← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.

стр. 7561

مستغرقات في سبات عميق عند مدخل كهفهن السحيق. وفي وسطهن مديوسا العاتية. تغط غطيطاً مروعاً. فاستخار الآلهة، وامتشق جراز هرم ?، وتعوذ ثم تعوذ، ثم انقض كالصاعقة، فأهوى على عنق مديوسا بضربة قاتلة، انفصل بها الرأس عن سائر الجسد. وهنالك، علا فحيح الأفاعي الباسقة في رأس مديوسا، تدمدم في الكيس الجلدي الذي ألفاها برسيوس فيه، حتى لقد استيقظ أختاها، وانطلقتا مرتاعتين في إثر الفتى، تودان لو تمسكان به، فتعتصران عظامه اعتصاراً. . . ولكن قلنسوة بلوتو تخفيه عنهما، وتحفظه من شرهما وبينما هو يطوي الضحاضح والبحار، وبينما هو منتش بخمرة انتصاره، مفكر في اللحظة التي يلقي فيها الملك ليريه رأس مديوسا، ويحظى لديه بثمرة فوزه، بينما هو كذاك، إذا به يلمح في إحدى الجزر زحاماً شديداً، وجماهير حاشدة، متكبكبة حول صخرة ناتئة، مشرفة على البحر، وقد تدلت منها فتاة بارعة الجمال، بادية الحسن، مغلولة العنق، مربوطة الأطراف بسلاسل وأصفاد من حديد صلب. ونظر فرأى تنيناً بحرياً هائلاً يطفو فوق الماء، ويقترب من الفتاة قليلاً قليلاً، وراعه أفزع الروع تلك الصرخة الهائلة التي صرختها الفتاة فرددت الغيران والكهوف ومشارف الجبال صداها ماذا؟. . . الفتاة مذعورة أيما ذعر، والناس من حولها ينظرون ولا يحركون ساكناً. . . والتنين يقترب ويقترب. . .؛ ولم ينتظر برسيوس حتى يفترس الوحش تلك الفتاة المفزعة، بل استل جراز هرمز وانقض فوق ظهر التنين وأهوى على عنقه بضربات سريعة متلاحقة غاص بها في أحشائه، ولبثا يتصارعان ساعة من الزمان كانت كلها هولا، وكانت كلها فزعا، والناس ينظرون مشدوهين، زائغة أبصارهم، لا يصدقون ما يبصرون. ثم انجلت المعركة عن جثة التنين الضخمة طافية فوق الماء، الذي تحول بدوره خضما من الدماء. وقفز برسيوس إلى الشاطئ، وذهب إلى الفتاة ففك أصفادها، وهدأ من روعها، وسأل الناس فقادوها إلى والدتها المسكينة المعذبة التي حبست نفسها في حجرة مظلمة، وانتظرت ثمة من ينعى إليها ابنتها أما هذه الأم، فهي الغادة الأغريقية كاسيوبيا، المشهورة بجمالها، وحسن روائها، والتي كانت

стр. 7562

أفتن حسان هيلاس في زمانها، ولقد امتلأت زهواً بما أضفت عليها الآلهة من قسامة، وما أسبغت عليها من وسامة، فزعمت، وهي تفاخر أترابها، أنها أجمل من عرائس البحار التي لا يدانيها في جمالها الباقي، جمال هذا البشر الفاني. فغضبت عرائس الماء، لهاذا الادعاء، وأقسمن ليعذبنان أهل الجزيرة التي فيها كاسيوبيا بهذا التنين المروع الذي شرع يغدو كل يوم إلى شواطئ الجزيرة، فيقتل ويلتهم عشرات من سكانها! وذعر القوم، وحاروا في أمر هذا التنين، وذهبوا إلى الهيكل يقدمون قرابينهم للآلهة، ويستوحون كهنتها نبوءة تبعد عنهم شره، وتكفيهم أمره. ولقد أجيبت أدعيتهم، وتقبلت أضحيتهم؛ وأرهفت الأسماع، وشمل الهيكل هذا السكون المقدس الرهيب، وما هي إلا لحظة حتى انطلق صوت خفي من أعماق المذبح، يقول: (قدموا العذراء أندروميدا، ابنة الغانية كاسيوبيا؛ ضحية حلالاً لتنين البحر، جزاء غرورها وكبريائها - ذلك إن أردتم أن يكف التنين عنكم شره، ولا يعاودكم أذاه!) وانكفأ القوم محزونين مروعين، لأنهم كانوا يحبون كاسيوبيا وابنتها، حباً هو العبادة. وحاروا كيف يتقدمون للأم بهذا النبأ العظيم؟! وكان لا بد من النفاذ، لإنقاذ الجزيرة وجميع سكانها. . . والآن، لقد أنقذ برسيوس أندروميدا الجميلة من براثن التنين، وشعر في سويدائه بعاطفة نورانية تجذبه إلى هذه الفتاة، وأحس كأن مستقبله مرتبط بمستقبلها برباط قدسي تباركه السماء وتحرسه العناية؛ فتقدم إلى والدتها يطلب إليها يد أندروميدا ووافقت الوالدة، وسعدت الفتاة بهذا البطل الشاب الذي أنقذ حياتها مرتين: مرة من هذا الوحش الضاري الذي تركه برسيوس جثة هامدة، ومرة ثانية من ذلك الشيخ الفاني الهرم الذي تقدم إليها يريدها زوجة له، وكادت أمها تقسر على الموافقة لما للشيخ في الجزيرة من صولة وجبروت، لولا المقادير التي تتابعت بعد ذلك وأقيم مهرجان كبير، وزينات فخمة للاحتفال بالعروسين؛ فمدت الأخونة، وأعدت الأسمطة، وبدأت الموسيقى الإغريقية تعزف أشجى ألحانها، وأخذ الجميع في قصف حلو وسمر برئ وإنهم لفي كل ذلك إذا بالرجل الهرم الذي تقدم لخطبة أندروميدا من قبل، يقتحم الحفل هو وعصبة قوية من رجاله المسلحين، وإذا بالرجل يهتف بيرسيوس قائلاً: (برسيوس! لقد

стр. 7563

اعتديت على مولى هذه الجزيرة اعتداء صارخاً بانتزاعك أندروميدا من يدي؛ وإنك إن لم تنزل عنها طواعية فسأكرهك على تركها قسراً، بعد أن تروي هذه السيوف من دمائك ودماء من يلوذ بك!. . . .) فحدجه برسيوس بنظرة ساخرة وقال: (من أنت أيها الرجل الذي يجسر على مخاطبتي بهذا الهراء؟ لقد أصبحت أندروميدا زوجي، وإن كانت من قبل خطيبتك؛ أنت من غير ريب تحلم. . . غير أني أسألك: أين وليت وجهك يوم اضطرت أمها المسكينة أن تنزل عنها قرباناً للتنين؟ لقد كان أولى بشجاعتك أنت ورجالك لو توليتم إنقاذها من الأفعوان البحري الذي أذلك وأذلهم. . . .) ومد يده إلى الكيس الذي كان به رأس مديوسا، فأخرجه وقال: (ولكن انظر إلى هذا قبل أن تقتلني.) وما كاد الرجل ينظر إلى عيني مديوسا، حتى تصلبت عضلاته، وتحجر جسمه، وظل مكانه كأنه تمثال! ودهش أصحابه لجموده، وظنوه قد سمر حيث هو، فلما لامسوه استطيرت ألبابهم، ولاذوا من الفزع بالفرار وأخفى برسيوس رأس مديوسا، واستمر القوم في سمرهم كأن لم يحدث شيء. . . اللهم إلا هذا التمثال المنتصب في أول ردهة، والذي كان يهرف منذ لحظة، فاصبح عبرة الزمان، وضحكة الأيام! وحان يوم الرحيل، فخرج أهل الجزيرة يودعون الزوجين، وظلت كاسيوبيا تعانق برسيوس مرة، وإندروميدا مرة أخرى، والدموع فيما بين هذه وتلك، تنهمر على خديها انهماراً. . . والناس ينظرون. . . . ويبكون ثم حمل برسيوس عروسه، ومرق في الهواء كالسهم، والقوم من عجب يتصايحون ويهتفون وكانت الرحلة هذه المرة، على شدتها وطولها، من أروح الرحلات إلى قلب برسيوس. وتستطيع أن تتصور القبل الحلوة تنطبع على هذين الثغرين الحبيبين، في ملكوت السماء، لتدرك أي سعادة شعرية، وأي هنيهات سحرية، فازا بها في لازورد الفضاء وبلغ مدينة الملك بعد نأى طويل، وسنين عدة، فذهب أول ما ذهب إلى منزل أمه، وناهيك بما كان من عناق، وما تبودل من تحيات. وبكت داناي المسكينة وهي تهنئ ابنها بأندروميدا، ثم أخذت تقص، ملء أحزانها، وفي فيض أشجانها ما انتابها من سوء، وما لحقها من عسف، لأنها أبت أن تكون خليلة الملك المخاتل الجبار، الذي صب عليها جام

стр. 7564

نقمته، وأذاقها من الهوان ألواناً! فحزن برسيوس حزناً ممضاً، وهيج حتى خيف عليه، وذهب من فوره إلى قصر الملك بكل عتاده! ودخل إلى البهو الملكي بدون استئذان، وهو يضمر في القلب غصة، وفي النفس لوعة، وفي الكيس رأس مديوسا!! وقال الملك حين لمح برسيوس: (هلا! برسيوس! لقد عدت أخيراً، وما أحسبك وفيت بما قطعت على نفسك من عهود! لعل شجاعتك التي بالغ الناس في إطرائها والثناء عليها قد واتتك في حربك مع الجرجون؟) فأجاب برسيوس، دون أن يحيى بالتحية الملكية: (أيها الملك! لم تخاطبني هكذا ولا تتريث حتى تنظر إن كنت قد عدت إليك برأس مديوسا الرهيب؟) (فقهقه الملك، وملأ التهكم شدقية، وقال: (طبعاً ستدعى أنك قتلت مديوسا ولكن رأسها وقع منك في البحر، فالتقمه الحوت؟. . . يا للشباب المخدوع؟!) وثارت ثائرة برسيوس، ولم يجد إلى صبر من سبيل، فحسر عن رأس مديوسا وقال: (أيها الملك. . . انظر!) وبهت الملك مكانه حين وقع بصره على عيني مديوسا؛ ثم تحول في لمحة إلى تمثال من الحجر ما يأتي بحركة؛ ولا ينبس ببنت شفة!! وحدث عما شمل أهل الجزيرة من الفرح حين ترامت إليهم أخبار الملك؛ وما تم له مع برسيوس. لقد كانوا يؤثرون الموت على أن يحكمهم مثل هذا الظالم العاتي المستهتر، ولقد كانوا يودون له الهلك، حتى خلصهم برسيوس منه، فهرعوا إليه، وهتفوا في كل مكان باسمه، وحملوه على الأعناق إلى حيث الملك التمثال وهناك، صبوا لعناتهم على الطاغية، وانصرفوا، يهنئ بعضهم بعضاً، بعد ان اختار لهم برسيوس ملكا منهم. . . . فاضلاً، عادلاً. . . . وقد عرضوا عليه الملك فأبى. . . لأن مملكته الكبيرة المكونة منه ومن أمه، ومن أندروميدا كانت آثر لديه من كل ملك عتيد!! وتوجه إلى حيث لقي هرمز، عند الصخرة المشرفة على البحر، فوجده ينتظره، فتعانقا عناقاً يفيض محبة، ويقطر وداً، ثم رد إليه هدايا الآلهة بالحمد والثناء. . . أما رأس مديوسا، فقد أهداها إلى منيرفا، ففرحت بها فرحاً شديداً، وهي إلى اليوم مركبة

