Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.
стр. 7666
مُحرم
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
يبشّر بالعام الجديد محرّمُ … وينعته كلٌّ بما هو يزعمُ
فيوليه من إطرائه مُتفئّلٌ … ويكثر من ذٍمّ له متشئمِّ
ولا يعلم الإنسان ماذا به له … ومَنْ فيه قد يشقى ومن فيه ينعم
ومن ذا الذي فيه المنايا تغوله … ومن ذا الذي منهن ينجو ويسلم
جديدٌ، أجل، عام جديدٌ تجّد في … لياليه أحداثٌ بها لست أعلم
فيفرح قلبٌ بالكآبة مثقلٌ … ويحزن قلب بالمسرَّة مفعم
وربّ سعيدٍ بالشقاء مهدّدٌ … وربّ شقيٍ بالسعادة يحلم
ونفرح بالأعوام إمَّا تصرَّمت … على أنَّها من عمرنا تتصرَّم
وددت لو أن العام قال منبّثاً … وماذا يقول العام والعام أبكم؟
وللغرب أعوامٌ وللشرق مثلها … ولكنهما الأعوام في الشرق تُسئم
وفي الغرب أفراحٌ وفي الشرق غمّةٌ … وما الأرض إلاّ جَنّة وجَهنم
شقيقان هذا ليل أبنائه بهم … مضيءٌ وهذا يوم أهليه مظلم
وتختلف الأخلاق إلاّ أقلّها … ويختلف التفكير والعرق والدّم
بلى اختلفا فالغرب منصرف القُوَى … إلى فعله والشرق بالقول مغرم
ونحن تثبّطنا، وهم قد تعجّلوا … ونحن تأخّرنا، وهم قد تقدموا
وما كان مجدٌ كان يبنيه أهله … كمجدٍ بأيدي أهله يتهدّم
ومن لي بعام لا يشابه غيره … أرى فيه أظفار البغاة تقلّم
وأبخل أرضٍ بالرجولة بقعةٌ … يضام الفتى فيها ولا يتبرّم
إذا أنت لم تألم من الضغط غاضباً … فمن أي شيء في حياتك تألم؟
أدير عيوني في الوجوه فلا أرى … سوى الذل مقروءًا ولا أتوسم
ليحزنني أن العنادل آثرت … صموتاً وأن الزهر لا يتبسّم
لقد صوّح الزهر الذي كان باسما … ولم يبق للصيداح ذاك الترنم
يريدون ألا يشكو الحزن ثاكل … وألا يئن المثخن المتألم
стр. 7667
من الناس آلافٌ يعضّهم الطوى … وفي كل ألفٍ واحدٌ يتنعّم
إذا عجز المكروب عن شرح ما به … فعلّ دموع العين عنه تترجم
أمن قام يشكو بثّه فعو مزعجٌ … ومّن قال يبغي حقه فهو مجرم!
وإني لا أدري وإن كنت دارياً … أقومي تعاموا أم عن الحق قد عموا
بني وطني لا تسكتوا عن حقوقكم … أليس لكم منكم فمٌ يتكلم
لكم ثروة في الأرض أتعابها لكم … وأرباحها للغرب نهبٌ مقسّم
ولا خير في بدء الفتى بجليلةٍ … إذا كان عن عجز له لا يتمّم
ولا فخر إلا للذي هو ماجدٌ … ولا مجد إلا للذي يتقحّم
وما الحرّ إلا من إذا ضِيم لم يَلن … وإن قال حقاً فهو لا يتلعثم
ويا رُبّ فرٍد قد أتى في جهاده … بما لم يكن يأتي الخميس العرمرم
وما بال أبناء العروبة أصبحت … على الذل أشتاتاً تشبّ وتهرم
وما بال أبناء العروبة سلمت … وقد كان عهدي أنها لا تسلّم
لآلام قومي الصَّيد نفسي تألمت … لكِ الويل يا نفسي التي تتألم
وما خفقان القلب ما أنت سامعٌ … ولكنه آمال قومٍ تَحَطّم
(بغداد)
جميل صدقي الزهاوي
стр. 7668
الرجولة في الإسلام
للأستاذ أحمد أمين
لعل من أهم الفروق التي تميز المسلمين في أول أمرهم وفجر حياتهم عن المسلمين اليوم، (خلق الرجولة) فقد غنى العصر الأول بمن كانوا هامة الشرف، وغزة المجد، وعنوان الرجولة.
تتجلى هذه الرجولة في (محمد) إذ يقول: (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته). كما تتجلى في أعماله في أدوار حياته، فحياته كلها سلسة من مظاهر الرجولة الحقة، والبطولة الفذة، إيمان لا تزعزعه الشدائد، وصبر على المكاره، وعمل دائب في نصرة الحق، وهيام بمعالي الأمور، وترفع عن سفسافها. حتى إذا قبضه الله إليه لم يترك ثروة كما يفعل ذوو السلطان، ولم يخلف أعراضاً زائلة كما يخلف الملوك والأمراء. إنما خلف مبادئ خالدة على الدهر، كما خلف رجالاً يرعونها وينشرونها، ويجاهدون بأموالهم وأنفسهم من أجلها.
وتاريخ الصحابة ومن بعدهم مملوء بأمثلة الرجولة، فأقوى ميزات (عمر) أنه كان (رجلاً) لا يراعي في الحق كبيراً، ولا يمالئ عظيماً أو أميراً. يقول في إحدى خطبه: (أيها الناس إنه والله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له، ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه).
وينطق بالجمل في وصف الرجولة فتجري مجرى الأمثال كأن يقول: (يعجبني الرجل إذا سيم خطة ضيم أن يقول: (لا) بملء فيه) - ويضع البرنامج لتعليم الرجولة فيقول:
(علموا أولادكم العوم والرماية، ومروهم فليثبوا على الخيل وثبا، ورووهم ما يجمل من الشعر). ويضع الخطط لتمرين الولاة على الرجولة فيكتب إليهم. (اجعلوا الناس في الحق سواء، قريبهم كبعيدهم، وبعيدهم كقريبهم، إياكم والرشا والحكم بالهوى، وأن تأخذوا الناس عند الغضب)، ويعلمهم كيف يسوسون الناس ويربونهم على الرجولة فيقول: (ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم).
من أجل هذا كله كان هذا العصر مظهراً للرجولة في جميع نواحي الحياة، تقرأ تاريخ
стр. 7669
المسلمين في صدر حياتهم فيملؤك روعة، وتعجب كيف كان هؤلاء البدو وهم لم يتخرجوا في مدارس علمية، ولم يتلقوا نظريات سياسية، حكاماً وقادة لخريجي العلم ووليدي السياسة - إنما هي الرجولة التي بثها فيهم دينهم وعظماؤهم هي التي سمت بهم وجعلتهم يفتحون فتحاً حربياً يعتمد على القوة البدنية وكفى، إنما يفتحون فتحاً مدنياً إدارياً منظماً، يعلمون به دارسي العدل كيف يكون العدل، ويعلمون علماء الإدارة كيف تكون الإدارة، ويلقون بعلمهم درساً على العالم أن قوة الخلق فوق مظاهر العلم، وقوة الاعتقاد في الحق فوق النظريات الفلسفية والمذاهب العلمية، وأن الأمم لا تقاس بفلاسفتها بمقدار ما تقاس برجولتها.
هل سمعت عدلاً خيراً من أن يضرب ابن لعمرو بن العاص - وهو والي مصر - رجلاً مصرياً فيستحضره عمر بن الخطاب وابنه، ثم يأمر المصري أن يضرب من ضربه وأن يضع السوط على صلعة عمرو، ثم يقول له: (مذ كم تعبدتم الناس وقد ولتهم أمهم أحراراً). أو هل سمعت عطفاً على الرعية، وأخذ الولاة بالحزم كالذي روى أن معاوية قدم من الشام على عمر، فضرب عمر بيده على عضده فتكشف له عن عضد بض ناعم. فقال له عمر: (هذا والله لتشاغلك بالحمامات، وذوو الحاجات تقطع أنفسهم حسرات على بابك!)
أو هل سمعت قولاً في العدل يحققه العمل كالذي يقوله عمر (إذا كنت في منزلة تسعني وتعجز الناس، فو الله ما تلك لي بمنزلة حتى أكون أسوة للناس) - أو هل رأيت حزماً في الإدارة كالذي فعله في مسح سواد العراق وترتيب الخراج، وتدوين الدواوين، وفرض العطاء.
حقاً لقد كان عمر في كل ذلك رجلاً، ولئن كان هناك رجال قد امتصوا رجولة غيرهم، ولم يشاءوا أن يجعلوا رجالاً بجانبهم، فلم يكن عمر من هذا الضرب، إنما كان رجلاً يخلق بجانبه رجالاً، فأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص والمثنى بن حارثة، وكثير غيرهم كانوا رجالاً نفخ فيهم عمر من روحه كما نفخ فيهم الإسلام من روحه، وأفسح لهم في رجولتهم، كما أفسح لنفسه في رجولته.
وكان أدبهم في ذلك العصر صورة صحيحة لرجولتهم يتغنون فيه بأفعال البطولة ومظاهر الرجولة.
وخير الشعر أشرفه رجالاً … وشر الشعر ما قال العبيد
стр. 7670
يعتد الشاعر بنفسه ويسمو بها عن النعماء والبأساء فيقول:
قد عِشْتُ في الناس أطواراً على طرُقٍ … شتى وقاسيتُ فيها اللينَ والفَظَعا
كُلاِّ بلوتُ، فلا النعماءُ تُبْطِرُني … ولا تخّشْعتُ من لأوائها جَزَعا
لا يملأُ الهوْلُ صدْرِي قبلَ موقِعه … ولا أضيقُ به ذَرْعا إذا وَقَعاَ
ويعتز بشرفه وقوته وإبائه الضيم فيقول:
وكنت إذا قوم رمَوْني رميتهم … فهل أَنا في ذَايالََ هَمْدَانَ ظاَلِمُ
متى تجِمَع القلبَ الذَّكِيّ وَصارِماً … وَأنفاً حَمِيَّا تَجْتَنبِكَ الَمظَالِمُ
ويمدح رجل قوماً فيقول (انهم كالحجر الأخشن إن صادمته آذاك وإن تركته تركك)
ويقول أميرهم: (والله ما يسرني أني كُفيتُ أمر الدنيا كله قيل ولم أيها الأمير، قال لأني أكره عادة العجز) إلى كثير من أمثال ذلك.
وعلى الجملة فأدبهم تام الرجولة، قد شعت فيه الحياة، وامتلأ بالقوة، حتى اللاهي الماجن كأبي محجن الثقفي: كان يغازل، وكان يشرب، ولكن إذا جد الجد وعزم الأمر كان رجلاً يبيع نفسه لدينه، ويبيع كل شيء لشرفه وشرف قومه.
ونستعرض الغزل في الجاهلية وصدر الإسلام، فإذا هو غزل قوي لا مُيُوعة فيه، ولا تخنث، لا يذوب صبابة، ولا يلتاع هياماً، ولا يفقد الرجل فيه رجولته لحبه
وقلتُ لقلبي حين لجَّ به الهَوى … وكلَّفنِي مَا لَا أُطِيقُ منَ الْحُبِّ
ألا أيُّها القلبُ الذي قادَهُ الهوَى … أَفِقْ لَا أَقَرَّ اللهُ عَيْنَكَ مِنْ قَلب
وما أنا بالنّكْسِ الدَّنِيِّ وَلَا الذِي … إِذا صَدَّ عَنِّي ذُو الَموَدَّةِ أَحْرَبُ
وَلكنّني إِنْ دَامَ دُمتُ وَإِنْ يكُنْ … لهُ مذْهَبٌ عَنِّي فَلِي عنْهُ مَذْهَبُ
ولم يضن التاريخ على المسلمين من حين لآخر برجال لفتوا وجه الدهر، وغيروا مجرى الحوادث، ودفعوا عن قومهم الخطوب، وأنزلوا منزل العز والمنعة، تضيق عن وصف أعمالهم الرسائل والكتب.
ثم توالت الأحداث وتتابعت النوب، تفل من شوكتهم، وتفت في رجولتهم حتى رأيناهم بذلوا الشرف للمال، وقد كان آباؤهم ينظرون إلى دينهم وأمتهم، وتفرقوا شيعاً وأحزاباً يذيق بعضهم بأس بعض، فكانوا حرباً على أنفسهم بعد أن كانوا جميعاً حرباً على عدوهم -
стр. 7671
ورضوا في الفخر أن يقولوا (كان آباؤنا) مع أن شاعرهم يقول:
إذا أنت لم تَحْم القديم بحادث … من المجد لم يَنْفَعْك ما كانَ مِنْ قبل
وناثرهم يقول: (لم يدرك الأول الشرف إلا بالفعل، ولا يدركه الآخر إلا بما أَدرك به الأول)
ورأينا خير ما في الأمم حاضرها وخير ما فينا ماضينا.
أريد بالرجولة صفة جامعة لكل صفات الشرف من اعتداد بالنفس واحترام لها، وشعور عميق بأداء الواجب، مهما كلفه من مصاعب، وحماية لما في ذمته من أسرة وأمة ودين، وبذل الجهد في ترقيتها، والدفاع عنها، والاعتزاز بها، وإباء الضيم لنفسه ولها.
