير الهواء، إلا أنه وثق بالذي ارتآه وثوقاً آثر معه أن يستعجل الغبطة والسرور. ونظر إلى القبابات وابتسم وقال: (كل القبابات التي استخدمتها فيما سبق كانت لها رقبة واسعة استلزمت حرارة كثيرة وتسخيناً طويلاً لتسيح ويتم ختمها. وهذه الحرارة الكثيرة تطرد الهواء من القبابة قبل لحامها، فلا عجب إذن أن يندفع الهواء فيها إذا فض اللحام)
وارتأى أن ما قاله نيدم عن إغلاء القبابات الملحومة في الماء وإفساده مرونة ما بداخلها من الهواء كلام هراء. ولكن أنى له بإثبات ذلك؟ أنى له بختم القبابة دون أن يطرد هواءها؟ وجاء شيطانه يوسوس إليه، فأخذ قبابة أخرى فوضع بها بذراً وملأ بعضها بالماء، وأدار رقبتها في اللهب الشديد حتى ساحت وضاقت حتى كادت تلتحم إلا ثقباً صغيراً ضيقاً يصل بينها وبين هواء الجو.
عندئذ برد القبابة؛ حتى إذا تمت برودتها قال: (إن الهواء بداخلها لا بد أن يكون مثله بخارجها. ثم جاء بلهب صغير سلطه على الثقب الباقي وهو كعين الإبرة فسده في لمحة دون أن ينطرد من هواء القبابة شيء. فلما اطمأن إلى ذلك وضع القبابة في الغلاية وأخذ يرقبها ساعة، وبينا هي تتأرجح وترقص في الماء كان هو ينشد الشعر ويترنم بالغناء. ثم نحاها أياماً، وفي ذات صباح جاء ليفتحها وهو واثق مما سيكون، فأشعل شمعة وأدناها من فم القبابة، وفي حذر شديد كسر فاها فسمع صفيراً، إلا أن لهب الشمع لم ينجذب إلى القبابة في هذه المرة بل مال عنها، دليلاً على أن مرونة الهواء داخلها أكثر من مرونته خارجها!
فكل هذا الغلي لم يفسد مرونة الهواء، بل على النقيض قد زاد مرونة، تلك المرونة التي قال نيدم بضرورتها لتلك القوة النباتية العجيبة. وأخرج اسبلنزانى من المرق القطرة فالقطرة، وعبثا حاول أن يجد فيها من الأحياء شيئاً برغم ازدياد مرونة الهواء. وأعاد التجربة فالتجربة بتلك المثابرة التي عرفناها عن (لوفن هوك)، وكسر قبابات وكب المرق على صدر قميصه ووسخ يديه، ولكنه لم يخرج على غير تلك النتيجة التي سلفت
- ٥ - انتصر اسبلنزانى فصاح بتجاربه ليسمع أوروبا، فتردد
صداه شرقاً وغرباً، وسمعه نيدم وبيفون فجلسا على أنقاض
стр. 7540
نظريتهما البالية ينعيان أطلالها في كآبة ظاهرة وحزن باد.
وما كان لهما مندوحة من هذا، وقد أفسدها عليهما هذا
الطلياني بحقيقة واضحة بسيطة. فلما اطمأن على الذي كان،
جلس يكتب. وبمقدار براعته في المعمل كان بارعاً في
المكتب، وعلى حسن جلاده بالقباب والعدس، كان يحسن
الجلاد بالقرطاس والقلم، على شريطة أن يكون قد اطمأن إلى
أن حقائقه العلمية قد سبقت فغلبت في الصراع خصيمه، وهذا
ما كان، فهو في هذا الوقت كان قد اطمأن إلى انصراع نيدم،
وإلى ضياع نظريته الفكهة التي تنشئ الشيء من لا شيء.
وكان اطمأن إلى أن الحيوانات جميعاً - حتى تلك الحيوانات
الصغيرة - لا تأتي إلا من حيوانات مثلها عاشت من قبلها،
وإلى أن هذه المكروبات الصغيرة تظل طيلة حياتها مكروبات
من النوع الذي كانته آباؤها، فإذا هي أنتجت كان نتاجها من
جنسها؛ كذلك الحمار في حياته لا يستحيل جملاً، وهو لا يأتي
إلا عن حمار، فإذا ولد فإنما يلد حماراً
وصاح اسبلنزانى يقول: (واختصاراً قد ثبت أن نيدم مخطئ، وقد أثبت فوق هذا أن في علم الأحياء نظاماً وقانوناً، كما أن في علم الأفلاك قانون ونظاماً) ثم أخذ يصف ما تكون حال هذا العلم لو أن نيدم لم يجد من يراقبه ويحاسبه، إذن لعشنا في اختبال وارتياع من
стр. 7541
نزق هذه (القوة النباتية) المتقلبة الهوجاء تلك القوة التي إن هي شاءت أخرجت من الشيء ضفدعة، وإن هي شاءت أخرجت منه كلباً؛ أو هي تخرج منه اليوم فيلاً، وغداً عنكبوتاً؛ أو تخرج منه في الصباح حوتاً سابحاً، وفي الظهر بقرة حلوباً، وفي المساء إنساناً ناطقاً
قضى على نيدم، وقضى على قوته النباتية، وأصبح الإنسان يستمرئ العيش، ويستنشق الهواء في أمان وسلام، فلا تروعه تلك القوة الرهيبة اللعينة التي كان يتخيلها مخبوءة في هذا الركن ووراء ذلك الحائط تنتهز الفرصة لتحيله فيلاً أو تخلق منه غولاً وسرى اسماسبلنزانى في جامعات أوروبا يسطع كالماس، ويتألق كالنجم. وأيقنت جماعاتها العلمية بأنه عالم العصر الأوحد وكتبإليه فريدريك الأكبر طويلة، وبيمينه أمضى براءه تعيينه عضواً في أكاديمية برلين. وماريا تريزا النمسا وعدوة فريدريك اللدودة، نافست هذا الملك العظيم في تكريم هذا العالم الكبير، فنفسته، وذلك أنها عرضت عليه أن يكون أستاذاً في جامعة بافيا العتيقة بلمباردي إليه رسلها من عظام مستشاريها فجاءوه في حفل ضخم، وموكب فخم، مثقلين بكتب ملكية، وأختام امبراطورية، يتوسلون إليه في قبول المنصب عسى أن تجد جامعتهم فيه منقذها من السوء الذي هي فيه، ورافعها من الدرك الذي هبطت إليه. وجرت بينه وبينهم مناقشات، وجرت مباحثات ومساومات، في الأجر الذي يتقاضاه اسبلنزانى، فقد كان دائماً يحسن جمع المال كلما أمكنته الفرصة. وانتهت تلك الأحاديث بقبوله أستاذية التاريخ الطبيعي بالجامعة، وبتنصيبه أميناً لمتحف التاريخ الطبيعي في بافيا كذلك وذهب إلى متحف بافيا فوجده خاوياً خالياً. فشمر عن ساعده، وأخذ يحاضر في كل ما هب ودب، ويلقى دروساً في الجمهور يضمنها تجارب كبيرة هائلة يجريها على سمعهم وأبصارهم فهالت الناس وراعتهم، لأن النجاح كان يأتيها دائماً من حذق يديه، وأراد أن يملأ متحفه الخالي فأرسل إلى هنا وإلى هناك في طلب مجموعات من حيوانات عجيبة ونباتات غريبة وطيور لا يعرفها القوم. وذهب هو بنفسه إلى الجبال فتسلقها على خطورة مرتقاها، ورجع منها بركائز كثيرة وخامات غالية. وذهب إلى البحار يصطاد قروشها المفترسة، وإلى الغاب يقتنص من ذوات الريش كل ذات لون بهيج. ذهب كل مذهب ليس من اليسير تحقيقه، وضرب كل مضرب ليس من الهين تصديقه، وكل هذا في سبيل الجمع لمتحفه، وفي سبيل التخفف من ذلك النشاط الجم وتلك الطاقة الصخابة التي امتلأ بها جلده
стр. 7542
فخرجت به عما وسم العرف به العلماء من طمأنينة وهدوء
وفي الفترات التي تخللت هذا التجميع هذا التدريس، كان ينفلت إلى معمله بأمراقه ومجاهره فيغلقه على نفسه، ويجري فيه التجارب الطويلة ليزيد في إثبات أن الأحياء الصغيرة تنصاع لقوانين الطبيعة انصياع الخيل والفيلة والرجال لها. ووضع قطرات من أحسيته وهي تموج بالمكروب على قطع من الزجاج المنبسط، ونفخ فيها من دخان تبغه، ثم أسرع فنظر إليها بعدسته، ثم ضحك ملء فيه عندما رآها تتهارب لتتقى أثر دخانه، وأطلق عليها شرراً كهربائياً، وعجب لما رآها تطيش وتميد، ثم تتمطى وتموت سريعاً
