← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7631–7670 · переход к 7636.

стр. 7631

يا شمس للأستاذ فخري أبو السعود يا ليتني كالشمس في عليائها … لم يُرضها إلا المحلُّ الأَرفعُ لم تمس الدنيا ولا أقذاَءها … لكن إليها من عَلِ تتطلع تحوِي جوانبَها بنافِذِ نظرةٍ … وتُضيء غَيْهبَها بنورٍ يَسطعَ وتَظَلُّ تَشَهدُ من شؤون أنيِسها … ما مرَّ من أمرٍ وما يُتوَقَّع وتَقلُّبَ الأحوالِ فيما بينهم … في أعصُرٍ تَمضي وأخرى تَتبَع يا ليتني كالشمس في تَدْآبها … ليست بمكْثٍ في مكان تَقْنَع تطوي الفضاَء محلَّةً فمحلَةً … وتغيب عن أفق السماء وتطلع موصلةً رحلاتُها فلها هنا … مستقبل ولها هناك مُوَدًّع مأْنوسَةَ الأسفار يَصْحَبُها السَّنى … وطريقها بين العوالمِ مَهيْعُ عرَضَت جمالَ الكون في غدواتها … ورواحها مُرْتادةً ما يُمْتِع إن خلفت حسناً بديعاً لم تزل … حتى يلوحَ لها أحَبُّ وأبدَع كم شاَرَفتْ نهرا يفيض ووادياً … الزَّهر في أفنانهِ يتضوُّع وطوى عبابُ اليمّ آيةَ ضوْئها … فرأى محيَّاها اليبابُ البلقع وأجازَتِ البيدَ القِفار فطالعت … غاباً ألَفَّ به البلابِلُ تسجع يا ليتني كالشمس في إخلادِها … لا الخوف يعروني ولا بيَ مَطمع لا المادحُ الشادِي يَخِفُّ بمهجتي … طرَباً ولا لهجاء هاج أجزع أتدَبرَّ الدنيا وأغنم حُسنها … وأجوب أطراف الحياة وأذرع يا شمس إنَّ الشعر يسمو بي إلى … أوْجٍ لديك هو الأعزُّ الأمنع يَسْرِي خفيُّ ندائه فيُهيبُ بي … ويَرِنُّ في أذني صداه فأسمع أسمو على الدنيا به وأودُّ لو … أني إلى أقذائها لا أرْجع فخري أبو السعود

стр. 7632

من أدب السودان ما كان أوفقه لو ضمنا أدب لشاعر السودان الأستاذ عبد الله عبد الرحمن نبَّهتَ منَّا فؤاداً غير سَهْوَانِ … وجئتَنا بحديث ممتع دانِ (محمد بن الجلال) قد نطقتَ بماَ … نُحِسُّه من أحاسيس ووجدان دعوتَ للأدب العالي يحرّك من … بني العروبة من مصر وسودان وصحت بالقائلين الشعر بينكم … أليس عندكم السودان ذا شانِ؟ ما للمسارح لم تخرج روايته … وللرواية من ألف مَيْدان! وكيف لم يهزز الكتّابَ ما عصفت … به الحوادث في سرٍّ وإعلان؟ مضى يُثابر لم يفطن له أحدٌ … كأنما القوم من هيِّ بن بيَّانِ فقلت لله مصر شَدَّ ما عُنيت … بكلّ فعلٍ عظيم النفع إنساني وتلك قولة حق ما أبرَّ وما … أحقَّها أنْ لها يسعَى الشقيقان ما كان أَوفقَه لو ضمَّنا أدبٌ … له الكنانة والسودان ركنانِ ينمّ عنا وعنكم غير مختلق … لا كالذي عبَّ من زوٍر وبهتان يقلُم الظفر من ساعٍ لتفرقة … ويقصم الظهر من داعٍ لهجران والناس من بات يشقى من جهالته … حيَّا - سيشقى بها في العالم الثاني كم للطّبيعة في السودان من فِتنٍ … وكم لأطيارها من سحر ألحان ما أكثر الملهماتِ الشعر فيه وما … أمدّها للأديب الهادم الباني الرمل عند ضفاف النيل تحسبه … لُعس الشّفاَه جلاها بيض أسنانِ وظلمة الليل في العتمور ملهمة … خوالد الشعر ترويها الجديدان والسّرح والسُدر والجميز كارعة … من صيّب القطر أو من فيض غدران ما للكهارب سلطان على قمر … ولا على الشمس سلطان لبنيان كلٌّ تسيل على الآفاق غرّته … فتملأ النفس من حسن وإحسان وللحوادث تَلعابٌ بساحته … تملى علينا شَروداً ذات ألوان إذا مررت من أمْ دُرْمان في كررى … ألقى عليك القوافي الخالد الفاني

стр. 7633

من كلّ من صدقت في الله همّته … وراح لم يحتمل ضيماً لإنسان كم بالجزيرة أو سهل القضارف من … مزارع حُلوة المرآي وأقطان وحِلّة ذهبت في جودها مثلاً … ومنزل فيه تُتلَى آي قرآن ألله أكبر! تدوي في مساجدها … فتعمر القلب من دِينٍ وإيمان والقوم سُمر وجوه يُسرعون إلى … ما ينبت العزّ من إكرام ضيفان وفي أبا حيث تلفى الأرض كاسيةً … والطير خاطبةً من فوق أغصانِ تهشّ للزائريها كلَّ آونة … وتملأ القلب من رَوْح وريحانِ هناك في كردفان أيُّ مُتَّدَعٍ … للطرف في بارة أو أرض خِيران حيث البداوة في أجلى مظاهرها … والإبل طالعة بين كثبان ما أجمل الريف مصطافا ومرتبعاً … وغادة الريف في عين وغزلان الخدّ لم ترْعَ موسى في جوانبه … والجيد من حسنه عن زينة غانِ فإن يكن شعب بوّان ازدهى نفراً … ففي البطانة كم من شعب بوّان إذ تقبل الأرض أعقاب الخريف بها … بكل وجهٍ إلى الفنَّانِ فنَّانِ والصيد نافرة حتى إذا أنِست … أوفت على نجوة ترنو بفتَّان والضان والمعز والأنعام تابعة … مواقع الغيث قطعاناً لقطعان وللحداة حداء كله كرم … فيه الإباء وفيه نُصرة العاني وسامر الحي من غيد وفتيان … بين البيوت وفي أعطاف وديان في كل ليل تحاجيهم عجائزهم … بابن النمير وسوبا وابن سلطان وتارة يرهف الفتيان سمعهم … إلى نوادر أجواد وفرسان (وابن المحلق) لم تبرح حكايته … في الناس يسردها أشياخ حمران يا قبر تاجوج حياك الحيا ومشى … بصفحتيك شَذَى ورد وريحان إني أميل إلى الأشعار يبعثها … حسُّ قويّ وأقلى الفاتر الواني وفي البلاد وفي ماضي أبوتنا … فخر - وإن لم تكن تُعنى بإعلان وكم بتاريخها من قصة عجب … جدّ الحكيم ولهو الودع الهاني فإن يكن بات فيها الحرّ يصهرنا … فللحرارة يُعزى فضل شجعان

стр. 7634

إذا (الرسالة) أدَّت من رسالتها … ولم تُجرّر علينا ذيل نسيان رعى لها أدب السودان خدمتها … ونالت الشكر من قاص ومن دان (الخرطوم) عبد الله عبد الرحمن

стр. 7635

القصص من أساطير الإغريق بين أبوللو وكيوبيد للأستاذ دريني خشبة عصى الناس، في قديم الزمان، سيد أرباب الأولمب، السند الأعظم، المهيمن على ملكوت السموات والأرض: زيوس. ومع ما اشتهر به من واسع الحلم، وطول الأناة، وجم المغفرة، فانه لم يشأ أن يمد للعالم في حبل الغواية، لدرجة إنكارهم لذاته، وإلحادهم فيه، وكفرهم به؛ فأقسم ليهلكن حرثهم ونسلهم، وليقطعن دابرهم أجمعين! فأطلق الرياح الجنوبية الهوجاء، وأرسل السحب تتدجى كقطع من الليل البهيم، وأذن للأرض فتشققت ينابيع وعيونا، ثم انهمرت الأمواه من فوقهم، وتفجرت من تحت أرجلهم، وطغى الموج يجرف الدور ويعفي الآثار. وفي أيام قلائل، كان الطوفان يغمر وجه الأرض، ولم يكن ثمة إلا بحر خضم عظيم وهلك الناس جميعا، وشفى زيوس موجدته عليهم، ثم بدا له أن يعيد مياه الحياة إلى مجاريها، فأطلق الرياح من عقالها، فهبت في شدة وعنف، وأخذت ترشف ماء الطوفان، تعاونها في ذلك مركب أبوللو. . . يوح العظيمة. وبدأت الأرض تجف، وشرع بساطها السندسي الجميل يبدو قليلا قليلا، حتى ازدهرت المروج، وأينعت الخمائل، وسمق الدوح، واهتزت الربى، وأخذت السهول زخرفها. وبدا له مرة أخرى أن يخلق أناسي يعمرون الأرض الجديدة؛ فما كاد يفعل حتى ظهرت حيوانات بحرية هائلة، جعلت تزحف من الماء إلى الأرض، فتهلك الخلق الجديد. وكان أشد هذه الحيوانات وطأة، وأكثرها فتكا، ذلك التنين البحري الهائل، الذي كان يصمد للعصبة القوية من الرجال فيفنيها عن آخرها؛ حتى ضج الناس واستغاثوا، وجأروا بالدعاء إلى زيوس الرحيم، فرق لهم وحدب عليهم، وأرسل أعز أبنائه من زوجه لاتونا: أبوللو، فأنقذهم من التنين (بيثون) بسهامه التي سددها إليه حتى أرداه وانثنى ثملا بخمرة النصر، مزهو بما رفع الناس إليه من صلوات وابتهالات، وبينما هو راق إلى سماء الأولمب، إذا أخوه كيوبيد بن أفروديت يصيد الظباء في غيضة لفاء، ويلهو

