← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ما دام اختلاف العلماء والجهال في عقولهم ومشاعرهم. وكل الذي نبغيه أن يلتقي العامة والخاصة في مقدار من الأدب مشترك هو أعلى ما تسمو إليه العامة وأدنى ما تنزل إليه الخاصة. ولن يزول الفارق بين الأدبين أبداً. وكيف يوفق الأستاذ بين دعوته إلى أن يساير الأدب العلم وتستحكم الصلة بين كلية الآداب وكلية العلوم وبين دعوته إلى توحيد الأدب والمساواة فيه بين الخاصة والعامة. أيمكن أن يكون جمهور الأمة آخذاً بحظه من كلية العلوم أيضاً. (٣) ثم الفكاهات والنوادر. يقول أستاذنا الفاضل. (حسبك دليلاً على ذلك أن النكت والنوادر، وهي من أهم أركان الأدب، لا تجد منها سائغاٍ في أدبنا العربي عشر معشار ما تجد في الأدب العامي. وإن النادرة تحكى بالعامية فنضحك إلى أقصى حد ثم تحكيها باللغة الفصحى فتخرج باردة تافهة) نظر الأستاذ إلى هذه القضية من جانب واحد. والحق أن النكتة تبلغ مبلغها فيما وقعت فيه من حال وعبارة. فالذين يشهدون الواقعة المضحكة أو يسمعون الكلمة المضحكة أكثر ضحكاً لها ممن رويت لهم في غير أحوالها أو بغير ألفاظها، بل ينطق الرجل بالكلمة فيضحك لها الناس فإذا رواها غيره بلفظها في مثل حالها لا تبلغ من النفوس ما بلغته أول مرة لما فاتها من أثر القائل الأول. فإذا اختلفت العبارة فأحرى أن يختلف التأثير. فإذا ترجمت الفكاهة من لغة إلى أخرى ضاع أثرها كله أو بعضه وإذا نقلتها من عبارة إلى أخرى في لغة واحدة لم تبق على حالها الأول. فإن تكن النكت العامية تبرد إذا نقلت إلى العربية الفصحى فكم من نادرة فصيحة تموت إذا نقلت إلى العامية. وكثير من فكاهات الجاحظ و (كتاب الحمقى والمغفلين) لأبن الجوزي لا يمكن نقلها إلى العامية؛ فالفكاهات المتعلقة بالنحو والعروض والفقه ونحوها وكثير منها يضعف أثره وإن أمكن نقله. وإلا فكيف تترجم إلى العامية هذه العبارات: قال رجل للحسن يا أبى سعيد. فقال كسب الدرانيق شغلك عن أن تقول يا أبا سعيد. وقدم رجل من النحويين رجلاً إلى السلطان في دين له عليه فقال أصلح الله الأمير لي عليه درهمان. قال خصمه: لا والله أيها الأمير إن هي إلا ثلاثة دراهم لكنه لظهور الإعراب ترك من حقه درهماً واعتبر كل ما في كتب الأدب من ملح تجد أكثرها يجري هذا

стр. 807

المجرى. ولا ريب أن لغة التخاطب ولغة الكتابة أو لسان العامة ولسان الخاصة كانا متقاربين في عهد الجاحظ ولم يكن بينهما ما بين الفصيحة والعامية اليوم. ولكن الفكاهات إذ ذاك كانت كما هي اليوم لا تصلح للنقل من لغة إلى أخرى. قال الجاحظ: (ومتى سمعت حفظك الله بنادرة من كلام الإعراب فإياك وأن تحكيها إلا مع إعرابها ومخارج ألفاظها. فإنك إن غيرتها بأن تلحن في إعرابها وأخرجتها مخرج كلام المولدين والبلديين خرجت من تلك الحكاية وعليك فضل كبير. وكذلك إذا سمعت بنادرة من نوادر العوام وملحة من ملح الحشوة والطغام فإياك وأن تستعمل فيها الإعراب أو أن تتخير لها لفظاً حسناً الخ) وكذلك يقول قدامة بن جعفر في كتاب نقد النثر: (وللفظ السخيف موضع آخر لا يجوز أن يستعمل فيه غيره. وهو حكاية النوادر والمضاحك وألفاظ السخفاء فإنه متى حكاها الإنسان بغير ما قالوه خرجت عن معنى ما أريد بها وبردت عند مستمعها). (٤) وبعد فلا ينبغي أن تسف لغة الآداب العالية إلى مستوى العامة بل يجب أن ترقى العامة إلى مستوى لغة الآداب أو ما يقرب منه. على أن هذا التباعد بين ما يسميه الأستاذ (الأدب الأرستقراطي) وما نسميه (الأدب الشعبي) مظهر واحد من مظاهر الاختلاف بين عامتنا وخاصتنا، بين الفريقين تفاوت عظيم في العقل والمعرفة والأزياء والمساكن وطرائق المعيشة. ولا بد من تقريب المسافة بين العامة والخاصة في هذا كله قبل أن يشتركا في لغة واحدة ويستمتعا بأدب واحد فإن الأدب الصحيح ترجمان معيشة الأمة.

стр. 808

التجديد في الأدب للأستاذ أحمد أمين - ٣ - من أوضح الظواهر أن الجمهرة العظمى من المتعلمين الذين درسوا أدباً عربياً وأدباً أجنبياً يعكفون على الأدب الأجنبي يتذوقونه ويكثرون من مطالعته، في جدهم إن شاءوا الجد، وفي لهوهم إن شاءوا اللهو، وهم إن قرءوا في الأدب العربي ففي القليل النادر، وإن فعلوا لم يطيلوا ولم يتعمقوا، وقل أن يدرسوا كتاباً دراسة جيدة، إنما أكبر همهم أن يقلبوا صفحات الكتاب ليقع نظرهم على أبيات من الشعر يستملحونها، أو قصة طريفة يتفكهون بها. ومكتبتهم، على قلتها، تمثل ميلهم، فالكتب الإنجليزية أو الفرنسية فيها غالبة، والكتب العربية قليلة نادرة. ذلك ولا شك حال أغلب المثقفين ثقافة عصرية. ويذهب بعض الباحثين في تعليل هذه الظاهرة إلى أن السبب يرجع إلى فساد تعليم اللغة العربية وآدابها في المدارس، فإن أساتذتها لا يحببون إلى الطلاب الأدب العربي، ولا يصلون به إلى نفوسهم، وإنما هي أمثلة محدودة تتكرر عاماً بعد عام، ونماذج من الشعر والنثر تعرض مرة بعد مرة، ولا غرض من دراستها إلا أن يذكرها الطلبة عند الامتحان فيؤدوها كما تليت عليهم، ثم تذهب بذهاب الامتحان، لأنهم قد تجرعوها على مضض، فهم يفرحون بنسيانها فرح المريض، وقد شفي، بالخلاص من دواءٍ مر المذاق. قد يكون هذا سبباً صحيحاً، ولكنه فيما أرى ليس بالسبب الجوهري، فإن بعض اللغات الأجنبية التي تدرس بيننا ليست دراستها بأحسن حالاً من دراسة اللغة العربية، ومع هذا فالطلبة يسيغون أدبها ويتذوقون كتبها بما لا يظفر ببعضه الأدب العربي. أهم سبب عندي يرجع إلى موقف الأدبين الأدب العربي والأدب الأوربي. ذلك أن كل أدب أوربي له قديم وحديث، والأدب الحديث هو الذي يناسب جمهور المتعلمين وعامة الشعب لأنه في الغالب يعرض لما يشعرون به فيعبر عنه التعبير الفني، فالأديب المحدث يرى ظاهرة اجتماعية فيضعها في قصة أو منظراً جميلاً فيضعه في قصيدة، أو معنى أثارته في نفوس قومه أحداث سياسية أو اقتصادية فيضعه في مقالة أو كتاب، فيقبل

стр. 809

الجمهور على قراءة ذلك ويعجبون به، وسبب الإعجاب أن الأديب شعر بما يشعر به الجمهور، واستطاع أن يعبر عنه التعبير الفني الذي لا يستطيعه الجمهور. أما الأدب الأوربي القديم فإنما يناسب خاصة المتعلمين لأنه يتطلب دراسة لغوية وأدبية عميقة كما يتطلب، لتطلبه، أن يلم المتعلم بشيء كثير من المسائل التاريخية والاجتماعية التي أحاطت بالأديب وبالقطعة الفنية حتى يستطيع أن يفهمها فهماً صحيحاً، وليس ذلك في مكنة السواد الأعظم من الناس. فالذين يفهمون الإلياذة والأوديسة وخطب ديمستين قليل بالنسبة إلى الذين يقرأون الأدب الحديث ويفهمونه، وكذلك الذين يفهمون الأدب الإنجليزي أو الفرنسي في القرون الوسطى ويتذوقونه هم الخاصة من الأدباء، وإن قرأ الجمهور شيئاً من الأدب القديم فإنما يقرءوه مترجماً إلى اللغة الحديثة، أو معروضاً في شكل جديد قد ذللت فيه كل الصعوبات التي يحتمل أن يلقاها القارئ العادي. أما الأدب الإنجليزي أو الفرنسي الحديث فيكاد يكون حظ الإنجليز أو الفرنسيين جميعاً. وسبب ذلك أن الأدب هو نقد الحياة في أسلوب فني، وإذ كانت كل أمة تفهم حياتها الحاضرة فهماً ما، وإن اختلفوا في مقدار الفهم، كان الأدب الحديث أقرب إلى فهمهم وأيسر متناولا لجمهورهم، وإذ كان الأدب القديم وصفاً لحياة قديمة لا يستطيع فهمها فهماً صحيحاً إلا من عرف بيئتها وتاريخها، كان ذلك الأدب أدب الخاصة. وبعد فالأدب العربي أدب قديم لا حديث له، وإن شئت تعبيراً دقيقاً فقل إنه أدب قديم لم يستكمل حديثه، لذلك كان الأدب العربي أدب الخاصة لا أدب الجمهور. لا يستطيع القارئ أن يفهم الأدب العربي القديم إلا بفهم دقيق للتاريخ، وفهمٍ بالغ للظروف الاجتماعية التي نشأ فيها الأدب ومعرفة واسعة بالجغرافيا، وعلم تام بقوانين الصرف المعقدة كأنها قوانين اللوغاريتمات ليعرف كيف يبحث في معاجم اللغة العربية عن كلمة غريبة، وليس يصبر على ذلك كله إلا المجاهدون الصابرون، وقليل ما هم. يريد سواد المتعلمين أن يغذوا مشاعرهم من حب يحلل تحليلاً دقيقاً، أو إعجاب بمنظر طبيعي ملك عليهم نفوسهم، فأرادوا أن يصور هذا الإعجاب في قطعة فنية، أو تبرم بأسر ورق فهم يريدون أدباً يتغنى بالحرية ويحفز النفوس إلى تحقيقها، أو ألم من سوء حالة اجتماعية فهم يبتغون قصة تمثلها أو قصيدة تصفها، أو كتاباً يحللها، أو نحو ذلك من