стр. 7565

في وسط ترسها ترهب بها أعداءها الألداء. . . . دريني خشبة

стр. 7566

البريد الأدبي إحياء ذكرى الفيلسوف الطبيب موسى بن ميمون لمرور ثمانمائة عام على ميلاد موسى بن ميمون أحد أقطاب الطب والعلم في عصر السلطان صلاح الدين الأيوبي وفيلسوف اليهود الأكبر في العصور الإسلامية ورئيس الطائفة الإسرائيلية بالقاهرة والفسطاط، ذلك الرجل الذي ترك أثراً خالداً في الفلسفة الإسرائيلية والطب العربي، وكان واسطة الاتصال بين الحضارتين الشرقية والغربية قررت جمعية المباحث الإسرائيلية بمصر إحياء ذكراه في ثلاث حفلات كبرى، أولاها بإشراف الجامعة المصرية وتحت رعاية صاحب المعالي وزير المعارف العمومية، وتقام بدار الأوبرا الملكية يوم الاثنين أول أبريل سنة ١٩٣٥ (اليوم) يفتتحها معالي الوزير نجيب بك الهلالي ثم حضرة صاحب السعادة علي باشا إبراهيم مدير الجامعة المصرية بالنيابة ويخطب في هذه الحفلة الدكتور جورجي صبحي أستاذ التاريخ الطبي بكلية الطب عن مصنفات موسى بن ميمون الطبية. والعلامة الدكتور ماكس مايرهوف عن كتاب العقار لموسى ابن ميمون، والأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرزاق أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب عن موسى بن ميمون في نظر مؤرخي فلاسفة المسلمين، والدكتور إسرائيل ولفنسون أستاذ اللغات السامية بدار العلوم العليا عن كتاب (دلالة الحائرين ومذهب موسى بن ميمون في الفلسفة) ويلقى في هذه المناسبة شاعر القطرين خليل بك مطران قصيدة رائعة، ويختتم الحفلة صاحب السعادة يوسف قطاوي باشا رئيس جمعية المباحث الإسرائيلية بمصر وأما الحفلتان الثانية والثالثة فعامتان وجميع الخطب والقصائد التي تلقى في الحفلات الثلاث تجمع في كتاب واحد ينشر على نفقة الجمعية المذكورة العيد الألفي للمتنبي

стр. 7567

اعتزمت رابطة الأدب العربي بالقاهرة، إقامة العيد الألفي لأبي الطيب المتنبي في خلال شهر رمضان المقبل عام ١٣٥٤ (ديسمبر سنة ١٩٣٥) تذكاراً لانقضاء ألف عام على وفاته ويشمل برنامج هذا العيد إقامة مؤتمر أدبي عربي عام يبحث جوانب الأدب العربي قديمه وحديثه، وما يجب أن يحاط به من العناية والإصلاح ومن النواحي التي يوليها المؤتمر عنايته الخاصة: أ - توحيد الثقافة الأدبية في البلاد العربية ب - حدود التجديد في الأدب العربي جـ - إصلاح مناهج الدراسة الأدبية د - الأدب النسوي هـ - أدب الأطفال وأدب القصص ز - أدب المسرح ح - الأغاني والأناشيد ويسر رابطة الأدب العربي أن يؤازرها الأدباء بحضورهم، أو بإرسال ثمرة بحثهم، عن المتنبي، أو عن أحد أغراض المؤتمر ليلقى في الحفل ويضم إلى كتاب الذكرى وترجو الرابطة أن يصل الرد إلى لجنة تنظيم المؤتمر قبل آخر ربيع الثاني عام ١٣٥٤ (يوليو سنة ١٩٣٥) ارفيوس ويوريدس الآنسة أمينة شاكر فهمي - أسيوط حول إلى أستاذنا الجليل صاحب (الرسالة) كتابك الكريم الذي ذكرني بالقصاص وعنترة والرجال الذي أقسم لا يذوق طعاماً حتى يخرج ابن شداد من سجنه؛ وكان القصاص قد انتهى إلى أسر عنترة، ثم وعد السامعين إلى الليلة المقبلة! تسألينني يا أختاه هل لقي أرفيوس يوريدس بعد عودته إلى هيدز روحاً بلا جسد؟ فأجيبك

стр. 7568

أن نعم! لأن الأرواح كلها تلتقي في هيدز، فيما كان يزعم الإغريق القدماء وتسأليني هل كان الإغريق يؤمنون بالحياة الآخرة، واجتماع الأرواح وتعارفها بعد الموت؟ ولعل من حسن التوفيق أن كنت أكتب فصلاً عن ديانات الشعوب الهيلانية عامة، وعن مذهب الأرفزم خاصة، ذلك المذهب الذي شاع بين اليونانيين فيما قبل القرن السادس (ق. م)، وظلت آثاره قوية جلية في أكثر آداب الأغريق، منذ هسيود شاعر الطبيعة الصداح، حتى يورييدز كبير ملاحدة التاريخ القديم. وإني أعدك بإرسال هذا الفصل إلى (الرسالة)، وإن لم أكتبه للصحف، لأن فيه الرد الوافي الذي تطلبين على أني أحسبك قد قرأت دانتي اليجيري، فذكرتك أسطورة أرفيوس برحلته في الجحيم والمطهر والفردوس، ليلقى ثمة حبيبته بباتريس الأسطورة الأغريقية، وكوميدية دانتي متشابهتان يا آنسة؛ فإلى اللقاء، على صفحات الرسالة الغراء دريني خشبة بجماليون المثال سيدي. . . . . صاحب (الرسالة) قرأت في عدد (الرسالة) الأخير قصة (بجماليون المثال) للأستاذ دريني، فكانت حقاً رائعة. ولكن الأستاذ لم يكمل الأسطورة، بل اكتفى بجزء منها. لأنني قرأت هذه الأسطورة نفسها في كتاب لا أذكره ولا أذكر كاتبه. ويغلب على ظني أنه لجبران خليل جبران ومجمل القصة الكاملة أن بجماليون عشق تمثاله، وطلب من فينوس أن تنفخ فيه الروح فاستجابت دعاءه، وراعه أن رأى أمامه جسداً بشرياً لغادة بارعة الحسن. . . . . إلى هنا انتهى الأستاذ، وفاته أن يذكر أن هذا التمثال الحي: جالاتيا، قد ألم بها مرض ملح أوشك أن يودي بحياتها، فتملك بجماليون الرعب واليأس، وذهب ليلاً إلى ممثله وأحضر إزميله ومنحته وأعملهما في جسم حبيبته المريضة فارتدت رخاماً كما كانت - خالدة كما أراد لها الخلود، بعد أن أراد لها الحياة فدبت فيها الحياة - ولعل هذا الجزء الأخير من الأسطورة يكسبها روعة على روعتها فضلاً عن أنه يجعل لها

стр. 7569

مغزى بارعاً يرفعها إلى مصاف القصص الفلسفي فوق مكانتها في عالم الأساطير شبرا زكي شنودة جندي في الأكاديمية الفرنسية عينت الأكاديمية الفرنسية يوم ٢٨مارس الماضي لأجراء الانتخاب للكراسي الثلاثة التي خلت بوفاة الأب بريمون، ومسيو لوي بارتو، ومسيو رايمون بونكاريه. وقد خلا أخيراً كرسي جديد بوفاة المؤرخ الكبير لينوثر، فصارت الكراسي الخالية أربعة، وقد شهدت الأكاديمية في الأشهر الأخيرة انقلاباً عظيماً في تكوينها الجديد، فذهبت منها فجأة بالوفاة عدة من الشخصيات البارزة، مثل ليوتي وبارتو وبوانكاريه، واندمجت فيها شخصيات جديدة عظيمة أيضاً، مثل الماريشال فرانسيه دسبري الذي ملأ كرسي ليوتي، والدوق دي بروجلي العلامة الأشهر. وفي مقدمة المرشحين للعضوية، مسيو دومرج رئيس الجمهورية السابق إذ يرشح لكرسي بوانكاريه، ومسيو جورج دوهامل. وبيير ميل، من أعلام الكتاب

стр. 7570

من هنا ومن هناك كتاب عن مقاهي باريس أجل كتاب عن مقاهي باريس صدر أخيرا بقلم مسيو فرانسوا فوسكا، وعنوانه (باريس قريتي) وانه لنوع طريف من الأدب أن يعنى كاتب بهذه الناحية من الحياة مدينة عظيمة؛ فكما أن باريس تزخر بمتاحفها وكنائسها وآثارها العظيمة، فهي أيضا تزهو وتتألق بمقاهيها ومنتدياتها الليلية. وقد تناول مسيو فوسكا في كتابة صور المقاهي الباريزية الشهيرة في العهد المنقضي والعهد الحالي، ووصفها وصف خبير طاف بأرجائها وتسكع في أركانها؛ فمن مقاهي بروكوب دي ديكلو، والريجانس، إلى مقاصف البالية رويال، وسورس دي فرلين، وفاشيت دي موريا، وفبير، وبار دي لابية، وتولية وغيرها إلى منتديات اليوم ومعاهده. وهي صور تثير في نفس الباريزي الحق شجنا وذكريات عزيزة، ولا سيما حين يتصفح أسماء وصورا كانت بالأمس متألقة شهيرة ملء الأبصار والأسماع، وكان يهرع إليها ويتخذ مكانة بها ويقضي فيها ساعات لذيذة، قبل العشاء أو بعد المسرح، ثم اختفت اليوم صورها وأثوابها القديمة المحبوبة لتفسح مكانا لأثوابها الجديدة، وأي باريزى حق لا يتأثر حين يستعرض ذكريات (قهوة الإنكليز) (كافيه ديزانجليه) الشهيرة التي كانت قطعة من حياة كثيرة من أقطاب السياسة والقلم في أواخر القرن الماضي، والتي أضحت أثرا بعد عين، ثم (مقهى نابولتان) الذي غيرت معالمه ومظاهره، وكذلك مقهى فبيروباردىلابيه. لقد ذهبت هذه المعاهد القديمة، واكتسحها تيار التحول الحديث، فأسبغ عليها تخطيطاً خشناً، وأنوارا مؤذية، وترفاً سخيفاً، ورفع عنها ذلك الجو العائلي الذي كان يشعر به الرواد من قبل. بيد أنه ما زالت توجد طائفة من المقاهي القديمة، الفرنسية حقاً، وهذا ما زالت كعبة الباريزيين المحافظين الذين يسحرهم المكان والمجلس بأكثر مما يسحرهم المأكول والمشروب وينوء مسيو فوسكا في كتابه بما كان لهذا المقاهي الباريزية الشهيرة من أثر في تكوين الأوساط الأدبية والفنية؛ فقد كانت مقصد الكتاب والفنانين والشعراء من كل ضرب، وكانت مجمعهم، وكثيراً ما كانت مركزاً للحلقات الأدبية والفنية الشهيرة، وكثيراً ما كانت مصدر الوحي لكاتب أو شاعر أو فنان. ومن ثم كان كتاب مسيو فوسكا قطعة اجتماعية أدبية فنية

стр. 7571

فياضة السحر والمتاع كتاب عن الأبهاء الأدبية صدر أخيراً بالفرنسية كتاب طريف فريد في نوعه وموضوعه للسيدة ماري شكيفتش عنوانه (ذكريات عصر مضى)، وفيه تتحدث المؤلفة عن حياة المجتمع وأبهاء الأدب والاجتماع قبل الحرب، ولا ريب أن كثيراً من نواحي الحياة الاجتماعية قد تغير تغيراً عظيماً، وأصبحت تلك الحياة الذاهبة نكرة بالنسبة للجيل الحالي، والحياة تتغير دائماً بلا ريب، ولكن المرحلة التي استحالت إليها الحياة الاجتماعية بعد الحرب كانت سريعة عنيفة، وكان الانقلاب ثورياً لم يتخذ أسلوب التطور العادي. فمن يقرأ كتاب السيدة شكيفتش من شباب العصر يكاد يعتقد أنه يقرأ عن مجتمع غاضت كل آثاره وكل ألوانه الأولى. على انه مما يلاحظ أن الحياة الاجتماعية ولا سيما حياة الأبهاء الأدبية تسير أيضاً إلى تطور مستمر؛ ولقد كان أولئك الذين عرفوا هذه الحياة أيام روسو ومدام ديبناي مثلاً، ينكرونها بعد ذلك بنحو نصف قرن، أيام عود الملوكية في أوائل القرن التاسع عشر. وكان أولئك الذين عاصروا مدام ريكامبية وشاتو بريان وتذوقوا الحياة الاجتماعية الأدبية في ذلك العصر يرون في أطوارها وأساليبها التي اتخذتها في عصر الإمبراطورية الأولى حياة جديدة لم يعرفوها؛ على أن هنالك ظاهرة يجب الالتفات إليها، وهي أن صور الحياة العقلية في ذاتها لم تتطور كثيراً من الوجهة الاجتماعية؛ وفي وسعك أن تتصور أن الكتاب والمفكرين في العصور الخالية كانوا يجتمعون في حلقاتهم أو أبهائهم لمثل ما يجتمع له الكتاب والمفكرون في عصرنا؛ غير أن أساليب الاجتماع ذاته قد تغيرت؛ وتبوأت المرأة في العصور الحديثة مقامها اللائق في الأبهاء الأدبية والحلقات الاجتماعية فنفثت فيها من نفوذها وسحرها ألواناً قوية أضحت اليوم من أظهر خواصها الاجتماعية. وحياة الأبهاء الأدبية من أهم عناصر الحياة الفرنسية الاجتماعية في جميع أطوارها الحديثة؛ وإنك لتقرأ في مذكرات سانت سيمون، أو رسائل مدام سفنييه ما تقرأه اليوم في ذكريات مدام شكيفتش من ألوان هذه الحياة الاجتماعية والأدبية الساحرة، وقد لاحظ كاتب كبير بحق أن أهم ظاهرة في الأدب الفرنسي هي أنه اجتماعي، فكل ما فيه كلام عن المجتمع، وكل ما فيه موجه اليه، والحياة الفرنسية في ذاتها تقوم على الاجتماع والروح الاجتماعية قبل كل شيء؛ وسحر مؤلف مدام

