← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.

стр. 8086

١٣ - قصة المكروب كيف كشفه رجاله ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم بستور صلة حديثه وصل الفائت: أثبت بستور أن المكروب ضروري للحياة على ظهر هذه الأرض. فإن الأموات من الحيوان والنبات لابد من تعفنها وتحللها وأكسدتها لتتسع البسيطة للنبات الجديد والحيوان الوليد. وأن هذا التحلل لابد له من الأكسجين. ولكن أكسجين الجو عاجز عن هذه الأكسدة فإنها لا تتم إلا بواسطة المكروب. ثم أثبت بستور بعد ذلك أن المكروب منشؤه الهواء، يحمله غباره. وأنك لو أدخلت الهواء دون الغبار إلى اللبن والأمراق ونحوها بعد إغلائها جانبها الفساد، فقضى بذلك على نظرية الانبعاث التلقائي التي تقول إن المكروب ينشأ في الأمراق والألبان وأمثالها من تلقاء نفسه، من العدم وبعد ذلك قام بستور بتجربة يدلّ البحث الدقيق بين المخلفات والسجلات أنها من صنع نفسه. تجربة هائلة، ركب لها القطار، وصعد من أجلها الجبال، ودار في أعاليها في حذر وريبة حول ما انجمد بها من الأنهار. وعاد معمله مرة أخرى فازدحم فيه القباب، ورنّ الزجاج، وغلت الأحسية فأرغت وتفقعت. وقام أعوانه على العمل قومةً واحدة، فلم تر فيهم إلا رائحاً مسرعاً أو غادياً مهرولاً، حتى لكائنهم عبيد مسترقّون السياط، وما كان وراءهم إلا قلوب مؤمنة وعزمات صوادق. قاموا يجهزون مئات القوارير، ويملئونها بالأحسية بعض الملء، ثم يُغلون كل واحدة منها دقائق، وبينا هي تغلي يسيحون رقابها في نفخات اللهب الشديد، ثم يمطونها ويختمون على القوارير وقد ذهب هواؤها. فإذا بردت لم يكن بها غير الحساء فوقه فراغ. وقاموا على هذا التجهيز ساعات عديدة طويلة حسبوها دقائق من فرط اهتمامهم

стр. 8087

وبدأ بستور رحلته بهذه القوارير. فذهب أول ما ذهب إلى مرصد باريس فنزل إلى حجراته المطمورة تحت الأرض. وأجال نظره فيها ثم التفت إلى صبيته وقال: (كيف تجدون هذا المكان؟ إنه هادئ بالغ الهدوء، ساكن بالغ السكون، قل فيه الغبار فعز فيه المكروب)، وقام الصبية إلى القوارير فامسكوها بعيداً عن أجسامهم بمقابض من المعدن أحميت في النار قبل ذلك، وأخذوا يفضون أختامها حتى بلغ المفضوض منها عشر قوارير، وكلما فضوا ختم قارورة دخلها الهواء فسمعوا له صفيراً. وما كاد يدخلها الهواء حتى عادوا فختموا القارورة على التو مرة أخرى، وذلك في لهب مصباحٍ زيته الكحول. وذهبوا إلى فناء المرصد ففضوا فيه عشر قوارير أخرى على مثال ما وصفنا: ثم أسرعوا عائدين إلى معلمهم، إلى ذلك المحضن تحت حنية السلم، فوضعوا القوارير فيه وبعد أيام كنت تجد بستور قاعداً القرفصاء أمام هذا الفرن ينظر قواريره في رفق وحنان، وعلى فمه ابتسامة من ابتساماته النادرة، فإنه لم يكن يضحك إلا إذا جاءه التوفيق والنجاح. وكتب شيئاً في كراسته وحرج يزحف من هذا الحجر ليخبر أعوانه أنه وجد تسع قوارير رائقة من العشر التي فتحوها في قاع المرصد، (فهذه القوارير التسع لم يدخلها مكروب واحد. أما العشر التي فتحناها في الحوش فتعكرت كلها بالملايين من تلك الخلائق. إن الهواء هو الذي أدخلها في القوارير. إن هباء هذا الهواء هو الذي حملها معه!) وكان الوقت صيفاً، ودراسات المعاهد معطلة والأساتذة يستجمون، وحق لبستور أن يستريح مثلهم، ولكنه جمع ما بقي من القوارير وأسرع إلى القطار، إلى بلده القديم في جبال الجورا فصعد جبل بوبية وهناك فض أختام عشرين قارورة ثم لحمها. وذهب بالقوارير إلى سويسرا، وتسلق جبل مونت بلان مغامراً مخاطراً، وعلى أكتاف هذا الجبل العظيم فض أختام عشرين قارورة أخرى فدخلها الهواء صافراً. ورجا بستور أنه كلما علا في الجو قل العدد الذي يتعكر من قباباته. وقد تحقق رجاؤه. قال: (هذا ما كنت أرجو، وهو ما يجب أن يكون. فإني كلما صعدت في الهواء قل الغبار فقل المكروب الذي يركبه دائماً). وعاد إلى باريس فخوراً، وأخبر الأكاديمية أنه اصبح من الثابت المحقق أن الهواء وحده لا يستطيع إحداث المكروب في الأمراق، وأن لديه على ذلك براهين سيدهش لها كل إنسان. صاح فيهم يقول: (هنا، بهذا المكان توجد مكروبات. وهنا، على مقربة من المكان الأول لا توجد

