Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.
стр. 7596
لا يزال حيث رآه آخر مرة في آخر مرآة مر بها من تلك الزجاجات المنصوبة على جوانب الحوانيت والدكاكين الكبرى فتظهر له صورة أخرى مثل صورة فتاة لعوب، أو صورة تيس أو حيوان آخر مما تعارف الرجال على كراهة التشبه به والظهور في مظهره. ولكن الإنسان إذا عرف إن هذه المرآة لا تظهر للرائي صورته، لم يلتمس أن يرى فيها صورة نفسه، وبذلك يحفظ نفسه من الألم الذي قد يصيب من يجهل أمرها وسرها. فإن سر تلك المرآة أنها لا تلتقط إلا أشعة الضوء القديمة التي مضى على سيرها آلاف السنين على الأقل. وهذا الأمر يحتاج إلى شيء من التفسير، ولكني سأشرحه شرحا يسيرا حتى لا أخرج بالقارئ طويلا عن صلب القصة
أنت تعلم أن المادة لا تفنى، وأن الطاقة لا تنعدم، فهذا يعرفه كل من درس أوليات العلم. وتعلم أن شعاع النور طاقة، والنور على ذلك لا ينعدم. فإذا سار الشعاع الضوئي في الفضاء فأنه يظل سائرا إلى أبد الدهر إلا إذا تحول إلى طاقة أخرى. وتعلم أن الإنسان يرى الأشياء لأن الضوء يقع عليها ثم ينعكس منها إلى عينه فيحمل صورة الأشياء إلى العين. فإذا سار الشعاع المنعكس إلى أبعد الجهات أمكن أن يحمل صورة الأشياء إلى تلك الجهات البعيدة. والضوء كذلك يسافر بسرعة هائلة، فهو يحمل الصور بتلك السرعة، ولكن المسافة إذا كانت بعيدة جدا لم يستطع الضوء أن يقطعها إلا بعد مدة قد تكون طويلة، فإن شعاع الضوء يأتي إلى الأرض من بعض الكواكب في أعوام وقرون، ومنها ما يصل إلى الأرض من كوكب بعيد في آلاف السنين
هذه كلها مقدمات، وهناك بعد ذلك أمر آخر، وهو أشد استعصاء على الفهم، وذلك أنني قد كشفت أن الضوء لا يسير في خط مستقيم كل الاستقامة، بل إنه منحن قليلا، فإذا سار منحنيا على هذا النمط تكونت من سيره دائرة، لأن الدائرة تتكون من خط منحن انحناء منتظما سائرا على نمط واحد. فإذا سار شعاع فوقع على شيء ثم انعكس إلى الفضاء، فأنه يسير حاملا صورة الشيء الذي وقع عليه، ويستمر في سيره دائرا حول الأرض حتى يعود إلى موضعه، ولا يزال يفعل هكذا أبد الدهر، فإذا استطاع إنسان أن يخترع آلة من خواصها أن تقبض على هذا الشعاع التائه في الفضاء، أمكنها أن تتلقى صورة الشيء الذي انعكس منه ذلك الشعاع
стр. 7597
وإذن فالأمر هين، إذا اخترعت مرآة من معدن خاص لا يلتقط إلا الأشعة الضعيفة التي قضت في سيرها في الفضاء أو في دورانها حول الأرض آلاف السنين. ومن شأن هذه المرآة أنها لا تلتقط الأشعة القوية الطازجة، فإن تلك الأشعة تقفز عن سطحها قفزا بغير أن تثبت قليلا لتنعكس عليه، فالذي ينظر إلى تلك المرآة لا يرى فيها شيئا إلا إذا اتفق أن سقط عليها شعاع من تلك الأشعة المعتقة التي تنم عن أشياء الماضي وحوادث الماضي، كما أنها قد تلتقط أيضا أشعة النجوم البعيدة إذا كانت لا تبلغ الأرض إلا معتقة أي بعد آلاف السنين من تركها كواكبها
أخذت هذه الآلة يوما كعادتي كلما خرجت إلى نزهة وذهبت إلى جوار الأهرام لأجول حولها جولة، ولما أتعبني ذلك التجوال جلست أستريح على حجر من تلك الأحجار الضخمة التي قد انفرطت من عقدها، ولم يكن معي كتاب أقطع الوقت بالقراءة فيه، فأخرجت الآلة أنظر فيها وأقلبها في يدي، فقد عودتني كلما نظرت فيها أن أجد صورة مسلية من صور الماضي إذ تلتقط شعاعا من تلك الأشعة القديمة التي تقص علي نبأ حديث قد مضت على وقوعه القرون الطويلة. ولكنها لم تحقق أملي عندما نظرت فيها فلم أنزعج من ذلك، وقلت إن الموضع الذي كنت فيه ليس مما تكثر به الأحداث والقصص. وجعلت أتأمل لون مائها وأحدق في نكتة سوداء عند حافتها لا أقصد من وراء ذلك إلا العبث والتلهي. فلاح لي عند ذلك خيال يتحرك فيها وكان خيالا ضئيلا. فعلمت أن المرآة قد التقطت شعاعا، ولكنه شعاع قوي لم تمض عليه المدة الكافية لإضعافه وتعتيقه، فجعلت أحدق في المرآة حتى استطعت أن أتبين الصورة بشيء من الجلاء
رأيت الفضاء الذي حولي هضبة مستوية ليس عليها شيء غير كوم واحد، فعلمت أن ذلك الشعاع يحمل صورة الهضبة قبل أن تبنى فيها الأهرام الصغرى وعندما كان الهرم الأكبر لا يزال يبنى. وكان الهرم لم يبلغ بعد نصف علوه، وكان يدور حوله جسر من التراب كالحلزون يتضايق كلما ارتفع، وكان على ذلك الجسر ألوف من الناس بعضها صاعد وبعضها نازل تلوح في الصورة كما يلوح النمل في قرية من قراه تتماوج في ترددها بين الجيئة والذهاب تارة تتقارب وأخرى تنتشر، وتارة تجتمع وتارة تتفرق. ورأيت سموطا من تلك الألوف قد اجتمع كل سمط منها عند جبل قد أخذ كل فرد بقبضة منه، وكان وراء كل
стр. 7598
سمط جماعة في أيديهم السياط فلا يكاد أحدهم يرى رجلا قد استرخى في عمل حتى يهوي عليه بالسوط، فإذا به يقفز إلى الأمام وقد تشنجت عضلاته وأقبل على العمل عنيفا، وكان كل سمط من هذه السموط يجر بالحبل الذي اجتمع عليه حجرا ثقيلا من تلك الحجارة الضخمة التي نراها اليوم في بناء الهرم، فلا يزال السمط يجرر الحجر حتى يعلو به الجسر الدائر حول البناء ثم يصعد به جانب ذلك الجسر فيدور حوله صاعدا في دورانه حتى يبلغ أعلى البناء فيقربه إلى حافة البناء ويضعه حيث يطلب البناؤون وضعه. فإذا ما بلغ المساكين الذين يجررون الحجر أعلى البناء ووضعوا الحجر وهم يلهثون من التعب انطرحوا على الأرض إعياء يطلبون بعض الراحة ويستردون النفس المنبت، غير أنهم لا يكادون يلمسون الأرض بجنوبهم حتى تلحق بهم جماعة المراقبين فيهوون عليهم بالسياط يمزقون بها جلودهم. فيهب الأشقياء مرتاعين يتلوون من ألم الضرب يجررون أرجلهم بما استطاعوا من السرعة ويهبطون إلى أسفل البناء لكي يعيدوا الكرة فينقلوا حجرا جديدا لبناء هرم فرعون
والحق لقد آذاني ذلك المنظر وتفظعته من شدة قسوته، فهممت أن أضع المرآة حتى لا أرى بقيته، لولا أنني رأيت شيئا أخذ على انتباهي قسرا فلم أجد حيلة في الانصراف عنه أو الانفلات منه. وذلك أنني بصرت بسمط من هذه السموط البشرية قد علا جانب الجسر سائرا في خطاه الوئيدة يحرك حجرا جديدا نحو أعلى البناء، غير أنه ما توسط الجسر حتى هبط عليه حجر أفلت من سمط فوقه إذ تقطعت الأحبال التي كان أصحابه يجررونه بها فوقع الحجر متدحرجا فأصاب في طريقه ذلك السمط الصاعد فدك جماعة منه دكا وحطم أعضاء جماعة أخرى. فتفرق الناجون مرتاعين أيما ارتياع والموت الفظيع في أعينهم الحائرة المذعورة، وسمع صياحهم بعض إخوانهم فما هي إلا لحظة حتى اجتمع حول المكان ألوف من العمال مضطربين هلعين، وفيما هم في ذلك أقبل الرقباء وفي أيديهم السياط فأهووا عليهم من كل صوب لا يبالون أين يقع السوط منهم، ففر البعض إلى أسفل وتردد البعض قليلا، ثم مضوا إلى أسفل في شيء من التلكؤ، وعادوا إلى حجارتهم يزحزحونها شبرا فشبرا نحو أعلى الهرم فانجلى المنظر عن بقية ضئيلة واقفة حول مكان الكارثة وعن رجل قد ارتمى على أحد الضحايا يبكيه ويطيع فيه قلبا محبا
стр. 7599
فخيل إلي أنه أخ قعد لرثي أخاه الفقيد، أو صديق برح به الوجع عندما رأى صديقه يختطف من بين الجموع على هذه الحال المؤلمة، فارتمى عليه يبكيه ويؤدي إليه حق القلب الإنساني في رثاء الصديق الحميم؛ غير أن المقام لم يطل به على ذلك، فقد عاد إليه الرقباء وفي أيديهم السياط، فألهبوا ظهور من بقي حول المكان، وأهووا إليه بالسوط فمزقوا ظهره العاري وهو مكب على جثة صاحبه، فقفز الرجل من الألم، وانتفض انتفاضة كأنما هو وحش أستثير، وأقبل على الذي ضربه من الرقباء، فرفع هذا يده بالسوط ليعيده عليه الكرة فلم يمكنه من ذلك، بل أسرع في سطوة الغاضب وانتزع السوط من بين يده ثم علاه به مرتين، ثم دفعه إلى الأرض فتدأدأ عليها، وكان قريبا من حافة البناء فهو في الفضاء فلم يستقر إلا على سطح الهضبة بعد أن تهشم وتحطم. ثم وقف الرجل على حجر من أحجار البناء متحديا سائر الرقباء، فلم يجرؤ منهم أحد على الاقتراب منه، وعاد الاضطراب إلى مثل ما كان عليه، وأسرع ألوف من العمال مرة أخرى نحو المكان ينظرون إلى الحدث الجديد وينتهزون فرصة للراحة من عملهم المضني. غير أنها لم تكن سوى مدة قصيرة، فإذا الجمع يضطرب في جانب من جوانبه، ثم إذا بالاضطراب يسير خطوة خطوة بين الوقوف، ثم إذا بالجمع ينفرج عن رجل شيخ يسير في تؤدة ووقار، وهو كلما سار في جمع انفرج له وركع من حوله إجلالا وخشوعا، فلقد كان ذلك هو كاهن القوم أتى بأمر الإله (رع)، وأقبل بكلمة الحكمة من (تحوت)، وكان يلبس ثوبا طويلا يظهر من بين الجموع العارية، وقد تدلت على صدره لحية طويلة بيضاء كاللبن، وكان طويل القامة في انحناء يسير بأعلى ظهره، وعلى رأسه منديل يغطي شعره إلى شحمتي أذنيه، وقد لف حوله عصابة تمسك به حول الرأس. فلما صار على قيد ذراع من العامل الثائر وقف وحرك شفتيه ببعض القول ثم رفع يمناه بطيئا نحو الرجل وتكلم كلمات أخرى، غير أن الرجل وقف وقفته الأولى ولم يزل متحديا، وحرك شفتيه ببعض كلمات والغضب باد في عينيه، وجعل ينظر إلى القوم الذين اجتمعوا حوله كأنه يستنصر بهم، فنظر الكاهن الشيخ لحظة نحوه، ثم نظر إلى الألوف الواقفة حوله وتكلم، وجعل يرفع يديه نحوهم في تؤدة ووقار وهو يتكلم. فقضى على ذلك حينا، ثم وقف ونظر إلى الجمع فإذا بحركة تبدأ في الواقفين وتتزايد، ثم ما هي إلا لحظة حتى كان الجمع مضطربا يصيح رافعا أيديه مهدد غاضبا
стр. 7600
وهو متجه نحو الزميل المجرم المسكين. فرأيت العامل الشقي ينظر نحو من حوله وهم حانقون يتهددونه ويتوعدونه، وعند ذلك لم يقو على المضي في مقاومته، بل داخله اليأس وتخاذل مضطربا، فنظر الكاهن إليه وجعل يتكلم بكلمات ورفع يمناه مرة أخرى نحوه، فرأيت العامل المسكين يمد يده بالسوط فيسلمه وينزل عن الحجر الذي كان واقفا عليه ويتقدم في ذلة وخشوع نحو الشيخ الكاهن