وهي صفة يمكن تحققها مهما اختلفت وظيفة الإنسان في الحياة فالوزير الرجل من عد كرسيه تلكيفاً لا تشريفاً، ورآه وسيلة للخدمة لا وسيلة للجاه، أول ما يفكر فيه قومه، وآخر ما يفكر فيه نفسه، يظل في كرسيه ما ظل محافظاً على حقوق أمته، وأسهل شيء طلاقه يوم يشعر بتقصير في واجبه، أو يوم يرى أن غيره أقوى منه في حمل العبء، وأداء الواجب، يجيد فهم مركزه من أمته ومركز أمته من العالم، فيضع الأمور موضعها ويرفض في إباء أن يكون يوماً ما عوناً للأجنبي عليها، فاذا أريد على ذلك قال: (لا) بملء فيه، فكانت (لا) منه خيراً من ألف (نعم) وكانت (لا) منه وساماً تدل على رجولته - يقتل المسائل بحثاً ودرساً، ويعرف فيها موضع الصواب والخطأ ومقدار النفع والضرر، ثم يقدم في حزم على عمل ما رأى واعتقد لا يعبأ بتصفيق المصفقين، ولا بذم القادحين، إنما يعبأ بشيء واحد هو صوت ضميره، ونداء شعوره.
والعالم الرجل من أدى رسالته لقومه من طريق علمه، يحتقر العناء يناله في سبيل حقيقة يكتشفها أو نظرية يبتكرها، ثم هو أمين على الحق لا يفرح بالجديد لجدته، ولا يكره القديم لقدمه، له صبر على الشك، وغرام بالتفكير وبطء في الجزم، وصبر على الشدائد، وازدراء بالإعلان عن النفس، وتقديس للحقيقة، صادفت هوى الناس أو أثارت سخطهم، جلبت مالا أو أوقعت في فقر، يفضل قول الحق وإن أهين على قول الباطل وإن كرم.
والصانع الرجل من بذل جهده في صناعته، فلم يشأ إلا أن يصل بصناعته إلى أرقى ما وصلت إليه في العالم، عشقها وهام بها حتى بلغ بها ذروتها، يشعر بأنه وطني في صناعته
стр. 7672
كوطنية السياسي في سياسته، وأن أمته تخدم من طريق الصناعة كما تخدم من طريق السياسة، وأن الصناعة لا تقل في بناء المجد القومي عن غيرها من شؤون الدولة، فهو لهذا يحسن فنه، وهو لهذا يحسن سلوكه، وهو لهذا يرفض ربحاً كثيراً مع الخداع، ويقنع بربح معتدل مع الصدق، وهو لهذا كله كان رجلاً.
بل الرجولة تكون في المعنويات كما تكون في الماديات، فالرأي العام هو الرأي العام اليقظ، شديد التنبه لما يحيط به من مخاطر، يعرف كيف يدفع عنه الأذى إذا نيل منه، ويصد الشر إذا نزل به، صحيح التقدير لأعمال الرجولة، شديد الاحتقار للنذالة، يظهر إعجابه للمحسن أيا ما كان في أشكال تدعو إلى الإعجاب، ويظهر ازدراءه للمسيء أيا ما كان في أشكال تدعو إلى الإعجاب أيضاً، ولا يكون الرأي العام رجلاً حتى تشيع في أفراد الأمة الرجولة وتكثر فيهم البطولة - وفي الرجولة متسع للجميع، فالزارع في حقله قد يكون رجلاً، والتلميذ في مدرسته قد يكون رجلاً، وكل ذي صناعة في صناعته قد يكون رجلاً، وليس يتطلب ذلك إلا الاعتزاز بالشرف وإباء المذلة.
من لنا ببرنامج دقيق للرجولة كالبرنامج الذي يوضع للتعليم، يبدأ يرعى الطفل في بيته فيعلمه كيف يحافظ على الكلمة تصدر منه كما يحافظ على الصك الذي يوقع عليه، ويعلمه كيف يكون رجلاً في ألعابه، فيعدل بين أقرانه في اللعب كما يحب أن يعدلوا معه، ويلاعبهم بروح الرجولة من حب ومساواة ومرح في صدق وإخلاص.
ويسير مع التلميذ في مدرسته، فيعلمه كيف يحترم نفسه، وكيف لا يفعل الخطأ وإن غفلت عنه أعين الرقباء، ولا يغش في الامتحان ولو تركه المعلم وحده مع كتبه؛ وكيف يعطف على الضعفاء ويبذل لهم ما استطاع من معونة.
ويتمشى مع الطالب في جامعته فيعوده الاعتزاز بنفسه والاعتزاز بجامعته والاعتزاز بأمته. ويبعثه على أن يفكر في غرض شريف له في الحياة يسعى لتحقيقه - حتى إذا ما أتم دراسته كان قاضياً رجلاً أو معلماً رجلاً، أو سياسياً رجلاً، وعلى الجملة إنساناً رجلاً.
ويتابع الأمة فيضع لها الأدب الذي يبعث قوة، والأناشيد والأغاني التي تملأ النفس أملاً. ويراقب في شدة وحزم دور السينما والتمثيل والملاهي، فلا يسمح بما يضعف النفس ويلثم الشرف، ولا يسمح بما يحي الشهوة ويميت العزيمة، ويأخذ على أيدي الساسة والحكام
стр. 7673
ورجال الشرطة، حتى لا يقسوا على الناس فيميتوهم، ولا يرهبوهم فيذلوهم.
من يبادلني فيأخذ كل برامج التعليم، وكل ميزانية الدولة ويسلمني برنامجاً للرجولة وميزانية لتنفيذه ليس غير.
ولي كبد مقروحة، من يبيعني … بها كبداً ليست بذات قروح؟
أحمد أمين
стр. 7674
حقيقة المسلم
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
لا يعرف التاريخ غير محمد ﷺ رجلاً أفرغ الله وجوده في الوجود الإنساني كله، كما تنصب المادة في المادة، لتمتزج بها، فتحو لها، فتحدث منها الجديد، فإذا الإنسانية تتحول به وتنمو، وإذا هو ﷺ وجودٌ سارٍ فيها فما تبرح الإنسانيةُ تنمو به وتتحول.
كان المعنى الآدمي في هذه الإنسانية كأنما وهن من طول الدهر عليه يتحيفه ويمحوه ويتعاوره بالشر والمنكر، فابتعت الله تاريخ العقل بآدم جديدٍ بدأت به الدنيا في تطورها الأعلى من حيث يرتفع الإنسان على ذاته، كما بدأت من حيث يوجد الإنسان في ذاته؛ فكانت الإنسانيةُ دهرها بين اثنين: أحدهما فتح لها طريق المجيء من الجنة، والثاني فتح لها طريق العودة إليها. كان في آدم سر وجود الإنسانية، وكان محمدٍ سرُ كمالها.
ولهذا سمي الدينُ (بالإسلام)؛ لأنه إسلام النفس إلى واجبها، أي إلى الحقيقة من الحياة الاجتماعية؛ كأن المسلم ينكر ذاته فيسلمها إلى الإنسانية تصرفها وتعتملهافي كمالها ومعاليها؛ فلاحظ له من نفسه يمسكها على شهواته ومنافعه، ولكن للإنسانية بها الحظ.
وما الإسلام في جملته إلا هذا المبدأ: مبدأ إنكار الذات و (إسلامها) طائعة على المنشط والمكره لفروضها وواجباتها؛ وكلما نكصت إلى منزعها الحيواني، أسلمها صاحبها إلى وازعها الإلهي. وهو أبداً يروضها على هذه الحركة ما دام حيا؛ فينتزعها كل يوم من أوهام دنياها ليضعها ما بين يدي حقيقتها الإلهية: يروضها على ذلك كل يوم وليلةٍ خمس مراتٍ مسماةٍ في اللغة خمس صلوات، لا يكون الإسلام إسلاماً بغيرها؛ فلا غرو كانت الصلاة بهذا المعنى كما وصفها النبي ﷺ : هي عماد الدين.
بين ساعاتٍ وساعات في كل مطلع شمس من حياة المسلم صلاة، أي إسلام النفس إلى الإرادة الاجتماعية الشاملة القائمة على الطاعة للفرض الإلهي، وإنكارٌ لمعانيها الذاتية الفانية التي هي مادة الشر في الأرض، وإقرارها لحظاتٍ في حيز الخير المحض البعيد عن الدنيا وشهواتها وآثامها ومنكراتها. ومعنى ذلك كله طرقاً تتشتت فيها الأرواح وتتبعثر، حتى تضل روح الأخ عن روح أخيه فتنكرها ولا تعرفها!
стр. 7675
وهذا الوجود الروحي هو مبعث الحالة العقلية التي جاء الإسلام ليهدي الإنسانية إليها؛ حالة السلام الروحاني الذي يجعل حرب الدنيا المهلكة حرباً في خارج النفس لا في داخلها، ويجعل ثروة الإنسان مقدرة بما يعامل الله والإنسانية عليه؛ فلا يكون ذهبه وفضته ما كتبت عليه (صنع في مملكته نفسي)؛ ومن ثم لا يكون وجوده الاجتماعي للأخذ حسب، بل للعطاء أيضاً؛ فان قانون المال هو الجمع؛ أما قانون العمل فهو البذل.
بالانصراف إلى الصلاة وجمع النية عليها، يستشعر المسلم أنه حطم الحدود الأرضية المحيطة بنفسه من الزمان والمكان، وخرج منها إلى روحانية لا يحد فيها إلا بالله وحده.
وبالقيام في الصلاة، يحقق المسلم لذاته معنى إفراغ الفكر السامي على الجسم كله ليمتزج بجلال الكون ووقاره، كأنه كائن منتصب مع الكائنات يسبح بحمده.
وبالتوالي شطر القبلة سمتها الذي لا يتغير على اختلاف أوضاع الأرض، يعرف المسلم حقيقة الرمز للمركز الثابت في روحانية الحياة؛ فيحمل قلبه معنى الاطمئنان والاستقرار على جاذبية الدنيا وقلقها.
وبالركوع والسجود بين يدي الله، يشعر المسلم نفسه معنى السمو والرفعة على كل ما عدا الخالق من وجود الكون.
وبالجلسة في الصلاة وقراءة التحيات الطيبات، يكون المسلم جالساً فوق الدنيا يحمد الله ويسلم على نبيه وملائكته ويشهد ويدعو.
وبالتسليم الذي يخرج به من الصلاة يقبل المسلم على الدنيا وأهلها إقبالاً جديداً من جهتي السلام والرحمة.
هي لحظات من الحياة كل يوم في غير أشياء هذه الدنيا؛ لجمع الشهوات وتقييدها بين وقتٍ وآخر بسلاسلها وأغلالها من حركات الصلاة، ولتمزيق الفناء خمس مرات كل يوم عن النفس؛ فيرى المسلم من وراءه حقيقة الخلود، فتشعر الروح أنها تنمو وتتسع. هي خمس صلوات، هي كذلك خمس مرات يفرغ فيها القلبُ مما امتلأ به من الدنيا، فما أدق وأبدع وأصدق قوله ﷺ : (جُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصلاة).
لم يكن الإسلام في حقيقته إلا إبداعاً للصيغة العملية التي تنتظم الإنسانية فيها؛ ولهذا كانت آدابه كلها حراساً على القلب المؤمن كأنها ملائكةٌ من المعاني؛ وكان الإسلام بها عملاً
стр. 7676
إصلاحياً وقع به التطور في عالم الغريزة، فنقله إلى عالم الخلق، ثم ارتقى بالخلق إلى الحق، ثم سما بالحق إلى الخير العام؛ فهو سمو فوق الحياة بثلاث طبقات، وتدرج إلى الكمال في ثلاث منازل، وابتعادٌ عن الأوهام بمسافة ثلاث حقائق.
وبتلك الأعمال والآداب كانت الدنيا المسلمةُ التي أسسها النبي ﷺ دنيا أسلمت طبيعتها، فأصبحت على ما أراد المسلمون لا ما أرادت هي؛ وكأنها قائمة بنواميس من أهليها لا على أهليها؛ وكان الظاهر أن الإسلام يغزو الأمم بالعرب ويفتتحها، ولكن الحقيقة العجيبة أن إقليماً من الدنيا كان يحارب سائر أقاليم الأرض بالطبيعة الأخلاقية الجديدة لهذا الدين؛ وكأن الله تعالى ألقى في رمال الجزيرة روح البحر، وبعثها بعثه الإلهي لأمره، فكان النبي ﷺ هو نقطة المد التي يفور البحر منها، وكان المسلمون أمواجه التي غسلت بها الدنيا. . .
لهذا سمع المسلمون الأولون كلام الله تعالى في كتابه، وكلام رسوله ﷺ ، لا كما يسمعون القول، ولكن كما يتلقون الحكم النافذ المقضي؛ ولم يجدوا فيه البلاغة وحدها، بل روعة أمر السماء في بلاغة؛ واتصلوا بنبيهم، ثم بعضهم ببعض، لا كما يتصل إنسان بإنسان، بل كما تتصل الأمواج بقوة المد، ثم كما يمد بعضها بعضاً في قوةٍ واحدة.
وحققوا في كماله ﷺ وجودهم النفسي؛ فكانوا من زخارف الحياة وباطلها في موضع الحقيقة الذي يرى فيه الشيء لا شيء.