стр. 7572

شكيفتش في أنه يصور هذه الروح أقوى تصوير جيته وفن الحياة نعرف أن شاعر ألمانيا الأكبر (جيته) قد ترك فيما ترك محادثاته التي تملأ عشرة مجلدات ومذكراته اليومية ومراسلاته العديدة؛ ومن الصعب اليوم، في عصر السرعة والحياة المثقلة، أن يتفرغ المرء لقراءة هذه المجلدات العديدة وأن يستمرئ كل ما فيها من المعاني والصور، ولكن كاتباً فرنسياً هو المسيو ربوز داركور استطاع أن يدرس هذا التراث دراسة مستفيضة وأن يضع كتاباً بخلاصة دراسته بعنوان (جيته وفن الحياة) ' يحاول المؤلف في كتابه أن يلخص تراث جيته أو يردده، ولكنه يحاول أن يقدم للقارئ مجموعة الحكم والصور والمواعظ التي تتخلل تراث الشاعر الأكبر. وتسمية الكتاب بهذا العنوان ترجع إلى اللقب الذي يطلقه الألمان أنفسهم على جيته، فهم يسمونه (فنان الحياة) والواقع أنه قلما يوجد بين عظماء الرجال من يضارع جيته في حياته المنظمة المركزة حول غايات معينة؛ فقد عاش جيته تحدوه إرادة راسخة في أن يعرف وأن يشبع حاجات النفس وحاجات الخلق، وأن يباعد بين نفسه وبين ما تتأذى منه، وأن يرتفع بكرامته إلى الذرى؛ وقد فطن جيته إلى ذلك النقص الاجتماعي الذي يبعثه تشبع الناس بفكرة حقوق الإنسان نحو المجتمع، وأدرك أن للإنسان نحو نفسه حقوقاً خاصة، هي أن يرتفع بخلاله وأن يسعى إلى الكمال، وفي عصرنا لا يكاد يفطن المرء إلى هذا الواجب، لأن مشاغل الحياة وحمى الشهوات البشرية تستغرق كل عنايته وتفكيره؛ وقد كان جيته من أشد الناس عملاً وانشغالاً، ولكنه لم ينس أن يعمل لنفسه من الناحية الخلقية والمعنوية، وأن يكونها حسبما توحي به المثل العليا. غير أنك تشعر خلال هذه الصور الممتازة التي يقدمها إليك كفاح جيته في سبيل الكمال بنقص بين، هو ما تأنسه في كل أقواله وأفعاله من ضروب الأثرة؛ فقد كان يحرص على ألا يعكر حياته معكر، وألا يثير عواطفه شيء، حتى لا يضعف أمام النوازل والحوادث؛ وهي فلسفة الجمود والقسوة التي تبعد كثيراً عن مثل الإنسانية الرفيعة. هذه الصور والحقائق يدرسها مسيو داركور دراسة فياضة ممتعة، ويقدم إلينا حياة الشاعر الأكبر على ضوء المبادئ والفلسفة التي تكونت فيها ذكرى يوهان باخ

стр. 7573

تتأهب الدوائر الفنية والموسيقية في ألمانيا وفي جميع أنحاء العالم للاحتفال بذكرى الموسيقي الأكبر يوهان سبستيان باخ وذلك لمناسبة مرور مائتين وخمسين عاماً على مولده. وباخ من أعظم أبطال الفن والموسيقى لا في ألمانيا وحدها، ولكن في العالم كله. وقد كان مولده في مدينة إيزناخ سنة ١٦٨٥، من أسرة عرفت بمواهبها الموسيقية، ونبغ منها أكثر من موسيقي كبير، وقد كان لهذا الظرف أثره في تربية باخ وفي تكوينه، وظهر هيام باخ بالموسيقى مذ كان طفلاً في العاشرة، وكانت أسرته تخشى على مستقبله من هذا الهيام وتخفى عنه المؤلفات الموسيقية ولكن باخ كان يبحث عنها وينقلها لنفسه على ضوء القمر، وكان للغلام صوت بديع لم يلبث أن استرعى الأنظار، فعين مرتلاً في مدرسة لينبرج؛ ولما ساء صوته بعد ذلك عين عازفاً على القيثارة؛ ثم ظهرت مواهبه الموسيقية بسرعة، وكانت رائعة، فاستدعى إلى بلاط فيمار وعين موسيقياً ملكياً، وهنالك استطاع أن يدرس الموسيقى الإيطالية؛ ثم عين بعد ذلك عازفاً على (الأرغن) في كنيسة ارنشتاث، ومن ذلك الحين أعني مذ كان باخ في نحو العشرين فقط، أخذ في وضع القطع الموسيقية؛ وكانت أولى قطعه (رحيل أخي الفجائي) من أبدع ما عرف التأليف الموسيقي، وقد استلهمها من رحيل أخيه عن وطنه ليلتحق بالجيش السويدي، وتزوج باخ بابنة عمه ماريا بربارا، وعاد بعد عامين أو ثلاثة إلى العمل في بلاط فيمار؛ وهنالك أقام نحو تسعة أعوام، ووضع أبدع قطعه الموسيقية، وتأثر في دراسته بالأساتذة الإيطاليين أعظم تأثر. وفي سنة ١٧٢٠ توفيت زوجته ماريا فتزوج من بعدها (أنا فلكنس)، وكانت ذات مواهب موسيقية بديعة، فعاونته في عمله؛ وفي ذلك الحين ابتدأ باخ يضع قطعه الشهيرة المعروفة (بالتوابع). ثم عين باخ أستاذاً للغناء في مدرسة توماس في ليبزج، وهنالك وضع معظم قطعه وأناشيده الغنائية ومنها أناشيد قصة (الآلام)، وقدم في ذلك الحين بعض قطعه إلى أوجستوس ملك سكسونية فأنعم عليه بلقب (مؤلف البلاط). وفي سنة ١٧٤٧ زار فردريك الأكبر في بونسدام ونال عطفه ورعايته، ثم أصيب باخ بضعف في بصره انتهى بالعمى، وعقب ذلك أصابه الصرع؛ وكانت وفاته (سنة ١٧٥٠). وكان باخ فوق نبوغه الباهر في التأليف والموسيقى مخترعاً موسيقياً أيضاً، ومن اختراعاته الوضع الإصبعي الحديث، وتنظيم (البيانو) بحيث يتسع للعزف بجميع الأوضاع والأصوات

стр. 7574

الكتب ترجمة نفسية تحليلية ٣ - هو ذا تاريخ إنسان. . .! للأستاذ خليل هنداوي (ومع ذلك فكيف لي أن أكتب عن جبران من غير أن أذكر نفسي وقد كان بيننا من القرابة ما كان؟) ميخائيل نعيمة (الناقد الفنان يترك أثراً من نفسه في شخصية من يحلله، لأنه يحلل بنفسه ويفهم بنفسه (درسوا جبران في غضون الكتاب، ولم يدرسوا (نعيمة) وإنما في الكتاب وجهان متلاصقان في ناحية مفترقان في ناحية، لا يفترقان في ناحية إلا ليجتمعا، ولا يجتمعان إلا ليفترقا. . .) (خ. هـ) - ٢ - وجه ميخائيل نعيمة لنعيمة - في كتاب جبران خليل جبران - وجه بادي الملامح مستقل النزعة، يجب أن نفتش عنه كما نفتش عن وجه جبران؛ ولا يكمل أحدهما إلا بالآخر. ففيه نعيمة الإنساني ونعيمة الشاعر، ونعيمة المصور، ونعيمة الناقد. لأنه ليس من أولئك الناقدين الجافين الذين يعجزون عن تمثيل شخصياتهم فيما يكتبون وفي أي نوع كتبوا؛ ونعيمة صاحب فلسفة يعمل لها وصاحب مذهب اجتماعي يدور حوله ويؤمن به كل الإيمان. قد أخذ جبران مثلاً له، وألف من حياته رواية نفسية لفتى استحوذ عليه القلق، وألم بخيوط تلك الحياة وحاكها بفلسفته الإنسانية، وبلغ به ما شاء أن يبلغه الفن الذي يترجمه صاحبه والناس إلى قوة تنشط بهم من عقالات المعيشة المحدودة إلى المعيشة التي لا تحد. . . فلسفة نعيمة الإنساني تكاد تطغى على كل تعاليمه موجة الإنسانية التي لا تقيم بين بني الإنسان حدوداً وفواصل.

стр. 7575

فهنالك الإنسانية المتصلة الشاملة المشتركة في الألم والهناء، الساخرة من هذه التقاليد التي فصلت بين أبناء الأصل الواحد. وإذا عدت إلى فصله (تمخضت الفأرة فولدت جبلاً) عرفت ذلك العدو الذي فكك بين وشائح الإنسانية الحقيقية، وجاء بوشائح كاذبة مستعارة يبني عليها حضارته الجديدة ينظر نعيمة إلى الحياة المتآلفة في باطنها، المتنافرة في ظاهرها، حيث يمتزج كل شيء بشيء، ويتصل كل جزء بجزء، ولا جزء يستطيع أن يفنى بالانفصال. يبشر (نعيمة) بهذه الدعوة الإنسانية التي يجد عروقها مغروسة في الشرق، والتي بشر بها الشرق من أزمان. . . والإنسانية - في اعتقاده - لا تفر من نفسها إلا إلى نفسها - ولكن السامعين نداء أنفسهم قليل! وهي لا تقسم طرقها إلا لتجد سبيلها الواحد ومحجتها الواحدة فلسفة تحب العرى النفسي المجرد والطبيعة السامية، ألم يقل لي في حديث له (هذا الجبل عاريا ما أجمله! أحب كل عار في الحياة لأنه يظهر على الحياة بحقيقته) إن الحياة عارية والإنسانية عارية، فلماذا نستر عريهما بأوهامنا وتقاليدنا؟ والحياة جوهر عار فلماذا نجعل منها مركباً تفرح لتركيبه عقولنا وتضل عنه أرواحنا؟ (الحياة شركة شاملة للواحد فيها ما للكل، وللكل ما للواحد. لأن الكل هو الواحد والواحد هو الكل. لكننا أفسدنا تلك الشركة بما أدخلناه عليها من روح الاستئثار والكسب عندما جعلنا ثمناً لكل هباتها التي لا تثمن. . .) وهذه الإنسانية المجردة التي يبشر بها (نعيمة) قد لا تروق للبعض لضيق آفاقهم، ولأن عقولهم تزين لهم أن يطعنوا هذه الإنسانية ويردوها منهزمة مجرحة. . . وقد تثبت هذه الإنسانية أمام العقل، لأن (نعيمة) يستمد هذه الإنسانية من قلبه لا من عقله، فهو يريد لها القلوب وعاء لا العقول. وقد جرب (نعيمة) كما جرب غيره أن يقف على غاية الحياة بعقله، جرب كثيراً وتاه كثيراً لأنه كلما بلغ به عقله نقطة، ضاعت عنه الثانية، فليس له إلا ما يبلغه أمامه، وليس له من ورائه شيء، سار به عقله إلى سلسلة متناقضات يصارع بعضها بعضاً وينفي بعضها بعضاً، وأين سبيل النجاة أيها العقل؟ وأخيراً يجد نعيمة سبيل النجاة في واحة الخيال المنعتق من كابوس المقاييس الزمنية والمكانية والتفلت من قيود التقاليد. وجده في الخيال ووجد إنسانيته في الخيال، يخاطبه الناس بعقولهم ويخاطبهم بخياله وومضاته، أما طريق الوصول إليه، فهو الفن الذي يحمل

стр. 7576

صاحبه على جناحي الخيال إلى تلك المعيشة التي لا تحد - من الإنسان في الله، إلى الله في الإنسان فهو مع الحياة في سلم أبدي، لأن الحياة طاهرة الجوهر، لا تتمخض بالسوء؛ وهب أنها تمخضت بسوء - كما تراه مداركنا - فهذا السوء سوء عندنا، وليس بسوء عند الحياة، الحياة التي تسعى وراء تحقيق غايتها، وإنما الأجدر بنا أن نؤلف بين غايتنا وغاية الحياة، لأن السعادة التامة الكاملة، إنما تتم في هذه الألفة! وأنى لنا أن ندرك سبل الحياة وغايتها؟ - ستدرك كل ذلك - أيها الإنسان عندما تصبح إلهاً! (ما أشفق الحياة على بناتها وعلى أبنائها، فلا تضع في حدقتي مخلوق من نورها أكثر مما يحتاجه ذلك المخلوق ليستدل على طريقه. ولا تودع ساقيه من قوتها أكثر مما يلزمه لقطع المسافة التي تخطها له) والإنسان خلال ذلك مزهو بكبريائه، تسول له ذاته أن يكون رب نفسه، والحياة تشفق على هذه الربوبية الضعيفة وتحضنها كالأم التي تحضن ولدها العاق المتألم - ستعرف غايتي أيها الإنسان عندما تصبح إلها! (يتبع) خليل هنداوي