فتكلم الكاهن مرة أخرى، ونظر نحو الجمع الزاخر حوله في تؤدة ووقار، ثم رفع يده نحوه، فألقى الكل ساجدين، ثم وقفوا خاشعين، ونظروا إلى الكاهن وهو يقبض على يد أخيهم الشقي، ثم نظروا إليه وهو يسير به نحو حافة البناء ويعصب عينيه، وكانوا عند ذلك لا تتحرك منهم يد، ولا تطرف لهم عين، وهم ينظرون إلى رسول الحكمة ونجي الإله ينفذ رغبة (رع) في العدل والرحمة، وتريث الكاهن قليلا، وهو يحرك شفتيه خاشعا بشيء يشبه الصلاة، فلما أتمها دفع العامل الشقي فجأة فقذف به على المنحدر الذي هوى عليه من قبل الرقيب القاسي، وتحطم كما تحطم ذلك الرقيب من قبل
ونظر الكاهن إلى الجمع المحدق به وقال لهم كلمات خروا بعدها للأذقان سجدا؛ ثم قاموا فأشار إليهم أخرى فانصرفوا وتبددوا كما يتبدد السحاب في الريح، فما هي إلا لحظة حتى عادت السموط تنتظم، وتجرر الأحجار نحو أعلى المنحدر صاعدة إلى قمة البناء الهائل ليبنوا لفرعون قبرا جديرا بمجده
وكانت الشمس قد آذنت بالمغيب، وكنت امتلأ قلبي بما رأيت، فقمت عن الصخرة التي كنت جالسا عليها ووضعت المرآة في جيبي، وجعلت أعزي نفسي عن وقع ما رأيت بأن أقول لها: (رويدك يا نفس! فما زال الإنسان هو الإنسان)
محمد فريد أبو حديد
стр. 7601
الدرر الكامنة
للأستاذ محمد كرد علي
عضو مجمع اللغة العربية الملكي
طبعت عدة كتب في الطبقات والتراجم لأهل القرون الماضية في الإسلام، وإلى الآن لم تطبع تراجم أهل القرن الثامن والتاسع عشر، مع أن تراجمهم عني بها في القرن الثامن ابن حجر العسقلاني المصري المتوفى سنة ٨٥٢، ووضع تراجم أهل القرن التاسع السخاوي المصري المتوفى سنة ٩٠٢، وتراجم أهل القرن العاشر قام بتدوينها الغزي الدمشقي المتوفى سنة ١٠٦١ وسمى الأول كتابه (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة)، والثاني (الضوء اللامع لأهل القرن التاسع)، والثالث (الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة)
ومن لطف المولى أن هذه الكتب الثلاثة بقيت في الأرض وظفر بعدة نسخ منها في خزائن الشرق والغرب، لا كأكثر تركة أسلافنا بعثرت وأحرقت وأغرقت وأصابها كل خطب عظيم
ترجم صاحب الدرر الكامنة لألف وثلثمائة وثلاثة وأربعين رجلا وامرأة، تراجم اعتمد في وضعها على من سبقوه في هذا الشأن من رجال التاريخ، أو كانوا ممن عاصرهم وسمع عنهم وأخذ منهم الحديث، أو أخذ مشايخه عنهم. ويغلب على ابن حجر الحديث والعناية برجاله ونسائه، ولذلك ذكر عشرات من المحدثات ممن كن يروين الأحاديث النبوية ويروينها. وترجم لبعض المشهورين تراجم لا بأس بها. ترجم لابن تيمية، ولسان الدين بن الخطيب، والصلاح الصفدي، وابن فضل الله العمري، وابن كثير، والبرزالي، والذهبي، وشيخ الربوة، وأبي الفداء، وابن المطهر الشيعي، وغازان، وابن دقيق العيد، والبدر البلقيني، وابن الوكيل، وابن سيد الناس، وابن نباتة، وابن الحاج، وابن المكرم، والشمس القونوي، وابن الوردي، وابن جماعة، والتاج السبكي، والتقي السبكي، والأردبيلي، وابن الأكفاني، والخطيب القزويني، وابن الزملكاني، وأبي حيان الأندلسي، والقطب الشيرازي، والبازري، والمزي، وغيرهم
وإلى جانب هؤلاء تجد تراجم أناس من الخاملين كبعض المجاذيب والموظفين والطلبة،
стр. 7602
كأن لسان حال ابن حجر يقول: يجب ألا يحتقر أحد، وأن يدون كل شيء. ولكن هذه الطبقة شغلت فراغا من الكتاب على غير جدوى ومثلهم كثير في كل عصر ومصر، لو تطلعت نفوسنا إلى التعرض لذكرهم لملأنا منها قماطر ودفاتر، والمقصود تدوين سير العظماء ممن كان لهم أثر محمود في علم وعمل. وفي نظرنا أن من أهم من دون المؤلف حياتهم بعد علماء الدين ورجال الأدب أناسا من أرباب الغناء والموسيقى والهندسة والطب، وبهم في الجملة عرفنا روح ذاك القرن، قرن المماليك في مصر والشأم، بل مبدأ قرون الانحطاط ومنتهى قرون الارتقاء في الإسلام
يقع القارئ في هذا السفر على الروح الذي سرى في ذاك العصر إلى النفوس فلوثها بلوثات التعصب الذميم. وقد ذكرها المؤلف على الأكثر غير متعرض لجرح أو تعديل فيها. بيد أن القارئ لعهدنا، قد وضع المؤلف أمامه هذه الوثيقة أو الوثائق التاريخية الكافية، تهيئ له أسباب الحكم على ذاك المجتمع الذي فاض بالجور السياسي والجور الفكري. فالجور السياسي غزوات الططر (التتر) من الشرق على الديار الشامية، أي الجزء المتمم للملكة المصرية إذ ذاك، وغزوة بعض شعوب الإفرنج بعض السواحل المصرية حتى افترضها أحد الجورة من المماليك فرصة ليصادر النصارى في مصر ويستصفي ما في بعض كنائسهم من الجواهر والمعادن الكريمة أو يخربها حبا في التخريب وإبلاغا في النكاية على زعمه. هذا هو الجور السياسي. أما الجور الفكري فتحامل الموسومين بالدين على من بيت منهم بعض نزعات قيل إنها مخالفة للشريعة فكان جزاؤهم القتل. وما نظن أكثر تلك التهم مما يصح أن يتهم به صاحبه من أنه جنى بما قال على الدين إذا تدبرنا ما لاقاه شيخ الإسلام ابن تيمية من متعصبة العلماء في عصره في مصر والشام، وهو النابغة الذي عقمت القرون عن أن تلد أمثاله بعلمه وعقله وإخلاصه على ما دون ذلك ابن حجر في هذا الكتاب. فكانت ترجمته له أحسن ترجمة فيه لأول عالم نابغ في أول القرن
ثم إن من نظر في كتب المتأخرين وكتب المتقدمين يجد فروقا كثيرة بين الأولى والثانية: فروقا في الأسلوب وفي المكتوب؛ وهل التاريخ إلا مرآة العصر الذي يكتب فيه، وروح صاحبه الذي يمليه؟ وما كان لأبن حجر أن يكتب في التراجم ويجود إجادة ابن خلكان في وفيات الأعيان مثلا، ولا للسيوطي في مؤلفاته التاريخية أن يجود تجويد الكندي صاحب
стр. 7603
كتاب ولاة مصر وقضاتها؛ وهكذا قل في الزمن الذي بدأت فيه الشروح والحواشي في الكتب الدينية، وصار من يسلخ من كلام غيره أو يمسخه وينسخه يعد مؤلفا فيزيد عدد الأسفار المحفوظة في الخزائن على غير فائدة جليلة
تمنيت في سنة ١٣٢٨هـ (١٩١٠م) في مجلة المقتبس، وقد درست هذا الكتاب في نسخة خطتها أنامل إبراهيم البقاعي أحد أعلام عصره - الذي قال في نسخته: وكان فراغي من هذه في ١٧ شوال سنة ٨٥٩ بمنزلي بحارة بهاء الدين في القاهرة - تمنيت لو يقدم رجل منا فيطبع هذا الكتاب، وقلت يومئذ لو لم يكن في هذا الكتاب سوى ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية، لكان كافيا في طبعه؛ ولكن قومي شغلتهم الشواغل، وأصيبوا بالإهمال، فتهيأ لطبعه صديقي العلامة كرينكو أحد علماء المشرقيات من الألمان، فطبعه في أربعة مجلدات في أكثر من ألفي صفحة معارضا له على نسخ مهمة، وذلك على يد مجلس يد دائرة المعارف العثمانية في حيدر آباد الدكن من ممالك الهند. وقد اعتادت هذه الدار أن تطبع من كتب العرب كل مفيد، فأحيت كتبا في الحديث والفقه والأصول واللغة والأدب والتاريخ والفنون، ونشرت حتى الآن نحو ثمانين كتابا منها ما دخل في بضعة مجلدات ضخمة، ومما طبعت لأبن حجر مؤلفنا الذي نحن بصدد الكلام على كتابه (لسان الميزان) و (تهذيب التهذيب) و (تعجيل المنفعة في رجال الأئمة الأربعة) الخ
هذا ولا يسعنا إلا أن ننوه بالناشر الغيور على العلم، وقد رأيناه جود معارضة النسخ وإثبات الصحيح من النصوص على عادة علماء المشرقيات في تدقيقهم إذا أرادوا طبع كتب العرب؛ وكم لهم من أياد بيضاء علينا لا ينكرها إلا منكر الجميل وغامط العارفة. وحبذا لو شفع الناشر هذا الكتاب الجليل بالفهارس المنوعة التي تسهل على العلماء الأخذ منه، فإن كتابا بلا فهرس تقل فائدته إذا كان من كتب المراجع؛ وعلمت أن الناشر وضع الفهارس والطابع تأخر في طبعها، وما أدري ما اعتذاره
وقد نشر السيد سالم الكرينكوي - كما دعا نفسه - كتاب التيجان لوهب بن منبه، وأخبار اليمن لعبيد بن شزية، وحماسة ابن الشجري، أتكلم عليهما في فرصة أخرى وأكتفي هنا بشكره، وأن أوجه نظره إلى كتاب آخر لأبن حجر لا يقل عن الدرر الكامنة في الفائدة، وهو (إنباء الغمر في أبناء العمر) وفي الخزانة الظاهرية بدمشق مسودة هذا المخطوط بخط
стр. 7604
مؤلفه، وهو تعليق كما قال فيه جميع حوادث الزمان منذ مولده سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وهلم جرا مفصلا في كل سنة أحوال الدول ووفيات الأعيان، مستوعبا لرواة الحديث خصوصا من لقيه أو أجاز له. وقد امتد هذا الكتاب إلى سنة خمسين وثمنمائة، وجاء من ذيل عليه، كما جاء من اختصر له الدرر مثل ابن المبرد وجلال الدين السيوطي الذي عرف بالولوع باختصار الكتب
القاهرة
محمد كرد علي
стр. 7605
الفن والطبيعة
بقلم نظمي خليل
. . ونعني بالطبيعة العالم المرئي الذي يقع تحت بصرنا، ولسنا نبغي من وراء تعريفنا للطبيعة تحديدها أو تبسيطها، ولكنا نريد أن نعرف هل هناك تباين بين العالم المرئي وبين الفنان، وهل هناك اختلاف جوهري بين جمال العالم المرئي، وذلك الجمال الذي نراه ونحس به عندما ننظر إلى لوحة مصور أو تمثال مثال؟
إذا أجبنا عن هذا السؤال بالإيجاب، وهو الحق والصواب كما اعتقد - رأينا أنفسنا مضطرين إلى أن نشرح وظيفة الفنان الذي يقف بيننا وبين الطبيعة. . فلو وقف الفن عند سرد مناظر الطبيعة، أو اقتصر على التقاط مناظرها وصرها كما هي، لرأينا آلة التصوير تسرع إلى انتزاع مكانة التصوير. ولكن الحقيقة أن الفن ليس تمثيلا للطبيعة، ولكنه تفسير لها. ولسنا نغالي إذا قلنا إن الفن يبتدئ حيث يترك الفنان صحبته القوية للطبيعة، بعد أن يشيع في جوها أنغاما من عمله الخاص تبعا لشعوره الشخصي وذوقه الموسيقي. فالطبيعة معين لن ينضب للفن، - وهي اليوم - كما كانت، وكما ستبقى أبدا - أكبر موح له بروائع الحسن والجمال. ولكن القوانين التي تتحكم في عمل الفن منفصلة تماما عن قوانين الطبيعة. فإذا كانت النغمة التوافقية في موسيقى الرعاة عملا فنيا جليلا، فذاك لأن بيتهوفن لم يحاك نغمات الطبيعة تبعا لشروط الموسيقى وقوانينها، وأفصح عن تلك العواطف الخاصة التي أثارتها فيه صحبته القوية للطبيعة في أنغام سامية، كانت من وحيه وإلهامه، ثم وجهت في هذا الطريق الموسيقى بواسطة المهارة الفنية التي هي أصيلة في كل عمل فني. . .