ورأوا في إرادته ﷺ النقطة الثابتة فيما يتضارب من خيالات النفس، فكانوا أكبر علماء الأخلاق على الأرض، لا من كتبٍ ولا علمٍ ولا فلسفة، بل من قلب نبيهم وحده.
وعرفوا به ﷺ تمام الرجولة؛ ومتى تمت هذه الرجولة تمامها في إنسان رجعت له الطفولة في روحه، وامتلك تلك الطبيعة التي لا يملكها إلا أعظم الفلاسفة والحكماء، فأصبح كأنما يمشي في الحياة إلى الجنة بخطوات مُسددةٍ لا تزيغ ولا تنحرف فلا شر ولا رذيلة، ودنياه هي الدنيا كلها بشمسها وقمرها، يملكها وإن لم يملك منها شيئاً ما دامت في قلبه طبيعةُ السرور، فلا فقر ولا غنى مما يشعر الناس بمعانيه، بل كل ما أمكن فهو غني كامل، إذ لم تعد القوة في المادة تزيد بزيادتها وتنقص بنقصانها، بل القوة في
стр. 7677
الروح التي تتصرف بطبيعة الوجود، وتدفع قوى الجسم بمثل دوافع الطفولة النامية المتغلبة، حتى لتجعل من النور والهواء ما يُؤتَدَمُ به مع الخبز القفار، كما يؤتَدَمُ باللحم وأطايبِ الأطعمة.
وبذلك لا تتسلط ضرورةٌ على الجسم - كالجوع والفقر والألم ونحوها - إلا كان تسلطها كأنه أمرٌ من قوةٍ في الوجود إلى قوةٍ في هذا الجسم أن تظهر لتعمل عملها المعجز في إبطال هذه الضرورة. وهذا الجنس من الناس كالأزهار على أغصانها الخضر؛ لو قالت: (إن ثروتي في الحياة هي الحياةُ نفسها، فليس لي فقرٌ ولا غنى، بل طبيعةٌ أو لا طبيعة. . .).
ولقد كان المسلم يضرب بالسيف في سبيل الله، فتقع ضربات السيوف على جسمه فتمزقه؛ فما يُحسها إلا كأنها قُبل أصدقاء من الملائكة يلْقونه ويعانقونه!
وكان يبتلى في نفسه وماله، فلا يشعر في ذلك أنه المُرزأُ المبتلى يُعرف فيه الحزنُ والانكسار، بل تظهر فيه الإنسانية المنتصرة كما يظهر التاريخُ الظافرُ في بطله العظيم أصيب في كل موضعٍ من جسمه بجراح، فهي جراحٌ وتشويهٌ وألم، وهي شهادةُ النصر!
ولم تكن أثقالُ المسلم من دنياه أثقالاً على نفسه، بل كانت له أسباب قوةٍ وسمو؛ كالنسر المخلوق لطبقات الجو العليا، يحمل دائماً من أجل هذه الطبقات ثقل جناحيه العظيمين.
وكانت الحقيقةُ التي جعلها النبيُ ﷺ مثلهم الأعلى، وأقرها في أنفسهم بجميع أخلاقه وأعماله - أن الفضائل كلها واجبةٌ على كل مسلم لنفسه، إذ أنها واجبة بكل مسلم على غيره؛ فلا تكون في الأمة إلا إرادة واحدة متعاونة، تجعل المسلم وما هو إلا روح أمته تعمل به أعمالها هي لا أعماله وحدها؛ المسلم إنسانٌ ممتدٌ بمنافعه في معناه الاجتماعي حول أمته كلها، لا إنسانٌ ضيقٌ مجتمعٌ حول نفسه بهذه المنافع؛ وهو من غيره في صدق المعاملة الاجتماعية كالتاجر من التاجر: تقول الأمانة لكليهما: (لا قيمة لميزانك إلا أن يصدقه ميزان أخيك. .).
ولن يكون الإسلام صحيحاً تاماً حتى يجعل حامله مثلاً من نبيه في أخلاق الله؛ فما هو بشخص يضبط طبيعته، يقهرها مرةً وتقهره مراراً؛ ولكن طبيعةٌ تضبط شخصها فهي قانون وجوده؛ لا يضطرب من شيء، وكيف يضطرب ومعه الاستقرار؟ لا يخاف من
стр. 7678
شيء، وكيف يخاف ومعه الطمأنينة؟ لا يخشى مخلوقاً، وكيف يخشى ومعه الله؟
أيها الأسد، هل أنت بجملتك إلا في طبيعة مخالبك وأنيابك. . .؟
طنطا
مصطفى صادق الرافعي
стр. 7679
الدفاع عن الإسلام
للأستاذ توفيق الحكيم
قرأت لتسع سنوات خلت قصة فولتير التمثيلية (محمد)، فخجلت أن يكون كاتبها معدوداً من أصحاب الفكر الحر. فقد سب فيها النبي سباً قبيحاً عجبت له. وما أدركت له علة، لكن عجبي لم يطل، فقد رأيته يهديها إلى بنوا الرابع عشر بهذه العبارات:
(فلتستغفر قداستك لعبد خاضع من أشد الناس إعجاباً بالفضيلة، إذا تجرأ فقدم إلى رئيس الديانة الحقيقية ما كتبه ضد مؤسس ديانة كاذبة بربرية. والى من غير وكيل رب السلام، والحقيقة أستطيع أن أتوجه بنقدي قسوة نبي كاذب وأغلاطه؟ فلتأذن لي قداستك في أن أضع عند قدميك الكتاب ومؤلفه؛ وأن أجرؤ على سؤالك الحماية والبركة. وإني مع الإجلال العميق أجثو وأقبل قدميك القدسيتين) (فولتير ١٧ أغسطس ١٧٤٥).
وعلمت في ذلك الحين أن روسو كان يتناول بالنقد أعمال فولتير التمثيلية، فاطلعت على ما قال في قصة (محمد) علني أجد ما يرد الحق إلى نصابه، فلم أر هذا المفكر الحر أيضاً يدفع عن النبي ما أُلصق به كذباً، وكأن الأمر لا يعينه، وكأن ما قيل في النبي لا غبار عليه ولا حرج فيه، ولم يتعرض للقصة إلا من حيث هي أدب وفن. ولقد قرأت بعد ذلك رد البابا بنوا على فولتير، فألفيته رداً رقيقاً كيساً لا يشير بكلمة واحدة إلى الدين، وكله حديث في الأدب. فعظم عجبي لأمر فولتير، وسألت نفسي طويلاً: أيستطيع عقل مثقف كعقل هذا الكاتب العظيم أن يعتقد ما يقول. دين تبعه آلاف الملايين من البشر على مدى الأجيال، هو في نظره حقاً دين كاذب؟ ومبادئ إنسانية كالتي جاء بها الإسلام، هي عنده حقاً مبادئ بربرية؟ أم إنه التملق والزلفى والنفاق. وإن الزمن والتاريخ يضعان أحياناً أقنعة زائفة على نفوس تزعم أنها خلقت للدفاع عن حرية الفكر. . .
منذ ذلك اليوم وأنا أحس كأني فجعت في شيء عزيز لدي: الإيمان بنزاهة الفكر الحر. ولقد كنت أحياناً ألتمس الأعذار لفولتير، وأزعم أنه قال ما قال لا عن مجاملة أو ملق، بل عن عقيدة وحسن طوية استناداً على علم خاطئ بأخبار النبي، ولكن كتابه إلى البابا كان يتهمه اتهاما صارخاً، ويدع مجالاً للشك في دخيلة أمره. إني قرأت لفولتير كتباً أخرى كانت تكشف عن آراء حرة حقاً في مسائل الأديان، وتنم عن روح واسعة الآفاق تكره التعصب
стр. 7680
الذميم، فما باله عند عرض لذكر محمد والإسلام كتب شيئاً هو التعصب بعينه، تعصبٌ لدينه، ذهب فيه إلى حد السجود وتقبيل الأقدام، لا لرب العزة والخلق، بل لبشر هو رئيس الكنيسة التي ما أرى أن فولتير كان في ذات يوم من خدامها المخلصين. هي الأطماع التي كانت تدفع فولتير فيما أرى إلى التمسح بأعتاب الملوك والبابوات، ولقد يقدم ثمناً لذلك أفكاره الحرة أحياناً. منذ ذلك الحين وفولتير عندي متهم، ولن أبرئه أبداً، ولن أعده أبداً من بين أولئك العظام الذين عاشوا بالفكر وحده وللفكر. وأحسب أن التاريخ العادل سوف يحكم عليه هذا الحكم، فينتقم للحق بما افتراه على نبي كريم ظلماً وزوراً. على أن الذين يدعو إلى الدهش أكثر من كل هذا أن الشرق والإسلام وقفا من الأمر موقف النائم الذي لا يعي ولا يشعر بما يحدث حوله، فلم أر كاتباً من كتاب الإسلام قام في ذلك الوقت يدفع عن دينه هذا الهراء الذي قال فولتير، ويقذف في وجه هذا الكاتب بالحقائق الباهرة القاطعة، أو أن مؤلفاً وضع كتاباً يبرز فيه شخصية النبي الخيرة العظيمة واضحة جلية. لقد كان الشرق في ليل هادئ بهيم لم تثر فيه حركة فولتير يومئذ ساكناً، ولكن اليوم قد تغير الأمر، ولاجت في أفق الشرق خيوط الفجر، وقام في هذا القرن كتاب يمجدون عقيدتهم وهم يعلمون أن في ذلك تمجيداً للحق وللشرق، فان المسألة ليست مسألة دين فقط، إنما هي أيضاً مسألة جنس وقومية؛ وإذ تقول أوربا: (الإسلام) فإنما تعني في غالب الأحيان (الشرق) إن الحروب الصليبية في حقيقتها لم تكن إلا حرب الغرب على الشرق؛ وإن الفتح الإسلامي عندما بلغ فرنسا وهدد أوربا لم يكن في الواقع إلا حرب الشرق على الغرب. هذا المد والجزر بين الغرب والشرق يفهمه مفكرو الأوربيين تمام الفهم، ويحسبون له الحساب، ويعملون دائماً على أن تكون الغلبة لهم آخر الأمر، أو أن يطيلوا على الأقل أمد غلبتهم إن كان لابد من تبدل الحال ومن دوران الفلك طبقاً لناموس أعلى لا قبل لهم به. فالدفاع عن شخصيتنا وعقيدتنا دفاع عن حياتنا، وإن الكتابات التي توجه لهذا الغرض النبيل ينبغي أن يكون لها علينا حق المؤازرة والتعضيد؛ وإني لست بناقد منقطع للنظر في أعمال المؤلفين وتقدير ما يكتبون، ولكني أريد أن أشير إشارة سريعة إلى ثلاثة أساليب مختلفة من أساليب الكتابة، اتجهت في العصر الحديث إلى هذه الغاية، كل في دائرته.
ففي الكتابة الدينية: (الرد على هانوتو) للأستاذ الإمام محمد عبده، فلقد نشر هانوتو الكاتب
стр. 7681
والوزير الفرنسي يوماً مقالة جاء فيها:
(لقد أصبحنا اليوم إزاء الإسلام والمسألة الإسلامية، اخترق المسلمون أبناء آسيا شمال القارة الأفريقية بسرعة لا تجاري حاملين في حقائبهم بعض بقايا البيزنطيين (يونان الشرق) ثم تراموا بها على أوربا، ولكنهم وجدوا في نهاية انبعاثهم هذا مدنية يرجع أصلها إلى آسيا، بل أقرب في الصلة إلى المدنية البيزنطية مما حملوه معهم، ألا وهي المدنية الآرية المسيحية، ولذلك اضطروا إلى الوقوف عند الحد الذي إليه وصلوا، وأكرهوا على الرجوع إلى أفريقية حيث ثبت فيها أقدامهم أحقاباً متعاقبة) ثم قال في موضع آخر: (وقصر فريق منا بحثه وحكمه على ما شاهده من المناقضات والخلافات بين الدينين المسيحي والإسلامي، فرأى في الإسلام العدو الألد والخصم الأشد. قال جذام فشا بين الناس وأخذ يفتك فيهم فتكاً ذريعاً، بل هي مرض مريع وشلل عام، وجنون ذهولي يبعث الإنسان على الخمول والكسل، ولا يوقظه منهما إلا ليسفك الدماء، ويدمن على معاقرة الخمور، ويجمح في القبائح، وما قبر محمد في مكة إلا عمود كهربائي يبث الجنون في رؤوس المسلمين ويلجئهم إلى الأتيان بمظاهر الهستريا (الصراع) العامة والذهول العقلي، وتكرار لفظة الله إلى ما لانهاية، والتعود على عادات تنقلب إلى طباع أصلية ككراهية لحم الخنزير، والنبيذ، والموسيقى، والجنون الروحاني، والليمانيا، والماليخوليا، وترتيب ما يستنبط من أفكار القسوة والفجور في اللذات) الخ الخ
أمثال هذا الكاتب يعتقدون أن المسلمين وحوش ضارية، وحيوانات مفترسة (كالفهد والضبع، كما يقول المسيو كيمون (وأن الواجب إبادة خمسهم) كما يقول أيضاً (والحكم على الباقين بالأشغال الشاقة، وتدمير الكعبة، ووضع ضريح محمد في متحف اللوفر) وهذا أيضاً قوله (. . وهو حل بسيط وفيه مصلحة للجنس البشري. . أليس كذلك؟ ولكن قد برح عن خاطر الكاتب أنه يوجد نحو ١٣٠ مليوناً مسلماً، وأن من الجائز أن يهب هؤلاء (المجانين) للدفاع عن أنفسهم والذود عن بيضة دينهم. . الخ الخ)
فما ظهر هذا الكلام في صحيفة المؤيد، حتى قام الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده لساعته مجرداً قلمه وكتب نحو أربع مقالات هي أقوى ما قرأت دفاعاً عن الإسلام، وإظهاراً لحقيقة مبادئه الخافية على أغلب الأوربيين. وقد ورد على هانوتو فيما أوردنا صائحاً: (ما هذا
стр. 7682
التمدين الآري الذي كانت عليه أوربا عندما انتقص أطرافها المسلمون؟؟)
هل كانت تلك المدنية هي التسافك في الدماء، وإشهار الحرب بين الدين والعلم، وبين عبادة الله وبين الاعتراف بالعقل، نعم هذا هو الذي كان معروفاً عند الغربيين وقت ما ظهر الإسلام.