стр. 7636

باجتناء الثمر، ويمرح بين افواف الزهر، كالمستهتر الخالي. فأراد أبوللو أن يناوشه، فقال له: (كيوبيد يا ابن أفروديت! أنت هنا تصيد الظباء الضعيفة، وتريش سهامك إلى أطلائها المفزوعة، ولا تجسر على اقتناص الأفعوانات البحرية المرعبة التي تفتك بعباد أبينا زيوس؛ ومع ذاك لا تفتأ تفاخر الإلهة بسهامك التي لا تطيش، ورمياتك التي لا تخيب. كيوبيد الصغير! يجمل بك أن تنزل لي عن قوسك المرنان، وسهامك الذهبية، أو أن تحد من كبريائك، وتأتي إلي كل يوم أعلمك كيف تكون الرماية، وكيف ينبغي أن تسدد السهام!) وغيظ كيوبيد من هذا التقريع الذي لا مسوغ له، وذلك التفاخر الأجوف الذي لا فائدة منه، ولا طائل وراءه، فعبس وبسر، وتجهم وزمجر، وقال في عبارة ملتهبة، وأسلوب مشبوب: أبوللو يا ابن لاتونا!! كان الأولى بك أن تذكر كيف عذبت حيرا في سالف الأيام أمك وأذلتها، فتقنى حياء، وتتوارى خجلا، ولا تملأ الهواء يمثل هذا الفخر الكاذب! أبوللو! أنت تتيه بسهامك وتدل؛ وتدعي أنك تقنص بها الأفعوانات البحرية، على حين أصيد الظباء، وأقتل الأطلاء، ألا فلتعلم أنني أمهر منك ألف مرة في تسديد السهام، وأقوى في توتير القوس، وإن كنت بعد حدثا صغيرا. على أنني أنذرك، أنت يا أبوللو يا ابن لاتونا بسهامي التي سأجربها فيك قريبا!!) فضحك أبوللو ملء شدقيه، وقال: بخ بخ يا كيوبيد بن أفروديت! ليس هكذا يخاطب سيد الشمس أبوللو! ولكن يبدو لي أنك متعب من طول ما أخذت نفسك به من الصيد في هذه الغيضة، وأحسبك قد أعياك ظبي نافر فأخرجك عن طورك، خصوصا وأفردويت تنتظرك لتعد الشواء!. . أنت ستجرب سهامك في. . . . في أنا. . . .!) فقال كيوبيد: (فيك أنت. . . . فيك أنت يا أبوللو ابن لاتونا. . . . وسترى. . .) وامتلأت أسارير أبوللو بضحكة ساخرة، وفصل مستهزئا وشرع كيوبيد يدبر انتقامه، ويرسم له الخطط التي ينال بها من أبوللو، فلا يستطيع أن يفلت، وكان يحمل كنانتين، يحتفظ في الأولى بسهامه الذهبية التي يصمي بها القلوب فتملأها حبا وصبابة؛ وفي الأخرى بسهامه الرصاصية التي يصيب بها القلوب فيفعمها بغضا وكراهية. . . . ونثر كنانتيه وانتقى من كل واحدة سهما حاد الشباة مزدوج السنان، ثم انطلق في الأدغال يفكر ويدبر؛ ويمم شطر غدير قريب منه غلته، فرأى القينة الحسناء

стр. 7637

(دفنيه) متجردة من ثيابها، جالسة كالقطاة على عدوة الجدول، تداعب الماء بقدميها الحبيبتين، وتظللها صفصافة ممتدة الفيء وارفة، والأطيار من فوقها تغني لها. فقال كيوبيد، متحدثا إلى نفسه: (فرصة نادرة لن أفلتها. . هذه (دفنيه) الجميلة تستنقع من القيظ، وهي وسيمة قسيمة، بارعة الحسن، تامة المفاتن؛ لابد أن أسدد سهما رصاصيا إلى قلبها الصغير فيمتلئ كراهية وبغضاء. . . ويحسن ألا أشعرها بوجودي حتى أصمي قلبها. . . فلأختبئ هنا. . .) وتوارى خلف دوحة كبيرة، وثبت السهم الرصاصي في مكانه من القوس، ثم أطلقه في قلب دفنيه؛ وما كاد يفعل حتى انخلع قلب الفتاة من الذعر، وأسلمت ساقيها للريح تعدو بين الأيك، صارخة من ذلك الثلج الذي ذهب بحرارة فؤادها وقصد كيوبيد إلى حيث أبوللو، وكان قريبا من دفنيه، فسدد إلى قلبه السهم الذهبي فأصماه. وتلفت أبوللو ينظر ماذا أصابه، وحدث ان كانت دفنيه منطلقة تعدو إذ ذاك، فلمحها، وسرعان ما جن بها جنونا. لقد ملأه سهم كيوبيد حبا، كما ملأ سهمه الرصاصي دفنيه بغضا. . . لقد كانت دفنيه أول من وقع عليه نظر أبوللو بعد إذ ملأه سهم كيوبيد حبا، فهام بها، وشعر نحوها بهوى ممض وبرح قديم، كأنه برح آلاف من السنين؛ وكذلك كان أبوللو أول من وقع نظر دفنيه عليه بعد إذ أفعمها سهم كيوبيد كراهية، فأبغضته، وشعرت بسم تنفثه عيناه في قلبها حينما رأته أفلح كيوبيد إذن في الفتك بأبوللو، حين أوقعه في أحبولة الهوى؛ ورداه في شرك الغرام، بهذه الفتاة الكارهة المحنقة، دفنيه! أفلح كيوبيد، وتبع أبوللو يرى إليه يتذلل ويتضرع. . . ويبكي كما يبكي الآدميون. . وهو سيد الشمس، ورب الموسيقى، وقانص الأفعوانات كما دل على كيوبيد وافتخر! انتصر كيوبيد إله الحب، صاحب القوس الذهبية، كيوبيد الطفل، ذو الجناحين، على أبوللو سيد الشمس، صاحب القوس والوتر العرد!! إن الحرب لم تبدأ، حين بدأت، بين أبوللو بن لاتونا، وكيوبيد بن أفروديت، بل هي بدأت بين البغضاء والحب، والقلى. . . والهوى!

стр. 7638

انطلق أبوللو في إثر دفنيه المذعورة يبكي ويتذلل، ويحاول اللحاق بها. . . ولكن هيهات! لقد كانت تمعن في الهرب، كلما جد هو في الطلب؛ ولقد كانت تنظر إليه كأنه قاتل أبيها. . . وخانق أمها!. . وصاح أبوللو ضارعا: (دفنيه أيتها العزيزة! قفي أرجوك! تمهلي أتوسل إليك! الشوك يجرح قدميك المعبودتين يا دفنيه! أوه! رويدك يا حبيبة! لا تنطلقي هكذا فقد يؤذيك اندفاعك! فيم أنت مذعورة هكذا؟ قفي؛ فأنا أبوللو. . . قفي!. .) ولكن دفنيه لا تجيب إلا بنظرة القنص، ولفتة الواجف المراش، وتجد في الهرب. . فيقول ابوللو: (قفي يا دفنيه! قفي ولك نصف ملكي! بل لك الشمس كلها إذا وقفت! أنا رب الموسيقى سأغني وأصدح لك! سأطربك بقيثارتي الذهبية بعد أن أغسل لك قدميك في كل ليلة (!!)، سأطير بك في أرجاء السموات! ستكون لك القصور في جنة الأولمب! سأمنحك الخلود يا دفنيه! أحبك! أستحلفك بزيوس إلا ما وقفت! مالك هيمانة على وجهك هكذا؟ هل أخيفك؟ هل أزعجك إلى هذا الحد؟. . . ويلاه!) ولا تبالي دفنيه، بل تعدو وتعدو. . . ويضيق أبوللو بغصته ذرعا، فيلجأ إلى جبروت الإلهة، ويبدى سلطان السماء! ويصيح صيحة هائلة، فيكون سد منيع في طريقه دفنيه! فيقول أبوللو وقلبه يضطرب من طول الإعياء: (فيم تهربين منى يا دفنيه! ألم تعبديني مرة وتقدمي الضحايا باسمي إلى كهنة الهيكل؟: هأنذا أبوللو المعبود، أرجوك وأتوسل إليك! ماذا تريدين بعد هذا؟ لقد بلغت من أبوللو منزلة لم تبلغها ربة من قبل! لقد فضلتك على كليمين، زوجتي المعبودة، وأجمل عرائس البحر، وأم طفلي المحبوب فيتون!! فيتون أسرع الإلهة بعد أخي هرمز، سآمره يكون خادما لك! إنه يقتني أغلى المركبات، ولديه من الصافنات الجياد أغلاها؛ ستركبين معه فتطوفين العالم في ساعتين، وترين ما بين الشرق والغرب في لمحتين، لو رضيت! دفنيه! أرجوك يا دفنيه! إنني أبدا ما بكيت بمثل ما أبكي لك، وأذرف الدمع بين يديك! حنانيك يا دفنيه فقد سحقت قلبي بكبريائك، وأذللت نفسي بخيلائك!) وكان فعل السهم الرصاصي في قلب دفنيه قد خف، ووقفت الغادة حائرة مترددة مما تسمع، وكانت عيناها ثرتين بعبرات حبيسة. ولكن كيوبيد المختبئ في عساليج الكروم القريبة كان

стр. 7639

يرى ويسمع، فلما شاهد من ضعف دفنيه وقرب تسليمها، تناول قوسه، وانتقى سهما مسنونا من كنانة الأسهم الرصاصية وسدده إلى قلبها، فصرخت المسكينة صرخة داوية، وهبت في وجه أبوللو تقول: (إليك عني أيها المسخ! تنح! أبغضك! أكرهك! أغرب عني! أنت أنجس من التيتان، وألأم من شارون، أذهب! لا أطيقك؛ انظر إلى هذا الغدير لترى الشرر ينقدح من مقلتيك، والدخان يصاعد من منخريك! كريه. . كريه. . شائه أنت أيها الوحش. .) وكذلك كان فعل السهم الذهبي قد شارف أن يبطل في قلب أبوللو. . وكاد الإله العظيم يخلص من هذا السحر العجيب، فيسحق دفنيه، لولا أن تنبه كيوبيد، فأصماه بسهم ذهبي آخر، فجن جنونه، وتجدد حبه، وتألب به هواه. . . فصرخ صرخة راجفة، وأشار إلى السد فزال عن طريق دفنيه، فانطلقت تعدو. . وتعدو. . . وانطلق هو في إثرها يتوسل. . ويذرف أغلى العبرات!! لقد كانت دفنيه تطوي الطريق كأنها فكرة شاردة في رأس شاعر، ولقد كان أبوللو يقتص آثارها كأنه الكوكب السيار منجذبا إلى نجم كبير! وكان كلما سرق اللمحة من ساقيها الجميلتين التهب قلبه بحبها، واشتعلت نفسه بالرغبة الملحة فيها، وانجذبت روحه إليها. . . . يا لكيوبيد! ويا لسهامه. . . . الذهبية. . . والرصاصية، على حد سواء!! وتعدو دفنيه حتى تكون عند حفافي النهر العظيم الذي أقام زيوس والدها الكبير إلها عليه، فتصرخ قائلة: أنقذني يا أبي! خلصني من هذا الوحش الذي يدعى أنه أبوللو الكريم! إنه يعدو من ورائي. . . خلصني منه. . . إني أبغضه. . . يا أبي. . . يا أبي. .) وينشطر الماء، ويخرج أبوها، إله النهر، فيرى أبوللو مقبلا فيعرفه، ولكنه يرق لابنته، ويقسم ليخلصنها من سيد الشمس، فيغرس قدميها في الشاطئ، ويحتفن من الماء بيديه، وينثرها به، بعد أن يتلو عليه من تعاويذه؛ ويقف أبوللو مشدوها، موزع اللب، ينظر ويرى! لقد تحولت دفنيه، في لمحات، إلى شجرة باسقة من أشجار الغار، وأخذت الخضرة تينع في أغصانها، بين حيرة أبوللو وشدة تعجبه! ووقف الإله العظيم يبكي ويا ويح العاشق المخبول! ثم تقدم فبارك الشجرة، وسقاها من دمعه، الذي كان من خلائقه الكبر! وانصرف محطم