قال اسبلنزانى: (إن بذور هذه الأخبار الدقيقة أو بيضها قد يختلف عن بيض الدجاج أو بيض الضفدع أو بيض السمك، وهذه الأحياء نفسها قد تصمد للماء الغالي في قباباتي المختومة، ولكن عدا هذا فهي يقيناً لا تختلف عن سائر الحيوانات). ولم يكد أن ينطق بهذا اليقين حتى عاد يسترد ما انفلت به من أنفاسه
فذات يوم وقد انفرد في معمله قال لنفسه: (كل حيوان على ظهر هذه الأرض لا بد له من الهواء ليحيا، وإذن فلأتبين حيوانية هذه الأحياء الصغيرة فأضعها في فراغ خلو من الهواء وأرقبها وهي تموت). وببراعة بينة مط بالنار من أنبوب الزجاج السميك أنبوباً شعرياً رفيعاً كما كان يصنع (لوفن هوك) وغمس أنبوبة منها في مرق يعج بتلك الأحياء، فصعد فيها منه شيء. وأساح أحد طرفيها في النار فسده، ووصل الطرف الآخر المفتوح بمضخة قوية لتفريغ الهواء، وشغلها، ولصق عدسته بجدار أنبوبة الزجاج الرفيع، وأخذ يصوب بصره إلى تلك الأذرع الدقيقة التي منحها الله لتلك الأحياء لتجدف بها في الماء، وضل يرقب من ساعة لأخرى عله يجد في حركتها المنتظمة الهادئة ميدانا وطيشانا، وأخذ يتربص الفناء بتلك الأحياء، ولكن المضخة ظلت في دورانها، وظلت الأحياء في جريانها وروغانها متناسية صاحبنا العالم ومضخته البديعة، متجاهلة هذا الهواء الذي يقول بلزومه لحياة الأحياء. وعاشت أياماً. وعاشت أسابيع. وأعاد اسبلنزانى تجربته المرة بعد المرة. هذا غريب!. هذا محال. لا يعيش حي بلا هواء، كيف تتنفس هذه الأحياء. وكتب إلى صديقه (بونيت) مستغرباً: -
(إن طبيعة هذه الحيوانات مدهشة. فإنها تعيش في الفراغ مثل عيشها في الهواء، وتنشط
стр. 7543
في هذا نشاطها في ذلك، فهي تعلو في السائل ثم تهبط، وهي تظل تتكاثر فيه أياماً. ألا ترى في هذا عجباً! ألم نقل دائماً أنه ما من حي يستطيع العيش من دون هذا الهواء)
كان اسبلنزانى معجباً بقوة خياله، معجباً بسرعة خاطره، وزاد إعجاباً بنفسه، وزاده غروراً إعجاب طلبته، وملق الأوانس والغواني، وإطراء الأساتذة العلماء، وتقريب الملوك الفاتحين. ولكنه كان إلى جانب خياله يتعشق التجربة، بل هو يقضى حقوق التجربة أولاً ثم يخال بعد ذلك، فان هي عارضت خاطرة بديعة من خياله الخصيب فسرعان ما كان يقر بالحق، وينزع عن خواطره مهما بلغت من الإبداع
وفي هذه الأثناء كان هذا الرجل الأمين، الغالي في أمانته في كل ما يتعلق بتجاربه، هذا الرجل الذي كان لا يخط قلمه إلا الحق الذي يجده بين روائحه الكريهة وأبخرته السامة وأدوات معمله اللامعة، هذا العالم الجليل الأمين، نعم أعيد فأقول الأمين، كان يتدنى إلى الحيلة الخسيسة ليزيد مرتبه في جامعة بافيا. هذا الرجل الشديد، لاعب الكرة، الكشاف، متسلق الجبال، يأتي إلى عاصمة النمسا متخاذلاً متواعكاً متأوهاًمتوجعاً، يشكو إلى رجال الحكم فيها سوء صحته، ويقول إن ضباب بافيا وأبخرتها تكاد تقتله. وأراد الإمبراطور أن يستبقيه فزاد أجره وضاعف إجازاته. وتحدث اسبلنزانى عن هذه الواقعة فضحك وسماها في خبث مداورة سياسية. هذا الرجل كان يصل إلى الغابة التي يريد فلا يقف شيء في سبيله. يريد الحقيقة فينالها بالتجربة البارعة والملاحظة القريبة والصبر المضني، ويريد المال والترقي فيناله بالعمل الشاق وأحياناً بالحيلة والكذب، ويريد أن يتقى ظلم الكنيسة واستبدادها فينال ذلك بدخوله قسيساً فيها
ولما كبر وطالت به السنون تشهى إلى تجارب غير تجارب معلمه، تجارب صخابة عنيفة يطلق فيها القياد لنفسه وحسه، فاعتزم أن يزور موقع طروادة القديمة لأن قصتها كانت تهزه هزاً؛ واعتزم أن يزور الشرق بحريمه وأرقائه وخصيانه، فقد كان يعتبر هذه الأمور جميعاً جزءاً من التاريخ الطبيعي كوطاويطه وضفادعه والحيوانات الصغيرة التي بنقيع بذوره. وشغل الشفاعات، وأعمل المحسوبية، واتصل ورجا، حتى أعطاه الإمبراطور إجازة عام، وأعطاه نفقة السفر إلى القسطنطينية، كل ذلك لاستعادة صحته واسترداد عافيته، وعلم الله ما كان أحسن صحته وأتم عافيته وقام اسبلنزانى فاختزن فباباته، وأغلق معمله، وودع
стр. 7544
تلاميذه وداعاً حاراً استطاع أن يذري فيه ما تيسر من الدمع. وركب البحر الأبيض فاعتوره دواره وآذاه إيذاء شديداً، وارتطمت سفينته بالصخر وتحطمت، ولكنه استطاع أن ينجو وأن ينجى ما كان قد جمعه من بعض جزائر البحر، وجاء السلطان فأولم له وسقاه وأكرم وفادته، وأذن له أطباء السراي في دراسة عادات السراري الجميلة. . . . . . وبعد كل هذا قال للأتراك، وهو الرجل الأوربي الطيب - رجل القرن الثامن عشر - قال لهم إنه يعجب بكرمهم، ويعجب بعماراتهم، وما تضمنته من الفن الجميل، ولكنه يمقت استرقاقهم للجواري والعبيد، ويمقت استسلامهم للأقدار والأقسام. فكنت تخاله يقول لصديقه الشرقي، والشرقي رجل جامد، تقول حوله الدنيا وهو قاعد، وتجري عليه الأيام وهو مركوم، وتنبو عنه الحوادث وهو ملموم، كنت تخاله يقول له: (نحن الغربيين سنفتح بعلمنا الجديد هذا من الأمور مالا يفتح، ونجتاز به مالا يرجى اجتيازه، وسنمحو عن الإنسان وبني الإنسان هذا العذاب الأبدي والشقاء السرمدي الذي يئست الدهور من محوه). كان اسبلتزانى يؤمن بالله، ويؤمن بقدرته وجبروته، ولكنه كان بحاثا نقاباً طلاباً للحقائق فكانت تغلبه غيرة الباحث وروح المنقب على كل ما يقوله، وتسيطر على كل ما يفكر فيه، حتى ينسى الله، وحتى ليعتذر عنه آنا فيسميه الطبيعة، وآناء أخرى فيسميه المجهول، وحتى دفعته إلى أن ينصب نفسه شبه وكيل أول لله، يفتتح وإياه مجاهل هذه الطبيعة الغامضة ويكشف أسرارها
وبعد أشهر عديدة قضاها في الشرق عاد أدراجه، لا عن طريق البحر هذه المرة، بل عن طريق البلقان، وأنفذت معه الحكومات من الجند أصوبهم رماية، وأولم له أشراف البلغار وأراء الأفلاق. وأخيراً دخل فينا عاصمة الإمبراطورية وذهب إلى الإمبراطور يوسف الثاني، صاحب نعمته وراعيه، ليقضي واجب الشكر ويقدم فرائض الاحترام. وكانت هذه الساعة أفحم ساعات حياته، وأملؤها بالمجد، ذلك المجد الذي يعطيه الملوك والأمراء. وأسكرته خمرة تلك الساعة، وذهب دبيبها إلى رأسه، ومشت سورتها إلى أعماق نفسه، فكنت تسمعه يقول: (ما أحلى تحقيق الأحلام). ولكن. . . .