стр. 8088

المكروبات. وهناك، في ذلك المكان الأبعد توجد مكروبات غير تلك التي وجدناهاأولاً. . . . وهذا مكان آخر، قد هدأ هواؤه هدوءاً بالغاً، فلم نجد فيه مكروبا أصلاً). وأراد أن يمهد لانتصارات أخرى، فقال: (لوددت أن أصعد في منطاد إلى طبقات أعلى في الجو فأفتح فيها قباباتي). ولكن سامعيه اغتمروا حساً بحديثه، واكتفوا بالذي كان، ووثقوا بالذي يقول، فلم يعد بستور عندهم عالماً باحثاً عادياً فحسب، بل وقع من حسبانهم موقع أولئك الأفذاذ الذين يجود الدهر بهم آنا بعد آن. كان بستور أول الأبطال المخاطرين في عصر المغامرة الذي تلا، والذي سنتحدث عنه في هذه القصة بعد حين وكان بستور كثيراً ما يفور في خصوماته بالتجارب البارعة التي كانت تترك خصومه طرحى صرعى. ولكن في بعض أحايين كان فوزه لضعف في خصومه أو لغباوة فيهم. وأحياناً كان يأتيه الفوز حظاً ومصادفة. قام بستور يوما في جماعة من الكيميائيين فحط من المقدرة العلمية للطبيعيين صاح فيهم: (فإن أعجب فعجبي لهؤلاء القوم كيف لا يدخلون على العلم من بابه، من باب التجربة. فإنهم لو فعلوا، إذن لنفخوا في علمهم روح الحياة). وأنت تستطيع أن تتصور ما كان من كره الطبيعيين لهذا المقال. فقد كرهه بخاصة المسيو يوشيه مدير متحف روان وشركه في كرهه الأستاذ جولي والأستاذ موسيه وهما الطبيعيان الشهيران بكلية تولوز. ثلاثة من أعداء بستور لم يستطع شيء في الدنيا أن يقنعهم بان تلك الأحياء المكرسكوبية إنما تتخلق من آباء. لم تستطع حجة أن تذهب باعتقادهم في إمكان نشوء الحياة والأحياء من ذوات أنفسها. ومن أجل هذا أجمع الثلاثة أمرهم على أن ينازلوا بستور في أرضه وبنفس سلاحه فملئوا مثله القوارير، ووضعوا فيها الأحسية على مثال ما صنع، وأغلوها وختموها كما أغلى وختم، إلا أنهم اتخذوا أحسيتهم من مرق الأعشاب الجافة لا كما اتخذها هو من أمراق الخمائر. وحملوا قواريرهم إلى جبل مالاديتا في البرنيز فأخذوا يصعدون فيه ثم يصعدون حتى بلغوا مكاناً أرفع مما بلغ بستور على جبل مون بلان في سويسرا. وهناك خرجت عليهم من مغاور الثلوج رياح قارسة نفذت من خلال أكسبتهم الغليظة إلى جلودهم. وزلقت رجل المسيو جولي من فوق كتف الجبل، فكاد يذهب ضحية العلم لولا أن أمسك بعض الأدلاء بذيل كسوته. وقاموا وهم في هذه الحال بفتح القوارير وملء فراغها بالهواء ثم