стр. 7640

النفس، معمود القلب، كاسف البال. . . ولقيه كيوبيد، فسأله الخبيث: (أين سهامك التي أرديت بها الأفعوانات يا أبوللو بن لاتونا؟) فقال: (كيوبيد! اشفني مما ألم بي!) فقال كيوبيد: (بهذا السهم الرصاصي أشفيك!) وتلقى أبوللو السهم في قلبه عن طواعية فبرئ مما به، ولم يعاد كيوبيد بن أفروديت بعدها! دريني خشبة

стр. 7641

البريد الأدبي كلود فارير عضو الأكاديمية الفرنسية في ٢٨ مارس جرى في الأكاديمية الفرنسية انتخاب طال انتظاره على كراسيها الخالية؛ فانتخب ثلاثة من الأعلام الأحياء مكان ثلاثة من الأعلام الذاهبين؛ هم كلود فارير مكان لوي بارتو، وجاك بانفيل مكان بوانكاريه، وأندره بليسور مكان الأب بريمون. والثلاثة من أقطاب الكتابة والأدب، فإن كلود فارير قصصي كبير، وجاك بانفيل مؤرخ وصحفي بارع، وأندره بليسور مؤرخ ورحالة وصحفي كبير اشتغل حينا سكرتيرا لتحرير مجلة (العالمين) الشهيرة. ولكن أشد الخالدين الجدد اتصالا بالأدب هو بلا ريب كلود فارير وكلود فارير ضابط بحري سابق؛ وكان مدى أعوام طويلة زميلا لبيير لوثي وصديقه الحميم؛ وقد تأثر بحياة البحر كما تأثر بها لوثي؛ وتأثر بعبقرية صديقه واتجاهه الأدبي. ولما توفى لوثي سنة ١٩٢٣ استمر فارير يحمل رسالته وينهج نهجه، فيؤثر البحر ورجاله، والمواني وأحياءها ومنتدياتها بكتابته؛ ولبث مثل لوثي يهيم بالمناظر والبيئات والشخصيات الغريبة وكان أول ظفر أدبي لكلود فارير في سنة ١٩٠٣ إذ صدر كتابه الشهير (خان الأفيون) وهو مجموعة قصص وصور تمثل حياة المدمنين في الشرق الأقصى؛ وكان فارير يومئذ ضابطا برتبة ملازم في إحدى الدارعات الحربية؛ وفي سنة ١٩٠٥، أخرج قصته الكبيرة: (المتحضرون)، فنال بها جائزة أكاديمية (جونكور)، وذاع اسمه بين أقطاب الأدب، وبعد ذلك استمر فارير في الكتابة وإخراج القصص الصغيرة والكبيرة، ومن قصصه الكبيرة: (الرجل الذي قتل)، وهي على ما يرى بعض النقدة أعظم قصة لفارير، ومنها: (الحرب) و (منزل الأحياء) و (الآلهة الأخيرة) و (المحكوم عليهم بالإعدام) و (الرجال الجدد) وغيرها؛ وله عدة مجموعات من القصص الصغيرة أشهرها: (سبع عشرة أقصوصة بحرية) و (أحمد باشا جمال الدين) و (قصص الأباعد والأقارب) و (أربع عشرة أقصوصة عسكرية) وغيرها. ولفارير قطع مسرحية أيضا منها (توما لا نليه) و (قبيل الحرب) وكلود فارير مثل صديقه بيير لوثي من أقطاب المذهب الابتداعي (الرومانتيزم) وقد تأثر مثل لوثي بأميل زولا. وقد كتب فارير مثل لوثي أيضا كثيرا عن تركيا والمجتمع التركي

стр. 7642

وخلاله متأثرا في ذلك بسحره الشرقي القديم. وقد كان مثل لوثي يدافع عن تركيا القديمة، ويحاول أن يخرج أبدع صورها للغرب، وما زال فارير متعلقا بهذا السحر الشرقي القديم، يأسف لما حل بتركيا القديمة من تبدل وتطور، ويرثي هذا المجتمع القديم الساحر، بقصوره الشاهقة، ونسائه المحجبة، وبذخه وبهائه، ولا يرى في تركيا الحديثة سوى صورة ممسوخة لا هي استبقت القديم، ولا بلغت في الحديث شيئا. ولفارير عدة كتب وقصص عن تركيا في آخر عصور السلاطين وأما أسلوب فارير فهو ساحر، وهو أقرب إلى البساطة وعدم التكلف، وهو أشبه الأساليب بأسلوب جي دي موباسان، ومع هذه البساطة الجمة تراه ينفث المتاع والسحر في قارئه. ثم هو أسلوب مكشوف في بعض النواحي، بمعنى أن فارير يذهب في التصوير والوصف إلى حدود لا يبلغها الكثيرون، وأشد ما تبدو براعة فارير في وصف حياة المواني الكبيرة، وما يقع في منتدياتها وبؤرها السرية من أنواع الخلاعة والتهتك وصنوف الانحلال الأخلاقي والاجتماعي، فهو يصف لنا مقاهي الأفيون والحشيش في ثغور الشرق، وحياة البؤر والمواخير السرية في أمريكا وفي الهند الغربية، ويصف لنا عادات رجال البحر في السفينة وفي الميناء عند الجد وعند الهزل، ويصف حياة البغايا في الموانئ، ومجتمع السفلة والأوغاد؛ وكل ما يتعلق بهذه الحياة المثيرة التي لا يدرك أغوارها إلا رجل مثل فارير طاف العالم وثغوره، ونفذ إلى أعماق هذه الحياة بصورة عملية وقد انقطع فاير إلى الأدب منذ أعوام طويلة؛ وهو اليوم يعمل في الصحافة إلى جان كتابة القصص، وينشر في الصحف الفرنسية، ولا سيما جريدة (الجورنال) مقالات طريفة ساحرة في مختلف الموضوعات والصور ومما يذكر في حياة فارير الفياضة بالسياحة والمخاطر، أنه كان إلى جانب مسيو دومير رئيس الجمهورية الفرنسية السابق حينما اغتاله القاتل جور جولف برصاصة، وحاول فارير إنقاذه، فأصابته في ذراعه رصاصة من القاتل ألزمته فراشه مدى حين صاحب الجائزة في المسابقة الأدبية صديق العزيز صاحب الرسالة تحية وسلاما. أما بعد. فقد زعم علماء النفس - والنفس أمارة بالسوء - أن ارتكب جرما

стр. 7643

مرة نازعته غريزته إلى ارتكابه مرة أخرى. ومهما حاول الشقي أن يتوب ويرجع، فان جوارحه تتحرك، وأعضاءه تتدافع نحو تلك الجريمة، رغم كل مقاومة والجريمة التي نحن في حديثها الآن هي ترجمة الشعر بالشعر. جريمة قديمة أليمة. ولها في صفحات الأجرام الأدبي أصول عريقة عميقة. والذين ارتكبوها وأمعنوا في ارتكابها، كان نصيبهم عادة الإعدام الأدبي مدى الحياة ولقد كنت تبت من تلك الجريمة - أو خيل إلي أني تبت - حتى قرأت - وأنا أقضي عيد الفطر تحت شمس أسوان المشرقة - تلك القصيدة البديعة التي نظمتها كاتبتنا البارعة الآنسة مي، فنازعتني النفس اللجوج، إلى أن أكسر التوبة، وتقوضت صروح المقاومة أمام ذلك الشعر المغري والمعاني الساحرة. وسهلت الشاعرة أمامنا الصعاب بترجمة نثرية قربت البعيد، ومهدت العسير، فما شككت في أن كل أديب في الأقطار العربية سيندفع بالرغم منه إلى ترجمة تلك القصيدة أما أني لم أرسل مع الترجمة اسما، بل وحاولت إخفاء خطي، فهل ينتظر من مرتكب الجريمة الاعتراف الصريح، وهل يستغرب منه أن يخفي معالمها جهد طاقته؟ والآن وقد نجحت المجازفة، فلا بأس عليك من إرسال الجائزة. فان دراهم الأدباء حلال للأدباء. ولا أشك في أن أصدقائي الأدباء سيلحون في أن تنفق تلك الدرهم، في وليمة أدبية تعد لهم. وهم يزعمون أن خير الطعام ما جاء من طريق مسابقة أدبية. ولقد أحاول إفهام هؤلاء أن الأفضل أن يشتري بالدرهم سفر قيم يكتب في أوله حديث الجائزة، من أجل الذكرى والتاريخ. وما أظنهم ممن يجدي فيهم الإقناع. وإليك التحية الخالصة من أخيك محمد عوص محمد الجيزة في ٣ أبريل سنة ١٩٣٥ يجمالبون المثال الأديب الفاضل زكي شنوده جندي: - شبرا قرأت ملاحظتك الطيبة على أسطورة يجماليون المثال (الرسالة - العدد ٩٠). والحقيقة أن هذه الأساطير قد تناولتها يد التبديل والتحوير طيلة العصور السحيقة التي مرت بها. وأكبر

стр. 7644

ظني أن الإغريق لم يكن لهم من أسطورة يجالبون المثال إلا ما لخصته أنا؛ لأني أعتمد فيما أكتب على أوثق المصادر التي لا يمكن أن يعتورها الشك، أما بقية الأسطورة التي أشرت أنت إليها فهي، كما أذكر، من ابتكار الكاتب القصصي الفذ ج برنردشو في قصته الخالدة (يجماليون)، وقد استمد الأديب الأيرلندي الكبير مادة قصته من الأسطورة اليونانية، وزاد عليها هذه الزيادة التي لاحظتها، لأنها بذلك، في نظره، تكتمل ما أحببته أنت لها من الرونق والكمال؛ وأحسبك في غنى عن أن أذكر لك، أن هذه الأساطير الجميلة كانت أبدا، ولا تزال، مصدر الإلهام للشعراء في الغرب الحديث، وهذا جون كيتس في قصيدته أنديميون، قد بدل في الأسطورة الإغريقية وحور، مع ذاك زادها جمالا وكمالا؛ وكذلك فعل شلي في (أدونيس) التي بكى فيها كيتس ومع ذاك، فأنا و (الرسالة)، إذا منحتني هذا الحق، نشكرك د. خ الاحتفال الألفي بذكرى المتنبي علمنا أن لجنة تألفت في دمشق لوضع برنامج شامل للاحتفال الألفي بذكرى وفاة أبي الطيب المتنبي، وستدعو إلى الاشتراك في هذا الاحتفال جميع البلدان العربية. ويقال إن سلسلة هذه الاحتفالات ستبدأ في رمضان القادم مصير اياصوفيا لن يجد الذين يزورون استانبول من المسلمين في (اياصوفيا) مسجدا تؤدى فيه الصلاة كما كان حتى العام الماضي. ولكن (اياصوفيا) أنبل الآثار الرومانية في (قسطنطينية) قد حول الآن إلى متحف قومي تنفيذا للقرار الذي اتخذته الجمهورية في هذا الشأن، يزوره الجمهور مقابل أحد عشر قرشا تركيا (نحو قرش صاغ) وقد رفع من ساحاته الأثاث والرياش وكراسي المصاحف، وأرسلت طنافسه إلى مساجد أخرى في أدرنة. وظهرت في ساحته المنطقة القديمة التي كان يؤمها عباد الصور في القرن الثامن الميلادي؛ ولكن ترك المحراب ومنبر المؤذن والمصابيح البرنزية الكبرى (القناديل) وسلالها البيزنطية؛ وترك أيضا المنبر السلطاني الذي أقامه السلطان أحمد الثالث، واللوحتان اللتان كتبهما الخطاط

