Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.
стр. 7701
الشهيد الغريب
عثمان بن مظعون
للأستاذ محمد سعيد عريان
بات (عثمان بن مظعون الجمحي) ليلته يقلب الرأي، ويستلهم الفطنة؛ وإن الهم ليصطرع في رأسه، وأن الشك ليتلجلج في صدره، وإن بين عقله وعاطفته لحرباً مشبوبة ومعركة طاحنة أحق ما يقول محمد بن عبد الله؟ فما هذه اللاتُ والعُزَّى، ومَناةُ الثالثة الأخرى؟ وما ديننا الذي أورثنا آباؤنا ومضى عليه أسلافنا؟ أذلك الحق أم دين محمد؟
إني لأعرفه مذ كان - أصدق العرب حديثاً وأعظمها أمانة؛ أفيكذب حين يبدو الشيب في صدغيه، ثم لا يكون كذبه إلا افتراءً على الله. . .؟
أما ورب الكعبة لقد جاء محمد بأمر عظيم، إن يكن الصدق فما يقعد بي أن أكون في السابقين إليه. . .؟
فلما أسفر الصبح غدا عثمان على محمد في مجلسه ليسمه منه؛ فما هو إلا أن تلا عليه آياتٍ من الكتاب حتى اهتزت نفس عثمان، ونفذت السماء إلى قلبه، وغمره النور الإلهي، وشرح الله صدره للإسلام، فتمت به عدة المؤمنين أثنى عشر. . .
وانطلق عثمان إلى أهله يدعوهم إلى الله؛ فما تلبث أخواه (قدامة وعبد الله) أن آمنا بما آمن، وآمن من بعدهم بضع عشرة من بني عمه وولده؛ وإذا المؤمنون يزيدون ويكثرون، وإذا الدين الجديد يتنقل نبؤه في همس من فم إلى أذن، وينفذ في رفق من قلب إلى قلب، ثم يتدافع في قوة حتى ينتظم الأربعين من شباب قريش وكهولها. ثم إذا هو من بعدُ نداءٌ عام، يدعو إليه رسول الله من فوق (الصفا)، فيفشو أمره، ويتحدث به الناس، وتتناقله القبائل، وتتقاذفه فلوات شبه الجزيرة؛ فما ينكر على محمد دعوته إلا الملا من أشراف العرب. . .
أكنت ترى السادة من قريش أهل الرفادة والسقاية - ينزلون عن جاههم وسلطانهم بهذا لهوان لمحمد؛ أم تحسبهم يتركون ما كان يعبد آباؤهم مختارين انقياداً لهذا الداعي؟
إن كبرياء النفس البشرية هو إيمانها بنفسها؛ فما يغلبها على كبرياءها إلا الإيمان الأكبر؛ وما إن تبلغ هذا الإيمان إلا مقهورة عليه، نازلة على سلطانه الأقوى، من قادة له انقياد الرضى والاستسلام؛ فإذا هي بلغت ذاك فقد تبدلت النفس غير النفس؛ فما تتكبر إذ تتكبر
стр. 7702
بنفسها ولكن بما تدين، وما تفاخر حين تفاخر بخصائصها الذاتية، ولكن بقوة العقيدة التي اعتنقت؛ ويعود تعصبها لنفسها تعصباً للحق الذي آمنت به، وأخلصهم في طاعته، وأشدهم استبسالاً في الدعوة إلى دينه والذياد عنه؛ فكانت هذه المعجزة الإنسانية الكبرى التي انبثق لها هذا الفجر الضاحك فأشرق بالسلام على البشرية كلها، وامتد امتداد القدر يقبض راحته على الدنيا، وانبسط انبساط الأمل بتناول كل ما في الوجود، ورسم للانسانية حدود سعادتها في معاني الإخاء والمساواة والحرية!
تذامر الملاُ من أشراف مكة على محمد وأصحاب محمد ليفتنوهم عن دينهم، فآذوهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم، وأخذوا بكل نكال، حتى بلغوا من تعذيبهم الغاية ولم يبلغوا من مسلم أربا؛ ورأوا أمر الله أغلب من أمرهم في هذه القلوب، فمضوا يقتنون في الكيد لهم ما يتورعون من شر. وأيقن المستضعفون من المسلمين أن لا مقام لهم على هذا الهوان خوف الفتنة، فجلوا عن أراضيهم وديارهم فراراً إلى الله بدينهم. . .!
وأنطلق عثمان بن مضعون يقدم الفوج الأول مهاجرين إلى الحبشة، تفيض أعينهم من الدمع حزناً، أن تركوا أموالهم وأولادهم وعشيرتهم، منهم الراجل قد ثقلت عليه نفسه، والراكب قد ناء بما يحمل من همه. حتى انتهوا إلى البلد الذي أرادوا.
وأمنوا الفتنة، يروحون ويغدون في ظل ملكٍ كريم. أتراهم على ذلك قد اطمأنت بهم الدار؟ ومن أين للغريب النازح عن أهله وأحبابه أن تستقر به الدار!
وطال بهم الحنين إلى بلدهم والى مشرق النور من وجه النبي الكريم، يستروحون من كل نسمة تهب من أرض الحجاز ذكرى تشوق وحنيناً يستجد. فما كذبوا أن جاءهم بشير بإسلام قريش، فقفلوا آملين مستبشرين، وما منهم إلا مشرق الوجه تحدثه نفسه حديث المبعد يوشك أن تستقر به النوى ويلقى عصاه بين أحبته وأهله وملاعب صباه!
ثم ما هي إلا أن دانوا مكة وبدت لهم أعلامها وهبت عليهم نسماتها، حتى انكشف لهم أن إسلام قريش لم يكن إلا أمنية. . . فألقوا على الوطن المهجور نظرة اللهفان فاتته المنى، ثم لووا عنان الركب عائدين إلى المهاجر، وإن قلوبهم لتتلفت مودعة وما سعدت باللقاء. . .!
وتحدرت دمعتان على وجه عثمان إذ حضرته صورة المصطفى من الله، فهفت نفسه إلى لقائه، وهان عليه مايستهدف له من أذى المشركين ما دام سعيداً بطلعة النبي، يراه في كل
стр. 7703
غدوة ورواح، ويتمتع به كلما حلا له أن يستمتع.
ودخل مكة في جماعة من المهاجرين مستخفين على حذر ورقبة، حتى لقيه (الوليد بن المغيرة المخزومي) فأستظل بجواره وأمن عثمان عدوان المشركين في حماية أعز قريش وأمنعها، ومن ذا يجرؤ أن يستبيح ذمة الوليد في جاره؟ فأنه ليغدو ويروح لا يناله شر ولا يعرض له أحد بسوء. . .
وخرج عثمان مرة لبعض شأنه، فإذا هو يبصر رجل من أصحاب رسول الله مطروحاً على الرمضاء عارياً في حر مكة وقد حميت الظهيرة وقد وضعت على صدره صخرةُ ينوء بها الفحل، تعذيباً له بما آمنة بمحمد!
واهتزت نفس عثمان مما رأى، وبرح به الألم مما ينال أخاه المسلم فلا يستطيع له دفعاً، فصغرت نفسه في عينه، ومضى والهم يجثم على صدره أثقل من صخرة العذاب على صدر أخيه!
ومشى خطوات، فإذا هو يشاهد شراً مما رأى: هذا أبو بكر، يلقاه سفيهُ من سفهاء مكة فيحثوا عليه التراب، وأولاء جماعةُ من المشركين يشهدون سفاهة صاحبهم فيضحكون ويسخرون.!
وزاد الهم بعثمان، وغشيته غاشية من الحزن والألم! إنه ليحس التراب على رأسه، وإنه ليشعر بمثل حر الرمضاء يشوي جسده هو، وإن قلبه ليفيض غماً. إنه ليرى نفسه في جوار سيد قريش، فما يمنعه ذلك أن يلقي من آلام النفس فوق ما يلقى صحابته من آلام الجسد!
وسار مثقل الرأس، يحمل همه على كفيه، ضيق الخطى كأنما يطأ الشوك. وإذا واحدٌ من المسلمين يلقاه فيحدثه بما لقي (آل ياسر) من أذى بني مخزوم: لقد مات (ياسر) في العذاب وماتت زوجه (سمية) طعيناً بيد أبي جهل، وهذا (عمار بن ياسر) لا طاقة له بدفع ما يلقى من أذى بني مخزوم، وما أراه إلا موشكا أن يلحق بأبويه. . .!
واشتد به الهم إذ سمع ما سمع بعد إذ رأى ما رأى، ومضى يتحدث إلى خواطره، فإذا هو على الأمان والطمأنينة في عذابٍ أشد مما يلقى إخوانه المستضعفون. وقال لنفسه: والله إن غدوّي ورواحي آمناً بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء
стр. 7704
والأذى في الله ما لا يصيبني - لنقصٌ كبير في نفسي! إنه والله الفرارُ من الأجر والمثوبة، وإن لهم عند الله لمنزلة هيهات أن يعزيني عن فقدها أنني في سلامة الأذى. بل إنه الفرار من حمل أثقال حمل الإيمان، وإنه لأرْوَح لقلبي أن ألقي ما يلقى إخواني في الله، فأني لأوشك أن يغلظ قلبي فما آمن على نفسي من أوضار الشرك!
يا نفسي، ما برهانك على أنك مؤمنة إذا لم تحملي أثقال الحياة راضية؟
ما دليلك على أنك قاسيت في سبيل دينك وإنك لتفرين فرار المتمسك بدنياه؟
ماذا قدمت - يا نفس - لله من حظك وراحتك فيكون لك في الآخرة أن تدعي وتستطيلي؟
ألا إن الإيمان هو أن ينالك ما نال المؤمنين، وإن عذاب الناس لهو ثواب الله، وما يصدق الخبر عن بسالة الجندي إلا أن تشهد له جراحه، وما أنا رجلاً إن لم أكن الآن رجلاً. . .!
ومشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: (يا أبا عبد شمس، وَفَتْ ذمتك، وقد رددت إليك جوارك!)
قال الوليد: (يا ابن أخي، لعله آذاك أحد قومي. .؟)
قال عثمان: (لا، ولكني أرضى بجوار الله ولا أريد أن أستجير بغيره. .!)
قال الوليد: (فانطلق بنا إلى المسجد فاردد علي جواري علانيةً كما أجرتك علانية)
فانطلقنا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: (هذا عثمان قد جاء يرد على جواري)
وقال عثمان: (صدق، قد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكني قد أحببن ألا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره!)
ثم افترقا. وجلس عثمان يستمع إلى إنشاد (لبيد بين ربيعة) في مجلس من قريش، فقال لبيد: (ألا كل شيءً ما خلا الله باطل)
قال عثمان: (صدقت!)
قال: (وكل نعيم لا محالة زائل!)
قال عثمان: (كذبت. . .!)
وأعاد لبيد، وعاد عثمان يقول: (كذبت؛ نعيم الجنة لا يزول أبداً)
فغضب لبيد وقال: (يا معشر قريش، والله ما كان يؤذي جليسكم؛ فمتى حدث هذا فيكم؟)
قال رجل من القوم: (إن هذا سفيه في سفهاء معه قد فارقوا ديننا؛ فلا تجد في نفسك من
стр. 7705
قوله!)
ورد عليه عثمان حتى شرى الشر بينهما، فقام الرجل فلطم عين عثمان فاخضرت، والوليد بين المغيرة بمجلس قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: (أما والله يا ابن أخي، إن كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كنت في ذمة منيعة!)
قال عثمان: (والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر!)
فقال له الوليد: (هلم يا ابن أخي، فعد إن شئت إلى جوارك!)
قال عثمان: (لا. . . . . . . . .)
وسار في سبيله عامر القلب بالإيمان، طيب النفس بما يبذل في سبيل الله، قرير العين بأنه لم يلجأ إلا إليه. . .
ومضى المشركون في عدوانهم لا رفق ولا هوادة؛ وآذى النبي ما يلقى صحابته، فدعاهم إلى اللحاق بمن سبق من المهاجرين إلى الحبشة.
وخرج عثمان فيمن خرج، عائداً إلى المهاجر النائي طاعةً لرسول الله. فأقام هناك ما أقام، ضيق النفس على سعة من العيش، مكروباً من الغربة على الأمان والأذى!
وتصرمت السنون عاماً بعد عام وهو يكافح الشوق والحنين، حتى أذن له أن يفارق الحبشة بعد ست سنين، لا إلى مكة الحبيبة إليه، ولكن إلى المهجر الثاني، إلى المدينة، من مغترب إلى مغترب. فما مضى عام وبعض عام على مقامه حتى مل غربته، فودع دنياه إلى الوطن الباقي بقاء السموات والأرض، إلى جوار الله. ومات أول من مات من المهاجرين بالمدينة!
وقبله النبي ﷺ وهو يبكي وعيناه تذرفان، ووسده الثرى ونفض يديه من ترابه، ولكن ذكراه ظلت حية في قلبه؛ فلما مات ولده (إبراهيم) زوده بالتحية إلى الشهيد الغريب، وودع ولده الواحد وهو يقول: (ألحق بسلفنا الصالح عثمان بن مضعون!).