يقول بعض الناس عن مهمة الفن في ذا العالم هي أن يكمل ما في الطبيعة من نقص. وقد يفهم البعض منهم أن الفن يأتي بأشياء ليست في الطبيعة، أي أنه يزيد في مواد الطبيعة الأساسية. ولكن هذا الفهم خطأ، وهذا الظن إثم وجور على الطبيعة. فليس لدى الفن ما يجود به على الطبيعة من روائع المناظر وعجائب الآثار. . وليس لدى الفنان شيء جديد. ولكن لديه شيئا واحدا، وهو الذي يخدع هؤلاء البسطاء، فيتوهمونه زيادة أو جديدا، هذا الشيء الذي يبدو جديدا هو الحصر أو التحديد لمناظر الطبيعة ومظاهرها. فقد يرى إنسان
стр. 7606
نهرا يجري فلا يحس إحساسا كاملا بروعة مياهه وقوة تياره، وما على شاطئيه من رمال ونباتات أو غابات وصخور. قد لا يفطن الناظر إلى هذا النهر للجمال المختبئ في هذه المناظر الطبيعية الفسيحة الضخمة الهائلة. فينصرف عن النظر إليها إلى صورة رسام أو مصور ماهر قد صور هذا النهر وهو يتدفق ويتغلغل في الأحراج والجبال
وليس معنى هذا أن النهر الجاري أقل جمالا وروعة من صورة الرسام، لا، بل إن الناظر نفسه لم يفطن إلى هذا الجمال الأصيل في تلك المناظر الطبيعية العظيمة، لأنه جمال متشعب فسيح. فلما جاء الفنان وحصره في لوحته الصغيرة، أمكنه أن يشعر به، وأن يقف على أسراره الدفينة؛ ولو أمكن الرائي أن يدرك الجمال الطبيعي في مظهره الطبيعي لوجده جمالا خالصا عبقريا. ولكن عين الإنسان لا تستطيع أن تأخذ النهر الجاري من منبعه إلى مصبه، أو أن تلقي نظرة كاملة على الجبل الشامخ من قمته إلى سفحه. فإن حاولت ذلك لحقها الكلل والملال، وفضلت النظر في الصورة على التطلع إلى المرئي ذاته مهما يكن جماله وروعته
هذا هو الشائع بين الناس. ومن أجل هذا قيل إن الفن يكمل ما عجزت عنه الطبيعة، والحقيقة أن الفنان لا يزيد شيئا على ما في الطبيعة من ثروة وغنى، وإن كان يحصر هذه الثروة ويبرزها في صورة جميلة ومنظر بهي. . .
هذا شيء، والشيء الآخر هو أن الفن ليس محاكاة للطبيعة أو للحياة، ولكنه خلاصة ما في الطبيعة والحياة
فالفن قد يحاكي الطبيعة، وقد يحاكي الحياة، ولكنه لن ينسخ من الطبيعة أو الحياة صورا متشابهة متطابقة، فهو محاكاة وليس نسخا. والفرق بين المحاكاة والنسخ هو أن الفنان الذي يحاكي الطبيعة يأخذ منها ما يجده ملائما لفنه، أي ينتقي أروع ما فيها من الآثار، ثم يسلط عليها قوانينه الفنية فيلم أجزاءها ويعطي لها الوضع المناسب الجميل، فتبرز للرائي جديدة ضافية في حلل الجدة والإبداع
أما النسخ، فهو صورة طبق الأصل للطبيعة. ولو كان الفن نسخا للحياة لما أحسسنا بعظمة الفن الأصلية وسحر قوته الدفينة، ولجاء ثقيلا مضطربا مشوها كالحياة ذاتها. ولما وجدنا فيه هذا الشعور الخفي الذي يسكن آلامنا، ويريحنا من آلام الحياة وعنت الأيام. بل لما
стр. 7607
اعتبرنا الفن مأوى لنا نلجأ إليه كلما أثقلتنا متاعب الحياة وضقنا بمطالبها ذرعا، ولما كانت لنا حاجة ماسة إليه. فلو كان الفنان يقدم لنا جبلا كالجبل الذي نتسلقه، أو نهرا كالنهر الذي نعبره، أو مرعى مخضوضرا قد انتثرت فوقه الأغنام والمواشي، كتلك المراعي التي نراها كل يوم في قرانا، لما اهتززنا لصوره، ولما أدركنا لها سر أو معنى
ولو كان الفن يصور لنا حادثة يومية، أو عملا من أعمالنا العادية التي نلامسها كل يوم دون أن يخلع عليها شيئا من شعوره وشخصيته، لما شعرنا بحاجة الحياة إليه، ولما عملنا على نموه وازدهاره واكتفينا بالتاريخ
ولكن الفن لا يقدم لنا كل ما في الطبيعة ولا كل ما في الحياة، ولكنه يختار أروع ما في الطبيعة، وأجمل ما في الحياة، ثم يقدم لنا هذه في شكل رائع جذاب، وفي صورة فنية جميلة
هذا هو السبب الذي من أجله نلجأ إلى الفن ونهرع إليه كلما أثقلتنا الحياة أو ثقلت علينا الطبيعة. فنحن لا نعمل في هذه الحالة أكثر من أن نتخلص من بعض هذه المنغصات أو الأشياء الثقيلة الجافة التي يتجاهلها الفن، ولا يقف عندها أو يأبه لها
والفن لا يختار في الغالب موضوعه من الحياة الظاهرة، أو من تلك المرئيات التي تلوح للعين في كل يوم، ثم تختفي وكأنها لم تكن، وإنما يختار موضوعه من قلب الطبيعة، ويتخذ مادته من لب الحياة
فالفنان العظيم حقا هو الذي ينفذ إلى الحياة الداخلية، وهو الذي يتغلغل في أعماق الطبيعة، ويقف على كامن أسرارها ويبرزها للعين والحس في صورة فاتنة أخاذة
فهو لا يصور كل ما يحس به أو يقع عليه بصره، وإنما يفكر كثيرا فيما يبدعه للناس. فلا يختار إلا ما كان عميقا في النفس، أصيلا في الطبيعة. وهو في عمله هذا يخالف المدنية كل المخالفة، لأن المدنية تطور الحياة الظاهرية، الحياة الحسية؛ أما الفن فهو تطور لحياتنا الداخلية. فهو يتصل بالقلب الإنساني والفكر الإنساني، أما المدنية فتتصل بأعمال الإنسان وأحداثه في هذه الحياة المائجة الصاخبة. لذلك كان الفن أصيلا في أصوله ثابتا في جوهره، وكانت المدنية سريعة التغير، كثيرة التباين والاختلاف. .
وليس معنى هذا أن الفن جامد محافظ، عدو للتطور، ولكنه في الحقيقة في تغير دائم، وإن
стр. 7608
خفي عنا مظهر هذا التغير لعمقه وبعده عن إدراكنا الحسي المجرد. . .
نظمي خليل
стр. 7609
هل تدين الإغريق
للأستاذ دريني خشبة
لا نحسب أن أمة من الأمم شذت عن قانون التدين فلم تتخذ آلهة تعبدها وتعنو لها، وتلتمس منها البركات، أو على الأقل، إلها تفزع إليه كلما مسها ضر، أو حز بها أمر. والإغريق، ككل الأمم، كانت لهم آلهتهم ومعابدهم وقديسوهم. وقد لا نستطيع أن نحصر الأقوال المتضاربة في حقيقة تدينهم، وهل كانوا، كالأمم السامية مثلا، يستغرقهم هذا التدين، ويغمر أفكارهم وأعمالهم؟
فالمشهور عن الأجناس الآرية أنهم قوم آداب رفيعة وفلسفة، وبذلك امتازوا من الساميين المتدينين، ومن المغول وآربي الهنود المتقشفين. على أن الإغريق، من وجهة الدين، ينقسمون إلى فئتين، إن لم يكن أكثر؛ فهذه الطبقة المستنيرة المثقفة، التي ورثتنا تلك الثروة الطيبة من الشعر والأدب والفلسفة والتاريخ والفنون، قد كان لها وجهة نظرها الخاصة بالنسبة إلى الدين.
فلم يكن هوميروس مثلا يعتقد في آلهة اليونان مثل ما يعتقد هسيود؛ ولم يكن بندار كذلك، يعتقد ما يعتقده أرفيوس أو تؤمن به الشاعرة سافو. وقد أثبت البحث أن هوميروس كان ينظر إلى هذه الجمهرة من أرباب اليونان، ورباتهم، كما ننظر نحن إلى أشخاص درامية ازدحمت بها المثيولوجيا اليونانية، وقدسها الشعب، فرأى أن يستمد منها هذا الخيال الحلو الساذج، ليكون منه مادة ملاحمه، وليضفي من هذا الخلود السماوي، على فناء تلك البشريات الهالكة؛ ولم يثبت أنه آمن بشيء منها. وذلك عكس ما ثبت من إيمان هسيود، واحترامه الشديد لجميع الأرباب اليونانية. نقرأ ذلك في مواضع كثيرة من قصيدته الخالدة (الأرجا ومن درته العجيبة (الثيوجونية بل إن من الإغريق من أنكر هذا التهريج الميثولوجي، وكفر بكل الثيوجونية اليونانية؛ وهذا يوربيبيديز فخر أدباء اليونان وشيخ شعرائها، قد كان من أشد الملحدين سخرية بمعتقدات الناس الدينية قاطبة
والشاعر الدرامي أسخيلوس قد حاول في إحدى روائعه المدهشة (برومثيوس المصفد) أن ينقد هذا الكمال المطلق الذي يضفيه قومه على كبير الآلهة زيوس؛ بل هو يتهمه بالقسوة والوحشية وعدم الميل إلى ما ينفع العالم؛ ويضرب لذلك أمثالا طريفة مما جاء في
стр. 7610
الأساطير القديمة، كأسطورة باندورا ويو. ثم هذا صولون العظيم يلحد بزيوس ويجدف فيه تجديفا يشبه السباب، فيقول في الجزء الأول (ص٣٢): (إن الله حقود حسود، وهو مشغوف أيما شغف بإرباك الناس وترويعهم!)
على أننا محاولون هنا أن نثبت المعتقدات الشائعة بين العامة، وهي الفئة الثانية، في هيلاس (اليونان) قبل القرن السادس (ق. م). تلك المعتقدات التي مهما قيل فيها، لم تخرج عن كونها ألوانا من الديانات البدائية الساذجة، التي تشبه كثيرا مما دانت به الأمم الجاهلية
ولقد دلت الأستقراءات التاريخية على أن قدماء اليونان كانوا قوما خابتين، يخشون الآلهة، ويرقبونها في كل أعمالهم، وكانت الظواهر الطبيعية توحي إليهم بأحلام لاهوتية لا يستطيعون الإفلات من ربقتها، فكانوا يقيمون الهياكل الضخمة باسم القوى التي يزخر بها الكون من رياح وشمس وقمر ونجوم وبحار. . . وكانوا يقيمون التماثيل الرائعة لآلهتهم في تلك الهياكل، ويوكلون بها كهنة يؤدون الشعائر الخاصة بكل منها، ويتقبلون القرابين والضحايا لتي يتقدم بها الشعب المتدين البريء في كثير من المناسبات
ومن الأغاني والتراتيل الدينية التي تركها لنا الشاعر الغنائي أرفيوس، نعلم أن عبادة ديونيزوس كانت ذات شان كبير بين الغالبة العظمى من قبائل الإغريق. وديونيزوس هو إله النماء والخضرة، وموسمه حين تنظر الحقول، وتكتسي سندس القمح، وتزدهر البساتين فتتفتح عن أفواف الورد، كان موسم الرخاء والمرح، وعيد الخير عند سائر اليونانيين؛ لذلك تواضع المؤرخون على تسمية هذا اللون من ألوان العبادات (بعبادة القمح)، ولما كان الثابت أن أحدا من الهيلانيين لم يعبد القمح بالذات فنرى أن هذه التسمية مجازية، وأن من الخير للتاريخ أن نعرفها باسمها الحقيقي، الذي هو (عبادة ديونيزوس). وقد نشأت هذه العبادة، أول ما نشأت، في (إليزيس) إحدى قرى (أتيكا)، حيث كانوا يعتقدون أن أم القمح (أي حبة القمح!) وابنها (أي ساق القمح!) يتفضلان على الناس كل شتاء، فيخرجان من بطن الأرض ليعم الرخاء وينتشر الخير. . .