стр. 8089

ختمها. ونزلوا يجرون أقدامهم، وقد نال الجهد منهم والبرد، فدخلوا إلى خان في الطريق فنصبوا فيه محضنا حيثما اتفق، ثم أودعوه قواريرهم. وبعد أيام نظروا إليها فبرقت أساريرهم لما رأوا أمراقها تعج بالخلائق الصغيرة. إذن لقد أخطأ بستور وعندئذ أشهروا الحرب بينهم وبينه. وقام بستور يهزأ في الناس بتجارب الأسياد: يوشيه وجولي وموسيه. وقارعهم بحجج نعلم نحن اليوم أنها كانت تمحكا ولجاجة فرد عليه يوشيه. قال فيما قال: (إن بستور قدم قواريره هو إنذاراً أخيراً للعلم ليدهش كل إنسان). فغضب بستور واهتاج، ووسم يوشيه بالكذب، وطلب اعتذاره على رؤوس الأشهاد. وخيل للناس أن الفصل بين الحق والباطل سيكون للدماء الصبيبة بدل التجارب الهادئة. وكان من بعد ذلك أن احتكم يوشيه وصديقاه إلى تجربة يجرونها بين رجال أكاديمية العلوم، فإذا وجد واجد أن قارورة واحدة من قواريرهم خالية من المكروبات عقب فتحها، إذن لأقروا بأنهم مخطئون. وجاء اليوم الموعود، واقتربت ساعة النزال، ساعة الاحتكام إلى القوارير، واشرأبت أعناق الناس، ودفئت قلوبهم في انتظار ما يكون. ولكن خصوم بستور رجعوا على أعقابهم ناكصين. فروا من المعركة قبل أن تكون. فقام بستور نفسه بتجاربه أمام المحكمين، أجراها في وثوق واطمئنان، وسخر من خصومه وهو يجريها. وبعد قليل أعلن المحكمون (أن الوقائع التي ارتآها المسيو بستور، فخاصمه فيها يوشيه والمسيو جولي والمسيو موسيه حقائق لا تحتمل النزاع ولا تسمح بالخصومة) انتصر بستور بالحق، وكذلك انتصر بالحظ، فإن خصومه لم يكونوا مخطئين في الذي وصوفه من تجاربهم. لأنهم لسوء الحظ اتخذوا أمراقهم من العشب، لا من حساء الخمائر. وقد أثبت العالم الإنجليزي تندال بعد ذلك بسنوات أن هذه الأعشاب تحمل جراثيم مكروب تصمد للغليان ساعات فلا تموت. فالذي أنهى الخصومة بين بستور وأصحابه إنما هو في الحق تندال. وهو هو الذي أثبت ان بستور مصيب - ٥ - وعندئذ حظى بستور بالمثول بين يدي الإمبراطور نابليون الثالث. فقال لهذا الملك الحلام إن كل أمله أن يعثر على تلك المكروبات التي تتسبب عنها الأمراض يقيناً، ودعاه الملك إلى نزهة ملكية في كومبين وهناك صدر أمر الملك إلى ضيوفه بالاستعداد للصيد، فتوسل