(يتبع)
أحمد زكي
стр. 7545
إلى الأستاذ مصطفى صادق الرافعي
-
стр. 7546
رؤيا في السماء
بقلم الأديب فليكس فارس
إنك تتناول أدق المباحث الاجتماعية التي شغلت وما زالت تشغل المفكرين في كل عصر وفي كل بلاد، تتناولها وتخوض غمارها معتكفاً على موضع السر في ثقافتك العربية، مستنيراً بأضواء الكتاب الحق وحكمة من اهتدوا قبلك في هذا الشرق النير، فكانت عبادتهم فلسفة، وكانت صلواتهم استغراقاً وتفكيراً كثير من مجددي الإنشاء في هذا الزمان ينحرفون عن ثقافتهم وغرائزهم القومية، فينتحلون مذاهب كتاب الغرب وأساليبهم، أما أنت فمن الفئة القليلة الآخذة بروح الشرق لأحياء الشرق، النافخة في الأحفاد أرواح أجدادهم
قرأت لك في منارة العرب الوهاجة، في (الرسالة)، ما تتحف به العالم العربي من طرائف وبدائع، فأيقنت أنك من الكتاب العالميين الذي يستخدمون آياتهم من الألهام، ويستجلون الحقائق من قلب الحياة الخفاق، وما أقل من ينحنون على أنفسهم في هذه البلاد حين يكتبون! وما أكثر من يستطبعون الرواسم وينقلون مقلدين مشوهين!
بين ما نشرته لك (الرسالة) قطعة (رؤيا في السماء) وقفت عندها مأخوذاً بروعتها، فأردت أن أنقلها إلى اللغة الفرنسية لنشرها في مجلة أدبية في باريس، وقد ترجمتها فجاءت بما أبقيت لها من أسلوبك الفخم دليلاً على استقلال لغة العرب عن كل هذه الأساليب التي ينتحيها أكثر كتابنا مأخوذة عن الأسلوب الغربي، وعلى تفرد بيانها بهذا الإيجاز المعجز وفيه سر سحرها وبهائها
إن في مقالك من الدفاع عن حق الحياة وواجبات الحياة ما يعزز الوحي الذي أنزل على عيسى ومحمد ﵉ تحت سماء الشرق، فلم ينفذ الغربيون إلى كنهه في مبادئ المسيحية إذ ذهبوا منها في مسألة التبتل مذهباً أتى به الحواري بولس متأثراً بفلسفة الرومان وضائقة أزمنة الاضطهاد، لذلك ترى الأمم الغربية عندما تقف واجفة من تناقص النسل تهب إلى معالجة الأخطار المحدقة بها متوسلة بنظريات الكفاح والتفوق على الأمم المجاورة، فهي ترمي طغمات الأطفال فيالق للجهاد في ساحات الحروب من أجل المال، وكتلاً من لحم تعصرها الآلات عصراً فتتدفق بدمائها رحيقاً تتجرعه المدنية سماً زعافاً
إن الغربيين ليفوتهم أن يحاربوا أعداء الأسرة والنسل بالمبادئ الروحية تتناول ما وراء
стр. 7547
هذه الحياة. وما أذكر مما قرأت لكتاب الغرب انهم شعروا بالأبوة كما شعرت بها أنت مخترقة حجاب الموت لتتجلى عند هدفها الأسمى في عالم الخلود
إن الأدب الغربي يقف بالأبوة عند نهاية الشطر الفاني من الحياة، فهو يرى الأرحام تدفع بالأجنة للقبور لا للأبد، لذلك أردت ألا يفوته ما أتيت به في مقالك الرائع من دعوة هي أقوى ما يتوسل به داع إلى حق الله في تناسل عبادة. وقد ترجمت هذا المقال لا مباهاة بروح الشرق العربية التي تهب من كل سطر فيه فحسب، بل لأنشر أيضاً في الغرب ما استوحته عبقريتك الشرقية من مبادئ الهداية الخالدة
إن هذا الحديث الذي أنطقت به أبا خالد وشيخه أبا ربيعة، لخير ما ابتكرته الآداب العالمية في هذا المطلب، وهذه الرؤى التي تقبض على الروح وترفعها قسراً إلى عالم الخفاء لتبسط من الحق أمام المتطلعين إلى ما وراء المادة ما يشعرون به في قرارة نفوسهم وينكرها عليهم عقلهم المنتبه المحلل الغارق في لجج الزائلات من قوة ومال ودول وجنود وحروب
غير أنني قبل أن أعلق على مقالك بما لا أرى بداً من إيراده بالفرنسية، أجدني مضطراً لإيضاح وجيز لا أراك تضن به، فان في ختام مقالك ما يفسح للفكر مجالاً للذهاب مذاهب تختلف اختلافاً بيناً عند النتيجة التي ترمي إليها
قلت: إن أبا ربيعة وقف في آخر حلمه تمر به طغمة الخالدين وتلقى إليه بكلمة (المشئوم) حتى مر غلام هو آخرهم فقال له: (كنا نرفع عملك في أعمال المجاهدين في سبيل الله، ثم ماتت امرأتك وتحزنت على ما فاتك من القيام بحقها، فرفعنا عملك درجة أخرى، ثم أمرنا الليلة أن نضع عملك مع الخالفين الذين فروا وجبنوا)
فهل لك أيها الأستاذ الكبير أن تأتينا بإيضاح عما رآه الحق تخلفاً وجبنا في أبي ربيعة. فهل استحق هذا الشيخ نعته بالمشئوم لأنه، وقد استهوته عظة رفيقه، إلى على نفسه أن (يحول المرأة التي كانت في قلبه إلى صلاة) فأراد قتل تذكارها بالوفاء لله دون الوفاء لها في قبرها. أم كان ذلك لأنه قرر التبتل بعدها فلا يأخذ من بنات حواء من تقوم مقامها
إن من ينظر إلى حديث الشيخين ويأخذ بما ورد في القصة وفي ختامها ليقف مخيراً محتاراً بين السببين، وليس غير الأستاذ الكبير من يزيل هذا الإبهام فيأتي بمقال عن مسألة
стр. 7548
لها مكانها بين العقد الاجتماعية، فيقول لنا ما إذا كان المثل الأعلى في العلاقة الزوجية محبة الشخصية في الأنوثة أم محبة الأنوثة، في الشخصية
إسكندرية
فليكس فارس
رئيس قسم الترجمة في البلدية
стр. 7549
الأمير خسرو
الشاعر الهندي الكبير
للسيد أبي النصر أحمد الحسيني الهندي
إن اتصال الشعر دائماً هو بالماضي وبالحال، فان اتصل بالمستقبل فذلك بواسطة الحاضر. فما يقدم لنا الشعر إما من قبل (كان) أو (يكون). ولكنه يجمع ويرتب الحقيقة من جديد. لذلك حينما يسعى لا خراج فكرة من تلبك الأمور الواقعية وتنافرها ونقائصها، يميل بطريق راهن إلى ما لم يجمع ولم يرتب. فالشاعر لا يمثل الواقع كما هو، بل يخلقه من جديد بقوة خياله. لذلك ليس الشعر هو التمثيل البحت للحقيقة، بل الخيال دائماً يكون أعظم جزء في أساسه. هذا ما يشرحه لنا شعر خسرو في البيتين الآتيين قالهما في مدح حاتم خان قال:
قلت للبحر أنت كريم مثل خان
فأجاب بصوت مرتجف لا! لا!