стр. 7577

العدد ٩٢ - بتاريخ: ٠٨ - ٠٤ - ١٩٣٥

стр. 7578

على ذكر كتاب. . . في مصر من الباشوات المثقفين فئة كثيرة، تميزوا عن الأشباه لأنهم مهروا في أداء العمل، أو وقعوا في طريق الفرص، أو رقوا في معارج السياسة؛ ثم تهيأت لهم بالدراسة والممارسة أسباب العمل والخبرة، فخبروا أسرار الأمور، وسبروا أغوار المشاكل، وصرفوا شؤون الدولة على نحو من الحكرة المفروضة؛ فهم لا يبرحون ضاربين في الميدان الحكومي فرقه فرقة، يتقاذفون الإدارة، ويتنازعون الوزارة، ويتداولون الأمر، حتى أسرفوا على خير الأمة، وافتاتوا على رأي الجماعة، فقصروا كفايتهم على الخصومة، وحددوا غايتهم بالحكومة؛ فهم إذا وثبوا إلى الحكم استفرغوا الوسع في البقاء فيه، وإذا انقلبوا عنه استنفذوا الوسائل في الرجوع إليه؛ أما تسجيل التجربة بالتأليف، ونشر المعرفة بالصحافة، وتأييد العدالة بالمحاماة، فعمل لا يدخل في حساب الجهد، ولا يخطر في مرام النية! كأن العودة إلى ملابسة الشعب، ومداخلة العامة، ومزاولة الحرفة، أصبحت لا تتفق مع نباهة الاسم ولا تتسق مع جلالة اللقب، ولا تجري على تقاليد المنصب! في البلاد التي نطيل إليها النظر، ونزعم لها الكمال، ونحصر فيها القدوة، نجد رئيس الحكومة إذا تعطل من الحكم، ورئيس الجمهورية إذا انتهى من الرياسة، عاد كل منها إلى الموضع الذي صعد منه إلى الديوان، أو انتخب فيه إلى القصر، فيستأنف الجهاد اليومي في سبيل الأسرة والأمة الحاكمة بنشاط البادئ، ونفسية التابع، ورجاء الطموح، فهو يدور مع الطبيعة دورة العام: يبدأ لينتهي، وينتهي ليبدأ؛ وفي كل طور من أطواره المتعاقبة تراه يندمج في البيئة، ويتألف مع النظام، ويرمي عن الواجب، فينشر المذكرات، ويحرر المقالات، ويحضر المرافعات، ويكابد في خلال ذلك طمع الناشر وعنت الناقد ومنافسة الحرفة؛ ولكنه على الرغم من رهق الحياة الحافلة، وكلال السن العالية، يؤدي إلى وطنه المنعم زكاة النبوغ وضريبة المجد عملا لا يتأبه، وإحسانا لا يمن، وإخلاصا لا يمين ذلك هناك والكفاية موفورة، والمحجة واضحة، والأمر متسق. أما هنا ورجالات الرأي قلال، وتبعات العمل ثقال، وميادين الجهاد عزل، ترى النابه منا متى بلغ الوزارة من أي طريق وفي أي سن، ختم حياته العاملة، فاختزل الماضي، واعتزل الشعب، وازدرى العمل، وغفا على رخاء معاشه. فهو وزير ما دامت وزارته، فإذا سقط انقلب إلى مداره العالي يزجي فراغه الملول بالتردد بين أبهاء المستوزرين ونادي الحزب أو نادي (محمد

стр. 7579

علي) يتشم الريح، ويتسقط الأخبار، ويتربص بالحكومة الدوائر هو وزير أو منتظر؛ فمالك تكلفه أن يكتب في صحيفة حزبه، أو يساهم بالجد في نهضة شعبه؟ تلك أكلاف العيش لمن لم يدرك الثروة، وأزواد الطريق لمن لم يبلغ الغاية؛ والوزارة غاية الأمل في الثراء والعظمة، فإذا أدركها لا يسعه بعدها كرسي في مكتب، ولا يجزيه سهم في شركة؛ والظفر بها ولو مرة حق مكتسب يسلكه في سلسلة المتعاطين حرفة الحكم، فيضع نفسه ولقبه في صندوق ذهبي، ثم يعلقه في خيوط المنى، ثم يدع النسيم يهدهده بين باب القصر ونافذة المندوب حتى إذا عصفت بالوزارة أزمة، أو شغر في مجلسها محل رفع برأسه الغطاء العسجدي وقال: أنا أشرئب! إذن أنا موجود! على أن القاعدة العنيدة أخذت تحمل في طواياها بعض الشواذ، فقد رضى الوزير والسفير حافظ عفيفي باشا أن ينزل إلى صفوف الباحثين والمؤلفين فأصدر كتابه القيم (الإنجليز في بلادهم) عن استقراء دقيق واطلاع شامل، فكان تعريضا أليما بذلك الذكاء العاطل الذي يستفيد ولا يفيد، وذلك النبوغ الفاجر الذي يدخل الحكم ليعسف ويخرج منه ليكيد! أحمد حسن الزيات

стр. 7580

اليمامتان للأستاذ مصطفى صادق الرافعي جاء في تاريخ الواقدي (أن (المقوقس) عظيم القبط في مصر زوج ابنته (أرمانوسة) من (قسطنطين بن هرقل) وجهزها بأموالها وحشمها لتسير إليه، حتى يبنى عليها في مدينة قيسارية (سورية) فخرجت إلى بلبيس وأقامت بها. . وجاء عمرو بن العاص إلى بلبيس فحاصرها حصارا شديدا وقاتل من بها، وقتل منهم زهاء ألف فارس، وانهزم من بقى إلى المقوقس، وأخذت أرمانوسة وجميع مالها، وأخذ كل ما كان للقبط في بلبيس. فأجب عمرو ملاطفة المقوقس، فسير إليه ابنته مكرمة في جميع مالها، (مع قيس بن أبي العاص السهمي)؛ فسر بقدومها. . .) هذا ما أثبته الواقدي في روايته، ولم يكن معنيا إلا بأخبار المغازي والفتوح، فكان يقتصر عليها في الرواية؛ أما ما أغفله فهو ما نقصه نحن: كانت لأرمانوسة وصيفة مولدة تسمى (مارية)، ذات جمال يوناني أتمته مصر ومسحته بسحرها، فزاد جمالها على أن يكون مصريا، ونقص الجمال اليوناني أن يكونه. ولمصر طبيعة خاصة في الحسن؛ فهي قد تهمل شيئا في جمال نسائها أو تشعث منه، وقد لا توفيه جهد محاسنها الرائعة؛ ولكن متى نشأ فيها جمال ينزع إلى أصل أجنبي، أفرغت فيه سحرها إفراغا، وأبت إلا أن تكون الغالبة عليه، وجعلته آيتها في المقابلة بينه وبين الطابع المصري، وبين أصله في طبيعة أرضه كائنة ما كانت؛ تغار على سحرها أن يكون إلا الأعلى وكانت مارية هذه مسيحية قوية الدين والعقل، اتخذها المقوقس كنيسة حية لابنته، وهو كان واليا وبطريريكا على مصر من قبل هرقل؛ وكان من عجائب صنع الله أن الفتح الإسلامي جاء في عهده، فجعل الله قلب هذا الرجل مفتاح القفل القبطي، فلم تكن أبوابهم تدافع إلا بمقدار ما تدفع، تقاتل شيئا من قتال غير كبير، أما الأبواب الرومية فبقيت مستغلقة حصينة لا تذعن إلا للتحطيم، ووراءها نحو مائة ألف رومي يقاتلون المعجزة الإسلامية التي جاءتهم من بلاد العرب أول ما جاءت في أربعة آلاف رجل، ثم لم يزيدوا آخر ما زادوا على أثنى عشر ألفا. كان الروم مائة ألف مقاتل بأسلحتهم ولم تكن المدافع معروفة، ولكن

стр. 7581

روح الإسلام جعلت الجيش العربي كأنه اثنا عشر ألف مدفع بقنابلها؛ لا يقاتلون بقوة الإنسان، بل بقوة الروح الدينية التي جعلها الإسلام مادة منفجرة تشبه الديناميت قبل أن يعرف الديناميت! ولما نزل عمرو بجيشه على بلبيس، جزعت مارية جزعا شديدا؛ إذ كان الروم قد أرجفوا أن هؤلاء العرب قوم جياع ينفضهم الجدب على البلاد نفض الرمال على الأعين في الريح العاصف؛ وأنهم جراد إنساني لا يغزو إلا لبطنه؛ وأنهم غلاظ الأكباد كالإبل التي يمتطونها؛ وأن النساء عندهم كالدواب يرتبطن على خسف؛ وأنهم لا عهد لهم ولا وفاء، ثقلت مطامعهم وخفت أمانتهم؛ وأن قائدهم عمرو بن العاص كان جزارا في الجاهلية، فما تدعه روح الجزار وطبيعته؛ وقد جاء بأربعة آلاف سالخ من أخلاط الناس وشذاذهم، لا أربعة آلاف مقاتل من جيش له نظام الجيش! وتوهمت مارية أوهامها، وكانت شاعرة وقد درست هي وأرمانوسة أدب يونان وفلسفتهم، وكان لها خيال مشبوب متوقد يشعرها كل عاطفة أكبر مما هي، ويضاعف الأشياء في نفسها، وينز إلى طبيعته المؤنثة، فيبالغ في تهويل الحزن خاصة، ويجعل من بعض الألفاظ وقودا على الدم. . . ومن ذلك استطير قلب مارية وأفزعتها الوسواس، فجعلت تندب نفسها وصنعت في ذلك شعرا هذه ترجمته: جاءكِ أربعةُ آلافِ جزارٍ أيَّتُها الشاةُ المسكينة! ستذوق كل شعرةٍ منكِ ألم الذبح قبل أن تُذبحي! جاءكِ أربعُ آلافٍ خاطفٍ أيتها العذراءُ المسكينة! ستموتين أربعةَ آلافِ ميتةٍ قبل الموت! قَوِّني يا إلهي، لأغمد في صدري سكيناً تردُّ عني الجزّارين! يا إلهي، قوِّ هذه العذراءَ لتتزوجَّ الموتَ قبل أن يتزوجها العربي. .! وذهبت تتلو شعرها على أرمانوسة في صوت حزين يتوجع؛ فضحكت هذه وقالت: أنت واهمة يا مارية؛ أنسيت أن أبي قد أهدى إلى نبيهم بنت (أنصنا) فكانت عنده في مملكة بعضها السماء وبعضها القلب؟ لقد أخبرني أبي أنه بعث بها لتكشف له عن حقيقة هذا الدين

стр. 7582

وحقيقة هذا النبي؛ وأنها أنفذت إليه دسيسا يعلمه أن هؤلاء المسلمين هم العقل الجديد الذي سيضع في العالم تمييزه بين الحق والباطل، وإن نبيهم أطهر من السحابة في سمائها، وأنهم جميعا ينبعثون من حدود دينهم لا من حدود أنفسهم؛ وإذا سلوا السيف سلوه بقانون، وإذا أغمدوه أغمدوه بقانون. وقالت عن النساء: لأن تخاف المرأة على عفتها من أبيها أقرب من أن تخاف عليها من أصحاب هذا النبي؛ فأنهم جميعا في واجبات القلب وواجبات العقل، ويكاد الضمير الإسلامي في الرجل منهم - يكون حاملا سلاحا يضرب به صاحبه إذا هم بمخالفته وقال أبي: إنهم لا يغيرون على الأمم، ولا يحاربونها حرب الملك؛ وإنما تلك طبيعة الحركة للشريعة الجديدة تتقدم في الدنيا حاملة السلاح والأخلاق، قوية في ظاهرها وباطنها؛ فمن وراء أسلحتهم أخلاقهم؛ وبذلك تكون أسلحتهم نفسها ذات أخلاق! وقال أبي: إن هذا الدين سيندفع بأخلاقه في العالم اندفاع العصارة الحية في الشجرة الجرداء؛ طبيعة تعمل في طبيعة؛ فليس يمضي غير بعيد حتى تخضر الدنيا وترمي ظلالها؛ وهو بذلك فوق السياسات التي تشبه في عملها الميت ما يشبه طلاء الشجرة الجرداء بلون أخضر. . .! شتان بين عمل وعمل، وإن كان لون يشبه لون فاستروحت مارية واطمأنت باطمئنان أرمانوسة، وقالت: فلا ضير علينا إذا فتحو البلد، ولا يكون ما نستضر به؟ قالت أرمانوسة: لا ضير يا مارية، ولا يكون إلا ما نحب لأنفسنا؛ فالمسلمون ليسوا كهؤلاء العلوج من الروم، يفهمون متاع الدنيا بفكرة الحرص والحاجة إلى حلاله وحرامه، فهم القساة الغلاظ المستكلبون كالبهائم، ولكنهم يفهمون متاع الدنيا بفكرة الاستغناء والتمييز بين حلاله وحرامه، فهم الإنسانيون الرحماء المتعففون قالت مارية: وأبيك يا أرمانوسة إن هذا لعجيب؛ فقد مات سقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم من الفلاسفة والحكماء، وما استطاعوا أن يؤدبوا بحكمتهم وفلسفتهم إلا الكتب التي كتبوها. . . فلم يخرجوا للدنيا جماعة تامة الإنسانية، فضلا عن أمة كما وصفت أنت من أمر المسلمين؛ فكيف استطاع نبيهم أن يخرج هذه الأمة وهم يقولون إنه كان أميا. أفتسخر الحقيقة من كبار الفلاسفة والحكماء وأهل السياسة والتدبير فتدعهم يعملون عبثا أو كالعبث،