يا ابن مضعون، فرغت من أمر الدنيا وآلامها، بعد أن قضيت أيامك على الأرض تتقاذفك الفلوات من غربة إلى غربة. ولم تبك، وبكت لك دموع النبوة؛ دموع تقدمك إلى الله يثيبك، وتقدمك إلى التاريخ يترحم عليك. وفي الوقت الذي يسلب الملوك فيه تيجانهم وضع عليك التاج. . .!
стр. 7706
طنطا
محمد سعيد العريان
стр. 7707
مجد الإسلام
وقفة على طلل
للأستاذ محمود غنيم
مَالي وللنَّجْم يرعاني وأرعاهُ! … أمسى كلانا يعافُ الغمضَ جَفْنَاهُ
ليِ فيكَ يا ليلُ آهاتٌ أُردِّدُها … أَوَّاهُ لو أجْدَت المحزونَ أوّاه
لا تحْسبَنَّي محبِّنا يشتكي وَصَباً … أَهوِنْ بما في سبيل الحب ألقاه
إِنّي تذكِّرْتُ - والذكرى مُؤَرِّقةٌ - … مجداً تليداً بأيدينا أضَعْنَاه
أَنَّي اتجهتَ إلى الإسلام في بلدٍ … تجدْه كالطير مقصوصاً جَناَحاه
وَيح العرُوبة كان الكونُ مسرحَها … فأصبحت تتوارى في زواياه
كم صرَّفَتْنَا يدٌ كنا نصرِّفُها … وبات يملكنا شعبٌ مَلَكْناه
كم بالعراق وكم بالهند ذو شَجَنٍ … شكا فردَّدت الأهرامُ شكواه
بني العمومةِ إنَّ القُرْحَ مَسَّكمو … ومسَّناَ. نحن في الآلام أشباه
يا أهلَ يثْربَ أدْمتْ مقلتيَّ يدٌ … بدرِيَّةٌ تسألُ المصريَّ جدواه
الدِّينُ والضادُ من مغناكم انبعثا … فطبَّقا الشرق أقصاهُ وأدناه
لسنا نمدُّ لكم أَيماننا صِلَةً … لكنما هو دَينٌ ما قضيناه
هل كان دينُ ابنِ عَدنْانٍ سوى فَلَقٍ … شقَّ الوجودَ وليلُ الجهلِ يغشاه؟
سَلِ الحضارةَ ماضيها وحاضرَها … هل كان يتَّصل العهدان لولَاه؟
هي الحنيفةُ عينُ الله تكلؤُها … فكلَّما حاولوا تشويهَهَا شاهُوا
هل تطلبون من المختار معجزةً … يكفيه شعبٌ من الأجادثِ أحياه
مَنْ وَحَّدَ العُرْبَ حتى كان واترُهم … إذا رأى ولدَ الموتور آخاهُ
وكيف كانوا يداً في الحرب واحدةً … من خاضها باع دنياه بأخراه
وكيف ساس رعاةُ الابل مملكةً … ما ساسها قيصرٌ من قبلُ أو شاهُ
وكيف كان لهم علمٌ وفلسفةٌ … وكيف كانت لهم سُفْنٌ وأمواه
سَنُّوا المساواةَ لا عُرْبٌ وَلا عَجَمٌ … ما لامرئ شرفٌ إلا بتقواه
وقررت مبدأ الشورى حكومتُهم … فليس للفرد فيها ما تمناه
стр. 7708
ورَحَّبَ الناس بالإسلام حين رأوْا … أنَّ السلامَ وأن العدلَ مغزاه
يا من رأى عُمَرًا تكسوه بردتهُ … والزيت أُدْمٌ له والكوخ مأواه
يهتزُّ كسرى على كرسيّه فَرَقاً … من بأسه وملوكُ الروم تخشاه
سلِ المعاليَ عنا إِننا عرَبٌ … شعارُنا المجدُ يهوانا ونهواه
هي العروبةُ لفظ إِن نطقت به … فالشرقُ والضادُ والإسلام معناه
استرشد الغربُ بالماضي فأرشَدَهُ … ونحن كان لنا ماضٍ نسِيناه
إِنّا مَشَيناَ وراء الغرب نقبسُ من … ضيائه فأصابتناَ شظاياه
بالله سل خلفَ بحر الروم عن عزَبٍ … بالأمس كانوا هنا ما بالهم تاهوا؟
فان تراءتْ لك الحمراءُ عن كثَبٍ … فسائل الصَّرْحَ أين المجدُ والجاه
وانزلْ دمشقَ وسائل صخرَ مسجدها … عمن بناه لعل الصخرَّ يَنعاه
وطُفْ ببغدادَ وابحثْ في مقابرها … علَّ امرَ أمن بني العباسِ تلقاه
هذى معالم خُرْسٌ كلَُ واحدةٍ … منهنَّ قامت خطيباً فاغراً فاه
إِني لأشعر إذ أغشى معالمهم … كأنني راهبٌ يغشى مُصلاه
الله يعلم ما قلَّبتُ سيرتَهم … يوماً وأخطأ دمع العين مجراه
أين الرشيد وقد طاف الغمامُ به … فحين جاوز بغداداً تحدَّاه
مُلْكٌ كملك بني التاميز ما غربت … شمس عليه ولا برْقٌ تخطَّاه
ماضٍ نعيش على أنقاضه أُمما … ونستمدُّ القوى من وَحْي ذكراه
لا دَرَّ دَرُّ امرىْ يُطري أوائلَه … فخراً وَيُطْرِقُ إِن ساءلته ما هو
ما بالُ شمل بني قحطانَ منصدِعاً؟ … ربَّاهُ أدرك بني قحطان ربَّاه
عهد الخلافة في البسُفُور قد دَرَستْ … آثارُه طيّب الرحمنُ مثواه
عرشٌ عتيدٌ على الأتراك نعرضُه … ما بالُنا نجد الأتراكَ تأباه
ألم يرَوْا كيف فدَّاه معاويةٌ … وكيف راح عليٌّ من ضحاياه
غالَ ابنَ بنتِ رسولِ اللهِ ثم عَدَا … على ابن بنتِ أبي بكر فأرداه
لما ابتغَى يدَها السفاحُ أمْهَرَها … نهراً من الدم فوق الأرض أَجراه
ما للخلافة ذنبٌ عند شانِئِها … قد يظلِمُ السيفَ من خانته كَفّاه
стр. 7709
الحكْمُ يَسلس باسم الدين جامحُه … ومن يَرُمْهُ بحدَّ السيفِ أعياه
يا رُبَّ مولًى الأعناقُ خاضعةٌ … وراهبُ الدَّيْرِ باسم الدِّين مولاه
إني لأعتبرُ الإسلام جامعةً … للشرق لا محضَ دين سنَّهُ اللهُ
أرواحُنا تتلاقى فيه خافقةً … كالنحل إِذْ يتلاقى في خلاياه
دستورُه الوحْيُ والمحتارُ عاهِلهُ … والمسلمونَ - وإن شتُّوا - رعاياه
لاهُمَّ قد أصبحت أهواؤنا شيعاً … فامنن علينا براعٍ أنتَ ترضاه
راعٍ يُعيدُ إلى الإسلام سيرته … يَرْعَى بَنيهِ وعينُ اللهِ تَرْعاهُ
(كوم حمادة)
محمود غنيم
стр. 7710
من الفلسفة الإسلامية
عينية أبن سينا أو قصة الروح
للأستاذ زكي نجيب محمود
ادْنُ مني يا صديقي واستمع إلى هذه القصة الممتعة الرائعة التي يرويها ابن سينا عن الروح. وما أدراك ما الروح؟ هذا السر العجيب الذي سري واستكن بين أحنائك فلا تكاد تدري من أمره شيئاً! وهل يداخلك شيء من الريب في أنك مزيج من مادة وروح؟ فأما المادة فهي هذا اللحم والعظم، وأما الروح فهي تلك الفكر الرائع والخيال البارع وتلك الحركة المتوثبة الدافعة، حتى إذا جاءك يوماً قضاؤك المحتوم، انطلق كل من العنصرين إلى سبيله! فأنى لك هذا السر المكنون، وأيان يذهب بعد الموت؟ ذلك ما يرويه ابن سينا في قصيدته وما أنا محدثك به الآن - قال ابن سينا:
هَبَطَت إليك من المحلِّ الأرفع … ورقاءُ ذاتُ تَعَزَّزٍ وتمَنُّع
فقد كانت تعيش الروح أول أمرها مطلقة مجردة في الرقيق الأعلى، ثم كتب عليها أن تهبط إلى هذا الدرك الوضيع؛ ولقد آثر فيلسوفنا الشاعر لفظ الهبوط على السقوط لأنها في رأيه لم تسقط إلى هذا الحضيض من علٍ كما يسقط الحجر الجماد سقوطاً لا شعور فيه، أو كمن ينتكس من أوج الجبل إلى سفحه انتكاساً يقربه من الجماد المرغم على السير في طريق بعينها لا يملك لنفسه شيئاً، إنما هبطت إليك الروح؛ وفي لفظ الهبوط معنى الشعور والإدراك، من محلها الأرفع، حيث تسبح العقول المجردة روحانية خالصةً لا تشوبها شائبة من مادة. . . ولكني عهدتك يا صديقي عنيداً ملحاحاً لا ترضى بالقول يرسل إرسالاً، بل تقتضي محدثك الأمثلة يضربها توضيحاً لما يريد. وكأني بك تسائلني أو تسائل الشاعر: وكيف كان ذلك الهبوط؟ فهو يجيب: إن شئت للروح في هبوطها مثلاً مما تعلم من ألوان الحركة، فهي أشبه بالطير سابحةً في أجواز الفضاء، محومةً صاعدة هابطة، وماذا ترى بين الأشياء التي تتحرك بالإرادة أشد شبهاً بالروح من الطير في خفته ولطف جوهره، وفي هبوطه وصعوده؟ لعمري لقد وفق فيلسوفنا، بل لقد وفق أصحاب الفن منذ أقد العصور في تصويرهم للملائكة أو ما يتصل بالملائكة من كائنات روحانية بالجسوم المجنحة إدراكاً منهم بهذه الرابطة القوية الصادقة بين خفة الأرواح ولطفها، وبين رشاقة
стр. 7711
الطير ورقته. ولكن فيلسوفنا الشاعر لا يرضيه تشبيه الروح في هبوطها بالطير على عمومه، بل أجال بصره في عالم الطير لعله يجد بينها نوعاً خاصاً يكون أقربها صلة بالروح، فما أسرع أن ساقه صدق شعوره وكمال إحساسه إلى الحمائم، وهل تستطيع أن تدلني على طير هو أشد من الورق استئناساً ووداعة، وأطول من الورق حنيناً وأصدق بكاء؟! وإذن فما أشبه الروح بالورقاء، فهي قد نشأت في عالم قدسيٍ رفيع، مجردة عن ملازمة المادة ومواصلتها، فلما كان لها أن تهبط إلى الجسد المادي، طال ترددها واشتد تعززها وتمنعها، وكانت فيما أحست من ألم كمن ينتحب بالبكاء، حنيناً إلى عالمها ذاك، ونفوراً وازوراراً من الأخلاط الجثمانية التي كتب لها أن تهبط إليها فتعيش بينها فترة من زمان محجوبةٌ عن كل مقلة ناظرٍ وهي التي سفرت ولم تتبرقع.
ألا ما أعجب الروح! إنها تلازمك أينما حللت، لا تفارقك إلا يوم تكون أنت لست اياك، فهي قريبة منك، بل هي أنت؛ تسري في دمائك، وتدب في كل عضو من أعضائك، ثم هي مع ذلك تمتنع عن النظر وتستعصي على الادراك! فاذا ما حاولت رؤيتها تحجب وأسدلت حول نفسها قناعاً صفيقاً لا ينفذ منه شعاع من بصر، لماذا؟ لأنها تذكر ماضيها الجليل، يوم كانت في العالم الأقدس الرفيع، فتأخذها العزة والكبرياء، وتتعالى عن إدراك العيون! وكيف تردها على الظهور أمام مقلتيك وهما لم تخلقا إلا لرؤية الأجساد المادية وحدها؟ فأما هذه الماهية المجردة فهيهات أن تدركها بالنظر؛ وكل محاولة منك في هذه السبيل صائرة حتماً إلى فشل وإفلاس، ولكن لا تيأس يا صاحبي، فثم سبيل لإدراكها غير هذه المقل، وغير هذه الحواس جميعاً، انظر إليها بعين العقل تجدها واضحة سافرة كاشفة عن وجهها لا تسدل من دونه البراقع والستور، فهي إن كانت تأبى أن تبدو للحواس فذلك لأنها تعلو بنفسها عن هذا الدرك الخسيس، وهي إنما تتضح وتجلو لكل عاقل من الناس، يبحث عنها بعقله في آثارها ودلائلها. إذن فالروح مع كمال خفائها وشدة غموضها عن العين، يمكن إدراكها بالعقل لمن يريد معرفتها بالدليل والبرهان.