стр. 8090

بستور ورجا أن يعفى من هذا، لأنه كان في انتظار حمولة عربة من الأجهزة ستأتيه من باريس، مع أن ضيافته في القصر الملكي كانت لأسبوع واحد. وأكبره الملك والملكة لما رأياه مكباً على مجهره، بينا يكب الآخرون من الأضياف على صنوف اللهو والخلاعة لابد أن يعلم الناس أن المكروب لابد له من آباء! وفي باريس، في سهرة علمية بالسربون، قام بستور فالقى خطاباً سهلاً في الجمهور الحاضر، وكان من بينهم اسكندر دوماس القصصي الشهير، وجورج ساند المرأة العبقرية المعروفة، والأميرة ماتلدا، ومئات من ذوات البلد وأعيانه. وقام في هذا الحشد بقطعة مسرحية رجعوا من بعدها إلى بيوتهم يثقلهم الهم ويساورهم الخوف. فقد أراهم بستور على الشاشة صوراً عديدة من مختلف المكروبات. وبدون إنذار أظلم المكان فجاءة، وأرسل في كتلة الظلام الأسود شعاعاً ابيض من الضياء. وصاح فيهم: (انظروا إلى هذا الشعاع، وانظروا إلى العدد الهائل من ذرات التراب التي ترقص فيه، ثم اعلموا أن الهواء الذي انتم فيه مليء بهذا الهباء، ثم تعلموا إلا تحتقروا دائما شيئا لصغره، فتلك الذرات الصغيرة قد تحمل المرض والموت، قد تحمل فوق ظهورها مكروب التيفوس والكوليرا والحمى الصفراء، وأنواع كثيرة غير هذه من الوباء). هذا هو النبأ الفظيع الذي جمعهم من أجله! ألقاه إليهم في صوت يتهدج غيرة وإخلاصا، فآمنوا به وارتجفوا ارتياعا منه. بالطبع لم يكن هذا النبأ صادقا كله، ولكن بستور لم يكن كذاباً فياشا، بل كان يؤمن كل الإيمان بالذي يقول. فهذا الهباء، وهذا المكروب الذي حمله، أصبحا من ضرورات حياة صاحبنا. إذا فكر ففيهما التفكير، وإذا نظر فإليهما النظر. ويدعوه الداعون من رجالات المجتمع إلى موائدهم فلا يبالي أن يرفع إلى أنفه الصحون والمعالق، فيحملق فيها، ثم يدور عليها يمسحها بمنديله. كان كل عمل يأتيه إعلانا بعيد المدى عن تلك المكروبات نعم أغرق بستور كل فرنسي أن يهتم لهذه المكروبات، من الإمبراطور في عظمته وأبهته، إلى الزبال بين قمامته. وتسارق الناس الأخبار من أبواب مدرسة النرمال عن أحداث مريبة غريبة، حدثت أو تحدث قريباً: ومر الأساتذة والطلاب بتلك المعامل، وفي خطاهم بعض سرعة، وفي قلوبهم شيء من فزع؛ وكأني بك تسمع الطالب يتحدث إلى رفيقه الطالب، وقد مرا في طريقهما بمدرسة النرمال فأظلتهما حيطانها العالية الغبراء، فيقول له:

стр. 8091

(إن وراء هذه الحيطان رجلا يدعى بستور يكشف أموراً عجيبة عن مكنة الحياة، وقد بلغ من علمه أنه يعرف كيف تنشأ الحياة، ويقولون إنه ربما كشف منشأ الأمراض وأسبابها) ونجح بستور في إغراء السلطات بزيادة سنة على سنوات الدراسة، وبدأت المعامل تزداد عدداً، وخطب في تلاميذه خطباً من نار، فبعث بفصاحته الدمع إلى عيونهم، وتحدث عما تحدثه المكروبات من العلل في الأجسام قبل أن يعلم عن هذا شيئاً، فلم يكن بعد بحث الطاعون، ولم يكن بعد كشف غيره من الأوبئة القتالة، ولكنه فعل ذلك ليحمس الجمهور، والجمهور الفرنسي عنيد، عسير تحميسه كتب يوماً رسالة صغيرة حارة يخاطب فيها جمهور الفرنسيين قال: (أرجوكم، أتوسل إليكم أن تعيروا شيئاً من اهتمامكم هذه البيوت التي أسميت معامل عمداً وقصداً. طالبوا بزيادتها. طالبوا بتكميل ما نقص منها. إنها معابد الغد. ومنها ستخرج لكم أسباب الرفاهية وأسباب الغنى). بقد سبق بستور زمانه بنصف قرن، وكان كالنبي الذي يعرف من أين تؤكل الكتف، فنصب لقومه مثلاً للكمال عظيمة، ولكنه لم ينس أن يذكرهم بما سيكون لهم كذلك من متع مادية دون تلك المثل عظماً، لم يكن بستور بحاثاً كبيراً فحسب، بل كان خبيراً بأمور دنياه خبرة فائقة (يتبع) أحمد زكي