стр. 7583

ثم تستسلم للرجل الأمي الذي لم يكتب ولم يقرأ ولم يدرس ولم يتعلم؟ قالت أرمانوسة: إن العلماء بهيئة السماء وأجرامها وحساب أفلاكها، ليسوا هم الذين يشقون الفجر ويطلعون الشمس؛ وأنا أرى أنه لا بد من أمة طبيعية بفطرتها يكون عملها في الحياة إيجاد الأفكار العملية الصحيحة التي يسير بها العالم، وقد درست المسيح وعمله وزمنه، فكان طيلة عمره يحاول أن يوجد هذه الأمة، غير أنه أوجدها مصغرة في نفسه وحوارييه، وكان عمله كالبدء في تحقيق الشيء العسير؛ حسبه أن يثبت معنى الإمكان فيه وظهور الحقيقة من هذا الرجل الأمي هو تنبيه الحقيقة إلى نفسها، وبرهانها القاطع أنها بذلك في مظهرها الإلهي. والعجيب يا مارية، أن هذا النبي قد خذله قومه وناكروه وأجمعوا على خلافه، فكان في ذلك كالمسيح، غير أن المسيح انتهى عند ذلك؛ أما هذا فقد ثبت ثبات الواقع حين يقع؛ لا يرتد ولا يتغير؛ وهاجر من بلده فكان ذلك أول خطا الحقيقة التي أعلنت أنها ستمشي في الدنيا، وقد أخذت من يومئذ تمشي. ولو كانت حقيقة المسيح قد جاءت للدنيا كلها لهاجرت به، فهذا فرق آخر بينهما. والفرق الثالث أن المسيح لم يأت إلا بعبادة واحدة هي عبادة القلب، أما هذا الدين فعلمت من أبي أنه ثلاث عبادات يشد بعضها بعضا: إحداها للأعضاء، والثانية للقلب، والثالثة للنفس؛ فعبادة الأعضاء طهارتها واعتيادها الضبط؛ وعبادة القلب طهارته وحبه الخير؛ وعبادة النفس طهارتها وبذله في سبيل الإنسانية. وعند أبي أنهم بهذه الأخيرة سيملكون الدنيا؛ فلن تقهر أمة عقيدتها أن الموت أوسع الجانبين وأسعدهما قالت مارية: إن هذا والله لسر إلهي يدل على نفسه؛ فمن طبيعة الإنسان ألا تنبعث نفسه غير مبالية الحياة والموت إلا في أحوال قليلة تكون طبيعة الإنسان فيها عمياء: كالغضب الأعمى، والحب الأعمى، والتكبر الأعمى. فإذا كانت هذه الأمة الإسلامية كما قلت، منبعثة هذا الانبعاث، ليس فيها إلا الشعور بذاتيتها العالية - فما بعد ذلك دليل على أن هذا الدين هو شعور الإنسان بسمو ذاتيته، وهذه هي نهاية النهايات في الفلسفة والحكمة قالت أرمانوسة: وما بعد ذلك دليل على أنك تتهيئين أن تكوني مسلمة يا مارية! فاستضحكتا معا وقالت مارية: إنما ألقيت كلاما جاريتك فيه بحسبه، فأنا وأنت فكرتان لا مسلمتان

стр. 7584

قال الراوي: وانهزم الروم عن بلبيس، وارتدوا إلى المقوقس في (منف)، وكان وحي أرمانوسة في مارية مدة الحصار - وهي نحو الشهر - كأنه فكر سكن فكرا وتمدد فيه؛ فقد مر ذلك الكلام بما في عقلها من حقائق النظر في الأدب والفلسفة، فصنع ما يصنع المؤلف بكتاب ينقحه، وأنشأ لها أخيلة تجادلها وتدفعها إلى التسليم بالصحيح لأنه صحيح، والمؤكد لأنه مؤكد ومن طبيعة الكلام إذا أثر في النفس - أن ينتظم في مثل الحقائق الصغيرة التي تلقى للحفظ؛ فكان كلام أرمانوسة في عقل مارية هكذا: (المسيح بدء وللبدء تكملة، ما من ذلك بد. لا تكون خدمة الإنسانية إلا بذات عالية لا تبالي غير سموها. الأمة التي تبذل كل شيء وتستمسك بالحياة لا تأخذ شيئا، والتي تبذل أرواحها فقط تأخذ كل شيء.) وجعلت هذه الحقائق الإسلامية وأمثالها تعرب هذا العقل اليوناني؛ فلما أراد عمرو بن العاص توجيه أرمانوسة إلى أبيها، وانتهى ذلك إلى مارية قالت لها: لا يجمل بمن كانت مثلك في شرفها وعقلها أن تكون كالأخيذة تتوجه حيث يسار بها؛ والرأي أن تبدئي هذا القائد قبل أن يبدأك؛ فأرسلي إليه فأعلميه أنك راجعة إلى أبيك، واسأليه أن يصحبك بعض رجاله؛ فتكوني الآمرة حتى في الأسر، وتصنعي صنع بنات الملوك! قالت أرمانوسة: فلا أجد لذلك خيرا منك في لسانك ودهائك؛ فاذهبي إليه من قبلي، وسيصحبك الراهب (شطا)، وخذي معك كوكبة من فرساننا قالت مارية وهي تقص على سيدتها: لقد أديت إليه رسالتك فقال: كيف ظنها بنا؟ قلت: ظنها بفعل رجل كريم يأمره اثنان: كرمه، ودينه. . فقال أبلغيها أن نبينا ﷺ قال: (استوصوا بالقبط خيرا فإن لهم فيكم صهرا وذمة.) وأعلميها أننا لسنا على غارة نغيرها، بل على نفوس نغيرها قالت: فصفيه لي يا مارية قالت: كان آتيا في جماعة من فرسانه على خيولهم العراب، كأنها شياطين تحمل شياطين من جنس آخر، فلما صار بحيث أتبينه أومأ إليه الترجمان - وهو (وردان) مولاه - فنظرت، فإذا هو على فرس كميت أحم لم يخلص للأسود ولا للأحمر، طويل العنق مشرف له ذؤابة أعلى ناصيته كطرة المرأة، ذيال يتبختر بفارسه ويحمحم كأنه يريد أن يتكلم،

стр. 7585

مطهم. . . فقطعت أرمانوسة عليها وقالت: ما سألتك صفة جواده قالت مارية: أما سلاحه. . . قالت: ولا سلاحه، صفيه كيف رأيته (هو) قالت: رأيته قصير القامة علامة قوة، وافر الهامة علامة عقل، أدعج العينين. . . فضحكت أرمانوسة وقالت: علامة ماذا. . .؟ . . . أبلج يشرق وجهه فيه كأن فيه لآلاء الذهب على الضوء، أيدا اجتمعت فيه القوة حتى لتكاد عيناه تأمران بنظرهما أمرا. . . داهية كتب دهاؤه على جبهته العريضة يجعل فيها معنى يأخذ من يراه؛ وكلما حاولت أن أتفرس في وجهه رأيت وجهه لا يفسره إلا تكرار النظر إليه. . . وتضرجت وجنتاها، فكان ذلك حديثا بينها وبين عيني أرمانوسة. . . وقالت هذه: كذلك كل لذة لا يفسرها للنفس إلا تكرارها. . . فغضت مارية من طرفها وقالت: هو والله ما وصفت، وإني ما ملأت عيني منه، وقد كدت أنكر أنه إنسان لما اعتراني من هيبته. . . . . قالت أرمانوسة: من هيبته أم من عينيه الدعجاوين. . .؟ ورجعت بنت المقوقس إلى أبيها في صحبة (قيس)، فلما كانوا في الطريق وجبت الظهر، فنزل قيس يصلي بمن معه والفتاتان تنظران؛ فلما صاحوا: (الله أكبر. . .!) ارتعش قلب مارية، وسألت الراهب (شطا): ماذا يقولون؟ قال: إن هذه كلمة يدخلون بها صلاتهم، كأنما يخاطبون بها الزمن أنهم الساعة في وقت ليس منه ولا من دنياهم، وكأنهم يعلنون أنهم بين يدي من هو أكبر من الوجود؛ فإذا أعلنوا انصرافهم عن الوقت ونزاع الوقت وشهوات الوقت، فذلك هو دخولهم في الصلاة؛ كأنهم يمحون الدنيا من النفس ساعة أو بعض ساعة؛ ومحوها من أنفسهم هو ارتفاعهم بأنفسهم عليها؛ أنظري، ألا ترين هذه الكلمة قد سحرتهم سحرا فهم لا يلتفتون في صلاتهم إلى شيء؛ وقد شملتهم السكينة، ورجعوا غير من كانوا، وخشعوا خشوع أعظم الفلاسفة في تأملهم قالت مارية: ما أجمل هذه الفطرة الفلسفية! لقد تعبت الكتب لتجعل أهل الدنيا يستقرون

стр. 7586

ساعة في سكينة الله عليهم فما أفلحت، وجاءت الكنيسة فهولت على المصلين بالزخارف والصور والتماثيل والألوان لتوحي إلى نفوسهم ضربا من الشعور بسكينة الجمال وتقديس المعنى الديني، وهي بذلك تحتال في نقلهم من جوهم إلى جوها؛ فكانت كساقي الخمر؛ إن لم يعطك الخمر عجز عن إعطائك النشوة. ومن ذا الذي يستطيع أن يحمل معه كنيسة على جواد أو حمار؟ قالت أرمانوسة: نعم أن الكنيسة كالحديقة؛ هي حديقة في مكانها، وقلما توحي شيئا إلا في موضعها؛ فالكنيسة هي الجدران الأربعة، أما هؤلاء فمعبدهم بين جهات الأرض الأربع قال الراهب شطا: ولكن هؤلاء المسلمين متى فتحت عليهم الدنيا وافتتنوا بها وانغمسوا فيها - فستكون هذه الصلاة بعينها ليس فيها صلاة يومئذ قالت مارية: وهل تفتح عليهم الدنيا، وهل لهم قواد كثيرون كعمروا؟ قال: كيف لا تفتح الدنيا على قوم لا يحاربون الأمم بل يحاربون ما فيها من الظلم والكفر والرذيلة، وهم خارجون من الصحراء بطبيعة قوية كطبيعة الموج في المد المرتفع؛ ليس في داخلها إلا أنفس مندفعة إلى الخارج عنها؛ ثم يقاتلون بهذه الطبيعة أمما ليس في الداخل منها إلا النفوس المستعدة أن تهرب إلى الداخل. . .! قالت مارية: والله لكأننا ثلاثتنا على دين عمروا. . . وانفتل قيس من الصلاة، وأقبل يترحل، فلما حاذى مارية كان عندها كأنما سافر ورجع؛ وكانت ما تزال في أحلام قلبها؛ وكانت من الحلم في عالم أخذ يتلاشى إلا من عمروا وما يتصل بعمروا. وفي هذه الحياة أحوال (ثلاثة) يغيب فيها الكون بحقائقه؛ فيغيب عن السكران، والمخبول، والنائم؛ وفيها حالة رابعة يتلاشى فيها الكون إلا من حقيقة واحدة تتمثل في الإنسان وقالت مارية للراهب شطا: سله: ما أربهم من هذه الحرب، وهل في سياستهم أن يكون القائد الذي يفتح بلدا حاكما على هذا البلد؟ قال قيس: حسبك أن تعلمي أن الرجل المسلم ليس إلا رجلا عاملا في تحقيق كلمة الله، أما حظ نفسه فهو في غير هذه الدنيا وترجم الراهب كلامه هكذا: أما الفاتح فهو في الأكثر الحاكم المقيم، وأما الحرب فهي عندنا