وَصَلَتْ على كرهٍ إليك وربما … كرهت فراقك وهي ذات توجع
لقد علمت أن الروح قد اتصلت بهذا الهيكل الجثماني متأبية مقهورة مكرهة، ولكنها من عجيب أمرها عادت فكرهت أن تفارق هذا الجسد الذي أرغمت على الحلول فيه أول الأمر
стр. 7712
إرغاماً، أما كونها جاءت مكرهة فلأنها حين هبطت إليك كانت تعلم أنها إنما تتصل بكتلة من المادة. ليس بينها وبينها تآلف وتجانس، إذ ليست هي في تجردها وروحانيتها شبيه بالجسد في ماديته، وهل تستطيع أن تظفر بأنس من رفيقك إذا لم يكن بينك وبينه تجانس في الصفات؟ فإن أرغمت على هذه المرافقة إرغاماً على ما بينكما من تنافر وتناكر، فأنت لاشك غاضب كاره؛ وأما كونها تعود فتكره فراق الجسد فذلك لأنها قد تمكنت منه وسرت في أنحائه سرياناً شديداً، فتشبثت به تشبثاً قوياً متيناً ليس انحلاله أو زواله هنة هينة، وأنت تستطيع أن تلتمس ذلك في نفسك إذا هممت بالانتحار، فلن تجد من نفسك إقبالاً على الموت ورضى به واطمئنانا اليه، ومعنى ذلك أن روحك قد استطابت مقامها الجديد بعد نفور، ولكن حذار أن يذهب بك الظن إلى أنها قد ارتبطت بالجسد ارتباطا بلغ من القوة والمتانة حد الاندماج، بحيث إذا زال الجسد زالت الروح تبعاً له، كلا، إنما ترتبط الروح بالجسد ارتباطاً يقع بين القوة الشديدة والضعف الشديد، فلا هو إلى القوة التي تدمجها فيه ادماجاً، ولا هو الضعف الذي ييسر لها سبيل الفرار. ولكني لم أحدثك بعد عن علة كرهها لفراق الجسد، وقد جاءته مكرهة أول الأمر. أما ذلك فلأنها رأت أنها تستطيع أن تتخذ من هذا الجسد أداة للخير والفضيلة، لقد كانت في حياتها المطلقة الأولى خالية من الصفات الإيجابية جميعاً، وها هي ذي قد رأت في الحواس سبيلاً قومية تحصل بها من الأخلاق والعلم حظا موفوراً، وإذن فاتصالها بالجسد قد جعلها عارفةً بعد سذاجة وجهل، متحركةً بعد خمول وسكون، فهل تدهش بعد هذا إذا رأيت الروح جازعة فازعة حين يدنو منها الأجل المحتوم الذي يفصل بينها وبين زميلها انفصالاً ليس بعده من لقاء؟ وهل تعجب إذا رأيتها حين اتصالها بالجسد تدافع جهدها عنه لتدفع ما يتهدده من علة أو مرض، وتحرص وسعها أن يكون موفور الحظ من السلامة والعافية؟
أنِفَتْ وما أَنِسَتْ فلما واصلت … ألِفَتْ مجاورةَ الخراب البلقع
إذن لقد هبطت الروح إلى هذا الهيكل معرضةً عنه مزدريةً له صلفاً منها وتيهاً، وحق لها ذلك، فهي خالدة لا تخضع للفناء، وهو وضيع يتعاوره الكون والفساد، لهذا أنفت منه ولم تأنس له بل استكبرت عليه وأبت أن تنزل بنفسها إلى حضيضه الأسفل، وظل النفور بينهما حيناً من الدهر لم يطل، حتى عرفت أنه أداة قويمة صالحة لتحصيل الفضيلة
стр. 7713
والخير، عندئذ أنست به ورضيت بالإقامة معه في إخاء وائتلاف، وما هي ألا أن وضح أمامها الطريق وقام الدليل قاطعاً على أنها ستحقق بالجسد مرادها من الكمال، فقومت العلاقة واشتدت الملازمة على الرغم من علمها أن هذا الذي ترافقه وتزامله لن يلبث حتى ينقلب خراباً بلقعاً لا غناء فيه، إذ هو صائر إلى الفناء بعد حين يقصر أو يطول. ولعلك تلاحظ أن فيلسوفنا قد عبر هنا عن العلاقة بينهما بلفظ المجاورة قاصداً متعمداً، لأنه أراد أن تعلم أنها ليست من الجسد بمثابة الأبصار من العين مثلاً، يكادان يكونان شيئاً واحداً، ولكنهما منه كالملاح من سفينته يديرها ويدبر أمرها. ثم هو بعد يستطيع أن يستقل بوجوده بعيداً عنها، فهي علاقة تجاور لا علاقة وإدغام.
وأظنها نسيت عهوداً بالحِمى … ومنازلاً بفراقها لم تقنع
نعم: لقد اطمأنت إلى الجسد بعد صدٍ ونفور، وأنست به بعد وحشة، وبلغ بها الاطمئنان والأنس حداً نسيت معه تلك العهود والمواثيق التي أخذت عليها أيام كانت في عالمها الرفيع السامي، وركنت إلى غير جنسها ركوناً لا تحب معه الفراق، وقد بلغ منها ذلك النسيان لمنازلها الأولى حد الغلو والإسراف، فهي لم تقنع بمجرد فراقها لعالمها الأول، بل زادت عليه عشقها للعالم الجديد، وهنا كأنما تحس من فيلسوفنا إشفاقاً على الروح أن تكون قد رضيت بالأدنى عن الأعلى لتغيرٍ في صفاتها وتحولٍ في إدراكها وفسادٍ في طبيعتها
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها … من ميم مركزها بذات الأجرع
علقت بها ثاءُ الثقيل فأصبحت … بين المعالم والطلول الخُضَّع
يا ويح النفس! والله لكم أخشى أن تكون الروح قد مازجت المادة حتى فسدت عنصراً، فهي لم تكد تهبط من أبعد الذرى لتمس عالم المادة حتى علقت به وهو بعد لا يأتلف إلا من الخسيس الكثيف الذي يندر أن يكون سبيلاً إلى الكمال (ذات الأجرع هي المادة الأرضية الكثيفة أي البدن)، نعم، لم تكد تهبط الروح، وتدب في مادة الجسد حتى علقت بها هذه المادة الجثمانية وأحلتها بين أجزائها وطي ثناياها، بين معالم الجسد وأطلاله الخربة المتداعية. بين عظامه وغضاريفه ولحمه وشحمه، التي تخضع للفناء وتؤول للبطلان وتنقلب إلى الدثور. ولكن لعلها قد دبت بين أجزاء الجسد الفانية لا لتجري مجراها. ولكن لتستخدمها في تحصيل المعارف والفضائل.
стр. 7714
تبكي إذا ذكرت عهوداً بالحمى … بمدامع تهمي ولم تتقطع
لقد حم القضاء ووقعت الواقعة، فقد حان للروح حين فراقها وجاء أجلها، وها هي ذي قد فصلت عن رفيقتها وخلفته وراءها رماداً وتراباً، فهي إذا ما ألقت بنظرها إلى هذه الأوصال المفككة، والى هذا البيت المعمور، وقد دب فيه الخراب والدمار، عظم عليها الوجد وجل في عينها الخطب، وقد تتزاحم أمامها ذكريات الماضي أيام كانت تنعم بزمالة هذا البدن المحطوم في شتى ألوان النعيم، فتتفجع وتتوجع وتحزن وتأسى، فان كانت روحاً خيرة فاضلةً كانت فجيعتها أن افتقدت أداة الخير والفضيلة إذا افتقدت الجسد، وإن كانت روحاً شريرة خبيثة مستهترة كانت حسرتها أن سلبت وسيلة اللذة والمتاع - ألا وهي الجسد كذلك.
وتظل ساجعة على الدِّمن التي … درست بتكرار الرياح الأربع
ولا تحسبن الروح بعد فراقها للجسد قد غفلت عنه وأنسيته بل أنها تتردد إليه الحين بعد الحين، فتقف بازائه باكية نادبة، وقد أبت قريحة الشاعر الفيلسوف إلا أن تصور الروح، وقد جاءت تنشد أطلال الجسد فتجد منه بقية باقية يهيج منظرها ما كان كامناً فيها من شجون، وإنما تعظم الحسرة إذا بقيت من منازل الأحباب آثارها لما تثيره في النفس من ألم وحنين، أما تلك الرياح الأربع التي ما فتئت تهب على مادة الجسد حتى درستها درساً، فيغلب أن تكون الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة التي لا تنفك، تعتور الصخور الصلدة حتى تفتتها هشيماً تذروه الرياح هنا وهناك، فتنطمس المعالم الأولى لك يا صديقي أن في هذا البيت تصريحاً من الفيلسوف بخلود الروح بعد الموت، فهي باقية خالدة تروح وتغدو، ويستحيل عليها التحلل والفناء.
إذ عاقها الشّرَكُ وصَدَّها … قفصٌ عن الأوج الفسيح المِرْبَع
ولكن ليت شعري فيم بقاء الروح بين هذه الأطلال الدارسة باكيةً نادبةً، وماذا يعوقها أن تعلو وتصعد إلى حيث العقول المجردة في الملأ الرفيع؟ أليس في ذلك فكاك لها من شوائب المادة ونقائصها، وتحرير من قيود الحس وأصفاده الثقيلة الباهضة إلى حيث تسبح في تلك الأرجاء الفسيحة تتسرح فيها تسريحاً مطلقاً لا يصدها ضيق ولا تزاحم؟ لعمري إنها الدنيا التي تجتذبها كما يجتذب الشرك سوابح الطير الطليق بما يلقى فيه من حب، فهذه اللذة
стр. 7715
والشهوة والمتاع كفيلة أن تغري النفس إغراءً يكون لها غلاً ووثاقاً، وليس شرك الدنيا الذي تطوقُ به النفوس تطويقاً من ذلك الضرب الهين الخفيف الذي تحطم قضبانه وسلاسله في سهولة ويسر ولكنه شركٌ عاتٍ قوي كثيفٌ يحوك حول السجين آلافاً من الحبائل والحوائل التي يتعذر منها الخلاص إن لم يستحل وإذن فهذا الجسد للروح بمثابة القفص للطير القنيص، لا تستطيع أن تغادره أو تجاوز حدوده إلا إذا أراد لها ذلك واضعها، ولكنه قفص على ما ضربه حولها من سياج منيعُ مشبكُ القضبان فيه من نوافذ ما يسمح للسجينة أن ترسل خلالها الفكر والبصر إلى أرجاء الكون، وما تلك المنافذ التي تتسلل منها الروح إلى أنحاء الوجود إلا الحواس من بصر وسمع وما إليهما، وإلا العقل تتقصى به أطراف الأرض والسماء.
حتى إذا قَرُبَ المسيرُ إلى الحِميَ … ودنا الرحيلُ إلى الفضاء الأوسع
وغَدت مُفارقةً لكلِّ مُخلَّفٍ … عنها حليفَ التُّرْبِ غيرُ مشيَّع
هكذا ارتبطت الروح بالجسد ارتباطاً مكيناً. حتى إذا دنت ساعة الرحيل وحان أجل الفراق لهذا البدن إلى حيث تنطلق في الفضاء الرحب الفسيح، وأخذت تقطع ما بينه وبينها من صلات وعلائق وأسباب، وهو تلك الكتلة المادية المخلفة المعطلة المطروحة بعد المفارقة تحت أطباق الثرى دون أن يلتفت إليه أو يعني بشأنه احتقاراً له وازدراء، بعد أن خلفته الروح وخلعته، نقول إذا دنت ساعة الرحيل وفارقت الروح جسدها. . .
هَجعتْ وقد كُشف الغطاءُ فأبصرتْ … ما ليس يُدركُ بالعيون الهُجَّع
عندئذ يزول عنها حجاب البدن فينكشف الغطاء فتدرك ما كان يستحيل عليها إدراكه أيام اتصالها به، ذلك لأن الأرواح المتلبسة بالأجساد إنما تكون رقوداً هجعاً أو كالرقود الهجع لأنها إذ تكون عالقة بالأبدان تكون محجوبة عن الإدراك الذي تحصله النفوس المجردة كما يحتجب النائم عن إدراك ما يدركه اليقظان، إذن فالروح عندما تلقي الجسد وتطرحه تكون كأنما تكشف عن بصيرتها غطاء طالما حال بينها وبين مطالعة الرفيق الأعلى بما يغمسها فيه من عرضٍ مادي زائل باطل مصيره إلى الفناء، أما إذا فارقت البدن فقد خلصت من أغلالها وانحسر عن بصرها الغشاء فأبصرت أسرار الحق صافية خالصة وانكشف لها الغيب وأيقنت أنها كانت أثناء حياتها مع الجسد غافلةً راقدةً وقد تنبهت الآن واستيقظت.