ماذا حمل الإسلام إلى أوربا، وما هي المدنية التي زحف عليهم بها فردوها؟ زحف عليهم بما استفاد من صنائع الفرس وسكان آسيا من الآريين، زحف عليهم بعلوم أهل الفرس والمصريين والرومانيين واليونانيين. نظف جميع ذلك ونقاه من الأدران والأوساخ التي تراكمت عليه بأيدي الرؤساء في الأمم الغربية المتسكعين الذين كانوا في ظلمات الجهالة لا يدرون أين يذهبون.
إني أكيل لمسيو هانوتو إجمالاً بأجمال، والتفصيل لا يجهله قومه، وكثير من منصفيهم لم يستطع إلا الاعتراف به.
إن أول شرارة ألهبت نفوس الغربيين فطارت بها إلى المدنية الحاضرة كانت من تلك الشعلة الموقدة التي كان يسطع ضوؤها من بلاد الأندلس على ما جاورها، وعمل رجال الدين المسيحي على إطفائها مدة قرون فما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. واليوم يرعى أهل أوربا ما نبت في أرضهم، بعد ما سقت بدماء أسلافهم المسفوكة بأيدي أهل دينهم في سبيل مطاردة العلم والحرية وطوالع المدنية الحاضرة).
ثم رد الامام في موضع آخر: (يجب على الباحث في الإسلام أن يطلبه في كتابه، كما يجب عليه أن يطلب آثاره والإسلام إسلام، والمسلمون مسلمون، ولو استشم مسيو (كيمون) الذي استشهد هانوتو بكلامه ريح العلم لما استفرغ ذلك القذر من فيه، ولا حاجة إلى الكلام فيه، فسخافة رأيه وقلة أدبه تكفيه.
من أين أُتى المسلمون وكيف دخل عليهم في عقائدهم بالتشبيه، وفي عوائدهم بالتمويه؟ وممن تعلموا الافتراس، وعمن أخذوا الضراء بالشهوات؟ أنا أعلم ذلك وأهل العلم يعلمون، والله من ورائهم محيط.
اتبع المسلمون سنن من قبلهم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى سقطوا في مساقطهم، وطارحوا الأوهام حتى انجروا إلى مطارحهم، وباءوا بما كان لهم وما عليهم.
стр. 7683
حدثت في الدين بدع أكلت الفضائل وحصدت العقائل، وترامت بالناس إلى حيث يصب عليهم ما استفرغه (كيمون).
أما لو رجع المسلمون إلى كتابهم واسترجعوا باتباعه ما فقدوه من آدابهم لسلمت نفوسهم من العيب، وطلبوا من أسباب السعادة ما هداهم الله إليه في تنزيله على لسان نبيه، ومهده لهم سلفهم وخطه لهم أهل الصلاح منهم، واستجمعت لهم القوة ودبت فيهم روح الفتوة، وكان ما يلقاه هانوتو وكيمون من دين صحيح شراً عليهما مما يخشونه من دين شوهته البدع.
يرى كيمون أن تخلى وجه الأرض من الإسلام والمسلمين، ويستحسن رأيه هانوتو لولا ما يقف في طريق ذلك كثرة عدد المسلمين؛ وبئسما اختارا لسياسة بلدهما أن يظهرا ضغنهما، ويعلنا خطل رأيهما وضعف حلهما.
أما فليعلم كل من يخدع نفسه بمثل حلمهما أن الإسلام إن طالت به غيبة، فله أوبة، وإن صدعته النوائب فله نوبة، وقد يقول فيه المنصفون من الانكليز مثل (اسحق طلير) وهو قس شهير ورئيس في كنيسة:
(إنه يمتد في أفريقيا ومعه تسير الفضائل حيث سار، فالكرم والعفاف والنجدة من آثاره، والشجاعة والاقدام من أنصاره).
بهذا القلم وهذه المعرفة وهذا الذهن، وقف رجل الإسلام الحديث محمد عبده يذود عن بيضته أمام عدوان جهابذة الفكر والقلم من الأوربيين.
أما في الكتابة الأدبية، فأذكر (على هامش السيرة) للدكتور طه حسين، ففي هذا الكتاب دفاع عن الإسلام كما يستطيع الأدب البحت أن يدافع. فهو لا يسلك الطريق المستقيم في الكلام عن الإسلام، ولا يلجأ إلى التدليل العقلي، إنما يخلق جواً شعرياً يحبب إلى النفس سيرة النبي وبيئته؛ وقد عمد الدكتور طه حسين إلى الأساطير ينسج منها هذا الجو الأدبي الجميل، وتلك وسيلة الأدب والفن، ومن ذا يقرأ هذا الوصف لبلاد النبي ولا تأخذه روعته؟:
(هنالك دعت (آمنة) إليها من حضرها من نساء بني هاشم، فأسرعن إليها وقضين معها ليلة لا كالليالي، أنكرن فيها كل شيء وأعجبن بكل شيء، أنكرن حتى أنفسهن، فقد رأين ما لم ير أحد، وسمعن ما لم يسمع أحد، وأحسسن ما لم يحس أحد. ولم تكن آمنة أقلهن إنكاراً
стр. 7684
وإكباراً وإعجاباً - فقد كانت ترى وهي يقظة غير نائمة أن نوراً ينبعث منها فيملأ الأرض من حولها، ويزيل الحجب عن عينيها، وكانت تنظر فترى قصور بصري في أطراف الشام، وكانت تنظر فترى أعناق الإبل تردى في أقصى الصحراء، وكانت لا تتحدث إلى من حولها بما ترى مخافة أن ينكرن ما تقول، وأن يظنن بها الظنون، وكانت هذه من صاحباتها لا تمد طرفها إلى شيء حتى تراه نوراً كله، لا ظلمة فيه وإنما هو مشرق مضيء، أو هو الإشراق الخالص، وكانت هذه الأخرى من صاحباتها تنظر، فإذا نجوم السماء تدنو من الأرض وتمد إليها أشعة قوية نقية باهرة ساحرة، وإنها لتدنو وتدنو حتى يخيل إلى الرائية أنها توشك أن تمسها وتقع عليه).
لقد دافع طه حسين عن الإسلام في كتابه (على هامش السيرة) وإن كان لم يقصد إلى ذلك. فان الأدب الصرف والفن الصرف لا يقصدان أحياناً إلى شيء، ولكن في مجرد صوتيهما أبلغ الكلام.
أما في الكتابة العلمية فها هو ذا كتاب (حياة محمد) للدكتور محمد حسين هيكل بك. ولو أني أعتقد أن أسلوب الدكتور هيكل في (حياة محمد) يدخل أيضاً في منطقة الكتابة الأدبية، فان هذا الكتاب يعتبر في نظري من كتب (التراجم والسير) التي يضعها الكتاب الأدباء، لا من البحوث العلمية التي يؤلفها المؤرخون العلماء ويعنون فيها بإضافة شيء جديد إلى العلم المعروف، أو استكشاف وثيقة من الوثائق التحريرية أو الآدمية، أو تحقيق مصدر من المصادر. على أن كتاب هيكل هو بلا نزاع أول سيرة نبوية خليقة أن تمثل تطور العقلية الإسلامية في هذا العصر الحديث.
وما أشق انتظارنا هذه الأجيال الطويلة لهذه السيرة الحديثة نضعها إلى جانب سيرة ابن هشام والسيرة الحلبية وطبقات ابن سعد وغيرها من السير القديمة حتى يستطيع عصرنا أن يجهر بأنه فعل شيئاً من أجل الإسلام.
ولو ان الأستاذ الشيخ محمد عبده حي اليوم لاستقبل هذا الكتاب بمثل ما استقبله به الأستاذ الشيخ المراغي، فرحاً بهذا القلم الجديد ينهض لخدمة الحق والإسلام.
ولقد ذكرت هذه الكتاب وهذه الأساليب الثلاثة بالذات لما رأيته فيها من نظرة جديدة إلى محمد والإسلام. نظرة ملؤها الاكبار الصادر عن فكر حر لا عن تعصب أعمى. ان الناس
стр. 7685
لم تعد تعني بتلك الكتب المفعمة بالثناء الأجوف والألقاب الطويلة يحاط بها اسم النبي، وهو في عظمته أجل من أن يحتاج إليها. إنما تريد الناس اليوم حقيقة مجردة ناصعة هي في تجردها أجمل وأسمى وأبلغ في النفوذ إلى القلوب، وهذا ما صنع هيكل بك في كتابه (حياة محمد) على نحو خليق بالثناء، فلقد أسقط من حياة النبي تلك المعجزات التي لا تغني من الحق شيئاً ما دمنا في مجال التدليل العقلي، وأظهر شخصية النبي عظيمة في بشريتها السامية، وأبان عن غرض النبي والدعوة إلى دين جوهره اقتناع النفس بالحقيقة العليا. ان هذه النظرة الجديدة فيها إجلال للنبوة. وان أولئك السفهاء الذين كانوا يطلبون إلى الأنبياء أن يثبتوا نبوتهم بالمعجزات قد أثموا في حق الفكر البشري قبل أن يأُثموا في حق الدين.
ان المعجزة: أي الإتيان بعمل خارق للمعتاد لا يدل على شيء ولا يثبت نبوة ولا يدحضها. فان من الكهان أو بسطاء الناس من يملكون أحياناً تلك القوى الخارقة في أجسامهم أو عقولهم أو أرواحهم دون أن يكونوا من أجل ذلك أنبياء. إن النبي ليس في حاجة إلى معجزة كي يكون نبياً. إنما النبي من حمل رسالة علوية لا ينصرف عن الحياة بغير ذلك، فقد بلغهم رسالته واعتمد في إثباتها على العقل المجرد.
ولقد جاء في كتاب هيكل بك: (لما جهد المسلمون عطشاً أثناء مسيرة جيش العسرة إلى غزوة تبوك ثم أمطرتهم السماء ذهب بعضهم إليه (إلى النبي) يقول إنها معجزة، فكان جوابه: (إنما هي سحابة مارة)؛ ولما كسفت الشمس يوم اختار الله ابنه إبراهيم إلى جواره قال الناس: (إن هذا الكسوف معجزة) فكان جوابه: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تخسفان لموت أحد ولا لحياته) هذا جواب محمد الذي قيل إنه نبي كاذب!!! فهل يمكن أن يكون هذا جواب نبي كاذب؟؟
ان في كتاب هيكل صفحات تصلح رداً بليغاً على فولتير. إن محمداً هو أعظم من فهم حقيقة النبوة، ووعى معنى الحقيقة العليا، وأدرك أن أكبر معجزة في هذا الكون هي انه لا يوجد في الكون معجزات، وأن كل شيء يسير طبقاً لنظام دقيق. وإذا قيل نظام قيل قانون، وإذا قيل قانون قيل عقل مدبر، وهذا العقل واحد أحد تبدو سعته في إدارة الأجسام غير المحدودة في الصغر، ذات اليد العلوية وعين أثرها في كل شيء، يد واحدة لا تتغير وقانون واحد لا يتغير. إن محمداً كما يبدو في وصف الدكتور هيكل قد تأمل الطبيعة كثيراً،
стр. 7686
وفكر ملياً في نظامها العجيب فكشف عن بصيرته وبصره فامتلأقلبه بالله، كما اقتنع عقله بوجوده، فجاء دينه ديناً كاملاً، صادقا في نظر القلب والعقل معاً. ولئن كان على الأرض نبي أحب العلم، ولم يخش دينه العلم، ولم يضطهد العلماء، فهو (محمد) الذي قال: (فضل العلم خير من فضل العبادة) (اطلب العلم ولو في الصين) وكثيراً من الأحاديث التي تثني على العلم وتحض عليه. ذلك أن مصدر اقتناع العلم ومصدر اقتناع محمد واحد: الكون وملاحظة ما فيه من إبداع ينم عن يد الخلاق العظيم.
في كتاب حديث العالم انشتين فصل ذكر فيه رأيه في الدين، قال إنه يعتنق ما يسميه (الديانة الكونية) تلك الديانة التي تملأ قلب كل عالم انقطع لتأمل (ذلك التناسق العجيب بين قوانين الطبيعة وما يخفي من عقل جبار لو اجتمعت كل أفكار البشر إلى جانبه لما كونت غير شعاع ضئيل أقرب القول فيه انه لا شيء).
