Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7736–7775 · переход к 7741.
стр. 7736
في كلَّ ما نُبْصِرُه نَفْحَةٌ … من حُسنِكَ الضافي ومن لُطفِكا
ربَّ وفي كلَّ صدَى نَغْمةٌ … تَشْدو بآلائِكَ أو عطْفِكا
ربَّ تجلَّيتَ لأرْوَاحِناَ … في ثَبَجِ الدَوَّ وشُمَّ الجبالْ
وفي مآسينا وأفراحِنا … وبَسْمَةِ الفجْرِ وَصَمتِ اللّياليْ
وفي اصطِخَابِ الَمْوجِ إذ يَصْطَخِب … وفي سكونِ اليَّم إذ يسكُنُ
وفي هزيمِ الرّعد إما غضِبْ … وفي نُوَاحِ الطيرِ إذْ تَحْزَنُ
والقرْيةِ الهادئةِ الحالِمَهْ … والرَوْضةِ الفَوّاحةِ الناضِرَهْ
والليلةِ المقمِرَةِ الباسِمهْ … والأنجُمِ البرَّاقةِ الحائرَه
لا هُمَّ إن السكوْنَ ذا مَعْبَدُكْ … أرْنُو فلا أُبصرُ فيه سِواك
وكلُّه ألْسِنَةٌ تَحْمَدُكْ … تَشدو بما يَغْمُرُها من نَداكْ
وارَحمنا رَبَّ لمن لا يراكْ … هَل يَعرِفُ السلوَى تُرَى قلبُه؟
ما حالُه إن طوَّقَتْه الشَّرَاك … وآدَهُ من دَهرِهِ خَطبُه؟
يا زَوْرَقَ الأكوانِ فِضْ بالمُنى … واجرِ رُخاءً في خِضَمَّ الأبد
واعزِفْ بِمِجْدَافِكَ لحنَ الهنَا … بين رُؤَى الأمسِ وآمالِ غَدْ
سِرْ آمِناً في لُجَّهِ حالَمِا … فإن رُبَّانَكَ جَمُّ الحَنانْ
قد وسِعت رَحمتُ العالَما … مُذ أبدعَ الكَوْن وأجرى الزمان
يا رَوْعةَ الفجرِ أطَلتِ السكون … تحتَ الدياجي وأطَلتِ الوُجومْ
فزَحْزحي عن منْكَبَيْكِ الدّجونْ … فقد نَزَتْ فيَّ خَوابي الهموم
غَشَّت على عينيَّ سُحْب الضَّجَرْ … حتى كأني أبداً في ظلَمْ
مِنْ أين تأْتينَيَ سُحْب الضَّجرْ … حتى كأني أبداً في ظلَمْ
مِنْ أين تأْتينيَ سُودُ الفِكرْ؟ … من أينَ يَنْصَبُّ عليَّ الأَلم؟
ما حيلتي والقلب مُستعبِرُ … جمُّ الأسى حَفَّ بهِ غَيْهب
أرجو له البِشْرَ فلا يَحْبَرُ … وأنشُد السلوى فلا يَطْرَبُ
ربَّاه قد أضنى فؤادي الأسى … وآن للجاهِدِ أم يستريح
أكلما افترَّتْ زُهور المنى … طاحت بها في حَوْمةِ اليأسِ رِيح
стр. 7737
ربَّاه كم نُؤْتُ بما أحمِلُ … وكنت يا ربَّ مَناطَ الرجاءْ
رباه لولا عطفُكَ الُمسبَلُ … ما ساغَ لي طولَ حياتي عزاء
لا همَّ أفعَمتَ الدُّنا بالضياءْ … وانجابَ عنها ليلُها الأغبَرُ
فاسكُب على قلبيَ نورَ الرَّجاء … من قبْلِ أن يَطوِيَه المَقبَرُ
(دمشق)
أمجد الطرابلسي
стр. 7738
النظرية الموسيقية عند العرب
بقلم حسين سراج
ما هي الحقائق المختصة بنظرية الموسيقى العربية؟
تقول الآنسة إن علم الموسيقى الذي تطور على أيدي العرب تطوراً عظيماً - يعزى اقتباسه من الفرس الذين غلبهم العرب إلى أمر النبي، وإذا أردنا زيادة في التدقيق قلنا إنه أخذ من اليونان.
ولتسمح لي الآنسة أن أقول بصراحة إنه لا مبرر للرأي القائل إن النبي أمر بشيء كهذا. والحقيقة - كما يعرفها المستشرقون - هي أن الغناء في الإسلام كان ولا يزال معدوداً من الملاهي المحرمة، وأن كل فرقة من المذاهب الأربعة قررت حرمة السماع، أو على الأقل جعلته غير لائق ديناً، وقد كتبت مئات من الرسائل في أحاديث النبي عن تحريم الغناء.
لم تنشأ الثقافة العربية ولا الحضارة البدوية مع البدو الرحل أو الإسلام - كما افترضت الآنسة وإنما تجد منذ أوائل العصر الألفي الثاني قبل الميلاد أخباراً من مملكة عرب الجنوب، حيث نتلمس حضارة زاهية تضاهي ثقافة البابليين والآشوريين، وفي الحقيقة أن اليونان مدينون ثقافة للعرب، ويعتقد (همل) وآخرون أن من المرجح أن يكون اليونان قد أخذوا عن عرب الجنوب لا (أبولو (وليتو و (ديونيسوس و (هرمس فحسب، بل (الفاء) و (السين) من حروف الهجاء أيضاً.
وقبل الإسلام بزمان طويل نقرأ في ثنايا الكتب عن الكفاية الموسيقية عند العرب القدماء، ومن الإجحاف أن ندعي أنه لم تكن عندهم نظرية موسيقية إذا واجهنا أو قابلنا بين ما نعرفه من الثقافة العامة عند الكلدان والمعينيين والسبئيين والنبطيين والتدمريين، وبين من جاء بعدهم من اللخميين والغساسنة.
وتتبع الآنسة المدرسة القديمة القائلة - قبل قرن أو أكثر - إن العرب لم تكن عندهم نظرية موسيقية غير ما اقتبسوه من الفرس أو اليونان، وتسترسل في القول أن كلا الشعبين (اليونان والفرس) كانت لهما نظم موسيقية خاصة بهما، ولم يكن عند العرب حتى هذا الوقت نظام يستطيعون أن يجعلوه نظرية. ولدينا عبارة مماثلة لهذا القول في كتابها (رسل أسرة الكمنجة) (ص ٣٩٧ - ٣٩٨) إذ تقول: (أفتتح العرب فارس في القرن السادس، ومن
стр. 7739
سجلاتهم نقرأ أنهم وجدوا نظام الفرس الموسيقى أرقى بكثير من نظامها، فاقتبسوه ودرسوه درساً عميقاً على أساتذة وطنيين).
أما الحقيقة فهي أن العرب حين افتتحوا فارس في القرن السابع، وكان لهم نظام صيروه نظرية قبيل فتح فارس.
ونجد المغنين العرب من حين إلى آخر يفاخرون بالتقاليد الموسيقية التي تحدرت إليهم من عصور الجاهلية مثل المغنية الجاهلية (رائقة) معلمة (عزة الميلاء). وكان العرب في هذه الحقبة التي ظن فيها حدوث هذه العارية الأجنبية حذرين من أي تعد على ذلك الشيء المقدس وهو القومية العربية. وهل يتساهل العرب في دخول الطرق والعادات الأجنبية بهذا القدر وكل كلمة من عمر تدعو إلى الجامعة العربية؟
ولئن قلنا إن العرب لم يكن عندهم نظام موسيقى في هذا الوقت (أي وقت فتح فارس) ليبنوا عليه نظرية لا تتفق مع الحقيقة، فلدينا شواهد كثيرة على وجود موسيقى وغناء في عصور الجاهلية، ويكاد يكون مستحيلاً أن نتصور هؤلاء القوم الذين كانت الموسيقى لهم من الحاجات الضرورية، والذين استطاعوا تهذيب أشعارهم كما نراها في المعلقات والحماسة والمفضليات، غير قادرين على تنظيم غنائهم.
ومن حسن الحظ أن حفظ لنا الفارابي مطولات عن نظام جاهلي في سلم الطنبور البغدادي كان يتوصل إليه بتقسيم طور الوتر إلى أربعين قسما؛ ويرجح أن عرب الجزيرة ورثوا هذا السلم عن الكلدان الذين ورثوه عن الآشوريين والبابليين، وحينما حل محله النغم الفيثاغوري في الشرق الأدنى وفارس كما حل بين عرب سوريا والحيرة، عاش هذا الطنبور في أرجاء الحجاز واليمن القاصية ووجد له عشاقاً حتى القرن العاشر بعد الميلاد.
كانت الحيرة في أيام الجاهلية المركز الأعظم للآداب العربية ومنها انتشر الشعر في أنحاء شبه الجزيرة. وبما أننا نعلم الصلة الشديدة بين الشعر والموسيقى فمن الممكن أن نتصور أن الموسيقى نفقت سوقها كالشعر، وفي الحقيقة يجب أن تكون الحيرة على ثقافة موسيقية عالية متى علمنا أن ملك الفرس العظيم بهرام غور (٤٣٠ - ٤٣٨م) أرسل إلى بلاط اللخميين العرب في تلك المدينة ليثقف، وهناك تعلم الموسيقى بين الآداب العربية الأخرى. وكان هذا قبل أن يتغلب العرب على الفرس. ولربما سأل سائل: ما الذي اضطر يزدجرد
стр. 7740
الأول والفرس إلى إرسال الأمير الصغير إلى شعب ليس له أسلوب خاص فني فيطلعه عليه (كما تقول الآنسة ومن المستغرب أيضا أن فارس وهي النبع المشهور للنظام الموسيقي العربي تفتقر تحت حكم بهرام غور إلى مغنين محترفين يرسلون إليها من الخارج.
ويضع الطبري بين سقطات النعمان الثالث (٥٨٠ - ٦٠٢م) آخر ملوك اللخميين ميله للغناء. ومن الحيرة اقتبس العرب حوالي آخر القرن السادس الميلادي ذلك الغناء الذي حل محل (النصب) والعود والمزهر.
أما أن العرب كان لهم نظام موسيقي محلي فيثبت جلياً بحجج عديدة. وأما أن يكون هذا النظام قد تأثر بنظريات الفرس والبيزنطيين وفيما بعد بالأصول اليونانية القديمة فرأي يسهل قبوله؛ كذلك لا ينكر أن الفرس والبيزنطيين تأثروا جميعا بالنظرية الموسيقية العربية (ولو كانت التسمية مرشداً لقلنا إن النظرية الفارسية مبنية بالكلية على الأصول العربية).
كان التأثير الأجنبي على الموسيقى العربية سطحياً ولم يكن له في البدء أثر على النظرية. قرأنا عن المغنين المتقدمين أمثال طويس وسائب خاثر اللذين قلدا أسلوب الفرس في الغناء وفي نفس الوقت وجدنا مغنياً فارسياً كنشيط يدرس أسلوب العرب في الغناء. ليس هنالك تعقيد نظري وجل ما هناك هو اقتباس شعب من آخر شكلاً خاصاً أو أسلوباً غنائياً.
على أن تبعة الظن بوجود صبغة موسيقية أجنبية تلقى على ابن خلدون الذي يقول في مقدمته إن اتصال المغنين من الفرس والروم بالحجاز ولعبهم على العود والطنبور والبربط والمعزف والمزمار قاد العرب إلى اقتباس ألحان الفرس والروم في أشعارهم.
هذا القول لا يتفق مع أقوال المؤرخين الأول كابن عبد ربه والأصفهاني والمسعودي أولاً: لأن هذه الرواية تضلل الناس وتجعلهم يعزون بغير حق الفخر للفرس والبيزنطيين بإدخال هذه الآلات إلى البلاد العربية. وفي الواقع أنها كانت عند العرب من قبل. ثانياً: لم يذكر كتاب الأغاني وهو أعظم مصدر لأخبار الغناء عند العرب مغنياً رومياً واحداً. وإذا استثنينا نشيطاً فمن المرجح أن كل من يدعون بالمغنين الفرس ولدوا بالجزيرة أو تثقفوا فيها
والحقيقة أن المغنين البارزين الذي أتوا من غير الحجاز في هذا الزمن أربعة: نشيط الفارسي، وأبو كامل الغزيل الدمشقي، وابن الطنبورة اليمني. وحنين الخيري؛ ولهذا نرى
стр. 7741
أن أي تأثير خارجي في الموسيقى العربية حتى بالطريقة العرضية التي ألمعنا إليها أتى على أيد عربية.