стр. 810

ضروب المشاعر فلا يجدها في الأدب العربي الحديث إلا قليلا نادراً فيضطر إلى الأدب الأجنبي يقرأه ويتغنى به ويستمرئه، وهو على الرغم من أن ذلك الأدب ليس بلغته، ولا يصف مشاعر تمثل بالدقة مشاعره، ولا يحلل حالات اجتماعية تشبه مشابهةٍ تامة حالاته، على الرغم من ذلك كله مضطر أن يقرأه، إذ ليس عنده من أدبه ما يكفي لغذائه، وفي الأدب الغربي كل صنوف الغذاء على اختلاف الأنواع وعلى اختلاف الأساليب؛ إن شاء سهلاً وجد السهل، أو صعباً وجد الصعب، أو بين ذلك وجد بين ذلك، وإذا غمض عليه لفظ استطاع أن يكشف عنه في المعاجم من أول درس تعلمه، فكيف لا يهمل بعد ذلك الأدب العربي ويعكف على الأدب الغربي؟ أن شئت فوازن بين ما يدرسه الطالب في المدارس الثانوية أو العالية في الأدبين، فهو في الأدب الغربي يدرس شكسبير وأمثاله فيجد موضوعاً شيقاً يمثل حالة من الحالات التي تتصل بنفسه، وتمس حياته الاجتماعية بقدر ما، قد صيغت في قالب فني رشيق، فخرج من الدرس يحبها ويحب موضوعها، أما في الأدب العربي فيدرس مختارات من جرير والفرزدق والأخطل، أو مختارات من مقامات البديع والحريري أو نحو ذلك، وهذه كلها لا تمثل ناحية اجتماعية يحياها أو ما يقرب منها، ولا فكرة عميقة حللت تحليلا واسعا، لذلك يخرج منها وهو لا يحبها، أو على الأقل يكون على الحياد منها. لست أنكر أن في جرير وأمثاله، والمقامات وأمثالها، وفي الأدب العربي على العموم جمالا وفناً وإبداعا، ولكن ذلك لا يدركه إلا الخاصة الذين مرنوا طويلاً على الدرس وبذلوا الجهد في تدريب أذواقهم على تقويمه واستساغته، وليس ذلك في استطاعة كل الطلبة ولا أكثرهم. فإن أنت نظرت إلى الأدب العربي الحديث فماذا ترى؟ ترى كثيراً من الأدب الغربي قد ترجم إلى العربية، وليس من الحق أن نعد هذا أدباً عربياً في جوهره وموضوعه، إذ ليس له من العربية إلا لغة ملتوية على النمط الغربي. وترى نتاجاً مبتكراً قليلاً، وأكثر هذا القليل مقالات وفصول جمعت بعد ذلك وسميت كتباً مجازاً، لا تربطها وحدة غالباً إلا بضرب من التمحل. والبقية الباقية من القليل هي التي يصح أن تسمى أدباً عربياً حديثاً لم يكتمل. ذلك في نظري أكبر سبب في انصراف جمهور المتعلمين عن الأدب العربي، فإن

стр. 811

أريد إقبالهم عليه فلا بد من إنتاج حديث وافر يغذي كل مشاعر الحياة كما يغذي العقول، وليس من الحق أن ندعو السواد الأعظم إلى الأدب العربي قبل أن نستكمله أو على الأقل نوجد فيه ما يسد رمقهم، وأن أردنا الأنصاف فواجب أن ندعو الدعوتين: دعوة الأدباء بالعربية إلى أن ينتجوا، ودعوة القراء إلى أن يقرأوا. وينجح الأدباء إذا اقتصروا على أن يحتذوا حذو القدماء شكلا وموضوعا دون أن يمسوا حياتهم الواقعية وبيئتهم الاجتماعية ومشاعرهم النفسية؛ فالأدب متغير، خاضع لقوانين النشوء والأرتقاء، فإذا تقيد أدباؤنا بالموضوعات التي عالجها القدماء وبالأشكال التي صب فيها الأدب القديم، عد أدبهم قديماً لا حديثاً، ولم يصلح علاجاً لما نصف من أمراض. مثال ذلك: أنا إذا وضعنا أيدينا على مختارات البارودي، وهو كتاب ضخم في أربعة أجزاء أختار فيها الثلاثين شاعراً من شعراء العصر العباسي، وجدناه قد أختار نحو أربعين ألف بيت، منها أكثر من أربعة وعشرين ألفاً في المديح، وإذا أضفت الهجاء والرثاء إلى المديح وجدت جميع ذلك يقرب من ثلاثين ألفاً، والربع الباقي في الأدب والصفات والزهد والنسيب! فترى من هذا إفراط الأدباء القدماء في وصف العواطف الشخصية من كرم ورثاء وهجاء، وتقصيره في أبواب كثيرة أهمها وصف المناظر الطبيعية، وتحليل الانفعالات النفسية، وغير ذلك من ضروب الأدب. وهذا التقصير وقع في الأدب الأوربي القديم كما وقع في الأدب العربي، فلو قرأنا شعر هوميروس وفرجيل ودانتي وجدنا فيه قليلاً من وصف جمال الطبيعة من جبال وبحار ونجوم، على حين، الشعر الأوربي الحديث قد مليء بهذا الضرب من القول وأبدع الشعراء فيه إبداعا لا حد له فأفاضوا في القول في السماء ونجومها، والأشجار وازدهارها وذبولها، والبحار والصحراء وغيرها، ووجدوا في ذلك كله كنوزاً استمدوا منها شعرهم، وكان تقصير القدماء وإجادة المحدثين في ذلك قانوناً طبيعياً لأن الإعجاب بجمال الطبيعة نتيجة رقي كبير في الذوق، فإذا قصر أدباؤنا المحدثون في هذا كما هو حادث الآن وتابعوا الأقدمين في المديح والهجاء والغزل، فقط، فقد ظل نقص الأدب العربي على ما هو عليه. كذلك يعيش الشرقي عيشة خاصة غير التي كان يعيشها آباؤه، سفرت المرأة بعد حجابها،

стр. 812

وتغبر في العشرين سنة الأخيرة كل نظم الحياة تقريباً من معيشة بيتية ونظم اجتماعية، وحياة سياسية، وأصبح كل باب من هذه الأبواب يتطلب قصصاً جديداً وشعراً جديداً وكتباً أدبية جديدة، فأن نظر أدباؤنا إلى دواوين الشعراء الأقدمين ولم ينظروا إلى دواوين الطبيعة وصحائف العالم الذي فيه يعيشون، فلا أمل في شعرهم، ولا نثرهم وظل المتعلم منصرفاً عنهم إلى الأدب العربي على الرغم منهم. ونوع آخر من الأدب يصح أن يستغله الأدباء، وهو أن يعمدوا إلى الأدب القديم، وأبطال الشرق، والأحداث التاريخية العربية فيجعلوا منها موضوعاً لدراستهم ثم يلقوا عليه أضواء مما وصل أليه العلم الحديث والأدب الحديث وعلم النفس الحديث، فيترجموه إلى لغة العصر ويبرزوه في شكل يناسب ذوق الجمهور ويحبب إليهم قديمهم. أنهم إن فعلوا ذلك استطاع من لا يعرف لغة أجنبية أن يجد غذاءه في الأدب العربي، واستطاع أن يكون إنساناً مثقفاً تكفيه ثقافته، واستطاع من يعرف لغة أجنبية أن يباهي بأدب قومه كما تباهي كل أمة بأدبها، وفي ذلك اعتداد بشخصيتنا العربية الشرقية لا يستهان به.

стр. 813

إلى الدكتور عوض من الدكتور علي مصطفى مشرفة قرأت في مقال لك منشور برسالة أمس إن بيننا وبين الشمس ٩٢ , ٠٠٠ , ٠٠٠ ميلا في الصيف، ٩٣ , ٠٠٠ , ٠٠٠ ميلا في الشتاء. ولما كنت أنت اعلم الناس بان بعد الشمس عنا اكثر صيفاً منه شتاء (بداهة، يقصد سياق الحديث من الصيف في النصف الشمالي للكرة الأرضية والشتاء كذلك إذ أن العباس بن الأحنف إنما عاش في هذا النصف). كما أن ٩٣ , ٠٠٠ , ٠٠٠ ميلاً هي متوسط بعد الشمس أي البعد حوالي وقتي الاعتدالين الربيعي والخريفي، وأما البعد في فصلي الربيع والصيف فأكثر من ذلك، ويبلغ أقصاه حوالي وقت الانقلاب الصيفي، فيزيد حينئذٍ بنحو ١: ٦٠ من قيمته المتوسطة، أي بنحو ١ , ٥ مليون ميل، وفي فصلي الصيف والخريف والشتاء يكون أقل من المتوسط، ويصل إلى حده الأدنى حوالي وقت الانقلاب الشتائي فيكون حينئذ أقل من قيمته المتوسطة بنحو٦٠: ١ منها بنحو ١. ٥ مليون ميل أيضا، فتكون نهايتاه العظمى والصغرى نحو٩٤. ٥ مليون ميل صيفاً ونحو ٩١. ٥ مليون ميل شتاء. أقول لما كنت أنت أعلم الناس بذلك أردت أن أكتب هذا إليك لكي تبادر بتصحيح ما قد يكون علق بأذهان قراء مقالك الممتع من ان الشمس أقرب إلينا صيفاً منها شتاء. وفي الختام أرجو أن تتقبل سلامي الخالص وإعجابي بمقالاتك التي أتتبعها في الرسالة بعناية مقرونة باللذة الفكرية.