إن أمواجي الشحيحة تلقى عشباً لا قيمة له
ولكن حاتماً يبعثر الجواهر في فخره الكريم
إن الشاعر يجد في سعة الطبيعة مستودعاً كبيراً للأشباح والصور التي تعبر عن أدق المراتب للفكر الإنساني وعواطفه. ففي هذا المستودع تطوف روحه طليقة، وفيه تدبر وتفكر حتى تنتج. فالشاعر يشعر بكل مظهر حوله كأنه رمز لشيء يتعلق بالعالم الآخر، وكأن كل شيء مؤثر في حواسه شبيه بالغائب المحجوب، وكأن الطبيعة بأسرها محبوكة كالأعضاء بالمشابهة والمماثلة بما هو خفي فيها، وكأن كل وجود مستقل متصل في جميع فروعه بغيره بواسطة رمز دقيق. وهذا هو الفرق بين العلم والشعر، فان العالم يقسم ويحلل والشاعر يجمع ويركب. فأنت ترى كيف أن خسرو جمع بين رفع الحجاب عن وجه محبوبه، وطلوع الشمس، وصلاة الصبح، في البيت الآتي وأوجد بينها الاتصال الشعري الدقيق الجميل قال:
برداشت طره أزرخ جون روزرفن كرد … برمن نماز صبح بوقت نماز شام
كشف (الحبيب) القناع عن وجهه عند ما دفن النهار، (فأوجب) على صلاة الصبح في وقت الليل
стр. 7550
إن أهم ناحية من نواحي الشعر هي الحب والغرام، وقد قالوا إن من حسن الشعر وجماله أن يكون له اتصال بنفسه الشاعر، وأن يكون عليه مسحة من تجاربه النفسية. وبخاصة في هذه الناحية، فانه إذا تجرد عن ذلك أصبح تصنعاً وخداعاً. والشعر في هذه الناحية يصور تصويراً شعرياً دقيقاً ما بين قلب المحب والمحبوب من الأثر والتأثر، والجذب والانجذاب، والعزم والانثناء، والصبر والجزع، والرضا والسخط، والهجر والوصال. وشاعرنا العاشق قد صوره في غير واحد من الديوان وعبر عن حبه بآلاف من الأبيات. نقتطف بعضها هنا قال:
دلم به ناوك جشمت هزار وزن شد … زصورت توبهر روزن آفتابى هست
شب من أزجه سبب تيره ترشود هرروز … جوازرخ توبهر خانه ما هتابى هست
(إن سهم عينيك قد ثقب قلبي آلافا من الثقوب، وفي كل ثقب شمس محياك طالعة.)
(لم تظلم ليلى كل يوم ما دام قمر وجهك طالعا في كل بيت.)
وقال:
عاشق شدم ومحرم ابن كارنه دارم … فريادكه غم دارم وغمخورانه دارم
يك سينه برار قصه هجراست وليكن … ازتنكد لي طاقت كفتارنه دارم
(إنني عشقت وليس من يعرف عملي هذا. وا حسرتاه! عندي ألم، وليس لي رفيق في الألم)
(إن صدري مملوء بحكاية هجر (المحبوب)، ولكني من ضيق صدري لا أقدر أن أعبر عنها.)
وقال:
جندمى برسى كه خسرو راكه كشت … غمزه توجشم توا بروي تو
إلى متى تسألين من قتل خسرو؟ … ما قتله إلا لحظك وعينك وحاجبك
وقال:
بجان رسيدم وازدل خبر نمي يابم … وزآنكه برد دلم نيزا ثرنمى يابم
وقال:
بهارآن وكلها شكفت ليك جه سود … كه نوى توز نسيم سحر نمى يابم
стр. 7551
(دنوت من الموت وليس لدي خبر عن قلبي، ولا أجد أثر من خطفه.)
(جاء الربيع وتفتحت الأزهار، ولكن لا فائدة لي منه، لأني لا أجد ريحك في نسيم الصبح)
وقال:
مردمان درمن وبهوشى من حيرانند … من درآ نكس كه ترابيند وحيران نشود
(يعجب الناس منى ومن فقدان صوابي، وأنا أعجب ممن يراك ولا يفقد الصواب)
وصف أرسطو الشعر أنه رمز إلهامه أو محاكاة عمل ذلك الإلهام. وذهب دانتى إلى أن عمله هذا أيضاً رمزي، فالكلام الشعري الذي يقوله الشاعر لا يمثل ذلك العمل في شكل وقوام فني خاص، بل يقدم فيه المعنى الرمزي له. فأنت ترى خسرو كيف رمز إلى شدةنعاناته في الحب في البيت الآتي حين أشار إلى أنه عرف قدر الليل بألم الأرق، ولكنه لم يقدر أن يقيس ليلة الهجر بألم الهجر العظيم حتى بعد معرفة الليل، فان مقياس إدراك الأسباب الآلام هي الآلام قال:
(ازين دو ديده بي خراب شب شناس شدم، … ولي قياس شب هجر درنمى يابم
(إني عرفت قدر الليل بعيني هذه المؤرقة، ولكني لم أجد قياساً لليلة الهجر)
قال شيلى: إن الشعر ليس له أثر أخلاقي بغير تعيين ناحية خاصة من نواحي الأخلاق. لأن حقيقة الأخلاق عنده هي الحياة الفكرية في أعلى سموها وأبهى جمالها. ومظهر حيوية الفكر الخيال الذي يغذيه الشعر. ففي نعيش في العالم الذي يصدر منه شعورنا بغاية الأشياء وبالخلق العملي فالأبيات الآتية لخسرو تبين لك ما ذهب إليه شيلي قال ما ترجمته:
(ما دامالحبيب معنا فلم نستعجل رؤيته؟ وما دام يوسف في مصر قلبنا، فلم يجري نهر النيل من عيوننا؟)
(طلبت منه قتلى بلحظة القتال فقال، ما دام الصياد في كمين فلماذا يستعجل الصيد؟)
(إن سالكي طريق العشق لا يبالون بالراحة والألم، إن عشاق الكعبة لا يسألون عن الطريق والميل)
السيد أبو النصر أحمد الحسيني الهندي
موكب آذار
стр. 7552
الربيع
لشاعر الشباب السوري أنور العطار
عضو المجمع الأدبي
كل شيء هنا يغنى ويحيا … نغماً ممتعاً وشدواً عجيباً
يا حبِيبي أفِق فقَد ضَحِك الرَّوْ - ضُ وَأَبدَى جَمَالَه الَمحْجُوباَ
واسْتَعادَ الوَادِي الأَنيسُ سَناَهُ … وَبَنى الّطيْرُ عُشَّهُ الَخْرُوباَ
طَرِبَ الْقَلْبُ فانْتَشى وَتَغنَّى … وَمِنَ الحبَّ أَنْ أعِيشَ طَرُوبا
وأناَ الشاعِرُ الذي يَغْمرُ الأَرْ … وَاحَ ضِحْكا وَما يَرِيمُ كئِيَبَا
في فؤاديِ الَّلهيف دَا قدِ اسْتعَ … صَى وَجُرحُ يِمضني تَعْذِبيَا
يا حبيبي دُنْياكَ تَطْفحُ بالحُسنِ … فَخُذْ لِلفُؤادِ منها نَصيِبا
هاتِ نِايَ الهوَى وَقمْ نملأ الأك … وانَ منْ سكْرةِ الغِناَءِ ضُروبا
لا تُرَعْ فالحياةُ يَوْم وَيَمضي … ليس يُرْجى لِطَيْفِهِ أنْ يَووبَا
رَفْرَفَ الرَّوضُ وَازْدَهَى وَتَجلَّى … رَائعاً فِتنْةَ العيُون قشِيباً