стр. 7587

الفكرة المصلحة تريد أن تضرب في الأرض وتعمل، وليس حظ النفس شيئا يكون من الدنيا؛ وبهذا تكون النفس أكبر من غرائزها، وتنقلب معها الدنيا برعونتها وحماقاتها وشهواتها كالطفل بين يدي الرجل، فيهما قوة ضبطه وتصريفه. ولو كان في عقيدتنا أن ثواب أعمالنا في الدنيا، لا نعكس الأمر قالت مارية: فسله: كيف يصنع عمروا بهذه القلة التي معه والروم لا يحصى عددهم؛ فإذا أخفق عمروا فمن عسى أن يستبدلوه منه؟ وهل هو أكبر قوادهم، أو فيهم أكبر منه؟ قال الرواي: ولكن فرس قيس تمطر وأسرع في لحاق الخيل على المقدمة كأنه يقول: لسنا في هذا. . . وفتحت مصر صلحا بين عمروا والقبط، وولى الروم مصعدين إلى الإسكندرية، وكانت مارية في ذلك تستقرئ أخبار الفاتح تطوف منها على أطلال من شخص بعيد؛ وكان عمروا من نفسها كالمملكة الحصينة من فاتح لا يملك إلا حبه أن يأخذها؛ وجعلت تذوي وشحب لونها، وبدأت تنظر النظرة التائهة، وبان عليها أثر الروح الظمأى، وحاطها اليأس بجوه الذي يحرق الدم، وبدت مجروحة المعاني؛ إذ كان يقاتل في نفسها الشعوران العدوان: شعور أنها عاشقة، أنها يائسة! ورقت لها أرمانوسة، وكانت هي أيضا تتعلق فتى رومانيا، فسهرتا ليلة تديران الرأي في رسالة تحملها مارية من قبلها إلى عمروا كي تصل إليه، فإذا وصلت بلغت بعينيها رسالة نفسها. . . واستقر الأمر أن تكون المسألة عن مارية القبطية وخبرها ونسلها وما يتعلق بها مما يطول الإخبار به إذا كان السؤال من امرأة عن امرأة. فلما أصبحتا وقع إليها أن عمرا قد سار إلى الإسكندرية لقتال الروم، وشاع الخبر أنه لما أمر بفسطاطه أن يقوض أصابوا يمامة قد باضت في أعلاه، فأخبروه فقال: (قد تحرمت في جوارنا، أقروا الفسطاط حتى تطير فراخها) فأقروه! ولم يمض غير طويل حتى قضت مارية نحبها، وحفظت عنها أرمانوسة الشعر الذي أسمته: نشيد اليمامة: على فسطاط الأمير يمامة حائمة تحضن بيضها.

стр. 7588

تركها الأمير تصنع الحياة، وذهب هو يصنع الموت! هي كأسعد امرأة؛ ترى وتلمس أحلامها. إن سعادة المرأة أولها وآخرها بعض حقائق صغيرة كهذا البيض على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها. لو سئلت عن هذا البيض لقالت: هذا كنزي. هي كأهنأ امرأة، ملكت ملكها من الحياة ولم تفتقر. هل أكلف الوجود شيئا كثيرا إذا كلفته رجلا واحدا أحبه! على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحتضن بيضها الشمس والقمر والنجوم، كلها أصغر في عينها من هذا البيض. هي كأرق امرأة؛ عرفت الرقة مرتين: في الحب، والولادة هل أكلف الوجود شيئا كثيرا إذا أردت أن أكون كهذه اليمامة! على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها تقول اليمامة: إن الوجود يحب أن يرى بلونين في عين الأنثى، مرة حبيبا كبيرا في رجلها، ومرة حبيبا صغيرا في أولادها. كل شيء خاضع لقانونه؛ والأنثى لا تريد أن تخضع إلا لقانونها أيتها اليمامة، لم تعرفي الأمير وترك لك فسطاطه! هكذا الحظ: عدل مضاعف في ناحية، وظلم مضاعف في ناحية أخرى إحمدي الله أيتها اليمامة، أن ليس عندكم لغات وأديان، عندكم فقط: الحب والطبعة والحياة على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها، يمامة سعيدة، ستكون في التاريخ كهدهد سليمان، نسب الهدهد إلى سليمان، وستنسب اليمامة إلى عمرو. واها لك يا عمرو! ما ضر لو عرفت اليمامة الأخرى. .! طنطا مصطفى صادق الرافعي

стр. 7589

عصر الخفاء في مصر الإسلامية الحاكم بأمر الله - ٢ - للأستاذ محمد عبد الله عنان - ٣ - ولي الحاكم بأمر الله الخلافة حدثا دون الثانية عشرة؛ وكان مولده بالقصر الفاطمي بالقاهرة المعزية في الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة ٣٧٥ (١٣ أغسطس سنة ٩٨٥)، وأمه نصرانية من الملكية، وكان لها أيام العزيز نفوذ كبير في الدولة، حتى أنه عين أخويها بطريقين للملكية، أحدهما بالإسكندرية، والآخر لبيت المقدس، مخالفا بذلك الرسوم الكنسية المقررة؛ وكان من أثر نفوذها أن سياسة التسامح الديني التي اتبعت في عهد المعز، قويت أيام العزيز، وتمتع النصارى واليهود بكثير من الحريات والنفوذ. وقد كان لهذا المنبت أثره بلا ريب في نفس الحاكم، وتكوين عقيلته الدينية كما سنرى. ولم يترك العزيز من البنين سوى الحاكم، ولكنه ترك - من زوجة النصرانية أيضا - ابنة تدعى سيدة الملك، كانت أكبر من أخيها ببضعة أعوام؛ وكانت حازمة عاقلة ذات نفوذ. ومنح العزيز ولاية عهده لابنه الحاكم مذ كان طفلا في الثامنة (شعبان سنة ٣٨٣) وبويع بالخلافة يوم وفاة أبيه. وقد انتهى إلينا وصف لبعض المناظر التي أحاطت بتولية الخليفة الصبي، وهي مناظر شائقة مؤسية معا، نقلها إلينا المسبحي، وهو مؤرخ معاصر ووزير الحاكم وصديقه، نقلا عن الحاكم ذاته؛ قال: (قال لي الحاكم، وقد جرى ذكر ولده العزيز: يا مختار، استدعاني والدي قبل موته وهو عاري الجسم، وعليه الخرق والضماد، فاستدناني إليه وقبلني وضمني إليه، وقال: وا غمي عليك يا حبيب قلبي؛ ودمعت عيناه. ثم قال: امض يا سيدي والعب، فأنا في عافية، قال: فمضيت، والتهيت بما يلتهي به الصبيان من اللعب إلى أن نقل الله العزيز إليه. قال: فبادر إلي برجوان، وأنا في أعلى جميزة كانت في الدار، فقال: انزل ويحك، الله الله فينا وفيك؛ قال فنزلت، فوضع العمامة بالجوهر على رأسي وقبل لي الأرض، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، قال: وأخرجني حينئذ

стр. 7590

إلى الناس على تلك الهيئة، فقبل جميعهم لي الأرض وسلموا علي بالخلافة) وقع هذا المنظر في مدينة بلبيس حيث أدرك العزيز مرض موته كما قدمنا؛ وفي صباح اليوم التالي - وهو يوم الأربعاء ٢٩ رمضان - سار الحاكم إلى عاصمة ملكه في موكب فخم تظلله أبهة الخلافة، رهيب يظلله جلال الموت؛ وأمامه جثة أبيه، وقد وضعت في عمارية برزت قدماه؛ وعلى رأسه المظلة يحملها ريدان الصقلبي، وبين يديه البنود والرايات؛ وقد ارتدى دراعة مصمت وعمامة يكللها الجوهر، وتقلد السيف، وبيده رمح. فدخل القاهرة عند مغيب الشمس في هذا الحقل الرهيب الفخم؛ وفي الحال أخذ في تجهيز أبيه؛ فتولى غسله قاضي القضاة محمد بن النعمان، ودفن عشاء إلى جانب أبيه المعز في حجرة القصر. وفي صباح اليوم التالي، أعني يوم الخميس، بكر سائر رجال الدولة إلى القصر، وقد نصب للخليفة الصبي في الإيوان الكبير، سرير من الذهب، عليه مرتبة مذهبة؛ وخرج من القصر إلى الإيوان راكبا وعلى رأسه معممة الجوهر، والناس وقوف في صحن الإيوان فقبلوا الأرض ومشوا بين يديه حتى جلس على عرشه، وسلم عليه الجميع بالإمامة وباللقب الذي اختير له وهو: (الحاكم بأمر الله) ونودي في القاهرة والبلدان، أن الأمن موطد والنظام مستتب، فلا مؤونة ولا كلفة، ولا خوف على النفس أو المال وأوصى العزيز قبل موته بولده ثلاثة من أكابر رجال الدولة هم برجوان الصقلبي خادمه وكبير خزائنه؛ والحسن بن عمار الكتامي زعيم كتامة، أقوى القبائل المغربية وعماد الدولة الفاطمية منذ نشأتها؛ ومحمد بن النعمان قاضي القضاة. وعهد بالوصاية الفعلية إلى الأول والثاني. وكان برجوان، ويسمى أبا الفتوح، خصيا صقلبيا، ربي في القصر، واصطفاه العزيز بالله وولاه أمير القصر، وخلع عليه لقب (الأستاذ) وهو من ألقاب الوزارة في الدولة الفاطمية، وعهد إليه بمهام الأمور، وأولاه ثقة عظيمة. وكان ابن عمار رجلا قوي الشكيمة، وافر العصبة؛ ولكن برجوان كان بظروفه وطبيعة منصبه أوثق اتصالا بالخليفة الصبي، وأشد تأثيرا فيه ومقدرة على توجيهه؛ فلم يلبث أن نشب الخلاف بين الرجلين واشتدت المنافسة بينهما، وقام ابن عمار بتدبير الشئون بادئ بدء، وتلقب بأمين الدولة، وهو أول لقب من نوعه في الدولة الفاطمية؛ واقتسم الكتاميون من صحبة وشيعته السلطات والمناصب، وعاثوا في شئون الدولة ومرافقها؛ وحرضه بعضهم على قتل الحاكم والتخلص

стр. 7591

منه فأبى استصغارا لشأنه أو رهبة من العواقب؛ ولكن برجوان كان ساهرا يرقبه ويتلمس الفرص لمناوأته وإسقاطه، ويدس له الدسائس، ويؤلب عليه زعماء الجند الناقمين عليه؛ فلم يمض عام حتى تفاقمت الصعاب والأحقاد من حوله؛ ووثب جماعة من الزعماء والجند بتحريض برجوان بالكتامين وأثخنوا فيهم، فتوارى ابن عمار، واضطر أن يترك الميدان حرا لمنافسه، عندئذ قبض برجوان على زمام الأمور، واستأثر بكل سلطة حقيقة داخل البلاط وخارجه، واختار لمعاونته كاتبا نصرانيا يدعى فهد ابن إبراهيم ولقبه بالرئيس، وفوض إليه النظر والتوقيع والمراجعة. ولزم برجوان الحاكم، يقيم معه بالقصر، ويسهر على توجيهه، ويستأثر لديه بكل صلة ونفوذ؛ واستبد بكل أمر في الدولة؛ واستقرت الأمور حينا واستمر برجوان يتبوأ ذروة القوة والنفوذ زهاء عامين ونصف؛ وفي عهده وقعت عدة ثورات وقلاقل في الشام والمغرب، وحاول بعض الحكام والزعماء المحليين الخروج على حكومة القاهرة؛ فسير برجوان جيشا إلى الشام بقيادة جيش بن الصمصامة، فقاتل الثوار في عدة مواقع، وأخضعهم تباعا، واستعاد دمشق؛ واشتبك مع الروم (البيزنطيين) في عدة معارك في شمال الشام، وكانوا قد انتهزوا فرصة الاضطراب للإغارة على الثغور وتأييد الخوارج؛ فهزمهم وردهم إلى الشمال. وسير برجوان جيشا آخر إلى برقة حيث اضطرمت الثورة، فرد النظام إليها، واستعمل عليها يانسا الصقلبي. وكانت الدولة الفاطمية منذ نشأتها تعتمد على تأييد القبائل المغربية ذات البأس والعصبية؛ ويستأثر زعماؤها بمعظم مناصب القيادة والحكم والأدارة حتى عهد المعز لدين الله؛ ولكن ولده العزيز مال إلى اصطناع الموالي من الترك والصقالبة فقدمهم في القصر وفي الجيش، وبدأت المنافسة من ذلك الحين بينهم وبين الزعماء والمغاربة وكانت سياسة برجوان ترمي إلى تحطيم نفوذ الزعماء المغاربة، ونزعهم عن الولايات والثغور؛ وتوزيع السلطة على نفر من أصدقائه الصقلبيين يستطيع أن يعتمد على ولائهم وأن يسيرهم طبق أهوائه؛ فعين إلى جانب يانس، طائفة منهم لحكم الولايات والثغور، مثل ميسور الخادم والي طرابلس، ويمن الخادم والي غزة وعسقلان، وعين بالقصر عددا كبيرا منهم وجنح الروم بعد هزيمتهم إلى السلم، وعقدت بين بلاط القاهرة والإمبراطور بزيل الثاني قيصر قسطنطينية أواصر الصداقة والمهادنة