لم يقرر المؤرخين نهائياً ولا في موضع ما اقتبس العرب من الفرس والبيزنطيين في قضية النظرية. دعونا قبل كل شيء نحرر أذهاننا من الظن بأن العرب أقروا بأن الفرس كان لهم نظام موسيقى أرقى بكثير من نظامهم. ثم فيما يتعلق بالرسائل فان أقدم كتاب فارسي في الغناء مؤلف في القرن الثاني عشر الميلادي. ولكن عندنا رسائل في الموسيقى العربية يرجع تاريخها إلى القرن التاسع (الكندي توفي سنة ٨٧٤م): ولدينا دليل على تآليف مصنفة في القرن الثامن (يونس الكاتب توفي سنة ٧٦٠م والخليل بن أحمد توفي سنة ٧٩١).
وفي الحقيقة أن كل ما نعرفه عن الموسيقى الفارسية الأولى أتى من مصادر عربية، والمرجع الوحيد الذي يعالج هذه القضية بتوسع هو المسعودي (توفي سنة ٩٥٦م) فهو يقول - مستشهداً بقول ابن خرداذبة (القرن التاسع) وهو كاتب متقدم - (اخترع الفرس النغم والتوقيعات والمقاطع والطرق الملوكية ولكي نقدر تماماً قيمة هذه الفقرة علينا أن نتذكر أن الغناء كان محرماً عند المسلمين وأن المؤرخين لم يكونوا مهتمين بالتماس عذر لمن يتجاوز مصدراً محلياً لشيء (منكر) كالغناء كما يطلق عليه المتشرعون من المسلمين.
ويجب ألا ننسى أن عصر الأمويين عصر ساد فيه الشعور القومي فعظمت فيه المثل الوثنية العربية وهذبت أكثر التأثيرات الأجنبية في الموسيقى العربية، وقد أشار إليها (لاند بقوله: (ما استورده العرب من الفرس والرومان لم يحل محل الموسيقى الوطنية بل طعم على جذر عربي وبقي له شكله الخاص).
ما أخذ العرب من الفرس لا يمكن التأكد منه بالضبط، وجل ما نعرفه أن الفائدة التي نشأت من الاحتكاك الفارسي هي من جهة الآلات الموسيقية. فمثلا كلمة (دستان فارسية استعملها العرب لمواضع الإصبع على لوحة رأس العود الخشبية أو الطنبور. ومن المؤكد أن العرب لم يأخذوا السلم الفارسي. لأننا نجد أنهم انتقدوا لاستعمالهم الأنغام الفارسية التي كانت متمثلة في سلم الطنبور الخراساني، فأدخل (زلزل) أحد المغنين في عصر العباسيين شكلاً جديداً من العود حل محل العود الفارسي وسمي هذا العود بعود (الشبوط
стр. 7742
وهنالك أسباب تحملنا على الاعتقاد بأن العرب عدلوا دوزان (عودهم) على النمط الفارسي. فقد كان الدوزان العربي القديم كما يظهر - ولكن بدخول النمط الفارسي لحن على - ولعل هذا يوضح لنا الأسماء الفارسية (زير) و (بم) المرموز للوترين الأول والرابع بينما الوتر الثاني والثالث اللذان لم تصبغهما الفارسية ظلا محافظين على أسميهما العربيين وهما: المثنى والمثلث.
أما الخطة التي سار عليها البيزنطيون في قضية النظرية الموسيقية فليس لنا بها علم، فمنذ القرن الرابع حتى القرن الحادي عش الميلادي - وهو يشمل القسم الأكبر من عهد البيزنطيين - لم تصلنا مؤلفات بيزنطية. ومن المرجح أنه لم يكتب شيء بالنظر إلى الحالات الثقافية التي نعرفها، ومن المؤكد أن اللاتينيين (امدوا وو وفي القرنين الخامس والسادس، ولكنهم لم يدونوا نظرية معاصريهم، كلا ولا خبرة اللاتين لأن تأليفهم عبارة عن مجموعات للمشتغلين بالأمور النظرية من اليونان القدماء. أما الشيء القليل الذي نعرفه في هذه الحقبة عن نظرية البيزنطيين ومزاولتهم للموسيقى، فقد أتى إلينا من مصادر عربية وسريانية.
ليس لدينا رسائل بيزنطية أو فارسية تثبت وجود الموسيقى حتى القرنين الحادي عشر تقريباً. ولكن حق للعرب أن يفاخروا بعشرات من الرسائل القديمة. ويجب علينا قبل كل شيء أن نكون حذرين في قبول الروايات المختصة بما اقتبس العرب من الفرس والبيزنطيين. أما أن يتسرب شيء من التأثير من هذين المصدرين فمن الممكن تجويزه.
وأول خبر لدينا عن تأثير فارسي وبيزنطي محدود في الموسيقى العربية، هو ما ذكره الأغاني عند كلامه عن ابن مسجح الذي يعزى إليه إدخال الأنغام الموسيقية الأجنبية على الفن المحلي.
يقول صاحب الأغاني: (وفي سورية تعلم ابن مسجح الألحان الرومية وتلقى إرشادات الباربطية والأسطوخسية. وبعد ذلك انقلب إلى فارس فأخذ بها غناء كثيراً وتعلم الضرب ثم رجع إلى الحجاز وقد أخذ محاسن تلك النغم وحذف منها ما استقبحه من النبرات والنغم والتي هي موجودة في نغم غناء الفرس والروم خارجة من غناء العرب.
فما اقتبسه العرب فيما بعد من البيزنطيين والفرس لا يمكننا إثباته بالتحقيق، ومن المحتمل
стр. 7743
أن النظاميين المعروفين (بالمجربين كانا من أصل بيزنطي أو لعلهما عرفا بين تعاليم الساميين أما الأصول العامة للأسطوخسية البيزنطيين فلم يأخذها العرب، وإذا كان هنالك شيء قليل لأن مخطوطة الكندي التي ألمعنا إليها قبلاً تقول إن مبادئ الأسطوخسية الرومية تختلف عن المبادئ العربية.
أما مسألة الإيقاع والقيم القياسية فنحن نعلم أن العرب كان لهم نظام منذ أوائل القرن السابع الميلادي فقد كتب الخليل ابن أحمد (كتاب الإيقاع) في القرن الثامن. ونجد في القرن التاسع نظاماً يصفه الكندي جيداً بقوله (وهنا لدينا قسم موحد من الموسيقى العربية نظامه - كما يظهر - تطور وفقاً لنظام محلي) وقد اقتبس الفرس توقيعاتهم وقوافيهم من العرب.
ولقد غير إسحاق الموصلي (٧٦٧ - ٨٥٠) شكل النظرية العربية القديمة في وقت ترجمت فيه النظريات اليونانية القديمة إلى العربية ولكن هذا التغيير حدث بدون الاستعانة بكتاب اليونان. يقول صاحب الأغاني: (كان إسحاق أول من ضبط الألحان والتوقيعات وقسمها بطريقة لم تعرف من قبل، وكان العالم المتقدم يونس الكاتب المتوفى سنة ٧٦٠ قد أشار إليها. ويقال إن إسحاق توصل في عمله إلى نتائج أقليدس والأوائل الذين كتبوا عن علم الموسيقى، ولكنه توصل إلى هذه النتائج بتجاربه الخاصة المنفردة بدون معرفة كتاب واحد من كتب الأوائل) أما أن إسحاق لم يعرف شيئا عن المشتغلين بالنظريات من اليونان القدماء فمثبت في فقرة أخرى. وكان نظام إسحاق شائعاً في أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الميلادي. وقد وضح هذه العبارة بجلاء تام صاحب الأغاني ويحيى بن علي الذي ميز هذا النظام من نظام اليونان.
فاستندنا إلى ما فصله الكندي وغيره من الكتاب كصاحب الأغاني في تعريفه النظام العربي القديم قبيل زمن الشراح اليونان كاف لأن يثبت لنا أن هذا النظام كان يختلف عن نظام فارس والروم واليونان.
أما في تاريخ الأنغام ففي استطاعتنا معرفة ما اقتبسه العرب من فارس وبيزنطة.
كان لدى الهنود - على رأي (راميانا - سبعة وهي أشبه بالرقص ويقول أمين (كان للفرس سبعة أنغام إلا أنها في أيام خسرو ابرويز (٥٩٠ - ٦٢٨) أصبحت أثنى عشر نغماً). ويسجل (بارهبروس السرياني) هذه الإثني عشر لحناً للفرس. ومع أن بعضا منها
стр. 7744
قلده العرب على أصله أو بتحريف قليل فيما بعد، نتذكر أيضاً أن العرب استعملوا أنغامهم الوطنية زمناً طويلاً قبل هذا التقليد.
ففي القرن الثامن الميلادي ألف يونس الكاتب (توفي سنة ٧٦٠م) والخليل بن أحمد (توفي ٧٩١م) كتاب النغم. ونقرأ في كتاب الأغاني (كتب في القرن العاشر) ثماني نغمات لم توضع لها أسماء خيالية كما هي في الفارسية واليونانية، وإنما هي أسماء بعد أصابع. وكان للسريان أيضا (آحادهم ومثلهم اليهود، ولكنها (أي الأنغام) لم تكن كالأنغام اليونانية، وهي حالة يجب أن ننعم النظر فيها. أما النغمات العربية والفارسية والبيزنطية في القرن التاسع فكانت مختلفة، كما ثبت في الرسالة المنسوبة للكندي التي أشرت إليها قبلاً. ويظهر جلياً أن للنظام الأساسي لكل من هذه الشعوب مزية هامة. يقول أخوان الصفا: (. . . إذا تأملت فلكل أمة من الناس ألحان ونغمات يستلذونها ويفرحون بها ولا يستلذها غيرهم ولا يفرح بها سواهم مثل غناء الديلم والأتراك والعرب والأكراد والأرمن والزنج والفرس والروم وغيرهم من الأمم المختلفة الألسن والطباع والعادات).
وقد نجد في تأثير النظام العربي القديم على أوربا الغربية ما يدعم قولي ويزيده إيضاحا. على أني وإن لم أهيئ العدة تماما للإعراب عن هذا التأثير. فإني أجتزئ باليسير من آراء كتاب غربيين عن هذا التأثير:
(مما لا ريب فيه أن أوربا الغربية شعرت على العموم بتيار الثقافة العربية من جراء الاحتكاك السياسي وأرى أن الموسيقى الأوربية تأثرت في هذه الناحية بتجوال المطرب العربي أو المغربي.
كان اكثر ما اقتبسه الغرب من الشرق في هذه الناحية هو الآلات، قال (كارانجل (لما أتى العرب أوربا في ابتداء القرن الثامن كانوا أكثر تقدماً من الشعوب الأوربية في الثقافة الموسيقية، أو على الأقل في تركيب الآلات الموسيقية. وهكذا لا يسعنا إلا تقدير تأثيرهم الموسيقي الرائع).
وهم كما يقول (فارمر أول من أتحفونا بوصف علمي حقيقي للآلات الموسيقية. . . (وما كان لدينا من نظم في تعليم الآلات في العصور الوسطى فمقتبس من العربية.) وتسلم الآنسة أن للعرب فضلاً على أوروبا في العصور الوسطى في مسألة الآلات الموسيقية
стр. 7745
ولكنها تنكر أن أوروبا - أخذت أي نظرية منهم، وهذا القول يتجاهل تأثير نقطتي الاحتكاك الثقافي العربي وهما:
(١) الاحتكاك السياسي الذي ابتداء في القرن الثامن وانتشر في الخارج خصوصاً على أيدي العازفين.
(٢) الاحتكاك الفكري الأدبي الذي ابتدأه العقليون
إذن يمكنني أن أستنتج - استناداً على ما أدليت من الحجج - أن العرب كان لهم نظام موسيقي قديم يختلف عن نظام الفرس والروم واليونان القدماء، وأن القائلين بنسبة هذا النظام الموسيقي العربي إلى فارس وغيرها، جديرون بالعدول عن أقوالهم أمام هذه البراهين.
بيروت
حسين سراج
стр. 7746
من تراثنا الأدبي
إحياء مخطوطات
للأستاذ محمد كرد علي عضو مجمع اللغة العربية الملكي
وعدت أن أتكلم على الكتب التي نشرها العلامة كرينكو، ومنها هذه الثلاثة الكتب المهمة. أولها كتاب التيجان لوهب بن منبه والثاني أخبار عبيد بن شرية، والثالث كتاب الحماسة لابن الشجري. ويهمنا أن نعرف أولاً من هو وهب بن منبه. كان وهب من علماء التابعين، وهو من الأبناء أبناء فارس المبعوثين مع سيف ابن ذي يزن لقتال الحبشة في اليمن، فهو على الأرجح فارسي الأصل، وكتاب التيجان كما قال فيه ابن خلكان ترجمة بذكر الملوك المتوجة من حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم. وهو رواية أبي محمد عبد الملك بن هشام عن أسد بن موسى عن أبي إدريس بن سنان عن جده لأمه وهب بن منبه. وتوفي وهب في صنعاء اليمن في سنة عشر وقيل أربع عشرة وقيل ست عشرة ومائة.