هو ذَا موكِب لآذَارَ حُلْوٌ … يَتَمشَّى على السُّهولِ لَعوبا
مَلأ الأرضَ وَالسمَواتِ عطراً … وَنفى الهَمَّ وَالضنَّى والشّحُوبا
وعلى مِعطفِ المُروجِ تَراَءتْ … قُبَلٌ لِلرَّبيعِ تَنْفَحُ طِيباً
اليَوَاقِيتُ في النَّواظِرِ ذابت … وجرى السَّحْرُ بالضَياءِ مشُوبا
جدوَل يُترِعُ القُلُوبَ غِناءً … ظَلَّ منْ موْجِهِ السَّنى سَكُوبا
ألمسُ النور في تَلاميعِهِ الزه … رِ وأشْتَمُّ رَوْحَهُ المحْبُوبا
وأرى العِطْرَ وهو هَيمْانُ في الدَّوْ … حِ يُنَاجي في غُصنِه العَندَليبا
وَأُحسُّ الحياةَ تَرْكُضُ في العُش … بِ وَتسْرِي بين الحقُول دَبيبا
نَفَس هَامِس وَآخَر شادٍ … وَرؤَى همَّ سِحرهَا أن يُجيباَ
كلُّ شيءً هُناَ يُغنَّى وَيَحيا … نغماً ممتعاً وَشدواً عَجِيباً
هَا هُنا تَسمَعُ الأناَشِيد أذْنيِ … وتَرى العْين في كَراها الغُيوبا
ها هُنا يَرْكَنُ المُحِبُّ إلى الأُن … سِ وَيُغفِي الفُؤادُ إلا وجيِباَ
стр. 7553
يا حبيبي أفِقْ فَهاذَاك طَير ال … حُبَّ قد أسكَرَ الرُّبا تَطْريبا
تتَرَاَءى السموات ألحا … ظاً وَتَبدُو الأرْض الفضَاء قلُوبا
يا حبيبي هنا الهَوى فاغْتَنِمْهُ … لستَ عنْ جُرحهِ العَميقِ غَريبا
لَكَ منْ هَذه الدَّغَالِ أليِفٌ … يَتَصَبَّاكَ فاَتِناً وَحبيباً
ورياضِ فيها العِشاشُ تُغنَّي … فيذُوبُ الغِناَءُ خمراً صبيباً
إن هذا الجمالَ يا قلب نَهبٌ … فابْتَدِرْ نَخْطفِ السَّناَ المَنْهوبا
إحىَ لِلنُّورِ، لِلمسرَّةِ، للشّدْ … وِ، وَخلَّ الأسى وَخلَّ النَّحِيبا
دمشق
أنور العطار
стр. 7554
زهرة آذار
بقلم أمجد الطرابلسي
(مهداة إلى صديقي أنور العطار)
يا زهدةً بعدَ طويلِ الأسى … جادتْ بها أفراحُ آذارِ
حُيّيتِ بَلْ قُدسْتِ من زخرةٍ … رَفَّتْ رَفيفَ الحُلُمِ الساري
حُيَيتِ من مَزْهوَّةٍ كالصبا … مُحْمَرَّةٍ كالَّلهبِ الواري
طلعتِ فانجابتْ غُيومُ الأسى … مِن بعدِ أرياحٍ وأمطارِ
بَسَمتِ للرَّوضِ وَحَيَّيتْهِ … تحيَّةَ الغائبِ للدارِ
فَضَجَّ بشراً واكتسى حُلةً … بيضاء من نور ونَوّارِ
وانبعثَ الوُرْقُ بأفيائِهِ … تشدو لآصال وأَسحارِ
ودَغْدَغتْ أفنانَه نَسمةٌ … تَخْطِرُ بين الآس والغارِ
تالله ما أدري أيا زهرتي … ما هِجْتِ في قلبي وأشعاري
تركتِ قلبي أيَّ مستعبرٍ … ينزو، ودمعي أيَّ مدرارٍ
لولا هوىً أجَّجتِ في خافقي … ما صغتُ يوماً فيه أشعاري
أحييتِ في قَلْبيَ مَيْت المنى … وهِجْتِ أحلامي وأسراري
. . أأنت من نارِ الحشا جمرة؟ … أم أنتِ مَلآى بدمي الجاري!
أنَرْتِ هذا الرَّوضَ يا زَهْرتي … كما أنارَ الحبُّ أغْواري
ألم يكُنْ قَلبي قُبَيْل الهوى … يا زَهرتي، كالهيكَلِ العاري
كهفاً يَئِنُّ الحُزْنُ في جَوفِهِ … أنينَ أرْياحٍ وأوتارِ
مستوحِشاً قفراً سوى عاصف … للشكَّ، يلهو فيهِ، موّارِ
كهفَ مُنى لم يُبْق منها الأسى … غير خيالاتِ وآثارِ
حتى إذا ما حلَّ فيهِ الهوى … من بَعدِ أحزانٍ وأكدارِ
تَفَتَّحَتْ أحلامُهُ بَهْجَةً … تَفَتُّحَ الزهرِ لآذارِ
إيه أماني القلبِ ماذا تُرى … يُخفى لَكُنَّ الزمنُ الضاري؟
أخشى عليكُنَّ غداً حالكاً … يجري بأسرار وأقدارِ
стр. 7555
عَوَّدَني دهريَ خُلْفَ المُنى … وهدمَ آمالي وأوطاري
هذا صبايَ الغضُّ، والهْفَتا، … كمْ مَأملِ لي فيهِ مُنهارِ
يا زهرةً بعدَ طويلِ الأسى … جادتْ بها أفراح آذار
أيَّ المُنى في القلبِ أيقَظتها … مَعسولةً، بل أيّ تَذْكارٍ؟
دمشق
أمجد الطرابلسي
стр. 7556
القصص
من أساطير الإغريق
برسيوس وأندروميدا
والجرجون الثلاثة
للأستاذ دريني خشبه
في إحدى مدى الشاطئ الأغريقي، كانت تعيش أميرة جميلة تدعى (داناي)، هي وابنها الوحيد الجميل برسيوس، الذي كتب عليه أن يحرم من صدر والده الحنون، ذلك الوالد الذي طوحت به أسفاره، فشط مزاره، ولم يعد أحد يعرف أين انتهى قراره
ولقد كان هذا الوالد - فيما يظهر - على جانب عظيم من البأس وقوة الجانب، حتى لقد فرح أهل المدينة لبعده فرحاً شديداً؛ ولخوفهم من أن ينشأ طفله برسيوس على وتيرته، تآمروا فيما بينهم على نفيه هو وأمه من جزيرتهم في زورق صغير يدفعون به إلى اليم، والأمواج المتلاطمة كفيلة، ثمة، بإجراء حكمها فيهما. .
يا للوحوش! لقد أنفذ الأشقياء تدبيرهم؛ وتناوحت الأمواج حول الزورق تقذف به ها هنا وهاهنا، والأم المسكينة تغالب أحزانها وتنسى مخاوفها، فتغني لطفلها الراقد في حضنها، وتدلله كي ينام، وكي يكون بنجوة من فزع هذا البحر المصطخب
وبعد أن كان الموت المحقق قاب قوسين من هاتين الفريستين، وبعد أن كانت كل موجة تشق للزروق قبراً في أعماق الماء، شاءت العناية أن تسخر موجة هائلة تدفع به، في هوادة ورفق، إلى ساحل جزيرة نائبة في وسط المحيط. وهناك، نزلت الأم الموهونة متهالكة على نفسها، حاملة وديعتها البريئة، شاكية إلى الآلهة صنع الإنسان بالإنسان، ولمحت في الأفق قرية متطامنة، فيممت شطرها، وما فتئت تتعثر في خطاها حتى بلغتها والشمس تتوارى بالحجاب
ورحب الناس بالضيفين البائسين، لأن دينهم كان يأمرهم بإيواء أبناء السبيل، وإكرام الغرباء واللاجئين؛ فعاشا ناعمين، وشب برسيوس سليما من الآفات، مكتنز العضلات، بادي الفتوة، موفور القوة، عذب اللسان، مشبوب الجنان، وأحبه الناس وأعجبوا به، والتف
стр. 7557
الجميع حوله يصغون إلى أحاديثه العذاب،
وقصصه الرطاب. . . .