стр. 814

حول قصة مصرية قرأت كلمة في العدد الثامن من الرسالة الغراء بعنوان (حول قصة مصرية) وصف فيها كاتبها قصتي (حكمت المحكمة) بأنها قشور للقصة الحقيقية، وكم كان بودي أن يذيلها حضرته بإمضائه حتى أشكره وأشد على يديه إستحساناً وطرباً، فإن لي غراماً بفن القصة القصيرة، وأكبر الظن أني لن أصل إلى غايتي فيه إلا على ضوء النقد كل ما أريد أن أقول هو أني عالجت في أقصوصتي: ١. عادات الريفيين في مآتمهم ٢. مركز العمدة في القرية المصرية ٣. اعتزاز العربي بشرفه ودفاعه عن عرضه ٤. خطأ القانون في عقاب المدافع عن عرضه ومسامحته المعتدي على هذا العرض ولست أعتقد أن كل ذلك قشور كما وصفه الكاتب، بل أني أخاف أن ينطبق هذا الوصف على خطته التي رسمها للقصة. إنه يتساءل: ١. كيف أتصل إبراهيم أفندي بابنة الأعرابي وهذه نقطة غير لازمة، يكفي أن يعرف القارئ من القصة أن الاتصال ممكن مادامت سلمى تخرج إلى الحقول ترعى غنمها. ٢. وكيف كانت العلاقة بينهما؟ على خير ما تكون يا سيدي. هي علاقة حب ما في ذلك شك. ولن أترك موضوع قصتي لأحصي عدد القبلات التي طبعها إبراهيم أفندي على خد سلمى ٣. كيف ظهرت هذه العلاقة وعرفها والد الفتاة؟ إن يكن الجواب صعباً فهو موضوع لقصة أخرى بوليسية، وأن يكن سهلاً مفهوماً ففي ذكره اتهام لذكاء القراء وبعد فقد عاب حضرة الكاتب على القصة خلوها من أثر العواطف والمشاعر، وادعي إني لجأت في وضعها إلي الحوادث فسردتها سرداً كأنها خبر من أخبار الصحف اليومية، وفي هذا تجن على الحقيقة كثير كما ترى. السيد أبو النجا. مدرس بالتجارة المتوسطة بالظاهر

стр. 815

في الأدب العربي ابن خلدون والتفكير المصري للأستاذ محمد عبد الله عنان (٥) على إن ابن خلدون كان من جهة أخرى يحظى بتقدير فريق قوي من الرأي المصري المفكر. وكان على رأس هذا الفريق المؤرخ العلامة تقي الدين المقريزي. فقد درس المقريزي في فتوته على ابن خلدون واعجب بغزير علمه، ورائع محاضراته، وطريف آرائه ونظرياته. ويتحدث المقريزي عن شيخه ابن خلدون بمنتهى الخشوع والإجلال وينعته (بشيخنا العالم العلامة الأستاذ قاضي القضاة) ويترجمه في كتابه (دور العقود الفريدة) بإسهاب وإعجاب، ويرتفع في تقدير مقدمته إلى الذروة فيقول: (لم يعمل مثلها، وانه لعزيز أن ينال مجتهد مثالها، إذ هي زبدة المعارف والعلوم ونتيجة العقول السليمة والفهوم، توقف على كنه الأشياء، وتعرف حقيقة الحوادث والأنباء، وتعبر عن حال الوجود، وتنبئ عن أصل كل موجود، بلفظ أبهى من الدر الظيم، والطف من الماء سرى به النسيم). وهو تقدير يعارضه فيه ابن حجر كما قدمنا، ويأخذ ابن حجر وتلميذه السخاوي على المقريزي موقفه من ابن خلدون، ويرميانه بالمبالغة والإفراط في تعظيمه وإجلاله، ويقدم لنا ابن حجر تعليلا لهذا الموقف، وهو إن المقريزي كان ينتمي إلى الفاطميين وابن خلدون يجزم بإثبات نسبهم، ثم يقول لنا: إن المقريزي غفل في ذلك عن مراد ابن خلدون، فانه كان لانحرافه عن آل علي يثبت نسب الفاطميين إليهم، لما أشتهر من سوء معتقد الفاطميين وكون بعضهم نسب إلى الزندقة وادعى الألوهية. وقد تأثر المقريزي فوق تعظيمه وتقديره لابن خلدون بنظرياته تأثراً كبيراً. وظهر هذا الأثر واضحاً في كتابه (إغاثة الأمة بكشف الغمة) الذي انتهت إلينا نسخة وحيدة منه تحتفظ بها دار الكتب المصرية. ففي هذا الكتاب الذي يقول لنا المقريزي انه كتبه في ليلة واحدة من ليالي المحرم لسنة ٨٠٨ والذي يتحدث فيه عن محن مصر منذ اقدم العصور إلى عصره، ينحو المقريزي في الشرح والتعليل منحى شيخه وأستاذه ابن خلدون في مقدمته. فيقدم لرسالته بمقارنة موجزة

стр. 816

بين الماضي والحاضر، وملخص لما جازته مصر من محن الغلاء والشَرَق منذ الطوفان إلى عصره، ثم ينفرد لنا فصلاً يتحدث فيه عن الأسباب التي نشأت عنها هذه المحن وأدت إلى استمرارها طوال هذه الأزمان، وفي هذا الفصل نرى منهج ابن خلدون في البحث والتعليل واضحاً، بل نرى المقريزي يستعمل ألفاظ شيخه وعباراته مثل (أحوال الوجود وطبيعة العمران وما إليها.) وفي رأي المقريزي إن أسباب الخراب والمحن، ترجع أولاً إلى توليه الخطط السلطانية والمناصب الدينية بالرشوة، واستيلاء الظلمة والجهلاء عليها، وثانياً غلاء استئجار الأطيان، وزيادة نفقات الحرث والبذر والحصاد (نفقات الإنتاج) على الغلة، وثالثاً ذيوع النقد المنحط، ويتبع ذلك بنبذة في تاريخ العملة في الدول الإسلامية ومصر. ثم يتحدث عن طبقات المجتمع، وأوصاف الناس، ويقسم لنا المجتمع المصري إلى سبعة أقسام: _ (١) أهل الدولة. (٢) أهل اليسار من التجار وأولي النعمة من ذوي الرفاهة. (٣) الباعة وهم متوسطو الحال من التجار، وأصحاب المعاش وهم السوقة. (٤) أهل الفلح وهم أرباب الزراعة والحرث وسكان الريف. (٥) الفقراء وهم جل الفقهاء وطلاب العلم. (٦) أرباب المصالح والأجر وأصحاب المهن. (٧) ذوي الخصاصة والمسكنة الذين يتكففون الناس. ويذكر أحوال كل فريق بالتفصيل، ثم يتحدث عن أسعار عصره وبخاصة أسعار المواد الغذائية ويختتم بشرح رأيه في معالجة هذه المحن، وهو أن يغير نظام العملة، فلا يستعمل منها إلا المكين الثابت من ذهب وفضة، وهي فكرة تثبيت النقد بعينها. هكذا ينحو المقريزي في الشرح والتعليل، وهكذا نلمس أثر المؤرخ واضحاً في منهج تلميذه، ونستطيع أن نجد كثيراً من أوجه الشبه بين ما يعرضه المقريزي في رسالته، وبين ما كتبه ابن خلدون في مقدمته عن طبيعة الملك وعوامل فساده، وعن السكة، وعن أثر المكوس في الدولة، وأثر الظلم في خراب العمران، وكيف يسري الخلل إلى الدولة وتغلبها وفرة العمران والغلاء والقحط، وغير ذلك مما يتعلق بانحلال الدول وسقوطها بل نستطيع

стр. 817

أن نلمح مثل هذا الأثر في بعض ما كتبه السخاوي نفسه في كتابه (الإعلان بالتوبيخ) عن قيمة التاريخ وأثره في دراسة أحوال الأمم، فهنا يبدو السخاوي أيضاً على رغم خصومته لابن خلدون متأثراً بفكرته الفلسفية في شرح التاريخ وفهمه. وهنالك مؤرخ مصري أخر هو أبو المحاسن بن تغري بردي يشاطر شيخه المقريزي تقديره لابن خلدون ويشيد بمقدرته ونزاهته في ولاية القضاء ويقول لنا انه باشر القضاء بحرمة وافرة وعظمة زائدة وحمدت سيرته. ويظهر اثر ابن خلدون أيضاً في اعتماد بعض أكابر الكتاب المصريين المعاصرين عليه والاقتباس من مقدمته وتاريخه، ومن هؤلاء أبو العباس القلشندي صاحب كتاب (صبح الأعشى) فانه يقتبس من ابن خلدون في مواضع شتى من موسوعته. (٦) هذه صورة دقيقة شاملة لحياة ابن خلدون في مصر، وصلاته بحياتها العامة، وأثره في حركتها الفكرية المعاصرة. وهذه الحقبة من حياة المؤرخ، وهي حقبة طويلة امتدت ثلاثة وعشرين عاماً، تخالف في نوعها وظروفها حياته بالمغرب، ففي المغرب عاش ابن خلدون بالأخص سياسياً يتقلب في خدمة القصور المغربية، ويخوض غمر دسائس ومخاطرات لا نهاية لها. ولكنه عاش في مصر عالماً قاضياً وإذا استثنينا مفاوضاته مع تيمورلنك في حوادث دمشق، وسعيه إلى عقد الصلة بين بلاط القاهرة وسلاطين المغرب، فانه لم يتح له أن يؤدي في سير السياسة المصرية دوراً يذكر. وإذا كان ابن خلدون قد خاض في مصر، معترك الدسائس أيضاً، فقد كان هذا المعترك محلياً محدود المدى شخصياً في نوعه وغاياته. وكانت حياة ابن خلدونفي مصر اكثر استقراراً ودعة، وأوفر ترفاً ونعماء من حياته بالمغرب، ولكن الظاهر إن سحباً من الكآبةوالألم المعنوي كانت تغشى هذه الحياة الناعمة. فقد كان ابن خلدون في مصر غريباً بعيداً عن وطنه وأهله، وكان يعيش في جو يشوبه كدر الخصومة وجهد النضال، ونستطيع أن نلمس ألم البعاد في نفس المؤرخ في بعض المواطن، فهو يذكر غربته حين يتحدث عن اتصاله بالسلطان إثر مقدمه ويقول إن السلطان (أبر مقامه وآنس غربته). وهو يكشف لنا عن هذا الألم في قصيدة طويلة نقلت إلينا

