Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.
стр. 7771
من حيث هو جنس واحد، أبدعه إله واحد، وجعل طريق بلوغه أعلى غاياته التي قدرت له في التعاون في الله والاجتماع، لا في العزلة والافتراق.
ولعل هذه الناحية هي الفرق الأكبر بين الإسلام وبين ما قبله من الأديان التي أنزلها الله. بالأديان قبل الإسلام هدى الله الإنسان من حيث هو فرد ومن حيث هو جماعة منعزلة؛ وبالإسلام هدى الله الإنسان من حيث هو فرد ومن حيث هو جماعة منتشرة متصلة، ثم من حيث هو جنس حياته ورقيه في اتباع سنن الفطرة التي فطر الله الناس عليها وفطر الكون. وكان عهد التشريع الإلهي للجماعة العامة هو ما بعد الهجرة، وعهد التشريع للفرد كان فيما قبل الهجرة، ثم فيما بعد الهجرة ضمن دائرة الجماعة. فكأن الله سبحانه أراد أن يكمل للإنسانية دينها في الإسلام، ويجمع لها فيه الدين كله، جعل الإسلام عهدين يكادان يتساويان: عهد الفرد قبيل الهجرة، وعهد الجماعة بعد الهجرة. فقبل الهجرة كان عهد التضحية في سبيل الله من الناحية الفردية البحتة كما كان يحدث في الأديان التي قبل، كالنصرانية. وبعد الهجرة كان عهد تكون الجماعة وتطورها إلى جماعة كاملة تسير في الاجتماعات طبق الفطرة: قانونها كتاب الله، ولا حكم فيها ولا سلطان عليها إلا الله. فتاريخ النبي ﷺ يمثل تاريخ الأنبياء قبله في شطره، ويختص ويمتاز في الشطر الآخر، وبالشطر الآخر. فهو مبدئه إلى منتهاه يمثل تاريخ ترقي الله بالإنسان في الدين، كما يقولون إن تاريخ خلق الله الإنسان يتمثل في خلق الجنين.
إن الإنسان خارج دائرة الدين لا يزال يتخبط في الاجتماعيات إلى الآن. قد استطاع في عهده الحديث أن يتوصل إلى كثير من سنن الله فيما ليس بإنسان، أما سنن الله في الإنسان خصوصاً من الناحية الاجتماعية فلا يكاد يعرف منها شيئاً يقينياً، وما يسميه علم الاجتماع، على ضيق مداه، أكثره آراء ولا تزال تنتظر التمحيص. ومن عجب لطف الله بالإنسان أن وكله إلى نفسه فيما لا يتعلق بالروح، ولم يكله إلى نفسه فيما يتعلق بالروح. وكله إلى نفسه في العلوم الطبيعية فلم يرسل رسولاً يعلم الناس حقائق العلم، وإن لهم على طريق التوصل إلى ذلك بأنفسهم في كثير من آيات القرآن في معرض التذكير والتعريف به سبحانه. لكنه لم يكله في أمر الروح إلى نفسه، وإلا لقضي على أجيال كثيرة من الأرواح، إن لم يكن على جميع أجيالها، بالهلاك. ترك الإنسان يتواصل بمجهوده وتجاربه إلى سنن الله في كل
стр. 7772
محسوس تستطيع أن تتناوله تجارب الإنسان، لكن ما لا تستطيع أن تتناوله التجارب مما يتعلق بنفس إنسانية الإنسان فقد اقتضت حكمة الله سبحانه ورحمته أن يتولاه هو من الإنسان، لا بتعريفه بتلك السنن كما نعرف أمثالها في العلوم، ولكن بتيسيره للإنسان الاستفادة من تلك السنن كما لو كان محيطاً بها، خبيراً بطرق تطبيقها على نفسه وعلى مجتمعه. وما الدين إلا النظام العملي الكامل لحياة الإنسان طبق الفطرة التي فطرها سبحانه عليها. والفرصة بعد فسيحة أمام الإنسان ليعرف قوانين تلك الفطرة بالبحث والنظر إذا شاء وإذا سلك إليها الطريق. ولكن سبيل ذلك التجارب يجريها الفرد في معمله، لأنه إن استطاع أن يخضع المادة والطاقة بل والخلية الحية في معمله للتجربة فلن يستطيع أن يخضع الروح لمثل ذلك. وإن استطاع ذلك إلى حد لا يكاد يذكر في امتحان الفرد، فلن يستطيع ذلك إلى حد ما في الجماعة. لا. ليس طريق الوصول إلى سنن الله في الاجتماعيات التجربة العلمية، إنما سبيل ذلك النظر العلمي في تاريخ الأنبياء، وفي شرع الله بواسطة الأنبياء للناس. حوادث ذلك التاريخ وأحكام الله كما تبينها أفعال أنبيائه، وكما تنطق بها كتبه المنزلة، هي المادة التي يجب أن يستخلص منها سنن الله في الناس، كما إن نتائج التجارب العلمية هي المادة التي يستخلص منها سنن الله في غير الإنسان. وكل الذي يتطلبه العلم في هذا، إذا قدر أن يتجه العلم هذا الاتجاه، هو صدق المادة؛ هو صحة حوادث التاريخ وصحة نسبة الأحكام. ولا أدري إلى أي حد ممكن الاعتماد الآن على ما كان قبل الإسلام من ذلك، إنما الذي أدريه أن ما كان في الإسلام من ذلك ممكن الاعتماد عليه كل الاعتماد. ممكن الاعتماد على ما ضبط وصحح من حوادث النبوة وأفعال الرسول وهو شيء كثير، أما القرآن فهو المعين الذي لا يغيض، والكنز الذي لا يفنى، والكتاب الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد).
لكن العلم لن يستطيع الانتفاع بذلك أو يؤمن، وأظن العلم يقترب شيئاً فشيئاً من الإيمان.
محمد أحمد الغمراوي
стр. 7773
قصة المكروب كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم
بستور غزاة المكروب
مات اسبلزاني، وجاء ثلث قرن من بعد وفاته وقف فيه البحث عن المكروب وقوفاً تاماً، ونسى الناس تلك الأحياء واستصغروا أمرها، واتجهوا بهمهم إلى علوم أخرى كانت تخطو في طريق التقدم خطوات سريعة وكانت القطر البخارية قد أخذت تشق طريقها في البلاد، ضخمة دميمة، تسعل كالمصدور فتفرغ الخيل والبقر في أوروبا وأمريكا. والتلغراف كاد يهم بالظهور. واخترعت مكرسكوبات عجيبة، ولكن لم يتقدم رجل للتحديق فيها ليثبت للدنيا أن هذه المكروبات الضئيلة تستطيع أن تقوم من العمل النافع المجدي ما لا تستطيعه تلك القاطرات المعقدة الفظيعة - لم يتقدم أحد ليقول للناس، ولو إيحاء وتلميحاً، إن هذه الخلائق تستطيع قتل الملايين من البشر في خفاء وسكون، وأنها في قتلها أكثر حصاداً من الجيلوتين، وأبعد مدى من مدافع واترلو
في يوم من أيام أكتوبر عام ١٨٣١، بقرية من قرى الجبال بشرق فرنسا، تجمهر نفر من أهل القرية على دكان حداد. وكان الفزع يبدو على وجوههم الشاحبة، وكان الهلع يستبين في أحاديثهم الخافتة، وقد حولوا جميعا وجوههم شطر الحداد بداخل المكان. وإذا بطشيش يسمع كطشيش الشواء، وإذا بصراخ يعقبه من تباريح الألم مكظوم، وإذا بطفل في التاسعة يخرج من حافة الزحام هارباً إلى بيت أبويه وقد أخذ منه الرعب ما أخذ. أما الرجل المسكين الذي أنضج الحديد لحمه ففلاح يدعى نقولا لقيه في الطريق ذئب هائج مسعور، نزل على القرية يعوي عواء المجنون، ويزبد فاه برغاء مسموم، فهجم على صاحبنا فمزقه تمزيقاً. وأما الطفل الهارب فكان اسمه لويس بستور ابن دباغ في أربوا وحفيد خادم عبد لكونت أدريسييه
ومضى على هذا المشهد أسابيع سقط فيها ثمانية رجال فريسة لداء الكلب، وعانوا ما عانوا من جفاف الحلق، وضيق الخناق، وجنون النفس، وصرخوا طويلا فترددت أصداؤهم في أذن صاحبنا الطفل، فارتاع فأسماه بعض القوم جباناً، وانطبع في ذاكرته أثر الكي الذي رآه وسمعه في دكان الحداد انطباع الحديد في لحم ذلك الفلاح البائس.
стр. 7774
وسأل لويس أباه: (ما الذي يصيب الكلاب والذئاب بالجنون؟ ولم يموت الناس بعضة منه؟). وكان أبوه في زمان مضى جاويشاً قديماً في جيش نابليون، فرأى عشرات الألوف من الناس تمون من الرصاص، ولكنه لم يدر لم يموت الناس من الأمراض.
فكنت تسمع هذا الدباغ التقي يجيب ابنه السائل فيقول: (من الجائز يا بني أن شيطاناً من الشياطين دخل جلد الذئب، وإذا قضى الله لك بالموت فلا مرد لقضائه). هذا جواب، لو تأملته لوجدته على بساطته كأحسن ما يجيب به أكثر العلماء حكمة، وأغلى الأطباء أجوراً. ولم يكن أحد يعرف في عام ١٨٣١ لم يموت الناس من عضة الكلب المسعور، فأسباب هذا المرض كانت غامضة مجهولة.
أنا لا أحاول أن أدخل في روعك أن هذا الحادث الذي وقع لـ (بستور) في صباه كان السبب الذي حدا به في رجولته إلى كشف سبب هذا الداء وكشف علاجه. إذن لزاد هذا في جمال قصتنا، وكان كذباً وبهتاناً. ولكن الحق أن هذا الحادث راعه طويلاً، ولزمته ذكراه الأليمة طويلاً، وتفكر فيه طويلاً. والحق أنه أحس ريح الشواء تصعد من لحم الفلاح إلى أنفه إحساساً أشد ألف مرة ممن أحسوها، وأنه سمع صراخه فنفذ في نفسه إلى أغوار أبعد من أغوار الآخرين ممن سمعوها، واختصارا أريد أن أقول إن هذا الصبي كان مجبولاً من تلك الطينة التي يجبل منها الفنانون، وان ذلك الفن فيه عاون علمه يداً بيد في إخراج تلك المكروبات إلى الوجود بعد انزوائها مرة أخرى بوفاة (اسبلنزاني). ولا أحجم عن القول إن (بستور) في السنوات العشرين الأولى من حياته لم تظهر عليه شارة تنبئ بمصيره بحاثاً كبيراً، فإنه قضاها طفلاً جلداً ٠على الشغل، ذا عناية بما يعمل، ولكن عين الناظر المتفقد لم تكن تقف عنده طويلاً. وكان يقضي فراغه في التصوير، فكان يصور النهر الذي يجري بجوار المدبغة، وكان يصور أختيه فيثبتان له ساعات حتى تتصلب أعناقهما، وتتوجع ظهورهما. وصور أمه صورا قاسية، ليس فيها من الملق شيء، وليس فيها من الجمال شيء، ولكنها أشبهت أمه.