ذكر ابن سعد صاحب الطبقات الكبير في ترجمة وهب بن منبه أنه قال: لقد قرأت أثنين وتسعين كتاباً كلها أنزلت من السماء، اثنان وسبعون منها في الكنائس، وفي أيدي الناس، وعشرون لا يعلمها إلا قليل، وجدت في كلها أنه من أضاف إلى نفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر. قال: وفي مقدمة كتاب التيجان: قرأت ثلاثة وسبعين كتاباً مما أنزل الله على الأنبياء، فوجدت فيها أن الكتب التي أنزلها الله على النبيين مائة كتاب وثلاثة وستون كتاباً: أنزل صحيفتين على آدم بكتابين: صحيفة في الجنة وصحيفة على جبل لبنان، وعلى شيث بن آدم خمسين صحيفة، وعلى أخنون وهو إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى نوح صحيفتين، وعلى إبراهيم عشرين صحيفة، وعلى موسى خمسين صحيفة وهي الألواح.
بدأ وهب كتابه بأحوال خلق العالم، ونسب ولد سام وحام ويافت، وملك حمير ووائل والسكسك ويعفر وعامر ذي رياس، والمعافر بن شداد وشداد بن عاد ولقمان بن عاد، والهمال بن عاد والحارث بن الهمال والصعب ذي القرنين، وأبرهة والعبد بن أبرهة وعمرو بن أبرهة، وشرحبيل والد وهب وملك بلقيس وملك رحبعم بن سليمان وغيرهم من المتوجين من ملوك غسان، وغيرهم من ملوك اليمن والتبابعة وقصة النار التي تعبدها حمير إلى آخر من ذكر من الملوك المتوجين.
стр. 7747
وأهم ما في الكتاب هذا القسم التاريخي. ومن قرأ القصائد الواردة فيه بإمعان يستنتج منها مادة تاريخية، بيد أن كتاباً عرف مؤلفه بإكثاره لا يخلو من مسائل نعدها اليوم ترهات، وربما كانت في عصره وقطره حقائق مسلمة.
أما الكتاب الثاني، فقد نقل عن عبيد بن شرية من المعمرين من أهل اليمن أيضاً. كان وفد على معاوية بن أبي سفيان في الشام، فلما رآه معاوية آية في تاريخ اليمن وملوك العرب والعجم يروي أخبارهم مشفوعة بأشعار، أمر كتابه أن يدونوا ما يتحدث به عبيد بن شرية في كل مجلس سمر فيه مع معاوية، فعبيد هذا كان الراوية والمدونون كتاب معاوية.
وفي هذا الكتاب حديث هلاك عاد وثمود وجرهم وخروجهم من اليمن إلى الحرم، وناشر النعم بن عمرو بن يعفر بن عمر، وشمر يرعش بن افريقيس بن أبرهة بن الرائش، وتبع الأقرن وهو ذو القرنين، وملكي كرب بن أسعد ابن تبع الأكبر، وأسعد أبو كرب الأوسط. وتتخلل كل ذلك قصائد عليها مسحة السذاجة والبداوة، والغالب أنها أو بعضها من شعر الجاهلية القريب العهد بالإسلام، كان ينقل من الصدور ثم دون في السطور.
ذكر ابن النديم صاحب الفهرست أن معاوية لما أمر بتدوين ما يرويه في مجلسه عبيد بن شرية أمر أن ينسب إليه، وأن لعبيد عدة كتب. وكان معاوية يعجب بحفظ عبيد ويستزيده، وقال له مرة: (خليق يا عبيد أن يكون هكذا، فزادك الله علماً وفهماً، وزادنا بك رغبة وعليك حرصاً فأنا لا نحصي أياديك، فزادك الله فضلاً إلى فضل وهدى إلى هدى).
وفي تدوين معاوية روايات عبيد دليل بأن التدوين حدث منذ القرن الأول، فقد ذكروا أن زيد بن ثابت ألف كتاباً في علم الفرائض، وأن عبد الله بن عمر كان يكتب الحديث وألف كتاب في قضاء علي في عهد ابن عباس، وأن وائلة بن الأسقع من أهل الصفة المتوفى سنة ثلاث وقيل خمس وثمانين، كان يملي على الناس الأحاديث وهم يكتبونها بين يديه. وكل هذا يدل على أن القوم بدأ تدوينهم في عصر الصحابة، وإن لم يدونوا ما أفرد في التأليف إلا في القرن الثاني للهجرة.
أما عبيد بن شرية هذا فهو من الإخباريين، ولناشر كتابه الأستاذ كرينكو رأى فيه. كتب إلي يقول: (إنك تعتقد كما اعتقد قبلك ياقوت الحموي وابن خلكان أن عبيد بن شرية كان رجلاً أخبارياً بالحقيقة، وأنا أخالف رأيك، ورأى من سلف، وأعتقد أن روايته من
стр. 7748
موضوعات محمد بن إسحاق مؤلف السيرة، ومن الدلائل على هذا أن أكثر المصنفين الذين تكلموا في هذا الكتاب لم يروه، بل نقلوا ما وجدوه في الكتب التي تداولوها، وكثرة الأشعار الركيكة التي لا معنى لها فيه تخالف أسلوب الشعر القديم كما نجدها في دواوين القدماء البدويين والحضريين مثل حسان بن ثابت وأقرانه. ولم يكن لي غير نسختين كلتاهما مكتوبة في صنعاء، وهما من أصل واحد بلا شك، إذ أغلاطهما واحدة، وما كان عندي يوم تصحيح كتاب التيجان سوى نسختين، نسخة مختصرة في خزانة برلين، والنسخ الثلاث الأخرى مكتوبة في اليمن. ولو أنعمت النظر في الكتابين كتاب التيجان ورواية عبيد تجد أن مؤلفهما كتبهما ليزيد مفاخر اليمن على النزارية، وليثبت أن مجد اليمن أقدم وأكبر مما كان مجد النزارية، وهذا تعصب من قريش، ولهذا لم تكن لهما سوق في سائر بلاد العرب؛ وتجد كثيراً من أساطير اليمانيين مختلطة بالآثار الصحيحة. وقد نقل الهمداني كثيراً من الروايات غير المحققة في كتاب الإكليل، ولا سيما في القبوريات؛ ثم جاء عبد الملك بن هشام مع تعصبه لليمانية فشوش الكتاب كما شوش السيرة، ولم ينبه عليه أحد؛ إلا أن المحدثين كلهم يضعفون أبا إسحاق ويسمونه أخبارياً لا محدثاً، وقد أبنت رأيي في ذلك في أطروحة باللغة الإنجليزية نشرتها قبل طبع التيجان في مجلة الثقافة الإسلامية
أما الكتاب الثالث، فهو كتاب الحماسة لهبة الله بن الشجري المتوفى سنة ٥٤٢، فهو سفر صغير في نحو ثلاثمائة صفحة، أورد فيه أطايب من شعر الجاهليين والمخضرمين والمحدثين على مثال حماسة أبي تمام وحماسة البحتري. وابن الشجري معروف عند الأدباء بأمياله، وأماليه طبعت في مصر، وهي كأمالي المرتضى في اللغة والأدب والنحو والبيان، ولا تشبه أمالي القالي، وهي في شعر الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين.
وقد كسر ابن الشجري حماسته على أبواب وفصول، فساق في الأبواب أشعار الحماسة واللوم والعتاب والمرائي والمديح، والهجاء والأدب، والنسيب والحنين إلى الأوطان، والارتياح عند هبوب الرياح، والاشتياق عند لمعان البروق، والنزاع عند نوح الحمام، والشوق عند حنين الإبل، والطيف والخيال؛ وساق مقطعات من غزل جماعة من المحدثين وصفات النساء والتشبيهات؛ وأورد في الفصول (طيب النكهة وعذوبة الريق) و (طيب الريح) و (وصف العين والنظر) و (حسن الحديث وطيبه) و (المضاجعة وشدة الالتزام) و
стр. 7749
(وصف النار) و (وصف التنائف، والوحش والإبل والركب، وأخبية السفر)، والصفات والتشبيهات في الليل، والنجوم والمجرة والهلال والصبح، والصفات والتشبيهات في الرياض والمياه والنبات، والصفات والتشبيهات في السحاب والبرق والغيث، وصفات آلة الحرب وتشبيهاتها، وصفات الكتب والخط وآلته، وصفات الشعر، وصفات الشيب والباب والخضاب، والتشبيهات الخمرية، والتشبيهات في الغناء وآلته والمغنين، والتشبيهات الغزلية، وتشبيهات المدح، وتشبيهات الهجاء، وتشبيهات وصفات في معان مختلفة. وختم الكتاب بباب الملح وبالأشعار المزيدة على الأصل. ودونك طريقته في الاستشهاد، وقد يحل بعض العويص والغريب من المفردات حلاً مختصراً مقبولاً، قال في صفات آلة الحرب وتشبيهاتها:
(قال امرؤ القيس يصف فرساً)
وقد اغتدى والطير في وكناتها … بمنجرد قيد الأويد هيكل
مكر مفر مقبل مدبر معاً … كجلمود صخر حطه السيل من عل
له ايطلا ظبي وساقا نعامة … وارخاء سرحان وتقريب تتفل
وقال البحتري:
أراجعتي يداك بأعوجي … كقدح النبع في الريش اللؤام
بأدهم كالظلام أغر يجلو … بغرته دياجير الظلام
ترى أحجاله يصعدن فيه … صعود البرق في جون الغمام
ترى أحجاله يصعدن فيه … صعود البرق في جون الغمام
وله وكان وصافاً للخيل
أما الجواد فقد بلونا يومه … وكفى بيوم مخبراً عن عام
جاري الجياد فطار عن أوهامها … سبقاً وكاد يطير عن أوهامه
جذلان تلطمه جوانب غرة … جاءت مجيء البدر عند تمامه
واسودّ ثم صفت لعيني ناظر … جنباته فأضاء في اظلامه
مالت جوانب عرفه وكأنها … عذبات أثل مال تحت حمامه
وكأن فارسه وراء قذاله … ردف فلست تراه من قدامه
стр. 7750
لانت معاطفه فخيل أنه … للخيزران مناسب بعظامه
في شعلة كالشيب تم بمفرقي … غزل لها عن شيبه بغرامه
وكأن صهلته إذا استعلى بها … رعد تقعقع في ازدحام غمامه
مثل الغراب مشى يباري صحبه … بسواد صبغته وحسن قوامه
وله:
وأغر في الزمن البهيم مخجل … قد رحت منه عن أغر محجل
كالهيكل المبني إلا أنه … في الحسن كصورة في هيكل
ذنب كما سحب الرداء يذب عن … عرف وعرف كالقناع المسبل
جذلان ينقض عذرة في غرة … يقق تسيل حجولها في جندل
تتوهم الجوزاء في إرساغه … والبدر فوق جبينه المتهلهل
فكأنما نفضت عليه صبغها … صهباء للبردان أو قطربُّل
وتخاله كسى الحدود نواعماً … مهما تواصلها بلحظ تخجل
وتراه يسطع في الغبار لهيبه … لوناً وسراً كالحريق المشعل
هزج الصهيل كأن في نغماته … نبرات معبد في الثقيل الأول
ملك العيون وأن بدا أعطيته … نظر المحب إلى الحبيب المقبل
وأهدى البحتري إلى عبد الله بن خاقان فرساً وكتب إليه:
ماذا ترى في مدمج عبل الشوا … من نسل اعوج كالشهاب اللائح
يختال في شية يموج ضياؤها … موج القتير ٍعلى الكميّ الرامح
لو يكرع الظمآن فيها لم يمل … طرفاً إلى عذب الزلال السائح
أهديته ليروح أبيض واضح … منه على جذلان أبيض واضح
فيكون أول سنة متبوعة … أن يقبل الممدوح رفد المادح
وقال عبد الله بن المعتز:
وخيل طواها القود حتى كأنها … أنابيب سمر من قنا الخط ذّبل
صببنا عليها ظالمين سيوطنا … فطارت بها أيد سراع وأرجل
إلى آخر الفصل. . .