لا ريب عندي أن إحساس انشتين نحو الكون والله هو عين إحساس محمد يوم كان يتحنث في غار حراء قبل نزول الوحي. لنما الأنبياء والعلماء قلوب واعية تشعر بجلال الله. ولا يمكن لنبي أن يكون نبياً إلا أن يشعر من تلقاء نفسه بعظمة الخليقة ويتحرق شوقاً إلى معرفة صانعيها، ولا يزال الشوق بقلبه حتى يكشف له الصانع الأعظم عن بعض نوره، ويوحي إليه بنشر هذا النور على الإنسانية. أني كلما تأملت شخصية محمد مجردة ثبت إيماني بأن الخصومة المعروفة بين العلم والدين ليس لها في الحقيقة وجود، وان الدين الحق لا يتعارض والعلم الحق. . . بل إن الدين والعلم شيء واحد، كلاهما يطلب نور الله ويريد وجه، وكلاهما يعي ويؤمن ويلهج بتناسق الوجود ووحدة قوانينه ودلالة وحدة الوجود على وحدة الخالق. ولم يظهر نبي حق ولا عالم حتى شعر بغير ذلك. إنما الفارق بين العلم والدين في السبل التي يسلكها كل في الدنو من الله. ومن قال إن وسائل العلم ينبغي أن تماثل وسائل الفن أو وسائل الدين؟؟؟
إن الطرائق والسبل يجب أن تظل مختلفة مميزة لا يختلط بعضها ببعض، إنما المصدر واحد دائماً والغاية واحدة. فما الدين والعلم والفن إلا خيوط ثلاثة كتب على بشريتنا القاصرة العمياء أن تتمسك بها لتهتدي إلى ذلك النور الذي لا بداية له ولا نهاية: الله
إن الإسلام وهو أحدث الأديان، وهو الذي لم يخاصم العلم، وهو الذي أتسع صدره لكل
стр. 7687
شيء يصلح فيما يرى الدكتور هيكل لمعالجة أزمات العالم الحاضر، الروحية والاجتماعية والاقتصادية. وهو رأي صادق إذا قيض الله للإسلام رجالاً ذوي نظرة وذهن مستنير واطلاع واسع، يبرزون فضائله بأساليب جديدة، ويتولون إذاعته والدفاع عنه بأقلام ذكية قديرة. ولقد صنع هيكل كثيراً في هذا السبيل بأسلوبه الجديد في (حياة محمد). ولئن كان قد أثم في دنياه فلقد اشترى بكتابه آثامه!!! ولسوف يتقدم يوم الدين وكتابه بيمينه يشفع له في دخول الجنة!!! ولسوف يدخلها بأذن الله متأبطا ذراع طه حسين بما قدمت يمناه هو أيضاً من كتاب أدبي جميل (على هامش السيرة)، كان له ولا ريب الأثر في حمل الناس على استمراء أخبار النبي، ولهما بعد ذلك ولأمثالهما ممن دافعوا ويدافعون عن الإسلام خير التحية: فإني قلتها وأقولها دائماً: ليس الأمر أمر عقيدة وديانة، إنما هو إلى جانب هذا أمر حياة تلك الكتلة التي يسميها الغربيون: الشرق. وما الدفاع عن الإسلام إلا الدفاع عن الشرق.
توفيق الحكيم
стр. 7688
صفحة من التاريخ - ليسمع العلماء
مشايخ الأزهر والسياسة في القرن الثامن عشر
للأستاذ محمد فريد أبو حديد
حدث غير مرة في تاريخ العالم أن تصدى رجال الدين أو رجال العلم للسياسة ولم يكونوا في ذلك مختارين، بل كانت الظروف تدفعهم إلى موقف يجدون فيه أنفسهم مسئولين عن التدخل في أمر السياسة. فلا يجدون مفراً من أن يضطلعوا بحملهم، حدث أن بابا (روما) وجد نفسه حيال حكومة غالبة في إيطاليا من قوم أجانب عن أهلها جنساً ولغة، وذلك عندما استولى القوط على إيطاليا ونزعوها من سائر الدولة الرومانية. وكان البابا بغير شك زعيم القوم في أمور الدين، فكان الغالبون من القوط يلجأون إليه فيما يمس قومه لكي يلتمسوا عنده رضا أهل البلاد. وكان أهل البلاد في الوقت عينه يتطلعون إليه لكي يقف على رأسهم ويحفظ عليهم كيانهم وتقاليدهم، ويتوسط عند أهل الدولة فيما يمس مصالحهم وأمور دنياهم. فكان لا غنى للبابا عن النظر في أمور الدولة، ولا مندوحة له عن التدخل في أمور السياسة. وكان هذا هو شأنه عندما ذهبت دولة القوط وحكمت إيطاليا دولة اللمبارديين، فان البابا وقف الموقف عينه، ووجد نفسه بطبيعة الظروف القاهرة ممثل الإيطاليين وزعيمهم والناطق بلسانهم إذا ما احتاج الأمر إلى من ينطق بلسان أهل البلاد في وجه الدولة اللمباردية الحاكمة. وكذلك كان الحال عند ما جاء الروم إلى مصر وفتحوها وأقاموا بها الحكم على المصريين، فان بطريق المصريين كان يحكم مركزه الديني زعيماً في قومه في أمور الدين، فلما جاء الروم صار ذلك الزعيم الديني مضطراً إلى أن يمثل قومه عند الحكام وينطق بلسانهم ويتصدى لأمورهم، حتى لقد أصبح بطريق المصريين في آخر الأمر هو الممثل القومي للمصريين؛ وكم وقف البطارقة على رأس الشعب المصري في وجه الحكم الأجنبي الروماني، ومن هؤلاء البطريق الأكبر بنيامين الذي ناله من التصدي لأمور السياسة أكبر الأذى، وتحمل النفي والخوف، وتحمل أتباعه من رجال الدين ألوان العذاب في سبيل استقلال مصر كما كانوا يفهمونه.
إذن لم يكن لمصر أن تخرج عن هذه السنة الطبيعية، فإنها كانت في القرن الثامن عشر تحكمها حكومة على رأسها الباشا ممثل السلطان التركي، ويعاونه الأمراء المصريون الذين
стр. 7689
هم من أجناس غير مصرية الأصل. فكان لابد لهذا النظام أن يتجه إلى ممثلي الشعب وزعمائه، وكان لابد له أن يلجأ إليهم في كثير من الأحوال لكي يسترضي ذلك الشعب ويتحبب إليه ويسهل بذلك طريق الحكم. وكان لابد كذلك للشعب من أن يتخذ له ممثلين من صفوفه وأن يجعل له زعماء يهرع إليهم إذا آذاه شيء من جانب الحكومة الأجنبية التي تحكم البلاد.
وكان علماء الأزهر الطبقة المستنيرة من الشعب، وهم الذين يعرفون تقاليد الحكم الإسلامي في الدول الماضية، وهم الذين يعرفون العرف الذي جرت عليه الأجيال الماضية في أيام الحكومات المستقلة الجليلة التي حكمت البلاد من قبل. فكان من الطبيعي أن يتصدر هؤلاء العلماء في الحوادث، وأن يلجأ إليهم أهل مصر عندما تلم بهم ملمة يطلبون إليهم أن ينادوا بالحق الذي يبيحهم إياه القانون، وأن يطالبوا بالحريات التي كفلها لهم العرف والدين في الأجيال المتعاقبة. ولقد تصدر جماعة من هؤلاء العلماء وقاموا بما وجب عليهم في ذلك قياماً محموداً؛ وإنا لذاكرون هنا بعضهم اعترافاً بما كان من فضلهم على البلاد.
ولو شئنا أن نفصل مواقف مشايخ الأزهر في أمور السياسة لما اتسع لذلك مجال القول هنا. ولهذا سنجتزئ بذكر ما كان منهم في موقف واحد في تاريخ مصر في القرن الثامن عشر في الوقت الذي اشتد فيه عبث مراد وابراهيم بالمصريين.
بلغت محاولات مصر نحو الاستقلال قصاراها في عهد علي بك الكبير، ثم قضي عليها إذ كان الوقت لم يحن بعد للاستقلال الدائم، إذ أن الاستقلال لا يمكن أن يدوم إلا إذا قام على دعامة قوية من الشعب، وهذا ما كان ينتظر حدوثه حتماً في يوم من الأيام. غير أن الملك المصري الذي حكم بعد علي بك الكبير لم يكن بأقل منه قدراً، ولا بأهون منه خطراً، ولا بأهدأ منه حماسة للاستقلال. وقد أراد الله ألا تطول أيامه فمات والبلاد في أشد الحاجة إلى وجوده ليقوم على ملكها ويسيطر على زعماتها. فوقعت السلطة في أيد طائشة ليس لها خبرة بالحكم ولا مكانة في القلوب، وأصبح الأمر في يد مراد وإبراهيم وهما من مماليك أبي الذهب، ولكنهما لم يكونا بعد قد صفوا وجربا وظهرا في الحوادث بالمظهر الذي يرشحهما ترشيحاً صادقاً لحكم البلاد، فحكما وكان حكمهما تجربة قاسية.
كان الشعب المصري قد خضع لعلي بك الكبير ولمحمد بك أبي الذهب منذ رأى فيهما
стр. 7690
ملكين عظيمين قادرين على حمايته وحكمه، ولكنه لم يجد في مراد وإبراهيم غير طاغيتين متجبرين لا ينظران من الحكم إلا إلى النفع، ولا يعرفان من أساليبه إلا الكبرياء والسطوة. ومنذ رأى في الحاكمين الجديدين هذا تحرك واضطرب ووقف على استعداد للدفاع عن مصلحته وكرامته ثابتاً متنبهاً.
وكان مشايخ الأزهر هم الطبقة المستنيرة من أبناء مصر الصميمين، جاءوا جميعاً من قراها وأريافها ومدنها، فكانوا من بين صفوف الشعب وأبناء الأرض يحسون ما يحسه الناس وينظرون بأعينهم ويسمعون بآذانهم. وقد زادوا على إخوانهم ميزة كبيرة بأنهم حفظوا في صدورهم نصوص الشريعة والآراء المختلفة في أحكامها وحفظوا ما تخلف من تراث القرون من عرف وما يبيحه القانون الإسلامي لأفراده من حقوق وحريات. فكان من الطبيعي أن يقفوا من الشعب المصري موقف الزعامة في كل حادث جليل، وأن ينطقوا باسمه ويعربوا عما في قلبه من الآمال والآلام. فوقفوا على رأس الشعب في كل خلاف قانوني حاول فيه الطغاة أن يخرقوا حرمة القانون، وانتصروا في كل وقفة من وقفاتهم فنصروا فيها القانون والحق، ثم وقفوا يمثلون الشعب في ديوان الحكم فنطقوا باسم مصر وأعربوا عن آمالها وعن شخصيتها، وانتصروا في وقفتهم فأعلوا من اسم الشعب الذي يمثلونه ورفعوا رأسه، ثم وقفوا على زعامة الشعب في نضاله مع الطغاة في سبيل إصلاح الحكم، وانتصروا مرة ثالثة وساروا بشعبهم في سبيل الحصول على ماله من الحقوق والحريات؛ وما كان أجدرهم أن يبلغوا به الغاية والقصد ويقيموا في مصر حكومة وطنية صالحة قائمة على احترام حقوق الأفراد والسعي إلى ما فيه مصلحتهم. وما كان أحراهم لو طال بهم الزمن أن يبلغوا بمصر قصارى ما تصل إليه الأمم الحريصة على حقوقها الساعية إلى الإصلاح.
بعد مضي سنة واحدة من حكم الطاغيتين مراد وإبراهيم ثارت مسألة في خلاف على وقف، ولم يكن للمسألة في ذاتها خطر خاص، بل كان الأمر نضالاً على مبدأ وقف فيه بعض الأمراء يلوحون بالقوة والطغيان، ووقف فيه بعض أفراد الشعب يعتصمون بالحق والشريعة. والتجأ الجانبان إلى المحكمة فحكمت حكمها في الخلاف. وكان في مصلحة الأفراد على رغم ما يريده الأمير المدل بالقوة، فأبى الأمير الإذعان، وأصبح الأمر معلقاً
стр. 7691
بين أن ينتصر القانون وبين أن تجتاح القوة كل سياج وكل حرمة. فأدرك العلماء أن واجبهم يناديهم بالمحافظة على القانون، ولم يترددوا لحظة، بل هبوا لينصروا الحق لم يتخلف منهم واحد، وكان على رأس الحركة الشيخ الدردير ﵀ وطيب ثراه. أرعد الأمير وأبرق، وأرغى وأزبد، ونهر وتوعد، غير أن العلماء وقفوا وثبتوا، وأرغوا وأزبدوا في سبيل الحق والقانون. وقام الشعب من ورائهم يؤيدهم، وكانت مظاهرة كبرى، فأغلق الناس حوانيتهم انتصاراً للعلماء والشرع، وأوشك الأمر أن يفضي إلى فوضى شاملة. فجزع عقلاء الأمراء المصريين من تلك الحال وأشفقوا أن تسيل الدماء وأن تعطل المصالح. فاجتمعوا وتشاوروا ثم أرسلوا إلى الأمير المعاند فاحتجوا على موقفه وأمروه بالنزول على ما أراد القانون، فأذعن وهو كاره بعد مشادة عنيفة، ولم يرض العلماء أن يتركوا الأمر يفلت من أيديهم بغير حق مسجل يكتسبونه للناس، فكتب لهم صلح رسمي به شروط على الأمراء وتعهد من الحكام بالتزام ما يقضي به القانون ويحتمه العرف. وهكذا كان العلماء يكسبون للشعب حقوقه حقاً حقاً ويبنون في دستور مصر حجراً بعد حجر وإن كانوا في ذلك يسيرون في تؤدة وبطء.