وفي هذه الأثناء أهمل الناس حيوانات (اسبلنزاني) الصغيرة حتى نسوها، وقام العالم السويدي (لينيأس) يقسم الأحياء ويبوب أجناسها، فيجعل لكل جنس جذاذة، ويجعل من الجذاذات فهرساً عظيماً، حتى إذا جاء إلى تلك الأحياء الصغيرة، رفع يديه يأساً منها، قال:
стр. 7775
(إنها أحياء شديد صغرها، مختلط أمرها، وستظل على إنبهامها، وإذن فلأضعها في باب الأشتات الغامضة). ولم تجد تلك الأحياء من يدفع عنها، ويتحدث بالحسنى عنها، غير ايرنبرج ذلك الألماني الشهير، ذو الوجه البض المليء، فانه في الوقت الذي لم يكن فيه يقطع المحيطات أو يمنح الأوسمة والمكافآت، كان يشتبك في مجادلات عقيمة عن هذه الحيوانات: ألها أمعاء كسائر الحيوان؟ أهي حيوان كامل الأعضاء، أم هي بعض صغير من كل كبير؟ أم هي ليست بحيوان قط، بل نبات؟
ظل (بستور) يكد في الدراسة ويكب على القراءة، وبدأت تظهر عليه وهو في كلية (أربو) سمات، وتتراءى في خلقه صفات، بعضها حسن وبعضها قبيح، ولكنها جميعاً خلقت منه شخصا التقت فيه المتناقضات بقدر لم تلتق على مثله في سواه. فقد كان أصغر التلاميذ في المدرسة، ومع ذلك أراد أن ينصب نفسه عليهم قيماً. كانت به رغبة شديدة في تعليم غيره من الأولاد، وعلى الأخص في حكمهم والسيطرة عليهم. ونال أمنيته فنصبوه قيماً. وقبل بلوغه العشرين ارتقى إلى منصب أشبه بمساعد في كلية بيزانسون وأجهد نفسه في العمل إجهاداً مريعاً. وأراد كل من حوله على أن يعملوا بمقدار ما يعمل. وكتب إلى أختيه المسكنتين كتباً شديدة اللهجة، بارعة الأسلوب، يحضهما فيها على العمل، وقد كانتا - طيب الله ثراهما - تبذلان كل ما في وسعهما من مجهود.
كتب إليهما يقول: (أختي العزيزتين، إن العزيمة شيء عظيم، لأن العزيمة يتبعها العمل، والعمل يتبعه النجاح دائماً، إلا في القليل النادر. وهذه الأمور الثلاثة - الإرادة، والعمل، والنجاح - تملأ الوجود الإنساني. فالعزيمة العزيمة، والعمل العمل، فسيفتحان لكما أبواب السعادة والمجد. إن الطريق الطويل المجهد في آخره خير الجزاء عما صب الإنسان على ترابه من عرق، وأحفى فيه من قدم).
تلك عظاته الأولى في شبابه، وهي من عظاته الأخيرة عند ما بلغ السبعين - عظات بسيطة، ولكنها كانت تخرج من قلبه.
وبعث به أباه إلى باريس، إلى مدرسة النرمال، فاعتزم أن يقوم هناك بأعمال كبيرة، ولكنه أحس حنيناً أليماً إلى وطنه، وإلى روائح المدبغة التي خلف في بلده، فعاد إليها تاركاً في باريس آماله وأحلامه. . . ولكنه لم يغيب عنها طويلاً، فإنه رجع إلى باريس بعد عام، إلى
стр. 7776
نفس المدرسة، وفي هذه المرة أطاق الإقامة فيها بعيدا عن بلده وأهله. وذات مرة خرج من محاضرة دوماس مغتمر الحس، فائض النفس، مغروق العين، يتمتم لنفسه، (ما أجل الكيمياء علماً! ودوماس، ما أمجده وأوفر حظه من محبة الناس!). عرف (بستور) حينئذ أنه سيكون كيميائياً كذلك عظيماً. ونظر إلى الحي اللاتيني بشوارعه القاتمة، وهوائه الغبيش، وإلى عيشة الخلاعة والتخليط التي يعيشها الناس فيها، فقال لا يرفع هذا الحي من وهدته إلا الكيمياء. كان (بستور) قد ترك الرسم والتصوير، ولكنه حفظ في قلبه روح الفنان الشاعر.
ولم يلبث أن بدأ أبحاثه، بين قوارير من كل رائحة كريهة، وأنابيب من كل سائل ذي لون بهيج، فاشتغل بها وتعثر فيها. وكان يحاضر صديقه الطبيب شبيوس ساعات عن بلورات حامض الدردي، ولم يكن إلا طالب فلسفة، فكان المسكين لا يجد مندوحه عن الإنصات كل تلك الساعات. وكان (بستور) يقول له: (إن من المحزن ألا تكون كيميائياً مثلي). كان يريد كل الناس على أن يكونوا كيميائيين، كما أراد كل الأطباء بعد أربعين عاماً أن ينقلبوا بحاثاً للمكروب.
وبينا كان يكب بأنفه الأفطس، وجبينه العريض، على كومات البلورات يمتحنها، كان رجلان، أحدهما فرنسي، والآخر ألماني، قد أخذ على انفراد يوجهان همهما إلى تلك الحيوانات الصغيرة الحية التي تدعى بالمكروبات، يعتقدان أنها حيوانات على صغرها خطيرة نافعة كالخيول والأفيال. أما الأول فكان اسمه كبنارد دي لا تور وكان رجلا متواضعاً متخاشعاً، إلا أنه كان يعرف كيف يكشف من الحقائق عن إبكارها. فذات يوم كان يدور خلال الجعة المختمرة في أحواضها، فأخرج من حوض قطرتين يعلوهما الرغوة، ونظر إليهما بمجهره فوجد أن حبات الخميرة قد نتأت على جوانبها نتواءت كما تتنبت البذور. فقال لنفسه: (إذن هذه الخمائر حية، لأنها تتكاثر كغيرها من الخلائق). وتابع أبحاثه فعرف أن الشعير لا يستحيل إلى (البيرة) إلا حيثما وجدت فيه هذه الخمائر الحية المتزايدة. (إذن فهذه الخمائر، وهي تمارس العيش، تخلق من هذا الشعير كحولاً). ونشر مقالاً صغيراً عما وجد، ولكن الدنيا رفضت أن تستمع إلى هذا الكشف المجيد. وكان (كنيارد) حيا، ولم يكن دعاء لنفسه، ولم تكن له صلة بالصحافة. ٍ
стр. 7777
وفي نفس العام نشر دكتور ألماني يدعى إشفان مقالاً قصيراً، في جمله طول، وفيها إبهام، يقص على الناس فيه خبراً عجيباً، خال أنه سيقيمهم ويقعدهم، فإذا بهم يستمعون له بصدور ضيقة وأمزجة فاترة. قال: (أغل اللحم إغلاء طيباً، وضعه في قارورة نظيفة، ثم أدخل إلى القارورة هواء بعد إمراره في أنبوبة حمراء بما حولها من النار، يبق اللحم صالحاً عدة أشهر. ولكنك إذا نزعت القارورة سدادها، فأدخلت إليها الهواء العادي بما فيه من جراثيم، فلن يلبث اللحم أن تخبث ريحه، ويتنغش بأحياء أصغر ألف مرة من رأس الدبوس، هي التي تعيث فيه بالفساد).
لو أن (لوفن هوك) سمع بهذا لفتح عينيه وسعها لما سمع، ولو أن (اسبلنزاني) جاءه هذا الخبر وهو يصلي بالناس في الكنيسة لفض جمعهم وهرع إلى معمله. أما أوربا فلم تحرك ساكناً. وقرأت الخبر في الصحف فكان كبعض الأخبار. وكان (بستور) في تلك الساعة على وشك أن يكتشف أول كشف خطير كشفه في الكيمياء.
كشف بستور كشفه الخطير الأول وهو ابن ست وعشرين فبعد نظرات قريبة عديدة إلى بلورات صغيرة دقيقة، خرج على أن حامض الدردي يوجد على صور أربع لا على صورتين، وخرج على أن المواد الكيمياوية منها مركبات تتساوى جزيئاتها في كل شيء، في عدد ذراتها، وفي الحال التي تترابط عليها هذه الذرات يكاد المركبان يكونان مركبا واحداً، لولا اختلاف بسيط في وضع ذراتهما، وخرج على هذين الوضعين يختلفان كاختلاف الشيء وصورته في المرآة.
تمطى (بستور) فاستقام ما انحنى من ظهره الوجيع، واستبان قدر الكشف الذي أتاه، فخرج مسرعاً من معمله الصغير المظلم القذر، فبلغ البهو الكبير، فالتقى بشاب فيزيائي لم يكنيعرفه إلا لماماً، فإذا به يطوقه بذراعيه، ويقوده خارج المعهد إلى حدائق لكسمبرج وتحت ظلال أشجارها الوريفة، أخذ يصب على صاحبنا الكلم صباً، ويغمره بالشرح والتفسير غمراً. لم يكن له مندوحة من هذا. ملأه الحديث فلم يستطيع كظمه. لابد أن يفيض به إلى أحد. لا بد أن يخبر الدنيا بالذي وجد.
لم يمض شهر حتى أثنى عليه الأشياخ من الكيميائيين، وحتى اصطحبه علماء أعمارهم ثلاثة أضعاف عمره. وتعين أستاذاً بجامعة استراسبورج وفي فترات ما بين أبحاثه وقر
стр. 7778
في نفسه أن يتزوج من ابنة العميد. ولم يكن موقناً من حبها، ولكنه جلس فكتب لها كتاباً وثق أنها لن تقرأه حتى تحبه. كتب لها. (ليس في ما يجذب فتاة صغيرة مثلك، ولكن ذاكرتي تطمئنني إلى أن الذين عرفوني حق المعرفة، أحبوني أصدق الحب).
وتزوجته، فصارت بذلك أشهر الزوجات في التاريخ، ومن أكثرهن مكابدة ومقاساة، من أكثرهن هناءة وسعادة من بعض الوجوه - وسنذكر في هذه القصة الكثير عنها.
ولما أصبح رب أسرة، زاد بذله من نفسه للعمل، فنسى ما تفرضه الزيجة الحديثة على الزوج من واجبات، وما تنتظره من محاسنات وملاطفات. وغلا فقلب ليله بالعمل نهاراً. كتب في ذلك يقول: (أنا على وشك أن أرفع الحجاب عن خبايا غامضة. وأرى هذا الحجاب يشف كل يوم عنها، ثم يشف، ثم يزداد شفوفاً. وتطول الليالي عليّ في انتظار الصباح. وزوجي كثيراً ما تؤنبني للسهر، فأقول لها: (إنني بذلك إنما آخذ بيمينها إلى حظيرة الخالدين) واستمر ببحث البلورات، ويسلك لاكتنانها طرائق لا تلبث أن تنسد في وجهه فيرتد عنها خائبا، ويدبر التجارب كل سخيف مستحيل، تجارب لا تصدر إلا عن عقل مخبول، ولكنها كانت من ذلك النوع الذي لو صادف نجاحا لصير هذا المخبول عبقريا يدوي اسمه في الآفاق؛ فوضع الأشياء الحية بين مغناطيسيين كبيرين رجاء أن يغير بذلك كيمياء الحياة فيها. واخترع مكنات كمكنات الساعات، وعلق بها النباتات فأخذت تهتز كالبندول روحة وجيئة، وحسب بذلك أنه يهز ذراتها في جزيئاتها، وحسب أنها تحول عن أوضاعها القديمة إلى أوضاع جديدة تنتسب إلى الأولى انتساب الشيء إلى خياله في المرآة، أو كما ينتسب من حامض الدّردي جزئيه الأيمن بجزيئه الأشول. . وأراد أن يقلد الله فحاول أن يغير فصائل الأحياء
وكانت زوجه تسهر الليالي إلى جانبه، وتعجب بما يصنع، وتثق به، وتؤمن بكل الذي يأتيه. كتبت إلى أبيه تقول: (يجب أن تعلم أن التجارب التي هو قائم بها الآن، لو نجحت، فستخلق منه رجلاً يناهض في الذكر (نيوتن)، ويطاول في المجد (جاليلو)). لسنا نستطيع اليوم أن نؤكد أن مدام (بستور) كانت تقول ذلك فهماً لما يقوم به زوجها، أم هو إعجاب المرأة ببعلها، وعلى كل حال فلم تتحقق آمالها هذه المرة فإن تجارب (بستور) هذه كان نصيبها الخيبة.