стр. 7645

التركي الشهير تقنج زاده إبراهيم في سنة ١٦٤٢ وستنقل التحف الرومانية والبيزنطية إلى (اياصوفيا) عما قريب؛ وبذلك ترفع عن المسجد صفته الدينية التي أسبغت عليه منذ فتح قسطنطينية سنة ١٤٥٣م جائزة مينيرفا من أنباء باريس أن جائزة مينيرفا الشهيرة قد منحت إلى مدام كلير سانت سولين؛ من أجل روايتها المسماة (نهار) وقد فازت بها دون عدة من الكتاب المنافسين. ومدام سانت سولين روائية فرنسية شابة، تلقت تربية عالية وتخرجت في جامعة باريس، وهي تكتب منذ أعوام كتابة الهواة لا المحترفين ولم تنشر سوى قليل مما كتبت، ويقال إنها أحرقت من تأليفها عدة قصص لم ترها جديرة بالنشر، وهي من عشاق القرية والغابة والمناظر الريفية، وقد لفت فوزها بهذه الجائزة الأدبية الشهيرة الأنظار إليها، وبدأت الصحف والمجلات تتناول حياتها وجهودها الأدبية بالنقد والتعليق

стр. 7646

الكتب ترجمة نفسية تحليلية ٤ - هو ذا تاريخ إنسان. . .! للأستاذ خليل هنداوي الحياة عاقلة تسعى إلى غايتها الأزلية وهي تلهم ما تريد ومن تريد لتحقيق غايتها المحجوبة عنا. أصغر ذرة في الكون وأكبر جزء من أجزاء الكون سيان في خدمة هذه الغاية. . . وكل ما في الكون دائب عامل على تحقيقها، وهل الحياة إلا دوائر بعضها يموج في قلب بعض، لا تنفتح دائرة عبثا ولا يولد شيء عبثا، وفي كل ذلك سر، جهلنا به لا ينفي وجوده! وهذا الاتصال يؤمن به (نعيمه) حتى لا يجد حدودا بين البداية والنهاية. لأن بداية كل شيء مرتبطة بنتيجته. والواقف على متفجر الينبوع يرى فيه المسيل والبحر، والطريق والمحجة، لأن بدايته مرتبطة بنهايته، لا تستطيع أن تقول: من هاهنا ابتدأ وهنالك انتهى! بل يبتدئ وينتهي، ويبتدئ وينتهي من أصغر من لحظة، فهو - من بدايته ونهايته - في نقطة لا يفرق فيها مفرق بين البدء والنهاية وقد يصل (النعيمي) بين خيوط الحياة الحقيقية وخيوط الحياة الحالمة، فيحاول أن يجعل من الأحلام مؤثرات في اليقظات! وكم حلم أراد تفسيره بالحقيقة، ومشابهة حللها بمشابهة أخرى! كأن الحياة عنده واعية تخلق ما تهوى وتخلق الإنسان كما تهوى ولا يخلق هو من نفسه شيئا، وهذه الوقائع التي تتراكم في حياة الإنسان وندعوها نحن (مصادفات) يراها هو (حقائق) كبرى مرسومة في كتاب الحياة، وإنما دعانا عجزها إلى تسميتها بالمصادفات. وما فيها من معنى المصادفة شيء! فلسفة هادئة عميقة لم تنبت جذورها إلا في الشرق؛ الشرق البعيد، الذي وجد معنى الألوهية في كل ذرة من ذرات الوجود، هذه الفلسفة لم فيه يبعثها الغرب الذي سكنه طويلا، وإنما حاول الغرب أن يخنقها فيه، فهب بصيحة المخنوق فيه، فأنقذه قبل إسلام الروح فلسفة شرقية هادئة لا تحارب العالم لأنها هي العالم، ولا تثور على القوة المجهولة بل تدور معها كما تدور الأفلاك والنجوم، ولكل جرم دورته وسبيله. والعوالم كلها تؤلف عالما واحدا

стр. 7647

كاملا. كلنا دورات في دورات، وكلنا ضمن دائرة الحياة الكبرى. وهي تكره التمرد على الحياة، لأنها لا تدرك معنى هذه الثورة، والتمرد - عندها - نزق شباب وثورة محموم، ورغوة تلهيك عن الصريح، وخير من هذا التمرد على الناس وحياتهم التوجه إلى تفهم أسرار تلك الحياة بصمت وهدوء، وكشف ما فيها من جمال ينضح من معين الجمال الكلي. وهو يأخذ على جبران تمرده الذي يضعه فوق (أبناء الحياة) ويريد من فنه أن يعليه فوق الناس. فيرى نفسه نسرا عظيما، ويرى غيره دجاجا وديدانا، لا يرضى غير الفضاء ميدانا، ولا يشرف على الحياة إلا من القمم العالية، يأخذ نعيمه على جبران هذا الأدعاء، ويجيبه بلسان (ميشلين) المتواضعة المتهكمة (وأنت يا جبران! لا تأنف من أن تغذي جسمك ببيوض الدجاج ولحومها! جعل (ميشلين) رفيقة تحسن المشي في مسالك الأرض قبل أن تجعلها شاعرة تجوب رحاب الجو. اجعلها دجاجة سعيدة قبل أن تجعلها نسرا قويا، اجعلها إنسانا راضيا قبل أن تجعلها إلها كاملا) فلسفة متواضعة غايتها أن تبشر بالحياة الشاملة التي تربط بين الأقاليم التي مزقها طمع الناس، قضوا على أسمى رابطة بينها ورضوا بأن يربطوا - ما قطعوه - بالمسخ الذي خلقوه وألهوه - وهو الفلس - وبهذه الفلسفة يجرب أن يؤلف بين البشر ويفني الذات الفردية، ويحل محلها الذات العامة التي لا شريعة إلا شريعتها؛ فلا يبغض إنسانا لأنه كل الناس، ولا يملك شيئا لأن كل شيء له. ولا يهرب من الألم لأنه السبيل إلى النجاة، ولا يدين مجرما لأنه يدين نفسه، ولا يطلب مجدا لأن كل مجد باطل هذا هو عالم الوحدة الكاملة حيث الحياة ألفة أبدية، كل ما فيها يعانق بعضه بعضا عناق محبة لا حواجز فيها ولا حد لها، يبلغه الإنسان فيدرك بلاغة الصمت وهيبة السكون، وسمو النفس في حضرة ما لا يحد. ومرتبة الصمت - عند نعيمة - هي أسمى مراتب البلاغة، ولكن أي صمت! هو الصمت المبطن بتلك المعرفة، وقد يكون أن ذلك الصمت هو المحجة التي نسير إليها على غير علم منا بلى: سيصمت الإنسان - الصمت الأكبر - عند القبر، وينفصل الإنسان عن كل شيء ولكنه الانفصال الظاهر! لأن الانفصال لا حقيقة له. . . (وأين هي القدرة التي في وسعها أن تحل حلقة واحدة من سلسلة الزمان وتترك السلسة مفككة مقطعة؟ أليس الإنسان يغيب

стр. 7648

من ناحية من نواحي الزمان ليبرز في غيرها، كالشمس تغيب عنا في بقعة من الأرض فتشرق في سواها؟ الاتصال! الاتصال! ليس على الأرض ولا في السماء قدرة تستطيع أن تفصم عروة مكنتها الحياة بين إنسان وإنسان، أو بين شيء وشيء وهل في الكون ذرة ليست مربوطة بكل ما في الكون سيذهب الجدول مترنما إلى البحر، وسيعود دون أن ينقطع المسيل الذي يصل بينه وبين البحر. . . . خليل هنداوي

стр. 7649

العدد ٩٣ - بتاريخ: ١٥ - ٠٤ - ١٩٣٥

стр. 7650

العام الهجري ١٣٥٤ ها هو ذا العام الجديد يهُل، فأين السجل؟ تعال نقرأ ما خطه التاريخ في صفحتنا التي طواها الدهر أمس! هل انفرجت خوانق الأغلال قليلا عن الرقاب العانية؟ هل انجلت غواشي الغفلة عن العيون السادرة؟ هل إنجاب قتام الذل عن النفوس العزيزة؟ هل ائتلفت على عوادي الخطوب هذه القلوب الشتيتة؟ هل اقتنع المعتدون والمستبدون أننا ماض ينبعث، ومجد يستيقظ، وأمة تريد أن تستأنف بلاءها في جهاد الناس، وتستعيد مكانها من صدر الوجود؟ رويك لا تطل النظر فلن تجد فيه وا أسفاه إلا عبر عينيك!! لقد طويت هذه الصفحة كما طويت قلبها تلك الصفحات على بياض غير ناصع! وإن تاريخنا لا يزال يكتب عرضاً في تاريخ الدول، أو لحقا في تاريخ إنجلترا! فليس له في التقويم العربي حساب جارٍ، ولا في سفر العالم فصل مستقل! لو كنا نسير إلى الوراء لعثرنا يوماً بمجد المصريين والعرب، ولو كنا نسير إلى الأمام لظفرنا يوماً بمجد الفرنسيين والانجليز، ولكنا سقطنا من الونَى والوهن في طريق الإنسانية، يخطو فوقنا الركب، ويدور علينا الفلك، حتى رن في أسماعنا صوت الأجداد يُهيب صارخاً بالرقود، فنهضنا نهضة المنبت الحائر نستلهم الأعراق، ونستنبئ الدلائل، ونتملق الأحداث، ونستحث القادة؛ ثم انقضى على هذه النهضة المتلكئة قرن، وما نزال شملاً يتجمع، وأملاً يتطلع، وعزماً يشب. متى السير إذن يا هادي المحجة؟! لقد مللنا قرع الطبول ودق البشائر، وقتلنا الزمن في تأييد رأي وتفنيد رأي، وأضعنا الجهد في عقد لواء وحل لواء، وخجلنا من هذا الموقف السلبي الذي يرصد الأهب في الخيال، ويصور الخطط بالشعر، ويطلب النضر في أحلام المنى! انطوت صفحة العام المنصرم ولم تسجل في أوطان العروبة غير الأسى والألم: سجلت في مصر كما سجلت من قبل أهواء تتصارع، وأطماعاً تتعارض، وفردية تطغى، وأثرة تسف،