стр. 7751
وروى فيها فصل صفات الكتب والخط وآلته
قال الكندي يصف الدفاتر:
خرس تحدث آخرً عن أول … بعجائب سلفت ولسن أوائلا
سقيت بأطراف اليراع بطونها … وظهورها طلا أحم ووابلا
تلقاك في حمر الثياب وسودها … فتخالهن عرائساً وثواكلا
وتريك ما قد فات من دهر مضى … حتى تراه بعين فكرك مائلا
وقال آخر:
نعم المحدث والنديم كتاب=تلهو به إن ملّك الأصحاب
لا مفشياً سراً إذا استودعته … ولديه ما تحيا به الألباب
وقال الهلبي يصف كتاباً:
وفضضته فوجدته … ليلاً على صفحات نور
مثل السوالف والجباه ال … بيض زينت بالشعور
وكنظم در كالثغو - ر وكالعقود على النحور
أنزلته مني بمن … زلة القلوب من الصدور
وقال أبو تمام يصف كتابا:
فضضت ختامه فتبلجت لي … غرائبه عن الزهر الجني
وضمن صدره ما لم تضمن … صدور الغانيات من الحليّ
ووقال آخر في وصف كتاب:
مداد مثل خافية الغراب … وأقلام كمرهفة الحرب
وقرطاس كرقراق السراب … وألفاظ كأيام الشباب. . . الخ
هذا ما نشره الأستاذ كرنيكو من كتب العرب وهو ينشر اليوم في القاهرة كتاب (المؤتلف والمختلف) للآمدى، و (رسالة ابن الجراح) وما بقى من معجم الشعر للمرزباني، وفي هذا الكتاب أخبار لا توجد في الكتب التي بأيدينا فضلاً عما حوى من الشعر القديم. وبعد هذا ألا نشكر لعلماء المشرقيات غيرتهم على نشر كتب العرب وإظهارها بمظهر التحقيق الدقيق يغبطون عليه.
стр. 7752
القاهرة
محمد كرد علي
стр. 7753
أثر الفن الإسلامي في فنون الغرب
للدكتور زكي محمد حسن الأمين العلمي لدار الآثار العربية
ورث الإسلام فنون رومة وبيزنطة وإيران وكلديا وأشور وتأثر المسلمون بالأساليب الفنية في البلاد التي خضعت لهم وانتشر فيها دينهم، فظهر في عالم الوجود فن بل فنون إسلامية أثرت بدورها في فنون الغرب، وتركت فيها ذكريات قل أن تخفى على من لهم دراية بتاريخ الفنون في العالم.
والواقع أن العالم المتمدن في القرون الأولى بعد الميلاد كان قد سئم الفن اليوناني القديم، وتاق إلى نوع التجديد ينقذه من منتجات هذا الفن التي أعوزها التنوع والابتكار، فتطلع إلى تقاليد فنية أعظم أبهة وأكثر حرية في الزخارف والموضوعات لا يعدل فيها من خيال ساحر وجاذبية ومفاجأة عظيمتين إلا ما تمتاز به من أسرار في مزج الألوان تملأ البصر وتبهج الخاطر. تلك الأساليب الفنية المنشودة وجدها العالم المتمدن عند الساسانيين أولا، ثم في الفنون الإسلامية بعد أن امتدت الإمبراطورية العربية واتسعت أرجاؤها. أما حلقتا الاتصال بين الشرق والغرب، والمعبران اللذان اتخذتهما الأساليب الإسلامية للوصول إلى أوربا، فهما الأندلس، والحروب الصليبية.
ففي الأندلس أينعت المدنية الإسلامية، وأدخل العرب صناعة الورق، وأصبحت قرطبة في القرن العاشر أكثر المدن في أوروبا ازدهاراً وأعظمها مدنية؛ وكان عصر ملوك الطوائف باعثاً على تعدد مراكز العلم والأدب والفن في شبه الجزيرة، وجاء ملوك المرابطين والموحدين فكان اضطهادهم للمستعربين من بني الأندلس سببا في هجرتهم إلى الشمال، فزاد بذلك محيط المدنية الإسلامية اتساعا، ونقل هؤلاء المستعربون إلى مهجرهم الجديد كثيرا من عادات المسلمين وأزيائهم وصناعاتهم، وما لبث نجم المسلمين في الأندلس أن أذن بالأفول، فتقدمت فتوحات المسيحيين، وأخذ نفوذ العرب في التقلص، ودخل كثير منهم تحت السلطان المسيحي، فصاروا يعملون للملوك والأمراء الأسبان، وتعلم منهم غيرهم، فانتشرت أساليبهم الفنية؛ وكان سقوط طليطلة سنة ١٠٨٥، وقرطبة سنة ١٢٣٦، وأشبيلية سنة ١٢٤٨، أكبر عامل على امتزاج الصناع العرب أو المستعربين بغيرهم. ثم كان سقوط غرناطة سنة ١٤٩٢ خاتمة هذا الطور الذي تعلم فيه صناع الغرب عن المسلمين كثيراً من
стр. 7754
أسرار صناعاتهم في العمارة والفنون الفرعية؛ ولعل أهم مظهر لهذا الطور والطرز الأسباني الذي ينسب إلى المدجنين أو المسلمين الذين دخلوا خدمة المسيحيين بعد زوال دولة العرب؛ وقد نشأ هذا الطرز في طليطلة واشتغل الصناع (المدجنين) بزخرفة الكنائس ودور الخاصة في أنحاء أسبانيا، ونبغوا في الفنون الفرعية كصناعة الخزف والمنسوجات والنقش على الأخشاب، وكانت لهم في ميدان العمارة آثار تذكر، وأهمها قصر أشبيلية ' الذي بنوه سنة ١٣٦٠ والذي ظل مقرا للأسرة الملكية حتى إعلان الجمهورية منذ سنوات فأصبح متحفاً يعجب الزائرون بعمارته العربية وبما جمعه ملوك أسبانيا من تحف جمهورية منذ سنوات فأصبح متحفا يعجب الزائرون بعمارته العربية وبما جمعه ملوك أسبانيا من تحف إسلامية نادرة.
أما الحروب الصليبية فلا يعنينا من نتائجها إلا أنها كانت كالأندلس وجزيرة صقلية وسيلة إلى نزاع دائم تتبعه علاقات متواصلة بين المسيحية والإسلام، وأوجدت هذه الحروب منفذاً لتجارة الجمهوريات الإيطالية الناشئة كجنوا والبندقية وبيزا، وكان من النتائج العملية لتأسيس المملكة اللاتينية في بيت المقدس نمو تجارة هذه الجمهوريات وإنشاء معاقل لها في الشرق الأدنى.
وإن صح القول بأن الأندلس وجزيرة صقلية لعبتا الدور الأكبر في نشر الثقافة الإسلامية في المغرب، وان فضل الحروب الصليبية في هذا الميدان لم يكن كبيراً نظراً لأنه لم يكن في الشام في عصر الحروب الصليبية مدينة تعادل مدينة الأندلس أو صقلية فضلا عن أن هذه الحروب لم تكن مرتعاً خصيباً للدرس والتحصيل وتبادل الثقافة، نقول إن صح ذلك في ميدان العلوم والآداب فإنا نعتقد أن الدور الذي لعبته الحروب الصليبية في نقل الصناعات والفنون الإسلامية إلى أوربا خطير لا يستهان به. ولعل استعمال الرنوك عند أمراء المسلمين في الحروب الصليبية كان أكبر عامل في تطور علم الرنوك والأشعرة عند الغربيين فأصبحت له اصطلاحاته الدقيقة وقواعده الثابتة؛ وكانت الحروب الصليبية أيضا وما تبعها من انتشار التجارة الغربية السبب فيما فعله البنادقة من صك نقود ذهبية للتعامل مع المسلمين وعليها كتابات عربية وآيات قرآنية فضلاً عن التاريخ الهجري، وظل هذا حتى احتج البابا أنسونت الرابع سنة ١٢٤٩.
стр. 7755
وليس خفياً أن العمارة كانت أجل الفنون عند العرب فبلغوا فيها شأواً بعيداً، وأخذوا من الأمم التي اختلطوا بها ما أخذوا، وابتدعوا أساليب جديدة غاية في الجودة والإبداع، ثم أخذت عنهم أوروبا كثيراً من هذه الأساليب. ولكن العلماء ليسوا على اتفاق في هذا الرأي، فبعضهم يرى أن العرب لم تكن لهم عمارة خاصة، وإن صح أن هناك أوجه شبه بين طرزهم المعمارية وبين الطرز الأوربية فإنما ذلك لأن مصدر هذه الطرز كلها واحد. ومهما يكن من شيء فإننا نفضل ألا نعرض للعمارة في هذا المقال مكتفين بالتحدث عن الفنون الفرعية أو المنقولة كما اصطلح بعضهم على تسميتها.
ولسنا نذهب إلى أن المسلمين وصلوا في هذه الفنون الفرعية إلى ما وصل إليه الغربيون. ولكنا لا نشك في أنهم تفوقوا في بعضها تفوقاً خاصاً وبلغوا في صناعة الزخارف مبلغاً يشهد بعبقرية نادرة وخيال واسع.
ولما كان تصوير المخلوقات مكروهاً في الإسلام، فقد أصبح عماد الزخارف الإسلامية الأشكال الهندسية والرسوم النباتية مضافاً إليها عامل جديد هو حروف الكتابة بالخط الكوفي أو بالخط النسخي أو بغيره من الخطوط، ونحن نعلم كيف اهتم المسلمون وخاصة الفرس بتحسين الخطوط وزخرفتها؛ وقد فطن إلى ذلك صناع الغرب، فأخذوا أحياناً يقلدون الكتابة العربية على مصنوعاتهم، ومن أمثلة ذلك صليب أيرلندي من البرونز المذهب يرجع عهده إلى القرن التاسع، وهو محفوظ الآن بالمتحف البريطاني وعليه بالخط الكوفي (بسم الله)، وفي المتحف البريطاني أيضا عملة ذهبية ضربها الملك حكم مرسية من سنة ٧٥٧ إلى ٧٩٦، وهذه العملة نقلها الملك المذكور عن دينار عربي ضرب سنة ٧٧٤ فنقل فيما قلده التاريخ الهجري والعبارة العربية المكتوبة عليه، ولا نشك أنه في الحالتين لم يفقه العمال الغربيون معنى الكتابة العربية، فنقلوها كزخارف فحسب، وقلدهم في ذلك كثيرون من بعدهم.
وقد كان للخزف الإسلامي أثر كبير في تطور صناعة الخزف في أوربا، وقد كان الغربيون ينسبون اللونين الأزرق والأبيض الصيني في هذه الصناعة إلى بلاد الشرق الأقصى، ولكن الحقيقة أن الصينيين كانوا يسمون هذا اللون الأزرق بالأزرق الإسلامي، لأنهم أخذوه عن إيران الإسلامية في القرن الخامس عشر.
стр. 7756
ومن المعروف أن صناعة الخزف ذي البريق الذهبي قد ارتقت في أسبانيا رقياً عظيماً، فكانت مصانعها تشتغل لحساب كثير من البابوات والكرادلة والأسرات النبيلة في أسبانيا والبرتغال وإيطاليا وفرنسا، ويرون أن الكردينال اكسيمينز قال عن هؤلاء الصناع (الكفرة): (ينقصهم إيماننا وتنقصنا صناعاتهم).
وقد ظلت صناعة الخزف الأسباني العربي - في الأندلس حتى القرن السادس عشر، وتعلمها الإيطاليون في القرن الخامس عشر، فتأثروا في الصناعة والزخارف والأشكال بما كانوا يستوردونه من أسبانيا، وأصبح أنموذجاً للصناع في وو وأطلق على هذه المصنوعات اسم مايولكا نسبة إلى جزيرة مايوركا من جزائر البليار الأسبانية
هذا وقد وصل إلى الفنون الغربية من إيران وتركيا رسوم بعض الزهور التي لم تكن معروفة فيها حينئذ إلا بفضل رسومها على الخزف الإسلامي الوارد من الشرق الأدنى منذ القرن الرابع عشر.
ولم يكن أثر صناعة المعادن الإسلامية في أوروبا بأقل من أثر صناعة الخزف؛ ولن يستغرب ذلك من يعرف ما وصلت إليه هذه الصناعة من التقدم في عصر الفاطميين والمماليك ومن قرأ ما دونه القريزي عن كنوز المستنصر بالله.
ومما أخذ الأوربيون عن الشرق الإسلامي الاسطرلاب، وهو آلة فلكية لقياس بعد الكواكب. اخترعها الإغريق وحسنها بطليموس الجغرافي ثم علماء الفلك من المسلمين، حتى أخذها عنهم علماء الغرب في القرن العاشر. وفي المتحف البريطاني أقدم إسطرلاب عليه تاريخ صنعه أحمد ومحمود ابنا إبراهيم الإسطرلابي الأصفهاني سنة ١٢٦٠ - وقد ظل البحارة يستخدمون الإسطرلاب في مراقبة الجو وشؤون الملاحة، حتى خلفته اختراعات أخرى في القرن السابع عشر.
وقد كان للأوربيين في القرون الوسطى نوع من أواني المياه كانوا يستعملونه في غسل أيديهم قبل الأكل وبعده، وأطلقوا عليه اسم ولا ريب أن صناعته متأثرة بما كان عند المسلمين من أوان مماثلة على شكل طيور أو حيوانات من البرونز والنحاس، ولعل أحسن مثل مكبر لتلك الأواني - وإن كان عظم حجمه يفرقه عنها - هو ذلك العقاب النحاسي الكبير المحفوظ الآن بالكامبو سانتو بمدينة بيزا في إيطاليا، والذي يظن أنه من عصر
стр. 7757
الفاطميين بدليل ما عليه من نقوش كوفية وزخارف هندسية، وصور حيوانات، وليس معروفاً من الذي نقله إلى إيطاليا، ولا في أي المناسبات كان ذلك.