وقد انتقلت عبادة باخوس، إله الخمر، من تراقيا إلى الجنوب، ثم ما برحت تنتشر وتستفيض، حتى تمازجت على مر الأيام بعبادة ديونيزوس. وصارت هذه (التثنية) ذات اعتبار كبير ولا سيما بين العامة. وصار هذا الإله المركب: (ديونيزوس - باخوس!) هو
стр. 7611
رب القمح. . . والخمر. وإله الحقل. . . والكرم!
ومن دراسة الأدب الإغريقي في الإسكندرية ورومة، نعلم أن ديونيزوس - باخوس كان ذا شهرة مستفيضة في المهاجر اليونانية
أرفيوس ومذهبه: (الأرفزم)
ويسوقنا البحث في ديانة الإغريق إلى الكلام عن أرفيوس الشاعر الديني، الذي تعتبر تراتيله في الشعر اليوناني كمزامير داود في العهد القديم، ولأرفيوس ضريب قديم يدعى موسيوس قد يكون أشعر منه، وأعلى في دولة الآداب كعبا، ولكن - للأسف - لم يصلنا من آثاره ما نستطيع به الكشف عن شخصيته، ولذا نشير إليه، دون أن نعرض له بشيء. وحسبنا أن نذكر أن مؤرخي الأدب اليوناني يختلفون أشد الاختلاف حول أشعار أرفيوس، وأكثرهم يرجح أن طائفة كبيرة من هذه الأشعار هي لموسيوس، ونرجو أن يوفق الكاشفون من رجال الآثار إلى شيء يلقي النور على هذه الناحية المعتمة من تاريخ الأدب اليوناني
ولقد كادت ملاحم هوميروس وهسيود تكسف هذه التراتيل الدينية وتغمرها، بل كادت تفقدها هذه القدسية التي يكنها العابد المتزمت لكل ماله علاقة بأربابه. وزاد الطين بلة، تلك الفلسفة الخبيثة التي حملها الايونيون معهم حين غزوا بلاد الإغريق. فهي قد جرأت الكثيرين على التشكيك في صحة معتقداتهم، وغلا البعض فركن إلى العقل والعلم في النظر إلى الحياة والكون، وما يزدحمان به من ظاهرات
بيد أنه حدث خلال القرن السادس قبل الميلاد، من الأحداث اليونانية داخل البلاد وخارجها، ما شجع الشعور الديني، وقوى الأواصر بين الشعب وآلهته، بعد إذ كادت تنحل وتتفكك على أيدي هؤلاء الملاحدة من شيعة الفلسفة الأيونييه. ذلك أن الحروب المستمرة التي مزقت أوصال البلاد، وسقوط مدينة الترف وبلهنية العيش (سيباريس) أغنى المدن الإغريقية على خليج تارنتوم الإيطالي، وإفلات مدينة نينوى من أيدي اليونانيين. . . كل ذلك حفز الشعور الديني، وابتعث المعتقدات القديمة في صدور الدهماء العامة، فذكروا آلهتهم، وخيل لهم أن ما حل بهم من ضنك، إنما سببه إعراضهم عنها، وانشغالهم بما هو أدنى!؟
ومن ثمة، عمرت الهياكل، وارتفعت فيها الأصوات بتراتيل أرفيوس، ولهج الشعب
стр. 7612
المهيض بهذه المزامير يلتمس فيها عزاء وتسلية. وسرعان ما أنتشر مذهب جديد أطلق عليه مذهب (الأرفزم) - نسبة إلى أرفيوس - وهو لون طريف من عبادة ديونيزوس يؤمن أتباعه بالثواب والعقاب في الدار الآخرة، وأس إيمانهم هو الاعتقاد بتجسد التثنية المركبة من الإلهين (ديونيزوس - زجريوس). وزجريوس هذا هو ابن زيوس من البتول (!) كوريه؛ وقد حدث أن التيتان قد حنقوا على زجريوس فقتلوه، فغيض أبوه (زيوس) وسلط عليهم الصواعق حتى أبادهم؛ وعاد فاستولده من إحدى بنات حواء (سيميليه) فعاش كما يعيش الناس؛ وإن يكن قد بلغ مرتبة الإلهة وهو بينهم، ثم رفعه أبوه إلى السماء، حيث صار فيها السيد الصمد، والإله الأوحد
ولقد ظل (ديونيزوس - زجريوس) صاحب الشأن الأعظم في الديانة اليونانية، وتنوسي رب الخمر باخوس، أو على الأقل، تضاءلت أهميته، لما كان يشاع عن عباده في تراقيا من الفضائح المخزية، والموبقات التي كانت تنخر كالسوس في أخلاق الشعب، وتصدع آدابه. ذلك أن كل فرد من عباد باخوس كان لزاما عليه كطقس من الطقوس هذه العبادة الخمرية، أن يستبيح عرض واحدة من عابداته، آلائي كن يطلق عليهن لقب (ميناد) فإذا كان الليل، وبدأت الحفلات الدينية، انطلقت الشهوات المكبوتة، وتدفق دم الدعارة حارا في عروق هؤلاء وهؤلاء، وراحوا يمارسون أحط ألوان البغاء باسم الشعائر الدينية؛ وكثيرا ما كان يعتدى على أعراض الحرائر، فلا يستطيع الزوج أو الأب أو الأخ دفع المنكر عن عرضه، لأن ذلك صميم شريعة باخوس!!
لهذا، اعتبرت شريعة ديونيزوس - زجريوس، منبع الطهر الروحي، والتهذيب الصوفي الجميل، وحافظت على مكانتها، كديانة عامة لليونان، منذ قبيل القرن السادس (ق. م) إلى ما بعد القرن الرابع. وكان لها قديسوها وعلماؤها، بل وأنبياؤها أيضا، إن صح أن نطلق هذه التسمية في تاريخ الديانة اليونانية؛ ولقد كانت الغالبية - حتى من العلماء والأدباء - تتناول أبحاثها في الأرفزم بكل تأدب واحتشام. وشذ أفلاطون وحده، عندما ثار ضد ما كانت تبيحه هذه الشريعة - أو قل هذا المذهب - من الغفران وقبول التوب، لمجرد طقوس تافهة يقوم بها أحد العصاة الآثمين
وكما يطلق العامة في العالم الإسلامي لقب (واصل) أو (صاحب سر) على من زكت نفسه،
стр. 7613
وطابت سريرته؛ وصفا ما بينه وبين الله، من المسلمين؛ وكما يفعل مثل ذلك أخواتنا النصارى؛ وكما يذهب إلى هذا النحو ربيون من اليهود وأحبار، فكذلك كانت سنة اليونانيين؛ فكل من تعمق في عبادة ديونيزوس، واستبحر في تحصيل شريعته، وكان مع ذلك تام التقى، شامل الورع، ارتفع إلى طبقة باكيس كما يرتفع المخلصون من نساك الهند إلى مرتبة (مهاتما). ويبدو أن هذه تقاليد قديمة تغلغلت في المذاهب الحديثة التي نشأت في هيلاس بعد القرن السادس (ق. م). آية ذلك أن كل من كان يستبحر في عبادة باخوس يصبح باخس وكل من كان يخبت للإله (كيبيب) إله فرجيا، يصير كيبيبس وقد انتقلت هذه السنة إلى أتباع مذهب الأفرزم، فأصبح كل من حوارييه يحمل لقب أرفيوس. . .
وبمثل ما تدر إخلاف الرزق، السهل الميسر، على (واصل) المسلمين، وأحبار اليهود؛ فكذلك كانت القرابين والضحايا والزكوات تقدم بكثرة هائلة، ومن جميع طبقات الشعب، إلى الباكيس والباخس والكيبيبس والأرفيوس من رجال الكهنوت اليوناني. وكانت هذه الأعطيات والمنح، تقدم في مناسبات غربية، لا تختلف عما هو شائع بيننا اليوم. فهذا يريد الاستفسار عن حلم رآه، وذلك يطلب وصف دواء لعلة استعصت على نطس الأطباء، وثالث يطلب نبوءة عما تنتهي إليه شدة حلت به، إلى آخر هذه العلل والأسباب
وإلمامة عجل بأشعار ما قبل التاريخ، في الأدب اليوناني، تشعر بمدى ما كنت متأثرة به من شتى المذاهب الدينية، وصنوف العبادات الساذجة التي تفعم هذا الأدب القديم. وأثارة الأرفزم شديدة الوضوح في هذه الأشعار؛ وأشعار أرفيوس خاصة، تشبه عندنا أشعار عمر بن الفارض، وهي ترتيلات كان يرسلها الناظم إلى أربابه سلاما في سلام، اسمع إليه يتناجى:
(أدعوك يا هيكاتيه يا ربة الطرق
(يا حامية مفترق الشعاب
(يا باعثة الأمن من ديجور الظلام
(أيتها المسيطرة على السموات والأرضين والبحار
(يا مؤنسة الموتى في قبورهم، مياسة في الوشائح المعصفرة
(وأنت يا برسييه، أضرع إليك
стр. 7614
(يا من تؤثرين الهدوء والسكون
(أيتها المليكة التي تقبض على مفاتيح الدنيا
(ألا هلمي، وكوني معنا، إذ نسبح باسمك
(كيما تطهر نفوسنا، وتنتقي قلوبنا
(باركينا يا برسييه، وأفيضي علينا مما فاض به قلبك الكريم من محبة. . . .
ويشك بعض المؤرخين في انتشار مذهب الأرفزم قبل القرن السادس (ق. م). غير أن الأناشيد القديمة تثبت أنه كان لهذا المذهب أشياع كثيرون ومريدون، بل لقد كانت الآداب تتأثر به غير صقع من أصقاع اليونان. وهذا نشيد (الأليميونيس دليل على ذلك؛ فلقد ظهر فيه اهتمام الشاعر الذي أنشده بطقوس التطهير، وشدة حرصه على إيراد ما كان أهل التقى يؤدونه من مراسم دينية، تستلزمه عملية (تنقية القلب) من الأدران الدنيا، بالضراعة إلى زجريوس، رب الأرباب، المشرف من عليائه على الكون! والتطهير ومراسمه لب لباب الأرفزام
وقد أثبتت دراسات الأساتذة الألمان كارل مللر ونوك وكنكل وغيرهم أن شاعر كورنثه فيما قبل التاريخ (يوميلوس) كان يدين بالأفرفزم؛ وأنه تبتل إلى ديونيزوس في نشيده الجميل (يورويبا) تبتلا؛ وقد أثبتت في هذا النشيد ما كان في الأزل من اعتداء التيتان على زجريوس وقتلهم إياه، وتعرض أيضا للرؤى والأحلام، وخاض في ذكر هيدز (الدار الآخرة)
أما أثر الأرفزم في الألف سنة التي تبدأ بالقرن السادس ق. م فواضح أشد الوضوح، وهو على أتمه في بندار وهيرودوتس وصولون، ولا يخلو شيخ الملحدين يوربيبيديز من أثارة منه، وقد تأثر به كل من سوفوكلس، وإسخيلوس، وتأثرت به الإسكندرية كذلك
أما هذه الكثرة المدهشة من إلهة اليونان، فقد سلسلها لنا الشاعر هسيود في منظومته الرائعة (الثيوجونيه)، وهي بكلمة خاصة أولى
دريني خشبة
стр. 7615
٨ - قصة المكروب
كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي
وكيل كلية العلوم
اسبلنزاني
ختام حديثه
هدم اسبلنزاني نظرية نيدم التي تقول بأن الأحياء قد تخرج من لا شيء، قد تخرج من غير آباء وأمهات واحتال على السلطات فمنحته إجازة ونفقة ليسوح في الشرق، فكرمه الشرق وأكرمه، وعاد فتلقاه إمبراطوره، إمبراطور النمسا، فبلغ بذلك ذروة مجده، فأسكرته خمرة الساعة وقال: (ما أحلى تحقق الأحلام)
- ٦ -
ولكن بينما كان اسبلنزاني في سياحته المجيدة، يتنقل بين البلدان تنقل الفاتح، وتستقبله العواصم استقبالها القائد المنتصر، كانت تتجمع في جامعة بافيا حول اسمه سحابة سوداء. نعم في جامعة بافيا نفسها، تلك الجامعة التي صنع لها ما صنع ليعيد إليها الحياة. فأن أساتذتها الإجلاء ظلوا زمانا ينظرون إلى طلبتهم تعزف عن دروسهم إلى دروسه، وتتفرق عنهم لتتجمع حوله، فنال الحقد منهم، فسنوا سكاكينهم، وشحذوا خناجرهم، واصطبروا يرقبون الفرصة حتى أمكنت.