стр. 7651

وخصومة تكيد، وشعباً يكابد داء الضرائر في زعمائه، ويكاد يستجير بعدوه من أوليائه، وينظر فيرى في يده العتاد وفي طبعه الاستعداد، ثم لا يزال برغم ذلك وضيع الشأن في الحياة، مسلوب الإرادة في الحكم، مبذول المقادة للغاصب. وفي العراق سجلت أحداثاً ترمض القلوب وتثير دفائن الهم، من دبيب العقارب بين الجيرة، وسعي النمائم بين الاخوة، وتمكين الطائفية للنفوذ الدخيل! وفي الشام سجلت تفرق الكلمة بالوعود، وتمزيق الجسم بالحيلة، وتسكين الألم بالمرقد؛ كذلك سجلت في المغرب دموعا يمسحها اللاطم بكفه، ووشائج يقطعها الظالم بسيفه، ونفوساً ينزو بها الحفاظ للجنس والدين فتركض في القيد، وتضطرب اضطراب المهيض في القفص. ثم سجلت في شبه الجزيرة فعل الفقر البئيس في دار الهجرة وملاذ الدعوة، ومطمأن الضريح المقدس. أما السطور الحمر التي خطتها لفلسطين البائسة، فمن صبيب دمائها كان المداد، ومن نشيج بكائها كان الكَلِم: هي إعلان يبعها القهري في سوق السياسة، يتزايد فيه أهلها العرب بالحق - والحق رأي واجتهاد، وبالقانون - والقانون ورق ومداد؛ ثم يهود العالم كله بالذهب - والذهب إله وشيطان، وبإنجلترا - وإنجلترا أسطول وبرلمان! فالعرب في فلسطين مقضي عليهم بالقتل والتشريد، وإخوانهم في الأوطان الأخرى ينظرون إليهم نظر العواد إلى المريض المشفى، يسعفونه بالدعاء، ويؤاسونه بالبكاء، والدعاء لا يرفع الواقع، والبكاء لا يدفع الموت. هذه عناوين الصفحة المطوية ليس بينها عنوان جميل، فليت شعري ماذا اتخط أقلام القدر في صفحة العام الجديد؟! لو كنا ننتفع بالذكريات، ونستفيد من العظات، لما بددنا الجهود في التجارب، وأفسدنا الأمور بالتردد؛ إن لنا تاريخاً إنسانياً حافلاً فيه لكل عظمية ذكرى، ولكل ملمة تجربة؛ وأن لنا دستوراً إلهياً كاملا فيه لكل مضلة هدى، ولكل قضية بينة؛ فاذا التمسنا على الطريقة التي نهجها الرسول، فتوفينا معاً على الغاية، وانتهينا جميعاً عندها إلى الوحدة. إن الرسالة العربية التي هاجرت مغلوبة من مكة إلى المدنية، سافرت غالبة من الشرق إلى

стр. 7652

الغرب، بفضل مبدئها الإلهي الذي قامت عليه ودعت إليه وفازت به، وهو توحيد الله، وتوحيد الكلمة، وتوحيد القوى، وتوحيد الغاية. وقد استوثق الأمر لأهلها ما استمسكوا به؛ فلما تراخت العرى بينهم وبينه تقاذفتهم السبل، وتقاسمتهم الأطماع، وصار بهم التخاذل والتواكل إلى ما هم عليه اليوم. احمد حسن الزيات

стр. 7653

مساجلة الرمال للآنسة النابغة (مي) أفواج عديدة من الرمل تتململ شيئاً فشيئاً، فوجاً بعد فوج، وتتحدث في أواخر الغلس - الظلام يولي، هارباً، وعمود الفجر يكاد ينشق، عما قليل تشرق الشمس فلا يلبث قرصها أن ينقلب أتوناً يُصلينا نار السعير. - سيان لدينا الليل والنهار. كل يوم ننتظر من الظلام عذوبةً تحت أنوار الكواكب الواهية. ولكن حرارة الشمس تظلُ مستودعة في كياننا فنلبث في اتقادٍ واضطرام يوماً بعد يوم، وليلةً بعد ليلة. - إنما جعلتنا الأقدار متحاذيات متلاصقات لنفرش هذه الأرض ونكون منها الصدأة المحترقة. يتهموننا بأن لمسنا يشوي اليد والقدم شياً، ولكن ألسنا نعاني في كياننا المقدور علينا من عذاب السعير؟ وددتُ لو أن لي دمعاً أذرفهُ من فرط السآمة والحنق والألم! - طالما شهدنا الخلائق تهبط علينا وقد أضناها التعب والوصب، فنفق الحيوان على صدرنا، ومات الإنسان بين يدينا، ووجد كل منها عندنا ملجأ طبيعياً يتلقاهما ويضمهما إليه. ونحن الجائعات الظامئات المتعبات على الدوام، ليس لنا من يرثي لحالنا ويسعفنا. نحن التائقات إلى التفلت من حالتنا الراهنة، ليس لنا أن نمضي في علو ما ونهبط في مستقر غير هذا. واتعبي من هذا الوجود القاحل في ديمومة السكوت والجمود! - ليست هذه هي الحركة التي ننشد. إن شوقاً عميقاً فينا يتلهف على حركة من نوع آخر. - كم من حركةٍ مفاجئة خبرتُ عندما عصفت بي السموم في النهار أو الحرور في الليل! زعازع وأنواء انتزعتني في عنفٍ من مقري إلى مقرٍ آخر، فما كنت منتقلةً إلا من الرمضاء إلى الرمضاء حيث السعيرُ دائمٌ والأوارُ مقيم! - وأنا تلقفتني العواصف غير مرة. فحطت بي يوماً عند ساحل البحر فامتزجتُ بالماء ورسبتُ في القعر. وأغفلني هناك زمناً الدهرُ الوسنان. ثم قذفت بي الأمواج على الشاطئ، فتناولتني الزوبعة الهوجاء، وردتني إلى مستقري في هذه البطحاء! - وأنا كم حدت بي الريح إلى حيث الينابيع تتفجر والمياه تجري! إلى حيث الأرض كريمة والأشجار ظليلة، وقد نورت الأزهار هنا وهناك وهنالك على صفحة الروض،

стр. 7654

وتشابكت الرياحين بمثيلاتها من شذى النباتات فعبق الهواء بأريج العطور!. . - لا تذكرَن الماء والعطر والظلال لرمال شقية قضى عليها بالمحل والاضطرام والصدى، لا ترهفن فينا أشواقاً تأبى التحقيق! - أتوق إلى الذوبان في سائلٍ ما، ولو كان ذاياك السائل القاني الذي رأيناه أحياناً على جسد الإنسان أو الحيوان! ولكننا غير قابلات للجرح الذي يغسل قحلنا بنجيع الدماء، ولن نكون يوماً قمينات بابتسامة الحياة وعذوبة الحنان. قضى علينا بأن نكون دوماً في حكم الموتى، وقد حرمنا نعماً يجنيها غيرنا في جنة الأرض. - أنكون في حكم الموتى ونحن نشتاق ونتعذب؟ ألا ليت كل قافلة عابرةٍ تسير بي إلى حيث ينيخ الركبُ! حيث الخيمة المضيافة والناس يضرمون النار ويأكلون، وينهلون الماء ويرتوون! وا حنيني إلى هناء المضارب! وا حنيني إلى كيانٍ قابل للريّ والارتواء! - لو كان لي أن أرجو الوصول يوماً إلى تلك الحالة الراغدة لأعانني الرجاء على الاحتمال، وكان لي منه العزاء والسلوى! ولكننا في هذه البطاح الصماء البكماء، إنما وجدنا لنقطع كل صلةٍ بين الحياة والحياة! - ويك! ماذا تقولين، نحن قاحلات جائعات ظامئآت مشتاقات، ولكننا وجدنا لنكون صلة بين الحياة ولباب الحياة! - أولا ترين الفجر يتلألأ في الأفق سنياً؟ غبار دقيق من النور يتناثر حولي، كأنه سحيق من الذهب والبلور. هذا يوم عيد. - لولا هذا اليوم وما ميّزهُ بين الأيام، ما كانت تلك القوافل العديدة، قوافل الحجاج التي نراها منذ قرون وقرون ذاهبةً آئبةً. - لقد شهدتُ القوافل ذاهبةً آثبةً منذ أن خرجت على الصحراء رملاً، وتعرفت قوافل العرب الرحل وقوافل الغزاة والمحاربين والشعراء والعاشقين. وكم من حداء سمعتُ! - تلك القوافل تعددت ألوفاً وألوف الألوف منذ أربعة عشر قرناً، وتبدل الغرض من ترحالها منذ أن انبثق من سويداء قلب الصحراء جحفل النصر العظيم. فصارت القوافل قوافل الذكرى والعبادة والسلام، تقبل علينا في عجاجة وردية من قصيّ الابعاد حيث يخيل ان الآفاق تتحرك، وتغادرنا في عجاجةٍ وردية لتتوارى وراء الآفاق التي تحنو على

стр. 7655

وديعتها الفريدة الغالية. - أعرف تلك الوديعة، فقد ساقتني إليها الريح مرة! هناك مثوى ذاك الذي عرف الصحراء يلقي في أرواح الشعوب روحاً حيةً خالدة. - فتى الصحراء! فتى الصحراء الذي اصطفاه ربهُ ليحمل الكتاب. فهجر دياره، وسلاحه كتاب فغزا به العالمين! - الفاتح الذي لا يشبهه فاتح! إنه لم يغزُ البلدان والأمصار وكفى، بل غزا القلوب بسره، وفتح النفوس بسحره، يوم خروجه من الديار هو بدء تاريخ الهجرة. وها الناس على توالي القرون، وقد هاموا بجاذبيته النورانية، يهجرون ديارهم وخيراتهم ويقتحمون المفاوز والأخطار ليحجوا إلى البقعة الصغيرة العظيمة التي تجمع عندها معنى الديار والأوطان، وتركزت فيها ثقة اليقين وانبعث منها نور الإيمان! - سيد الغزاة والفاتحين! إنه فتانا، فتى الرمضاء وفتى الرمال! إنه جاء بمعجزة المعجزات فأخرج الخصب الخصيب من ديار القحط والجدب! - فتى الصحراء العجيب، ذو العينين الدعجاوين حيث أودعت السماء نطفة الضياء! إن ذكراه لممتزجة بذكرانا! - نحن الرمال لم يكن وجودنا عبثاً كما زعمنا في أجلنا المديد الأليم! نحن الجامدات، كنا مبعث الحركة والحياة! نحن القاحلات، كنا وما زلنا سبيل الهجرة الخصيبة. أشرقت الشمس - شمس اليوم الأول من العام الهجري. من الرمضاء تتصاعد أشباح أثيرية تدور رشيقةً في نور النهار الجديد. وقد أصبحت أفواج الرمال القريبة والبعيدة كلها جوقة واحدة تنشد: نحن الرمال القاحلة، لا خصب يوازي خصبنا! نحن الرمال الجامدة هل من حياةٍ كحياتنا؟