стр. 7716
وغدت تغرِّد فوق ذِروة شاهق … والعلمُ يرفع كل من لم يُرفع
فإذا كانت قد نفضت عن نفسها ما كان لحقها من غفلة ورقاد، إذن فقد تجردت من قيود المادة وأصفادها وغدت عنصراً عقلياً صرفاً لا تشوبه شائبة من كدورة أو نقص، مبرأةً عن حاجات البدن التي تجذبها إلى أسفل، واتصلت بالعالم الروحاني المجرد، فأحست بالنشوة والسعادة وغردت سروراً لما ظفرت به بذلك الاتصال؛ ولعلك هنا تحتج على الفيلسوف وتعترض حديثه، فما لهذه الأرواح قد صعدت إلى العالم الأقدس ولم تلبث حول أجسادها محومة باكية راثية إلفها الحبيب، فهو يجيبك إنما ترتفع إلى هذه الذروة الشاهقة السامية، تلكم الأرواح التي كسبت من العلم صدراً محموداً وحظاً موفوراً، وإن العلم لجد كفيل أن يرفع إلى حالق ما من شأنه أن يكون في الحضيض الأخس فضلاً عما يكون له بطبيعته اتصالٌ وقربى بالعالم الأشرف الرفيع.
فلأي شيء أُهبطت من شامخ … عالٍ إلى قصر الحضيض الأوضع
ولكن قف!! أأنت محدثي يا صاح فيم هذا العناء كله إن كان مصير الروح في نهاية أمرها أن تعود إلى حيث بدأت السير؟ فلقد زعمت لي أنها هبطت من علٍ فحلت بالبدن حيناً من الدهر ثم أخذت سبيلها آخر الشوط إلى مستقرها الذي صدرت عنه وفاضت منه! ما هي الحكمة الباعثة للنفس أن تهبط من ذراها هاوية إلى الدرك الأسفل؟
إن كان أهبطها الآله لحكمة … طويت عن الفذ اللبيب الأروع
فهبوطها لاشك ضربة لازب … لتكون سامعة لما لم تسمع
هكذا تساءل صاحبي في دهشة وعجب، قال: إن كان الله جل وعلا قد أهبطها لحكمة خفيت عن بصائرنا، واستعصت على إدراكنا، بل طويت عمن بلغ منا من الحكمة أروعها وأبعدها غوراً، فلا ريب في أن الله تعالى في هذا العالم الأرضي توفق إلى اكتساب المعرفة، واستيفاء أسباب الكمال، إذ كانت في أول أمرها جاهلة ساذجة غافلة، فأهبطها لتسمع ما لم تكن قد سمعت به من العلوم والأخلاق؛ وسبيلها إلى ذلك هي الحواس والعقل.
وتعود عالمة بكل خفيَّة … في العالَميْن فخُرقُها لم يُرقَع
فاللهم إن كانت هذه رسالتها التي هبطت من أجلها، أعني أنتعود بعد زيارتها إلى الدنيا عالمة بالأسرار الخفية في العالمين - عالم الغيب والشهادة - فلا سبيل إلى تحقيق ما
стр. 7717
جاءت من أجله؛ لأنها مهما حصلت من فروع العلم وجوانب الأخلاق؛ ومهما أسرفت في التحصيل فهي قاصرة مقصرة، وكيف سبيلها إلى ذلك والعلوم لا تنتهي عند حد، وحتى إن أمكن تحصيلها فلا تكفي لها مدة الحياة على قصرها؛ ولكن ليكن هذا فليس الفشل فيما نظن مما ينتقص من نبل الغاية المقصودة ويحط من شرف الوسائل المؤدية إلى تلك الغاية.
قال صاحب: لقد زعمت أو زعم فيلسوفك ابن سينا أن الروح إنما هبطت فسرت في البدن ففارقته وعادت أدراجها، والله لا يفعل شيئاً إلا لحكمة، إذا كان ذلك لم يكن لهواً ولا عبثاً؛ فلأي شيء هبطت فتعلقت بالجثمان لتتخذه وسيلة إلى الكمال على شرط أن تكون من أصحاب الفضيلة والخير. قال: وإن كانت الروح من الملأ الأعلى فكيف تكون ناقصة وقد حدثتني في صدر الحديث أن ذلك الملأ مجردٌ مطلقٌ كاملٌ كمالاً محضاً، وأنه خير خالص، كما حدثتني إلى جانب ذلك أن عالمنا هذا شر - أو على أكثر تقدير مزيج بين الخير والشر فما قولك الآن إن الروح قد هبطت من ملأها الأعلى إلى هذه الأرض تنشد عن طريق الكمال؟! وهل يكون الشر وسيلة إلى الخير والكمال؟ لعمري لو كانت العناصر المجردة لا يتم كمالها إلا إذا اتصلت بالمادة فما أوجب أن يهبط عالم الأرواح كله ليمتزج بالأرض ومادتها؟ قلت: جوابك يا صاحبي في هذا البيت الآتي:
وهي التي قطَعَ الزمانُ طريقَها … حتى لقد غَرُبَتْ بغير المطلع
فقد كان مراد النفس وأملها أن تبلغ حد الكمال بما يرتسم في صفحتها من الصور العقلية، لكن الزمان لم يمهلها وا أسفاه! فقطع عليها السبيل وصدها عما كانت تسير نحوه، وذلك بإهلاكه للبدن وهو أداتها في تحقيق رغبتها، ولكنها إلا تكن قد ظفرت بكل شيء، فهي لم تفقد كل شيء، لأنها لم تغرب - حين غربت - ساذجةً جاهلة كما أشرقت أول الأمر بل عرفت الكمال وعرفت النعيم الذي يكون لها لو بلغت هذا الكمال، وكفاها بهذه المعرفة حافزاً قد يدفعها إلى متابعة السير يوماً آخر.
فكأنه برق تألق بالحمى … ثم انطوى فكأنه لم يلمع
أنعم برد جواب ما أنا فاحص … عنه فنار العلم ذات تشعشع
ولكن فيلسوفنا الشاعر يعود فيوافقك يا صديقي إلى حد كبير، إن النفس عند فراقها للبدن تكون في الحقيقة كأنها لم تفد شيئاً وكأنها لم تصحب البدن قط، وما أسرع ما انقضى زمن
стр. 7718
إقامتها فيه، فقد اختفت سريعاً كالبرق الخاطف، وعادت كأن لم تكن بالأمس شيئاً مذكوراً. وإنه ليختم حديثه معك بحفزك وإثارة الطلعة في نفسك لعلك تمعن في التفكير والنظر لترى جواباً لهذا السؤال المربك: فيم هبوط الروح للوصول إلى كمالها، ثم فصلها قبل أن تصل؟ قال محدثي: اني لأرى شبها قويا بين هذه القصة التي قصصها علي عن ابن سينا وبين ما رويته لي بالأمس عن فلسفة أفلاطون من أن النفس كانت تسبح في عالم المثل صافية سعيدة مفكرة، ثم حلت بالجسم وتعلقت به، فإذا وافت الإنسان منيته عادت من حيث أتت، قلت نعم ولعل لي معك في هذا حديثا آخر.
زكي نجيب محمود
стр. 7719
مقتل عمر بن الخطاب
نقلها عن جرائد ذلك العهد الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
اختلف المؤرخون في مقتل عمر ﵁، فمنهم من قال إن أبا لؤلؤة حقد عليه لأنه لم يخفف عنه الخراج الذي ضربه عليه سيده المغيرة بن شعبة؛ وقال آخرون بل ائتمر به الهرمزان وهو قائد فارسي أظهر الإسلام وأضمر الغدر، وجفينةُ وهو من نصارى نجران الذين أجلاهم عمر عن جزيرة العرب. وقد فاتني - لسوء حظي - أن أشهد الحادثة الضخمة وتأخرت عنها أكثر من ثلاثة عشر قرناً. ولو حضرتها لعرفت كيف أقول! ولكنه لا يجدي الأسف على شيء فات؛ وما لا يدرك كله لا يترك كله؛ وقد وقعت لي (أعداد) من (صحف) ذلك الزمن، مثل جريدة (يثرب)، وجريدة (دار الهجرة)، وجريدة (العذراء)، وغيرها من الصحف الأولى التي كانت تصدر - صباحاً أو مساءً - في صدر الإسلام. وأكبرها جميعاً (يثرب)، وكانت تظهر في الفجر، فيتخطفها الناس وهم خارجون من صلاتهم بالمسجد، وكان لها مكاتبون في الأمصار قاصيها ودانيها، يوافونها بأخبارها وأحوالها، وسيرة ولاتها وعمالها، وجلهم - أي المكاتبون - ممن دخلوا مع رسول الله مكة، واشتركوا في حروب الردة، وقاتلوا مع سعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة، وخالد بن الوليد، في فتوح العراق وفارس والشام، ومن أجل هذا كانت الثقة بأنبائهم عظيمة، والاطمئنان إلى الرواية تاماً؛ ولا عجب بعد ذلك إذا كانت (يثرب) كبرى الصحف في ذلك العهد وأوسعها انتشاراً، وأوثقها حالاً. ومما ينبغي أن يذكر من مفاخر هذه الجريدة أن العرب إلى عهد عمر ﵁ كانت تتعامل بالنقود الفارسية والرومية فدعت (يثرب) إلى ضرب نقود عربية وألحت في ذلك؛ ورأى عمر ﵁ أنها على حق، فأمر فضربت الدراهم على شكل النقود الفارسية، فلم تقنع (يثرب) بهذا، وطلبت أن ينقش اسم الله تعالى واسم رسوله تمييزاً لها عن نقود الفرس، فاستحسن الخليفة رأيها، فأمر فكتب على الدراهم: (الحمد الله) على وجه، و (محمد رسول الله) على الوجه الآخر. وقد زعم حاسدوها وشانئوها - من الفرس المغلوبين على أمرهم - أنها ما دعت إلى ذلك إلا ليسهل بيعها، فينشر أمرها ويعظم ربحها، وقالوا: ألا تراها قد أشارت بضرب الدراهم ولم تذكر الدنانير قط؟ فذاك لأن الدراهم خسيسة، ولأن النسخة من جريدة (يثرب) تباع بدرهم! ولكن هذا
стр. 7720
طعن الفرس الموتورين فلا يسمع في العرب.
على أن من المحقق أن حاجة (يثرب) إلى سنة تؤرخ بها، هي التي أملت عليها الدعوة إلى وجوب الاتفاق إلى سنة معينة للتاريخ منها، غير عام الفيل وعام الفجار وما أشبه ذلك مما لا آخر له، فكان أن استشار الخليفة أصحابه في ذلك فأشار عليه علي كرم الله وجهه - على رواية (يثرب) - باتخاذ السنة التي هاجر فيها الرسول إلى المدينة مبدأ للتاريخ الإسلامي.
بعد هذا الاستطراد الذي لم نر منه بداً للتعريف (بيثرب) ورفعة مقامها وعلو منزلها، نقول إنا وجدنا فيما عندنا من أعدادها وصفاً مفصلاً لجريمة مولى المغيرة، فرأينا أن ننقله بحروفه حسما للخلاف، وإحقاقاً للحق.
قالت في ملحق أصدرته ضحى الأربعاء ٢٦ ذي الحجة سنة ٢٣ هجرية تحت العنوانات الآتية المكتوبة بالخط الجليل على سبعة أعمدة: (غلج فارسي يطعن أمير المؤمنين وهو يقيم الصلاة - ويصيب ١٣ رجلا ثم ينتحر - أهي مؤامرة فارسية نصرانية؟ - تحريات مندوبي يثرب الخصوصيين).
ثم قالت الجريدة:
(لم نكد نفرغ من طبع العدد الأخير من (يثرب) وندفع به إلى الباعة، ونذهب إلى المسجد للصلاة، حتى فوجئنا باعتداء أثيم مروع من علوج فارس على حضرة صاحب الجلالة أمير المؤمنين وخليفة رسول الله ﷺ ، الفاروق عمر بن الخطاب وهو يسوي الصفوف في المسجد ويهم باقامة الصلاة. وهو اغتيال دنيء وغدر خسيس تنكره الشهامة ولا تعرفه العرب، ولو أن مائة من أمثال هذا العلج الزنيم تصدوا لجلالته، وهو يراهم لخلط عظمهم بلحمهم وأكلهم وتأدم بآبائهم وأجدادهم إلى قابيل، ولكن هذا العلج جاءه من وراء ظهره، وأخذه غدراً وطعنه غلية، وهو رافع يديه يكبر للصلاة.
وقد سبق لنا أن حذرنا الحكومة من هؤلاء الفرس والنصارى الذين يفدون على مدينة الرسول؛ فإنها - على وفرة الماء فيها بالقياس إلى غيرها من بلاد العرب - يابسة الضرع، وغيرها من الأمصار التي فتحها أخصب، والعيش فيها أرغد، فمجيء هؤلاء الأغراب الموتورين إلى المدينة وإقامتهم فيها أمر مريب، فما يعقل أن يطيب لأمثالهم فيها
стр. 7721
عيش، وهو الذين نشأوا في ظلال الدعة وألفوا حياة اللين والترف، وهذا ما جناه السماح لهم بالإقامة بين ظهرانينا.