стр. 818

التراجم المصرية منها هذه الأبيات المؤثرة: أسرفن في هجري وفي تعذيبي … وأطلن موقف غربتي ونحيبي وأبين يوم البين موقف ساعة … لوداع مشغوف الفؤاد كئيب لله عهد الظاعنين وغادروا … قلبي رهين صبابة ووجيب ولا ريب إن هلاك أسرة المؤرخ كانت عاملاً في إذكاء هذا الألم المعنوي، وهو يحدثنا عن هذه الفاجعة بلهجة الحزن واليأس حين يقول: (فعظم المصاب والجزع ورجح الزهد). وكان المؤرخ يؤثر حياة العزلة في فترات كثيرة، وهو يشير إلى ذلك في بعض المواطن، حيث يقول لنا انه: (لزم كسر البيت ممتعاً بالعافية لابساً برد العزلة). وتشير التراجم المصرية إلى هذه العزلة فيقول لنا السخاوي: (ولازمه (أي المؤرخ) كثيرون في بعض عزلاته، فحسن خلقه معهم وباسطهم ومازحهم). وكان المؤرخ يشتغل في هذه الفترات بمراسلة أصدقائه بالمغرب والأندلس من السلاطين والأمراء والفقهاء، وهو يشير إلى ذلك في عدة مواضع. وقد يكون من الشائق أن نعرف أين كان يقيم المؤرخ بالقاهرة، ولدينا عن ذلك نصان نقلهما ابن حجر عن الجمال البشبيشي ويقول الجمال في أولهما (انه كان يوماً بالقرب من الصالحية فرأى ابن خلدون وهو يريد التوجه إلى منزله وبعض نوابه أمامه. . .) (فيلوح من هذه الإشارة إن المؤرخ كان يقيم مدى حين على مقربة من الصالحية في الحي الذي تقع فيه هذه المدرسة اعني حي بين القصرين أو في أحد الأحياء القريبة منه، وذلك لأن مركز وظيفته كقاض للقضاة كان بهذه المدرسة ولأن إيوان الفقهاء المالكية كان يقع بجوارها. وأما في النص الثاني فيقول لنا الجمال ما يأتي مشيراً إلى ولاية ابن خلدون للقضاء عقب عوده من دمشق سنة ثلاث وثمإنمائة (إلا انه (أي ابن خلدون) تبسط بالسكن على البحر واكثر من سماع المطربات. . . الخ) ويستفاد من ذلك إن المؤرخ كان يقيم في هذا الحين في أحد الأحياء الواقعة على النيل ولعله جزيرة الروضة أو لعله بالضفة المقابلة من الفسطاط، حيث كانت لا تزال بقية من الأحياء الرفيعة التي قامت هنالك مذ خطت الروضة وعمرت وصارت منزل البلاط في أواسط القرن السابع، وسكن الكبراء والسراة في الضفة المقابلة لها من الفسطاط. ويرجح هذا الفرض إن المدرسة القمحية التي كان

стр. 819

يدرس فيها ابن خلدون بلا انقطاع كانت تقع على مقربة من هذا الحي. هذا وأما مثوى المؤرخ الأخير، فقد ذكر لنا السخاوي انه دفن (بمقابر الصوفية خارج باب النصر) ويحدثنا المقريزي عن موقع هذه المقابر وقد كانت تقع بين طائفة من الترب والمدافن التي شيدها الأمراء والكبراء في القرن الثامن خارج باب النصر في اتجاه الريدانية (العباسية) ومقبرة الصوفية هذه أنشأها صوفية الخانقاه الصلاحية في أواخر القرن الثامن في هذا المكان وخصصت لدفن الصوفية، وقد كان المؤرخ كما نذكر مدى حين شيخاً لخانقاه بيبرس. فهل يكشف لنا الزمن يوماً عن مثوى رفات المفكر العظيم فيغدو قبره أثراً جليلاً يحج إليه المعجبون برائع تفكيره وخالد آثاره؟

стр. 820

من طرائف الشعر شوقية لم تتم ننشر اليوم (مشروع قصيدة) كان شاعر الخلود شوقي بك يريد أن ينظمها في (الصحراء)، ثم بدا له فتركها على حالها الأولي قبل أن تتم، فأثبتناها بخطه كما هي خدمة للأدب والتأريخ يا مُصّلي أديمه … من بني آدم طُهر سبّح الرمل والحصى … في نواحيه والحجر وعلى ظُهر جوه … صلَّت الشمس والقمر جمعا عُزلة المدا … ر إلى عزلة المدر سبحا ثم سبحا … بالعشايا وبالبُكر وخِضَمَّا من الرما … ل أواذيًّه الصَخر ماله ساحل ولا … من فحاءاته وزرَ فيه من كل حاصب … جلل الجو وانهمر هب من كل جانب … كالدَّبى اشتد وانتشر رب أكفان مقمر … منهُ هيًّئن أو حُفر وفضاء كأنه … حلم رائع الصور العشايا سواحر … في حواشيه والبكر كل سار وسامر … . . . . . . ثم غير المرحوم هذه الأبيات الثلاثة المتقدمة بالأبيات آلاتية: يا فضاء بسحره … ولًّه الركب بالسًّحر فتنتهم وجوهه … واستخفتهمُ الصور وشجاهم سكونه … بالعشايا وبالبكر لا تلمهم فإنما … قائد إلا نفس الفِطر كل نفس لها هوى … كل نفس لها وطر كم جمال ومنظر … فرقا لذة النظر

стр. 821

كل حسن ومنظر … فيهما للهوا نظر

стр. 822

وطن جبران خليل جبران هو ذا الفجر فقومي ننصرف … عن ديار ما لنا فيها صديق ما عسى يرجو نبات يخلف … زهرهُ عن كل ورد وشقيق وجديد القلب أنى يأتلف … مع قلوب كل ما فيها عتيق؟ هو ذا الصبح ينادي فاسمعي … وهلمي نقتفي خطواته قد كفانا من مساء يدعي … إن نور الصبح من آياته قد أقمنا العمر في واد تسير … بين ضلعيه خيالات الهموم وشهدنا اليأس أسرابا تطير … فوق متنيه كعقبان وبوم وشربنا السقم من ماء الغدير … وأكلنا السم من فج الكروم ولبسنا الصبر ثوباً فالتهب … فغدونا نتردى بالرماد وافترشناه وساداً فانقلب … عندما نمنا هشيماً وقتاد يا بلادا حُجبت منذ الأزل … كيف نرجوك ومن أي سبيل؟ أي قفر دونها أي جبل … سورها العالي ومن منا الدليل؟ أسراب أنتِ أم أنتِ الأمل … في نفوس تتمنى المستحيل؟ أمنام يتهادى في القلوب … فإذا ما استيقظت ولى المنام؟ أم غيوم طفن في شمس الغروب … قبل أن يغرقن في بحر الظلام؟ يا بلاد الفكر يا مهد الألى … عبدوا الحق وصلوا للجمال ما طلبناك بركب أو على … متن سفن أو بخيل ورحال لست في الشرق ولا الغرب ولا … في جنوب الأرض أو نحو الشمال لست في الجو ولا تحت البحار … لست في السهل ولا الوعر الحرج أنت في الأرواح أنوار ونار … أنت في صدري فؤاد يختلج

стр. 823

القلب اليتيم أرأيتِ النسيم مَرَّ على الرو … ض يناغي الزهور بالتقبيل؟ ورأيتِ الغصون يهفو بها الشو … ق فتلتف في عاق طويل؟ ونظرت العشاق: كل خليل … طائر القلب في غرام خليل؟ يغمر الحب كل قلب ويسقي … كل نفس من كأسه السلسبيل غير قلبي، فقد خلا من نعيم … الحب أو روضه البهج الظليلِ بادليه الغرام ثم اقبسيه … من سَنَا نورك البهي الجليل طهريني بناره واتركيني … شاردا في مراحه المجهول وَدَعيني افن الشباب غراما=بين نوح ولهفة وعويل قد مللتُ الحياة من غير حب … واراني في الحب غيرَ مَلولِ أمين عزت الهجين

стр. 824

قلبي قلبيِ الذيِ يحبه … يرفُّ حولَ قده يسبح فيِ مقله … يرقص فوق خدّه قلبي الذي استعار من … لهَّفتهِ خُفوَقهُ أعمى فانْ لاح له ال … حسن رأى طريقهُ قلبي المعنىّ طائرٌ … داميةٌ جراحه أكلما خَفّ له … أثقلهُ جناحه؟ قلبي سراج في الدجى … من ناظريك نورُهُ أطفأه بُعدك يا … حلوُ فمن ينيره؟ (سورية) حمص. رفيق فاخوري

стр. 825

حينما كنا صغيرين ذلك عهد وان تولى جديد … مشرق النور عاطر النفحات هو ماض من الحياة سعيد … يملأ النفس في ربيع الحياة كلما جد ذكره عاودتني … عند ذكراه نشوة المستعيد وإذا غاب طيفه وجهتني … حرقة الوجد نحوه من جديد يا زماناً عرفته حين كنا … نشبه الزهر في معاني النقاء وكأن الزهور ترنو إلينا … في انتباه وغيرة واشتهاء حين كنا كطائرين أصابا … في ظلال الربيع غصناً وريقاً ننهب اللهو جيئةً وذهاباً … ونرى العيش ما حللنا طليقاً كم نهضنا مع الطيور صباحاً … نطلب اللهو في رواء الصباح نسبق الطير خفة ومراحاً … بين حزن الربى وسهل البطاح كم سعينا إلى الرياض أصيلاً … وقطفنا الزهور ملء يدينا كم ضحكنا وكم لعبنا طويلاً … كم جرينا وكم مشينا الهوينى كم جمعت الزهور من كل غصن … ووضعت الزهور بين يديها! جمع الزهر كل طهر وحسن … أين حسن الزهور من وجنتيها؟ اعرف الحب منذ كنت صغيراً … مطمئناً إلى نعيم الحياة ليتني قد بقيت طفلاً غريراً … ساهي الطرف لاهي النظرات ليت شعري أتذكر اليوم ودي … أم تناسته والتباعد ينسي وبحسبي من الصبابة وجدي … ومن الهجر ما يعذب نفسي! يا زماناً ذكرته في شبابي … فتمنيت أن أعود غلاماً وعجيب مع الشباب طلابي … غير إن الزمان يأبى ابتساماً محمود الخفيف

стр. 826

صورة لوليم وردزورث أبدع بفن أبرزت آياته … ذاك الغمام بحسنه المتألق // لم يسه ثمة عن دخان خافت … يسمو ولا عن ضوء شمس مشرق واستوقف الماشين قبل غيابهم … في ذلك الغاب الألفِّ المورق وأيان ذلك الفلك يفتأ مرسيا … فوق الخليج وماءه المترقرق يا أيها الفن الذي يروي النهى … ويظل يقبس كل حسن مونق من روعة الآصال يقبس نوره … أو لمعة الإصباح ذات الرونق هي وهلة في الدهر مسرعة الفنا … وافيتها ببنانك المترفق فجلوتها لبني الممات جديدة … وكسوتها ثوب الخلود المطلق