стр. 7656

أُمْنيةٌ للدكتور محمد عوض محمد ألا منِ لنفَسي - والأماني عزيزةٌ - … بأرْضٍ خَلتْ من ظالمٍ ولئيمِ وصومعةٍ شيدت على رأس رَبْوةٍ … مهبِّ رياحٍ: زعزعٍ ونسيم. تُطِلُّ على بحر يعُبّ عُبابه … كصدرٍ لأسرار الزمان كتُومِ؛ ومن خلْفها يُنبوع ماءٍ مسلسلٍ … كدُرّ على نحر الصخور نظيمِ أُطالع منها الكونَ: سِفراً، تزاحمت … به الآيُ، قد خطَّتْهُ كفّ حكيمِ، وأقرأُ منها الغيب سراً محجّباً … بقلبٍ بصير بالخفِيّ عليمِ. وإن زارني فيها الرَّدَىُ متَخَشِّعاً=فأهلاً به مِن زائرٍ ومقيم محمد عوض

стр. 7657

الهجرة للأستاذ علي عبد الرازق حينما فكر أولو الأمر من أهل السبق في الإسلام في اختيار مبدأ للتاريخ الإسلامي كانت هنالك حوادث ما يزال ذكرها حياً في أذهانهم، يملؤها روعةً وجلالاً. هنالك حادث الهجرة غزوات النبي ﷺ ، ويوم الفتح - فتح مكة - وهنالك اليوم الذي أنزل الله تعالى فيه على عباده المؤمنين: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) وغير ذلك أيضاً. كل أولئك وكثير مما لم نذكره، قد كان ماثلاً أمام أولى الأمر من أهل السبق في الإسلام يوم أرادوا أن يختاروا مبدأ للتاريخ الإسلامي، فاختاروا من بين أولئك كله حادث الهجرة - هجرة النبي ﷺ وأصحابه من مكة إلى المدينة - وبذلك سجلوها ذكرى بين المسلمين متجددة، وأرسلوها فيهم حديثاً مأثوراً وعبرة دائمة. ما تحسبهم فعلوا ذلك إلا وقد عرفوا لهذه الحادثة من القدر والخطر ما لم يعرفوا لغيرها من الحادثات التي عرفوا، وإن كانت ذات قدر جليل وخطر عظيم. لقد يبدو غريباً أن يتفق الصدر الأول من بناة الإسلام وأهل السبق والفضيلة فيه على أن ينظروا إلى الهجرة بذلك النظر، وأن يعتبروها أهم الحوادث في الإسلام وأبرزها وأبلغها في نشأته أثراً. والذين يقرءون سيرة النبي ﷺ قد يدركون في غير مشقة أن هذه الهجرة كانت في الحق حدثاً ذا شأن عظيم وخطر، فأما أن يبلغ من خطرها أن تكون هي الحادث يغطي على جميع الحادثات، وتغلب ذكراه ذكراها، ويرتفع اسمه فوق أسمائها، فذلك ما قد يبدو غريباً يحتاج إلى شيء من البحث والنظر. بل لقد يبدو لبعض المتعسفين أمر هذه الهجرة وكأنه مظهر من مظاهر الهزيمة، وكأنه عمل من أعمال اليأس والتسليم. وكذلك يظنه بعض الكفار، وكذلك يسميه بعض كتابهم من الإفرنج بالهرب والفرار. ولعل أولئك الذين يصفون هذه الهجرة بأشنع الصفات، ويدعونها بشر الأسماء، هم الذين سخرهم الله من حيث لا يشعرون ليكشفوا لنا عما أدرك السلف في هذه الهجرة من روعة تتضاءل دونها كل روعة، ومن عظمة لا تدانيها عظمة، ومن حقائق وأسرار ما كنا لنهتدي

стр. 7658

إليها لولا أن أتاح الله لنا أولئك الحاسدين ينشرون فضل الهجرة كما تنشر النار طيب عرف العود. وفي الحق قد كانت هذه الهجرة في ظاهرها نهاية أسيفة لمعركة حامية طالت واشتدت بين دعوة الله ودعوة الطاغوت، ولقي المسلمون فيها بأساً عاصفاً وزلزلوا زلزالاً شديداً. ولعل كُتاب السيرة النبوية لم يستوفوا ما في هذه الحرب المرة من تفاصيل ودقائق، ولم يتوسعوا في وصف ما تخللها من بأس وشدة، ولعلنا لو استطعنا أن نحيط إحاطة شاملة بحقيقة هذه المعركة لوجدنا فيها قصة فريدة لمعركة كانت من أشد ما عرف التاريخ صراعاً بين الحق والباطل، واصطداماً بين كلمة الله العليا وكلمة الكفر السفلى. لسنا نعرف من أمر هذه الحرب القاسية إلا ذلك الذي يكرره كتاب السيرة ويتناقلونه من أحاديث الصحيفة، وأحاديث التعذيب والإيذاء ونحو ذلك، ولكن الذي يدرس طبيعة هذه الحرب، ويحلل ظروف زمانها ومكانها، ويستقصي ما ورد في سياق الحديث عنها في القرآن وفي السنة، وفي كتب التاريخ لا يسعه إلا أن يعتقد اعتقاداً جازماً بأن هذه المعركة قد كانت عنيفة إلى أقصى درجات العنف، وقاسية إلى أبعد حدود القسوة، وأنها كانت أكبر محنة ابتلى بها المسلمون في صدر الإسلام، وكانت نهايتها أن تشتت المسلمون، وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله. وخرج صاحب الدعوة ورفيقه ﵉، كما خرج موسى كليم الله خائفاً يترقب (إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا) وهكذا كانت الهجرة نهاية أسيفة لمعركة طالت واشتدت بين دعوة الله ودعوة الطاغوت. ثم كانت هذه الهجرة نفسها بداية سعيدة ناجحة لمعركة طالت واشتدت بين دعوة الله ودعوة الطاغوت، وفيها عاد الله سبحانه على المسلمين بالنصر مؤزراً (فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنوداً لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله العليا والله عزيزٌ حكيم). ليس يشق علينا أن يقولوا عن الهجرة إنها كانت هزيمة وكانت فراراً. ولئن كانت الهجرة هزيمة فلقد كان في هذه الهزيمة النصر كل النصر والفوز كل الفوز. ولئن كانت الهجرة عملاً من أعمال اليأس والتسليم، فلقد كان مع اليأس والتسليم أمل باسم، قضى الله أن يتحقق، وغلبة شاملة أراد الله أن تتم؛ ولئن كانت الهجرة هروباً وفراراً، فلقد أعقبها رجعة

стр. 7659

على الكفر ساحقة، وكرة كانت القاضية. وهل يجد المسلمون في تاريخهم، وهل يجد غير المسلمين في تاريخهم، وهل تجد البشرية كلها في تاريخها حادثة غير هذه الهجرة تستحيل فيها الهزيمة نصراً ويرتد اليأس رجاء، ويصير الفرار سلطاناً وتمكيناً؟ أم كان ذلك فضلاً من الله يختص به من يشاء، وكان فضل الله عليك عظيما! إذا كان المسلمون قد استيأسوا يوم الهجرة وظنوا بالله الظنون، فان المسلمين قد علموا يوم الهجرة أن يد الله الرحيمة، قد امتدت من السماء فتلقت الإسلام تحفظه وتؤيده، وأحاطت بالمسلمين فهدتهم إلى طرق السعادة، وكتبت لهم أن يكونوا هم الفائزين. لقد علم المسلمون يوم الهجرة أن الله قد كتب لهذا الدين النصر الخالد، ولن يخلف الله وعده؛ ولقد علم المسلمون يوم الهجرة أن الله وحده هو الذي يحمي هذا الدين ويدافع عنه، وأن الله وحده هو الذي يحفظ هذا الدين وينصره (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكتبهم فينقلبوا خائبين، ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون، ولله ما في السموات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم). علي عبد الرازق

стр. 7660

آية الهجرة للأستاذ أمين الخولي المدرس بكلية الآداب (وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم، وسماكم المسلمين) (ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حي عن بينة) من أول خطبة له ﵇ بعد الهجرة تخيرت الأمم من عيون أيامها، وأعلام أحداثها، ما جعلته ميقاتاً تؤرخ به؛ فقالت لعام كذا من وفاة الأسكندر، أو غلبة دقيانوس، أو ميلاد المسيح، أو هو من ذاك. فلما تأذن الله أن يتخذ الإسلام ميقاتاً، أبى له أن يكون مولد فلان، أو مهلك فلان، أو تملك مملك، أو مصرع متوج؛ فكل أولئك خفيف عند الله في الميزان؛ وكل أولئك لقد يهون على الزمان. يرحم الله ابن الخطاب! لقد كره التاريخ بالوفاة؛ نفر منه طبعه، وعافته فيه قوة الحياة، فتجلت بقلبه روح الإسلام مشرقة؛ وسمت له ألمعية لبقة؛ إذ آثر لذلك المبدأ يوم جلاد، واختار له ذكرى جهاد؛ يوم غالب فيه فرد جماعات، وناضلت عزمة عزمات؛ فبينا الباطل في قبائل يتنمر، والموت على يد الأجلاد يرصد ويدبر، تصدى لذلك كله (محمد) وحده يسخر؛ (وجعلنا من بين أيديهم سداً، ومن خلفهم سداً، فأغشيناهم فهم لا يبصرون). ما عز عليه أن يخلي الأهل والوطن، ولا راعه أن يغترب لغير مستقر، فغلب الحق وظفر، وانتصر الإيمان وقهر، في قلة وروعة وتجرد. تلك آية الهجرة، وذلك في اختيارها سر الفكرة، ألقاه إلى الدهر عمر، وخلده حين حمله القمر، فجعله في التاريخ تقديراً؛ وإنما بعثه لرسالة الإسلام تفسيراً، يدور مع الأيام، ويتجدد لكل عام. . . . أفيتساءل المسلمون بعد أين الطريق وكيف النجاة؟ وتلك آية الهجرة أول الحياة في تاريخهم وأول تاريخهم في الحياة! يا شرق. . . إن لك عند القمر معنى تاريخياً، وإن لك فيه لرمزاً حيوياً؛ فإن يبد في الغرب ناحلاً نضو أسفار، فهو الطلعة يرتاد لك طريق الفخار؛ وإن يتألق في الشرق بدراً كاملاً، فهو تاج مجدك، ومثال جدك. الآن يرزح القمر سجف الغيب عن عام جديد، فيطالع في الشرق وجوهاً ناضرة، إلى ربها ناظرة، تحييها منه إشراقة باهرة، وطلعة نيرة، تجل فيهم ما فهموا من معاني المجد والنبل