جاء اسبلنزاني إلى متحف بافيا فوجده خاليا، فقام يجمع له التحف وينتقي له من أحضان الطبيعة كل نادر معجب، فاحتمل المتاعب، ولقي المصاعب، وواجه الأخطار، حتى جعل المتحف حديث أوربا كلها. ولكنه كذلك جمع لنفسه بعض الشيء، وحفظ ما جمع في بيته العتيق باسكنديانو. فذات يوم ذهب القسيس فولتا إلى اسكانديانون وكان من أعدائه وحساده، فاحتال حتى دخل منزله وتسلل منه إلى متحفه الخاص، وأخذ يشمشم في أركانه، وإذا بابتسامة للشر سوداء تعلو شفتيه، فانه وجد بهذا الركن وعاء، وبهذا طائرا، وبذلك
стр. 7616
سمكة، وقد حملت جميعها البطاقة الحمراء لجامعة بافيا. وخرج فولتا يتخبأ في طيات عباءته السوداء، وفي طريقه إلى داره أخذ يدبر المكيدة لاسبلنزاني، واجتمع بالأستاذين إسكاربا وأسكوبولي وما كاد اسبلنزاني يعود من سياحته فيخطوا عتبة داره، حتى كان هؤلاء الثلاثة الأشراف قد فتحوا كوة من جهنم فاندلعت ألسنتها في أروبا تعلن فضيحة صاحبنا للأمم، فما تركوا رجلا نابها من رجالاتها، ولا جماعة من جماعاتها إلا بعثوا إليها بكتاب يتهمونه فيه بسرقة متحف بافيا، ويقولون إنه خبأ ما سرقه في متحفه الخاص باسكنيانو
وفي لحظة أحس صاحبنا دنياه العظيمة تتقوض حوله، حتى ليسمع تصدع حيطانها وانهيار بنيانها. وفي دقيقة وجد جنته البهيجة تتصوح، حتى ليرى زهرها الجميل يذبل، وريح ريحانها تحول؛ وأخذ يحلم يقظان، فخال أنه يسمع اليوم ضحكات رجال مجدوه بالأمس، وشماتة خصومه قهرهم شر قهرة بحقائقه وتجاربه، حتى خال أن (القوة النباتية) التي قضى عليها قضاء مبرم تنبعث من قبرها وتخرج من كفنها
ولكن لم تمض عليه أيام حتى تماسك، وأحس أن الأرض لا تزال جامدة تحت قدميه. بالطبع كانت الفضيحة لا تزال قائمة، وألسنة الأعداء لا تزال صاخبة، ورحى الحرب لا تزال دائرة، ولكنه تجمع بعد تشتت، وتبوأر بعد تشعع، فألضق ظهره إلى الحائط، وامتشق سيفه، وصاح في القوم بالنزال. ذهب عنه الصبر الذي صحبه في صيد المكروب، وغابت عنه اللطافة والظرافة اللتان زانتا كتبه إلى فلتير، وأصبح كالنمر الغاضب، وأخذ يدفع النار بالنار! وجاءه دهاء الساسة فطلب تعيين لجنة للتحقيق فأجيب طلبه
وعاد إلى بافيا، ولعله وهو في الطريق إليها كان يتهيب دخولها، ويدبر أمره لينسل فيها انسلالا، حتى لا يرى عيون أحبابه الأقدمين تزور عنه، وحتى لا يسمع شفاههم تهمس فيه بالشر، ولكنه ما كاد يصل إلى أبواب بافيا حتى وقعت أعجوبة نعم أعجوبة، فقد تلقاه فعلا على أبوابها جم غفير من تلاميذه مهللين مكبرين فرحين مرحبين بقدومه، وقالوا أنهم له لناصرون، والتفوا حوله في صراخ وزئاط حتى بلغوا به كرسيه القديم الذي كان يحاضر عليه بالجامعة. وقام هذا الرجل القوي، الذي اعتمد دائما على نفسه، واعتز دائما وأعجب بنفسه، قام في هذا الجمع الكبير يخطب شاكرا ويعترف لهم بالجميل، فإذا بصوته يخذله،
стр. 7617
وإذا به يرفع منديله إلى أنفه، وإذا به يجتزئ بأن يقول لهم في كلمات قليلة وصوت أبح إنه يقدر هذا الإخلاص تقديرا عظيما
وانعقدت لجنة التحقيق، واستدعته هو وخصماؤه إليها. والآن بعد أن عرفت من هو اسبلنزاني تستطيع أن تصور لنفسك العراك الذي تلا هذا اللقاء، بل المذابح والمجازر. وأثبت للقضاة أن الطيور التي زعموا أنها سرقت لم تكن إلا طيورا خسيسة، ساء حشوها واتسخ ريشها، فقذفوا بها في الكناسة قذف النعال البالية. وهي طيور لا تليق بمتحف في مدرسة بقرية فضلا عن جامعة. وأما الثعابين التي زعموا أنها ضاعت من متحف بافيا فلم تضع، وإنما استبدل بها أشياء أخرى من متاحف أخرى، وكانت بافيا الرابحة في هذا الاستبدال. وأما السارق الذي تبحثون عنه فهو فولتا، كبير المتهمين هذا، فانه سرق من المتحف أحجارا كريمة وأهداها أصدقاءه. . . .
وبرأه القضاة من تلك الوصمة، ولو أن تاريخ اليوم لا يستطيع أن يؤكد كل التأكيد أنه لا يستحق ولو قليلا من الملام. وعزلت الجامعة فولتا والمؤتمرين معه شر عزلة. وبعث الإمبراطور أمره إلى المتخاصمين وأشياعهم أن يقلعوا عن خصامهم ويعقدوا ألسنتهم؛ فإن الأمر كان استحال إلى فضيحة عامة شاع خبرها في أوروبا؛ وبلغ جدال الطلاب فيها حد العنف والاستهتار بالنظم فحطموا الأثاث بقاعات الدرس، وجامعات أوروبا أخذت تتسارق الضحك من هذه الجرسة التي لم يسبقها مثيل. وأراد اسبلنزاني أن يطلق آخر طلقة على أعدائه المنهزمين فسب فولتا بأنه مزمار ذو فوهة كبيرة جوفاء لا يملؤها غير الهواء، أما الأستاذان اسكاربا وإسكوبولي فأسماهما أسماء غاية في البذاءة يمنع التجمل من كتابتها. وبعد هذا عاد مطمئنا إلى صيد مكروبه
وعاوده سؤال كان يجيئه مرارا في السنوات الماضية العديدة التي قضاها في التحديق إلى حيواناته الصغيرة، وهو: كيف تتكاثر تلك الحيوانات؟ أنه كثيرا ما رأى الفردين منها متلاصقين، فكتب إلى بونيت يقول: (إنك إذا رأيت فردين من أي نوع متزاوجين، استنتجت بطبعك أنهما يتناسلان). ولكن هل هذا التزاوج الذي أراه بين هذه الحيوانات الضئيلة تناسل؟ لم يحر لسؤال نفسه جوابا، فانه على رعونته في أمور أخرى، كان شديد الأناة في العلم، حذرا في استنتاجاته حذر (لوفن هوك). لهذا اكتفى بأن سجل هذا السؤال
стр. 7618
على الورق من غير جواب، ورسم صورة هذه الأحياء أزواجا كما رآها
وكان لـ (بونيت) صديق يدعى صوصير وكان رجلا ذكيا أضاع اسمه الزمان. فلما علم بالذي كتبه اسبلنزاني إلى صديقه قام يدرس كيف تتناسل تلك الأحياء. ولم يمض غير قليل حتى نشر بحثا مذكورا إلى اليوم، يقول فيه إنك إذا رأيت اثنين من هذه الحيوانات متلاصقين فلا تظنن أنهما التصقا ليتناسلا. إذ الواقع الغريب أنهما حيوان واحد، انشق انشقاقا فصار حيوانين. وهذه هي الطريقة التي تتكاثر بها هذه الأحياء، أما الزواج فهي لا تعرف للذائذه طعما
قرأ اسبلنزاني هذا البحث فطار إلى مجهره، وهو لا يكاد يصدق ما قرأ، ولكنه نظر، وداوم النظر، فأثبت صدق صوصير. وقام الطلياني إلى دواته يهنئ السويسري تهنئة حارة على ما كشف. كان اسبلنزاني يميل للحرب والخصام، وكان يميل للكيد بعض الميل، وكان أمالا شديد الأمل، وكثيرا ما كان يغار من اشتهار غيره من الرجال، ولكن إعجابه بتلك الملاحظة الدقيقة التي أتاها صوصير، واستغراقه في جمال تلك الحقيقة التي وجد، أنساه أمله، وأنساه غيرته، فكتب يهنئه بالذي كتب فانعقدت بين اسبلنزاني وصوصير والعلماء الطبيعيين في جنيفا روابط مبهمة، ولكنها على إنبهامها متينة، هي نتيجة استشعارهم بأن الجماعة تستطيع أن تتعاون فتكشف من الحقائق الكونية ما لا يكشف عنه الأفراد متفرقين، ونتيجة اقتناعهم بأن صرح اعلم لابد لإقامته من بنائين عديدين متفقين على رسمه ورفع حجره وانسجام أوضاعه. وكره هؤلاء العلماء الحرب أول من كره، فهم أول من صدق الدعوة لائتلاف الأمم لتكون أمة واحدة هم أبر رعاياها
وقام اسبلنزاني بعدئذ ببحث من أمجد الأبحاث التي قام بها في حياته، دفعه إليه حبه لأصدقائه السويسريين وإخلاصه لهم، وكذلك كرهه لشقشقة علمية جديدة شر من تلك الأكذوبة القديمة الشهيرة (بالقوة النباتية). وحديث هذه الشقشقة أن إنجليزيا يدعى (أليس) كتب يقول: إن صوصير كان مخطئا، ويقول إن هذه الحيوانات قد تنقسم أحيانا، ولكن ليس معنى هذا أنه سبيلها في التولد والتكاثر، فإن هذا الانقسام إنما يحدث من أن حيوانا من تلك الحيوانات يسبح في الماء بسرعة كبيرة فيختبط متعامدا في بطن حيوان مثله فيشقه نصفين. وزاد (أليس) على هذا أن هذه الحيوانات تولد من أمهاتها كما يولد الناس، وقال
стр. 7619
إنه كلما حقق النظر في تلك المخلوقات، في بطون تلك الأمهات، رأى فيها بناتها لم تصب بعد ميلادا، وكلما حقق النظر في بطون البنات رأى فيها أحفادا
فصاح اسبلنزاني لنفسه يقول: (أضغاث حالم، وتخريف معتوه) ولكن كيف يثبت أنها أحلام؟ كيف يثبت أنها تخريف؟ كيف يثبت أن هذه الأحياء تتكاثر بالتناصف؟ لقد كان عالما متشبعا بروح العلم، يعرف الفرق بين السب والشتم واتهام خصيمه (أليس) بعمى البصر وخرف العقل، وبين أن ينقض بالحجة الدامغة ما يقوله من أختباط تلك الأحياء فانقسامها أشطارا
وفكر قليلا فواتته الحجة. قال لنفسه: (كل الذي علي لأثبت خطأ هذا الجاهل الفدم هو أن آتي في ماء بحي واحد من تلك الأحياء لا ثاني له فيختبط بهن ثم أجلس أرقبه في المجهر حتى ينقسم نصفين، وبذلك أقطع لسان الثرثار الغبي). وفي الحق هذه طريقة بسيطة للبت في أحد الرأيين، بل هي الطريقة الوحيدة لأبطال إحدى النظريتين، ولكن الصعوبة الكبرى في استخراج حي واحد من هذه الكثرة من الحيوانات. أنك تستطيع أن تفصل الجرو الواحد من مجموعة الجراء، وتستطيع أن تعزل السمكة الصغيرة من بين أخواتها الكثيرات، ولكن قل بربك كيف تستطيع بيدك أن تمسك بذيل حي من تلك الأحياء المجهرية، وهي أصغر مليون مرة من تلك السمكة الصغيرة
فاعتزل اسبلنزاني دنياه الزائطة بحفلاتها ومحاضراتها وجماهيرها المعجبة به، وأخذ يبحث عن طريقة يفصل بها واحدا من تلك المخلوقات، مخلوقا لا يعدو طوله بضع أجزاء من ألف من المليمتر، ويفصله وحده لا ثاني له