стр. 827

متاعب الإنسان لأندريه شنييه // لكل شجون في الحياة كثير … ولكن يواري عن سواء شجونهُ وكل فتى يبكي لبلواه غابطاً … فتى مثله باكي الفؤاد حزينهٌ ولم يدر الإنسان بآلام غيره … فهم مثلما يخفي الأسى يكتمونهُ وكل يناجي نفسه في شقائه … بان جميع الناس تسعد دونه فخري أبو السعود

стр. 828

في الأدب الشرقي من الشعر التركي للشاعر المرحوم إسماعيل صفا ترجمة الدكتور عبد الوهاب عزام (١) الشيخ البائس احدودبت قامته، وارتعدت رجله ويده، وشحب لونه، وترنحت خطواته، ونمت أسرة وجهه عن فجائع حياته. أن تنعم النظر في عينيه البارقتين، ومحياه الواضح، ولحيته البيضاء، تتبين انه طوف في الصحارى والبحار، وتهادته المدائن والقفار، وما جبينه المشرق إلا كتاب مفعم بالخطوب. وقد غشى وجهه اشمئزاز من الحياة، وبرم بها، فالعالم أمامه مقبرة مكررة. وتقرا في وجهه انه نضو حانات، شرب صفوها وكدرها، وتجرع ألوانا من سمومها. رأيته لأول مرة، فقلت: ليت شعري من الرجل؟ ولست ادري لماذا زدت على الأيام شغفا بمعرفته، وكلفا بأستكناه أمره، انه يمر بداري كثيرا، فهو لا ريب أحد جيرتي، ولكن من هذا الشيخ البائس المحبوب الطلعة؟ كم لقيته شريدا تتقاذفه الطرقات، وتعثر به الخطوات، قد تأبط زجاجته، وقطب أسرته، فليت شعري من هو، وماذا يضطرب في ضميره؟ ذهبت يوما إلى أيوب، إلى غابة السرو المترعة بالأحجار وغصت في لجج من الفكر ما لها من قرار، ألست أرى الشيخ السكير؟ نعم انه هو. قد استند إلى شجرة من السرو وضرب بيده على لحيته مفكرا حزينا. وأمامه صفائح عتيقة قد استغرقت نظراته، واستبدت بأفكاره. مشيت إليه على هينة حذراً، وقرأت ما كتب على القبر فعرفت حال الرجل ورثيت له، وجاشت في نفسي ثورة من الحزن والغم، وكان الذي قرأته هذه الأبيات: (وا حسرتاه! إن صرصر الأجل العاتية، قد ذهبت بشجرة الأمل الناضرة، وقد مشى الموت الجبار على زهرة حياتي، فما الدنيا من بعد إلا مأتم، وما فرحي وعيدي إلا الحزن والغمّ).

стр. 829

إن تاريخ رحلته واحسرتا قد أتفق: (جنت مقرا ولدي محمد فريدمك) (صارت الجنة مقر محمد فريدي) سنة ١٢٩٩ (٢) ليكن لك ليكن لك ما غاب في العالم من جمال وحضر، وما ظهر من حُسن فيه واستسرّ، والسحائب بألوانها الباهرة، والصحارى بمرائيها الساحرة، وكل ما ترنم به العشق من غناء، وما إفاضه الوجد على ألسن الشعراء، وهذه الحدائق بنفحاتها ونغماتها، وهذه القبة المنيرة بشموسها وسياراتها، ومطلع الشمس في روائه، والقمر في لألائه والأزهار في حلل من الشفق، والأسحار مزدهرة في الغسق. ليكن لك الجبال والبحار، والفلوات والأشجار، لتكن لك الدنيا دائمة السراء والسعادة والصفاء، ليكن لك في هذه الحياة كل ما تشائين، وليكن طوع أمرك ما تشائين، وليكن تحت طوعك ما تحبين. ولكن كوني أنتِ لي يا حبيبتي، كوني أنت وحدك لي. (٣) قلت وأقول قلت: لو إن الليل المظلم صار نهارا! وقلت: حين أمضّي الشتاء: لو انه انقلب ربيعا معطارا! قلت: ولو إن طودا تخلله الأشجار، وتزينه الرياحين والأزهار، مشرف على لجج البحار. قلت: ولو هنالك صحارى ومروجا تمرح فيها الطير والحملان. قلت: ولو وقعت في الصحراء الظباء، فكلما بصرت بي أجفلت وانطلقت حيث تشاء قلت: ولو إن على الجبل شجرة دلب عتيقة ولو إني في ظلها وحيد، وعلى غصونها بلبل غريد! قلت: ولو خلع القمر على الكائنات حلل الضياء، وغشت السكينة الأرجاء. قلت: ولو إن الأرض كلها والسماوات معطرة الأرجاء مضيئة الجنبات. قلت: ما كنت لأسعد بهذا كله إلا أن يسعد طالعي فيؤنسني حبيبي. وأقول الآن: هب كل هذا ميسرا. إنه واحسرتا! ظل زائل، فلو ذهبت إلى عالم لا تحول

стр. 830

لذاته، ولا تفنى مسراته!!

стр. 831

العلوم صور النجوم للأستاذ عبد الحميد سماحة. مفتش مرصد حلوان قسم الفلكيون من قديم الزمان النجوم إلى مجموعات ليتيسر حصرها ومعرفتها بسهولة، وصوروا هذه المجموعات بصور مختلفة وسموها بأسمائها، فكل نجم أعطوه اسم العضو الذي يقع عليه من الصورة، فالنجم الذي عند القلب في صورة العقرب، يسمى (قلب العقرب) والذي عند الرجل في صورة الجبار يسمى (رجل الجبار). ومن الغريب أن تكون هذه الطريقة في تقسيم النجوم معروفة عند أمم مختلفة من سكان الدنيا القديمة على بعد الشقة بينها، ووجدها الأوربيون عند سكان بيرو وكندا عند اكتشاف الأمريكيتين. ومن الصعب معرفة تاريخ تسمية الصور بأسمائها المعروفة الآن، ولكن من المقرر أن الكثير منها يرجع في تسميته إلى ما قبل الميلاد بنحو آلف وأربعمائة سنة، وقد أطلق اليونان على الكثير منها أسماء أبطال قصصهم التاريخية، وبقيت هذه الأسماء على مرور الزمن، ولكن العرب عندما ترجموا عن اليونان عربوا بعض الأسماء مثل الدلو أو ساكب الماء لكوكبة اكوريوس وأبدلوا بعض الأسماء بأدوارها التي تلعبها في القصص اليونانية مثل المرأة المسلسلة لكوكبة اندروميدا وتركوا البعض الأخر على أصله في اليونانية مثل قيطس لكوكبة وقنطورس لكوكبة وأطلق العرب أسماء عربية بحتة على كثير من النجوم ولا تزال تطلق عليها عند الأوربيين مثل الذنب المعروف والرِّجل المعروف باسم والطائر المعروف باسم ويجب إلا ننسى إن هذه المجموعات من النجوم لا تدل تماما في شكلها على صورة الأحياء المسماة بأسمائها، اللهم إلا في مخيلة أول من سموها بهذه الأسماء. فسبعة النجوم الرئيسية من كوكبة الدب الأكبر مثلا وهي تؤلف الهيكل الرئيسي لصورة دب كما هو ظاهر في الصورة، يمكننا مع قليل من التعب أن نرسم عليها صورة فيل أو نمر مثلا، هذا فضلا عن إن ثلاث النجوم التي تكون الذنب متباعدة بحيث نجد هذا الذنب في الصورة طويلا على غير ما هو معروف من إن ذنب الدب قصير جدا.

стр. 832

وقد قسم بطليموس المتوفى سنة١٥٠ قبل الميلاد السماء إلى ٤٨ كوكبة منها اثنتا عشرة في الدائرة الكسوفية وهي المعروفة بالبروج وإحدى وعشرون في نصف الكرة الشمالي، والباقي وهو خمس عشرة كوكبة في نصف الكرة الجنوبي. وقد أضيفت كوكبات كثيرة إليها، ونقلت بعض النجوم من إحدى الكوكبات إلى الأخرى، ومعظم النجوم اللامعة في هذه الكوكبات له أسماء عربية أو لاتينية أو يونانية. وليست الكوكبات فيما تتصل به من أسماء أبطال القصص مما يهم الفلكي، ولكن لا بأس من أن نسرد بعض ما يتصل بالمهم منها بالقصة اليونانية لشدة ولع الناس بها من هذه الناحية. يروى إن كاسيوبيا وهي المعروفة عند العرب بذات الكرسي، زوجة قيفاوس ملك اثيوبيا كانت على جانب عظيم من الجمال، وكانت تباهي به الآهات البحر اللواتي توسلن إلى (نبتون) أن يرسل قيطس الغول إلى شواطئ الملك قيفاوس ليثار لهن، وأن قيفاوس أوحى إليه أن يربط ابنته (اندروميدا) إلى صخور الشاطئ فيغتالها الغول فداء لهم، ففعل، ولكن عند عودة برشاوش البطل العظيم من رحلة رأى ما حل باندروميدا فقاتل الغول حتى قتله وتزوج من الأميرة الحسناء. ويأتي في القصة انه بعد وفاة كاسيوبيا رفعت إلى السماء بجوار القطب، وأن الآهات البحار انتقاما لأنفسهن وضعنها بحيث يكون رأسها إلى الأسفل مدة نصف الوقت. وبرشاوش هو ابن جيوبتر وقد أرسل ليقتل ميدوسا إحدى الشقيقات الثلاث وهي الفظيعة المعروفة في القصة باسم لها أنياب حادة ومخالب غليظة ورأس كرأس الثعابين، وكل من نظر إليها بعينيه صيرته حجراً جامداً لساعته، وقد احتاط برشاوش للأمر فاستعار درع مينرفا وحذاء عطارد ذا الأجنحة ولم ينظر إليها عند مقاتلتها بل إلى صورتها في الدرع، فقطع رأسها ثم عاد به، وكان يستعمله في مقاتلة الأعداء لأنه احتفظ بخاصيته الغريبة في أن يصير كل من ينظر إليه حجرا. ومما يلاحظ إن العرب كانوا يسمون كوكبة هذا باسمي برشاوش أو حامل راس الغول، ومن أحفاد برشاوش واندرومينا (هرقل) المشهور في القصة اليونانية بمخاطراته الجريئة التي يبلغ عددها اثنتي عشرة، ويرى هرقل في الكوكبات المصورة جاثيا وقدمه اليسرى