стр. 7779
أحمد زكي
стр. 7780
قصة
ومن يرقيه؟
للآنسة سهير القلماوي
في أيام عاشوراء كان قد اعتاد أن يجوب الطرق صباحاً منذ مطلع الفجر مناديا بصوته العذب العميق: (عاشورا المبارك. . . حليمة رقت نبينا محمد من العين. . .) وكان يحمل فوق رأسه مقداراً من مساحيق مختلفة الألوان والأصناف. كان الرجل فوق الأربعين، وسيم الطلعة، قوي البنية،؛ وكان أعذب ما فيه الصوت الحنون العميق المؤثر الذي يرسله كل صباح فيمتزج بنسيم الفجر ونور الشمس الباهت الرفيق، فيوقظ النيام أجمل يقظة وألذها. لم تكن هذه حرفته بالطبع، فقد طول العام يبيع الفواكه، إما في محل لقريب له، وإما سائرا هكذا في شوارع القاهرة؛ ولكنه اعتاد منذ أعوام عديدة أن يطوف هذه العشرة الأيام الأولى من العام الهجري وعلى رأسه هذه المساحيق ليرقي بها من يخاف شر العين والحسد.
كان الرجل يؤمن أشد الإيمان بالحسد وشر الحسد، أليس قد ذكره الله تعالى في قرآنه الكريم؟ ألم يأمر الله نبيه الكريم أن يقول (أعوذ برب الفلق. . . ومن شر حاسدٍ إذا حسد) ألم يرو لنا كيف رقت حليمة النبي محمداً من (أعين) الحساد؟ أليس في الحياة اليومية ما يثبت لنا شر هذا الحسد؟ كانت لأخته طفلة جميلة، وكانت تتركها دائما قذرة الملابس وسخة الوجه لا يكاد يبين منها إلا أحجية وتمائم وتعاويذ، ولكنها لأمر ما نزعت هذه الأحجية يوماً، فإذا بها تمرض، وإذا المرض يشتد بها يوما بعد يوم، ولم يعد بخور ينفع، ولم تعد تمائم تصد إصابة (العين)، وإذا (العين) أصابت فليس لأصابتها مرد. وبعد أيام جاهدت الطفلة فيها جاهدت الطفلة فيها جهادا لا تحتمله إلا تلك الأجسام التي زودت حديثاً بالحياة، فهي حارة قوية بنيانهم؛ بعد أيام توفيت الطفلة الجميلة فتوفيت معها أفراح الأسرة ومباهجها إلى زمن طويل. أبعد هذا لا يعتقد (بالعين)؟
وفي ثاني يوم هذا العام كان الرجل يسير في الطريق كالمعتاد يرسل صوته الجميل وهو متلذذ بسماعه مرات ومرات بهذا النداء المستحب وتلك النغمة الساذجة البديعة: (عاشورا المبارك. . . حليمة رقت نبينا من العين)؛ وأطلت من النافذة فتاة في نحو العشرين، جميلة الصورة نجلاء العينين. وكانت عيناها أول ما يبدؤك منها لسوادهما وجمالهما. كانتا عينين
стр. 7781
تجذبان النظر إليهما جذبا كما يجذب الحديد الحديد بفعل الجاذبية الطبيعية.
رفع الرجل بصره إلى النافذة فإذا بالعينين النجلاوين تنظران إليه في احتجاب غير خاف. فأرسل صوته العذب الجميل بندائه العذب كأنما يعلن إليها عمله. فابتسمت ثم أسرعت وتركت النافذة عاطلة من أجمل ما يمكن أن يزينها.
واستمر الرجل ينادي نداءه، ويكرر ويطيل النداء، ويتقن الغناء، ولكن الفتاة لم تعد؛ وأخيرا قال لنفسه: غدا تراها، أ، ك ستمر لثمانية أيام أخر. صبرا ففي الغد الفرج.
وفي الغد ما كاد يقترب من باب هذا المنزل حتى سمع صوتا يناديه: (يا عم يا بتاع عاشورا!) فالتفت صوب الصوت، فإذا العينان، عينا أمس تنظران إليه من جديد.
جلست الفتاة على حافة السلم، وقالت له في صوت خافت إن سيدتها نائمة، وإنها تخاف أن تصحو فتراها على تلك الحال فتطردها شر طردة. كل ما تريده منه هو أن يرقيها من عين خادم الجيران لأن هذه تغار منها لجمالها، وتنظر إليها نظرات شريرة. ولقد زاد في شر هذه النظرات أن خدم الجيران جميعاً لا يعبأون ولا يقتربون إلا من فتاتنا هذه، فزاد ذلك في نيران الغيرة، ومتى اشتدت الغيرة، فالحسد وشرور الحسد متوقعة منتظرة.
سمع الرجل هذه الاعترافات الساذجة فوجدها عادية، وأخذ يقوم بعملية الرقية خالطاً بعض المساحيق متمتماً كثيراً، وموصياً وصايا عدة، وكان بوده أن يطيل ويطيل لولا أن نبهته تلك بأن سيدتها قد تصحو، وفي تلك الصحوة عقاب لها أليم.
سار الرجل مبتعداً عن البيت مكرها، يحس في نفسه ألما لا يرى له مبرراً ولا سبباً؛ إنه كان في حلم، كان في سعادة ما بعدها سعادة، كان في سماء ثم هبط إلى الأرض، ثم صحا من الحلم اللذيذ فكانت صحوة أليمة بغيضة.
وأخذ ينادي فإذا صوته كأنما هو صوت إنسان آخر لا عهد له به. تبدل الصوت ولم يعد فيه الجمال الذي كان يلذه ويستمتع به. وعبثا حاول الرجل أن يقنع نفسه بأن هذه خيالات تتراءى له وحده، وعبثا حاول أن يقنع نفسه بأن الناس كلهم لم يشعروا بما طرأ على نفسه من تغير أثر في صوته.
عاد الرجل إلى أهله كئيباً ملولًا برماً بكل شيء، وأمضى ليله والعينان السوداوان النجلاوان تنظران إليه وتطيلان النظر، فيحاول الفرار منهما فلا تلبثان أن تعودا من جديد أقوى
стр. 7782
تحديقاً وأعمق أثراً في النفس.
وفي الصباح عاد الرجل يجوب الطرقات منادياً كعادته. دار حول البيت المعهود مرة ومرات فلم ير إلا نوافذ مفتوحة كأنها فتحات القبور. لم ير العينين! وأخذ طريقه كالمعتاد، فسار وسار ينادي، ولكن في غير لذة وفي غير نشوة، وإذا به يسمع من بيت قريب: (الله! ما لصوت الرجل تغير؟ يا خسارة! كان صوته جميلاً وحلواً! لا بد أنه مريض!).
لم يعد مجال للشك. لقد فقد هذا الصوت الذي كان له ذخراً وأي ذخر: أصابته العين ولم يصبه إلا هاتان العينان السوداوان الواسعتان، حُسِد وجازت فيه عين الحسود!
عاد إلى أهله ورقى في نفسه ورقاه أهله، ولكن الرقية ضاعت سدى. ولم يكن من يتقن الرقية إى هو، ولا يمكن أن يقوم بها لنفسه كما يقوم بها لغيره. فالرقية فن له حركاته وأعماله ومراسيمه، واليوم أصابته هو العين، فيا ترى من يرقيه؟
سهير القلماوي
стр. 7783
بين الشرق والغرب
للأستاذ محمود الخفيف
غَنَّ يا شِعرُ فقد طالَ البكاءُ … وَتَطَلَّعْناَ إلى بعض العَزاءْ
غَنَّ بالشرق وماضي عِزَّه … حان أن يُطرِبَنَا هذا الغِناءْ
ًصُغْ من اللَّحْنِ نشيدَ الأمَلِ … وأهازيجَ الضُّحى المُقْتَبَلِ
هات يا شعرُ أَحاديثَ العلىَ … لا تَقِفْ عند حَدِثِ الأُوَلِ
عَلِّمِ الأَشبالَ في وثبتِهمْ … كيف يرقون إلى أوج العلاء
أنشِد الألحانَ للِصُّبح الوليدْ … واملأ الآفاقَ من هذا النشيدْ
أيقِظِ النوَّامَ من غَفْوَتِهمْ … وتَرنَّمْ بالأماني من جديد
رَفَّ نورُ الصبح في هام الشجَرْ … وانجلتْ آياتُه ملء البَصَرْ
وسَرَت في الكون من أنفاسه … نَفْحَةٌ نمَّتْ بأحلام الزَّهَر
عَرَفتْ رُوحي شَذَا فانْتشَتْ … ورأى قلبي بها معنى الرَّجاءْ
هِيهِ ما أجمل أطياف الشّفَقْ … تَتَراءى بَعدَ أن طال الغَسقْ
صورٌ ضاحِكةٌ خافِقَةٌ … ضَحِكَ القَلبُ إليها وخَفَقْ
لُمَعٌ توحي أحاديثَ الخلودْ … عن جلال الشرق في صُبح الوجودْ
وعن العِزَّةِ إبَّان الضُّحى … وبنو الغرب على الذُّل قعودْ
شَدَّ ما تبْهجُني تلك الرُّؤى … وسَناَ أيامِهاَ الغُرِّ الوضاٍء
هِمْتُ بالشَّرقِ نورِهِ … وَهَفَتْ نَفْسي لخافي سره
كم ملأتُ العينَ من ألوانه … واجْتَلَى قلبي الرُّؤَى من سِحْرِهِ
ولكم كان لفكري مَسْرَحاَ … كلما أَوْحى لشعري أفْصَحاَ
أبعَثُ الغابِرَ من أخبارِه … نَسَماَتٍ كالصَّباَ أو أرْوَحا
نسماتٍ يهمسُ المجدُ بها … تلهم الأبناء معنى الكبرياء
خُذْ من النيل حديثَ الغابرينْ … وتأمَّلْ في القرون الأرْبعينْ
واستَزِدْ دِجْلَةَ من أخبارِه … عن بنيهِ النابهينَ الأوَّلينْ
ورِدِ الهندَ ففي غاباتها … وُلِدَ الساحرُِ من آياتها
стр. 7784
واهبط الصينَ وَزُرْ مُستْلَهِماً … مَهْدَ (كوْ نقُشيوس) في جنَّاتِها
سوف تلقي الشَّرْق إما جئته … مَنبتَ الحكمةِ أرْض الحكماء
نشأَ الإيمان في أحضانهِ … حسبُه ما فاض من إيمانهِ
حسبُه النورُ الذي أطْلعَهُ … فوق ما قدَّمَ من إحسانهِ
أطلعَ الله الشموسَ النيراتْ … فجلوا فيه ظلامَ الشُّبُهاَتْ
بلغ الإنسان في أرجائه … بهدى الخالق أعلى الدَّرَجات
شدَّ ما يبعثُ في نفسي الهدى … مَهْبطُ الوحي ومهد الأنبياء
آنس النارَ بواديهِ الكليم … قبساً من جانب الطورِ القديم!
فأراه الله من آياتهِ … وحباه العلم والرأيَ القويمْ
واجتبي عيسى من الشرق نبياَّ … فروَى الآياتِ في المهد صبيَّا!
بشَّرَ الناسَ فتيَّا برسولٍ … يحملُ الحق كتاباً عربيَّا
فَطنَ الدَّهْرُ إلى مقْدمِهِ … يوم هزَّ الكونَ صوتٌ من حِراءْ!
يا بني الغرب لنا العزُّ التليدْ … والمعاني الغُرُّ والماضي المجيدْ
لا تقولوا أدبَرَتْ أيامُناَ … وتباهُونا بناَرٍ وحديدْ
كم رَأينا بينكم من أثَرَهْ … وشهدنا نارَكم مُستعرةْ
ضَربَ الحرصُ على آذانكم … وأذاع الشرُّ فيكم نُذرَهْ
كل يوم خبرٌ عن فِتْتنَهٍ … ينذِرُ الأرضَ جميعاً بالفناءْ!
كم تفاخرتم بعلمٍ وذكاءْ … وسَخِرتُم من خيال الشعراءْ؟
ضاق وجهُ الأرض عن همتكم … فتلاقيتم على متن الهواءْ!
ليت شعري هل تبادلتم سلاما … أم ملأتم جانبَ الجوَّ خصاماً؟
هل أفادَ العِلمُ إلا فِتنهً … وغروراً يبعث الموت الزؤاماَ؟
حسبكم في الفخر ما أجريتمو … من دُموع وأرقم من دماءْ!
خبِّروني كم لديكم من أجيرْ … بات يبكي مثلما يبكي الأسيرْ؟
كم فقير بات يشكو ذِلةً … وهوانا وهْو بالرفق جدير!