ودعوا مراراً إلى اتخاذ الشرطة والحراس، والعسس بالليل، ومراقبة الأجانب، وقلنا إن خروج الخليفة وليس معه حارس، ولا في يده سلاح، ونومه في الأحيان الكثيرة في ظل شجرة أو جدار لا يخلو من الخطر، وأنه تعرض لا تؤمن مغبته، ولو أنه ليس بالمدينة إلا العرب لما أشفقنا، ولكن الأغراب كثروا بيننا، وهو من بلاد داستها جيوشنا، ودوخت أممها، وثلت عروشها، فهم حاقدون مضطغنون، لا يؤمن غدرهم ولا يتقي شرهم إلا بالحيطة والتحرز منهم. وقد صدق ظننا مع الأسف، وليته خاب ألف خيبة، نسأل الله اللطف فيما وقع).
ثم فصلت الجريدة الحادث كما وقع فقالت:
(دخل جلالته المسجد ليصلي بالناس على عادته، وكانت في يده الدرة التي لا تفارقه، فاخترق الصفوف والناس يفسحون له، ويحيونه بأحسن من تحيته، حتى صار إلى الصدر فاستقبل الناس ليقوم صفوفهم، وذاك دأبه، فان جلالته يكره الفوضى ويحب النظام، ثمألقى الدرة من يمينه - وكان يسوي بها الصف ويشير للمتقدم أن يتأخر، وللمتأخر أن يحاذي الذي بجانبه، ثم اتجه إلى القبلة ورفع يديه وكبر، ولم يكد صوته الجهوري يرتفع بالتكبير حتى هجم عليه رجل - ظهر فيما بعد أنه غلام المغيرة - وفي يده خنجر وضربه به في كتفه، فانحنى أمير المؤمنين قليلاً من عنف الصدمة وقوة الضربة على غير توقع منه، فمال معه المجرم وكاد يسقط، غير أنه اعتمد بيسراه على ظهر جلالته ونزع الخنجر الذي أصاب عظمة الكتف، وكان جلالته قد تمالك، وذهبت عنه دهشة المفاجأة فدار ليواجه المعتدي عليه، فعاجله الجاني بطعنة في خاصرته، وأسرع فنزع، وتشدد جلالته فضربه بجمع يده في صدره وهو يقول: (تريد قتلي يا ابن الفاعلة؟) فارتد المجرم خطوات، ثم كر عليه بالخنجر يطعنه طعناً سريعاً فسقط أمير المؤمنين على الأرض.
وكان الناس قد اذهلتهم هذه المباغتة، وأصابتهم منها لأول وهلة كالرعب، فتراجعوا والتوت صفوفهم، ثم أفاقوا، فصاح بعضهم يطلب الشرطي - وأين هو حتى يلبي النداء؟ - وهجم منهم عليه رهط، فأعمل فيهم خنجره يضرب يميناً وشمالاً كالمجنون، فأصاب منهم
стр. 7722
ثلاثة عشر رجلاً، وألهم الله بعضهم فألقى عليه برنسا - كما تلقى على الجواد الجامح ثوباً - فأعماه وشل حركته، ثم تكاثروا عليه، وأيقن هو أنه هالك لا محالة فطعن نفسه فمات!
وأقبل الناس بعد ذلك على أمير المؤمنين واجمين محزونين - حتى الجرحى منهم - فردهم جلالته عنه باشارة وسأل:
(هل فيكم عبد الرحمن بن عوف؟)
فتلفت الناس ينظرون، فإذا ابن عوف يفرقهم ويقول:
(نعم يا أمير المؤمنين)
فقال جلالته: (تقدم، فصل بالناس)
فكانت دهشة، ولكن عمر هو عمر، لا يشغله خطب عن دينه وواجبه، ولا يجرؤ أحد على خلافه من هيبته، فصلى ابن عوف بالناس صلاة خفيفة، وعيونهم على جلالته، وهو ساكن وادع معتمد على الأرض بمرفقه، يصلى معهم بشفتيه، ثم أقبلوا عليه فحملوه، يريدون أن يذهبوا به إلى داره، فقال:
(مهلاً، ناولتي درتي يا هذا)
فناولوه إياها، فأخذها وهو يقول وعلى فمه ابتسامة:
(أرأيتم ماريشالاً بلا عصاه؟)
فابتسموا لابتسامته، ولكن دموعهم كانت تساقط على لحاهم وأيديهم التي خضبها دمه الزكي، فنظر اليهم يبكون وقال يزجرهم:
(بل الحمد الله الذي لم يجعل منيتي بيد مسلم)
أما الجاني فهو أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة، وأصله فارسي من نهاوند، وقد كتب الينا مندوبنا القضائي يقول:
منذ بضعة أيام جاء فيروز هذا إلى أمير المؤمنين يشكو إليه أن مولاه المغيرة بن شعبة يشتط في الخراج الذي ضربه عليه ويرهقه بما يتقاضاه منه، وسأله التخفيف عنه.
فسأله جلالته: (كم خراجك؟)
فقال: (درهمان في كل يوم)
فسأله: (أو كثير هذا عليك؟)
стр. 7723
قال: (نعم، وحقك)
قال جلالته: (دع هذا، وقل ما صناعتك؟)
قال الغلام: (نحاس ونقاش وحداد)
فقال جلالته: (ثلاث صناعات في يديك، وتشكو رقة الحال وتستكثر درهمين؟ كلا ليس خراجك بكثير على ما تصنع من الأعمال) وأعرض عنه.
وقد يؤخذ من هذا أن فيروز حقدها على جلالته، وأسرها في نفسه، وأضمر أن ينتقم، ولكنا لا نعرف أن الناس يقتل بعضهم بعضاً من أجل درهمين، فكيف باغتيال خليفة؟ ثم إن تحرياتي تدل على أن الأمر كان مبيتاً بليل، فقد حدثني عبد الرحمن ابن أبي بكر - وهو ثقة - أنه رأى عشية أمس الهرمزان الفارسي وجفينة النصراني وأبا لؤلؤة هذا، وهم يتناجون، فلما رأوه اضطربوا، وسقط من أحدهم خنجر له شعبتان، يقول ابن أبي بكر أنه هو نفس الخنجر الذي ضرب به أبو لؤلؤة أمير المؤمنين. فبماذا كانوا يتناجون في غلس الليل، وهذا فارسي أعجمي، وذاك نصراني عربي وثالثهم مملوك للمغيرة؟ وماذا جمع العربي النصراني، والفارس المجوسي وإن تظاهر بالإسلام؟
ومعروف أن الهرمزان هذا كان من قواد الفرس الذين هزمهم سعد بن أبي وقاص، وقد أظهر الإسلام لينجو بجلده، وخان المسلمين مراراً ثم زعم أنه تاب، ومثله خليق أن يبطن العداوة للعرب وألا يغفر لهم أنهم مزقوا عرش الأكاسرة وغلبوهم على بلادهم مجوسيتهم، وسووا بين الناس فلا سيد ولا مسود، ولا شريف ولا وضيع.
أما جفينة فأمره مشهور، وهو نصراني من نجران، أتى به سعد بن أبي وقاص ليعلم الناس الكتابة - فيا سوء ما أتى به سعد من هذا! وقد كان أمير المؤمنين خاف انتقاص النصارى في نجران عليه، وهو في حرب الفرس والروم، فأجلاهم عن جزيرة العرب ثم عوضهم وأوسع لهم من الأرض في الشام والعراق، وأعطاهم خيراً مما تركوا، ثم هزم المسلمون جيوش هرقل وهو حامي النصرانية، فجفينة لا ريب مضطغن لذلك؟ وقد وجد في الهرمزان حليفاً ونصيراً، وفي فيروز وهو فارسي كالهرمزان، أداة لارتكاب الجريمة المدبرة.
وهذا هو الذي عليه الرأي العالم، ولو ترك الناس لرأيهم وخلى بينهم وبين ما يريدون
стр. 7724
لفتكوا بالفرس والنصارى وشربوا دماءهم، فان النفوس فائرة، والصدور مضطرمة، ولكنهم يكبحون أنفسهم ويحملون عليها ويردونها على مكروهها احتراماً لأمير المؤمنين وانتظاراً لما يفعل، شفاه الله وعافاه.
بل هذا هو رأي أمير المؤمنين نفسه، فقد اجتمع إلى جلالته في داره بعد أن حمل إليها، المهاجرون والأنصار، فقال لابن عباس وكان معه:
(أخرج إليهم فاسألهم أعن ملأ منهم ومشورة كان هذا الذي أصابني؟)
فعاد إليه ابن عباس يقول إن القوم يقولون (لا والله، ولوددنا أن زاد الله في عمرك من أعمارنا).
فقال جلالته: (إذن أبرق إلى العراق وفارس وأنبئ العمال بما كان، وحذرهم أن ينتقض الناس على غرة منهم، فما يدريني ويدريك، لعله تدبير من هناك.)
وقد أرسلت البرقيات اللاسلكية إلى عمال الأمصار بالاستعداد لكل طارئ فلا خوف من هذه الناحية فان قوتنا كافية لقمع ما عسى أن ينجم من الفتن.)
وعند مثول هذا الملحق للطبع أبلغنا مندوبنا ما يأتي تليفونياً:
عرفتم أن المجرم أبا لؤلؤة عليه لعنة الله وملائكته، أصاب ثلاثة عشر من المصلين بخنجره، كانوا يحاولون القبض عليه وانتزع الخنجر منه، فالآن أقول إن سبعة منهم كانت جراحهم خطيرة، فتوفوا من النزف، وسيجهزون للدفن وتشيع جنازتهم بعد صلاة العصر باحتفال كبير يمشي فيه المهاجرون والأنصار والبدريون، وقد أمر جلالة الخليفة بأن ينوب عنه في تشييع الجنازة، صهيب.
أما الستة الآخرون فجراحهم خفيفة، وقد بعث إليهم جلالة الخليفة بابنه عبد الله بن عمر ليعودوهم ويستفسر عن حالهم، فشكروا له هذا العطف السامي ودعوا الله أن يعجل بشفائه
هذا وقد فحص الطبيب الشرعي الخنجر فتبين أنه مسموم فلا حول ولا قوة إلا بالله
وأذيعت نشرة طبية موجزة جاء فيها أن الإصابات ست في الكتف والخاصرة والظهر، وإن النزف منها شديد، وقد سقى جلالته لبناً فخرج من إحدى الطعنات أبيض كما هو، فنصح الطبيب لجلالته بأن يعهد، تولانا الله برحمته.
صدر العدد التالي من (يثرب) مجللاً بالسواد، وفيه نعت أمير المؤمنين إلى العالم
стр. 7725
الإسلامي، ورثته رثاء طويلاً، ولخصت سيرته في الجاهلية والإسلام، ولا نحتاج أن ننقل من هذا شيئاً فإنه معروف، ووصفت تجهيزه للدفن، وتشييع جنازته والصلاة عليه بالمسجد، وحمله على سرير رسول الله ﷺ ، ودفنه معه إلى جانب أبي بكر الصديق، وسردت أسماء المشيعين من الأنصار والمهاجرين وغيرهم، وروت فيما روت أن علياً وعثمان تقدما للصلاة عليه فردهما ابنه عبد الرحمن وقال منكراً عليهما ذلك: (لا إله إلا الله! ما أحرصكما على الإمرة! أما علمتما أن أمير المؤمنين قال ليصل بالناس صهيب؟) وأثبتت تصريحاته قبل موته، لابن عباس، ووصيته لمن يخلفه، وقالت إنه دفع بها إلى ابنه عبد الله وقال له: (إذا اجتمع الناس على رجل - أي أمير المؤمنين - فادفع إليه هذا الكتاب وأقرئه مني السلام). وما أمر به في اختيار خليفته، وما أوصى به أبا طلحة الانصاري والمقداد بن الأسود، وكل هذا مشهور فلا داعي لنقله.
ولكن حادثاً وقع بعد ذلك، تعد (يثرب) مسئولة عنه، فقد ذهب إلى أن قتل عمر كان عن تآمر من جفينة النصراني والهرمزان الفارسي، وأنهما هما اللذان أغريا أبا لؤلؤة بقتله، وروت ما شهد به عبد الرحمن بن أبي بكر وغيره في ذلك، وأيدت ذلك بالدليل العقلي، فهاج عبد الله بن عمر، ومضى إلى ابنة أبي لؤلؤة فقتلها، ثم إلى جفينة والهرمزان فألحقهما بها، انتقاماً لأبيه؛ ولم يكن الذين وكل إليهم التشاور في أمر الخلافة قد فرغوا، فبعث صهيب عمرو بن العاص إلى عبد الله، وكان عمرو داهية، فلم يزل يحاوره ويداوره ويمسح منه في الذروة والغارب حتى سكنت نفسه، فأخذ منه سيفه، ثم جاء سعد بن أبي وقاص فقبض عليه وحبسه في داره.
ولما تولى عثمان بن عفان الخلافة، استشار أصحابه في أمر عبد الله بن عمر، فأشار بعضهم بقتله فيمن قتل، ولكن آخرين استنكروا أن يقتل الأب أمس ويقتل الابن اليوم، ووجد عمرو بن العاص مخرجاً من هذه الورطة، فقال لعثمان:
(يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث كان، ولك على المسلمين سلطان، إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك).