وتسامع الكل به، وترامت إلى ملك الجزيرة اخباره، فشغله انصراف الناس إليه، وافتتانهم به؛ وكان (قاتله الله)، غيوراً رعديداً، فآلى أن يكيد له، ويدبر حيلة يقصيه بها عن طريقه، ليطمئن على نفسه. . . . وعرشه؟
وكان في إحدى الجزر النائية ثلاثة من الجرجون الضارية، وهي أفزع ما جاء في أساطير اليونان، وكل من هذه الجرجون تنين هائل له رأس امرأة، ويدان من النحاس الأصفر الصلب، ذواتا أظافر حادة، تنفذ في أقسى المعادن وأصلبها، وليس لها شعر في رءوسها كما للنساء، بل لها، عوضاً عن الشعر، حيات وأفاع ذات رؤوس مرعبة تنفث السم الزعاف. وقد أوتيت قوة خارقة، لتستطيع إحداها أن تقصم جذع النخلة بضربة ضعيفة من ذنبها الجبار! وليست هذه الجرجون مخيفة بسمها وقوة بنيتها فحسب، بل الأدهى والأمر، هو هذا السر الدفين في عيونها؛ إذ كل من جرؤ على النظر إلى هذه العيون، يتحول في الحال إلى صنم من الحجارة لا يتحرك، ولا يعي!!
وكانت الجرجونة (مديوسا) أفظع أنواع الجرجون جميعاً، ولذا كانت أختاها الأخريان تحترمانها، وتسهران على راحتها ولكن ماذا اعتزم الملك الجبار في كل ذلك؟ لقد دبر أن يغري برسيوس بالذهاب إلى جزيرة الجرجون لقتل (مديوسا) والاياب رأسها كأحسن هدية تقدم إلى ملك. وكان هذا الرجل الخبيث يعلم تمام العلم أن مجرد محاولة الذهاب إلى جزيرة الجرجون هو ضرب من الجنون لا يقدم عليه إلا المأفونون، فان نظرة واحدة من عين مديوسا كفيلة بوضع حد لكل شيء وأرسل الملك إلى برسيوس فمثل بين يديه، وطفق يكيل له المدح جزافاً، ويبالغ في الثناء على ما ترامي إليه من أخباره، وضروب شجاعته التي يتحدث بها الجميع.
وامتلأ برسيوس، الفتى، زهواً، وشاعت في أعطافه الكبرياء، وراح هو بدوره يشكر الملك حلو ثنائه، وجميل إطرائه، فما إن أدرك الملك ما بلغ ثناؤه من قلب برسيوس الغرير، ونفسه الصغيرة، حتى أخبره بما انتدبه له؛ فقبل الفتى المسكين وهو لا يدري ما هي هذه الجرجون، ولا أين الجرجون؟
стр. 7558
وانطلق من فوره، وأرسل الملك من حاشيته من أبلغوه خارج الأسوار، في مهرجان فخم، وموكب أنيق. ثم غربت الشمس فغلقت الأبواب، وجلس برسيوس على صخرة عظيمة مشرفة على البحر يفكر في هذه الجرجون، وينظر إلى القمر يشرق من الاثباج، فيفضض الموج، ويحور به البحر رجرجاً من لجين! ويذكر فجأة أنه لم يودع أمه، ولم يتزود منها قبلة أو دعاءً لهذا السفر الطويل. فيبكي. . . ويبكي بكاءً مراً!
وتصدع قلبه حينما خيل إليه أنه قد لا يعود إليها، مع أنه عزاؤها الوحيد في هذه الحياة!
وانتصف الليل!
وفيما هو غرق في لجة الفكر، شرق بواكف الدمع، إذا بصوت رقيق يناديه من فوق الصخرة المقابلة: (برسيوس أيها العزيز! فيم بكاؤك؟ ولم تذرف كل هذه الدموع؟ لقد هجت الآلهة، وأحزنت أرباب الأولمب!). ونظر برسيوس ليرى من صاحب هذا الصوت الرخيم الذي يناديه، فعجب عجباً شديداً! لقد رأى مخلوقاً جميلاً مشرق الجبين، يترقرق البشر في ` وجهه، لا يعقل أن يكون بشراً! يلبس فوق هامته قلنسوة ذات أرياش وأجنحة، وفي قدميه نعلان غريبتان يتصل بكل منهما جناح كجناح البازي، وفي يده عصا سحرية تتلوى بطرفها الأعلى ثعابين وحيات!!
على أن برسيوس لم يعلم أن الذي يتحدث إليه، إن هو إلا الإله هرمز رسول الآلهة بين السموات والأر ?، الذي لا يفوقه في سرعته أحد
وبعد، فلقد قص برسيوس قصته على هرمز. وما فرغ منها، حتى قال الإله له: (بني! إنك مقدم على أمر جلل، وشأن بعيد المدى، صعب المنال. ولقد أراد الملك أهلاكك حين اختارك لهذه المهمة، لأن أحدا لا يجسر على الذهاب إلى جزيرة الجرجون إلا إذا كان أحمق أو مجنوناً! ولكن أصغ إلى! انك لا بد فائز إذا علمت بوصاياي، ولم تحد عما أشير عليك به.
وسأذهب عنك لحظة، ثم أعود إليك بآلاء من الآلة، تقرب لك النجح، وتسهل عليك كل شاق من أمرك. فانتظر).
ورقى هرمز، ثم غاب في السماء، وبهت برسيوس حين رآه يطوي الأديم الفضي، ويطرق أبواب أورانوس!
وقص هرمز قصة صاحبه على الآلهة، فرثت للفتى المسكين وتحركت في قلوبها الرحمة
стр. 7559
العلوية، التي طالما تنهمر من السماء، لتغسل الآم الأرض: وتعاهدت أن تؤازر برسيوس، وتمده بكل ما يسهل عليه أشق أمره. فنزل بلوتو، إله الموتى، عن قلنسوته التي تخفي من يلبسها فلا يراه أحد، وتبرعت مينرفا بترسها الذي يحمي لابسه من حراب الأعداء، وهو درع ثمين من الذهب الخالص، يلمع لمعاناً شديداً، حتى ليعكس المرئيات في صفحته، كأنه السجنجل
وحمل هرمز المنحتين، وعاد بهما إلى حيث يجلس برسيوس فقدمهما إليه، وزوده بجرازه المتلوي القاطع، الذي ليس كمثله سيف ولا حسام. ومنحه نعليه المجنحتين، اللتين تسبقان به الريح، فلبسهما ثم قال له: (تلك يا برسيوس هدايا الآلهة أسبغها عليك. بيد أنه ينبغي قبل كل شيءأن تذهب معي إلى هذه الجزيرة القريبة حيث تقيم ثلاث إناث من السيكلوب ذوات العين الواحدة، فتحتال عليهن حتى تعرف منهن موضع جزيرة الجرجون، لأن أحداً من العالمين لا يدري أين موضعها بالضبط غير هؤلاء السيكلوب. سر إذن على بركة الآلهة في أثري، واحترس لنفسك، والسماء تكلؤك.)