لا ترون العيش إلا نهَمَاَ … هل عفَفتم أو عرفتم ندَماَ؟
стр. 7785
قد تَمشّى السُّقم في وجدانكم … فرأيتم كل عطفٍ حُلُماَ
أين هذا البغيُ من حرِّيةً … طالما غازلتموها وإخاءْ!
كم بلونا من أفانين العذابْ … ورأينا منكمو فتْكَ الذئابْ
كم فضحْنا من طِلاءِ خادع … فوق ما تخفون من ظفْرٍ ونابْ!
تلك أعراض البلاءِ القاتلِ … وعلاماتُ الفناءِ العاجلِ
قد ذَهِلتم من مزايا جنسكم … واغتررتم بحطامٍ زائلِ
يوبِقُ الرُّوحَ لديكم جَشَعْ … هل عَرَفتم غير رُوح الكهرُباءْ
مالت الشمس إلى أفق المغيب … وسيغشي أرضَكم ليل قريبْ
قد تلفتتم إلى الخلف كما … لو رأيتم شبحَ الليل الكئيب
هل فزعتم من دنوَّ المنحدَرْ … فخننتُم للصباح المنتظر؟
أم ترى آمنتمو بعد الجحود … تؤمن النفس إذا الموتُ حضر
مالكم عدتم إلى الروح وما … شاع عنها من ظهور وخفاء؟
هو ذا الصبح بدا في (يوكهامه) … هل تبينتم على الأفق ابتسامَهْ؟
عادت الشمس إلى مطلعها … أبداً لن يُخْلِفَ الكون نظامَه
نهض المشرق من غفوتِه … واهتدى بالحق في نهضته
جعَلَ الماضِي وحياً وهدى … ومضى يسعى إلى غايته
انظروا تلقوه في إقدامه … ظافرَ الأيام خَفَّاقَ اللواء
محمود الخفيف
стр. 7786
ابن ماجد أسد البحر الهائج
للأستاذ قدري حافظ طوقان
لا يظنن القارئ أننا نستطيع أن نوفي ابن ماجد حقه بمقالنا هذا، فذلك ما لا ندعيه وما لا يمكن أن نقول به، ولا سيما أن ناحية الملاحة عند العرب لا تزال غامضة لم تعط حقها من البحث. والتنقيب عدا أنها لا تدخل في دائرة اختصاصنا. وجل ما أقصده من هذه العجالة إعطاء فكرة عن ابن ماجد عسى أن يكون في ذلك حفز الهمم للعناية بالمآثر والإسلامية والآثار العربية في شتى النواحي، وعسى أن يكون في ذلك إثارة العزائم للكشف عن آثار أحاطها إهمالنا بالغموض والإبهام. إن حياة ابن ماجد حافلة بالأعمال، وقد تركت آثارا جليلة، وهي صفحة لامعة في التراث الإسلامي، يحق لنا أن نباهي أمم الأرض بها كما يباهي البرتغاليون بصفحة فاسكو دي غاما الذي طاف حول الأرض. وجدير بالمنقبين من أبناء هذه الأمة أن يخرجوها للنشء حتى تثير فيه ما يحي خصائصه الممتازة. نريد بل نطلب من أحد المتخصصين في التاريخ الإسلامي أن يتخصص في ناحية الملاحة عند العرب والمسلمين، وفي تاريخ إنشاء الأساطيل عندهم، ونريد منه أن يبحث ويدقق، حتى يخرج من ذلك بسفر جامع يكون جزءاً من الثقافة الحديثة يمكن للخاص والعام أن يستفيد منه، وإن في تلك الاستفادة ما يخلق في النفوس روح الإقدام وروح الاعتقاد بالقابلية والنبوغ، ولا يخفى ما في هذا كله من قوى تدفع بالأمة إلى المجد والسؤدد.
كان العرب في بدء فتوحهم يخافون البحر ويهابونه، وكيف لا يخافونه ويهابونه، وهم أهل صحراء منقطعون عنه لم يتعودوا رؤيته فكيف بركوبه. . . ولم يكن الخلفاء الراشدون يشجعون على ركوب البحار لخوفهم على أرواح المسلمين؛ وقد جاء أن الخليفة عمر بن الخطاب كان لا يشجع على ركوب البحر، وكثيراً ما عاقب الذين يخوضون عبابه، ويقال إنه عنف عرفجة بن هرثمة الأزدي لركوبه البحر حين غزوه عمان. وقد يكون السبب في منع الخلفاء هو خوفهم على المسلمين لنهم لم يكونوا أهل بحر ولم يتعودوا السير على أعواده. وبقى الأمر على هذه الحال إلى أن اتسعت الفتوح الإسلامية والعربية، وأصبح من العسير بل من المستحيل حماية بعض البلاد، ولا سيما وقد أصبح المسلمون مجاورين الرومان وقد رأوا أن الحاجة ماسة لحماية الشواطئ، ولقد اتخذوا في إنشاء السفن مثال
стр. 7787
الرومان؛ ومن الغريب أنك تجدهم في مدة وجيزة قد صارت لهم دراية وخبرة بالبحار وبركوبها، وقد طافوا أشهرها وقهروا محيطات العالم، واتصلوا بالبلاد البعيدة وعرفوا عنها الشيء الكثير، مهروا في صناعة السفائن، وأنشئوا لذلك دورا عظيمة، وصار لهم أيضا في مختلف الأنحاء أساطيل أصبحت عرائس البحار وزينة الشواطئ، متقنة الصنع كثيرة العدد تفننوا في عملها، وأدخلوا تحسينات جمة على آلاتها، وضعوا لها الخرائط والمصورات البحرية، كانوا على علم بالأوقات الملائمة لخوض البحار وعلى معرفة تامة بأوقات هبوب الرياح، اتخذوا المنائر في المرافئ وفي المواضع الخطرة لهداية السفن، واستعملوا الإبرة المغناطيسية لتعيين الجهات، ولقد وصل الأسطول الأندلسي في عصر عبد الرحمن الناصر إلى مائتي مركب، وكذلك كان أسطول أفريقيا إذ وصلت أساطيل المسلمين في دولة الموحدين من العظمة والفخامة ما لم تصله في أي عصر آخر، وبلغت المراكب في أيام المعز لدين الله بمصر ستمائة قطعة. ولسنا الآن في موقف نستطيع معه تعداد أمجاد العرب والمسلمين في الملاحة، ولسنا أيضا في موقف نتمكن معه من سرد مواقع المسلمين البحرية وبراعتهم في ذلك. فهذا كله لا يزال محاطا بسحب الإبهام، ولم ينفض عنه بعد غبار الإهمال؛ ومما يؤلمنا أننا إلى الآن لم نسمع عن جماعات علمية أو منقبين أقاموا أنفسهم لهذه البحوث وصرفوا أوقاتهم في تهيئتها، وعلى كل حال يمكننا القول من مطالعة كتب التاريخ التي بين أيدينا أن العرب وصلوا في الملاحة إلى درجة لم يصلها غيرهم من قبلهم. إذ جعلتهم سلاطين البحار وغزاة المحيطات، وكان لذلك تأثيرا كبير على فتوحاتهم، فلقد تمكنوا بأساطيلهم من فتح سردينيا وصقلية وقبرص ومالطة وأقريطش، وكذلك فتحوا بها كثيرا من شواطئ البحر الأبيض المتوسط مما يلي أوروبا إلى بريطانيا في الشمال. وقد بقي العرب أسياد العالم في البحار إلى أن قامت عليهم قيامة الغرب بحروبه الصليبية، وإلى أن قامت عليهم أيضا المغول والتتار، وهبت عليهم عواصف الفتن والقلاقل من كل جانب، فضعف شأنهم وأضاعوا عزهم ومجدهم، واستولت عليهم غفلة طويلة وجمود مروع كما كاد يذهب بالكيان والخصائص التي يمتاز بها العرب على غيرهم، وكاد يستحيل كل هذا إلى موت أكيد. . .
قلنا أن الأمة العربية وصلت إلى درجة في البحرية لم يصلها غيرها من الأمم التي سبقتهم،
стр. 7788
أخضعوا البحار لأساطيلهم، ولم يعبأوا بمدها وجزرها، وساحوا بسفنهم المحيطين الهندي والهادي، وأصبح لهم دراية وخبرة في الملاحة، وإن أمة كان هذا شأنها، وكانت هذه درجتها لمن الطبيعي أن يظهر فيها من مهر في الملاحة وبرع في البحرية واطلع على أسرارهما ووقف على دقائقهما، ومن الطبيعي أيضا أن يظهر فيها من ألف المؤلفات العديدة، ووضع الكتب الكثيرة في علم البحار، ولا عجب إذن إذا كانت هذه المؤلفات وتلك الكتب منهلا نهل منه كثير من ملاحي الغرب، ولا عجب إذن إذا استعانوا بها في تسيير سفائنهم ورسم الخرائط والمصورات البحرية، وفي معرفة المواقع والمرافئ والخلجان. ومن هؤلاء الذين نبغوا في الملاحة ووقفوا على دخائلها وعرفوا أسرارها ابن ماجد الذي ظهر في القرن التاسع للهجرة؛ وهو شهاب الدين أحمد بن ماجد بن محمد بن معلق السعدي بن أبي الركائب النجدي، كان يلقب نفسه بشاعر القبلتين، وقد حج إلى الحرمين الشريفين ويعرف بسليل الأسود، وكان أبوه ومن قبله جده من الذين اشتهروا في الملاحة، حتى أن جده كتب رسالة في الملاحة في البحر الأحمر خدمة للسفن التي تقل الحجاج، ولقد زاد ابن ماجد على هذه الرسالة نتيجة اختباراته الشخصية. من هنا يظهر أن ابن ماجد منحدر من عائلة اشتهرت بالشئون البحرية والاعتناء بالملاحة، فلا غرابة إذا نبغ هو في ذلك، ولا عجب أيضا إذا فاق أجداده في هذا كله. وقد اعترف بعض المنصفين من علماء الإفرنج بفضل العرب (وخصوصا ابن ماجد) على الملاحة البرتغالية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر للميلاد. وقد قال الأستاذ فران الفرنسي إن الفضل في تفوق الملاحة البرتغالية يعود إلى العرب والأستاذ فران هذا هو الذي ترجم كثيرا من مؤلفات ابن ماجد وقد علق عليها، وقد صدرها بعنوان (مؤلفات ابن ماجد الملقب بأسد البحر الهائج ربان فاسكو دي غاما الذي طاف حول الأرض.) وثبت لبعض علماء أوربا أن فاسكو دي غاما استعان بابن ماجد في تسيير أسطوله حول الأرض من مالندى على ساحل أفريقيا الشرقية إلى قاليقوت في الهند. ووضع ابن ماجد مؤلفات عديدة ورسائل كثيرو في علم البحار وكيفية تسيير السفن، هي من الأهمية العلمية والتاريخية بمكان عظيم. ومن مؤلفاته القيمة المعروفة كتاب اقتناه المجمع العلمي العربي بدمشق وهو موجود الآن في دار الكتب العربية الظاهرية. واسم هذا الكتاب (كتاب الفوائد في معرفة علم البحر والقواعد)، وقد
стр. 7789
كتب عنه المرحوم العلامة الشيخ سعيد الكرمي في الجزء الثاني من المجلد الأول من مجلة المجمع مقالا جاء فيه: (والكتاب عبارة عن مائتي صفحة كل صفحة ٢٣ سطرا يتضمن معرفة سير السفن في البحر بمعرفة منازل القمر ومهب الرياح ومعرفة القبلة. . .) ونجد في هذا الكتاب كيفية الاستدلال بمنازل القمر والروج على البلاد التي يقصدها المسافر، ويتبين منه أيضا أن المؤلف اتخذ بنات نعش وسهبلاً والناقة والحمارين والعيوق والعقرب والنسر الواقع والأكليل والسماكين والتير من جملة الأدلة التي تساعد المسافرين في الأسفار، وقال إنه علم ذلك بالاختبار، واعترف بأن ثلاثة من مشاهير الربابين سبقوه إلى ذلك، وأن الفرق بينه وبينهم (أن ما ذكره هو صحيح مجرب، وما ذكره أولئك ليس على التجريب منه شيء. . . .) ويوجد أيضاً في هذا الكتاب عرض بعض الثغور على الأقيانوس الهندي والبحر الصيني وشكل البرور ومراسي ساحل الهند الغربية والجزر العشر الكبرى المشهورة، وفيه وصف تفصيلي للبحر الأحمر بما فيه مراسيه وأعماقه وصخوره الظاهرة والخفية، وفيه أيضا بعض أسعار تتعلق بالملاحة والبحار، ويتبين من قراءة بعضها أنه كان معجبا بنفسه وبما استنبطه في علم الملاحة إذ قال:
يفوتك غفلة نظمي ونثري … وتزعم أن ليلك ذو نهار
فوالحرمين لم تظفر بعلم … يسرك في البحار وفي البراري
إذا ما الراميات رمتك فاعلق … بتصنيفي وحكمي في المجاري
ويجد القارئ في هذا الكتاب بعض أشعار تعلي من شأن العلم وتحببه للناس ويقول ناظمها إن طالبه والساعي إليه يزداد رفعة، وإن الذي لا يسعى إليه ولا يهمه منه شيء يورثه الله الذل والهوان. . .