أي قبل أن تكون خليفة، فمال عثمان إلى الرأفة، ورفض رأي علي بن أبي طالب، وكان يذهب إلى قتل عبد الله بن عمر، وقال عثمان: (أنا وليهم، وقد جعلتها دية واحتملتها في
стр. 7726
مالي).
وقد أثنت يثرب على مشورة ابن العاص، ومروءة عثمان بن عفان، وقالت إن هذا درس عسى أن ينفع العجم والنصارى فيصرفهم عن التآمر مرة أخرى ولكن فريقاً من الأنصار كتبوا إليها يفندون رأيها، ويقولون إن الواجب كان أن يقتل ابن عمر؛ فكان هذا أول خلاف في عهد عثمان.
ولم ننقل هذا إلا لأن الفريق الذي طالب بقتل ابن عمر كذب ما روته (يثرب) في ملحقها من أن أبا لؤلؤة قاتل عمر انتحر لما كثر عليه الناس وأيقن من الهلاك، وأكد أنه لم ينتحر، وإنما ثار رجل من المصلين فقتله وأخذ منه الخنجر.
وكذب أيضاً أن الخنجر كان مسموماً، ولم يحفل ما قاله الطبيب الشرعي في ذلك، وقال إن ستة ممن طعنهم أبو لؤلؤة بخنجره هذا شفوا ونجوا، ولو كان الخنجر مسموماً لماتوا، وإنما مات من مات لإصابته في مقتل، أو من شدة النزف.
وطال الجوار والأخذ والرد بين (يثرب) ومخالفيها في الرأي حتى لأنكروا عليها أن الحدث كان عن تآمر، واستهجنوا منها أن تحض على اضطهاد العجم والنصارى، وقالوا إن هذا التحريض من سوء الرأي، وإنه خليق أن يفسد أمور الدولة ويخلق لها متاعب هي في غنى عنها في عهد التأسيس، وأنه توجد عصبيات لا يؤمن شرها في المستقبل، وتفاقم الخلاف بين الفريقين حتى لدعا علي كرم الله وجهه، الخليفة إلى إغلاق يثرب، أو على الأقل تعطيلها حتى تقر الفورة وتهدأ النفوس، ولكن الخليفة شق عليه أن يصيب حرية الرأي في عهده أي سوء، فاكتفى بالنصح لجريدة (يثرب) ألا تسرف في دعايتها، وأن تتقي اللجاجة وما قد تجر إليه من الفتنة.
وقد آثرنا التخليص، لأن النقل يطول، والقارئ أدرى بالصحف وكيف تبدئ وتعيد حتى تعكر الجو وتضجر وتغشى. وقد بلغ من تفرق الرأي في ذلك الوقت أن الناس كانوا يجلسون في المسجد حلقات وفي أيديهم أعداد (يثرب)، فهذا يؤيد، وذاك يعارض ويكذب، حتى خيفت الفتنة وحسبنا هذا القدر.
إبراهيم عبد القادر المازني
стр. 7727
الفلسفة الإسلامية ودراستها
للدكتور إبراهيم بيومي مدكور
قد يكون من عبث القول أن نحاول اليوم إثبات وجود فلسفة إسلامية انفردت بما لها من خصائص ومميزات؛ فقد انقضى الزمن الذي ادعي فيه (رينان) ومن نحا نحوه أن فلاسفة الإسلام اكتفوا بترديد نظريات (أرسطو) دون أن يغيروا فيها شيئاً. هناك فلسفة إسلامية، كما أن هناك فلسفة مسيحية، أو بعبارة أخرى تقابل المدرسة الفلسفية العربية في الشرق، المدرسة اللاتينية في الغرب. ومن هاتين الفلسفتين مضافاً إليهما الدراسات اليهودية يتكون تاريخ البحث النظري في القرون الوسطى. للإسلام فلسفة قد امتازت بموضوعاتها وأبحاثها، بمسائلها ومعضلاتها، وبما قدمت لهذه وتلك من حلول وأجوبة. فهي تعني بمشكلة الوجود والتعدد , والصلة بين الله ومخلوقاته التي كانت مثار جدل طويل بين علماء التوحيد المسلمين. وتحاول أن توفق بين الوحي والعقل، بين العقيدة والحكمة، بين الدين والفلسفة، وأن تبين للناس أن الوحي لا يناقض العقل في شيء، وأن العقيدة إذا استنارت بضوء الحكمة تمكنت من النفس وثبتت أمام الخصوم، وأن الدين إذا تآخي مع الفلسفة أصبح فلسفياً، كما تصبح الفلسفة دينية. وقد وصل الفلاسفة المسلمون في كل هذه النقط إلى نتائج جديرة بالتقدير والإعجاب.
لا يستطيع باحث أن ينكر أن هؤلاء الفلاسفة قد أخذوا عن (أرسطو) معظم آرائه، وتأثروا بأفلاطن + ٢٧٠) إلى حد كبير. ومن ذا الذي لم يتتلمذ على من سبقه، ولم يقتف أثر من تقدموه؟. . . وها نحن أبناء القرن العشرين لا تزال عالة في كثير من المسائل على أبحاث الأغريق والرومان. غير أن الفلسفة الإسلامية، وإن بنيت على أفكار السابقين، تشتمل على نظريات جديدة؛ فهي فلسفة أنتجتها البيئة والوسط، وأملتها الظروف المحيطة بها؛ وتلك سنة من سنن التاريخ، وأصل من أصول الاجتماع. على أنا إذا نظرنا إلى المسألة من وجهة الفرد، وجدنا القانون لا يتغير، ولاحظنا أن الفكرة الواحدة إذا تناولها بالبحث أشخاص متعددون، ظهرت في مظاهر متباينة. لفيلسوف أن يقترض من آخر بعض آرائه، ولن يمنعه ذلك من أن يأتي بنظريات خاصة وفلسفة متميزة. (فاسبينوزا + ١٦٧٧) مثلاً، رغم متابعته الواضحة (لديكارت + ١٩٥٠)، يعد بحق صاحب مذهب فلسفي مستقل.
стр. 7728
وكذلك (الفارابي + ٩٥٠) و (ابن سينا + ١٠٣٧) و (ابن رشد + ١١٩٢)، الذين كانوا تلامذة مخلصين (لأرسطو)، قد اعتنقوا آراء تمتاز كثيراً عما جاء به أستاذهم. وإذاً استطاع العالم الإسلامي أن يكون لنفسه فلسفة تلتئم وظروفه الدينية والاجتماعية.
بيد أن الفلسفة الإسلامية، في تاريخها، في نظرياتها، في رجالها، لم تدرس الدرس اللائق بها، ولا تزال الحلقة المفقودة في تاريخ الفكر الإنساني، فحتى الساعة لم يبين الباحثون بدقة أصل نشأتها، وتاريخ تكوينها، والعوامل التي أدت إلى نهوضها، ولا الأسباب التي انتهت بانحطاطها والقضاء عليها، ولم يناقشوا نظرياتها واحدة واحدة ليوضحوا ما اشتملت عليه من أفكار الأقدمين، وما أنتجت من ثروة جديدة. وأما رجالها فغرباء في أوطانهم، مجهولون لدى أقرب الناس إليهم؛ ولا أدل على ذلك من أن كثيرين منا يعرفون عن (روسو + ١٧٧٨) أو (سبنسر + ١٩٠٣) ما لا يعرفون عن (الكندي + ٨٧٠) أو (الرازي + ٩٣٢)، ولو لم يقيض الله لفلاسفة الإسلام جماعة من المستشرقين وقفوا عليهم جزءاً من أبحاثهم ودراساتهم، لأصبحنا ونحن لا نعلم من أمر الفلسفة الإسلامية شيئاً.
إلا أن هذه الدراسات وتلك الأبحاث قليلة ومعيبة من وجهين: أولاً إهمالها للجانب الفلسفي واشتمالها على كثير من الأخطاء اللغوية والفنية والتاريخية. ولعل سر ذلك أن أغلب من كتبوا في تاريخ الفلسفة الإسلامية لا يجدون العربية، ولا يحيطون تمام الإحاطة بتاريخ الثقافة الإسلامية؛ أو إن عرفوا ذلك فهم يجهلون تاريخ الفلسفة العامة، ولم يتوفر لديهم التفكير الفلسفي المنتظم؛ ولسنا في حاجة إلى سرد أمثلة، فإن هذا الحكم ينطبق، إذا استثنينا طائفة محدودة، على عامة الكتب المتصلة بتاريخ الفلسفة والفلاسفة المسلمين. وأما العيب الثاني فميل شديد إلى الاختصار يكاد يخل بالغرض المطلوب، ويحول دون القارئ والنفوذ إلى صميم ما يقرؤه. ومن أوضح الأمثلة على ذلك مختصر قيم حقيقة للعالم الهولاندي (دي بور)؛ غير أن عيبه الهام يرجع بالتحديد إلى اختصاره المبالغ فيه؛ وفوق هذا فان هذه الكتب في جملتها قديمة العهد، قد ألفت في زمن ما كان يعرف فيه عن التاريخ الإسلامي إلا الشيء القليل. أما اليوم وقد تقدمت معلوماتنا تقدماً محسوساً في هذه الدائرة، فنحن في حاجة ماسة إلى أبحاث تتناسب مع مصادرنا الجديدة، ومع ما استكشفنا من مخطوطات ومؤلفات للفلاسفة والعلماء المسلمين.
стр. 7729
لا يقاس انتشار صوت مفكر أو مخترع بمقدار ما أحدث من آراء ومخترعات فقط، بل بدرجة نبوغ الوسط الذي يعيش فيه والشعب الذي ينتمي إليه. فالأمم النبيلة تزيد أبناءها عظمة على عظمتهم، وتعمل على رفعتهم بقدر قد لا يصلون إليه وحدهم. ورب نظرة عادية لاقت مشجعين فنموها، وأخذوا بيدها حتى صعدت إلى عنان السماء؛ ورب فكرة ممتازة صادفت منبت سوء فماتت لساعتها. عرفت ذلك الشعوب الناهضة، فأشادت بذكر علمائها وفلاسفتها، وخدمت في الوقت نفسه العلم والثقافة الإنسانية. فهي تخلد ذكرى رجالها بمختلف الوسائل، وتعمل على نشر آثارهم ما وجدت إلى ذلك سبيلاً. فمن تماثيل مقامة في المدن والقرى، ومن جمعيات نشر وترجمة وتأليف قد أخذت على عاتقها إذاعة ما أنتج السلف من أفكار. فهل آن لنا أن نحتذي بهذه المثل الصالحة، وأن نعرف لتاريخنا حقه كي نعرف وننال منزلتنا تحت الشمس؟ متى يكتب عن (الفارابي) بقدر ما كتبوا عن (موسى بن ميمون + ١٢٠٤)؟ ومتى تعرف مؤلفات (ابن سينا) كما عرفت كتب (سان توما + ١٢٧٤)؟ ومتى يدرس (الغزالي + ١١١١) بقدر ما درس (ديكارت)؟
إن دعوتنا هذه موجهة إلى كل بلاد الشرق، وبوجه خاص إلى مصر التي تستطيع بحكم مركزها الاقتصادي والاجتماعي والعلمي أن تخدم البحث والتأليف. فإلى أبناء مصر عامة، أفراداً خاصة، نتقدم بكلمتنا هذه آملين أن يعبروا تاريخ الفلسفة والبحث العقلي في الإسلام جانباً كبيراً من الأهمية. إن ميدان العمل فسيح، وإن سبله عديدة، ولسنا الآن بصدد أن نرسم خطة شاملة، أو أن نبين منهجاً مكتمل المواد، وإنما نريد أن يتولى الشرقيون بالدرس فلاسفة الإسلام على النحو الذي درس به الغربيون رجالهم. لنترجم لمفكرينا ترجمة مستفيضة، ولنصف وصفاً دقيقاً نواحي حياتهم المتعددة؛ لنبحث عن أصول نظرياتهم لدى حكماء الإغريق والهند والعراق، ولنقارن هذه النظريات بما جاء به اللاتينيون في القرون الوسطى، ولنبين وجوه النسبة بينهما وبين الأفكار الحديثة. إنا لا ننكر أن هذه الأبحاث مملوءة بالمصاعب، إذ تستلزم معرفة عدة لغات: قديمة وحديثة، شرقية وغربية، وتستدعي الاطلاع على مصادر لا حصر لها، ولكن إن لم يكن في هذه الدراسة إلا أنها عمل جديد من نوعه لكفي مرغباً في مزاولتها والإقبال عليها.