وقد صنع المسلمون الثريات والأواني والصناديق والكراسي والتنانير والمباخر من النحاس المكفت بالفضة والمذهب، وكثر الإقبال على هذه التحف في أوروبا، وخاصة بعد أن عظمت تجارة الجمهوريات الإيطالية في الشرق منذ الحروب الصليبية، وبلغت أوج عزها في القرن الخامس عشر.
والواقع أن اضمحلال هذه الصناعة بدأ في الشرق منذ القرن الخامس عشر بعد ظهور المغول وغارة تيمورلنك على دمشق سنة ١٤٠١، ولكن المدن الإيطالية وخاصة البندقية ورثتها عن الشرق؛ وظهرت في المدينة الأخيرة مدرسة من رجال الفن عملت على التوفيق بين ذوق الغربيين في عصر النهضة، وبين الصناعة والزخارف الإسلامية. ومن المعروف أن صناعاً من الشرق اشتغلوا بصناعات أجدادهم في البندقية وجنوه وبيزا وفلورنسا. وفي المتاحف والمجموعات الأثرية أمثلة كثيرة من التحف الفنية النفيسة المصنوعة في إيطاليا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، والتي تشهد بحسن الذوق وجمال الزخرف ودقة الصناعة. هذا ولا يفوتنا الإشارة إلى ما في اللغة الإيطالية وغيرها من اللغات الأوربية من الألفاظ الاصطلاحية المنسوبة إلى المدن الإسلامية في صناعة المعادن كدمشق وبلاد العجم. وكان لصناعة الزجاج المموه بالمينا شأن كبير عند المسلمين كما يتجلى من مجموعة المشكاوات النفيسة المحفوظة بدار الآثار العربية بالقاهرة، والتي يرجع عهدها إلى القرنين الرابع عشر والخامس عشر.
وقد تقدمت صناعة الزجاج في البندقية منذ القرن الثالث عشر تقدماً كبيراً، وبدأ البنادقة منذ القرن الخامس عشر يقلدون صناعة الزجاج عند المسلمين، فما لبثوا أن برعوا مثلهم في تمويه الزجاج بالمينا، وانتشرت هذه الصناعة من البندقية إلى غيرها من المدن الأوربية، وظهرت زخارف وطرز جديدة دون أن تزول القرابة بينها وبين النماذج الإسلامية الأولى.
أما أساليب المسلمين في نقش الخشب وزخرفته وتطعيمه، فقد ظهر تأثيرها في فنون البلاد الأوربية التي كان لها بالعرب اتصال مباشر كالأندلس وجنوب فرنسا وصقلية، ولكن هذا التأثير لم يكن كبيراً، لأن هذه البلاد لم تكن أحوالها الجوية تستدعي ما اضطر إليه
стр. 7758
المسلمون من استعمال طريقة المربعات بله أن رسم الخطوط والزخارف الهندسية لم يكن ليلعب فيها الدور الكبير الذي لعبه في بلاد الإسلام.
وكذلك قلد البنادقة صناعة التجليد الإسلامية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ونقلوا بعض أساليبها، ونقلها عنهم غيرهم من صناع الغرب، فلا عجب إن وجدنا حتى الآن في صناعات التجليد الأوربية المختلفة كثيراً من تفاصيل الصناعة الإسلامية وزخارفها. ومعروف أيضاً أن بعض المجلدين المسلمين نزحوا إلى البندقية وعلموا البنادقة اختراعات المسلمين في هذا الميدان. ولا يزال (اللسان) المعروف في صناعة التجليد العربية موجوداً في تجليد بعض الكتب الأوربية، ولا سيما المحاسبين وأصحاب المصارف. ومما أشتهر به المسلمون في الأندلس وصقلية صناعة الصناديق من العاج، وفي المتاحف أمثلة عديدة منها، وبينها وبين أمثالها من صناعة أوربا في القرون الوسطى قرابة تنبئ عن تأثير الصناعة الإسلامية.
بقي أن نتحدث قليلاً عن المنسوجات في البلاد الإسلامية وعن أثرها الكبير في صناعات النسيج الأوربية ولسنا نجهل أن صناعة النسيج كانت زاهرة في فارس ومصر وسورية قبل الفتوح العربية، ولكن تعضيد الخلفاء والأمراء، وتولي الحكومة إدارة المصانع، وعادة الخلع التي كان يمنحها الملوك وأولوا الأمر، كل هذا جعل الصناعة تخطو في سبيل الكمال خطوات واسعة، وكثر الإقبال على المنسوجات الإسلامية وتهافت على شرائها التجار فعمت شهرتها أوربا في العصور الوسطى، وأصبحت أكثر أنواع المنسوجات في ذلك العهد تحمل أسماء شرقية أو تنسب إلى مدن إسلامية. ولما رأى التجار ذلك هب كثير منهم لإنشاء المصانع في أنحاء أوروبا المختلفة لمنافسة مصانع الشرق الأدنى والأندلس، وكان العرب قد أقاموا في صقلية مصانع شهيرة للنسج ظلت عامرة بعد أن تقوض سلطان المسلمين في الجزيرة، فتعلم الإيطاليون في هذه المصانع أسرار النسيج الإسلامي ودقائقه ونقلوه إلى بلدان إيطاليا المختلفة، وحفلت المنسوجات الحريرية الإيطالية في القرن الرابع عشر بالزخارف الشرقية حتى الكتابات العربية منها.
وبدأ النساجون الأتراك والإيطاليون منذ القرن السادس عشر ينافس كل منهما الآخر ويقلده، حتى لقد يصعب أحيانا التفرقة بين مصنوعاتهم؛ وظهرت في الأسواق بعد ذلك أحزمة من
стр. 7759
القماش من صناعة أوروبا على الطراز الشرقي وأطلق عليها اسم الأحزمة البولونية نسبة إلى بولندة حيث كثرت صناعتها.
وكان السجاد أيضاً مما أخذه الأوربيون عن الشرق منذ القرن الرابع عشر، فتعلم الصناع الغربيون صناعته من المسلمين واحتفظوا مدة طويلة بالأساليب العربية في زخارفه.
وأما أثر المسلمين في النقش والتصوير الأوربي فيكاد لا يستحق الذكر، وما نقله الغرب في هذا الميدان من أساليب في تصوير الحيوان ليس إسلامياً في جوهره؛ وإنما يرجع إلى الفنون القديمة في الشرق الأدنى؛ وليست لدينا أمثلة لمصورين مسلمين اشتغلوا في أوربا في القرون الوسطى، اللهم إلا أولئك الذين عملوا في بلاط روجر الثاني ملك صقلية في أوائل القرن الثاني عشر لنقش بيعة في بالرمو تعرف باسم الكابلا بلاتينا.
هذا وقد أثرت الزخارف الإسلامية على الزخارف في شمال أوربا؛ ولا عجب فقد كان هناك اتصال بين أمم الشمال وبين الشرق الإسلامي، وكان كلاهما يناهض أمم أوربا الوسطى والجنوبية، بيد أن هذه الشعوب الجرمانية الشمالية لم تكن فقدت تماما ذكرى تجوالها في آسيا قبل أن تغزوا أوربا ويسير بعضها حتى يصل إلى شمال أفريقيا.
ولا يسعنا أن نختم هذا المقال قبل الإشارة إلى الأثر التركي الذي نراه في كثير من زخارف أمم البلقان وسكان جزائر بحر الأرخبيل، فقد كان استيلاء تركيا على هذه الأقاليم وحكمها إياها قروناً من الزمان أكبر عامل على طبع فنونها والحياة الاجتماعية فيها بطابع شرقي لم يزل كله بعد.
زكي محمد حسن
стр. 7760
العلامة المستشرق كراتشكوفسكي
للأستاذ محمود تيمور
في عصر يوم من الأيام نحو عشرة أعوام ذهبت لزيارة المرحوم. والدي - كما كنت أفعل دائماً - بمنزله الخاص بالزمالك حيث كان يسكن وحيداً بين كتبه معتزلاً العالم. دخلت عليه في حجرة عمله فوجدته أمام مكتبه بين أكوام من الكتب والدفاتر - شأنه دائماً - يطالع ويقيد. فلما أحس بوجودي رفع رأسه وأزاح نظارته (الخاصة بالقراءة) ودعاني إلى الجلوس. ووقع نظري على صورة لقبر إسلامي كانت ضمن الأوراق العديدة التي يزدحم بها مكتبة. فسألته، فابتسم وقال: هذه صورة قبر الشيخ طنطاوي المدفون في روسيا. وعجبت لأمر هذا الطنطاوي الذي اختار بلاد الروس مدفناً له. فاستوضحته الأمر. فأخذ يحدثني عن هذا العالم المصري الذي نزح إلى روسيا في العصر الماضي ليدرس اللغة العربية وآدابها في جامعة بطرسبرج - كما كان اسمها في ذلك العهد - وكيف أقام فيها حتى وافاه الأجل فدفن بها. ثم كيف قام اليوم من بين الأساتذة المستشرقين من يعنى بهذا العالم المصري فيحقق أمره ويؤلف رسالة عنه تخليداً لذكراه.
واستهواني هذا الحديث، وجعلت أنظر إلى الصورة وأنا معجب فخور بهذا الأستاذ المستشرق الذي انبرى لعالم من علمائنا المنسيين ينشر حياته على الملأ ويشيد بذكراه. فينشر معه صفحة من صفحات تاريخنا المغمور ويشيد بذكرى بلادنا بين أصدقائنا البعيدين. ورفعت رأسي ونظرت إلى والدي مستفهماً. فقرأ في عيني ما يجول بخاطري وقال:
- إن صاحب هذا البحث هو الأستاذ كراتشكوفسكي الروسي
في هذه اللحظة أحببت الأستاذ كراتشكوفسكي وشعرت في صميم قلبي بأنه ليس غريباً عني. وشاهدت صورته فيما بعد فراعني منها مسحة الوقار المنطبعة على محياه، وذلك الإشعاع العجيب الذي يشع من عينيه - إشعاع الطيبة والإخلاص. واتصلت بالأستاذ عن طريق المراسلة، فعرفت فيه رجلاً ذا خلق متين وعزيمة صادقة وأدب جم، فقد وهب حياته منذ نحو ثلاثين عاماً لخدمة اللغة العربية وآدابها. فلم يهن ولم يتراجع بل ثابر وثابر حتى امتلك ناصيتها وتبحر فيها، فأصبح علماً راسخاً من أعلامها؛ وقوة من قواها العتيدة.
стр. 7761
وإني لا أنسى أول خطاب جاءني من الأستاذ، فقد وقفت أمامه حائرا مبهوتاً: خط عربي جميل ونظيف يماثل في وضوحه وتنسيقه خطوط الآلة الكاتبة. تسوده روح لطيفة من سلامة الذوق في التعبير والبساطة والهدوء. كل ذلك في سلاسة عجيبة وصفاء غريب. وغمرني شعور لطيف فيه شيء من الزهو لوجود مثل هذا الصديق الكبير لنا - معشر العرب - في بلاد نائية قد وقف حياته على خدمة آدابنا وإعلاء كلمتنا.
وازداد اتصالي بالأستاذ فتوالت الرسائل بيني وبينه. وأهدى إلى كثيراً من مؤلفاته بالروسية، ومضت الأعوام ومعرفتي بالأستاذ تزداد اتساعاً. وكلما عرفت عنه شيئاً جديداً قويت محبتي له وعظم تقديري إياه.
بدأ الأستاذ دراسته للعربية وبعض اللغات السامية الأخرى كالحبشية والعبرية في جامعة بطرسبرج عام ١٩٠٨. ثم رحل إلى الشرق فزار مصر وسورية، وأقام فيهما أكثر من عام انكب أثناءه على دراسة الأدب العربي القديم والحديث. واهتم بالشعر وعلم البيان بنوع خاص. وما إن عاد إلى روسيا حتى أخذ ينشر مقالات عن الأدب العربي. وظهر له بحث مستفيض عن القصة التاريخية في الأدب الحديث وهو بحث نقدي تحليلي عن روايات جورجي زيدان ويعقوب صروف وفرح أنطوان وجميل مدور. (صاحب كتاب حضارة الإسلام في دار السلام) وتوالت بعد ذلك أبحاثه القيمة. ومن أعماله المشهورة إصداره ديوان أبي الفرج الوأواء الدمشقي باللغة العربية مع ترجمة روسية ومقدمة مسهبة عن الشعر في العصر العباسي تعد من أنفس ما كتبه العلماء في ذلك الموضوع؛ كذلك يجب ألا ننسى بحثه التاريخي عن حياة الشيخ طنطاوي، وهو بحث فذ مبتكر حقق فيه بطريقته العلمية المعروفة كثيراً من النقاط الغامضة التي تكتنف حياة هذا العالم المصري (المنسي). ومن أعماله الهامة إصداره كتاب البديع لابن المعتز باللغة العربية مع مقدمة للكتاب بالإنجليزية، وهذا الكتاب يعد من أنفس الكتب التي عالجت علم البديع في الأدب القديم. هذا خلاف رسائله الأخرى التي والى ويوالي إصدارها، وآخر ما صدر له ترجمة بالروسية لكتاب الأيام للدكتور طه حسين، مع مقدمة عن مؤلفات وتعليقات عن الكتاب.