وكم عجب برسيوس حين رآه يطير في إثر هرمز، والبحر من تحتهما تتلاطم أمواجه، ويعج عجيجه، وهما من فوقه كالعصافير المهاجرة، وحطا في الجزيرة المنشودة، بعد أن دوما فوقها طويلا. وكان ذلك بالقرب من كهف حالك، في منحدر صخرة صعبة المرتقى. وقد لمح فيه برسيوس السيكلوب الثلاث، بفضل ترس مينرفا الذي كان يعكس في صفحته كل ما في الجزيرة
إنها مخلوقات غريبة حقاً، ليس كمثلها شيء في الآفاق، شاذة في خلقها، عجيبة في تنسيق جسمها؛ وهي إناث على كل حال، يعيشن في هذه الجزيرة المعشوشبة، بعيدات عن العالم، منزويات في هذا الركن السحيق من أركان الدنيا. وأغرب ما في أجسامهن من شذوذ، أنهن ليس لهن أعين كما للناس، ولكن لهن، لثلاثتهن، عين واحدة! تركبها إحداهن لوقت معلوم، في حفرة غائرة من جبينها، حتى إذا انتهى الوقت وجاءت نوبة السيكلوبة الأخرى، نزعت الأولى تلك العين وأعطتها للثانية، وهذه تعطيها للثالثة بدورها، وهكذا دواليك، وبوساطة تلك العين العجيبة تستطيع السيكلوب رؤية أصغر شيء في أقصى جهات العالم، من دون ما مشقة ولا عناء
стр. 7560
وبعد أن زود هرمز صاحبه بوصايا غالية، انتحى ناحية قريبة، واختبأ بريسوس خلف شجرة باسقة؛ ولشد ما دهش إذ رأى إحدى السيكلوب تقود أختها، وفي جبينها العين العجيبة ترمق بها أصقاع العالم، وتحدث أختيها عما ترى. وبعد قيل ثار نزاع بين الأخوات على العين، كل تريد أن تأخذ نوبتها، وكل تدعى أن الدور دورها. وفيما كانت الأولى تنزع العين، وتوشك أن تعطيها للثانية، انقض برسيوس فتسلمها من السيكلوبة، دون وعي منها!! لأنها بدون العين لا تستطيع أن ترى شيئاً في العالم. وينشب نزاع شديد بين السيكلوب على العين، كل منهن تتهم أختها بأن العين معها وتدعى الإنكار، حتى وضع برسيوس حداً لتنازعهن، بان هتف بهن: (أيتها الأخوات العزيزات، لا تنازعن على عينكن، فهي في هذه اللحظة معي وبين يدي.) وانقضت السيكلوب هلعات نحو مصدر الصوت، ولكن هيهات أن يقبضن على شخص تحمله نعلا هرمز، فلقد قفز قفزة هائلة، أقصى بها نفسه عنهن، ثم قال: (أيتها الأخوات العزيزات! أنا أعلم أنكن لا تستطعن الحياة بدون العين الغالية، وأنا أعدكن بردها اليكن، ولكن بشرط واحد: ذلك أن تخبرنني عن المكان الذي تأوي إليه (مديوسا) وأخواتها الجرجون، فان لم تفعلن فلا عين لكن عندي.)
وهنا تميزت السيكلوب من الغيظ وكدن لا يجبن بشيء، لأنهن منهيات عن إذاعة أسرار العالم، ولكن إذاعة السر في هذه اللحظة أهون ألف مرة من هذا العمى المطلق، والظلام المبين يغطش حياتهن، فأخبرنه بموضع الجزيرة ومأوى الجرجون فيها، ولكي يثق مما أنبأنه به نظر في العين التي بين يديه فرأى الجزيرة، وأيقن أنهن لم يخنه؛ ثم إنه تحين الفرصة الملائمة ودفع بالعين في جبهة اقرب السيكلوب منه وغاب في الجو ميمماً شطر هرمز، حيث وجده يمرح في غيضة ناضرة فتعانقا عناقاً طويلاً، وشكره برسيوس على جزيل مساعدته، ثم افترقا على أن يبدأ برسيوس رحلته إلى جزيرة الجرجون
وكانت رحلة طويلة شاقة، برغم نعلي هرمز. فكم بحار طوى، وكم وهاد رأى، وكم ريح صرصر كافح، وكم مشقة احتمل، حتى وصل إلى جزيرة الجرجون! ولم ينس ما أوصاه به هرمز من وجوب النظر إلى أعلى دائماً حتى لا تقع عيناه على عيني إحدى الجرجون فيحور حجارة صماء. وكان يتخذ من درع مينرفا مرآة صافية يرى فيها ما تعج به الجزيرة من كهوف وزروع وغابات. ولشد ما سر سروراً لا مزيد عليه حين وجد الجرجون الثلاث
стр. 7561
مستغرقات في سبات عميق عند مدخل كهفهن السحيق. وفي وسطهن مديوسا العاتية. تغط غطيطاً مروعاً. فاستخار الآلهة، وامتشق جراز هرم ?، وتعوذ ثم تعوذ، ثم انقض كالصاعقة، فأهوى على عنق مديوسا بضربة قاتلة، انفصل بها الرأس عن سائر الجسد. وهنالك، علا فحيح الأفاعي الباسقة في رأس مديوسا، تدمدم في الكيس الجلدي الذي ألفاها برسيوس فيه، حتى لقد استيقظ أختاها، وانطلقتا مرتاعتين في إثر الفتى، تودان لو تمسكان به، فتعتصران عظامه اعتصاراً. . .
ولكن قلنسوة بلوتو تخفيه عنهما، وتحفظه من شرهما وبينما هو يطوي الضحاضح والبحار، وبينما هو منتش بخمرة انتصاره، مفكر في اللحظة التي يلقي فيها الملك ليريه رأس مديوسا، ويحظى لديه بثمرة فوزه، بينما هو كذاك، إذا به يلمح في إحدى الجزر زحاماً شديداً، وجماهير حاشدة، متكبكبة حول صخرة ناتئة، مشرفة على البحر، وقد تدلت منها فتاة بارعة الجمال، بادية الحسن، مغلولة العنق، مربوطة الأطراف بسلاسل وأصفاد من حديد صلب. ونظر فرأى تنيناً بحرياً هائلاً يطفو فوق الماء، ويقترب من الفتاة قليلاً قليلاً، وراعه أفزع الروع تلك الصرخة الهائلة التي صرختها الفتاة فرددت الغيران والكهوف ومشارف الجبال صداها
ماذا؟. . .
الفتاة مذعورة أيما ذعر، والناس من حولها ينظرون ولا يحركون ساكناً. . .
والتنين يقترب ويقترب. . .؛ ولم ينتظر برسيوس حتى يفترس الوحش تلك الفتاة المفزعة، بل استل جراز هرمز وانقض فوق ظهر التنين وأهوى على عنقه بضربات سريعة متلاحقة غاص بها في أحشائه، ولبثا يتصارعان ساعة من الزمان كانت كلها هولا، وكانت كلها فزعا، والناس ينظرون مشدوهين، زائغة أبصارهم، لا يصدقون ما يبصرون.
ثم انجلت المعركة عن جثة التنين الضخمة طافية فوق الماء، الذي تحول بدوره خضما من الدماء. وقفز برسيوس إلى الشاطئ، وذهب إلى الفتاة ففك أصفادها، وهدأ من روعها، وسأل الناس فقادوها إلى والدتها المسكينة المعذبة التي حبست نفسها في حجرة مظلمة، وانتظرت ثمة من ينعى إليها ابنتها
أما هذه الأم، فهي الغادة الأغريقية كاسيوبيا، المشهورة بجمالها، وحسن روائها، والتي كانت
стр. 7562
أفتن حسان هيلاس في زمانها، ولقد امتلأت زهواً بما أضفت عليها الآلهة من قسامة، وما أسبغت عليها من وسامة، فزعمت، وهي تفاخر أترابها، أنها أجمل من عرائس البحار التي لا يدانيها في جمالها الباقي، جمال هذا البشر الفاني. فغضبت عرائس الماء، لهاذا الادعاء، وأقسمن ليعذبنان أهل الجزيرة التي فيها كاسيوبيا بهذا التنين المروع الذي شرع يغدو كل يوم إلى شواطئ الجزيرة، فيقتل ويلتهم عشرات من سكانها!