وإنا إذا ذكرنا اسم السيخ الدردير فلسنا نذكره إلا لأنه كان علم القوم وزعيمهم. ولقد كان معه عدد كبير من إخوانه يستند إليهم وينتصر بإمدادهم. وفي الحق إن العلماء بمثل هذه الهمة لم ينزلوا ولم يسمحوا لأنفسهم أن ينزلوا إلى موضع المهانة في تلك الأيام التي يصفها البعض بأقسى النعوت. بل لقد كانوا أكفاء لأعلى الرؤوس في الدولة؛ ثارت مرة مناقشة حادة بين بعضهم وبين أمير من كبار الأمراء في مسألة قانونية، فخرج الأمير الغاضب عن حدود الأدب بأن قال للعالم: (والله أكسر رأسك) فكان جواب العالم الغاضب أشد وأقسى، إذ قال له صارخاً: (لعنك الله ولعن اليسرجي الذي جاء بك ومن باعك ومن اشتراك ومن جعلك أميراً) وتوسط من كان بالمجلس من الأمراء فيما بينهما. ولم يجد الأمير بداً من الإذعان لما يقضي به الشرع حسب ما رآه العلماء.
وكان بيت العالم حرماً لا يعتدي عليه مهما كان الباعث على ذلك، فقد كان بعض الأمراء يهربون خوفاً من انتقام منافسيهم فلا يجدون ملجأ يهربون إليه ويعتصمون به إلا بيت العالم يدخلونه ليأمنوا فيه. وقد طلب من أحد العلماء مرة أن يسلم جاره الأمير الذي دخل بيته
стр. 7692
ملتجئاً فلم يرض أن يسلم اللاجئ إلى بيته، ولم يجرؤ أحد على دخول منزلة عنوة خوفاً من أن يكون في ذلك جرح لكرامة زعيم الشعب.
وقد زاد نفوذ العلماء في أيام هذا الاضطراب وعلا صوتهم فأصبح مسموعاً دوياً في الحوادث الكبرى، كما أصبح مسموعاً داوياً في الديوان الذي كان ينعقد بالقلعة لحكم البلاد، وكان فيه الأمراء والرؤساء وأكابر العلماء يمثلون الشعب. وأصبح صوت العلماء في ذلك الديوان يمثل المعارضة وينادي بما فيه نفع لمصر وما فيه مصلحة أبناء مصر.
ثم أرسلت تركيا جيشاً بقيادة القبطان حسن باشا لتأديب الطاغيتين مراد وإبراهيم على سوء حكمهما فخرج العلماء على رأس وفد لمقابلة القائد التركي ليذكره بضرورة الاحتراس والاحتياط في حربه الأمراء حتى لا يؤذي مصالح الناس ولا يضحي بأموالهم. قال الجبتي يصف ذلك: (فتعين لذلك الشيخ أحمد العروسي والشيخ محمد الأمير والشيخ محمد الحريري، ومن الأجاقلية إسماعيل أفندي الخلوتي وإبراهيم أغا الورداني وذهب صحبتهم سليمان بك الشابوري. . . . . . . . . على أنهم يجتمعون به (بالباشا القائد) ويكلمونه ويسألونه عن مراده ومقصده ويذكرون له امتثالهم وطاعتهم. . . ويذكرونه حال الرعية وما توجبه الفتن من الضرر والتلف).
وقد بلغ من ذعر ابراهيم ومراد وخوفهما من حركة الشعب أن جعلوا في ذلك الوقت يتملقون المشايخ خوفاً منهم أن ينتهزوا الفرص فيثيروا على حكمهم ثورة عندما تقبل جنود الدولة العلية من الشمال. قال الجبرتي: (فذهب إبراهيم (في عيد الفطر) إلى الشيخ البكري ثم إلى الشيخ العروسي والشيخ الدردير وصار يحكي لهم وتصاغر في نفسه جداً وأوصاهم على المحافظة وكف الرعية من أمر يحدثونه أو قومة أو حركة في مثل هذا الوقت فإنه كان يخاف ذلك جداً).
وقد كسب العلماء للمصريين حقاً جليلاً في أثناء هذه الحوادث فإنه بفضل سعيهم أصدر القائد التركي حسن باشا عندما دخل مصر قانوناً كان يقضي بأن أهل مصر لا يمس أحد منهم إلا بمقتضى القانون الشرعي وأن لا سبيل على أحد منهم إلا بمقتضى ذلك القانون وحده. ثم لم يتردد العلماء بعد ذلك في الوقوف إلى جانب القانون ولو كان وقوفهم في وجه الباشا القائد المنتصر نفسه. فانه عقب انتصاره أحب أن ينكل بالمنهزمين من الأمراء
стр. 7693
المصريين فأراد أن يبيع نساءهم، مع أن القانون الشرعي لا يبيح بيع الجارية المملوكة إذا صارت أما أو أصبحت حرة، فوقفوا في وجه ولم يمكنوه من ذلك لمخالفته المكفولة للأفراد في الشريعة الإسلامية.
أما في جلسات الديون فلم يكن صوت العلماء أضعف جرساً، فكانوا يعارضون في كل شيء يمس مصالح المصريين حتى في الأمور الخاصة بالدولة ذاتها، فقد عرضت مرة مسألة الديوان خاصة بالاستعانة بجنود من بلاد الدولة العثمانية، فوقف الشيخ العروسي فقال: (إن الأمر لا يحتاج إلى ذلك، فان العساكر الرومية (التركية) لا تنفع بين العساكر المصرية، والأولى استجلاب خواطر الجند بالإحسان اليهم، والذي تعطونه للأغراب أعطوه لأهل بلادكم أولى) وقد أخذ الديوان برأيه في ذلك اليوم.
ولكن العلماء اظهر تمثيلاً للشعب المصري، وأكثر جلالاً في وقوفهم على رأس مظاهرات العامة كلما جد أمر يدعوا إلى الاحتجاج، أو حدث حادث فيه تعرض للحقوق والحريات. ولم تكن تلك الحركات قليلة، كما أنها لم تكن مقصورة على القاهرة، فقد ثارت ثورات في القاهرة، وثارت مثلها في رشيد، ومثلها في طنطا وفي بلبيس. وكان العلماء دائماً على رأس تلك الثورات الشعبية، يظلون كذلك حتى ينتهي الأمر بإذعان القوة للحق. قال الجبرتي في وصف ثورة من ثورات الشعب في الحسينية: (وحضروا إلى الأزهر ومعهم طبول، والتف عليهم جماعة كثيرة من أوباش العامة، وبأيديهم نبابيت ومساوق، وذهبوا إلى الشيخ الدردير فونسهم وساعدهم بالكلام، وقال لهم: أنا معكم) واستقر العزم عند ذلك على جهاد الأمراء الظالمين وإيقافهم عند حد القانون بالقوة ما لم ينتهوا بالقول. وحدث مثل ذلك في طنطا وكان الشيخ الدردير كذلك على رأس المتظاهرين ضد الظلم هناك، قال الجبرتي: (فركب بنفسه وتبعه جماعة من العامة حتى التقى بالأمير، فكلمه ووبخه، وهو راكب على بغلته، وقال لهم: انتم ما تخافون الله) وحدث اصطدام أثناء ذلك بين العامة والحاكم وأتباعه، أصيب فيه جماعة من الجانبين، وضُرب الحاكم نفسه ضرباً شديداً.
وحدث مرة أخرى أن اعتدى موظف إداري وهو (الوالي) أحمد أغا على بعض أهالي الحسينية، وأشتد في مطالبة أحمد سالم الجزار، وأراد القبض عليه مخالفاً في ذلك العهد الذي تعهد به الباشا من قبل، ألا يمس أحد إلا بمقتضى الشريعة الإسلامية. فثار أهل
стр. 7694
الحسينية ثورة هائلة، والتجأوا إلى الشيخ العروسي يلتمسون عنده الحماية من الظلم (وكان الشيخ الدردير قد توفي إلى رحمة الله) فقام الشيخ العروسي بأمر الوساطة في شأنهم، وانتهى الأمر بعد مشادة طويلة بعزل الوالي وتولية والي آخر. قال الجبرتي: ونزل الوالي الجديد من الديوان إلى الأزهر، وقابل المشايخ الحاضرين واسترضاهم. ثم ركب إلى بيته وأنفض الجمع، وكأنها طلعت بأيديهم والذي كان راكباً حماراً ركب فرساً).
وأشتدت مرة وطأة أحد الأمراء على أهل بلبيس في تحصيل الأموال، فالتجأ الفلاحون إلى الشيخ الشرقاوي ليحميهم، فبدأ الشيخ بمخاطبة مراد وإبراهيم، فلما لم يجد لمسعاه أثراً في إصلاح الحال بالسعي السلمي، دعا إلى الثورة فأجتمع له كثير من أهل القاهرة ومن أهل الأطراف، وأوشك الأمر أن يكون ثورة دموية مدمرة، وقضت القاهرة ثلاثة أيام في اضطراب وخوف، قال الجبرتي: (ثم حضر الباشا إلى منزل إبراهيم بك، وأجتمع الأمراء هناك، وأرسلوا إلى المشايخ، فحضر الشيخ السادات والسيد النقيب والشيخ الشرقاوي والشيخ البكري والشيخ الأمير. . . . . . . . . ودار الكلام بينهم وطال الحديث، وأنحط الأمر على انهم (الأمراء) ثابوا ورجعوا والتزموا بما شرطه العلماء عليهم، وأنعقد الصلح. . . . . . . . . وان يكفوا اتباعهم عن امتداد أيديهم إلى أموال الناس. . . . . . . . . ويسيروا في الناس سيرة حسنة. . . . . . . . . وكان القاضي حاضراً بالمجلس، فكتب حجة عليهم بذلك، وفر من عليه الباشا، وختم عليها ابراهيم بك وأرسلها إلى مراد بك فختم عليها ايضاً، وانجلت الفتنة ورجع المشايخ وحول كل منهم وأمامه وخلفه جملة من العامة، وهم ينادون حسب ما رسم سادتنا العلماء).
وبعد فما الذي بين هذا الحال وبين بناء صرح الحريات المصرية كاملاً متماسكاً؟ لقد كان العلماء يبنون ذلك الصرح حجراً حجراً، وكان الشعب من ورائهم يطالب بحقوقه ولا يتنازل عن شيء منها مطالبة المصر على الحياة الكريمة العازمة على التمتع بإنسانيته تمتعاً تاماً. وما كان لمثل هذا الشعب أن ينتهي به السير إلا عندما يريد من العزة والكرامة.
غير ان الله لم يرد ان يكون هذا في ذلك الوقت، فقد نزلت بمصر كارثة الغزوة الأجنبية، غزوة الحملة الفرنسية التي عاقت ذلك السير المجيد وحفرت هوة عميقة بين ماضي مصر المجيد وحاضرها، وبين سعيها في القرن الثامن عشر وسعيها اليوم.
стр. 7695
ألا فلتقطع ألسنة الذين يقولون إن دستور مصر كان منحة مهداة، أو أن حريات مصر كانت عطية مسداة. فلقد كان شعب مصر لا يني يسعى إلى تلك الحريات، ويحمي تلك الحقوق، مضحياً في ذلك بكل شيء، حتى بالدماء!
محمد فريد أبو حديد
стр. 7696
عبرة الأندلس
للأستاذ محمد عبد الله عنان
ليس في تاريخ الإسلام كله صفحة أدعى إلى الشجن والأسى من تاريخ الأندلس، ففي الأندلس وحدها بادت أمة إسلامية عظيمة، ومحيت حضارة إسلامية زاهرة، ولم تبق ثمة من تلك الصفحة الباهرة سوى ذكريات دارسة.
وقد زالت دولة الإسلام في الأندلس ومحيت صفحته وأبيد أبناؤه منذ أربعة قرون، وقام فوق الأرض شعب غير الشعب، ودين غير الدين، وحضارة غير الحضارة، ولكن المأساة ما تزال حية في صدر كل مسلم يستعرض هذه الصفحة، وما زالت تثير في النفس بالغ الحسرات.
عاشت دولة الإسلام في الأندلس زهاء ثمانية قرون، ولم يكن غريباً أن تغيض في هذا القطر النائي المنعزل عن باقي الأقطار الإسلامية، بعد أن لبثت قروناً تمزق بعضها بعضاً، ولكن الغريب هو انها استطاعت رغم جراحها الدامية أن تصمد للعدو الخالد المتربص بها مدى قرون.
على أن تاريخ الأندلس نفسه يقدم إلينا سر هذا الفناء البطيء الذي سرى إلى الدولة الإسلامية منذ قيامها، سنحاول أن نستعرض في هذه اللمحة السريعة بعض العلل الجوهرية التي أصابت المجتمع الإسلامي في الأندلس منذ تكوينه، وغدت بمضي الزمن داء ذريعاً يقضم أسسه ويقوض دعائمه، وما زالت به استنفدت قواها وحملته إلى هاوية الانحلال والعدم.