ذهب إلى معمله وأسقط قطرة من ماء تعتلج تلك المخلوقات فيه على قطعة منبسطة من الزجاج الرائق النظيف، وأسقط إلى جانبها بأنبوبة شعرية نظيفة قطرة أخرى من الماء النقي الخالي من تلك الخلائق. ونظر إلى القطرتين من خلال عدسته، وجاء بإبرة رفيعة فغمسها بالقطرة الأولى، ثم خرج بها في خط مستقيم حتى وصلها بالقطرة الثانية النقية، وبغاية السرعة صوب نظره إلى قناة الماء الرفيعة التي وصل بها بين القطرتين، وابتسم اغتباطا لما رأى حيا من هذه الأحياء يدخل القناة في تخطر والتواء. فما كاد يصل القطرة النقية من الماء حتى اختطف اسيلنزاني ريشة نظيفة فقطع بها البرزخ الذي يصل
стр. 7620
القطرتين. وصاح فرحان جذلا. (إنه حي واحد، واحد فحسب، في هذه القطرة! يا للنجاح، ما أحلاه! نعم مخلوق واحد لا ثاني له يتخبط به على حد قول المأفون المغفل (أليس) فيقسمه نصفين! وإذن فلأرقبه لأرى كيف ينقسم!). وصوب عدسته إلى هذا المخلوق الوحيد الصغير في هذه القطرة العظيمة، (إنه كالسمكة الفريدة تسكن وحدها الأقيانوس الواسع)
وعندئذ رأى عجبا أي عجب. فإن هذا المخلوق، وشكله كالقضيب، أخذ يدق وسطه ثم يدق، ويرهف خصره ثم يرهف، حتى لم يصل مقدمه بمؤخره غير خيط كنسيج العنكبوت، وإذا بالنصفين يضطربان ويختلجان ويتلويان حتى انفصلا، فكانا مخلوقين حيين جديدين انزلقا برشاقة في الماء انزلاق المخلوق الأول الذي عنه نشآ. نعم كانا أقصر منه، ولكن عدا هذا فلم يكن بينهما وبينه ما يميزه عنهما. واستتمت الغبطة واكتمل العجب بعد دقائق، فإن هذين المخلوقين انقسما من جديد على النحو الفائت فكانا أربعة
وأعاد اسبلنزاني هذه الألعوبة البديعة عشرات المرات، وفي كل مرة يجد الذي وجده أولا. وعندئذ سقط على (أليس) المسكين بكل ثقله سقوط طن من الحجر، ففرطحه، وسواه بالأرض حتى خفى، وخفى اسمه من الوجود، وخفيت خزعبلته الجميلة، وخفى ما كان حكاه من وجود أحفاد في بطون بنات في بطون أمهات من تلك المخلوقات. وكان اسبلنزاني لذاع اللسان، فقال له: (أنا يا بني ناصح لك أن تعود إلى المدرسة من جديد فتتعلم ألف باء المكروب) وأشار بعد ذلك إلى (أليس) فقال إنه أخطأ لأنه لم يقرأ بحث صوصير القيم الرائع باعتناء، إذ لو فعل لما قام يخترع نظريات فاسدة لا يكون من ورائها إلا القيام العلماء بتكذيبها، فينفقون الجهد الكثير في استخراج حقائق من طبيعة معروفة ببخلها وكزازة كفها
إن الباحث العلمي، الباحث الحق في الطبيعة، يشبه الكاتب والرسام والموسيقي، بعضه فنان وبعضه نقاب جامد الشعور بارد النفس. لذلك نجد اسبلنزاني يتخيل الخيالات، ويتصور أنه بطل مغوار لعهد من الكشف جديد، ويكتب فيشبه نفسه بـ (كريستوف كولمب)، وينظر إلى عالم المكروب فيخاله عالما جديدا قائما بذاته كبعض العوالم، ويخال نفسه كشافة جريئا مغامرا قام ببعوث لم تكشف من تلك المجاهل إلا حوافيها. ومع كل هذا
стр. 7621
لا نجده يذكر مرة أن هذه المكروبات قتالة. لم يرد أن يعمل في هذا خياله، ولو أن عبقريته كانت دائما توسوس له أن هذه الحيوانات العجيبة في هذه الدنيا الجديدة الغريبة لابد من علاقة بينها وبين أخواتها الحيوانات الكبيرة من بني الإنسان
وفي أوائل عام ١٧٩٩، بينما نابليون يقوم لتحطيم الدنيا العتيقة البالية، وبينما بيتهوفن يقرع باب القرن التاسع عشر بأولى سمفونياته الهائلة - روحان كبيران ثائران يصدران عن روح العصر الثائر الذي أولده اسبلنزاني وأقرانه، وينطقان عن هذا الزمان بلسانه، ذاك بمدافعه المتجاوبة، وهذا بموسيقاه الصاخبة - أقول في أوائل عام ١٧٩٩ أصاب الصرع صاحبنا الكبير صياد المكروب
- ٧ -
وفي أوائل عام ١٧٩٩، بينا نابليون يقوم لتحطيم الدنيا العتيقة البالية، وبينا بيتهوفن يقرع باب القرن التاسع عشر بأولى سنفوناته الهائلة - روحان كبيران ثائران يصدران عن روح العصر الثائر الذي أولده اسبلنزاني وأقرانه، وينطقان عن هذا الزمان بلسانه، ذاك من مدافع المتجاوبة، وهذا بموسيقاه الصاخبة - أقول في أوائل عام ١٧٩٩ أصاب الصرع صحبنا الكبير صياد المكروب
ولم تمض على أصابته ثلاثة أيام حتى كنت ترى هذا الرجل العجيب الهازئ بالموت يخرج رأسه الذي لا يهدأ من بين أغطية سريره ينشد قصائد (هومير) ويغني بشعر (تاسو) ليضحك أصدقاءه الذين جاءوا ليشهدوا احتضاره. وما كان هذا منه رغم إنكاره إلا صياح الديك الذبيح. وما كانت تلك الأناشيد إلا للموت، وتلك الأغاني إلا للفناء، فأنه مات بعدها بأيام قلائل
مات العظماء من ملوك مصر فحفظوا أسماءهم لذراريهم بما خلفوا من مومياء فخمة حفظها رجال الجنائز بكل نادر غال من الحنوط. وذهب الإغريق والرومان ولكنهم خلدوا سحنهم، وسجلوا أشباههم في الحجر، في تماثيل يحفها المجد، ويلفها الوقار. وقضى كثير من عظماء القرون نحبهم، وبليت أجسامهم، ولكن بقي منها صور مرقومة بالزيت على القماش تكاد تجري فيها الحياة. ومات اسبلنزاني فماذا خلف للناس؟
إن أردت أن تعرف ماذا خلف فاذهب إلى (بافيا)، فستجد له بها تمثالا نصفيا متواضعا.
стр. 7622
وإن أنت أردت أن ترى المزيد منه فسر قليلا حتى تجيء المتحف، فادخله، وإذن سترى فيه - مثانته. . .
أي إرث يتركه اسبلنزاني للدهور خير من هذا؟ أي أثر أحق من هذا بالتعبير في إيجاز عن حبه المدله للحقيقة، هذا الحب الذي لم يقف به عند شيء، هذا الحب الذي اقتحم التقاليد وضحك للصعاب وهزئ بالأذواق الموضوعة، وبمراسيم اللياقة المصنوعة
علم أن مثانته مريضة، فكنت تسمعه يقول في خفوت لأصحابه وهو يحتضر: (إذن أخرجوها من جسمي عند موتي، فلعلكم تكشفون فيها عن حقيقة جديدة غريبة في أمراض المثانات). هذا روح اسبلنزاني وهذا هو روح قرنه، القرن الثامن عشر. روح استخفاف واستهتار. روح تشوق وتشوف لكل مجهول. روح المنطق البارد القاسي في برودته، قرن لم يفض على الخلائق بكثير من الكشوفات العملية النافعة، ولكنه القرن الذي مهد لفرداي وبستور وأرانيوس وأميل فيشر وأرنست رذرفورد لينجبوا ويمجدوا ويعملوا في جو حر طليق
أحمد زكي
стр. 7623
١٩ - محاورات أفلاطون
الحوار الثالث
فيدون أو خلود الروح
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
فأجال فينا سقراط النظر، كما هي عادته، وقال باسما: إن دليل العقل ناهض في جانب سمياس، وإن في مهاجمته إياي لقوة، فلماذا لا يتصدى منكم لأجابته من هو أقدر مني؟ ولكن قد يحسن بنا قبل أن نجيبه، أن نصغي كذلك لما يريد سيبيس أن يناهض به الدليل - وسيكون لنا من ذلك للروية متسع، فإذا ما فرغ كلاهما من الحديث، وبدا قولهما مستقيما مع الحقيقة سلمنا لهما، وإلا، فلنا أن نؤيد الجانب الآخر، وأن نناقشهما. قال: تفضل إذن فحدثني يا سيبيس، أي مشكلة صادفتك فأتعبتك؟
قال سيبيس: سأحدثك - إني لأشعر بأن التدليل لم يتزحزح عن موضعه، فأنا مستعد أن أسلم بأن قد قام الدليل القاطع الوافي جدا، إن جاز لي هذا القول، على وجود الروح قبل حلولها في الصورة الجسدية. ولكني أرى أن بقاء الروح بعد الموت لا يزال يعوزه الدليل، ولست أعترض في ذلك بما أعترض به سمياس، لأنني لا أريد أن أنكر أن الروح أقوى من الجسد وأطول بقاء، فعقيدتي أن الروح تسمو على الجسد في كل هذه النواحي سموا بعيدا. وقد يخاطبني الدليل فيقول: حسنا أذن، فلماذا تقيم على ارتيابك؟ إذا رأيت أن الأضعف يظل باقيا بعد موت الإنسان، أفلا تسلم بأنه يتحتم أيضا أن يبقى ما هو أطول بقاء خلال هذه الفترة نفسها؟ ويجمل بي الآن أن أستخدم المجاز، كما فعل سمياس، وسأطلب إليك أن تنظر في استعارتي لترى هل جاءت ملائمة لموضوعها. أما المثل الذي سأسوقه فهو مثل نساج قديم، يموت فيزعم بعض الناس بعد موته أنه لم يمت وأنه لا بد أن يكون حيا، ويستشهد على ذلك بالعطاف الذي نسجه بنفسه وارتداه، والذي لا يزال جيدا متينا، ثم يمضي فيسأل المرتاب من القوم. هل الإنسان أطول بقاء أم العطاف الذي يستخدم ويرتدي؟ فإذا ما أجيب بأن الإنسان أطول جدا في البقاء، ظن أنه قد أثبت بذلك يقينا بقاء الإنسان الذي هو أطول بقاء ما دام الأقصر بقاء لا يزال باقيا. ولكني أرجو أن تلاحظ يا
стр. 7624