وذعر القوم، وحاروا في أمر هذا التنين، وذهبوا إلى الهيكل يقدمون قرابينهم للآلهة، ويستوحون كهنتها نبوءة تبعد عنهم شره، وتكفيهم أمره. ولقد أجيبت أدعيتهم، وتقبلت أضحيتهم؛ وأرهفت الأسماع، وشمل الهيكل هذا السكون المقدس الرهيب، وما هي إلا لحظة حتى انطلق صوت خفي من أعماق المذبح، يقول: (قدموا العذراء أندروميدا، ابنة الغانية كاسيوبيا؛ ضحية حلالاً لتنين البحر، جزاء غرورها وكبريائها
- ذلك إن أردتم أن يكف التنين عنكم شره، ولا يعاودكم أذاه!) وانكفأ القوم محزونين مروعين، لأنهم كانوا يحبون كاسيوبيا وابنتها، حباً هو العبادة. وحاروا كيف يتقدمون للأم بهذا النبأ العظيم؟!
وكان لا بد من النفاذ، لإنقاذ الجزيرة وجميع سكانها. . .
والآن، لقد أنقذ برسيوس أندروميدا الجميلة من براثن التنين، وشعر في سويدائه بعاطفة نورانية تجذبه إلى هذه الفتاة، وأحس كأن مستقبله مرتبط بمستقبلها برباط قدسي تباركه السماء وتحرسه العناية؛ فتقدم إلى والدتها يطلب إليها يد أندروميدا ووافقت الوالدة، وسعدت الفتاة بهذا البطل الشاب الذي أنقذ حياتها مرتين: مرة من هذا الوحش الضاري الذي تركه برسيوس جثة هامدة، ومرة ثانية من ذلك الشيخ الفاني الهرم الذي تقدم إليها يريدها زوجة له، وكادت أمها تقسر على الموافقة لما للشيخ في الجزيرة من صولة وجبروت، لولا المقادير التي تتابعت بعد ذلك
وأقيم مهرجان كبير، وزينات فخمة للاحتفال بالعروسين؛ فمدت الأخونة، وأعدت الأسمطة، وبدأت الموسيقى الإغريقية تعزف أشجى ألحانها، وأخذ الجميع في قصف حلو وسمر برئ وإنهم لفي كل ذلك إذا بالرجل الهرم الذي تقدم لخطبة أندروميدا من قبل، يقتحم الحفل هو وعصبة قوية من رجاله المسلحين، وإذا بالرجل يهتف بيرسيوس قائلاً: (برسيوس! لقد
стр. 7563
اعتديت على مولى هذه الجزيرة اعتداء صارخاً بانتزاعك أندروميدا من يدي؛ وإنك إن لم تنزل عنها طواعية فسأكرهك على تركها قسراً، بعد أن تروي هذه السيوف من دمائك ودماء من يلوذ بك!. . . .) فحدجه برسيوس بنظرة ساخرة وقال: (من أنت أيها الرجل الذي يجسر على مخاطبتي بهذا الهراء؟ لقد أصبحت أندروميدا زوجي، وإن كانت من قبل خطيبتك؛ أنت من غير ريب تحلم. . . غير أني أسألك: أين وليت وجهك يوم اضطرت أمها المسكينة أن تنزل عنها قرباناً للتنين؟ لقد كان أولى بشجاعتك أنت ورجالك لو توليتم إنقاذها من الأفعوان البحري الذي أذلك وأذلهم. . . .) ومد يده إلى الكيس الذي كان به رأس مديوسا، فأخرجه وقال: (ولكن انظر إلى هذا قبل أن تقتلني.) وما كاد الرجل ينظر إلى عيني مديوسا، حتى تصلبت عضلاته، وتحجر جسمه، وظل مكانه كأنه تمثال! ودهش أصحابه لجموده، وظنوه قد سمر حيث هو، فلما لامسوه استطيرت ألبابهم، ولاذوا من الفزع بالفرار
وأخفى برسيوس رأس مديوسا، واستمر القوم في سمرهم كأن لم يحدث شيء. . . اللهم إلا هذا التمثال المنتصب في أول ردهة، والذي كان يهرف منذ لحظة، فاصبح عبرة الزمان، وضحكة الأيام! وحان يوم الرحيل، فخرج أهل الجزيرة يودعون الزوجين، وظلت كاسيوبيا تعانق برسيوس مرة، وإندروميدا مرة أخرى، والدموع فيما بين هذه وتلك، تنهمر على خديها انهماراً. . .
والناس ينظرون. . . . ويبكون
ثم حمل برسيوس عروسه، ومرق في الهواء كالسهم، والقوم من عجب يتصايحون ويهتفون
وكانت الرحلة هذه المرة، على شدتها وطولها، من أروح الرحلات إلى قلب برسيوس. وتستطيع أن تتصور القبل الحلوة تنطبع على هذين الثغرين الحبيبين، في ملكوت السماء، لتدرك أي سعادة شعرية، وأي هنيهات سحرية، فازا بها في لازورد الفضاء
وبلغ مدينة الملك بعد نأى طويل، وسنين عدة، فذهب أول ما ذهب إلى منزل أمه، وناهيك بما كان من عناق، وما تبودل من تحيات. وبكت داناي المسكينة وهي تهنئ ابنها بأندروميدا، ثم أخذت تقص، ملء أحزانها، وفي فيض أشجانها ما انتابها من سوء، وما لحقها من عسف، لأنها أبت أن تكون خليلة الملك المخاتل الجبار، الذي صب عليها جام
стр. 7564
نقمته، وأذاقها من الهوان ألواناً! فحزن برسيوس حزناً ممضاً، وهيج حتى خيف عليه، وذهب من فوره إلى قصر الملك بكل عتاده! ودخل إلى البهو الملكي بدون استئذان، وهو يضمر في القلب غصة، وفي النفس لوعة، وفي الكيس رأس مديوسا!!
وقال الملك حين لمح برسيوس: (هلا! برسيوس! لقد عدت أخيراً، وما أحسبك وفيت بما قطعت على نفسك من عهود! لعل شجاعتك التي بالغ الناس في إطرائها والثناء عليها قد واتتك في حربك مع الجرجون؟)
فأجاب برسيوس، دون أن يحيى بالتحية الملكية: (أيها الملك! لم تخاطبني هكذا ولا تتريث حتى تنظر إن كنت قد عدت إليك برأس مديوسا الرهيب؟)
(فقهقه الملك، وملأ التهكم شدقية، وقال: (طبعاً ستدعى أنك قتلت مديوسا ولكن رأسها وقع منك في البحر، فالتقمه الحوت؟. . . يا للشباب المخدوع؟!)
وثارت ثائرة برسيوس، ولم يجد إلى صبر من سبيل، فحسر عن رأس مديوسا وقال: (أيها الملك. . . انظر!)
وبهت الملك مكانه حين وقع بصره على عيني مديوسا؛ ثم تحول في لمحة إلى تمثال من الحجر ما يأتي بحركة؛ ولا ينبس ببنت شفة!!
وحدث عما شمل أهل الجزيرة من الفرح حين ترامت إليهم أخبار الملك؛ وما تم له مع برسيوس. لقد كانوا يؤثرون الموت على أن يحكمهم مثل هذا الظالم العاتي المستهتر، ولقد كانوا يودون له الهلك، حتى خلصهم برسيوس منه، فهرعوا إليه، وهتفوا في كل مكان باسمه، وحملوه على الأعناق إلى حيث الملك التمثال وهناك، صبوا لعناتهم على الطاغية، وانصرفوا، يهنئ بعضهم بعضاً، بعد ان اختار لهم برسيوس ملكا منهم. . . . فاضلاً، عادلاً. . . .
وقد عرضوا عليه الملك فأبى. . . لأن مملكته الكبيرة المكونة منه ومن أمه، ومن أندروميدا كانت آثر لديه من كل ملك عتيد!!
وتوجه إلى حيث لقي هرمز، عند الصخرة المشرفة على البحر، فوجده ينتظره، فتعانقا عناقاً يفيض محبة، ويقطر وداً، ثم رد إليه هدايا الآلهة بالحمد والثناء. . .
أما رأس مديوسا، فقد أهداها إلى منيرفا، ففرحت بها فرحاً شديداً، وهي إلى اليوم مركبة
стр. 7565
في وسط ترسها ترهب بها أعداءها الألداء. . . .
دريني خشبة
следующие страницы →