كان فتح العرب لأسبانيا فاتحة عصر جديد وبدء تطور عظيم في حياتها العامة وفي نظمها الاجتماعية. ومع أن العرب شغلوا حيناً بتوطيد الفتح الجديد ودفع حدوده، فأنهم استطاعوا في أعوام قلائل أن يقمعوا عناصر الشر والفوضى وأن ينظموا إدارة البلاد المفتوحة، وأن يبثوا في الجزيرة روحاً جديداً من الأمل والحياة.
وقد قضى الفتح على سلطان الطبقات الممتازة، وتنفس الشعب نسيم الحرية، وفرض المسلمون الضرائب بالمساواة والعدل بعد أن كان يفرضها حكم الهوى والجشع، وأمن الناس على حياتهم وحرياتهم وأموالهم، وترك الفاتحون لرعاياهم الجدد حق أتباع قوانينهم
стр. 7697
وتقاليدهم، والخضوع لقضائهم. أما في شأن الدين وحرية العقائد والضمائر فقد كانت السياسة الإسلامية مثلاً أعلى للتسامح، فلم يظلم أحد أو يرهق بسبب الدين والاعتقاد، وكانت تأدية الجزية هي كل ما يفرض على الذميين من النصارى واليهود لقاء الاحتفاظ بدينهم وحرية شعائرهم، ومن دخل الإسلام سقطت عنه الجزية وأصبح كالمسلم سواء بسواء في جميع الحقوق والواجبات. وفي ذلك يقول العلامة دوزي: (لم تكن حال النصارى في ظل الحكم الإسلامي مما يدعو إلى الكثير من الشكوى بالنسبة لما كانت عليه من قبل. أضف إلى ذلك أن العرب كانوا يتصفون بكثير من التسامح، فلم يرهقوا أحد في شئون الدين. . . ولم يغمط النصارى للعرب هذا الفضل، بل حمدوا للفاتحين تسامحهم وعدلهم وآثروا حكمهم على حكم الجرمان والفرج) ثم يقول دوزي عن آثار الفتح الاجتماعية: (كان الفتح العربي من بعض الوجوه نعمة لأسبانيا، فقد أحدث فيها ثورة اجتماعية هامة، وقضى على كثير من الأدواء التي كانت تعاينها البلاد منذ قرون. . .).
غير أن هذه الدولة الجديدة التي بعثها الإسلام في أسبانيا، كانت تحمل منذ البداية جرثومة الخلاف والخطر، وكان المجتمع الجديد، الذي جمع الإسلام شمله ومزج بين عناصره يضطرم بمختلف الأهواء والنزعات، وتمزقه فوارق الجنس والعصبية. كانت القبائل العربية ما تزال تضطرم بمنافساتها القديمة الخالدة، وكان البربر الذين يتألف منهم معظم الجيش يبغضون قادتهم ورؤساءهم من العرب، وينقمون عليهم استئثارهم بالسلطة والمغانم الكبيرة، وكثيراً ما رفعوا لواء العصيان والثورة. وكان المسلمون الأسبان، - وهم المولدون أو البلديون - محدثون في الإسلام يشعرون دائماً بأنه، رغم إسلامهم أحط من الوجهة الاجتماعية من سادتهم العرب. ذلك أن العرب، رغم كون الإسلام، يسوي بين جميع المسلمين في الحقوق والواجبات ويمحو كل فوارق الجنس والطبقات، كانوا يشكون في ولاء المسلمين الجدد، ويضنون عليهم بمناصب الثقة والنفوذ، هذا إلى أن العربي في الأقطار القاصية التي افتتحها بالسيف لم يستطع أن يتنازل عن كبرياء الجنس التي كانت دائماً من خواص طبيعته، فكان مثل الإنكليزي السكسوني يعد نفسه أشرف الخليقة. على أن الخلاف بين العرب أنفسهم كان أخطر ما في المجتمع الجديد من عوامل التفكك والانحلال؛ فقد كانت عصبية القبائل والبطون ما تزال حية في الصدور، وكان التنافس بين الزعماء
стр. 7698
والقادة يمزق الصفوف ويجعلها شيعاً وأحزاباً، وكانت عوامل الغيرة والحسد تعمل عملها في نفوس القبائل والبطون المختلفة. وأشد ما كانت تستعر نار الخلاف والتنافس بين اليمنية والمضرية، وذلك لأسباب عديدة ترجع إلى ما قبل الإسلام، منها أن الرياسة كانت لعصور طويلة قبل الإسلام في حمير وتبًع أعظم القبائل اليمنية، وكانت لهم دول ومنعة وحضارة زاهرة، بينما كانت مضر بدواً خشنين يخضعون لحمير ويؤدون لهم الجزية؛ وكان بينهما خصومات وحروب مستعرة طويلة الأمد؛ ولنا في (أيام) العرب ووقائعها المشهورة أمثلة رائعة من هذا النضال. قال ابن خلدون (واستمرت الرياسة والملك في هذه الطبقة اليمانية أزمنة وآماداً بما كانت صبغتها لهم من قبل، وأحياء مصر وربيعة تبعاً لهم - فكان الملك بالحيرة للخم في بني المنذر، وبالشام لغسان في بني جفنة ويثرب، وكذلك في الأوس والخزرج، وما سوى هؤلاء من العرب فكانوا ضواعن بادية، وأحياء ناجعة، وكانت في بعضهم رياسة بدوية، وراجعة في الغالب إلى أحد هؤلاء. ثم نبضت عروق الملك وظهرت قريش على مكة ونواحي الحجاز؛ فاستحالت صبغة الملك اليهم، وعادت الدول لمضر إلى بينهم، واختصت كرامة الملك بالنبوة منهم، فكانت فيهم الدولة الإسلامية كلها إلا بعضاً من دولها، قام بها العجم اقتداء بالملة وتمهيداً للدعوة). وهكذا أسفر، النضال لظهور الإسلام عن تحول في الرياسة، وانقلبت الآية فأصبحت المضرية تعمل على الاحتفاظ برياستها، واليمنية تجاهد في انتزاعها منها. وكانت مسألة اللغة أيضاً من أسباب ذلك الخلاف. ذلك أن لسان الحمير كان أصل اللغة العربية التي اعتنقتها مضر، وأسبغت عليها آيات من الفصاحة والبيان، ونزل بها القرآن الكريم على النبي القرشي المضري، فكانت اللغة من مفاخر مضر تغار عليها، وتحافظ على سلامتها ونقائها، أضف إلى هذا وذاك ما كان بين الفريقين من تباين شديد في الطبائع والخلال مما كان يذكي بينهما أسباب التنافس والتباعد، وقد كان الإسلام مدى حين عاملاً قوياً في جمع الكلمة، ولكن العصر الأول ما كاد ينقضي حتى هبت كوامن الخصومة والنضال من مرقدها وعادت تعصف بوحدة المجتمع الإسلامي، وكان هذا الخلاف أخطر وأشد في الأقطار القاصية التي افتتحها الإسلام بالسيف، ففتحت أمام القبائل والأجناس المختلفة التي تعمل تحت لوائه مجالاً واسعاً للتنافس والتطاحن؛ وكان هذا هو بالأخص شأن المجتمع الإسلامي المضطرب الذي قام بأسبانيا.
стр. 7699
وكان البربر الذين اشتركوا في فتح الأندلس واستعماره عنصراً خالداً في إذكاء هذا الخلاف؛ فكانت هذه المعركة المزدوجة: العرب فيما بين أنفسهم، ثم العرب والبربر، هي قوام المجتمع الأندلسي.
كان هذا الخلاف يقضم أسس المجتمع الأندلسي الفتي، ولم يمضي على قيامه أربعون عاماً حتى تحولت الأندلس إلى بركان مضطرم من الحروب الأهلية؛ واستمرت هذه المعارك الداخلية زهاء قرن ونصف، ولم يقف تيارها قيام دولة أموية جديدة، ولم تتخللها في ظل هذه الدولة سوى فترة يسيرة من السكينة والتوطد، منذ الناصر إلى المنصور. بيد أن خطراً جديداً كان خطر المملكة النصرانية الأسبانية، التي نشأت صغيرة متواضعة ونمت بسرعة مدهشة، وأخذت تنافس المملكة الإسلامية، وتتحين فرص الإيقاع بها، ولم تفطن الأندلس إلى هذا الخطر الداهم؛ وما كاد صرح الدولة الأموية ينهار، حتى وثب المتغلبون على أشلاء الأندلس يقتسمونها، وقامت دويلات الطوائف في المقاطعات والمدن، تنافس بعضها بعضاً، وتحاول كل منها أن تنتزع ما بيد الأخرى، وألفى عدو الأندلس الخالد - أسبانيا النصرانية - فرصته السانحة، فأخذت تؤلب دويلات الطوائف بعضها على بعض؛ وملوك الطوائف يرتمون في أحضان النصارى، ويلتمس كل محالفتهم على خصمه ومنافسه. وكادت الأندلس يومئذ تسير مسرعة إلى قدرها المحتوم، وانتزع النصارى كثيراً من قواعدها وأراضيها، لولا أن ظهر في الميدان عامل جديد، هو قيام الدولة المرابطية فيما وراء البحر، ومقدم أميرها يوسف بن تاشفين إلى الأندلس على رأس جنوده البربر، ملبياً داعي الغوث من جانب ملوك الطوائف؛ فهنا استطاعت الدولة الإسلامية أن تنسى خلافها مدى لحظة، وأن تلقي على النصرانية بمؤازرة المرابطين هزيمة حاسمة في سهول الزلافة؛ ثم افتتح المرابطون الأندلس، وأقاموا بها دولة جديدة، ولكن الصرح القوي الباذخ كان قد أخذ ينهار؛ ولم يدم تماسك الدولة المرباطية طويلاً، فقامت بالأندلس ملوك طوائف بربرية جديدة، وعادت الأندلس تسير إلى فنائها، وجاء الموحدون بعد المرابطين، فوصلوا دولة البربر بالأندلس مدى حين.
ثم كانت دولة بني الأحمر بغرناطة، وكانت أندلس جديدة، ولكن صغيرة لا تعدو القطر الجنوبي المسمى بهذا الاسم؛ وكانت أسبانيا النصرانية قد نمت واتسع نطاقها، واستولت
стр. 7700
على قواعد الأندلس وثغوره العظيمة: قرطبة مهد الإسلام، وطليطلة، وأشبيلية، ومرسية، وبلنسية، وسرقسطة وغيرها، وسطعت في مملكة غرناطة، مدى حين، لمحة من عظمة الأندلس الذاهبة وحضارتها الزاهرة، واجتمعت أشلاء الدولة الأندلسية العظيمة في هذه المملكة الصغيرة المتواضعة، وشغلت الممالك النصرانية الشمالية مدى حين بخلافها الداخلي. ولكن الأندلس كانت تشعر بمصيرها شعوراً قوياً، واستطاع رجال مثل ابن الخطيب وابن خلدون أن يستشفوا ببصرهم الثاقب ذلك المصير المروع الذي تسير إليه مملكة غرناطة. ذلك أن نفس الخلاف الداخلي الذي قامت عليه الدولة الإسلامية منذ البداية، واستمر يدفع الأندلس إلى مصيرها خلال القرون، كان يعصف أيضاً بهذه المملكة الصغيرة، ولم يمض بعيد حتى أخذت تمزقها المعارك الداخلية، ويثب أمراؤها بعضهم ببعض، ويستعدون خلال هذه المعركة الخطرة، العدو الرابض المتربص بهم جميعاً.
وكان مصرع الأندلس خلال إحدى هذه المعارك الداخلية، وما زالت قصة السلطان أبي الحسن، وأخيه الزغل، وابنه عبد الله أبي محمد، وانشقاق المملكة الصغيرة في أدق ساعات الخطر إلى شطرين، والتجاء أبي عبد الله إلى ملك النصارى لينصره على أبيه وعمه، ثم انتهاز النصارى هذه الفرصة لإيقاع ضربتهم الأخيرة بتلك المملكة التي مهدت لهم سبل الظفر بتمزيق بعضها بعضاً، وتلك الأمة المسلمة التي لم تعرف قط أن تواجه الخطر متحدة الكلمة والقوى - ما زالت هذه كلها عبرة العبر، وكان مصرع الأندلس هذه المرة يسيراً محققاً، فسقطت قواعدها الباقية تباعاً في يد النصارى، وسلمت غرناطة أخيراً، ووقعت النتيجة المحتومة، وطويت صفحة الدولة الإسلامية في الأندلس، ولم يمض جيل أو اثنان حتى طويت صفحة الإسلام كله، وكل آثاره وذكرياته من أسبانيا.
وقد كانت مأساة الأندلس وما زالت عبرة بالغة ودروساً خالداً للعالم الإسلامي كله. ولكن العالم الإسلامي لم يعتبر بهذه العبرة، ولم يع هذا الدرس، وما زال التفرق يمزق أوصاله حتى التهم الغرب الجشع معظم أشلائه، وأضحى الإسلام ذليلاً في أرضه تخفق عليها أعلام النصرانية.