أكتب هذه الكلمة الصغيرة بمناسبة الاحتفال بتكريم الأستاذ في روسيا أحييه فيها أصدق تحية، معبراً له عما يكنه العالم العربي عامة والأمة المصرية خاصة من عواطف الولاء
стр. 7762
والشكر له. فان رجلاً قصر حياته على نشر ثقافتنا العربية في العالم الغربي، وأوسع لنا الطريق لنتبوأ مكاننا بين آداب الأمم العالمية لجدير بأن يحتل في قلوبنا أكبر مكانة.
محمود تيمور
стр. 7763
على هامش السيرة
نزيل حمص
للدكتور طه حسين
قال عمير بن عبد الله السلمي لمحمد بن نصر الكلابي: إن الله فيما يأتي من الأمر لحكمة بالغة يفهمها الناس حيناص ويقصرون عن فهمها في كثير من الأحيان. وإن الرجل الرشيد خليق أن يتعظ بما يفهم، وألا يلح في تأويل ما لم يفهم، وأن يطمئن قلبه إلى أن حكمة الله بالغة، وإلى أن قضاءه منته إلى الخير دائماً.
قال محمد بن نصر لصاحبه: هو ذاك، وما أظن أن أحداً منا ينكر ذلك أو يماري فيه فما تحدثك به؟ وما هذا التفكير العميق الذي أرى آثاره بادية في وجهك؟ وكانا هذان الرجلان من فتيان قيس، شديدي البأس، قد ملأ قلبهما إيمان قوي بالله، وحفاظ قوي للعرب، واعتزاز قوي بالنفس، وحب قوي للجهاد. وكانا قد مضيا مع الصائفة غازيين حتى بلغا ثغراً من ثغور الروم، فأمعنا في الغزو ولقيا فيه من الجهد والشدة، واحتملا فيه من المشقة والبلاء شيئاً عظيما، لم يزدهما إلا إيماناً على إيمان، وحفاظاً إلى حفاظ، وحباً للجهاد إلى حبهم القديم للجهاد، وكان الله قد قضى لهما أن يعودا من هذه الغزوة موفورين، فلما بلغا مأمنهما مع الجيش في بلاد المسلمين نذرا لئن مد الله في حياتهما حتى ينقضي الشتاء، وتستأنف الصائفة من قبل غارتها على بلاد الروم ليكونن لهما في هذه الغارة بلاء، وليضعن كل واحد منهما نفسه في مقدمة الجيش المغير، وكانا قد أزمعا من أجل ذلك ألا يبعدا في الرجوع إلى موطنهما، وأن ينفقا فصل الشتاء في مدينة من مدن المسلمين هذه المنبثة في الشام، والتي ترابط فيها الجنود، قد قسمت بينها تقسيماً، ووزعت عليها توزيعاً، ولم يكونا من أصحاب الديوان في جند من أجناد الشام، وإنما كانا رجلين قد باعا أنفسهما من الله وتطوعا في الجهاد، وأقبلا يبتغيان المثوبة، فلحقا بالصائفة فيمن يلحق بها من المتطوعين؛ ولم يصرفهما عن حمص أنها لم تكن للمضرية داراً، وما يريدان إلى المضرية أو إلى اليمنية، وهما إنما يمران بهذه المدينة مروراً ينتظران أن ينقضي فصل من فصول العام ويقبل فصل آخر ليستأنفا نشاطهما وليقبلا على ما يبتغيان من ثواب الله مجاهدين؟
فلما استقر بهما المقام في حمص أياماً وأسابيع أخذا يدوران فيها ويتعرفان بعض أمرها،
стр. 7764
ويسمعان إلى ما كان يجري على ألسنة أهلها من بعض الحديث. وقلما كان أحدهما يخرج منفرداً، إنما كانا أكثر أوقاتهما متلازمين كأن ما دفعها إلى الهجرة من أوطانهما قد جمع بين نفسيهما في الجهد والبأس، كما جمع بين نفسيهما في الرخاء واللين. فقلما كانا يفتقران أثناء الغارة على اختلاف الظرف وتباين الخطوب التي كانت تعرض للجيشين وتلم بالمغيرين. وهما الآن لا يفترقان أو لا يكادان يفتقران، وقد أظلهما الأمن وضمنتهما سلم لا يخافان معها شدة ولا بأساً ولا فراقاً. ولكنهما في هذا اليوم لم يكادا ينفتلان من صلاة الغداة حتى فرقت بينهما حركة الناس وازدحامهم مسرعين كأن هناك أمراً ذا بال يروعهم ويدعوهم إلى الازدحام ويدفعهم إلى أن يشهدوا مشهداً يجب أن يشهده الناس. وقد دفع محمد بن نصر مع المزدحمين وأسرع مع المسرعين، لم يكن له في ذلك رأي أول الأمر، ولكنه لم يلبث أن حمد ما أدركه من ذلك، فمضى مع الماضين مختاراً لا كارهاً، وحرص على أن ينتهي إلى حيث كانوا يريدون أن ينتهوا. وقد سمع في أثناء ذلك ما سمع، ورأى ما رأى، وامتلأ قلبه بالعظات والعبر، وشغل عقله بالتفكير المتصل العميق، حتى إذا تفرق الناس وكلهم يملأ نفسه العجب عاد إلى صاحبه يحدثه بما سمع ويحدثه بما رأى، ويبدأ حديثه بهذا الكلام الذي أوجزته لك آنفاً فلما سأله صاحبه عما به قال: لقد شهدت اليوم أمرا عظيما: شهدت جنازة رجلا ملأ قلوب الناس حبا وبغضا، ورضى وسخطا، وأثار في نفوسهم كثيرا من الحفيظة، بل حفيظة لا تنتهي، وأثار في نفوس الناس كذلك إعجاباً وإكباراً، وأطلق ألسنة الناس بالذم الشنيع، وأطلق ألسنة الناس بالثناء الكثير، ورسم على وجوه الناس آثار الموجدة المنكرة، ورسم على وجوه الناس كذلك آثار الاعتراف بالجميل، ورسم على وجوههم بين ذلك ابتسامات فيها سخرية وازدراء، وفيها عطف وإشفاق؛ ثم رأيت الناس يعودون من تشييعه إلى قبره، وإن الحيرة لتملأ قلوبهم، وإن الشك ليضطرب في نفوس كثير منهم، وإنهم على هذت كله ليقولون فيما بينهم مثل ما كنت أقوله لك منذ حين، وانهم على هذا كله ليظهرون الثقة بحكمة الله البالغة والاطمئنان إلى عفوه الذي ينال به من يشاء.
قال عمير بن عبد الله: ما رأيت كاليوم رجلا يؤثر التلميح على التصريح، ويقصد إلى الغموض دون الوضوح، فحدثني بحديثك لا أبا لك ولا تطل، فما تعودت منك إطالة ولا
стр. 7765
إملالاً. قال محمد بن نصر: فالله يعلم ما آثرت تلميحاً، ولا اجتنبت تصريحاً، ولا قصدت إلى غموض، ولا تنكبت وضوحاً، وإنما أصور لك نفسي كما أجدها، وما أدري كيف أتحدث إليك بهذا الحديث، وما أعرف من أين آخذه. آخذه من مبتدئه أم آخذه من منتهاه، أم آخذه مما بين ذلك، فإن كل موضوع منه تملؤه العبرة والعظة، وتظهر فيه هذه الروعة التي تتأثر لها القلوب، وتفكر فيها العقول. إنه رجل لم يعرف الناس من أول أمره إلا أنه كان عبد حبشياً لسيد من سادات قريش في مكة، هو جبير بن مطعم، وكانوا يرونه فتى شديد البأس عظيم الأيد شجاعاً جريئاً، يعمل لسيده فيما يعمل فيه الرقيق، ولو أن الرق لم يعرض له لكان خليقاً أن يسود في بلده وبين قومه هؤلاء السود. ولكن الرق عرض له كما عرض لكثير من أشراف الروم والفرس فألقاه إلى هذا الحي من قريش، وفرض عليه ما يفرض على الأرقاء، من الخنوع، والخضوع، ومن الذلة والهوان، ومن العمل فيما لا يعمل فيه أصحاب النجدة والمروءة من الناس. وكان هذا الفتى ضيقا بحياته أشد الضيق، منكراً لها أعظم الإنكار، جامحاً حين يتاح له الجموح، شامساً حين يتهيأ له الشموس، لا يخفي بغضه للرق وطمعه في الحرية مهما يكلفه ذلك من غضب سادته وزجرهم، ومن إعناتهم له وإلحاحهم عليه بالإعنات. وكانت قريش قد لقيت من النبي ﷺ وأصحابه جهدا شديداً يوم بدر، وفقدت جماعة من سادتها وأشرافها، وذاقت الهزيمة المنكرة، وذاقت فقد الأحياء، وذاقت هذا الذل الذي يكره العرب أن يذوقوه، ذل الموتور الذي لم يدرك وتره؛ وكانت قريش تتجهز لإدراك الوتر والأخذ بالثأر، وشفاء حزازات النفوس، وإرضاء قتلاها من أهل الحفير؛ وكان جبير بن مطعم قد فقد عمه طعيم بن عدي يوم بدر، وكان حريصا على أن يثأر به وينتقم له من قاتله. ولم يكن قاتله إلا حمزة ابن عبد المطلب عم النبي، وأسد الله، وشجاع قريش، وحامل لواء المسلمين لأول ما عقد اللواء. قال عمير بن عبد الله: فإنك إنما تتحدث عن وحشي، فما خطبه وما الصلة بينه وبين هذا الرجل الذي شهدت جنازته اليوم؟ قال محمد بن نصر: فان هذا الرجل الذي شهدت جنازته منذ اليوم هو وحشي نفسه. قال عمير: ليتني عرفت مكانه من هذه المدينة حين أقبلت إليها إذن لسعيت إليه، ولسمعت منه، ولسألته عن بلائه ذلك المنكر. قال محمد بن نصر: وكذلك قلت لنفسي أنا منذ حين، ولكني رأيت من رآه، وسمعت ممن سمع منه، ولقد رأى من رآه رجلا
стр. 7766
كان خليقاً أن يرى، وأن الذين سمعوا ليتحدثون من أمره بالأعاجيب. قال له سيده حين أجمعت قريش أمرها: إني أرى شوقاً إلى الحرية وكلفك بها، وإسرافك في الجموح، وامتناعك عما لا ينبغي لمثلك أن يمتنع عنه من الطاعة والإذعان لمواليه، وإني أعرض عليك هذه الحرية التي تهواها، فان شئت فأد ثمنها، وما أظنك تفعل. قال العبد: فقد شئت أن أؤدي إليك ثمن هذه الحرية لو أني أستطيع أن أبلغه في جو السماء أو أقصى الأرض. قال جبير: فإنه أدنى إليك من ذلك، إنه في يثرب، فاذهب مع قريش في حربها هذه التي تتجهز لها، ثم عد إلي بمقتل حمزة وأنت بعد ذلك طليق.
قال العبد: أما إني ذاهب مع قريش فعائد إليك بمقتل صاحبك أو لاق من دون ذلك الموت فهو أهون على وآثر عندي من حياة الرقيق.