سمياس أن ليست تلك هي الحقيقة، وليس بخاف على الناس أن من يتحدث بهذا إنما ينطق هراء، فحقيقة الأمر أن هذا النساج قد ارتدى ونسج كثيرا من هذه الأعطف، ولئن كان قد أفنى كثيرا منها وعمر بعدها، إلا أن آخرها قد ظل بعد فنائه باقيا، وكن لا ريب في أن هذا أبعد جدا من أن يقوم دليلا على أن الإنسان أقل من العطاف شأنا وأشد ضعفا، غير أنك تستطيع أن تعبر عن علاقة الجسد بالروح باستعارة كهذه، فلك أن تقول بحق إن الروح باقية، وإن الجسد بالقياس إليها ضعيف قصير الأجل، فقد يقال عن كل روح أنها تبلي أجسادا كثيرة، وبخاصة إذا امتد بها أجل الحياة، لأنه إذا كان الجسد يتحلل ويفنى في حياة الإنسان فالروح لا تني تنسج لنفسها لباسا جديدا، وتصلح ما قد أصابه البلى، فطبيعي إذن أن تكون الروح مرتدية آخر أثوابها حينما يدركها الفناء، وذاك الثوب وحده هو الذي سيبقى بعد فنائها، ولكن الجسد بدوره، إذا ماتت الروح، سيكشف آخر الأمر عن ضعف طبيعته، فلا يلبث أن يدركه الفناء، ولهذا لن أركن إلى هذا الدليل برهانا على بقاء الروح بعد الموت، لأنه إذا سلمنا فرضا حتى بأبعد مما تؤكد أنت أنه في حدود الممكن، فارتضينا - فضلا عن اعترافنا بوجود الروح قبل الميلاد - أن أرواح طائفة من الناس لا تزال موجودة بعد الموت، وأنها ستظل موجودة، وأنها ستولد وتموت كرة بعد أخرى، وأن في الروح قوه طبيعية ستقاوم بها حتى تولد مرات عدة - فقد نميل مع هذا كله إلى الظن بأنها ستعاني من آلام الولادات المتعاقبة رهقا قد ينتهي بها آخر الأمر إلى السقوط في إحدى مرات موتها، فتفنى فناء تاما، وربما خفيت عنا جميعا هذه المرة التي يموت بها الجسد ويتحلل، والتي قد تؤدي بالروح إلى الفناء، فليس يمكن لأحد منا أن تكون لديه عن ذلك خبرة فإن صح هذا، زعمت أن من يثق في الموت فإنما يثق وثوقا غاشما، ما لم يكن قادرا على التدليل بأن الروح لا تخضع للموت أو الفناء إطلاقا؛ أما إن كان عاجزا عن إثبات ذلك، فمعقول ممن يقترب من الموت أن يخشى فناء الروح فناء تاما عند انحلال الجسد
- فلما سمعنا منهم هذا القول، أحسسنا جميعا بالكآبة، كما لاحظ بعضنا إلى بعض فيما بعد، وأحسب أنه قد داخلنا الاضطراب والشك، لا فيما سلف من دليل فحسب، بل في كل ما قد يجئ به الدهر من دليل، لأننا، وقد كنا من قبل نؤمن إيمانا راسخا، قد رأينا ذاك الإيمان تتزعزع دعائمه؛ فأما أننا لم نكن قضاة صالحين، وإما أن العقيدة لم تقم على أساس صحيح
стр. 7625
اشكراتس - إني لأشاطرك إحساسك في هذا - حقا إني لأشاطرك إياه يا فيدون، وقد هممت، وأنت تتحدث، أن أستجيب نفس السؤال. أي دليل يمكن أن أومن به بعد اليوم، فماذا عسى أن يكون أقوى في الإقناع من تدليل سقراط، وهاهو ذا قد هبط إلى الجحود؟ فيا طالما فتنتني فتنة عجيبة هذا المذهب القائل بأن الروح هي الأنسجام، ولم يكد يرد ذكره حتى عاودني بغتة، لأنه عقيدتي الأولى. وجدير بي الآن أن أعود فألتمس دليلا آخر، يؤكد لي بأن الروح لا تموت مع الإنسان عند موته. فأرجو أن تنبئني كيف مضى سقراط في الحديث؟ هل بدا كأنما يشاطركم إحساسكم الكئيب الذي ذكرت؟ أم أنه استقبل الاعتراض هادئا، فأجاب عنه جوابا وافيا؟ أنبئنا بما وقع دقيقا ما استطعت
فيدون - أي اشكراتس، إني ما فتئت معجبا بسقراط، ولكني لم أعجب به قط أكثر مما فعلت وقتئذ، أما أنه استطاع الجواب فيسير، ولكن ما أدهشني أولا هو ما تناول به كلمات الشبان من وداعة وغبطة واستحسان، ثم سرعة إحساسه بما أحدثه الحوار من جرح وما واتته به لباقته من فنون العلاج. مثله في ذلك مثل القائد الذي يستجمع جيشه وقد انهزم واندحر، ويحفز جنده أن يتابعوه فيعودوا إلى ميدان الحوار
اشكراتس - وكيف كان ذلك؟
فيدون: ستعلم مني، فقد كنت قريبا منه، جالسا إلى يمينه على مقعد وطئ، أما هو فقد استوى على سرير يرتفع كثيرا عن مقعدي، وقد أخذ يداعب شعري، ثم مسح رأسي بيديه، وصفف شعري على عنقي وقال: أي فيدون! غدا ستجذ هذه الجدائل الجميلة فيما أظن
أجبت - نعم يا سقراط، إني أظن ذلك
- إنها لن تجذ لو أخذت بنصحي
قلت - وماذا عساي أن أفعل بها؟
أجاب - إني وإياك سنقطع اليوم جدائل شعرنا، فلا نرجئها إلى غد، لو كان هذا الحوار ليموت، واستحال علينا أن نرده إلى الحياة مرة أخرى. وإني لو كنتك، ولم أستطع أن أثبت ضد سمياس وسيبيس، لأقسمت ألا أرسل شعري قط، كما يفعل الأرجيفيون، حتى أثير المعركة من جديد وأدحرها
(يتبع)
стр. 7626
زكي نجيب محمود
стр. 7627
الأمير خسرو
الشاعر الهندي الكبير
للسيد أبي نصر أحمد الحسيني الهندي
تتمة
إن الشعر الراقي يشمل طموحا غامضا مائلا إلى اللانهائي؛ ومع هذا يتخذ لذلك من هذا العالم المادي وسيلة، فهو يعطي صوتا لصمت الغرائب التي تبرزها أسرار هذا العالم. وبناء عليه يكون بيت واحد من ذلك الشعر يحتوي على قيادة روحانية وفكرة سامية مؤثرة في النفس إلى قرار سحيق، وهو ما لا تجده في صفحات من النثر، وذلك لأن من لوازم النبوغ الشعري الراقي بصيرة نافذة من ظواهر الأشياء إلى صميمها. فبها يجمع الشاعر الفيلسوف المفلق الكامل حقيقة الأشياء الأصلية في مجموع كامل جديد مؤثر غاية الأثر، وبها يدرك ويرى من مطالع الحق والجمال في هذا العالم ما لا يراه العامي. فإذا عبر عما يدركه ويراه برموز واصطلاحات مادية فهو لا ينويها بالذات، بل ينوي بها تلك الحقيقة العليا الخالدة التي طالما طمحت إليها روحه ونفسه كلما أدرك مظاهر تلك الحقيقة المتنوعة ومناظرها المختلفة في هذا العالم. وهذا الصنف من الشعر هو شعر فلسفي روحاني. ولقريحة خسرو في هذه الناحية إنتاج واسع لأنه كان صوفيا كبيرا. نذكر الأبيات الآتية منه قال:
جان زتن بردى ردرجاني هنوز … دردرها دادى ودرماني هنوز
آشكارا سينه أم بشكا فتى … همجنان در سينه ينهاني هنوز
ملك دل كردى خراب ازتيغ ناز … واندرين ويرانه سلطاني هنوز
هردو عالم خود كفته … نرخ بالاكن كه ارز انى هنوز
(أخذت روحي من جسمي ولا زلت أنت في روحي، وأعطيتني الآلام ولا زلت أنت الشفاء)
(شققت صدري على الإعلان، ولا زلت أنت مخفيا فيه كما كنت)
(خربت إقليم القلب بسيف الدلال، ولا زلت أنت السلطان في هذا الخراب)
стр. 7628
(قلت ثمن نفسك العالمان. ارفع الثمن فأنك لا تزال رخيصا)
لم يكن خسرو نابغة في الشعر فقط، بل كان أيضا موسيقيا بارعا، فقد برع في الموسيقى إلى أن نال لقب (نايك) وهو لقب قل أن ناله أحد غيره فيما بعد من المسلمين. فقد نقل عنه المؤرخ دولت شاه في كتابه (تذكرة الشعراء) بيتين قال فيهما:
(أنا سيد الموسيقى كما أنا سيد الشعر. أنا كتبت ثلاثة مجلدات في الشعر
لو كان ممكنا تحويل جميع ما ألفته من الألحان الموسيقية إلى الكتابة لبلغ إلى ثلاثة مجلدات أيضا)
وحقا قال أمير خسرو ولأنه كان صاحب ذكاء حاد فوق المعتاد، يملك ملكة اختراعية في الشعر وفي الموسيقى فبلغ فيهما ما لم يبلغه أحد. واختراعاته وتأليفه في الألحان والنغمات لا تزال رائجة وشائعة بين الهنود إلى اليوم، وهو الذي اخترع (سيتار) الآلة الموسيقية التي تشبه تقريبا القيثارة العربية والتي لا تزال تهز الأفئدة بنغماتها الشجية في محافل الهند وأفراحها إلى اليوم طالبة الشهادة على كمال عبقرية مخترعها
قد ذكر صاحب (مانك سهال) (وهو كتاب في تاريخ الموسيقى صنفه في عهد الإمبراطور محي الدين أورنك زيب عالمكير وقد ترجم إلى الفارسية باسم (راكي دربن)) كثيرا من النغم والألحان التي اختراعها أمير خسرو، وذكر حكاية تدل على براعة خسرو في الموسيقى وهي أن السلطان علاء الدين خلجي دعا مرة (نايك جوبال) الموسيقي الوثني الشهير حينئذ للأطلاع على كماله في الفن، وكان له ألف وستمائة تلميذ إذا أراد الخروج من بيته حملوه على أكتافهم فلبى دعوة السلطان وأسمعه الألحان والنغمات ستة أيام متوالية، وكان خسرو يسمعها مختفيا. وفي اليوم السابع تصدى له خسرو وأدعى أن جميع الألحان والنغم التي سمعها السلطان هو مخترعها وأعادها واحدة واحدة بإتقان وإجادة أكثر من جوبال فتحير الرجل في كمال خسرو وبراعته في الفن
كانت براعة خسرو في الموسيقى أحرزت له شهرة واسعة لدى عامة الناس أيضا وعلى الأخص السيدات والأولاد منهم، إذا كانوا يحفظون نغماته وألحانه وأناشيده، ويغنونها في أفراحهم ومحافلهم ولم يكن يكتب نشيدا إلا كان يخترع له لحنا خاصا. وقد اخترع أصنافا كثيرة من الألحان والأناشيد التي لم يكن لها وجود قبله، وعلى الأخص باللغة الأردية أذكر
стр. 7629
منها (أنميل) (مكرني) و (دوخسنة) و (دهكوسلا) الخ وكلها شائعة بين العامة إلى اليوم
كان خسرو يرتجل الشعر والأناشيد بداهة. ومن حكايات ارتجاله أنه عطش مرة فذهب إلى بئر كان أربع سيدات يخرجن منه الماء فاستسقاهن. فعرفته واحدة منهن وقالت للأخريات: إن هذا خسرو: فسألته: هل أنت خسرو الذي يغني كل واحد أناشيده وألحانه ويسمع ألغازه وأنميله ومكرنيه؟ فأجاب نعم، فقال واحدة منهن: اعمل لنا نشيدا واستعمل فيه كلمة (كهير) (أي المهلبية) وقالت الثانية: استعمل فيه كلمة (شرخا) (أي المغزل) أيضا، وقالت الثالثة: كلمة (دهول) (أي الطبلة)، وقالت الرابعة: كلمة (كتا) (أي الكلب) أيضا فقال لهن: أعطينني الماء أولا فأني أموت عطشا، فقلن له: لا نعطيك الماء حتى تقول النشيد المشتمل على كلماتنا: فارتجله خسرو؛ وهذه ترجمته ولكن لم يبق فيها جماله الأصلي:
إن المهلبية طبخت بالاعتناء
واستعمل فيها خشب المغزل وقودا
ثم جاء الكلب وأكلها
وشغلكم ضرب الطبلة
وأنا عطشان، أعطينني الماء
كان الأمير خسرو صوفيا كبيرا ورعا صالحا تقيا. قال المؤرخ (ضياء الدين برني) وهو من أصدقائه في كتابه تاريخ فيروز شاهي: (إنه مع حصافته العقلية، وذكائه الشاذ، وعلمه الواسع كان صوفيا من الطبقة الأولى، فكان يصوم تقريبا كل يوم ويصرف أكثر أوقاته في تلاوة القرآن وفي إقامة النوافل والفرائض من الصلاة، وكان خليفة في الطريقة لسيدنا الشيخ الولي الصوفي مولانا (نظام الدين أولياء) قدس الله سره، وإني لم أر خليفة يعتقد اعتقادا قويا في شيخه مثله)