فإني يسير الإسلام؟ ومتى يدرك العالم الإسلامي قوة الاتحاد؟
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 7701
الشهيد الغريب
عثمان بن مظعون
للأستاذ محمد سعيد عريان
بات (عثمان بن مظعون الجمحي) ليلته يقلب الرأي، ويستلهم الفطنة؛ وإن الهم ليصطرع في رأسه، وأن الشك ليتلجلج في صدره، وإن بين عقله وعاطفته لحرباً مشبوبة ومعركة طاحنة أحق ما يقول محمد بن عبد الله؟ فما هذه اللاتُ والعُزَّى، ومَناةُ الثالثة الأخرى؟ وما ديننا الذي أورثنا آباؤنا ومضى عليه أسلافنا؟ أذلك الحق أم دين محمد؟
إني لأعرفه مذ كان - أصدق العرب حديثاً وأعظمها أمانة؛ أفيكذب حين يبدو الشيب في صدغيه، ثم لا يكون كذبه إلا افتراءً على الله. . .؟
أما ورب الكعبة لقد جاء محمد بأمر عظيم، إن يكن الصدق فما يقعد بي أن أكون في السابقين إليه. . .؟
فلما أسفر الصبح غدا عثمان على محمد في مجلسه ليسمه منه؛ فما هو إلا أن تلا عليه آياتٍ من الكتاب حتى اهتزت نفس عثمان، ونفذت السماء إلى قلبه، وغمره النور الإلهي، وشرح الله صدره للإسلام، فتمت به عدة المؤمنين أثنى عشر. . .
وانطلق عثمان إلى أهله يدعوهم إلى الله؛ فما تلبث أخواه (قدامة وعبد الله) أن آمنا بما آمن، وآمن من بعدهم بضع عشرة من بني عمه وولده؛ وإذا المؤمنون يزيدون ويكثرون، وإذا الدين الجديد يتنقل نبؤه في همس من فم إلى أذن، وينفذ في رفق من قلب إلى قلب، ثم يتدافع في قوة حتى ينتظم الأربعين من شباب قريش وكهولها. ثم إذا هو من بعدُ نداءٌ عام، يدعو إليه رسول الله من فوق (الصفا)، فيفشو أمره، ويتحدث به الناس، وتتناقله القبائل، وتتقاذفه فلوات شبه الجزيرة؛ فما ينكر على محمد دعوته إلا الملا من أشراف العرب. . .
أكنت ترى السادة من قريش أهل الرفادة والسقاية - ينزلون عن جاههم وسلطانهم بهذا لهوان لمحمد؛ أم تحسبهم يتركون ما كان يعبد آباؤهم مختارين انقياداً لهذا الداعي؟
إن كبرياء النفس البشرية هو إيمانها بنفسها؛ فما يغلبها على كبرياءها إلا الإيمان الأكبر؛ وما إن تبلغ هذا الإيمان إلا مقهورة عليه، نازلة على سلطانه الأقوى، من قادة له انقياد الرضى والاستسلام؛ فإذا هي بلغت ذاك فقد تبدلت النفس غير النفس؛ فما تتكبر إذ تتكبر
стр. 7702
بنفسها ولكن بما تدين، وما تفاخر حين تفاخر بخصائصها الذاتية، ولكن بقوة العقيدة التي اعتنقت؛ ويعود تعصبها لنفسها تعصباً للحق الذي آمنت به، وأخلصهم في طاعته، وأشدهم استبسالاً في الدعوة إلى دينه والذياد عنه؛ فكانت هذه المعجزة الإنسانية الكبرى التي انبثق لها هذا الفجر الضاحك فأشرق بالسلام على البشرية كلها، وامتد امتداد القدر يقبض راحته على الدنيا، وانبسط انبساط الأمل بتناول كل ما في الوجود، ورسم للانسانية حدود سعادتها في معاني الإخاء والمساواة والحرية!
تذامر الملاُ من أشراف مكة على محمد وأصحاب محمد ليفتنوهم عن دينهم، فآذوهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم، وأخذوا بكل نكال، حتى بلغوا من تعذيبهم الغاية ولم يبلغوا من مسلم أربا؛ ورأوا أمر الله أغلب من أمرهم في هذه القلوب، فمضوا يقتنون في الكيد لهم ما يتورعون من شر. وأيقن المستضعفون من المسلمين أن لا مقام لهم على هذا الهوان خوف الفتنة، فجلوا عن أراضيهم وديارهم فراراً إلى الله بدينهم. . .!
وأنطلق عثمان بن مضعون يقدم الفوج الأول مهاجرين إلى الحبشة، تفيض أعينهم من الدمع حزناً، أن تركوا أموالهم وأولادهم وعشيرتهم، منهم الراجل قد ثقلت عليه نفسه، والراكب قد ناء بما يحمل من همه. حتى انتهوا إلى البلد الذي أرادوا.
وأمنوا الفتنة، يروحون ويغدون في ظل ملكٍ كريم. أتراهم على ذلك قد اطمأنت بهم الدار؟ ومن أين للغريب النازح عن أهله وأحبابه أن تستقر به الدار!
وطال بهم الحنين إلى بلدهم والى مشرق النور من وجه النبي الكريم، يستروحون من كل نسمة تهب من أرض الحجاز ذكرى تشوق وحنيناً يستجد. فما كذبوا أن جاءهم بشير بإسلام قريش، فقفلوا آملين مستبشرين، وما منهم إلا مشرق الوجه تحدثه نفسه حديث المبعد يوشك أن تستقر به النوى ويلقى عصاه بين أحبته وأهله وملاعب صباه!
ثم ما هي إلا أن دانوا مكة وبدت لهم أعلامها وهبت عليهم نسماتها، حتى انكشف لهم أن إسلام قريش لم يكن إلا أمنية. . . فألقوا على الوطن المهجور نظرة اللهفان فاتته المنى، ثم لووا عنان الركب عائدين إلى المهاجر، وإن قلوبهم لتتلفت مودعة وما سعدت باللقاء. . .!
وتحدرت دمعتان على وجه عثمان إذ حضرته صورة المصطفى من الله، فهفت نفسه إلى لقائه، وهان عليه مايستهدف له من أذى المشركين ما دام سعيداً بطلعة النبي، يراه في كل
стр. 7703
غدوة ورواح، ويتمتع به كلما حلا له أن يستمتع.
ودخل مكة في جماعة من المهاجرين مستخفين على حذر ورقبة، حتى لقيه (الوليد بن المغيرة المخزومي) فأستظل بجواره وأمن عثمان عدوان المشركين في حماية أعز قريش وأمنعها، ومن ذا يجرؤ أن يستبيح ذمة الوليد في جاره؟ فأنه ليغدو ويروح لا يناله شر ولا يعرض له أحد بسوء. . .
وخرج عثمان مرة لبعض شأنه، فإذا هو يبصر رجل من أصحاب رسول الله مطروحاً على الرمضاء عارياً في حر مكة وقد حميت الظهيرة وقد وضعت على صدره صخرةُ ينوء بها الفحل، تعذيباً له بما آمنة بمحمد!
واهتزت نفس عثمان مما رأى، وبرح به الألم مما ينال أخاه المسلم فلا يستطيع له دفعاً، فصغرت نفسه في عينه، ومضى والهم يجثم على صدره أثقل من صخرة العذاب على صدر أخيه!
ومشى خطوات، فإذا هو يشاهد شراً مما رأى: هذا أبو بكر، يلقاه سفيهُ من سفهاء مكة فيحثوا عليه التراب، وأولاء جماعةُ من المشركين يشهدون سفاهة صاحبهم فيضحكون ويسخرون.!
وزاد الهم بعثمان، وغشيته غاشية من الحزن والألم! إنه ليحس التراب على رأسه، وإنه ليشعر بمثل حر الرمضاء يشوي جسده هو، وإن قلبه ليفيض غماً. إنه ليرى نفسه في جوار سيد قريش، فما يمنعه ذلك أن يلقي من آلام النفس فوق ما يلقى صحابته من آلام الجسد!
وسار مثقل الرأس، يحمل همه على كفيه، ضيق الخطى كأنما يطأ الشوك. وإذا واحدٌ من المسلمين يلقاه فيحدثه بما لقي (آل ياسر) من أذى بني مخزوم: لقد مات (ياسر) في العذاب وماتت زوجه (سمية) طعيناً بيد أبي جهل، وهذا (عمار بن ياسر) لا طاقة له بدفع ما يلقى من أذى بني مخزوم، وما أراه إلا موشكا أن يلحق بأبويه. . .!
واشتد به الهم إذ سمع ما سمع بعد إذ رأى ما رأى، ومضى يتحدث إلى خواطره، فإذا هو على الأمان والطمأنينة في عذابٍ أشد مما يلقى إخوانه المستضعفون. وقال لنفسه: والله إن غدوّي ورواحي آمناً بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء
стр. 7704
والأذى في الله ما لا يصيبني - لنقصٌ كبير في نفسي! إنه والله الفرارُ من الأجر والمثوبة، وإن لهم عند الله لمنزلة هيهات أن يعزيني عن فقدها أنني في سلامة الأذى. بل إنه الفرار من حمل أثقال حمل الإيمان، وإنه لأرْوَح لقلبي أن ألقي ما يلقى إخواني في الله، فأني لأوشك أن يغلظ قلبي فما آمن على نفسي من أوضار الشرك!
يا نفسي، ما برهانك على أنك مؤمنة إذا لم تحملي أثقال الحياة راضية؟
ما دليلك على أنك قاسيت في سبيل دينك وإنك لتفرين فرار المتمسك بدنياه؟
ماذا قدمت - يا نفس - لله من حظك وراحتك فيكون لك في الآخرة أن تدعي وتستطيلي؟
ألا إن الإيمان هو أن ينالك ما نال المؤمنين، وإن عذاب الناس لهو ثواب الله، وما يصدق الخبر عن بسالة الجندي إلا أن تشهد له جراحه، وما أنا رجلاً إن لم أكن الآن رجلاً. . .!
ومشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: (يا أبا عبد شمس، وَفَتْ ذمتك، وقد رددت إليك جوارك!)
قال الوليد: (يا ابن أخي، لعله آذاك أحد قومي. .؟)
قال عثمان: (لا، ولكني أرضى بجوار الله ولا أريد أن أستجير بغيره. .!)
قال الوليد: (فانطلق بنا إلى المسجد فاردد علي جواري علانيةً كما أجرتك علانية)
فانطلقنا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: (هذا عثمان قد جاء يرد على جواري)
وقال عثمان: (صدق، قد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكني قد أحببن ألا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره!)
ثم افترقا. وجلس عثمان يستمع إلى إنشاد (لبيد بين ربيعة) في مجلس من قريش، فقال لبيد: (ألا كل شيءً ما خلا الله باطل)
قال عثمان: (صدقت!)
قال: (وكل نعيم لا محالة زائل!)
قال عثمان: (كذبت. . .!)
وأعاد لبيد، وعاد عثمان يقول: (كذبت؛ نعيم الجنة لا يزول أبداً)
فغضب لبيد وقال: (يا معشر قريش، والله ما كان يؤذي جليسكم؛ فمتى حدث هذا فيكم؟)
قال رجل من القوم: (إن هذا سفيه في سفهاء معه قد فارقوا ديننا؛ فلا تجد في نفسك من
стр. 7705
قوله!)
ورد عليه عثمان حتى شرى الشر بينهما، فقام الرجل فلطم عين عثمان فاخضرت، والوليد بين المغيرة بمجلس قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: (أما والله يا ابن أخي، إن كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كنت في ذمة منيعة!)
قال عثمان: (والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر!)
فقال له الوليد: (هلم يا ابن أخي، فعد إن شئت إلى جوارك!)
قال عثمان: (لا. . . . . . . . .)
وسار في سبيله عامر القلب بالإيمان، طيب النفس بما يبذل في سبيل الله، قرير العين بأنه لم يلجأ إلا إليه. . .
ومضى المشركون في عدوانهم لا رفق ولا هوادة؛ وآذى النبي ما يلقى صحابته، فدعاهم إلى اللحاق بمن سبق من المهاجرين إلى الحبشة.
وخرج عثمان فيمن خرج، عائداً إلى المهاجر النائي طاعةً لرسول الله. فأقام هناك ما أقام، ضيق النفس على سعة من العيش، مكروباً من الغربة على الأمان والأذى!
وتصرمت السنون عاماً بعد عام وهو يكافح الشوق والحنين، حتى أذن له أن يفارق الحبشة بعد ست سنين، لا إلى مكة الحبيبة إليه، ولكن إلى المهجر الثاني، إلى المدينة، من مغترب إلى مغترب. فما مضى عام وبعض عام على مقامه حتى مل غربته، فودع دنياه إلى الوطن الباقي بقاء السموات والأرض، إلى جوار الله. ومات أول من مات من المهاجرين بالمدينة!
وقبله النبي ﷺ وهو يبكي وعيناه تذرفان، ووسده الثرى ونفض يديه من ترابه، ولكن ذكراه ظلت حية في قلبه؛ فلما مات ولده (إبراهيم) زوده بالتحية إلى الشهيد الغريب، وودع ولده الواحد وهو يقول: (ألحق بسلفنا الصالح عثمان بن مضعون!).
يا ابن مضعون، فرغت من أمر الدنيا وآلامها، بعد أن قضيت أيامك على الأرض تتقاذفك الفلوات من غربة إلى غربة. ولم تبك، وبكت لك دموع النبوة؛ دموع تقدمك إلى الله يثيبك، وتقدمك إلى التاريخ يترحم عليك. وفي الوقت الذي يسلب الملوك فيه تيجانهم وضع عليك التاج. . .!
следующие страницы →