стр. 7592

مدى حين ماذا كان الموقف الحاكم خلال هذه الفترة الأولى من خلافته؟ لقد كان برجوان بلا ريب يحجبه ما استطاع عن الاتصال برجال الدولة وبشئونها، ويدفع به ما استطاع إلى مجالي اللهو واللعب؛ وكانت أم الحاكم وهي نصرانية كما قدمنا، تشهد ولدها ينمو ويترعرع في ظل هذه الوصاية الخطرة عاجزة عن التدخل لحمايته أو توجيهه، لأن برجوان لم يفسح لها أي مجال للتدخل في شئون الدولة. غير أن الحاكم كان يشعر رغم حداثته بخطورة المنصب الذي يتبوأه؛ ولم يلبث أن استرعى سير الأمور اهتمامه، ولم يلبث أن فطن إلى موقف برجوان، واستئثاره بالسلطة واستبداده بالشئون. ولما بلغ برجوان ذروة السلطان والنفوذ، كان الحاكم قد أشرف على الخامسة، وأضحى الطفل فتى يافعا شديد اليقظة والطموح. وكان برجوان يذهب في طغيانه وعسفه إلى حدود بعيدة، ويثير حوله ضراما من البغضاء والحقد، ويحفز بذلك خصومه داخل البلاط وخارجه إلى العمل على تقويض سلطانه ومكانته. واعتقد برجوان أن الجو قد خلا له، فانكب على ملاهيه وملاذه، يقضي معظم أوقاته في مجالس الأنس والغناء والطرب، ولم يفطن برجوان من جهة أخرى إلى ما وقع في نفس الأمير الفتى ومشاعره من التبدل والتطور، فاستمر يعامله معاملة الطفل المحجور عليه؛ وذهب في استهتاره إلى مدى شعر الحاكم أنه لا يتفق مع مقامه ومكانته، وربما يذهب برجوان إلى حد الإساءة إلى الحاكم ونقض أوامره، بل إلى حد إهانته والتنكر له، ويقص علينا المقريزي منظرا من هذه المناظر التي اجترأ فيها برجوان على إهانة سيده خلاصته: (أن الحاكم استدعاه ذات يوم وهو راكب معه، فسار إليه وقد ثنى رجله على عنق فرسه، وصار باطن قدمه وفيه الخف قبالة وجه الحاكم)، ونحو ذلك من المناظر والإهانات المثيرة أحفظت نفس الحاكم لهذا الضغط وهذا الاجتراء، فأضمر التخلص من ذلك الوصي الطاغية، وربما تأثر في هذا العزم بتحريض بعض خصوم برجوان ولا سيما ريدان الصقلبي حامل المظلة وخصمه القوي داخل البلاط؛ ولكن لا ريب أن الحاكم كان قد بدأ يومئذ يثور لسلطته المسلوبة، وأخذت تتفتح في نفسه الوثابة تلك الأهواء العنيفة المضطرمة التي بلغت ذروتها فيما بعد. وعلى أي حال فقد حكم على برجوان بالموت؛

стр. 7593

وفي ذات مساء بعث إليه الحاكم للركوب معه، وانتظره في إحدى حدائق القصر ومعه ريدان حامل المظلة، فوافاه برجوان هنالك؛ وبعد أن سلم سار الحاكم حتى خرج من باب الحديقة، فوثب ريدان عندئذ على برجوان فطعنه في عنقه بسكين، وانقضت عليه جماعة كانت قد أعدت للفتك به، فأثخنوه طعنا بالخنجر، واحترزوا رأسه، ودفنوه حيث قتل (ربيع الثاني سنة ٣٦٠ - ١٠٠٠م) ولما عاد الحاكم إلى القصر كان خبر مقتل برجوان قد ذاع على لسان خادمة عقيق، فاضطربت البطانة، وأشرف الحاكم عليهم ليرى الخبر؛ وصاح فيهم ريدان: (من كان في الطاعة فلينصرف إلى منزله ويبكر إلى القصر المعمور) فانصرف الناس منزعجين، وفي نفس المساء اتخذ الحاكم عدته لتوطيد الأمور، واستدعى الرئيس فهدا، وهدأ روعه وأقره في منصبه؛ وصودرت أموال برجوان وكانت عظيمة طائلة، واختفى أصدقاؤه من الميدان وهكذا ظفر الحاكم لنحو أربعة أعوام فقط من ولايته بأن يطوي مرحلة الحداثة، وأن يستخلص السلطة لنفسه، وأن يبدأ عهد الحكم الحقيقي. وكان الحاكم يومئذ في نحو الخامسة عشرة من عمره، مضطرم النفس والأهواء، ولكن وافر الذكاء والجرأة والعزم. فبدأ بتعيين مدبر للدولة مكان برجوان، ووقع اختياره على الحسين بن جوهر الصقلي. وكان العزيز قد ولاه القيادة بعد وفاة أبيه جوهر، واصطفاه وأولاه ثقته وعطفه، فلما توفي العزيز قلد الحسين ديوان البريد والإنشاء؛ ولما قتل برجوان لم يكن بين رجال الدولة من هو أرفع منه مقاما وأجدر بتولي الشئون العامة؛ فاستدعاه الحاكم وخلع عليه، وقلده النظر في أمور الدولة والتوقيعات، ولقبه في سجل التعيين (بقائد القواد) وعكف الحسين على تدبير الشئون بمعاونة خليفته الرئيس فهد، وأمر أن تبلغ إليه المهام والظلامات في مكانه بالقصر وألا يقصد أحد داره، وألا يخاطب بغير لقبه الرسمي (القائد) دون تعظيم أو تفخيم، وألا يمنع أحد من مقابلة الحاكم أو الاتصال به؛ وغدا الحسين بن جوهر وصهره عبد العزيز بن محمد بن النعمان، الذي خلف أباه في منصب القضاء، أعظم رجلين في الدولة؛ واستمر الحسين يدبر الأمور مدى أعوام حتى تغير عليه الحاكم كما سيأتي وتناول الحاكم إدارة الدولة العليا بيديه؛ ونظم له مجلسا ليليا يحضره أكابر الخاصة ورجال الدولة، وتبحث فيه الشئون العامة؛ وكانت هذه أول ظاهرة لهيام الحاكم بالليل والتجوال في

стр. 7594

ظلماته. بيد أنه أبطل مجلسه الليلي بعد حين. وتوفي جيش ابن الصمصامة وإلي الشأم، فعين الحاكم مكانه فحل بن تميم، ولما توفي لأشهر من ولايته عين مكانه علي ابن فلاح؛ وكان اتجاه الحاكم يومئذ نحو إقصاء الأتراك والصقالبة وتمكين المغاربة، كما كان الشأن أيام جده المعز، ولعله كان يقصد في ذلك أيضا إلى هدم سياسة برجوان في اصطفاه الصقالبة. ووفد عليه ولد جيش بن الصمصامة يحمل وصية أبيه التي يوصي فيها بجميع أمواله للحاكم، ويحمل إليه الأموال الموصى بها، وكانت تبلغ نحو مائتي ألف دينار بين نقد متاع، فقرأ الحاكم الوصية ورد المال إلى أهله؛ ودلل بذلك على صفة من أخص صفاته، هي العفة عن مال الرعية، والزهد في المال بصفة عامة؛ وسنرى أنه يدلل على هذه الخلة في مواطن كثيرة للبحث بقية النقل ممنوع محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 7595

صورة في المرآة للأستاذ محمد فريد أبو حديد إن كل شيء ممكن ولا سيما في هذه الأيام. وليس لأحد أن يكذب إمكان حدوث شيء بعد أن شهد هذا العصر ما شهد من صنوف المخترعات والمبتدعات. فمن ذا الذي كان يحلم أن الإنسان قد يكون جالسا إلى مكتبه بالقاهرة، فيسمع موسيقى دار الأوبرا في باريس أو فينا؟ وينصت إلى نجوى النظارة وتصفيقهم، حتى كأنه جالس معهم هناك يسمع ما يسمعون ويشهد ما يشهدون؟ وما هي إلا خطوة واحدة ثم يستطيع الإنسان أن يسمع ويرى في آن واحد. فيتيسر له عند ذلك أن يرى بعينيه أهل باريس أو فينا أو سواهما، وهم يتمايلون للموسيقى ويعجبون بالراقصة أو المغنية، وأن يرى المسرح بما فوقه من الفتن الشهية، ولن يحس الناس عند ذلك بوجود المسافات ولا بحدود الدول والبلدان. وهكذا أرجو إذا أنا وصفت للقراء ما أوصلني إليه الدأب، ومكنني منه الدرس من الاختراع، ألا يكذبني ما كذب، فما غرابة قصتي هذه بمنقصة من قدرها، إذا صارت الحقائق أعجب من صور الخيال، وأصبح إدراك المشاهد أعسر على الذهن من تصور الخيالات، فبينا يرى الإنسان الآلة المحدثة بين يديه حقيقة ماثلة ملموسة إذا به يراها عند غاية الاستعصاء والغموض والتأبي ولقد وفقني الله لاختراع آلة عجيبة، ولكنها من مثل تلك الآلات المحدثة التي ذكرتها آنفا تراها وتلمسها، وتؤمن بأنها حيالك ماثلة موجودة. ثم تحار في معرفة كنهها والغوص إلى موضع سرها. هي مرآة لا أكثر ولا أعظم، ولا يختلف ظاهرها عن المرآة المعتادة إلا في أنه يحيط بها إطار به لولب مختلفة لتحريكها وتحديد موضعها. ولكنها في حقيقتها فذة فريدة، إذ أنها لا تنقل إلى الرائي صورة وجهه إذا نظر إليها، بل لقد يظهر له فيها إذا وضعها أمام عينيه شكل شخص آخر، أو شكل بعض الحيوان، أو شكل كائن آخر من الكائنات، ولعلها تفزع من لا عهد له بها ولا دراية له بسرها؛ فقد تنظر إليها حسناء لترى هل دهان شفتيها لا يزال هناك لم تخطفه الشمس ولم يمحه بنان النسيم، فترتاع إذ تجد المرآة تبرز لها صورة كريهة كصورة قرد مثلا، أو كصورة عجوز شوهاء. وقد ينظر إليها فتى من الفتيان ليتحقق من أن سحر عينيه لا يزال على عهده به، وأن موضع رباط رقبته

стр. 7596

لا يزال حيث رآه آخر مرة في آخر مرآة مر بها من تلك الزجاجات المنصوبة على جوانب الحوانيت والدكاكين الكبرى فتظهر له صورة أخرى مثل صورة فتاة لعوب، أو صورة تيس أو حيوان آخر مما تعارف الرجال على كراهة التشبه به والظهور في مظهره. ولكن الإنسان إذا عرف إن هذه المرآة لا تظهر للرائي صورته، لم يلتمس أن يرى فيها صورة نفسه، وبذلك يحفظ نفسه من الألم الذي قد يصيب من يجهل أمرها وسرها. فإن سر تلك المرآة أنها لا تلتقط إلا أشعة الضوء القديمة التي مضى على سيرها آلاف السنين على الأقل. وهذا الأمر يحتاج إلى شيء من التفسير، ولكني سأشرحه شرحا يسيرا حتى لا أخرج بالقارئ طويلا عن صلب القصة أنت تعلم أن المادة لا تفنى، وأن الطاقة لا تنعدم، فهذا يعرفه كل من درس أوليات العلم. وتعلم أن شعاع النور طاقة، والنور على ذلك لا ينعدم. فإذا سار الشعاع الضوئي في الفضاء فأنه يظل سائرا إلى أبد الدهر إلا إذا تحول إلى طاقة أخرى. وتعلم أن الإنسان يرى الأشياء لأن الضوء يقع عليها ثم ينعكس منها إلى عينه فيحمل صورة الأشياء إلى العين. فإذا سار الشعاع المنعكس إلى أبعد الجهات أمكن أن يحمل صورة الأشياء إلى تلك الجهات البعيدة. والضوء كذلك يسافر بسرعة هائلة، فهو يحمل الصور بتلك السرعة، ولكن المسافة إذا كانت بعيدة جدا لم يستطع الضوء أن يقطعها إلا بعد مدة قد تكون طويلة، فإن شعاع الضوء يأتي إلى الأرض من بعض الكواكب في أعوام وقرون، ومنها ما يصل إلى الأرض من كوكب بعيد في آلاف السنين هذه كلها مقدمات، وهناك بعد ذلك أمر آخر، وهو أشد استعصاء على الفهم، وذلك أنني قد كشفت أن الضوء لا يسير في خط مستقيم كل الاستقامة، بل إنه منحن قليلا، فإذا سار منحنيا على هذا النمط تكونت من سيره دائرة، لأن الدائرة تتكون من خط منحن انحناء منتظما سائرا على نمط واحد. فإذا سار شعاع فوقع على شيء ثم انعكس إلى الفضاء، فأنه يسير حاملا صورة الشيء الذي وقع عليه، ويستمر في سيره دائرا حول الأرض حتى يعود إلى موضعه، ولا يزال يفعل هكذا أبد الدهر، فإذا استطاع إنسان أن يخترع آلة من خواصها أن تقبض على هذا الشعاع التائه في الفضاء، أمكنها أن تتلقى صورة الشيء الذي انعكس منه ذلك الشعاع