إن من أهم مبادئ الصوفية التحرز التام من جرح عواطف الناس، وقتل أمانيهم وبذل أقصى المجهود في قضاء حاجاتهم. وكان الشيخ نظام الدين قدس الله سره يقول: إنه لا عمل يساوي يوم القيامة إدخال السرور على قلوب الناس، وفي حديث عن النبي ﵊ أنه قال: الخلق كلهم عيال الله، فأحب الخلق إلى الله من أحسن إلى عياله. فكان خسرو من أكبر العاملين بهذا الحديث، لذلك كان محبوبا عند الجميع. وله في ذلك
стр. 7630
حكايات كثيرة منها: أنه عندما كان يرجع من السراي الملكية كل يوم إلى البيت يرجع راجلا، لأنه كان يحب البساطة والسذاجة في العيش، وهو أيضا من لوازم الحياة الصوفية، فيمر بدكان عجوز تسمى شمو فتقدم له كرسيا ونرجيلة، وتطلب منه تشريفها ولو بدقيقة. فلكي لا يجرح عواطفها كان يقعد عندها ولو دقيقة. ومرة قالت له: يا سيدي خسرو! آلامك وبلاؤك على رأسي إنك تقول آلافا من الغزل وتؤلف النغمات والألحان وتصنف الكتب. أما تؤلف شيئا باسمي حتى يذكر اسمي أيضا بفضلك؟ فقال لها حاضر يا سيدتي شمو وارتجل نشيدا فيه اسمها. فخلد اسمها بذلك النشيد إلى اليوم
كان خسرو لين الجانب رقيق العواطف قطع جميع مدارج التصوف ومنازله، فكان صاحب حرقة قلبية دائمة في حب الله. وقد قال فيه شيخه مولانا نظام الدين أولياء قدس سره: (في يوم القيامة كل واحد يفتخر بشيء، وفخري بحرقة هذا (ترك الله)). ولعل خسرو أشار إلى هذا حين قال البيت الآتي:
خسرو من كوش براي صواب … تاتو شود (ترك خداى) خطاب
(يا خسرو اجتهد في الحق ليكون لك لقب (ترك الله)
انتهى البحث
السيد أبو النصر أحمد الحسيني الهندي
стр. 7631
يا شمس
للأستاذ فخري أبو السعود
يا ليتني كالشمس في عليائها … لم يُرضها إلا المحلُّ الأَرفعُ
لم تمس الدنيا ولا أقذاَءها … لكن إليها من عَلِ تتطلع
تحوِي جوانبَها بنافِذِ نظرةٍ … وتُضيء غَيْهبَها بنورٍ يَسطعَ
وتَظَلُّ تَشَهدُ من شؤون أنيِسها … ما مرَّ من أمرٍ وما يُتوَقَّع
وتَقلُّبَ الأحوالِ فيما بينهم … في أعصُرٍ تَمضي وأخرى تَتبَع
يا ليتني كالشمس في تَدْآبها … ليست بمكْثٍ في مكان تَقْنَع
تطوي الفضاَء محلَّةً فمحلَةً … وتغيب عن أفق السماء وتطلع
موصلةً رحلاتُها فلها هنا … مستقبل ولها هناك مُوَدًّع
مأْنوسَةَ الأسفار يَصْحَبُها السَّنى … وطريقها بين العوالمِ مَهيْعُ
عرَضَت جمالَ الكون في غدواتها … ورواحها مُرْتادةً ما يُمْتِع
إن خلفت حسناً بديعاً لم تزل … حتى يلوحَ لها أحَبُّ وأبدَع
كم شاَرَفتْ نهرا يفيض ووادياً … الزَّهر في أفنانهِ يتضوُّع
وطوى عبابُ اليمّ آيةَ ضوْئها … فرأى محيَّاها اليبابُ البلقع
وأجازَتِ البيدَ القِفار فطالعت … غاباً ألَفَّ به البلابِلُ تسجع
يا ليتني كالشمس في إخلادِها … لا الخوف يعروني ولا بيَ مَطمع
لا المادحُ الشادِي يَخِفُّ بمهجتي … طرَباً ولا لهجاء هاج أجزع
أتدَبرَّ الدنيا وأغنم حُسنها … وأجوب أطراف الحياة وأذرع
يا شمس إنَّ الشعر يسمو بي إلى … أوْجٍ لديك هو الأعزُّ الأمنع
يَسْرِي خفيُّ ندائه فيُهيبُ بي … ويَرِنُّ في أذني صداه فأسمع
أسمو على الدنيا به وأودُّ لو … أني إلى أقذائها لا أرْجع
فخري أبو السعود
стр. 7632
من أدب السودان
ما كان أوفقه لو ضمنا أدب
لشاعر السودان الأستاذ عبد الله عبد الرحمن
نبَّهتَ منَّا فؤاداً غير سَهْوَانِ … وجئتَنا بحديث ممتع دانِ
(محمد بن الجلال) قد نطقتَ بماَ … نُحِسُّه من أحاسيس ووجدان
دعوتَ للأدب العالي يحرّك من … بني العروبة من مصر وسودان
وصحت بالقائلين الشعر بينكم … أليس عندكم السودان ذا شانِ؟
ما للمسارح لم تخرج روايته … وللرواية من ألف مَيْدان!
وكيف لم يهزز الكتّابَ ما عصفت … به الحوادث في سرٍّ وإعلان؟
مضى يُثابر لم يفطن له أحدٌ … كأنما القوم من هيِّ بن بيَّانِ
فقلت لله مصر شَدَّ ما عُنيت … بكلّ فعلٍ عظيم النفع إنساني
وتلك قولة حق ما أبرَّ وما … أحقَّها أنْ لها يسعَى الشقيقان
ما كان أَوفقَه لو ضمَّنا أدبٌ … له الكنانة والسودان ركنانِ
ينمّ عنا وعنكم غير مختلق … لا كالذي عبَّ من زوٍر وبهتان
يقلُم الظفر من ساعٍ لتفرقة … ويقصم الظهر من داعٍ لهجران
والناس من بات يشقى من جهالته … حيَّا - سيشقى بها في العالم الثاني
كم للطّبيعة في السودان من فِتنٍ … وكم لأطيارها من سحر ألحان
ما أكثر الملهماتِ الشعر فيه وما … أمدّها للأديب الهادم الباني
الرمل عند ضفاف النيل تحسبه … لُعس الشّفاَه جلاها بيض أسنانِ
وظلمة الليل في العتمور ملهمة … خوالد الشعر ترويها الجديدان
والسّرح والسُدر والجميز كارعة … من صيّب القطر أو من فيض غدران
ما للكهارب سلطان على قمر … ولا على الشمس سلطان لبنيان
كلٌّ تسيل على الآفاق غرّته … فتملأ النفس من حسن وإحسان
وللحوادث تَلعابٌ بساحته … تملى علينا شَروداً ذات ألوان
إذا مررت من أمْ دُرْمان في كررى … ألقى عليك القوافي الخالد الفاني
стр. 7633
من كلّ من صدقت في الله همّته … وراح لم يحتمل ضيماً لإنسان
كم بالجزيرة أو سهل القضارف من … مزارع حُلوة المرآي وأقطان
وحِلّة ذهبت في جودها مثلاً … ومنزل فيه تُتلَى آي قرآن
ألله أكبر! تدوي في مساجدها … فتعمر القلب من دِينٍ وإيمان
والقوم سُمر وجوه يُسرعون إلى … ما ينبت العزّ من إكرام ضيفان
وفي أبا حيث تلفى الأرض كاسيةً … والطير خاطبةً من فوق أغصانِ
تهشّ للزائريها كلَّ آونة … وتملأ القلب من رَوْح وريحانِ
هناك في كردفان أيُّ مُتَّدَعٍ … للطرف في بارة أو أرض خِيران
حيث البداوة في أجلى مظاهرها … والإبل طالعة بين كثبان
ما أجمل الريف مصطافا ومرتبعاً … وغادة الريف في عين وغزلان
الخدّ لم ترْعَ موسى في جوانبه … والجيد من حسنه عن زينة غانِ
فإن يكن شعب بوّان ازدهى نفراً … ففي البطانة كم من شعب بوّان
إذ تقبل الأرض أعقاب الخريف بها … بكل وجهٍ إلى الفنَّانِ فنَّانِ
والصيد نافرة حتى إذا أنِست … أوفت على نجوة ترنو بفتَّان
والضان والمعز والأنعام تابعة … مواقع الغيث قطعاناً لقطعان
وللحداة حداء كله كرم … فيه الإباء وفيه نُصرة العاني
وسامر الحي من غيد وفتيان … بين البيوت وفي أعطاف وديان
في كل ليل تحاجيهم عجائزهم … بابن النمير وسوبا وابن سلطان
وتارة يرهف الفتيان سمعهم … إلى نوادر أجواد وفرسان
(وابن المحلق) لم تبرح حكايته … في الناس يسردها أشياخ حمران
يا قبر تاجوج حياك الحيا ومشى … بصفحتيك شَذَى ورد وريحان
إني أميل إلى الأشعار يبعثها … حسُّ قويّ وأقلى الفاتر الواني
وفي البلاد وفي ماضي أبوتنا … فخر - وإن لم تكن تُعنى بإعلان
وكم بتاريخها من قصة عجب … جدّ الحكيم ولهو الودع الهاني
فإن يكن بات فيها الحرّ يصهرنا … فللحرارة يُعزى فضل شجعان
стр. 7634
إذا (الرسالة) أدَّت من رسالتها … ولم تُجرّر علينا ذيل نسيان
رعى لها أدب السودان خدمتها … ونالت الشكر من قاص ومن دان
(الخرطوم)
عبد الله عبد الرحمن
стр. 7635
القصص
من أساطير الإغريق
بين أبوللو وكيوبيد
للأستاذ دريني خشبة
عصى الناس، في قديم الزمان، سيد أرباب الأولمب، السند الأعظم، المهيمن على ملكوت السموات والأرض: زيوس. ومع ما اشتهر به من واسع الحلم، وطول الأناة، وجم المغفرة، فانه لم يشأ أن يمد للعالم في حبل الغواية، لدرجة إنكارهم لذاته، وإلحادهم فيه، وكفرهم به؛ فأقسم ليهلكن حرثهم ونسلهم، وليقطعن دابرهم أجمعين! فأطلق الرياح الجنوبية الهوجاء، وأرسل السحب تتدجى كقطع من الليل البهيم، وأذن للأرض فتشققت ينابيع وعيونا، ثم انهمرت الأمواه من فوقهم، وتفجرت من تحت أرجلهم، وطغى الموج يجرف الدور ويعفي الآثار. وفي أيام قلائل، كان الطوفان يغمر وجه الأرض، ولم يكن ثمة إلا بحر خضم عظيم
وهلك الناس جميعا، وشفى زيوس موجدته عليهم، ثم بدا له أن يعيد مياه الحياة إلى مجاريها، فأطلق الرياح من عقالها، فهبت في شدة وعنف، وأخذت ترشف ماء الطوفان، تعاونها في ذلك مركب أبوللو. . . يوح العظيمة. وبدأت الأرض تجف، وشرع بساطها السندسي الجميل يبدو قليلا قليلا، حتى ازدهرت المروج، وأينعت الخمائل، وسمق الدوح، واهتزت الربى، وأخذت السهول زخرفها. وبدا له مرة أخرى أن يخلق أناسي يعمرون الأرض الجديدة؛ فما كاد يفعل حتى ظهرت حيوانات بحرية هائلة، جعلت تزحف من الماء إلى الأرض، فتهلك الخلق الجديد. وكان أشد هذه الحيوانات وطأة، وأكثرها فتكا، ذلك التنين البحري الهائل، الذي كان يصمد للعصبة القوية من الرجال فيفنيها عن آخرها؛ حتى ضج الناس واستغاثوا، وجأروا بالدعاء إلى زيوس الرحيم، فرق لهم وحدب عليهم، وأرسل أعز أبنائه من زوجه لاتونا: أبوللو، فأنقذهم من التنين (بيثون) بسهامه التي سددها إليه حتى أرداه
وانثنى ثملا بخمرة النصر، مزهو بما رفع الناس إليه من صلوات وابتهالات، وبينما هو راق إلى سماء الأولمب، إذا أخوه كيوبيد بن أفروديت يصيد الظباء في غيضة لفاء، ويلهو
следующие страницы →