العلم لا يعرف مقداره … إلا ذوو الإحسان عند الكمال
من ناله منهم ترقى به … ما بين أعيان الملا واستطال
ومن تراخى عنه هوناً به … أحوجه الله لذل السؤال
فذاك بين العلي أخرس … أقعده الجهل بصف النعال
ولابن ماجد رسائل عديدة أكثرها منظوم رجزا كرسالة (حاوية الاختصار في علم البحار) ففيها بحث عن العلامات التي يجب على الربابين معرفتها استدلالا على قرب البر وعن
стр. 7790
منازل القمر ومهاب الرياح وعن السنة الهجرية والرومية والقبطية والفارسية وعن طريق السفن على ساحل العربية والحجاز وسيام وشبه جزيرة ملقا وأطراف بلاد الزنوج وعلى سواحل الهند الغربية، وسواحل القرومندل والناط والبنغال وسيام حتى جزيرة بليطون وجاوة والصين وفرموزة، وعن سير السفن على سواحل جزر جاوه وسومطرة والغال ومدغشكر واليمن والحبش والصومال وجنوبي العربية والمقران، وعن المسافات بين الثغور العربية والثغور الهندية، وعن عرض الثغور على البحر الهندي. وله أيضا رسالة (المعرية) وفيها بحث عن الخليج البربري، ورسالة تبحث في معرفة القبلة في جميع الأقطار يقول في أولها: (لما رأيت الناس يميلون عن معرفة القبلة وليس لهم أصل علم يعرفونها به خصوصا في المدن اللواتي بقرب البحر وجزره التي يمر بها المسافر، نظمت هذه الأرجوزة وأقمتها بأوضح الأدلة وأساسها بأربعة وجوه: الوجه الأول بطول مكة المشرفة وعرضها وطول البلد الذي فيه الإنسان وعرضه، الوجه الثاني على الجدي، الوجه الثالث على بيت الإبرة، الوجه الرابع جهات الكعبة الأربع. . . .) وله أيضا أرجوزة بر العرب في خليج فارس، وأرجوزة السير في البحر على بنات نعش، وقصيدة تبحث في علم المجهولات في البحر والنجوم والبروج وأسمائها وأقطابها، وأرجوزة في بيان بر الهند والعرب؛ وله أيضاً قصائد أخرى بعضها يبحث في معرفة الجهات من الشعري والنسري ومن سهيل والسماكين، وله أراجيز غير التي مر ذكرها تتضمن ذكر المراسي على ساحل الهندي الغربية، وعلى ساحل العربية، وتبحث في فائدة بعض النجوم الشمالية في سير السفن، ويذكر فيها أيضا بعض الكواكب المفيدة للملاحة، ومنها ما يبحث في الطرق البحرية من جدة إلى جنوبي بلاد العرب فبعض بلدان وسواحل أخرى، ومنها ما يبحث عن الصخور البحرية والأعماق وعلامات البر وعن الحيوانات التي تعيش في الماء كالضفادع والأسماك والحيتان، وعن علم الفلك والملاحة. . . الخ.
هذه بعض مؤلفات ورسائل ابن ماجد أتينا على ذكرها ليتبن للقارئ الكريم أنه وجد في الأمة العربية من برع في الملاحة ومهر في تسيير السفن ومن ألف في ذلك المؤلفات القيمة والرسائل الطريفة. ومن الغريب أن يجد المرء في هذه المؤلفات وتلك الرسائل ابتكارات ونظريات في علم البحار ما كنت لتخطر على بال المتقدمين، وقد يعجب البعض إذا قيل له
стр. 7791
إن أكثر هذه المؤلفات ضاع وراح ضحية الإهمال وعدم الاعتناء وأن الموجود منها (وهو القليل) الذي عثر عليه بعض المنقبين والباحثين من الفرنجة بقي سنين عديدة المرجح الوحيد الذي يرجع إليه الملاحون في أوروبا. ولقد بقيت القواعد التي وضعها ابن ماجد من القرن الخامس عشر للميلاد إلى منتصف القرن التاسع عشر منهلا عاما لملاحي الشرق والغرب. وذكر برتن الإنجليزي أن بحارة عدن في سنة ١٨٥٤ كانوا قبل السفر يتلون الفاتحة إكراما لابن ماجد مخترع الإبرة المغناطيسية. ومما لا ريب فيه أن نسبة اختراع بيت الإبرة إلى ابن ماجد خطأ وليس فيه شيء من صحة، فقد ثبت لدى العلماء والباحثين أن استعمال الإبرة كان معروفا في أواخر القرن التاسع للهجرة أو الخامس عشر للميلاد، فالقول بأنه هو مخترع الإبرة غلط، وقد تكون النسبة آتية من مهارته في تسير السفن وبراعته في فن الملاحة ووقوفه على أصول الإبرة وكيفية استعمالها وفهمه المبادئ المنطوي عليها عملها وتأليفه الرسائل فيها.
ولقد ظهر في الأمة العربية كثيرون أمثال ابن ماجد من الذين أتقنوا الملاحة وتسيير السفن وعرفوا عنها شيئا كثيرا، وظهر فيها أيضا من ألف في ذلكالتأليف القيمة التي بقيت قرونا عديدة منبعا يستقي منه الأوربيون، وقد عرفوا كيف يستفيدون منها ويستغلون محتوياتها لما يعود عليهم بالتقدم والرقي، ولو جئنا نعددهم ونذكر خصائص كل منهم لطال بنا المطال، ولخرجنا عن موضوع هذا المقال، ولكنا نكتفي بسرد بعض الربانين والملاحين الذين قطعوا أشواطا بعيدة في علوم البحار وفي وضع الكتب الممتعة عن ذلك. من هؤلاء محمد بن شاذان وسهيل بن أبان وليث بن كهلان وسليمان المهري وعبد العزيز بن أحمد المغربي وموسى القندراني وميمون بن خليل وغيرهم. . .
. . . . . هذه ترجمة موجزة لملاح عربي مهر في الملاحة ونبغ في التأليف وترك آثارا جليلة كانت خير معين للذين أتوا بعده من رباني الشرق والغرب، إذ كانت لهم حلولا لألغاز علم البحار ومفتاحا للاطلاع على أسراره والوقف على دقائقه. ولا ندعي أننا في هذا المقال قمنا بشيء من الواجب نحو ابن ماجد فقد قام بواجبه غيرنا من الفرنجة وقد عرفوا قدره أكثر منا ولم نكن نحن في هذا المقال إلا عالة على بحثوهم ونتاج قرائحهم، وجل قصدنا من هذه الترجمة أن تثير في بعض الذين يعنون بالتاريخ الإسلامي اهتماما يجعلهم يوجهون
стр. 7792
بعض عنايتهم لناحية الملاحة عند العرب لينفضوا عنها غبار الإهمال ويظهروها على حقيقتها واضحة جلية لا تشوبها غموض، إذ الوقوف على هذه النواحي والتعرف على مآثر السلف في العلوم والآداب والفنون والاطلاع على سير رجالهم وما أدوه من جليل الخدمات للحضارة يخلق في النشء العربي روح الاقتداء بهم وروح اقتفاء آثارهم، وما يذكي فيهم الشهامة وحب ركوب المخاطر، وإن في هذا كله ما يخلق أيضا روح الإقدام وروح المغامرة، وهذا هو الذي يوصلهم إلى ما يصبون إليه من عز لأمتهم ورفعة لقوميتهم وإعلاء لشأن حضارتهم.
نابلس
قدري حافظ طوقان
стр. 7793
كتاب حياة محمد
تأليف الدكتور محمد حسين هيكل
بقلم الأستاذ م. ف. ا
حل العام الهجري الجديد، ونرجو أن يكون حلوله مباركاً على العالم أجمع، وأن يشمل العالم من نعمة دين الهجرة في العام الجديد أكثر مما ناله في العام المنصرم. إذا تطلب الإنسان مثلاً على في الحياة تطلع إلى دين محمد، وإذا تطلب الطمأنينة لجأ إلى كنف دين محمد، وإذا اشتدت به الحياة المادية جنح إلى روحانية دين محمد، فأي شيء أشهى إلى النفس من أن تقرأ شيئا عن محمد في مستهل العام الهجري الجديد؟
هكذا قد قرأت كتاب الأستاذ المفضل الدكتور محمد حسين هيكل (حياة محمد) عند ميلاد هلال العام الجديد، فكانت بشرى، وكانت مسرة، وكانت عظة. والدكتور هيكل شاعر النفس، وإن لم يقل الشعر. لم يكن لي عهد بقراءة شعر له، حتى أعرف فيه هذه الصفة. غير أني قرأت له الكتاب، فإذا به في بعض نواحيه شعر يملأ النفس ويثير أشجانها. ولئن كانت كتب السيرة كثيرة، فإن كتاب الدكتور هيكل له ميزة على سائر السير بأنه قد انعكست فيه مشاعر الكاتب وخلجات نفس الإنسان، فإذا قرأه القارئ وجده يصور صورة حية تامة ناطقة في ثنايا ذكر الحوادث ووصف الحالات.
يبلغ الكاتب زيارة الرسول مع أمه آمنة. ثم عودتها منها وموتها في الطريق، فلم يشأ أن يذكر تلك الحادثة وحدها، بل لها صورة ظاهرة الألوان، حية تفيض عطفا وقوة فيقول: (فلما كانوا بالمدينة أرت الغلام البيت الذي مات أبوه فيه، والمكان الذي دفن به، فكان ذلك أول معنى لليتيم انطبع في نفس الصبي، ولعل أمه حدثته طويلا عن هذا الأب المحبوب الذي غادرها بعد مقامه معها أياما معدودة ليجيئه بين أخواله أجله.
ولما تم مكثهم بيثرب شهراً اعتزمت آمنة العودة، فركبت وركب من معها بعيريهما اللذين حملاهما إلى مكة، فلما كانوا في منتصف الطريق مرضت آمنة بالأبواء وماتت ودفنت بها، وعادت أم أيمن بالطفل إلى مكة منتحباً وحيداً يشعر بيتم ضاعفه عليه القدر فيزداد وحدة وألما. لقد كان منذ أيام يسمع من أمه أنات الألم لفقد أبيه وهو جنين ما يزال، وهاهو ذاقد رأى بعينيه أمه تذهب كما يذهب أبوه، وتدع جسمه الصغير يحمل هم اليتم كاملاً).
стр. 7794
ولو شئنا أن نضاعف ضرب الأمثلة لضاق مجال الكلمة عن إيرادها، فالحق أن الكاتب قد أبرز في الكتاب عاطفة تكسو ما بين سطور السنين، وتحي جسد الحوادث إحياء
ولقد وفق الكاتب في معالجة السيرة مراعاة التناسب بين أجزائها، فكان يطيل الوقفة عندما يجمل به الوقوف عنده، وكان يمر سريعاً عندما يجمل الإسراع في ذكر الحادثة. ونذكر على سبيل التمثيل وقفتين له أحسن في التريث عليهما من الدلس: أعني مسألة إسماعيل ونسبة العرب إليه، ومسألة الغرانيق العلا. فأنه في الوقفة الأولى كشف عن تلك البدعة المضلة التي يقصد بها إلى التشكيك في أمر يكاد يكون من العقائد، فأبان عن الوهن في حجة المشككين إبانة لا تدع مجالاً للريب؛ وفي الوقفة الثانية عرض لحجج الخائضين فانتظمها جميعا في طعنة قاضية. ولست أستطيع أن أذكر شيئا من تلك الحجة، فإن المجال هنا لا يتسع لها ولا يصلح إيراد قطعة من حجة لا تكون مجزئة.