ولقد سمع الناس منه حديثه عن ذلك البلاء المنكر الذي أبلاه يوم أحد، وما أرى أنك تعرف كما أعرفه، فقد أخذ يرقب حمزة، وهو يقوم من المسلمين مقام الأسد يذود عن أشباله، يهز الجيش بسيفه هزاً، والناس يرونه من بعيد كأنه الجمل الأورق، فتمتلئ قلوبهم لمنظره رعباً، وينصرفون عن موقفه انصرافاً، وهو يتحداهم ويدعو فرسانهم ومغاويرهم. والعبد قائم قد استتر عنه بشجرة ينظر إليه ويرتقب غفلته، وحمزة لا يراه ولا يحس بمكانه. فلما أمكنته الفرصة هز حربته حتى رضي عنها، ولم يكن له بغير الحربة من السلاح علم، فلما تهيأت له الرمية رمي، وإذا الحربة تصيب حمزة في مقتل فيخر صريعاً، والعبد قائم مكانه لا يريم، يرقب أسد الله صريعاً بعد أن كان يرقبه جائلاً في الميدان؛ فلما استوثق من أن صريعه قد قضي عليه أقبل يسعى إليه، فانتزع حربته ثم عاد إلى المعسكر فأقام فيه. لم يصنع قبل مقتل حمزة شيئاً، وما يعنيه هذه الحرب بين قريش والأنصار، وإنما أقبل يشتري حريته بمقتل هذا الرجل العظيم، وقد ظفربما أراد، فانتظر قفول قريش إلى مكة، ولم يشهد ما كان تمثيل هند وصاحباتها بعم النبي، ولم يشهد ما كان من حزن النبي حين رأى عمه في منظر لم ير ﷺ قط منظرا أوجع له وأثقل عليه منه. ولم يسمع العبد نذير النبي حين أقسم لأن أظفره الله على قريش ليمثلن منهم بسبعين مثله لم تعرفها العرب قط، ولم يعلم العبد أن النبي قد رد عن ذلك رداً، وأن الله قد أنزل في ذلك قرآنا، وإن النبي قد تلا قول الله (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن
стр. 7767
صبرتم لهو خير للصابرين. واصبر وما صبرك إلا بالله، ولا تحزن عليهم ولاتك في ضيق مما يمكرون. إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون).
ولم يعلم العبد أن النبي فد اضطر إلى أن يكفر عن يمينه، ثم لم يعلم العبد أن النبي قد عاد إلى المدينة محزوناً أسفاً، فلما سمع نساء بني الأشهل يبكين قتلاهن قال: ولكن حمزة لا بواكي له! وسمع ذلك منه الأنصار، فأرسلوا نساءهم يبكين حمزة عند بيت النبي، وخرج نساء النبي فبكين معهن حتى ردهن النبي داعياً لهن، ثم أصبح فنهى عن البكاء.
لم يعلم العبد من هذا شيئاً، وماذا يعنيه من هذا، إنما كان يريد حريته وقد بلغها، وماذا صنع البائس بحريته؟ لم يعد إلى بلده، وكيف سبيل العودة إليها؟ ولم يسد في مكة، وكيف إلى السيادة فيها؟ إنما عاش بين قريش حراً كالعبد، وطليقا كالأسير. نعم لم يعد العبد بشيء من هذا، ولكنه علم ذات يوم أن جيوش المسلمين مقبلة على مكة، ورأى ذات صباح جيوش المسلمين تدخل مكة، واستيقن العبد أنه مقتول إن ظفر به المسلمون، ففر وانطلق في الأرض يلتمس لنفسه مأمناً فلا يجده. هؤلاء المسلمون ينتصرون على العرب يوم حنين، وهذه أرض العرب كلها تذعن للنبي، فأين الملجأ من الله؟ لقد آوى العبد إلى الطائف يتهيأ للسفر إلى المدينة، وما هي إلا أيام حتى تذعن الطائف لما أذعنت له مكة. والآن يفكر العبد في مهاجرة البلاد العربية كلها. ولكن كيف السبيل إلى الهجرة؟ لقد أُخذت عليه سبيل الحبشة، وأُخذت عليه سبيل الروم، وانبسط سلطان النبي على الشمال والجنوب. لقد كانت الهجرة ميسورة قبل الآن. فأما الآن فقد تقطعت من دونها الأسباب.
هنالك يلقي بعض الناس في نفس العبد أن النبي لم يقتل قط رجلاً جاء مسلماً؛ وأن النبي ذات يوم لجالس بين أصحابه، وإذا رجل قائم على رأسه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ وينظر النبي فيرى العبد فيعرفه، ولكن الله قد عصم دمه بالإسلام، وما قتل النبي قط رجلا جاءه مسلماً، وان كان قد قتل عمه حمزة. فيأمر النبي ذلك العبد أن يجلس ويحدثه كيف قتل عمه؛ وهذا العبد قد جلس وهو يعيد على النبي بلاءه المنكر، وحديثه يملأ قلب النبي حزناً ولوعة وأسى؛ والعبد بين يديه، لو أراد لأرضى حزنه ولوعته بمصرعه، ولكن أنّى له ذلك وقد أعتصم العبد بالإسلام؟
وقد آثر النبي أن يعفو، وآثر أن يصبر. أليس قد عفا عن هند وقد مثلت بعمه ولاكت كبده،
стр. 7768
وجدعت أنفه وأذنيه؟ فما له لا يعفو عن عبد مأمور؟ ولكنه قال للعبد: غيب وجهك عني، فجعل العبد لا يرى رسول الله إلا تنكب طريقه واجتنب لقاءه.
وعاش وحشي في المدينة حراً كالعبد، وطليقا كالأسير، وجعل الندم يحز في قلبه حزاً، ويمزق فؤاده تمزيقا، يؤرقه إذا دنا الليل، ويعذبه إذا أقبل النهار.
ولكن العرب يرتدون، ويذهب خالد بن الوليد لقتال مسيلمة، وهذا العبد يذهب معه ليقاتل في سبيل الله بعد أن كان يصد عن سبيل الله.
وهذا العبد يهز حربته ذات يوم كما هزها يوم أُحد، ويتهيأ ليرميها كما تهيأ يوم أُحد، وإذا هي تصيب رجلا فتصرعه، وإذا الحربة التي قتلت حمزة قد شاركت في قتل مسيلمة، وإذا وحشي قد قتل خير الناس، وقتل شر الناس. وقد عفا النبي عن قاتل عمه، وعفا الناس عن قاتل أسد الإسلام، ولكن نفس وحشي لم تعف عن وحشي، ولكن دم مسيلمة لم يغسل من نفسه دم حمزة. وهذا العبد الحر يمضي مع جيوش المسلمين غازياً فيقاتل الروم وينتصر مع المنتصرين، ويستقر مع المستقرين في مدينة حمص هذه. ولكن بلاءه أيام الردة وبلاءه أيام الفتح، وما أحتمل هذا كله من جهد، وما ناضل في هذا كله عن الإسلام، لم تغسل عن نفسه دم حمزة، ولم تبرئ نفسه من الندم لمقتل حمزة؛ ولم يبلغ الإسلام من قلب هذا الرجل ما بلغ من قلوب كثير من الناس فيمحو من قلبه ما قدم في جاهليته، وإذا هو يستعين على الندم بالخمر، وإذا هو يشرب ويسرف في الشرب، وإذا هو يضرب في الشراب فلا يمنعه الحد من معاودة الشراب، وإذا هو معروف في أهل حمص بما قدم من خير وشر، وإذا هو معروف في أهل حمص بسكره إذا سكر، وبصحوه إذا صحا، وإذا هو يسكر حتى يصبح مخوفاً على من يدنو منه، حتى يصبح عاقلاً حلو الحديث. والندم يلح عليه حتى يبغضه إلى نفسه تبغيضاً، ويصرفه عن الصحو صرفاً، وكلما مضت الأيام ازداد إمعاناً في الشراب، والسن تتقدم به، وجسمه يضعف شيئاً فشيئاً، وعقله يذهب قليلاً قليلاً، والندم ماثل مع ذلك في نفسه، ملم بداره، يأخذه من كل وجه، وهو لا يجد سبيلاً إلى الفرار منه إلا إلى الشراب، وهو يُضرب في الشراب، وقد ضعف وفني فلا يحتمل الضرب فيموت. ونشهد جنازته اليوم.
أرأيت أني لم أكن ملمحاً ولا مؤثراً للغموض حين كنت أحدثك بما كنت أحدثك به من هذّه
стр. 7769
العواطف المختلفة التي كانت تثيرها جنازته في نفوس الناس. قال عمير: أشهد أن حكمة الله بالغة، وأن الرجل الرشيد خليق أن يتعظ بما فهم من قضاء الله، وأن يطمئن إلى عدل الله وعفوه إذا أشكلت عليه الأمور. قال محمد بن نصر: فإني لا أعرف شيئا يغسل عن النفس إثمها وينقيها من السيئات كهذا الذي نحن فيه من جهاد عدو الله ما وجدنا إلى هذا الجهاد سبيلاً.
طه حسين
стр. 7770
حول الهجرة
للأستاذ محمد أحمد الغمراوي
تحتفل (الرسالة) اليوم بذكرى حادث كريم لم يكن بعد النبوة أعظم ولا أبعد أثراً منه في تاريخ الإسلام بل في تاريخ الإنسانية. فلولا الهجرة ما ظهر الإسلام ولا غلب على جزيرة العرب، ثم على أهم مواطن نصف الكرة الشمالي من الأرض. ولولا ظهور الإسلام، وما استلزمه من جهاد في سبيل الله، وما أنزله الله من هدى يهدي به المجاهدين سبله، لحُرم الإنسان ذلك الهدى، ولظل في أموره موكلاً إلى نفسه، لا يكاد في السلم يقف عند حد في طلب اللذة، ولا يكاد في الحرب، كما تشهد الحرب العظمى، يقف عند حد في إتيان ما يظن أنه يكفل له النصر. فالعهد الذي كان في الإسلام قبل الهجرة إنما هيأه الله ليؤدي بقدر منه إلى الهجرة، ثم إلى ما كان في حياة الرسول بعد الهجرة. وهو إلى ذلك كان عهد تشريع من الله على يدي رسوله للناس فيما ينبغي أن يفعلوه إذا كانوا في حالة من الضعف لا يملكون معها من أمورهم إلا القليل: يصابرون في سبيل الله ويصبرون ما استطاعوا، ويهاجرون إن استطاعوا بدينهم في سبيل الله إلى حيث يمكنهم أن يقيموا دينهم آمنين، فإن أمكنتهم بعد ذلك قوة يستطيعون بها الدفاع عن دينهم ولو بالسلاح، فقد وجب الدفاع. إنما عليهم في كل ذلك، مهما يكن الحال، أن يستمسكوا بدينهم كما يتمسك الغريق بحبل النجاة.
والعهد الذي كان في النبوة بعد الهجرة كان، فيما كان، عهد تشريع من الله على يدي رسوله للناس فيما يجب عليهم وما ينبغي لهم في حال القوة، سواء أكانت قوة ناشئة قد حيا لها الأعداء أم كانت قوة غالبة قد مكن الله لأهلها في الأرض، فلم تبق يد أعلى من أيديهم، ولا كلمة تنافس كلمتهم في الرفعة والسلطان. وفيما بين هذين الحالين أحوال تنقلب فيها الأمم الناشئة، لولا الهجرة ما عرف الإنسان سنن الله في مثلها ولا طريق الفلاح فيها.
فالهجرة إذا شئت هي نقطة الانقلاب من الضعف إلى القوة لا في تاريخ شعب فحسب، ولكن في تاريخ دين شاءت رحمة الله بالبشر أن يمن عليهم به ليعرفوا ما لم يكونوا لولاه ليعرفوه من سنن الله في الإنسانية بحذافيرها، ولا فيما يتعلق بالفرد فقط، فقد كان فيما أنزل الله قبل الإسلام من دين ما يكفي لأن ينجو به الفرد مما يتهدد نفس الفرد من أخطار، ولكن فيما يتعلق بالمجموع على الأخص، أي فيما يتعلق بالإنسان من حيث هو أمم وشعوب، ثم
стр. 7771
من حيث هو جنس واحد، أبدعه إله واحد، وجعل طريق بلوغه أعلى غاياته التي قدرت له في التعاون في الله والاجتماع، لا في العزلة والافتراق.
ولعل هذه الناحية هي الفرق الأكبر بين الإسلام وبين ما قبله من الأديان التي أنزلها الله. بالأديان قبل الإسلام هدى الله الإنسان من حيث هو فرد ومن حيث هو جماعة منعزلة؛ وبالإسلام هدى الله الإنسان من حيث هو فرد ومن حيث هو جماعة منتشرة متصلة، ثم من حيث هو جنس حياته ورقيه في اتباع سنن الفطرة التي فطر الله الناس عليها وفطر الكون. وكان عهد التشريع الإلهي للجماعة العامة هو ما بعد الهجرة، وعهد التشريع للفرد كان فيما قبل الهجرة، ثم فيما بعد الهجرة ضمن دائرة الجماعة. فكأن الله سبحانه أراد أن يكمل للإنسانية دينها في الإسلام، ويجمع لها فيه الدين كله، جعل الإسلام عهدين يكادان يتساويان: عهد الفرد قبيل الهجرة، وعهد الجماعة بعد الهجرة. فقبل الهجرة كان عهد التضحية في سبيل الله من الناحية الفردية البحتة كما كان يحدث في الأديان التي قبل، كالنصرانية. وبعد الهجرة كان عهد تكون الجماعة وتطورها إلى جماعة كاملة تسير في الاجتماعات طبق الفطرة: قانونها كتاب الله، ولا حكم فيها ولا سلطان عليها إلا الله. فتاريخ النبي ﷺ يمثل تاريخ الأنبياء قبله في شطره، ويختص ويمتاز في الشطر الآخر، وبالشطر الآخر. فهو مبدئه إلى منتهاه يمثل تاريخ ترقي الله بالإنسان في الدين، كما يقولون إن تاريخ خلق الله الإنسان يتمثل في خلق الجنين.