стр. 833

على التنين ولابساً لبدة الأسد الذي كان قتله أول أعماله المشهورة، وقد ذهب هرقل لإحضار التفاحات الذهبية من حديقة هسبريدز وقد كان يحرس الحديقة الثعبان الكبير لادون الذي لا تغمض له عين (وهو الممثل في السماء بكوكبة التنين، وهي نظراً لقربها من القطب لا تغيب تحت الأفق). وغني عن البيان إن هرقل قتل التنين واحضر التفاحات، غير إنا لا نعرف لماذا صوروا هرقل جاثيا، وربما كان ذلك هو السبب في تسميته عند العرب باسم الجاثي على ركبتيه. أما ذات الشعور فيروى إن الملكة برنيس زوجة بطليموس ملك مصر في القرن الثالث قبل الميلاد نذرت شعرها الجميل لمعبد الزهرة إذا عاد زوجها مظفرا من إحدى حروبه في آسيا وقد انتصر فوضعت الشعر في المعبد، ولكنه سرق في الليلة نفسها فغضب الملك لذلك غضباً شديداً، ولكن (كونن) الرياضي أراه مجموعة صغيرة من النجوم وقال له ها هي ذي فتعزى الملك وأطلق عليها اسم وسماها العرب كوكبة ذات الشعور. عبد الحميد سماحة

стр. 834

حلم الأستاذ مجنان للدكتور احمد زكي للأستاذ مجنان رأي بديع في مستقبل الطيران يشبه الأحلام في حلاوتها. وإذا اعتبرنا انه المستشار الفني لوزارة الهواء الفرنسية وانه درس خمسمائة جنس من أجناس الطيور، وعددا لا يحصى له من الحشرات الطائرة، بقصد زيادة الطيران دقة وسهولة ويسراً، وانه قضى في تلك الدراسة نيفاً وعشرين سنة، وإذا اعتبرنا انه قص هذا الحلم الحلو في مجمع العلوم بباريس، وان العلم كثيرا ما أتانا بأحلام لا نلبث أن وجدناها أولت تأويلا صادقا، إذا اعتبرنا كل ذلك صغينا إلى الأستاذ بآذان واعية وقلوب مؤمنة، إن كان بها قليل من الريبة ففيها كثير من الأمل، وان خّفت بها غرابة ما يقترح إلى ابتسامة التكذيب، قعدت بها ابتسامة هادئة من سرور الطمأنينة والتصديق، ذكرياتُ غريبات كانت بالأمس فأصبحت اليوم مألوفات لا تأخذ عيناً ولا ترهف آذناً. يرى الأستاذ انك في المستقبل القريب عندما تريد أن تزور صديقا لن تدخل إليه من باب بيته وإنما تطرق عليه باب سطحه، ولن يكلفك ذلك إلا أن تلبس جناحين لا تزيد مساحة الجناح منهما على أربع أقدام مربعة أو خمس وتقفز من سطح بيتك في الهواء فإذا بك تطير في الفضاء على بركة الله. وإنما يشترط أن يكون بعضلك من القوة ما يحرك الجناحين بسرعة بحيث يضربان عددا من الضربات بين الثلاث عشرة والعشرين في الثانية الواحدة. بالطبع لن يستطيع ذراعان إحداث هذا العدد من الضربات في ذلك الوقت القصير، لذلك يقترح الأستاذ أن تقوم الأرجل مقام الأذرع فتضغط على بدالين كبدالات الدراجات، إنما هنا يتحركان معا. وهذان البدالان يحركان جيرا يحرك جيرا اصغر منه

стр. 835

وهكذا حتى تتصل الحركة إلى الجناحين، فإذا حركت رجلاك الجير الأكبر مرتين في الثانية، حرك هذا الأصغر منه أربع مرات، وحرك هذا الذي يليه وهو اصغر منه أضعاف هذه المرات، فلا تصل هذه الحركات إلى الجناحين وهما خفيفان جدا حتى يتحركا بما هو بما بين الثلاث عشرة والعشرين من الضربات. ولكن يجب أن يضرب الجناح في اتجاه رأسي وهو نازل فإذا صعد صعد في زاوية، وبهذه الطريقة يقدر المرء أن يسير في الهواء في سطح أفقي واحد، إلا إذا واجه تيارات هوائية فهذه ترفعه. أما الآلة فلن يزيد وزنها عن مائتين وعشرين رطلا والقوة اللازمة للطيران بها على الصورة المذكورة تبلغ ثمن حصان وهي القوة التي ينفقها العامل الذي يشتغل بجسمه كل يوم في عمله. وفي استطاعتك إذا أردت أن تقتصد في من قوة بدنك أن تستخدم محركا صغيرا لا يزيد حجمه كثيرا على حجم رأسك، وعندئذ تستطيع أن تسير أسرع من ذي قبل، وان تصعد في الجو إذا أردت، وتفرغ لتوجيه الآلة، وللبحث عن تيارات الهواء والاستفادة منها، وللمتعة الكبيرة بما يمر تحتك من أشباح الجوامد والأحياء. وفي استطاعتك إن خشيت وقوف المحرك لخلل ما أن تحمل معك دسقطا من الدساقط المعهودة تقيك الهبوط السريع فالتهشيم، أما مادام المحرك يعمل والجناحان يضربان بالصورة التي كشفها الأستاذ من الطيور بالكمرة السريعة فلا خوف عليك ولا أذى فالصعود في الجو كالصعود في الجبل. ففي الجبل تستعين بعصا تقاوم فيها فعل الجاذبية الأرضية، وفي الهواء عصاك جناحاك تمسك بهما الهواء وتتشبث به كما تمسك بعصاك حجر الجبل، وللهواء جسم كما للجبل جسم وهو جامد بمعنى كما الجبل جامد، ولو كان لنا حس أدق من حسنا وعين أبصر من عيننا لأحسسنا جمود الهواء كما يحسه الطير.

стр. 836

القصص في الأدب الإيطالي الحديث الرواية في بونتاسياف! للكاتب الإيطالي لوسيو دامبرا شرع (مارك) يبتعد، وهو ممسك بذراعي: - وهي؟. . . . هي؟. . . . . آه! ليتني أستطيع مشاهدتها! ليتني أستطيع ذلك!. . . . إنها لا شك مسرورة الآن كل السرور بل هي الآن فخورة بهذا الانتصار الذي هو انتصارها!!! ولكن أنى لي مشاهدتها أثناء التمثيل، والظلام يغشى القاعة كلها؟. . . خير لنا أن ننتظرها على بضع خطوات من منزلها. . . وانتظرنا. . . . . انتظرنا أكثر من ساعة، وإذا الستار ينزل بين إعصار شديد من الهتاف والتصفيق، فتسابق أصدقاء (سيريني) إليه، ليؤكدوا له نجاحه، وليقودوه إلى المسرح، لتحية الجماهير، ولكنه أبى أن ينزل على رغبتهم، لم يتحرك، بل لبث يحدق في تلك النافذة، شاحباً كئيباً!!! أخذت الجماهير تتدفق، وقصدت جموعها تلك القهوة الحقيرة، التي ربحت في تلك الليلة ما لا يصدق؛ وبعد ساعة من الزمن، طفقت ترفض زرافاتها شيئاً فشيئاً، فأوى من أسعدهم الحظ باستئجار غرف في (بونتاسياف) إلى مضاجعهم، وانطلقت سيارات القسم الآخر تعدو وتتسابق، فلم تلبث القهوة أن أقفلت أبوابها، ولم يبق أحد مستيقظا، غير جماعة النقاد المسرحيين، الذين كانوا يتهافتون على دائرة البرق، ليبرقوا إلى صحفهم بهذا الانتصار، وبآرائهم فيه. أما (سيريني) فأنه لبث واقفاً يحدق في تلك النافذة، ولا يرفع بصره إلا عنها، وقد كانت تلوح على وجهه إمارات الكآبة والحزن: - طالع منكود!!!. . . أنا الذي لم يرغب في هذا الانتصار إلا لأتمتع برؤيتها عن طريقه. . . ماذا كنا ننتظر بعد تلك الساعة؟ ليس من شك أنها عادت إلى دارها من حيث لم تقع أبصارنا عليها. . . ليس من شك أنها عادت، ومن وقت غير يسير؛ وأنا كذلك، وإذا

стр. 837

(سيريني) يتأكد أن منزل عروس أحلامه، لا باب له من واجهته!!! طفقنا نبحث عن الباب، فاهتدينا إليه، في زقاق ضيق. . . . لا شك أنها عادت، ولكن. . . لو كانت عادت، لأبصرنا الضوء من خصاص النوافذ، ولو برهة وجيزة. إلا أنا كنا إذا أمعنا في التفكير قلنا: وما يدرينا؟ هل نحن واقفون على هندسة الدار، حتى نعلم إذا كان إشعال النور في إحدى الغرف، لابد أن يظهر من تلك النوافذ؟ دقت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، في الكنيسة المجاورة، وكان التعب قد بلغ مني مبلغه، حتى كدت أسقط إلى الأرض إعياء وضعفاً، فشرعت أتوسل إليه أن يعود، ومازلت به حتى أقنعته بذلك. . . وهكذا بفضل الله، وبعد سلسلة لا حد لها من التأوهات المحرقة، والتنهدات الملتهبة، وبعد كثير من الحدس والتخمين، وبعد نواح شبيه بمراثي أرميا، وبعد أن رسم خططاً ليقوم بتنفيذها في الغد، بعد كل ذلك، أوى (سيريني) إلى فراشه، وهو يزأر ويزمجر، وتركني أرقد بسلام؛ وأنا ألعن في نفسي الحب الريفي الذي يحتل قلوب كبار رجال المدن!!! - ٦ - وفي الصباح، عند الساعة العاشرة، أحتشد الناس في قهوة القرية الحقيرة. وكان (مارك) قد دعا رهطاً من أصدقائه لتناول الطعام في الهواء الطلق، رغبةً منه في استبقائهم حوله. وكان بين المدعوين الممثلة الشهيرة (تيريز اندرياني) وعدد غير يسير من أصدقائه في فلورانسا وروما. وفريق من النقاد المسرحيين. الذين كان الشاعر الرصين، الذي يعرف كيف يدير أعماله لتكون موفقة حتى في اشد أحواله اضطرابا، سيرجعهم بسيارته الخاصة إلى روما. وهنالك طفق اعظم أولئك النقاد مقدرةً، وأبعدهم صيتاً، ينقد الرواية نقداً وجيهاً. مسهباً، ويمتدحها في غير تحفظ ثم أخذ يبين كيف كان يضعها لو عهد إليه بتأليفها. ولكنه لم يكد يدرك نقطة التدليل على سداد رأيه ببرهان جليل من علم الجمال حتى تحول عنه (مارك سيريني) ولم يعد يكترث به. وبأروع جمله. . . حدث حادثان عظيمان. . . ظهرت عروس أحلامه. ومن ورائها أمها. تخطر وتتهادى في ذلك الزقاق الضيق. متجهة نحو الساحة الكبرى. ولم يكد يتميزها تماماً حتى كان أحد أصدقائه الفلورانسيين. قد هرع إلى السيدتين. ورفع قبعته لتحيتهما. . . وقد لبث يتحد