على أن وقفاته التي من هذا القبيل كثيرة، بل هي تتخلل الكتاب في كل الفصول وفي كل وجوه البحث.
غير أننا مع إعجابنا بالكتاب وأسلوبه، ونقده وطريقته، لا يسعنا إلا أن ننكر منه أشياء إلا تكن في صميمه فهي في حواشيه، نعني بذلك أولا عنايته بقول من قال السوء من أعداء الإسلام، فقد أورد من أقوال بعض الأفاكين من أهل الضلال والتضليل ما يجرح الأذن سماعه، على حين لم يكن ذكره في صميم الموضوع ولا في عرض الحجة. فأي شيء يجديه علينا ذكر سباب شنيع للرسول الكريم ورد على ألسنة بعض أهل الحقد والزيغ؟ ولقد قيل شيء من أمثال ذلك في أيام الجاهلية، فتعفف أهل السير عن إيراده، وخيراً ما فعلوه، فإن المؤمن إنما يتعرض لحجة خصمه، لا لسبابه ولا لفحشه، وما كان أغنانا أن نُسمع الناس بعض ما نز من قلوب هؤلاء الأنجاس.
وأمر آخر نذكره عرضاً وننبه إليه الأستاذ الكبير، وهو بعض ما سها فيه عند ذكر السنين، ولعل ذلك كان خطأ في الطبع أو المراجعة، وذلك مثل قوله في حوادث اليمن؛ وما كان فيها من الحرب في أيام جوستنيان أنها وقعت في القرن الخامس الميلادي والمقصود هو القرن السادس، لأن حكم جستنيان يقع فيما بين سنتي ٥٢٧، ٥٦٥ بعد الميلاد؛ وكذلك قوله بعد ذلك هذا النزاع الذي كانت اليمن مسرحه منذ القرن الرابع المسيحي، كما ننبهه إلى
стр. 7795
قوله عند ذكر الأوس والخزرج إن الخزرج كانت على وشك أن تختار أحد زعمائها ملكاً وهو (عبد الله بن محمد)، يقصد به عبد الله بن أُبي.
ومن هذا القبيل قوله في فارس قبيل الإسلام (على أن فارس رغم انصراف شيرويه إلى مسراته كانت ما تزال في قمة مجدها). والحق لقد كانت إنما تتعلل بماض مجدها، على حين كانت نهب الفتن ومعترك الأطماع وميدان الخطط الحربية التي تدبرها جارتها الدولة الرومانية.
ولا يفوتنا أن ننبه إلى شيء من التجوز في سياق القول قد يؤدي إلى شيء من سوء الفهم، نعني ما جاء في وصف شباب الرسول وما مالت نفسه من لهو الشباب، فقد أورد المؤلف الخبر عن الرسول إذا كان صبياً تحدثه نفسه أن يلهو كما يلهو الشباب، فأفضى إلى زميله ذات مساء أنه يود أن يهبط إلى مكة يلهو ويعبث عبث الشباب في جنح الليل، وطلب لذلك إليه أن يقوم على حراسة أغنامه إلى آخر ما قال:
وذكر القصة على هذا النحو مخالف لما هو وارد في السير، لأنه قد يلقي في ذهن القارئ الخالي الذهن أن الرسول المعصوم قد كان في نفسه في شبابه ذلك الميل المضطرم إلى العبث واللهو. فليس في الأمر أكثر من أن الرسول ﵊ طلب إلى زميله أن يحرس غنمه حتى ينزل إلى مكة ليسمر فيها كما يسمر الفتيان، فلما بلغ أعلى مكة سمع صوت غناء ومزامير، فسأل عنها فقيل له عرس فلان وفلانة، فعرج على العرس يلتمس السمر، ولكنه لم ينشط إلى ذلك الطرب، بل ضرب الله على أذنه فنام، وبذلك حفظه الله من أن يرد أقل موارد اللهو، إذ لقد كان قلبه منصرفاً منذ نشأ إلى الجليل وإلى الجد. ولا يخفى ما في إيراد القصة على الصورة الثانية من فرق عما في التصوير السالف. فالرسول ﵊ منذ طفولته عظيم النفس لا يميل إلا إلى الوقار والجد. ولقد كان جده عبد المطلب يراه وهو صبي يجلس على البساط الذي يفرش له بجوار الكعبة، لا يجرؤ أحد على أن يقترب من كبير قريش إلا ذلك الصبي الصغير، فكان عبد المطلب يقول عنه في كثير من الإعجاب: (إنه يأنس ملكاً) ولقد قال النبي ﵊ في وصف حاله العامة: (لست من ددٍ ولا ددٌ مني) أي أنه كان لا يميل بطبعه إلى اللهو فلقد تنزه مقام الرسول عن أن تسول له نفسه الهبوط إلى مكة ليصيب من لهوها ويعبث فيها عبث
стр. 7796
الشباب في جنح الليل؛ فلكم كان بمكة من فجور ما أبعد الرسول في صباه عن أن تحدثه نفسه بشيء منه، وما أبعد الفرق بين عبث الشباب ولهوه وبين السمر البريء الذي يسمر به الفتيان. ولقد وصف المؤلف في عرض حديثه حياة الجاهلية وعلاقة الرجل بالمرأة فيها، ونرى أنه في حكمه على تلك الحياة كان دائما يميل إلى أن يتخذ من الجزئيات أحكاماً كلية، ولم يكن في هذا مقتصرا على تعميمنوع واحد من الأحكام، بل كان أحيانا يعمم فضيلة لم تكن عامة، وأحياناً يعمم رذيلة لم تكن عامة. فقال مثلاً في موضع: أن العرب كانوا قبل الإسلام تجتمع فيهم (خلال الكرم والشجاعة والنجدة وحماية الجار والعفو عند المقدرة، وما إلى ذلك من خلال تقوى في النفس كلما قاربت حياة البادية الخ).
وهذه الخلال وإن كانت مثلاً عليا عند العرب لا يمكن أن يقال إنها كانت خلالاً عامة للعرب. وقال في موضع أخر: (إن صلات الرجل والمرأة في هذه الجماعة العربية لم تكن تعدو صلات الذكورة والأنوثة) وقال في موضع ثالث (وبلغ من أمر هذه الصلة - أي صلة الإباحة بين المرأة بالرجل - أن لم تأب هند زوج أبي سفيان أن تقول في أشد مواقف الجد والشدة وهي تحث قريشا حين الحرب يوم أحد:
(إن تقبلوا نعانق … ونفرش النمارق) الخ
وقال بعد ذلك: (ثم إن المرأة كانت إذا ولدت، ولم يعرف لمولودها أب، لم تأب أن تذر من لامسها من الرجال الخ).
وهذه القطع كلها فيها تعميم لا تبرره الوقائع، يدرك ذلك كل من ألم بتاريخ العرب، ولا يتسع المجال هنا لنقض مثل هذه العبارات العامة، وإنا نجتزئ بذكر كلمة صغيرة قالتها هند عندما جاءت لتسلم عند الفتح إذ قال لها النبي يعلمها قواعد الدين: (وألا تزني) فقالت (وهل تزني الحرة).
على أن المؤلف وهو يصف أحوال الجاهلية قد نسي فزاد التعميم حتى جعله يتناول عهد عمر بن أبي ربيعة، واستدل على ذلك بما يمكن أن نقرأ في شعره من دلائل علاقات المرأة بالرجل
فالحق أننا إذا خرجنا من الوقائع ومنطقها. ومن ذكر السيرة ومواقفها لم نجد في وصف الحالات الاجتماعية ما نستطيع الإعجاب به. فإن الدكتور قد درس السيرة، وأسبل المنطق
стр. 7797
على مواقفها. ولكن الذي يتناول السيرة لا يكفيه مثل ذلك الدرس بل يجب أن يكون كذلك قد سبق له حظ عظيم من العلم بتاريخ العرب وأيامها وأحوالها كيما يكون في استطاعته أن يحسن الحكم على عاداتها، وأن يحسن تأويل أخبارها. ولعله قد أدرك أن قوله فيه هذه المبالغة فاتهم القارئ وقال (ربما بدا هذا التصوير للقارئ المعجب بالعرب وحضارتهم وللمعجب حتى بعرب الجاهلية، مشوبا بشيء من الغلو، وللقارئ العذر في ذلك) ولقد صدق المؤلف في هذا الاستدراك.
على أننا وإن أخذنا هذه المآخذ على الكتاب نرى أنه فتح جديد في التأليف الحديث، ونشكر للدكتور الفاضل والمؤلف النابه الهدية الثمينة التي أهداها إلى قراء العربية.
стр. 7798
ضحى الإسلام
تأليف الأستاذ أحمد أمين
بقلم الدكتور عبد الوهاب عزام
أخرج أستاذنا العلامة أحمد الأمين كتابه فجر الإسلام، وهو أحد أجزاء ثلاثة بهذا الاسم، تقسمت بينها تاريخ المسلمين الفكري والأدبي والسياسي في الصدر الأول
ثم تقدم أستاذنا ليبلغ بالبحث نهاية العصر العباسي الأول، فأخرج الجزء الأول من كتابه ضحى الإسلام عام أول، وامتد به البحث فأخرج الجزء الثاني هذا العام، ومضى ليخرج الجزء الثالث والجزء الرابع إن شاء الله
وقد تلقى الناس كتب الأستاذ بالقبول، وأفوه حقه من الثناء، ونالت الكتب من الذيوع والانتشار ما هي جديرة به، ولكن هذا الثناء لا يكفينا ولا يجدي علينا كثيرا. فهذه الكتب تتناول تاريخ الحضارة الإسلامية في أعظم نواحيها أثناء القرنين الأولين، وفيهما كان نشوء الحضارة الإسلامية ونمائها، واختلاف الآراء وتنازعها. ولم تدرس هذه الموضوعات على هذا النسق من قبل، فواجب على كتاب المسلمين، وكل من يعنى بتاريخ الحضارة الإسلامية أن يجعلوا من هذه الكتب مدار بحث ونقد، ويشتقوا منها أبحاثا تبلغ بهم الغاية أو تقاربها، وتكمل ما يكون في الكتاب من إيجاز. وفي ذلك معاونة المؤلف في عمله الشاق. فإنا إذا بحثنا فقلنا للمؤلف أصبت أو أخطأت وأدلينا بالحجة فقد أعناه على بلوغ غايته، وسررناه بالاهتمام بما اهتم به. علينا أن نتلقى هذه الكتب بالبحث المتصل وللنقد المخلص لله والحق، ونجعلها قطبا لطائفة من المناقشات حتى ننير، على قدر الطاقة، ما أظلم من جوانب الحضارة الإسلامية
وقد هممت منذ صدر الجزء الأول من ضحى الإسلام بالكتابة عنه ثم حالت حوائل حتى ظهر الجزء الثاني. ثم لم أفرغ للكتابة عنه في هذا العدد الممتاز من الرسالة، فبادرت بدعوة الناس إلى الكتابة واعدا أن أكتب في الأعداد الآتية ما يتيسر لي في ضحى الإسلام
وقد قلت في كلمتي القصيرة التي قلتها في حفلة تكريم أستاذنا العلامة أني وبعض أصحابي عزمنا أن نقرأ الكتاب ونكتب عنه في دار الأستاذ المؤلف ثم عرفت آسفا أن صفحات الرسالة أقرب إلينا من دار الأستاذ وأوسع فموعدنا الأعداد الآتية
стр. 7799
أحاديث جدتي
تأليف الآنسة سهير القلماوي
بقلم الأستاذ محمود الخفيف
تناولت هذا الكتاب الظريف، فما وضعته حتى أتممت قراءته، ولكم تمنيت لو طالت تلك الأحاديث الرقيقة وما زخرت به من الصور الطلية، فشغلت من الصحائف أكثر مما ضمه بين دفتيه ذلك الكتاب، فإن إعجابي بها وشدة تأثري بأخيلتها الهادئة الساحرة قد جعلاني أشعر عند انتهائها بما كنت أشعر به ليالي الطفولة العذبة حين كانت تنتهي الحكاية الشيقة بغتة وأنا أكثر ما أكون استمتاعاً بها.