стр. 7661

في آية الهجرة، ووجوه. . . لا جرى القلم بوصفها، قد غلبت على أمرها. . . لكنها لم تفقد رجاءها، ولم تضعف أملها، فلن تهي ما استمسكت بعروة الإيمان (إن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين). . . أولئك لهم من القمر في إشفاقه الوديع نظرة راجية، ولفتة حانية، وإيماءة نافذة، تثير ذكريات حافزة، تلهمهم معاني المجد والنبل من آية الهجرة. أمين الخولي

стр. 7662

على هامش السيرة من معجزات الهجرة للأستاذ علي الطنطاوي قال: - هل لك يا سُراقةُ في مائة من الإبل؟ - قال سُراقةُ: ما أحوجني إلى عشرين! فكيف السبيل إلى مائة؟ - قال: ترد على قريش صاحبها، فقد خرج من مكة حين مكرت به قريش وأجمعت على قتله، مهاجراً إلى المدينة، فبثت قريش عيونها في سبل مكة وشعابها، وبعث رسلها فنفضوا الصحراء نفضاً فما وقعوا له على أثر، فعادوا إلى قريش بالاياس منه، فأذنت قريش في العرب، أن من رد علينا محمداً فله مائة من الإبل، وقد رأيت ركبة ثلاثة مروا علي آنفاً، وإني لأراهم طلبة قريش. . . فهل لك أن نلحق بهم فنردهم إلى مكة ونأخذ مائة الناقة فنقسمها بيننا؟ فرقص قلب سراقة فرحاً، ولعب به الطمع؛ وكان سراقة ابن مالك الجعشمي رجلاً متعفرتاً متشيطناً، فعقد النية على أن يستأثر وحده بالغنيمة حتى تكون خالصة له، فقال لصاحبه: - ما هؤلاء من تريد، هؤلاء بنو فلان ينشدون ضالة لهم. فصدق الرجل وانصرف، وذهب سراقة فجلس في نَدِىّ قومه كما كان يجلس كل عشية فما اطمأن به مجلس، وما وعى من أحاديث القوم شيئاً، وإنما كان يخيلُ إليه أنه يرى قطاراً طويلاً من الإبل يمر أمامه، ويدور من حوله، فيخفق لمرآه قلبه، وتتحلب أشادقه. . . ثم طمي به الطمع، فبرح النادي إلى بيته، يلوص بعينيه آفاق المستقبل، ويقلب أوجه الممكن ويفكر في مائة الناقة. أيملكها حتى تكون طوع أمره يصرفها كما يشاء فتلد، وتتكاثر فينحر منها، ويطعم الجائع، ويقري الضيف، ويرفد الوافد فيسير ذكره في العرب، وتنتجعه الشعراء، وتمسي بمدائحه الركبان؟ أم هو لا ينالها، ولا يفيد من سفره إلا لذع الشمس، وبرح العطش، وطول التعب؟. . . وامتد به التفكير حتى ما يكاد يخرج منه، ولا يكاد يستقر على الرأي لحظة حتى ينتقل إلى

стр. 7663

غيره: لم لا أذهب؟ إني سأجدهم فأردهم على قريش. ولكن ألم تعجز رسل قريش عن أن تهتدي اليهم؟ فكيف أجدهم أنا؟. . . بل سأجدهم، إني سالك كل طريق تؤدي إلى المدينة. . . ولكن يا للسخف! ألم تسلك رسل قريش هذه الطرق كلها؟ ولما أضناه التردد أزمع أن يستفتي الحظ، ويهتدي بالمصادفة - فأخرج أزلامه فاستقسم بها، وحاول أن يشتف الغيب من خلالها: إن خرج الزلم الذي أكره (لا يضره) لم تكن النياق لي. وإن خرج الذي أحب (يضره) كانت لي، إن الحكم للأزلام. . . وضرب بيده فخرج الزلم الذي يكره، فتألم واشتد ذلك عليه، لأنه إنما عمد إلى الأزلام ليستمد منها العزم على الذهاب لا الرغبة في القعود، ثم قال: إنها أول مرة، وهي للشيطان! وإني ضارب الثانية، إن الثانية لآلهتنا، وضرب الثانية فخرج الزلم الذي يكره. فقال لنفسه: ما لي؟ وهل يقنع امرؤ بمرتين؟ إن المعول على الثالثة. وضرب الثالثة فخرج الزلم الذي يكره. . . فتصبب على جبينه العرق البارد، فألقى الأزلام حنقاً، وأمر غلامه أن يسرج فرسه ويقوده إلى بطن الوادي! وتريث سراقة حتى إذا تصرم الليل، أسحر سالكاً طريق المدينة فسار فيه إلى الصباح فلم يقع من القوم على أثر. فعاد أدراجه يتبع طريق الساحل فلا يلقى فيه أحداً، حتى زالت الشمس؛ وحميت الظهيرة، وتسعرت الأرض، وأحرق جوفه العطش، وكان ينهزُه الطمع فيعدو فرسه عدواً شديداً، حتى يرى الآكام هي التي تسير عن يمينه وشماله، يأخذ بعضها بسفوح بعض. . . ثم يدركه القنوط فيدع الفرس يمشي متباطئاً متخاذلاً. . . حتى إذا بلغ منه التعب والعطش والجوع واليأس نظر فإذا عند الغار من جبل ثور محمد وصاحبه. . . فصبت القوة في عضلاته، وعادت إليه الحمية والنشاط، فصاح في الفرس، فانطلق نحو الغار كالسهم المرسل؟ قال أبو بكر ﵁: . . . فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله وبكيت فقال: ما يبكيك؟ قلت: ما والله على نفسي أبكي، ولكن أبكي عليك فدعا عليه رسول الله ﷺ ، وقال: اللهم اكفناه بما شئت، فساخت فرسه في

стр. 7664

الأرض إلى بطنها. . . فلما رأى سراقة ما رأى، وثب عن الفرس، وقد طار الخوف بلبه، وأبرأه الفزع من داء الطمع، وصاح: - يا محمد! قد علمت أن هذا عملك، فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فو الله لأعمين على من ورائي من الطلب. فدعا له رسول الله ﷺ . فأنقذه الله. . . وكلمه فكان من قوله له: - كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى؟ ورجع سراقة، وقد اجتمعت عليه منذ اليوم المتناقضات من الأفكار والعواطف، وهاج نفسه الطمع والخوف، والأمل واليأس، فجعل يقهقه في هذه البادية، ويصرخ كمن به جنة، ولم لا يجن؟ وقد كان يأمل أن ينال الغنى ففاته ما كان يأمل، وقد فتحت فاها لتبلعه الأرض فنجا، ولم يصدر بعد هذا كله إلا بوعد دونه خرط القتاد، وخرق النار، وخوض البحار. . . - ماذا؟ أيعدني محمد سواري كسرى، كسرى شاهنشاه ملك الملوك. . . وهو يقطع الصحراء هارباً من قومه، مختفياً في غار. - ليس معه إلا رجل واحد - أيبتلع هذا الغار ملك كسرى وجبروته وجلاله؟ أتنتصر هذه الصحراء على ملك كسر وجنانه وأنهاره؟ أيغلب هذان المهاجران كسرى على خزائنه وجنوده وبلاده؟ ولو أن العرب اجتمعت كلها، ورمت عن قوس واحدة، ما نالت من كسرى منالاً، على أنها لن تجتمع العرب قط، ومن ذا الذي يجمع مضر بن نزار وقحطان. . . وبكراً وتغلب. . . وعبساً وذبيان. . . وأين يذهب ما بينها من دماء؟ أما إن قريشاً كانت أدرى بصاحبها حين قالت عنه ما قالت فما أراه يعجبه أن ينجو من قريش، ويفلت من أذاها حتى يكون له ملك كسرى. . . إنه والله ما يريد إلا أن يتركنا (نحن أيضاً) مجانين! وانطلق يقهقه ويصرخ: ويحٌ لك يا سراقة! ستلبس سواري كسر. . . كسرى شاهنشاه ملك الملوك والفرس ينفر من صراخه، فيطير على وجهه حتى اختفى وراء الآكام. . . ومرت السنون

стр. 7665

وكان يوم صائف متوقد، ففر سراقة من حره إلى حائط له، فما استقر فيه حتى سمع منادياً ينادي: - يا سراقة بن مالك الجعْشُمي. . . . يا سراقة. . . . فصاح: أن لبيك، وانطلق يؤم الصوت، فإذا رسول عمر يدعوه أن أجب أمير المؤمنين وإذا الشمس بين يدي عمر تأخذ الأبصار ببريقها ولمعانها، وإذا بين يديه تاج كسر ومِنْطَقَتع. . . قال عمر: هلم يا سراقة، أتذكر خبر الغار، وسواري كسرى شاهنشاه ملك الملوك؟. . . - قال: نعم - قال. قد أذهب الله بالإسلام ملك كسرى، فلا كسرى بعد اليوم. . هات يديك فألبسه السوارين، وقال ارفعهما فقل: - الله أكبر! الحمد الله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة بن مالك، أعرابياً من بني مدلج. يا سراقة لقد انتصر المهاجرون على كسرى وقيصر، وكان لهما ملك الأرض! يا سراقة! لقد أضاء النور الذي انبثق من بطن مكة الدنيا جميعاً! يا سراقة! لقد ظفر الغار بالعراق والشام، وغلبت الصحراء العالم! يا سراقة! لقد ملك كسرى وقيصر كبيراً قوياً، ولكن الله مع الذين آمنوا، والله أقوى. . . والله أكبر! علي الطنطاوي عضو (المجمع الأدبي) بدمشق

стр. 7666

مُحرم للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي يبشّر بالعام الجديد محرّمُ … وينعته كلٌّ بما هو يزعمُ فيوليه من إطرائه مُتفئّلٌ … ويكثر من ذٍمّ له متشئمِّ ولا يعلم الإنسان ماذا به له … ومَنْ فيه قد يشقى ومن فيه ينعم ومن ذا الذي فيه المنايا تغوله … ومن ذا الذي منهن ينجو ويسلم جديدٌ، أجل، عام جديدٌ تجّد في … لياليه أحداثٌ بها لست أعلم فيفرح قلبٌ بالكآبة مثقلٌ … ويحزن قلب بالمسرَّة مفعم وربّ سعيدٍ بالشقاء مهدّدٌ … وربّ شقيٍ بالسعادة يحلم ونفرح بالأعوام إمَّا تصرَّمت … على أنَّها من عمرنا تتصرَّم وددت لو أن العام قال منبّثاً … وماذا يقول العام والعام أبكم؟ وللغرب أعوامٌ وللشرق مثلها … ولكنهما الأعوام في الشرق تُسئم وفي الغرب أفراحٌ وفي الشرق غمّةٌ … وما الأرض إلاّ جَنّة وجَهنم شقيقان هذا ليل أبنائه بهم … مضيءٌ وهذا يوم أهليه مظلم وتختلف الأخلاق إلاّ أقلّها … ويختلف التفكير والعرق والدّم بلى اختلفا فالغرب منصرف القُوَى … إلى فعله والشرق بالقول مغرم ونحن تثبّطنا، وهم قد تعجّلوا … ونحن تأخّرنا، وهم قد تقدموا وما كان مجدٌ كان يبنيه أهله … كمجدٍ بأيدي أهله يتهدّم ومن لي بعام لا يشابه غيره … أرى فيه أظفار البغاة تقلّم وأبخل أرضٍ بالرجولة بقعةٌ … يضام الفتى فيها ولا يتبرّم إذا أنت لم تألم من الضغط غاضباً … فمن أي شيء في حياتك تألم؟ أدير عيوني في الوجوه فلا أرى … سوى الذل مقروءًا ولا أتوسم ليحزنني أن العنادل آثرت … صموتاً وأن الزهر لا يتبسّم لقد صوّح الزهر الذي كان باسما … ولم يبق للصيداح ذاك الترنم يريدون ألا يشكو الحزن ثاكل … وألا يئن المثخن المتألم