стр. 838

إليهما زهاء عشر دقائق. كاد (سيريني) ينفجر أثناءها. . . وقد انفجر. . . واخذ يطلع الجميع على سره: (هل تريدون أن تعلموا أصررت على أن تمثل رواياتي لأول مرة في (بونتاسياف)؟. . . إذن فاعلموا. إني لم افعل ذلك إلا من اجل هذه السيدة. التي أهيم بها هياماً جنونياً!). وبكلمات قليلة أطلعهم على كل شيء. أطلعهم على قصة غرامه منذ وقوف سيارته تحت نافذتها. حتى انتظاره إياها في الليلة السابقة إلى ما بعد منتصف الليل بساعتين! وكانت ترتفع عبارات الدهشة. والاستغراب. من ههنا وههنا. وكانت ترافقها في بعض الأحيان تعليقات مختلفة متضاربة. ورغم هذا كله ومع إن سيدة النافذة كانت ما تبرح تتحدث إلى (جيورجيني) صديقه الفلورانسي فأنها لم تلتفت إلى جهتنا قط. . . ولكن لا. . . لقد جادت علينا بنظرة قصيرة عندما لفت (جيورجيني) نظرها إلينا. اخذ (سيرين) يلاحظ الأم. كانت تحمل عددا من مجلة (الليستراسيون) وكتاباً للصلاة تحت إبطها. . . وقد فتحت المجلة وارت صديقنا صفحة فيها. لم يملك أن يكتم دهشته على أثر النظر إليها - هي تريه رسمي بكل تأكيد!. . . ولكن. . . لماذا يبدي (جيورجيني) هذه الدهشة. وفي هذه اللحظة تماما، هز الفلورانسي يدي السيدتين، ورفع قبعته لتحيتهما ووداعهما، واتجهت السيدتان، دون أن تلتفتا إلى جهتنا نحو الكنيسة. . . وعاد (جيورجيني) إلينا مسرعا، ولكن (مارك) كان قد أسرع لمقابلته، وسؤاله: - من هي؟؟؟ - مدام (ازوري). . . عرفتها وهي طفلة في مدينة فلورنسا - وماذا قالت لك؟ - لم تقل لي شيئا ذا أهمية!!! - إذا لماذا نظرت إلي؟ - لم تنظر إليك قط!!! -. . . إني أؤكد لك إنها نظرت إلي. . . قال مارك ذلك. واحتد. . . فذكر (جيوجيني)، وبعد مدة

стр. 839

- ها. . . ربما كان ذلك عندما سألتهما إذا كانتا ترغبان في التعرف إلى (مارك سيريني). . . - وهي. . . ماذا. . . ماذا قالت؟ - لم تقل شيئا!! - كيف لم تقل شيئا؟. . . هذا محال!. . . تكلم!. . . تكلم!. . . تكلم!. . . - إني أستميحك عذرا يا (سيريني) من اطلاعك على جوابها!. . . إني لا أجد في نفسي الجرأة الكافية لذلك!!!. . . إني لا يسرني أن أسمعك ما لا يسرك!!!! - قل!!!. . . قل!!!. . . قل وإلا سحقتك!!! أما نحن، فقد كنا في غاية الدهشة، والاستغراب. . . و (جيورجيني) المسكين لم يك يفهم سببا لهياج الشاعر وثورته، وكان كلما شدَّد المؤلف عليه النكير، أزداد هو جموداً واضطرابا - قلت لهما: هل ترغبان في التعرف إلى (مارك سيريني). . . هذا هو!. . . فنظرتا إليك. . . ولكن. . بعد ذلك. . - ماذا بعد ذلك؟؟؟. . قل. . . تكلم. . - وبعد ذلك. . . وبعد ذلك سألتني. . . - ماذا سألتك؟؟ - سألتني. . . سألتني: ومن هو (مارك سيريني)؟؟ يا للصاعقة!!! كان (سيريني) واقفاً، فهوى على كرسيه متهالكا، ثم قال بصوت ضعيف: - وأنت، ماذا أجبتها؟ - لم اجبها بشيء. . . فقد تذكرت وقالت: (آه. . . أجل. . . أليس هو (مارك سيريني) مؤلف الأوبرا التي مثلوها مساء البارحة؟) - (الأوبرا)!!!. . . (الأوبرا)!!!. . . - إن التعبير غريب، أليس يسمون كذلك؟ ولكن ينبغي أن نتلمس لها عذراً، لأنها ريفية. وسكان الريف يسمون كل شئ يمثل في لغتهم (أوبرا). . .

стр. 840

- ولكن. . . قل لي. . . (استطرد (سيريني) بصوت يكاد لا يسمع). . . قل لي، هل ذهبت على الأقل لمشاهدة (الأوبرا)؟ - كلا!!! لم تحظر التمثيل. . . لقد سألتها ذلك. . . لم تحضره لان زوجها مسافر. . . ومن جهة ثانية ليس لها رغبة في مشاهدة الروايات التمثيلية. إذ لديها ما يشغلها عن ذلك من الأعمال البيتية. . . لقد اعترفت لي بذلك. . . وقد اصبح لها ثلاثة أولاد فأنى لها ذلك؟؟؟ اخذ يردد (مارك) في نفسه. كيف لم تذهب؟. وكلمة (أوبرا) كادت تسحقه. . . ثم التفت إلي: (أوبرا). . . (أوبرا) أهذا يصدق؟؟؟ وعرض له خاطر آخر فسأل (جيورجيني)، ولكن. . . لماذا أرتك رسمي؟ - رسمك؟. . . أي رسم؟ - آه!. . . هل أصبحت أنت أيضاً (خبيثا)؟ لقد أرتك رسمي. . . أرتك إياه. . . إني موقن من ذلك!!! أولم تفتح لك الأم مجلة (الليستراسيون)؟؟؟ - مجلة (الليستراسيون)؟. . . آه. . . هذا صحيح. . . تذكر (جيورجيني). . . ولكنها لم تريني رسمك!!!. . . لعل من المستحسن أن أعلمك، بان زوجها مسيو (ازّوري) كيماوي، وبكلمة اصح، صيدلي، وقد اخترع في المدة الأخيرة حبوبا تقوي نهود النساء متى ما بلغن سنا معينة، وهو يحسب انه سيكسب بذلك الملايين، ولو سمعت السيدتان تتحدثان عن هذه الحبوب، لأيقنت إنها حبوب عجيبة جدا، ولقد أرتني الأم الإعلان الذي نشرته مجلة (الليستراسيون) عنها، وهو إعلان طريف، يصور الإلهين (جينون) و (فينيس) يتشادان من شعورهما وهما يتنازعان علبة من هذه الحبوب التي دعاها الصيدلي: مجددة الشباب!!! - ٧ - كان هذا الحديث ضربة قاضية على آمال (سيريني) وأحلامه فارتمى على كرسيه خائراً، مضعضعاً، وأشار إلى (جيورجيني) بيديه، ألايتابع حديثه، وألا يعود إليه. . . أما نحن، فقد كنا غارقين في صمت رهيب، لا يعدله غير صمت المقابر، ولا أضنني بحاجة لأن أعلمكم، بان الدعوة وقفت عند هذا الحد، وان المدعوين عادوا إلى فلورنسا عادوا إليها ليتناولوا الطعام في مطاعمها.

стр. 841

وقد تناولت الطعام مع (سيريني) في مطعم (ميليني)، وإذا الشاعر قد أضاع رشده، وفقد صوابه، وأعاد النقاد المسرحيين بالقطار إلى روما. . . ولما فرغنا من الطعام، جعلنا نتناول الفاكهة، وإذا به ينفجر: - أرابت؟. . . لقد صادفت في حياتي انتصارات واندحارات عديدة، ولكني لم اشعر في حياتي على أثر اندحار، بالخجل القاتل الذي تركه في نفسي انتصار البارحة كلا! لم اشعر قبل اليوم بمثل هذا الخجل السام!!! - إن الألفي شخص الذين أطاعوا هواي، وتسابقوا إلى (بونتاسياف) لمشاهدة روايتي الحديثة، وتحيتها بأعاصير داوية من الهتاف والتصفيق. . . والجرائد الصافحة بالتقاريظ والانتقادات الفخورة بنشر اسمي ورسمي. . . والسياحة الموفقة التي ينتظر أن تصادفها فرقتي. . . وبرقيات التهنئة التي ما برحت تتقاطر علي من كل حدب وصوب. . . إن كل ذلك يا صديقي قد تلاشى واندثر!!! ولإطفاء هذا اللهيب. . . ولإحداث الظلام بتلك الأضواء، لم تتكبد تلك الريفية التي كنت احسب إنها تعجب بي إعجابا، لا يعد التأليه بجانبه شيئا مذكورا. . . لم تتكبد مشقة كبيرة. . . إنما كفاها أن تسال ذلك الأحمق (ولكن من هو مارك سيريني؟) كم يبدوا لنا العالم كبيرا. وكم هو صغير!!! إن اعظم العظماء، إذا خرجوا عن دائرة بضعة آلاف شخص، يصبحون مجهولين، لا يعرفهم أحد، ولا يأبه بهم أحد!!! انظر هذه جريدة (لاناسيون) قد شغلت اكثر من نصف صفحة بالحديث عن روايتي، وهذا اسمي قد كتب فيها بحروف بارزة على أربعة عواميد. . . ويخيل إليك بعد ذلك إن جميع الناس أصبحوا يعرفون هذا الاسم، بل ربما ظننت انه ينبغي لهم بعد ذلك أن يعرفوه. . . ولكن الحقيقة هي إن لا أحد يتذكره، عندما يقلب الصفحة. . هو ذا الجارسون يتأهب ليقدم لنا القهوة، وهو قد طالع جريدة هذا الصباح، ادعه واسأله. من هو مارك سيريني)؟. . . إني أراهنك على زجاجة شمبانيا: انه سيسخر منك، وسيفتح لك عينين كبيرتين دهشتين. إلا إن (مارك) لم يقدم لي شيئا من الشمبانيا، لأني أحسنت صنعا بعدم دعوة (الجارسون)، ولكن المؤلف لم ينقطع عن الشكوى والتذمر، وأخذ ينعى على نفسه جهوده الضائعة، ولم يتردد عن لصق بعض الوصمات بنفسه، لأنه زرع بذورا قوية من العمل الدائم، ليحصد