стр. 7597

وإذن فالأمر هين، إذا اخترعت مرآة من معدن خاص لا يلتقط إلا الأشعة الضعيفة التي قضت في سيرها في الفضاء أو في دورانها حول الأرض آلاف السنين. ومن شأن هذه المرآة أنها لا تلتقط الأشعة القوية الطازجة، فإن تلك الأشعة تقفز عن سطحها قفزا بغير أن تثبت قليلا لتنعكس عليه، فالذي ينظر إلى تلك المرآة لا يرى فيها شيئا إلا إذا اتفق أن سقط عليها شعاع من تلك الأشعة المعتقة التي تنم عن أشياء الماضي وحوادث الماضي، كما أنها قد تلتقط أيضا أشعة النجوم البعيدة إذا كانت لا تبلغ الأرض إلا معتقة أي بعد آلاف السنين من تركها كواكبها أخذت هذه الآلة يوما كعادتي كلما خرجت إلى نزهة وذهبت إلى جوار الأهرام لأجول حولها جولة، ولما أتعبني ذلك التجوال جلست أستريح على حجر من تلك الأحجار الضخمة التي قد انفرطت من عقدها، ولم يكن معي كتاب أقطع الوقت بالقراءة فيه، فأخرجت الآلة أنظر فيها وأقلبها في يدي، فقد عودتني كلما نظرت فيها أن أجد صورة مسلية من صور الماضي إذ تلتقط شعاعا من تلك الأشعة القديمة التي تقص علي نبأ حديث قد مضت على وقوعه القرون الطويلة. ولكنها لم تحقق أملي عندما نظرت فيها فلم أنزعج من ذلك، وقلت إن الموضع الذي كنت فيه ليس مما تكثر به الأحداث والقصص. وجعلت أتأمل لون مائها وأحدق في نكتة سوداء عند حافتها لا أقصد من وراء ذلك إلا العبث والتلهي. فلاح لي عند ذلك خيال يتحرك فيها وكان خيالا ضئيلا. فعلمت أن المرآة قد التقطت شعاعا، ولكنه شعاع قوي لم تمض عليه المدة الكافية لإضعافه وتعتيقه، فجعلت أحدق في المرآة حتى استطعت أن أتبين الصورة بشيء من الجلاء رأيت الفضاء الذي حولي هضبة مستوية ليس عليها شيء غير كوم واحد، فعلمت أن ذلك الشعاع يحمل صورة الهضبة قبل أن تبنى فيها الأهرام الصغرى وعندما كان الهرم الأكبر لا يزال يبنى. وكان الهرم لم يبلغ بعد نصف علوه، وكان يدور حوله جسر من التراب كالحلزون يتضايق كلما ارتفع، وكان على ذلك الجسر ألوف من الناس بعضها صاعد وبعضها نازل تلوح في الصورة كما يلوح النمل في قرية من قراه تتماوج في ترددها بين الجيئة والذهاب تارة تتقارب وأخرى تنتشر، وتارة تجتمع وتارة تتفرق. ورأيت سموطا من تلك الألوف قد اجتمع كل سمط منها عند جبل قد أخذ كل فرد بقبضة منه، وكان وراء كل

стр. 7598

سمط جماعة في أيديهم السياط فلا يكاد أحدهم يرى رجلا قد استرخى في عمل حتى يهوي عليه بالسوط، فإذا به يقفز إلى الأمام وقد تشنجت عضلاته وأقبل على العمل عنيفا، وكان كل سمط من هذه السموط يجر بالحبل الذي اجتمع عليه حجرا ثقيلا من تلك الحجارة الضخمة التي نراها اليوم في بناء الهرم، فلا يزال السمط يجرر الحجر حتى يعلو به الجسر الدائر حول البناء ثم يصعد به جانب ذلك الجسر فيدور حوله صاعدا في دورانه حتى يبلغ أعلى البناء فيقربه إلى حافة البناء ويضعه حيث يطلب البناؤون وضعه. فإذا ما بلغ المساكين الذين يجررون الحجر أعلى البناء ووضعوا الحجر وهم يلهثون من التعب انطرحوا على الأرض إعياء يطلبون بعض الراحة ويستردون النفس المنبت، غير أنهم لا يكادون يلمسون الأرض بجنوبهم حتى تلحق بهم جماعة المراقبين فيهوون عليهم بالسياط يمزقون بها جلودهم. فيهب الأشقياء مرتاعين يتلوون من ألم الضرب يجررون أرجلهم بما استطاعوا من السرعة ويهبطون إلى أسفل البناء لكي يعيدوا الكرة فينقلوا حجرا جديدا لبناء هرم فرعون والحق لقد آذاني ذلك المنظر وتفظعته من شدة قسوته، فهممت أن أضع المرآة حتى لا أرى بقيته، لولا أنني رأيت شيئا أخذ على انتباهي قسرا فلم أجد حيلة في الانصراف عنه أو الانفلات منه. وذلك أنني بصرت بسمط من هذه السموط البشرية قد علا جانب الجسر سائرا في خطاه الوئيدة يحرك حجرا جديدا نحو أعلى البناء، غير أنه ما توسط الجسر حتى هبط عليه حجر أفلت من سمط فوقه إذ تقطعت الأحبال التي كان أصحابه يجررونه بها فوقع الحجر متدحرجا فأصاب في طريقه ذلك السمط الصاعد فدك جماعة منه دكا وحطم أعضاء جماعة أخرى. فتفرق الناجون مرتاعين أيما ارتياع والموت الفظيع في أعينهم الحائرة المذعورة، وسمع صياحهم بعض إخوانهم فما هي إلا لحظة حتى اجتمع حول المكان ألوف من العمال مضطربين هلعين، وفيما هم في ذلك أقبل الرقباء وفي أيديهم السياط فأهووا عليهم من كل صوب لا يبالون أين يقع السوط منهم، ففر البعض إلى أسفل وتردد البعض قليلا، ثم مضوا إلى أسفل في شيء من التلكؤ، وعادوا إلى حجارتهم يزحزحونها شبرا فشبرا نحو أعلى الهرم فانجلى المنظر عن بقية ضئيلة واقفة حول مكان الكارثة وعن رجل قد ارتمى على أحد الضحايا يبكيه ويطيع فيه قلبا محبا

стр. 7599

فخيل إلي أنه أخ قعد لرثي أخاه الفقيد، أو صديق برح به الوجع عندما رأى صديقه يختطف من بين الجموع على هذه الحال المؤلمة، فارتمى عليه يبكيه ويؤدي إليه حق القلب الإنساني في رثاء الصديق الحميم؛ غير أن المقام لم يطل به على ذلك، فقد عاد إليه الرقباء وفي أيديهم السياط، فألهبوا ظهور من بقي حول المكان، وأهووا إليه بالسوط فمزقوا ظهره العاري وهو مكب على جثة صاحبه، فقفز الرجل من الألم، وانتفض انتفاضة كأنما هو وحش أستثير، وأقبل على الذي ضربه من الرقباء، فرفع هذا يده بالسوط ليعيده عليه الكرة فلم يمكنه من ذلك، بل أسرع في سطوة الغاضب وانتزع السوط من بين يده ثم علاه به مرتين، ثم دفعه إلى الأرض فتدأدأ عليها، وكان قريبا من حافة البناء فهو في الفضاء فلم يستقر إلا على سطح الهضبة بعد أن تهشم وتحطم. ثم وقف الرجل على حجر من أحجار البناء متحديا سائر الرقباء، فلم يجرؤ منهم أحد على الاقتراب منه، وعاد الاضطراب إلى مثل ما كان عليه، وأسرع ألوف من العمال مرة أخرى نحو المكان ينظرون إلى الحدث الجديد وينتهزون فرصة للراحة من عملهم المضني. غير أنها لم تكن سوى مدة قصيرة، فإذا الجمع يضطرب في جانب من جوانبه، ثم إذا بالاضطراب يسير خطوة خطوة بين الوقوف، ثم إذا بالجمع ينفرج عن رجل شيخ يسير في تؤدة ووقار، وهو كلما سار في جمع انفرج له وركع من حوله إجلالا وخشوعا، فلقد كان ذلك هو كاهن القوم أتى بأمر الإله (رع)، وأقبل بكلمة الحكمة من (تحوت)، وكان يلبس ثوبا طويلا يظهر من بين الجموع العارية، وقد تدلت على صدره لحية طويلة بيضاء كاللبن، وكان طويل القامة في انحناء يسير بأعلى ظهره، وعلى رأسه منديل يغطي شعره إلى شحمتي أذنيه، وقد لف حوله عصابة تمسك به حول الرأس. فلما صار على قيد ذراع من العامل الثائر وقف وحرك شفتيه ببعض القول ثم رفع يمناه بطيئا نحو الرجل وتكلم كلمات أخرى، غير أن الرجل وقف وقفته الأولى ولم يزل متحديا، وحرك شفتيه ببعض كلمات والغضب باد في عينيه، وجعل ينظر إلى القوم الذين اجتمعوا حوله كأنه يستنصر بهم، فنظر الكاهن الشيخ لحظة نحوه، ثم نظر إلى الألوف الواقفة حوله وتكلم، وجعل يرفع يديه نحوهم في تؤدة ووقار وهو يتكلم. فقضى على ذلك حينا، ثم وقف ونظر إلى الجمع فإذا بحركة تبدأ في الواقفين وتتزايد، ثم ما هي إلا لحظة حتى كان الجمع مضطربا يصيح رافعا أيديه مهدد غاضبا

стр. 7600

وهو متجه نحو الزميل المجرم المسكين. فرأيت العامل الشقي ينظر نحو من حوله وهم حانقون يتهددونه ويتوعدونه، وعند ذلك لم يقو على المضي في مقاومته، بل داخله اليأس وتخاذل مضطربا، فنظر الكاهن إليه وجعل يتكلم بكلمات ورفع يمناه مرة أخرى نحوه، فرأيت العامل المسكين يمد يده بالسوط فيسلمه وينزل عن الحجر الذي كان واقفا عليه ويتقدم في ذلة وخشوع نحو الشيخ الكاهن فتكلم الكاهن مرة أخرى، ونظر نحو الجمع الزاخر حوله في تؤدة ووقار، ثم رفع يده نحوه، فألقى الكل ساجدين، ثم وقفوا خاشعين، ونظروا إلى الكاهن وهو يقبض على يد أخيهم الشقي، ثم نظروا إليه وهو يسير به نحو حافة البناء ويعصب عينيه، وكانوا عند ذلك لا تتحرك منهم يد، ولا تطرف لهم عين، وهم ينظرون إلى رسول الحكمة ونجي الإله ينفذ رغبة (رع) في العدل والرحمة، وتريث الكاهن قليلا، وهو يحرك شفتيه خاشعا بشيء يشبه الصلاة، فلما أتمها دفع العامل الشقي فجأة فقذف به على المنحدر الذي هوى عليه من قبل الرقيب القاسي، وتحطم كما تحطم ذلك الرقيب من قبل ونظر الكاهن إلى الجمع المحدق به وقال لهم كلمات خروا بعدها للأذقان سجدا؛ ثم قاموا فأشار إليهم أخرى فانصرفوا وتبددوا كما يتبدد السحاب في الريح، فما هي إلا لحظة حتى عادت السموط تنتظم، وتجرر الأحجار نحو أعلى المنحدر صاعدة إلى قمة البناء الهائل ليبنوا لفرعون قبرا جديرا بمجده وكانت الشمس قد آذنت بالمغيب، وكنت امتلأ قلبي بما رأيت، فقمت عن الصخرة التي كنت جالسا عليها ووضعت المرآة في جيبي، وجعلت أعزي نفسي عن وقع ما رأيت بأن أقول لها: (رويدك يا نفس! فما زال الإنسان هو الإنسان) محمد فريد أبو حديد
следующие страницы →