على أن الشيء الجميل إذا علق بالنفس فإنما هو مبعث سرور دائم، ولقد يتزايد ما يبعثه في النفس من الغبطة بعد أوانه. ذلك ما أحسه بعد قراءة هاتيك الأحاديث الجميلة، وهي سلسلة أحاديث دارت بين الكاتبة وجدتها تصف الحياة المنزلية والحياة الاجتماعية للجيل الذي سبق جيلنا؛ أثارتها الذكريات من نفس الجدة فتحدثت عن الحياة المنزلية، ثم أعاد إلى ذهنها استشهاد فتاها في الحرب ذكر الثورة العربية، فوصفتها معلقة عليها ثورة أفكارها وخواطرها، إلى أن عادت في نهاية الكتاب إلى وصف الحياة الزوجية وما كان يتخللها من عواطف في ذلك الجيل
استطاعت الكاتبة النابهة في غير تكلف أن تقدم بين يدي كتابها جوا خياليا لطيفا، يستهويك فيخيل إليك أنك تسمع ولست تقرأ، وكأنك تعيش في هذا المنزل وتراها تستمع إلى جدتها، وترى ما تصف لها من أماكن وأشخاص. نعم كأنك ترى عائشة لا تعرف كيف تلبس البرقع فتضحك صاحباتها، وكأنك ترى الشيطان يقطع عليها صلاتها بطرطوره الأحمر، وكأنك ترى إسماعيل معلقا في العمود، وصباح تهش عنه البعوض متألمة باكية، بل لكأنك أنت الذي تحس لذعات البعوض، ثم كأنك ترى الحمام وتسمع ما ينبعث منه من أصوات، وكأنك ترى غير هذا من المناظر المؤلمة، فترى الجيش المحتل يخترق شوارع القاهرة، وترى الجدة تأخذ سكين المطبخ تدفع بها كيد الضابط الذي يطرق الباب، وكأنك ترى مذبحة الدراويش في أحراج الأبيض، إلى غير ذلك من المواقف القوية المثيرة.
وتحت تأثير ذلك الخيال توحي إليك (سهير) أحاديث الوفاء والوطنية والبطولة، وتعرض
стр. 7800
عليك طرفا من انتقادها وآرائها الصائبة عن حياتنا الاجتماعية بين الماضي والحاضر. وإن أنس من شيء فلست أنسى أبدا ما كان من نبل أنجاس وزوجها، وما بعثه موقفها في قلبي من غبطة وما أثار من عاطفة، ولكن مالي أذكر فصلا بعينه والكتاب كله حديث لا ينسى؟
وإنك لتجد في لأسلوب الكتاب ناحية من نواحي جماله، إذ لا يسعك حين تتذوق تلك السهولة العذبة إلا أن تعترف بما لهذا الأسلوب الرائق من أثر قوي في تحبيب الكتاب إلى نفسك.
لقد آن لنا أن نتجه إلى الأدب الإنشائي الخالد، وننصرف عما أسرفنا فيه من أدب وصفي لا يمت إلى الحياة بصلة قوية، نعم آن لنا أن نخلص من أدب المقالة، ونتجه إلى القصة، آن لنا أن نرفع المرآة لتنعكس فيها طبائعنا وحياتنا؛ وإني لأقرر هنا مع مزيد من الغبطة أن هذه الأحاديث التي أقدمها إلى القراء من البواكير الطيبة في هذه الناحية التي نتوق إليها، وأدعو فتياننا وفتياتنا إلى الاستئناس بتلك الروح اللطيفة، والاستمتاع بذلك النموذج الصادق، فيما ينشدون من نهوض، أو يتوخون من لذة. هذا وإني أقدم إلى الكاتبة النابهة ثنائي وإعجابي.
الخفيف
стр. 7801
العدد ٩٤ - بتاريخ: ٢٢ - ٠٤ - ١٩٣٥
стр. 7802
جمعية نهضة القوى
احتفلت هذه الجمعية البرة منذ يومين بانقضاء عامين من جهادها النبيل في إنهاض القرية المصرية. وهذه الجمعية هي أيضا من أعمال الشباب؛ ولعلها أقرب أعمالهم الجليلة إلى الخير المحض! فإن ما ركبوه إلى اليوم من قحم السياسة، وما عالجوه من خطط الاقتصاد، إنما كان مبعثه الغرور القومي، أو الشعور الوطني، أو هما معا؛ أما هذا العمل الخالص عاطفة البر في الإنسان بأخيه الإنسان؛ وهذه العاطفة إنما غرستها في القلوب يد القدرة، وأنمتها قوة الفطرة، وفرضتها طبيعة الحياة، ليحصل بها التئام شمل الناس، وانتظام عقد المجتمع، واتحاد وجهة الإنسانية بالتعاون والتضامن إلى كمال البشري الممكن
راع الشباب - وهم موضع الحس المرهف من الأمة - ما جره تفشي الأمية على القرى المصرية من انقطاع السير، وانخزال الحركة، وانتشار العلل، وانفجار الأحداث، واغبرار العيش، وهي مصدر القوة للشعب، ومورد الثروة للوطن، فحشدوا جنودهم في هذا الميدان، وسددوا جهودهم إلى هذا الغرض، وراحوا يهاجمون الجهل والفقر والمرض في تلك الحظائر أو المقابر التي ضمنت أجوافها السود أربعة أخماس الأمة، ثم دأبوا يقرعون الآذان بالخطابة، ويخزون الضمائر بالكتابة، ويهيبون بالحكومة والقادة أن يأخذوا من تجميل المدينة لتأثيل القرية، ومن ترف الباشا لحاجة الفلاح، ومن فلسفة الخاصة لأمية العامة، حتى ارتفعت حجب الأسماع، وانكشفت أغطية القلوب، فعطف على قضية القرويين رجال البلد من أولي الحكم وأهل العلم وذوي المثالة، وألفوا من قدرة الشبيبة، وخبرة الكهولة، دستور العمل المنتج لإنجاد الفلاح وإسعاد القرية
لعل أنطق الأدلة بخطورة العمل الذي تقوم به هذه الجمعية الجليلة أن
أصف لك قرية أعرف بيوتها كما أعرف بيتي، وآلف أهلها كما آلف
أهلي، وستجد حين توازن بين قريتي وقريتك أنني وصفت على الجملة
قرى مصر جميعا:
كومة من سبانخ الأرض قام عليها أكواخ متلاصقة من اللبن، سقوفها بالخشب والقصب، وحلوها بالعلف والحطب، وجملوها بشرفات من الروث اليابس، ثم جعلوا ظهورها خلاء للحاجة، وبطونها مسرحا عجاجا لشتى الأوالف والدواجن من الكلاب والقطاط والعجول
стр. 7803
والدجاج والبط، ثم جمعوا بين قاعة الإنسان وزريبة الحيوان في فناء واحد، فالحديث يمتزج بالخوار، والمضغ يشتبه بالاجترار، والرجل والثور، والمرأة والبقر، والطفل والعجل، يعيشون في شيوعية عجز عن تحقيق حلمها (الروس)! لا يؤديك إلى هذه الدويرات العمى مسلك واسع ولا طريق مشروع، إنما هي طوائف وطوائف، تفتحت كل طائفة منها على زقاق ضيق غير نافذ، ولن تستطيع الدخول في هذا الزقاق إلا من الطريق الدائر حول القرية!. . . بلى قد يشق البلدة منفذ صاعد هابط متحدر متعرج وعر، ولكنه بين الفجوات والحفر يكون أشبه بصراط الحق بين مزالق الفتنة
يركبها من الشمال مستنقع ومن الجنوب مستنقع، ثم يحيط بها ويتخللها من السرجين والسماد منها الرطب ومنها اليابس، وفي أحضان هذه التلال، وعلى حوافي هذه المناقع، قامت مجالس القوم، يجلسون فيها تحت الجدران وفوق المصاطب يستجمون حينا من العمل الدائب والعناء المرهق، لا يألمون لسع البعوض، ولا ينكرون ريح الوحل؛ ثم لا يجري بينهم إلا الحديث القابض كتضاعف الدين على الأرض، وتحكم المالك في الريع، وفتك الآفات بالزرع، وإلحاح الكساد إلى القطن، وما تدخله تلك الحال على النفس الجاهلة من وساوس الأطماع وسخائم الحقد وغوائل الحسد!
اصطلحت على دمائهم الفقيرة جراثيم الملاريا والبلهارسيا والانكلستوما، فغدوا كواسف الوجوه، خواسف الجسوم، خوائر القوى، يعالجون المرض بالصبر، ويخففون الألم بالتسليم، ويدافعون الموت بالتعاويذ، ويسيئون الظن بالمستشفيات التي لا تقبلهم إلا بالشفاعة، ولا تعاملهم إلا بالفظاظة، ولا تحسن علاجهم إلا بالمال في العيادات الخاصة. . . وأين المال من رجل كل ما يملكه أجرة يومه لقوت يومه؟ وليت هذا القوت كان من الأقوات التي تصلح الجسم، وتدفع السقم، وترد العافية! إنما هو في الغالب رغفان من الذرة أو الشعير مأدومة ببعض أحرار البقول واللبن المملح. . .
استغل الملاك ضعفهم، والمرابون جهلهم، فوضعوا أيديهم على أختامهم يطبعونها على العقود والصكوك في غير رحمة ولا ذمة، حتى إذا انقضى الحول وآل كدح الأسرة الناصبة، وجهد الماشية الاغبة، وشقاء الفلاح المسكين، إلى الثمرة المرجوة، عدا عليها الدائن اللص، أو المالك الظالم، فجباها لجيبه، أو جناها لمخزنه
стр. 7804
ذلك على الإجمال وصف القرية، فهل تجد فرقا بينها وبين أخصاص الهمج في نشأة الحياة وطفولة الزمن؟ وتلك هي على التقريب حال الفلاح، فهل تجد فرقا بينه وبين البهيم الذي لا يصطنع العلم، ولا يدعي المدنية، ولا يزعم لنوعه الرقي؟
فإذا استطاعت هذه الجمعية الشابة أن تجعل من هذه الأقذار المركومة مسكنا يجمل في العين ويجدي على الصحة، ومن هذا الكائن المهمل رجلا يشعر بالحياة ويسير مع الأمة، فقدر في نفسك أي واجب تؤدي وأي خير تفيد!!
أحمد حسن الزيات
стр. 7805
٤ - كلمة وكليمة
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
لا يفشو الكذب إلا في الأمم؛ فإذا فقدوا سلطة الحكم واستشعروا في الحياة معنى فقدها، سلطوا أنفسهم على ما يسهل الحكم عليه لكل ضعيف: على المعاني في ألفاظها. . ولكن هذا أيضا كذب في الحكم. . .
إذا رأيت قوما عمهم الكذب في باب ما يفتخر به، فاجعل هذا وحده في تاريخهم باب ما سقطوا به
تمتم بعض اللذات في الحرمان من بعض اللذات
ما أسعد العقل الذي يتأثر ببلاهة كالطفل؛ ولكن هل يسمى عقلا. . .؟
الحب في طبيعته حمق عاقل؛ ألا تراه حين يبغض كيف ينقلب إلى الصورة الأخرى فيكون عقلا أحمق؟
أشد العداوة لا تكون إلا من أشد الحب
كرهت رجلا من الدين، وكرهت امرأة في الحب؛ فكان النزاع بيني وبين من كرهت كالنزاع بين دينين لا بين شخصين
من أسخف ما رأيته تنبل الموظفين بثيابهم وظاهر هيأتهم؛ تكون وظيفة أحدهم ستة جنيهات في الشهر، وهو مدين للخياط في أثنى عشر. . يريد أن يقلد الرئيس الكبير في تقرير مكانته بجاه الحكومة؛ فيقررها ولكن بجاه الخياط. . .