стр. 842

بعد ذلك الموقف المزري الذي تقفه بلاده العاقة من نبوغه وعبقريته!!! وأخيرا دعونا (الجارسون) لندفع له الحساب، وبينما (مارك) يعيد محفظته إلى جيبه، ابتسم الجارسون، وقال وهو يلتقط البقشيش: - عفواً. . . ألم أحرز الشرف بخدمة (مارك سيريني)؟ فانتفض هذا الأخير وقال: - وكيف عرفتني؟ - لقد أبصرت اسمك هذا الصباح منشورا في مجلة (الليستراسيون) وذهب يبحث عن العدد. ولم يلبث أن عاد به. وفتحه عند الصفحة التي نشر فيها رسم (سيريني) جديد بمناسبة تمثيل روايته الحديثة في (بونتاسياف) فنظرت أنا و (مارك) إليها. ولحظنا فجاء على الصفحة اليمنى. إزاء الرسم المنشور على الصفحة اليسرى تماما. أبصرنا يا لسخرية الصدف! أبصرنا (جينون وفينيس) يتنازعان علبة من الحبوب المجددة للشباب!!! فخرج (مارك) من مطعم (ميليني) وقد هدأت أعصابه، وسكنت نفسه هل ينبغي تهنئة (الجارسون) لأنه عرف (سيريني)؟. . . هل ينبغي تخطئة سيدة النافذة لأنها لم تعرفه؟ كلا أيها الأصدقاء! إن سيدة (بونتاسياف) الفاتنة قد ألقت علينا درساً مفيداً، ومفيداً جداً: ينبغي علينا أن ندير الاركستر وان نضع الروايات لا لغيرنا، بل لأنفسنا!!! أما الشهرة، فهي كلمة جوفاء أيها الأصدقاء الذين أرادوني على الكلام كثيرا. الشهرة؟. . . كلمة لا أفكر فيها عندما أشير بعصاي اللدنة إلى أعضاء الاركستر. . . وهي الكلمة التي لم يعد (سيريني) يفكر فيها عندما يأخذ اليراع ليضع رواية جديدة. . . تمت حلب. ايزاك شموش قصة مصرية

стр. 843

سفروت الحاوي كان بمدينة بور سعيد رجل اسمه (سفروت الحاوي) يتردد على المقاهي فيعرض ألعابه السيماوية وحيله السحرية على الجالسين لقاء ما يجودون به عليه، وكان سفروت هذا لبقاً فكه الحديث سريع الخاطر قلما يخلو له أسبوع من حيلة جديدة، وبذلك اكتسب رزقا حسده عليه بنو مهنته. وأهالي بور سعيد كما يعلم القراء اشتهروا بأنه قلما وجد لسان في شرق الأرض أو غربها لم يلموا منه ببعض مفردات. ولكن سفروت هذا فاق أهل بلده في ذلك فقد وهبه الله هبة اللغات فكان يتفاهم في لغتين، ويشرح حيله ويطلب أجره في تسع لغات. كان سفروت رجلا طويل القامة نحيلا أسمر اللون، زينت له أمه أذنه اليمنى بحلقة فضية لأنه عاش لها بعد خمسة ماتوا في طفولتهم. وكان يسر في جلباب من السكرونة عليه معطف طويل محشو الجيوب وينادي بصوت طلق قوي: (أنا سفروت الحاوي، أنا الحاوي سفروت، اطلع البيضة من الكتكوت، جلا جلا جلا جلا جلا ويترجم ذلك أو شبهه إلى ألسن مختلفة بينما (يفنط) أوراق اللعب بين يديه بمهارة نادرة. وأغنى الله سفروت الحاوي جزاء استقامته وذكائه واقتصاده فجلب من ألمانيا لعباً سيماوية ثمينة واتخذ له صبية وسيمة الوجه جذابة القد أسمها بهية، وانتشرت شهرته بين أصحاب المقاهي والملاهي في بور سعيد فاستأجروه لإحياء ليال خاصة أدرت عليه وعليهم الربح الكثير. وزاد طموح سفروت فبدل ثوبه الوطني ببدلة سوداء على مثال أبناء حرفته الغربيين، وأرسل شعره طويلا قائماً، واتخذ لنفسه لقب (بروفيسير)، ثم انتقل إلى القاهرة يشتغل بها في موسم السواح، ويتركها إلى الإسكندرية وغيرها من المصايف في موسم الحر. كان سفروت كعادة الحواة يبدأ ألعابه بالمألوف من الحيل مثل كسر البيض ووضعه في إناء أمام النظارة، ثم إخراجه صحيحاً من آذانهم، ويتدرج من ذلك إلى الصعب العجيب مثل أكل الخرق البالية وقصائص الورق، وإخراجها من فمه أعلاما للدول المختلفة وهكذا حتى ينتهي إلى أصعب ألعابه وهي لعبة صندوق الإخفاء الألماني العجيب الذي اشتراه بمبلغ كبير.

стр. 844

وأمر هذا الصندوق يظهر غريبا للمتفرجين، وبيانه إن سفروتا يأتي ببهية فيقيدها بالسلاسل والأغلال ويضعها في صندوق أمام المتفرجين، كان قد طلب إليهم فحصه قبل ذلك. ويوصد الحاوي الصندوق بالأقفال ويربطه بالأحبال ويقف عليه، فيكفهر وجهه، ويقف شعر رأسه، ويتمتم ويتلو تعاويذ سليمان على الجن الحمراء، ويأمرهم سفروت أن يحولوا جسم بهية إلى المادة الهيولية. عندئذ يتصاعد من الصندوق بخار أحمر فينزل الحاوي عنه ويفتحه فلا ترى أثراً للفتاة فيه. ويقفل سفروت الصندوق ثانية، ويقف عليه فيكفهر وجهه ويقف شعر رأسه، ويدعو سليمان فتحضر الجن ثانية، فيأمرهم أن يسترجعوا جسم بهية، وينزل الدخان الأحمر من سقف المسرح ويفتح الحاوي الصندوق فإذا ببهية في أصفادها كما كانت. حدث ذات مرة في موسم (رأس البر) أن تعاقد مدير فندق كبير مع (البروفيسير سفروت) على إحياء سبع ليال لتسلية المصيفين مقابل أجر طيباً فأمر الحاوي أن يبني له مسرح خاص في ردهة الفندق الكبيرة، وبدأ لياليه كالعادة، حتى كانت الليلة الثالثة ففي هذه الليلة بعد أن انتهى من لعبة الصندوق وبينما كان يجمع أدواته من المتفرجين ويعطيهم ما كان قد استعاره منهم أثناء الحفلة أعترضه رجل قصير القامة، بدين الجسم، يلمع العرق على وجهه الأسمر الأصفر، رجل من أقباط الصعيد في زعبوط أسود وعمامة سوداء يخاله الناظر من تجار الكسبة أو العجوة. تقدم الرجل من سفروت خجلاً متردداً فقال: (نكتة اللعبة دي!. . . نكتة تمام يا أخينا). فوافق سفروت على قول الرجل ببرود وأدب مصطنع، ثم مضى إلى غيره، ذلك أن الناس كثيراً ما كانوا يأتون إليه بعد الحفلات يخبرونه أنهم يعلمون سر ألعابه أو أن ما فعله قد رأوه منذ سنوات أو ليلحوا عليه كي يعلمهم السر في حيلة أعجبتهم إلى غير ذلك من سخف كثيراً ما سايرهم فيه أو صرفهم عنه بسحرية غير جارحة، إذ لم يكن من الكياسة أن يجفو لهم في القول وعليهم مدار رزقه. وتبع القبطي الحاوي وهو يردد في شيء من الذهول: نكتة جوي والله عبارة الصندوق دي!. . . . نكتة جوى. (فقال سفروت مستهزئاً! (إذا كان أعجبك فلم لا تشتري لك واحداً يا معلم! فلم يدرك الصعيدي أن الحاوي يهزأ به إذ كان يفكر في أمر ملك عليه انتباهه.

стр. 845

انتهى سفروت وخرج كعادته يتمشى على شاطئ البحر ليريح نفسه من عناء العمل وليستنشق هواء الليل قبل أن يذهب إلى فراشه فإذا بالقبطي يقتفي أثره ويبادر بحديث الصندوق. _ لا تؤاخذني يا حضرة. . . . أنا عاوز أكلمك، أنت أولاً أسمك إيه؟ _ خدامك سفروت _ عاشت الأسامي يا سي سفروت. . . . تعرف ياسي سفروت عبارة الصندوج دي مش نكته جوى جوي برده! - إياك أنت تكون اهتديت لسرها بنباهتك من ساعة ما سبتك؟ _ لألأ! مش غرضي. وأدرك سفروت من لهجة محدثه أنه يحاول أن يكتسب صداقته؛ وكانت الليلة مقمرة، فلما نظر رأى عيني القبطي تلمعان بانفعال غريب فحدثته نفسه (ماذا يريد هذا الرجل مني؟) ولكن محدثه قطع عليه تفكيره. - بجه مش تفتكر أن تخيبة المرة اللي معاك دي يخصر اللعبة بعض شيء؟ - برده يا خواجه لك حق، لكن يعني أمال حخبي مين؟ - ليه ما تخبيش واحد من المتفرجين؟ أهو ده يكون نكته تمام. وأندهش سفروت من هذا الاقتراح الشاذ وأجاب ساخراً - يبقى نكتة أوي إذا كان واحد يرضى يوالس معايه! طبعاً إذا كنت أنت متطوع يبقى كويس. دا حتى ما يبقاش فيه فائدة للصندوق. الزعبوط بتاعك ده كفاية أوي، الزعبوط ده يخبي دستة. ثم ضحك مقهقهاً. - ما تآخذنيش يامعلم! أنا راجل أحب الهزار. - ولكن الرجل الغريب الأطوار تجاهل وقاحة الحاوي أو هو لم يسمعه فقد نظر حوله كمن يريد أن يستوثق من عيون رقيب، ثم أدنى فمه من أذن محدثه هامساً. اسمع! أنا راضي، أنا أتفق وياك. وتلفت حوله في انفعال عصبي ووضع يده في عبه وأخرج منها محفظة نقوده فاخذ ورقة ذات خمسة جنيهات وهو يهمس. - ما تفتكرشييا سي سفروت أني مجنون، يمكن أطواري تظهر غريبة لك شوية، لكن أنا
следующие страницы →