وأخيراً لنعمل على طبع ونشر مؤلفات الفلاسفة المسلمين، فإنّا لا نستطيع أن نفهمهم فهماً
стр. 7730
حقاً دون أن نقرأهم بلغتهم وفي كتبهم؛ وهنا نتجه بصفة خاصة إلى الجامعة المصرية التي سلكت في هذا الباب مسلكاً تحمد عليه، فقد بدأت منذ زمن، متبعة سنة الجامعات الأوربية، في أحياء المخلفات العربية، وجمع المخطوطات الإسلامية وطبعها. وعلها تخطو في هذه السبيل خطوات أخرى حثيثة ومتتابعة. إنه لمحزن أن يبقى قدر من مؤلفات (الفارابي) مخطوطاً حتى اليوم، وموزعاً بين مكاتب أوربا المختلفة: ليدن، باريس، والاسكريال. على أن ما طبع من كتب هذا الفيلسوف العظيم مملوء بالأخطاء. فهل لنا أن نسعى إلى جمع مؤلفاته في شكل وطبعها كلها طبعاً مناسباً، مصحوباً بوسائل التحقيق والإيضاح الضروري. الفكرة تخامرنا منذ زمن؛ وقد أشرنا إليها في كتابنا على (الفارابي)، ونحن نرحب بكل من ينضم إلينا في تنفيذها. وليس (ابن سينا) بأعظم حظاً من سلفه وأستاذه؛ فان كتابه الأكبر في الفلسفة: (الشفا)، قد طبع طبعة مشوهة في طهران منذ خمسين سنة. وقد أهمل الناشر الجزء الأول منه، الخاص بالمنطق، والذي اهتدينا إليه أخيراً في مخطوطة بالبرتش ميوزيم وأخرى بالأنديا أوفس وإنا لنأمل أن نوفق يوماً لنشر هذه المخطوطة وضمها إلى الجزأين الآخرين في طبعة جديدة مستقيمة.
تلك سلسلة من الأعمال تبين نواحي النقص في دراسة الفلسفة الإسلامية، وهناك ملاحظات كثيرة متعلقة بكبار فلاسفة الإسلام الذين لم نشر إليهم قد أرجأناها إلى فرصة أخرى.
وكلنا رجاء أن تتضافر الأيدي على حرث وزرع هذا الحقل المترامي الأطراف، وأن نتعهده متكاتفين حتى يؤتى أثماره الطيبة.
إبراهيم بيومي مدكور
دكتور في الآداب والفلسفة
стр. 7731
بلالٌ يؤذن
للدكتور عبد الوهاب عزام
كاد الليل ينسلخ عن النهار، وبشرت بالصبح أنفاس الأسحار، والدجى مهود وسنان، سيفزعه عما قليل ذنب السرحان والناس هاجدون وكأنهم أيقاظ ينتظرون صلاة الصبح؛ وكأن آذانهم مصيخة تلقاء المسجد. تتحين دعاء المؤذن، وكأن قلوبهم إبر المغناطيس ترصد قطبها، وتتجه إلى إمامها، والأمام هاجد يرعاه ربه، تنام عيناه ولا ينام قلبه. وملء الأرض والسماء السكينة والسلام.
وسرى في أحشاء الليل كطيف الخيال، اتخذ من الليل جلباباً، وطوى من الصبح قلباً وجاباً، (آدم شديد الأدمة، نحيف طوال أجنأ، له شعر كثير، خفيف العارضين، به شمط كثير) تحمل جمته الشمطاء، تباشير الصباح الوضاء.
ويرتقي جدار المجلس، فيجلس مقلباً وجهه في السماء، ثم ينتفض قائماً، فيضع سبابتيه في أذنيه، فيبعث في حواشي الظلماء، صوتاً يجلجل في الأرجاء: الله أكبر الله أكبر - الله أكبر الله أكبر! أترى فلول الظلام مذءودة تلوذ بالباطل المنهزم، أم ترى الباطل مذعوراً يلتف في تلك الظلم؟ ذلك النور المنبثق من الأفق الشرقي بسمة الفجر الصادق لهذا الصوت الإلهي، بل ذلك النور الوضاء، استجابة النهار لهذا النداء. فما الفجر إلا صوت نوراني، يتلألأ بنغمات ذلك النور الصوتي؛ ليت شعري أيهما الصباح، وأيهما أذان بلال بن رباح؟ ويمضي بلال يصدع قلب الظلام، بشهادتي الإسلام: أشهد أن لا أله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. ثم يحيل بالصلاة والفلاح، ثم يعيد التكبير في تمديد، فيختم بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله!
ويحسب بلال أن صوته لم ينفذ إلى القلوب، فلم تتجاف عن مضاجعها الجنوب، فيثوب بالقوم: الصلاة خير من النوم.
يتهلل وجه الرسول ﷺ لصوت الحق مدوياً في أعقاب الباطل، ويبتسم لصوت الحق عالياً طليقاً يملأ ما بين الأرض والسماء، والمشرق والمغرب. يبسم حين يسمع دعوة الحق في قلب الجزيرة العربية على لسان عبد حبشي. وهل في شرعة الإسلام عبد وحر؟ وهل في سنة محمد عربي وحبشي؟
стр. 7732
وتنبعث في كل أذن من هذا الصوت نغمة، وفي كل قلب من هذا النور إشراق. فيهب الأصحاب من مراقدهم، تقشعر جلودهم، وتطمئن قلوبهم. فتستيقظ كل دار بأهبة الصلاة من الرجال والنساء والولدان والولائد.
وينزل بلال فيقف بباب الحجرة النبوية قائلاً: (حي على الصلاة، حي على الفلاح. الصلاة يا رسول الله).
ويسفر النهار وتنثال الجموع إلى المسجد فانظر من ترى:
يخرج نفر إلى المسجد من خوخات في دورهم، فهذا الآدم الربعة عظيم العينين ذو البطن سيف الله الغالب علي بن أبي طالب، يخرج من حجرة فاطمة. وهذا الآدم الطويل الجسيم الأصلع عمر الفاورق، وهذا الأسمر الرقيق البشرة ضخم المنكبين كثير شعر الرأس عظيم اللحية عثمان ذو النورين، والصديق كان في السُّخْ هذه الليلة فيقدم مسرعاً فتراه أبيض نحيفاً معروق الوجه غائر العينين خفيف العارضين أجنأ. ويقبل من دور بني زهرة بجانب المسجد ثلاثة: أحدهم قصير دحداح ذو هامة عظيمة، شثن الأصابع، كثير الشعر يخضب بالسواد، هو سعد بن مالك بن أبي وقاص، والثاني آدم نحيف قصير له شعر يبلغ ترقوته، يلبس ثوباً ناصع البياض، تضوع منه ريح الطيب، يمشي في وقار وسمت، هو عبد الله بن مسعود، والثالث ضخم طويل الجسيم خالد بن الوليد، وهذا القصير الأبلج الأدعج عمرو بن العاص، وفي أثرها رجل جميل عظيم الهامة مكتحل يخطر في مشيته هو معاوية بن أبي سفيان، وبجانبه رجل نحيف طوال معروق الوجه خفيف اللحية اجنأ أثرم الثنيتين هو أبو عبيدة ابن الجراح. ويقبل من ناحية الحرة الشرقية رجلان: سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج؛ ويأتي رجل طويل نحيف كثير الشعر عليه سيما الحزن هو سليمان الفارسي، ووراءه رجل ربعة أحمر شديد الحمرة كثير شعر الرأس، يخضب بالحناء هو صهيب الرومي؛ وانظر بين الجمع طلحة والزبير وأبا موسى الأشعري وأبا أيوب الأنصاري. ويأتي بنو الصحابة، فهذا الغلام الطويل الأحمر عبد الله بن عمر، وهذا الغلام الطويل الأبيض المشرب بالصفرة الجسيم الوسيم الصبيح الوجه عبد الله ابن العباس، وهذا الصبي الذي يشبه أبا بكر عبد الله بن الزبير.
ويخرج رسول الله صلوات الله عليه، فيقيم بلال الصلاة: الله أكبر الله أكبر الخ، فيسوي
стр. 7733
الرسول الصفوف، ويسد الفرج فيها ويكبر فيكبرون. ويذهب هذا التكبير نغمة متسقة بين ضوضاء العالم وجلبته في الأرجاء طمأنينة لقلوب، ورعدة لقلوب، ورجاء لقوم، وخوفاً لآخرين، يبشر الضعفاء والمظلومين بملكوت الله في الأرض، وينذر الجبارين والظالمين بالقصاص العادل. إنما مزق شمل الظالمين هذه الصفوف لا صفوف القتال، وإنما زلزل عروش الجبارين ذلك التكبير لا وقع النبال.
ويقرأ الرسول في الركعة الأولى آيات من سورة النور منها: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً. ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون).
ويقرأ في الركعة الثانية آيات من سورة الحج منها:
(إن الله يدافع عن الذين آمنوا، إن الله لا يحب كل خوان كفور. أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا، وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربُّنا الله، ولولا دفع الله الناسَ بعضَهم ببعض لهدّمت صوامعُ وبيعٌ وصلواتٌ ومساجدٌ يذكر فيها اسمُ الله كثيراً. ولينصرنّ الله من ينصره إن الله لقوّي عزيز. الذين إن مكنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوُا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور).
هذه جماعة يمحصها الله ليورثها أرضه، ويعلمها لتقوم بين الناس بعدله. وهذا الصف من العُبّاد يجمع خلفاء الأرض وأمراءها وولاتها وقضاتها ومعلميها وقوادها وجندها، وتلك الشرذمة من الزهاد هم ورثة العروش والتيجان عما قليل، الذين يقسم الله رزقه بأيديهم، ويصرف حكمه في الأرض بألسنتهم. جماعة تضمهم جُدُر المسجد اليوم ولا يسعهم العالم غداً، جماعة في أرض فقيرة بين لابتين، سينشرون بين المشرقين والمغربين، وستجفُ الأرض بحملاتهم، وتقر بعدلهم، وتضيء بإيمانهم قضيت الصلاة وانتشر المصلون.
لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده. قد فتحت بهذه الجماعة الأقطار، وعمرت بهم الأمصار، هذا عمر في الشام قد أزال عنها سلطان الروم، ثم جاءها ليبرم العهود، ويتفقد الرعية؛ وهذا بلال في جيش المجاهدين غازياً؛ ينظر عمر إلى بلال يود أن يسمع آذانه، ويهاب أن يستمع لمؤذن رسول الله. ويقول الناس لعمر: لو أمرت
стр. 7734
بلالاً أن يؤذن! ويقترح عمر على بلال الآذان، فينهض الشيخ ابن السبعين تحت أعباء السنين، فيدوّي في الأرجاء: الله أكبر، الله أكبر. . .
لقد كان آذان الشام تصديق آذان المدينة. . . . أجل أجل لقد صدق الله وعده!!
ولكن انظر إلى عمر، ألا تراه ينشج؟ ألا ترى دموعه تبلّ لحيته؟ ألا ترى القوم في بكاء ونحيب؟ ما دهاهم؟ ما أبكاهم؟ لقد نصرهم الله ومكن لهم في الأرض، وأغناهم وأعزهم. فما دهاهم وما أبكاهم؟ يبكون إذ رأوا المؤذن ولم يروا الإمام! يبكون إذ سمعوا مؤذن رسول الله، ثم نظروا فلم يجدوا رسول الله!