لو تاه غني في الصحراء ونفد زاده ثم أصاب رغيفا ملقى هناك - لعرف به لذة الفقر، ولأدرك أن أغنى الغنى يعجز أن يؤتي النفس مثلها. إن إمكان المتعذر وهو وجود تام السعادة بنفسه، وهذا ما حرمه الأغنياء وهو للفقراء كل يوم
قاعدة الحياة أن ما امتنع على الجسم من شهواته جعلته الروح من مسراتها؛ ففي بعض الفقر نوع من الثروة، وفي نوع من الحرمان بعض العطاء. ولكن أين الروح القوية التي تعرف هذا الضرب من المعاملة وتصبر عليه، وأكثر الناس في معاملة الله كالأبله يعطي صكا بألف دينار على (البنك) فيحسبه ورقة كالورق فيمزقه أو يلقيه ويذهب يتوجع من الفقر. . .
стр. 7806
لا يجمع الطفل على نفسه همين في وقت معا، بل يحصر نفسه في الهم الواحد ليخرج منه أقوى وأسرع ما استطاع. ولكن أين من يقدر على هذا إلا الطفل في همومه الصغيرة؟
رؤية الكبار شجعانا هي وحدها التي تخرج الصغار شجعانا. ولا طريقة غير هذه في تربية شجاعة الأمة
يقول أهل السياسة أحيانا في الاعتذار إلى الضعفاء المساكين: أيها العقلاء! إن هذا لا يمكن أن يحدث
والمعنى السياسي: أيها البله! إنه لا يمكن أن يحدث إلا هذا. . .
إذا دام ما أرى من حماقة الشرقيين الناقلين عن أوربا؛ فستنقل أوربا يوما عن الشرقيين متى احتاجت إلى مخازيها في شكل همجي. . .
أبلغ ما في السياسة والحب معا: أن تقال الكلمة وفي معناها الكلمة التي لا تقال. . .
الحرب تصحيح لخطأ وقع في السلم أو لما يزعمه القوي خطأ وقع. فلن تنتفي هذه الحرب من الدنيا إلا يوم تربى الذئاب تربية خروفيه. . .
دارها في الزينة والمرح كأنما هي متزوجة أيضا
طبيعة المرأة بفنها منزلية حجابية. والدليل على ذلك وضع امرأة جميلة تعمل في مصنع فيه رجال. فطبيعتها بفنها لا تجعلها حينئذ إلا بين أثنين: إما تطرد من بينهم، وإما أن تكون بينهم كالزوجة. . .
يمثل النساء الغاليات في المطالبة بحقوق المرأة فصلا من رواية العاطفة في شكل من الحق؛ يردن المطاردة والسلام. . .
كن الرجل في معانيه القوية فلن تجد المرأة معك إلا في أقوى معانيها
وددت والله لو أمكن أن يجتمع المطالبات بحقوق المرأة على زعيمة واحدة يخترنها من نساء العالم كله؛ فلن تكون هذه الواحدة إلا المرأة التي يستحيل أن يتزوجها رجل في العالم. . . . . .
قضت الطبيعة قضاءها: أن سعادة المرأة في أن تكون هي سعادة لغيرها؛ فنساء المعامل والحوانيت هن. . . هن والله الشريدات المتصعلكات
أنا مستيقن أن العلم سينتهي إلى إثبات هذه القضية: إن المرأة مريضة بأنها أنثى
стр. 7807
الخطأ والمرأة: كلاهما أكبر همه أن يظهر ويغلب. . .
طلب الخليفة المنصور إماما زاهداً عظيما ليوليه القضاء. فلما دخل الإمام قال للمنصور: كيف حالك، وكيف عيالك، وكيف حميرك. . . فقال أخرجوه فإنه مجنون
كذلك يضطر الرجل العظيم أن يخرج أحيانا على عقل سواه ليخرج بعقله هو
الفيلسوف الحق هو الذي ينتهي من نفسه إلى موضع عقلي يكون فيه مع الحياة كما يكون القاضي موضعه العقلي مع الحوادث: تأتيه ليحكم لا تحكم عليه
قلة الرغبات هي قلة الهموم
استطراد
عندما انتهيت إلى هذا الموضع من تصنيف هذه الكلمات، ألقي إلى كتاب ورد من مدينة (حمص) يذكر فيه صاحبه ضيقا وشدة ويسأل: (ما هو علاج الملل النفساني واليأس الدنيوي، عن لم يكن الموت، عن لم يكن الانتحار؟)
ثم يرجو أن يتولاه أول عدد ينتهي إليه من (الرسالة) كيلا يبغي على نفسه؛ وهاأنذا أعجل له كلمات تأتي على أثرها إن شاء الله في العدد التالي مقالة الانتحار
كان عمر بن الخطاب - وفي يده الدنيا - يشتهي الشهوة من الطعام ثمنها درهم، فيؤخرها سنة. يثبت لنفسه بذلك أنها نفس عمر
ليس الذي ينتحر هو صاحب النفس العاملة بإيمانه؛ فإن هذا تنتحر شهواته، ومطامعه، وخسائسه
الانتحار كفر صريح يذهب بالدنيا والآخرة؛ فاليائس وهو يفكر أن ينتحر إنما يقول لله بلغة فكره: إنك عاجز
أنت عجزت أيها الإنسان فأيقنت أنك لا تستطيع أن تغير أطوار الدنيا؛ ولكن كي نسيت الذي يستطيع أن يغيرها وهو يغيرها كل طرفة عين؟
لا يمكن أن ترضيك الدنيا كلما أحببت ولا بكل ما تحب، فلست أنت العاصمة في مملكة الله؛ ولكن الممكن أن ترضى أنت بما يمكن
لقد عجزت أن تنال شيئا به درجة؛ أفعجزت أن تستغني عنه فتنزل درجة؟
في الأرض ناس على أطباق بين الملك إلى الزبال. أفيجتمع الزبالون جميعا فيمجزرٍ
стр. 7808
لينتحروا إذ لم يكونوا ملوكا؟
ليست الدنيا بما فيها هي التي ترفعك عند نفسك أو تخفضك؛ بل فكرك بما يكون هو يخفضك أو يرفعك. ومن الذي يملأ فكرك غيرك؟
سر سعادة المؤمن على ما يجد من الفقر والشقاء في هذه الحياة؛ أن في ضميره من فكرة الآخرة وجودا إلهيا عظيما فيه الرضى الدائم عن الله، والصبر الدائم على قضاء الله، والأمل الدائم في رحمة الله. فكل حرمان الدنيا يذهب في الرضى فلا حرمان، وكل مصائبها تقع في الصبر فتتحول معانيه، والأمل الدائم في رحمة الله قوة للقوتين
(طنطا)
مصطفى صادق الرافعي
стр. 7809
ربيع الغوطة
للأمير مصطفى الشهابي عضو المجمع العلمي ومدير أملاك الدولة
بدمشق
جلست في الدار في سفح (قاسيون) أجيل الطرف في أرجاء الغوطة الفيحاء، وقد ازينت للربيع وتبرجت وتجلت فتنة للناظرين. وجرت مياه بردى ومشتقاته صخابة جرافة، قد بجسها شتاء هذه السنة الممطار، بعد أن لبثت ثلاث سنين لاصقة من الجفاف بأرض النهر، وهي تتنغص وتتمور كأنها ترتقب من يدفعها إلى جنان الغوطة دفعا؛ ودبت الحياة في الأشجار الغبياء، فأرسلت عساليجها تتنشق أنفاس الربيع العليلة، وأطالت غماليجها تستقبل أشعة الشمس المنعشة، ونشرت أوراقها تهيئ للدوح وسائل الحياة وغضارة العيش
وبشر اللوز بإقبال الربيع فنور. وأعقبه المشمش فاشتعل زهرا وتضوع عطرا، وملأ جو الغوطة بهجة وإشراقا. وغار التفاح والكمثري والخوخ فعمدن إلى الازهرار، وتلألأن بالنوار، وسكر الصفصاف المستحي فدلى أغصانه وتمايل، وانتصب الحور فصعر خده وتثاقل، وعربد الجوز الدواح فنثر هريراته ذات اليمين وذات الشمال، وترزن السرو الجبار المتشائم وصاح قائلا كلنا للزوال. وابتسم الزيتون بأوراقه الخضر الحانئة، وقد نثرت أرومته السنون، وكسر فروعه الدهر الطحون. أما الرمان فلبث عاري الجسد ينتظر الدفء، فما ازدهى بنوره، ولا أشعل الجو بناره
وجن جنون النباتات البرية، فنبتت بين الزروع وعلى ضفاف الجداول وفي كل أرض سبخة أو بائرة، فالخردل هجم على الحنطة فكساها من زهره حللا صفرا، والنرجس نجم في مياه المناقع ونثر فوقها دررا وتبرا، وبدت شقائق النعمان بألوانها الزاهية، وتجلى الخشخاش بحمرته القانية، وتضوع البابونج والأقحوان، واستسرا تحت جنبه الآس والرمان
وشاركت الطير النبات فهبت تغرد بشتى الألحان، وتتراقص في كل مكان. فمن سمانيات تغلغلن بين الزروع خشية الصيادين، وشحارير سود الجلابيب إن طارت هتفت، وإن استقرت صدحت، وسنونوات لا يبرحن في السماء مدومات، أو على البعوض هاويات، وأنواع العصافير، في زقزقة وصفير، كأنها تشكر الباعث الغيث آلاء المطر، وكأنها تدعوا الإنسان إلى الأخضرين، لينعم بهما قرير العين
стр. 7810
جلست في الدار أدير الطرف بجنان الغوطة وقراها، فبدت عن يميني رياض (النيربين)، فذكرني بأبيات وجيه الدولة ابن حمدان:
سقى الله أرض الغوطتين وأهلها … فلي بجنوب الغوطتين شجون
فما ذكرتها النفس إلا استخفى … إلى بر ماء الَّنْبرَ بَيَن حنين
وقد كان شكى للفراق يروعني … فكيف يكون اليوم وهو يقين؟
وبدت جنوبها بساتين داريا فقلت مع الصنوبري:
ونعم الدارُ دارَيَّا ففيها … صفا لي العيش صار أرَيا
ولي في باب جيرون ظباء … أعاطيها الهوى ظبياً فظبيا
والتفت إلى دمشق فإذا بها غرقى في خضم أخضر كأنها ياقوتة في نثير من الزمرد، وبرز الجامع الأموي عظيما جبارا بمآذنه الشاهقة العالية التي قال فيها نابغة بني شيبان من قصيدة غراء وصف بها ذلك الجامع الكبير:
وقبة لا تكاد الطير تبلغها … أعلى محاريبها بالساج مسقوف
لها مصابيح فيها الزيت من ذهب … يضيء من نورها البنان والسِّيف
قلت رحم الله نابغة بني شيبان! فلو عاش في أيامنا هذه لا في أيام بني أمية لقال:
لها مصابيح فيها الكهربا سطعت … يضيء من نورها لبنان والسيف
ورق النسيم وراق الجو، فتذكرت قول القائل:
يا نسيما هبَّ مسكاً عبقاً … هذه أنفاس ريَّا جِلَّفا
لكنني ما كدت أنشق هذه الأنفاس العطرات وأغرق في بحر من التأملات حتى فتح الخادم مذياع مصر فأسمعني ألحانا شجية حملتها أنفاس القاهرة الكهربائية، فذكرت شتاء مدينة المعز وعهدي به قريب، ورددت قصيدة لي ودعت بها تلك المدينة الساحرة، منها الأبيات الآتية في نسمات النيل:
أوَّاه يا نسمات النيل ساجيةً … كم ضمك الصدرَ شهَّاقاً وزفّاراً
وكم تعطرت بِالريحان وامتزجتْ … رّياك بالروض أفناناً وأزهاراً
ما إن نشقتك حتى خلتُ منتعشاً … ماء الحياة جرى في جسم أنهاراً
وخفق القلب لشتاء مصر ولربيع دمشق معا، فكلاهما ساحر جذاب، وكلاهما مجتلي
следующие страницы →