стр. 7667

من الناس آلافٌ يعضّهم الطوى … وفي كل ألفٍ واحدٌ يتنعّم إذا عجز المكروب عن شرح ما به … فعلّ دموع العين عنه تترجم أمن قام يشكو بثّه فعو مزعجٌ … ومّن قال يبغي حقه فهو مجرم! وإني لا أدري وإن كنت دارياً … أقومي تعاموا أم عن الحق قد عموا بني وطني لا تسكتوا عن حقوقكم … أليس لكم منكم فمٌ يتكلم لكم ثروة في الأرض أتعابها لكم … وأرباحها للغرب نهبٌ مقسّم ولا خير في بدء الفتى بجليلةٍ … إذا كان عن عجز له لا يتمّم ولا فخر إلا للذي هو ماجدٌ … ولا مجد إلا للذي يتقحّم وما الحرّ إلا من إذا ضِيم لم يَلن … وإن قال حقاً فهو لا يتلعثم ويا رُبّ فرٍد قد أتى في جهاده … بما لم يكن يأتي الخميس العرمرم وما بال أبناء العروبة أصبحت … على الذل أشتاتاً تشبّ وتهرم وما بال أبناء العروبة سلمت … وقد كان عهدي أنها لا تسلّم لآلام قومي الصَّيد نفسي تألمت … لكِ الويل يا نفسي التي تتألم وما خفقان القلب ما أنت سامعٌ … ولكنه آمال قومٍ تَحَطّم (بغداد) جميل صدقي الزهاوي

стр. 7668

الرجولة في الإسلام للأستاذ أحمد أمين لعل من أهم الفروق التي تميز المسلمين في أول أمرهم وفجر حياتهم عن المسلمين اليوم، (خلق الرجولة) فقد غنى العصر الأول بمن كانوا هامة الشرف، وغزة المجد، وعنوان الرجولة. تتجلى هذه الرجولة في (محمد) إذ يقول: (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته). كما تتجلى في أعماله في أدوار حياته، فحياته كلها سلسة من مظاهر الرجولة الحقة، والبطولة الفذة، إيمان لا تزعزعه الشدائد، وصبر على المكاره، وعمل دائب في نصرة الحق، وهيام بمعالي الأمور، وترفع عن سفسافها. حتى إذا قبضه الله إليه لم يترك ثروة كما يفعل ذوو السلطان، ولم يخلف أعراضاً زائلة كما يخلف الملوك والأمراء. إنما خلف مبادئ خالدة على الدهر، كما خلف رجالاً يرعونها وينشرونها، ويجاهدون بأموالهم وأنفسهم من أجلها. وتاريخ الصحابة ومن بعدهم مملوء بأمثلة الرجولة، فأقوى ميزات (عمر) أنه كان (رجلاً) لا يراعي في الحق كبيراً، ولا يمالئ عظيماً أو أميراً. يقول في إحدى خطبه: (أيها الناس إنه والله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له، ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه). وينطق بالجمل في وصف الرجولة فتجري مجرى الأمثال كأن يقول: (يعجبني الرجل إذا سيم خطة ضيم أن يقول: (لا) بملء فيه) - ويضع البرنامج لتعليم الرجولة فيقول: (علموا أولادكم العوم والرماية، ومروهم فليثبوا على الخيل وثبا، ورووهم ما يجمل من الشعر). ويضع الخطط لتمرين الولاة على الرجولة فيكتب إليهم. (اجعلوا الناس في الحق سواء، قريبهم كبعيدهم، وبعيدهم كقريبهم، إياكم والرشا والحكم بالهوى، وأن تأخذوا الناس عند الغضب)، ويعلمهم كيف يسوسون الناس ويربونهم على الرجولة فيقول: (ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم). من أجل هذا كله كان هذا العصر مظهراً للرجولة في جميع نواحي الحياة، تقرأ تاريخ

стр. 7669

المسلمين في صدر حياتهم فيملؤك روعة، وتعجب كيف كان هؤلاء البدو وهم لم يتخرجوا في مدارس علمية، ولم يتلقوا نظريات سياسية، حكاماً وقادة لخريجي العلم ووليدي السياسة - إنما هي الرجولة التي بثها فيهم دينهم وعظماؤهم هي التي سمت بهم وجعلتهم يفتحون فتحاً حربياً يعتمد على القوة البدنية وكفى، إنما يفتحون فتحاً مدنياً إدارياً منظماً، يعلمون به دارسي العدل كيف يكون العدل، ويعلمون علماء الإدارة كيف تكون الإدارة، ويلقون بعلمهم درساً على العالم أن قوة الخلق فوق مظاهر العلم، وقوة الاعتقاد في الحق فوق النظريات الفلسفية والمذاهب العلمية، وأن الأمم لا تقاس بفلاسفتها بمقدار ما تقاس برجولتها. هل سمعت عدلاً خيراً من أن يضرب ابن لعمرو بن العاص - وهو والي مصر - رجلاً مصرياً فيستحضره عمر بن الخطاب وابنه، ثم يأمر المصري أن يضرب من ضربه وأن يضع السوط على صلعة عمرو، ثم يقول له: (مذ كم تعبدتم الناس وقد ولتهم أمهم أحراراً). أو هل سمعت عطفاً على الرعية، وأخذ الولاة بالحزم كالذي روى أن معاوية قدم من الشام على عمر، فضرب عمر بيده على عضده فتكشف له عن عضد بض ناعم. فقال له عمر: (هذا والله لتشاغلك بالحمامات، وذوو الحاجات تقطع أنفسهم حسرات على بابك!) أو هل سمعت قولاً في العدل يحققه العمل كالذي يقوله عمر (إذا كنت في منزلة تسعني وتعجز الناس، فو الله ما تلك لي بمنزلة حتى أكون أسوة للناس) - أو هل رأيت حزماً في الإدارة كالذي فعله في مسح سواد العراق وترتيب الخراج، وتدوين الدواوين، وفرض العطاء. حقاً لقد كان عمر في كل ذلك رجلاً، ولئن كان هناك رجال قد امتصوا رجولة غيرهم، ولم يشاءوا أن يجعلوا رجالاً بجانبهم، فلم يكن عمر من هذا الضرب، إنما كان رجلاً يخلق بجانبه رجالاً، فأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص والمثنى بن حارثة، وكثير غيرهم كانوا رجالاً نفخ فيهم عمر من روحه كما نفخ فيهم الإسلام من روحه، وأفسح لهم في رجولتهم، كما أفسح لنفسه في رجولته. وكان أدبهم في ذلك العصر صورة صحيحة لرجولتهم يتغنون فيه بأفعال البطولة ومظاهر الرجولة. وخير الشعر أشرفه رجالاً … وشر الشعر ما قال العبيد

стр. 7670

يعتد الشاعر بنفسه ويسمو بها عن النعماء والبأساء فيقول: قد عِشْتُ في الناس أطواراً على طرُقٍ … شتى وقاسيتُ فيها اللينَ والفَظَعا كُلاِّ بلوتُ، فلا النعماءُ تُبْطِرُني … ولا تخّشْعتُ من لأوائها جَزَعا لا يملأُ الهوْلُ صدْرِي قبلَ موقِعه … ولا أضيقُ به ذَرْعا إذا وَقَعاَ ويعتز بشرفه وقوته وإبائه الضيم فيقول: وكنت إذا قوم رمَوْني رميتهم … فهل أَنا في ذَايالََ هَمْدَانَ ظاَلِمُ متى تجِمَع القلبَ الذَّكِيّ وَصارِماً … وَأنفاً حَمِيَّا تَجْتَنبِكَ الَمظَالِمُ ويمدح رجل قوماً فيقول (انهم كالحجر الأخشن إن صادمته آذاك وإن تركته تركك) ويقول أميرهم: (والله ما يسرني أني كُفيتُ أمر الدنيا كله قيل ولم أيها الأمير، قال لأني أكره عادة العجز) إلى كثير من أمثال ذلك. وعلى الجملة فأدبهم تام الرجولة، قد شعت فيه الحياة، وامتلأ بالقوة، حتى اللاهي الماجن كأبي محجن الثقفي: كان يغازل، وكان يشرب، ولكن إذا جد الجد وعزم الأمر كان رجلاً يبيع نفسه لدينه، ويبيع كل شيء لشرفه وشرف قومه. ونستعرض الغزل في الجاهلية وصدر الإسلام، فإذا هو غزل قوي لا مُيُوعة فيه، ولا تخنث، لا يذوب صبابة، ولا يلتاع هياماً، ولا يفقد الرجل فيه رجولته لحبه وقلتُ لقلبي حين لجَّ به الهَوى … وكلَّفنِي مَا لَا أُطِيقُ منَ الْحُبِّ ألا أيُّها القلبُ الذي قادَهُ الهوَى … أَفِقْ لَا أَقَرَّ اللهُ عَيْنَكَ مِنْ قَلب وما أنا بالنّكْسِ الدَّنِيِّ وَلَا الذِي … إِذا صَدَّ عَنِّي ذُو الَموَدَّةِ أَحْرَبُ وَلكنّني إِنْ دَامَ دُمتُ وَإِنْ يكُنْ … لهُ مذْهَبٌ عَنِّي فَلِي عنْهُ مَذْهَبُ ولم يضن التاريخ على المسلمين من حين لآخر برجال لفتوا وجه الدهر، وغيروا مجرى الحوادث، ودفعوا عن قومهم الخطوب، وأنزلوا منزل العز والمنعة، تضيق عن وصف أعمالهم الرسائل والكتب. ثم توالت الأحداث وتتابعت النوب، تفل من شوكتهم، وتفت في رجولتهم حتى رأيناهم بذلوا الشرف للمال، وقد كان آباؤهم ينظرون إلى دينهم وأمتهم، وتفرقوا شيعاً وأحزاباً يذيق بعضهم بأس بعض، فكانوا حرباً على أنفسهم بعد أن كانوا جميعاً حرباً على عدوهم -
следующие страницы →