عبد الوهاب عزام
стр. 7735
ألحان الفجر
بقلم أمجد الطرابلسي
(ترفع إلى مجد الهجرة وفجر الإسلام)
في هَدْأَةِ الكونِ وَصَمتِ الورى … قامَ يُوالي في الظلام اللُّحونْ
يدعو لشكرِ اللهِ صَرعى الكرى … والناسُ في أحلامِهم مُغرِقون
يا مُنشداً في السَّحَرِ الرائقِ … رَدَّد عليَّ النَّغماتِ العِذابْ
لعلَّها تَفْثأُ عن خافِقي … بَرْحَ العوادي وَمُمِضَّ العذاب
مؤذَّنَ الفجرِ عداك الأذى … أصّمنا عنكَ غرورُ الحياهْ
أسمَعْتَ لو يَسمعُ أهلُ البِلى … فكَفْكِفِ الدَّمعَ وناجِ الإِله
سبَّ فإن الكونَ تحتَ الحَلَكْ … سبَّحَ للهِ وأبدَى الخشوعْ
وابعَثْ أغاريدَكَ تشْجي الفَلَكْ … وإن أثارَت في شؤوني الدموع
وارَحمتاَ للناس وارحَمتاَهْ … من عَبَثِ الدنيا ومن شرِّها
ضلوا مع اليقَظَةِ كَُنْهَ الحياة … فساَءلوا الأحلَام عن سرِّها
تعدو على الفجرِ عوادِي الدُّجونْ … والفجرُ من بعدِ الدُّجى يسطَعُ
والناسُ في ليْلِ الُمنى مُدْلِجُون … يَرجونَ فجراً وهو لا يَطلُع
هل نحنُ في الدنيا سِوى قافِلة … تَعبُرُ في الليلِ صَحارَى الحياةْ
تمضي كهذي الأنجم الآفِلةْ … من قبلِ أن يبَلغَ فردُ مناه
تَخُطّ في الرَّملِ رسومَ اُْلخطى … وتملا الجوَّ برَجْعِ الحُداءْ
فتَطمِسُ الرَّيحُ خُطوطَ السُّرى … ويُطفيُّ الضَّجَّةَ رَحْبُ الفضَاءْ
يا فجرُ إني قد أطَلتُ النَظَرْ … في الكوكبِ المضطربِ الساهمِ
وقلتُ عَلَّي اسْتَشِفُّ القَدَرْ … وراَء هذا الأُفقِ الحالمِ
حَدَّقتُ! لكن ما عسى أن أرى … والبصرُ الظامئُ في الافْقِ تاهْ
كونٌ هَنيءٌ في خِضَمَّ الكَرَى … يَحلُم مَغموراً بَعطْفِ الإلهْ
لا هُمَّ أغراني وهاجَ الخيالْ … تثاؤُبُ الأكوانِ بعدَ الرُّقادْ
ربّاه، ربّاه، أفضتَ الجمالْ … حتى ازدَهى الحيُّ ورَفَّ الجمادْ
стр. 7736
في كلَّ ما نُبْصِرُه نَفْحَةٌ … من حُسنِكَ الضافي ومن لُطفِكا
ربَّ وفي كلَّ صدَى نَغْمةٌ … تَشْدو بآلائِكَ أو عطْفِكا
ربَّ تجلَّيتَ لأرْوَاحِناَ … في ثَبَجِ الدَوَّ وشُمَّ الجبالْ
وفي مآسينا وأفراحِنا … وبَسْمَةِ الفجْرِ وَصَمتِ اللّياليْ
وفي اصطِخَابِ الَمْوجِ إذ يَصْطَخِب … وفي سكونِ اليَّم إذ يسكُنُ
وفي هزيمِ الرّعد إما غضِبْ … وفي نُوَاحِ الطيرِ إذْ تَحْزَنُ
والقرْيةِ الهادئةِ الحالِمَهْ … والرَوْضةِ الفَوّاحةِ الناضِرَهْ
والليلةِ المقمِرَةِ الباسِمهْ … والأنجُمِ البرَّاقةِ الحائرَه
لا هُمَّ إن السكوْنَ ذا مَعْبَدُكْ … أرْنُو فلا أُبصرُ فيه سِواك
وكلُّه ألْسِنَةٌ تَحْمَدُكْ … تَشدو بما يَغْمُرُها من نَداكْ
وارَحمنا رَبَّ لمن لا يراكْ … هَل يَعرِفُ السلوَى تُرَى قلبُه؟
ما حالُه إن طوَّقَتْه الشَّرَاك … وآدَهُ من دَهرِهِ خَطبُه؟
يا زَوْرَقَ الأكوانِ فِضْ بالمُنى … واجرِ رُخاءً في خِضَمَّ الأبد
واعزِفْ بِمِجْدَافِكَ لحنَ الهنَا … بين رُؤَى الأمسِ وآمالِ غَدْ
سِرْ آمِناً في لُجَّهِ حالَمِا … فإن رُبَّانَكَ جَمُّ الحَنانْ
قد وسِعت رَحمتُ العالَما … مُذ أبدعَ الكَوْن وأجرى الزمان
يا رَوْعةَ الفجرِ أطَلتِ السكون … تحتَ الدياجي وأطَلتِ الوُجومْ
فزَحْزحي عن منْكَبَيْكِ الدّجونْ … فقد نَزَتْ فيَّ خَوابي الهموم
غَشَّت على عينيَّ سُحْب الضَّجَرْ … حتى كأني أبداً في ظلَمْ
مِنْ أين تأْتينَيَ سُحْب الضَّجرْ … حتى كأني أبداً في ظلَمْ
مِنْ أين تأْتينيَ سُودُ الفِكرْ؟ … من أينَ يَنْصَبُّ عليَّ الأَلم؟
ما حيلتي والقلب مُستعبِرُ … جمُّ الأسى حَفَّ بهِ غَيْهب
أرجو له البِشْرَ فلا يَحْبَرُ … وأنشُد السلوى فلا يَطْرَبُ
ربَّاه قد أضنى فؤادي الأسى … وآن للجاهِدِ أم يستريح
أكلما افترَّتْ زُهور المنى … طاحت بها في حَوْمةِ اليأسِ رِيح
стр. 7737
ربَّاه كم نُؤْتُ بما أحمِلُ … وكنت يا ربَّ مَناطَ الرجاءْ
رباه لولا عطفُكَ الُمسبَلُ … ما ساغَ لي طولَ حياتي عزاء
لا همَّ أفعَمتَ الدُّنا بالضياءْ … وانجابَ عنها ليلُها الأغبَرُ
فاسكُب على قلبيَ نورَ الرَّجاء … من قبْلِ أن يَطوِيَه المَقبَرُ
(دمشق)
أمجد الطرابلسي
стр. 7738
النظرية الموسيقية عند العرب
بقلم حسين سراج
ما هي الحقائق المختصة بنظرية الموسيقى العربية؟
تقول الآنسة إن علم الموسيقى الذي تطور على أيدي العرب تطوراً عظيماً - يعزى اقتباسه من الفرس الذين غلبهم العرب إلى أمر النبي، وإذا أردنا زيادة في التدقيق قلنا إنه أخذ من اليونان.
ولتسمح لي الآنسة أن أقول بصراحة إنه لا مبرر للرأي القائل إن النبي أمر بشيء كهذا. والحقيقة - كما يعرفها المستشرقون - هي أن الغناء في الإسلام كان ولا يزال معدوداً من الملاهي المحرمة، وأن كل فرقة من المذاهب الأربعة قررت حرمة السماع، أو على الأقل جعلته غير لائق ديناً، وقد كتبت مئات من الرسائل في أحاديث النبي عن تحريم الغناء.
لم تنشأ الثقافة العربية ولا الحضارة البدوية مع البدو الرحل أو الإسلام - كما افترضت الآنسة وإنما تجد منذ أوائل العصر الألفي الثاني قبل الميلاد أخباراً من مملكة عرب الجنوب، حيث نتلمس حضارة زاهية تضاهي ثقافة البابليين والآشوريين، وفي الحقيقة أن اليونان مدينون ثقافة للعرب، ويعتقد (همل) وآخرون أن من المرجح أن يكون اليونان قد أخذوا عن عرب الجنوب لا (أبولو (وليتو و (ديونيسوس و (هرمس فحسب، بل (الفاء) و (السين) من حروف الهجاء أيضاً.
وقبل الإسلام بزمان طويل نقرأ في ثنايا الكتب عن الكفاية الموسيقية عند العرب القدماء، ومن الإجحاف أن ندعي أنه لم تكن عندهم نظرية موسيقية إذا واجهنا أو قابلنا بين ما نعرفه من الثقافة العامة عند الكلدان والمعينيين والسبئيين والنبطيين والتدمريين، وبين من جاء بعدهم من اللخميين والغساسنة.
وتتبع الآنسة المدرسة القديمة القائلة - قبل قرن أو أكثر - إن العرب لم تكن عندهم نظرية موسيقية غير ما اقتبسوه من الفرس أو اليونان، وتسترسل في القول أن كلا الشعبين (اليونان والفرس) كانت لهما نظم موسيقية خاصة بهما، ولم يكن عند العرب حتى هذا الوقت نظام يستطيعون أن يجعلوه نظرية. ولدينا عبارة مماثلة لهذا القول في كتابها (رسل أسرة الكمنجة) (ص ٣٩٧ - ٣٩٨) إذ تقول: (أفتتح العرب فارس في القرن السادس، ومن
стр. 7739
سجلاتهم نقرأ أنهم وجدوا نظام الفرس الموسيقى أرقى بكثير من نظامها، فاقتبسوه ودرسوه درساً عميقاً على أساتذة وطنيين).
أما الحقيقة فهي أن العرب حين افتتحوا فارس في القرن السابع، وكان لهم نظام صيروه نظرية قبيل فتح فارس.
ونجد المغنين العرب من حين إلى آخر يفاخرون بالتقاليد الموسيقية التي تحدرت إليهم من عصور الجاهلية مثل المغنية الجاهلية (رائقة) معلمة (عزة الميلاء). وكان العرب في هذه الحقبة التي ظن فيها حدوث هذه العارية الأجنبية حذرين من أي تعد على ذلك الشيء المقدس وهو القومية العربية. وهل يتساهل العرب في دخول الطرق والعادات الأجنبية بهذا القدر وكل كلمة من عمر تدعو إلى الجامعة العربية؟
ولئن قلنا إن العرب لم يكن عندهم نظام موسيقى في هذا الوقت (أي وقت فتح فارس) ليبنوا عليه نظرية لا تتفق مع الحقيقة، فلدينا شواهد كثيرة على وجود موسيقى وغناء في عصور الجاهلية، ويكاد يكون مستحيلاً أن نتصور هؤلاء القوم الذين كانت الموسيقى لهم من الحاجات الضرورية، والذين استطاعوا تهذيب أشعارهم كما نراها في المعلقات والحماسة والمفضليات، غير قادرين على تنظيم غنائهم.
ومن حسن الحظ أن حفظ لنا الفارابي مطولات عن نظام جاهلي في سلم الطنبور البغدادي كان يتوصل إليه بتقسيم طور الوتر إلى أربعين قسما؛ ويرجح أن عرب الجزيرة ورثوا هذا السلم عن الكلدان الذين ورثوه عن الآشوريين والبابليين، وحينما حل محله النغم الفيثاغوري في الشرق الأدنى وفارس كما حل بين عرب سوريا والحيرة، عاش هذا الطنبور في أرجاء الحجاز واليمن القاصية ووجد له عشاقاً حتى القرن العاشر بعد الميلاد.
كانت الحيرة في أيام الجاهلية المركز الأعظم للآداب العربية ومنها انتشر الشعر في أنحاء شبه الجزيرة. وبما أننا نعلم الصلة الشديدة بين الشعر والموسيقى فمن الممكن أن نتصور أن الموسيقى نفقت سوقها كالشعر، وفي الحقيقة يجب أن تكون الحيرة على ثقافة موسيقية عالية متى علمنا أن ملك الفرس العظيم بهرام غور (٤٣٠ - ٤٣٨م) أرسل إلى بلاط اللخميين العرب في تلك المدينة ليثقف، وهناك تعلم الموسيقى بين الآداب العربية الأخرى. وكان هذا قبل أن يتغلب العرب على الفرس. ولربما سأل سائل: ما الذي اضطر يزدجرد
стр. 7740
الأول والفرس إلى إرسال الأمير الصغير إلى شعب ليس له أسلوب خاص فني فيطلعه عليه (كما تقول الآنسة ومن المستغرب أيضا أن فارس وهي النبع المشهور للنظام الموسيقي العربي تفتقر تحت حكم بهرام غور إلى مغنين محترفين يرسلون إليها من الخارج.
ويضع الطبري بين سقطات النعمان الثالث (٥٨٠ - ٦٠٢م) آخر ملوك اللخميين ميله للغناء. ومن الحيرة اقتبس العرب حوالي آخر القرن السادس الميلادي ذلك الغناء الذي حل محل (النصب) والعود والمزهر.
أما أن العرب كان لهم نظام موسيقي محلي فيثبت جلياً بحجج عديدة. وأما أن يكون هذا النظام قد تأثر بنظريات الفرس والبيزنطيين وفيما بعد بالأصول اليونانية القديمة فرأي يسهل قبوله؛ كذلك لا ينكر أن الفرس والبيزنطيين تأثروا جميعا بالنظرية الموسيقية العربية (ولو كانت التسمية مرشداً لقلنا إن النظرية الفارسية مبنية بالكلية على الأصول العربية).
كان التأثير الأجنبي على الموسيقى العربية سطحياً ولم يكن له في البدء أثر على النظرية. قرأنا عن المغنين المتقدمين أمثال طويس وسائب خاثر اللذين قلدا أسلوب الفرس في الغناء وفي نفس الوقت وجدنا مغنياً فارسياً كنشيط يدرس أسلوب العرب في الغناء. ليس هنالك تعقيد نظري وجل ما هناك هو اقتباس شعب من آخر شكلاً خاصاً أو أسلوباً غنائياً.
على أن تبعة الظن بوجود صبغة موسيقية أجنبية تلقى على ابن خلدون الذي يقول في مقدمته إن اتصال المغنين من الفرس والروم بالحجاز ولعبهم على العود والطنبور والبربط والمعزف والمزمار قاد العرب إلى اقتباس ألحان الفرس والروم في أشعارهم.
هذا القول لا يتفق مع أقوال المؤرخين الأول كابن عبد ربه والأصفهاني والمسعودي أولاً: لأن هذه الرواية تضلل الناس وتجعلهم يعزون بغير حق الفخر للفرس والبيزنطيين بإدخال هذه الآلات إلى البلاد العربية. وفي الواقع أنها كانت عند العرب من قبل. ثانياً: لم يذكر كتاب الأغاني وهو أعظم مصدر لأخبار الغناء عند العرب مغنياً رومياً واحداً. وإذا استثنينا نشيطاً فمن المرجح أن كل من يدعون بالمغنين الفرس ولدوا بالجزيرة أو تثقفوا فيها
والحقيقة أن المغنين البارزين الذي أتوا من غير الحجاز في هذا الزمن أربعة: نشيط الفارسي، وأبو كامل الغزيل الدمشقي، وابن الطنبورة اليمني. وحنين الخيري؛ ولهذا نرى
следующие страницы →