إن الإنسان خارج دائرة الدين لا يزال يتخبط في الاجتماعيات إلى الآن. قد استطاع في عهده الحديث أن يتوصل إلى كثير من سنن الله فيما ليس بإنسان، أما سنن الله في الإنسان خصوصاً من الناحية الاجتماعية فلا يكاد يعرف منها شيئاً يقينياً، وما يسميه علم الاجتماع، على ضيق مداه، أكثره آراء ولا تزال تنتظر التمحيص. ومن عجب لطف الله بالإنسان أن وكله إلى نفسه فيما لا يتعلق بالروح، ولم يكله إلى نفسه فيما يتعلق بالروح. وكله إلى نفسه في العلوم الطبيعية فلم يرسل رسولاً يعلم الناس حقائق العلم، وإن لهم على طريق التوصل إلى ذلك بأنفسهم في كثير من آيات القرآن في معرض التذكير والتعريف به سبحانه. لكنه لم يكله في أمر الروح إلى نفسه، وإلا لقضي على أجيال كثيرة من الأرواح، إن لم يكن على جميع أجيالها، بالهلاك. ترك الإنسان يتواصل بمجهوده وتجاربه إلى سنن الله في كل
стр. 7772
محسوس تستطيع أن تتناوله تجارب الإنسان، لكن ما لا تستطيع أن تتناوله التجارب مما يتعلق بنفس إنسانية الإنسان فقد اقتضت حكمة الله سبحانه ورحمته أن يتولاه هو من الإنسان، لا بتعريفه بتلك السنن كما نعرف أمثالها في العلوم، ولكن بتيسيره للإنسان الاستفادة من تلك السنن كما لو كان محيطاً بها، خبيراً بطرق تطبيقها على نفسه وعلى مجتمعه. وما الدين إلا النظام العملي الكامل لحياة الإنسان طبق الفطرة التي فطرها سبحانه عليها. والفرصة بعد فسيحة أمام الإنسان ليعرف قوانين تلك الفطرة بالبحث والنظر إذا شاء وإذا سلك إليها الطريق. ولكن سبيل ذلك التجارب يجريها الفرد في معمله، لأنه إن استطاع أن يخضع المادة والطاقة بل والخلية الحية في معمله للتجربة فلن يستطيع أن يخضع الروح لمثل ذلك. وإن استطاع ذلك إلى حد لا يكاد يذكر في امتحان الفرد، فلن يستطيع ذلك إلى حد ما في الجماعة. لا. ليس طريق الوصول إلى سنن الله في الاجتماعيات التجربة العلمية، إنما سبيل ذلك النظر العلمي في تاريخ الأنبياء، وفي شرع الله بواسطة الأنبياء للناس. حوادث ذلك التاريخ وأحكام الله كما تبينها أفعال أنبيائه، وكما تنطق بها كتبه المنزلة، هي المادة التي يجب أن يستخلص منها سنن الله في الناس، كما إن نتائج التجارب العلمية هي المادة التي يستخلص منها سنن الله في غير الإنسان. وكل الذي يتطلبه العلم في هذا، إذا قدر أن يتجه العلم هذا الاتجاه، هو صدق المادة؛ هو صحة حوادث التاريخ وصحة نسبة الأحكام. ولا أدري إلى أي حد ممكن الاعتماد الآن على ما كان قبل الإسلام من ذلك، إنما الذي أدريه أن ما كان في الإسلام من ذلك ممكن الاعتماد عليه كل الاعتماد. ممكن الاعتماد على ما ضبط وصحح من حوادث النبوة وأفعال الرسول وهو شيء كثير، أما القرآن فهو المعين الذي لا يغيض، والكنز الذي لا يفنى، والكتاب الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد).
لكن العلم لن يستطيع الانتفاع بذلك أو يؤمن، وأظن العلم يقترب شيئاً فشيئاً من الإيمان.
محمد أحمد الغمراوي
стр. 7773
قصة المكروب كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم
بستور غزاة المكروب
مات اسبلزاني، وجاء ثلث قرن من بعد وفاته وقف فيه البحث عن المكروب وقوفاً تاماً، ونسى الناس تلك الأحياء واستصغروا أمرها، واتجهوا بهمهم إلى علوم أخرى كانت تخطو في طريق التقدم خطوات سريعة وكانت القطر البخارية قد أخذت تشق طريقها في البلاد، ضخمة دميمة، تسعل كالمصدور فتفرغ الخيل والبقر في أوروبا وأمريكا. والتلغراف كاد يهم بالظهور. واخترعت مكرسكوبات عجيبة، ولكن لم يتقدم رجل للتحديق فيها ليثبت للدنيا أن هذه المكروبات الضئيلة تستطيع أن تقوم من العمل النافع المجدي ما لا تستطيعه تلك القاطرات المعقدة الفظيعة - لم يتقدم أحد ليقول للناس، ولو إيحاء وتلميحاً، إن هذه الخلائق تستطيع قتل الملايين من البشر في خفاء وسكون، وأنها في قتلها أكثر حصاداً من الجيلوتين، وأبعد مدى من مدافع واترلو
في يوم من أيام أكتوبر عام ١٨٣١، بقرية من قرى الجبال بشرق فرنسا، تجمهر نفر من أهل القرية على دكان حداد. وكان الفزع يبدو على وجوههم الشاحبة، وكان الهلع يستبين في أحاديثهم الخافتة، وقد حولوا جميعا وجوههم شطر الحداد بداخل المكان. وإذا بطشيش يسمع كطشيش الشواء، وإذا بصراخ يعقبه من تباريح الألم مكظوم، وإذا بطفل في التاسعة يخرج من حافة الزحام هارباً إلى بيت أبويه وقد أخذ منه الرعب ما أخذ. أما الرجل المسكين الذي أنضج الحديد لحمه ففلاح يدعى نقولا لقيه في الطريق ذئب هائج مسعور، نزل على القرية يعوي عواء المجنون، ويزبد فاه برغاء مسموم، فهجم على صاحبنا فمزقه تمزيقاً. وأما الطفل الهارب فكان اسمه لويس بستور ابن دباغ في أربوا وحفيد خادم عبد لكونت أدريسييه
ومضى على هذا المشهد أسابيع سقط فيها ثمانية رجال فريسة لداء الكلب، وعانوا ما عانوا من جفاف الحلق، وضيق الخناق، وجنون النفس، وصرخوا طويلا فترددت أصداؤهم في أذن صاحبنا الطفل، فارتاع فأسماه بعض القوم جباناً، وانطبع في ذاكرته أثر الكي الذي رآه وسمعه في دكان الحداد انطباع الحديد في لحم ذلك الفلاح البائس.
стр. 7774
وسأل لويس أباه: (ما الذي يصيب الكلاب والذئاب بالجنون؟ ولم يموت الناس بعضة منه؟). وكان أبوه في زمان مضى جاويشاً قديماً في جيش نابليون، فرأى عشرات الألوف من الناس تمون من الرصاص، ولكنه لم يدر لم يموت الناس من الأمراض.
فكنت تسمع هذا الدباغ التقي يجيب ابنه السائل فيقول: (من الجائز يا بني أن شيطاناً من الشياطين دخل جلد الذئب، وإذا قضى الله لك بالموت فلا مرد لقضائه). هذا جواب، لو تأملته لوجدته على بساطته كأحسن ما يجيب به أكثر العلماء حكمة، وأغلى الأطباء أجوراً. ولم يكن أحد يعرف في عام ١٨٣١ لم يموت الناس من عضة الكلب المسعور، فأسباب هذا المرض كانت غامضة مجهولة.
أنا لا أحاول أن أدخل في روعك أن هذا الحادث الذي وقع لـ (بستور) في صباه كان السبب الذي حدا به في رجولته إلى كشف سبب هذا الداء وكشف علاجه. إذن لزاد هذا في جمال قصتنا، وكان كذباً وبهتاناً. ولكن الحق أن هذا الحادث راعه طويلاً، ولزمته ذكراه الأليمة طويلاً، وتفكر فيه طويلاً. والحق أنه أحس ريح الشواء تصعد من لحم الفلاح إلى أنفه إحساساً أشد ألف مرة ممن أحسوها، وأنه سمع صراخه فنفذ في نفسه إلى أغوار أبعد من أغوار الآخرين ممن سمعوها، واختصارا أريد أن أقول إن هذا الصبي كان مجبولاً من تلك الطينة التي يجبل منها الفنانون، وان ذلك الفن فيه عاون علمه يداً بيد في إخراج تلك المكروبات إلى الوجود بعد انزوائها مرة أخرى بوفاة (اسبلنزاني). ولا أحجم عن القول إن (بستور) في السنوات العشرين الأولى من حياته لم تظهر عليه شارة تنبئ بمصيره بحاثاً كبيراً، فإنه قضاها طفلاً جلداً ٠على الشغل، ذا عناية بما يعمل، ولكن عين الناظر المتفقد لم تكن تقف عنده طويلاً. وكان يقضي فراغه في التصوير، فكان يصور النهر الذي يجري بجوار المدبغة، وكان يصور أختيه فيثبتان له ساعات حتى تتصلب أعناقهما، وتتوجع ظهورهما. وصور أمه صورا قاسية، ليس فيها من الملق شيء، وليس فيها من الجمال شيء، ولكنها أشبهت أمه.
وفي هذه الأثناء أهمل الناس حيوانات (اسبلنزاني) الصغيرة حتى نسوها، وقام العالم السويدي (لينيأس) يقسم الأحياء ويبوب أجناسها، فيجعل لكل جنس جذاذة، ويجعل من الجذاذات فهرساً عظيماً، حتى إذا جاء إلى تلك الأحياء الصغيرة، رفع يديه يأساً منها، قال:
стр. 7775
(إنها أحياء شديد صغرها، مختلط أمرها، وستظل على إنبهامها، وإذن فلأضعها في باب الأشتات الغامضة). ولم تجد تلك الأحياء من يدفع عنها، ويتحدث بالحسنى عنها، غير ايرنبرج ذلك الألماني الشهير، ذو الوجه البض المليء، فانه في الوقت الذي لم يكن فيه يقطع المحيطات أو يمنح الأوسمة والمكافآت، كان يشتبك في مجادلات عقيمة عن هذه الحيوانات: ألها أمعاء كسائر الحيوان؟ أهي حيوان كامل الأعضاء، أم هي بعض صغير من كل كبير؟ أم هي ليست بحيوان قط، بل نبات؟
ظل (بستور) يكد في الدراسة ويكب على القراءة، وبدأت تظهر عليه وهو في كلية (أربو) سمات، وتتراءى في خلقه صفات، بعضها حسن وبعضها قبيح، ولكنها جميعاً خلقت منه شخصا التقت فيه المتناقضات بقدر لم تلتق على مثله في سواه. فقد كان أصغر التلاميذ في المدرسة، ومع ذلك أراد أن ينصب نفسه عليهم قيماً. كانت به رغبة شديدة في تعليم غيره من الأولاد، وعلى الأخص في حكمهم والسيطرة عليهم. ونال أمنيته فنصبوه قيماً. وقبل بلوغه العشرين ارتقى إلى منصب أشبه بمساعد في كلية بيزانسون وأجهد نفسه في العمل إجهاداً مريعاً. وأراد كل من حوله على أن يعملوا بمقدار ما يعمل. وكتب إلى أختيه المسكنتين كتباً شديدة اللهجة، بارعة الأسلوب، يحضهما فيها على العمل، وقد كانتا - طيب الله ثراهما - تبذلان كل ما في وسعهما من مجهود.
كتب إليهما يقول: (أختي العزيزتين، إن العزيمة شيء عظيم، لأن العزيمة يتبعها العمل، والعمل يتبعه النجاح دائماً، إلا في القليل النادر. وهذه الأمور الثلاثة - الإرادة، والعمل، والنجاح - تملأ الوجود الإنساني. فالعزيمة العزيمة، والعمل العمل، فسيفتحان لكما أبواب السعادة والمجد. إن الطريق الطويل المجهد في آخره خير الجزاء عما صب الإنسان على ترابه من عرق، وأحفى فيه من قدم).
تلك عظاته الأولى في شبابه، وهي من عظاته الأخيرة عند ما بلغ السبعين - عظات بسيطة، ولكنها كانت تخرج من قلبه.
وبعث به أباه إلى باريس، إلى مدرسة النرمال، فاعتزم أن يقوم هناك بأعمال كبيرة، ولكنه أحس حنيناً أليماً إلى وطنه، وإلى روائح المدبغة التي خلف في بلده، فعاد إليها تاركاً في باريس آماله وأحلامه. . . ولكنه لم يغيب عنها طويلاً، فإنه رجع إلى باريس بعد عام، إلى
следующие страницы →