стр. 8092

القصص من أساطير الإغريق ثيذيوس يقتل المينوطور ويخلص أثينا لعب يثير حرباً للأستاذ دريني خشبة كان الملك إيجوس، ملك أثينا، في شرخ صباه وعنفوان شبابه زير نساء، وأخا شهوات؛ وكان ذا نزواتٍ تكاد تسعى به إلى حتفه. . . . بظلفه. . . ذهب مرة يجوب ريف مملكته، فلمح وجهاً مشرقاً ينبثق من كوة كوخ في إحدى القرى، تتراقص حول ثغره الصغير بسمات هن رسل الحب، وتنطلق من عينيه النجلاوين نفثات تصرعن ذا اللب. . . حتى لا حراك به. . . وطرق الباب يستسقي، وما به ظمأ، فامتدت إليه ذراع عاجية لدنة، تحمل كوباً من البلور مفعماً برحيق الحب، وإن لم يحو غير الماء القراح! وتناول الكوب ولبث لحظة يشرب ما به بعينيه، دون أن يمتد فمه إليه، ثم أرسل زفرةً دفعت الباب فانفتح على مصراعيه، ودخل غير مستأذنٍ، فروى فمه، وبرد قلبه، وبل جاحم الحب الذي زلزل أركانه ثم تزوجها، ومكث عندها شهراً كان عسلاً كله! ووصل إلى قاعدة الملك، وأم القرى، أثينا، بعد أن ترك وصاته المكتوبة الآتية: (في الغرفة التي ضمتنا لأول مرةٍ نلتذ الحياة وننعم بطيب العيش؛ هنا؛ في هذا المنزل الصغير الذي اتسع لدنيا من الآمال والأحلام؛ وتحت الحجر الكبير الملون، حيث كانت قدماي تحييان في سكرة الهوى قدميك؛ قد استودعت نعلي اللتين حملتاني إليك، وسيفي الذي فربت به رؤوس الأعداء حتى سعدت بك؛ فإذا وضعته غلاماً فسميه ثيذيوس، ونشئيه وطرئيه حتى يصلب عوده، ويشتد ساعده، فخذيه إلى الحجر فليرفعه، وليلبس نعلي وليمتشق سيفي، ثم ليمض إلى أثينا، لا حافظ له إلا قلبه، ولا حارس إلا سيفه، فإذا شاءت العناية فإنه بحول زيوس العظيم ولي عهدي، وصاحب التاج من بعدي.)

стр. 8093

وتتابعت السنون وكانت أثينا تزهى كل سنةٍ بعيدها الرياضي الفخم؛ فتلبس حلةً من البهجة والإيناس، وتؤمها وفود الأقاليم المجاورة تتفرج بالألعاب الجميلة، وقد تشترك فيها وكان لمينوس ملك كريت، ابن مفتول العضل قوي البنية حبيب الطلعة، كان يقدم إلى أثينا إبان عيدها الرياضي ليباري أبطالها، ثم يعود مشمولاً بحب الأثينيين وإعجابهم الشديد، ولقد كان يحدث ألا يكون للموسم بهجته المعتادة إذا تخلف ابن مينوس فلم يحضر إلى أثينا ومن غريب المصادفات أن يولد ابن ملك كريت هذا في نفس اليوم الذي تضع فيه القروية الحسناء الغلام ثيذيوس ابن ملك أثينا ومن يرغب المصادفات أيضا أن ينشأ ثيذيوس هذه النشأة الرياضية التي نشأها ابن مينوس، والتي كانت إماراتها تبهر الأثينيين وتخلب ألبابهم في موسمهم الرياضي ولم يكن الأثينيون يعلمون أن لملكهم ولداً، هو إن لو يبرز على ابن مينوس في الألعاب الرياضية، فإنه لا يقل عنه شأنا فيها. ولم يكن الملك نفسه يعلم عن ولده شيئاً، ولو قد علم عنه شيئاً لما سولت له نفسه الأثيمة أن يدبر غيلة ابن مينوس في حلك الليل، وفي طريقه المقفرة إلى المرفأ، حين آب بأكثر جوائز الموسم الرياضي، في المصارعة والملاكمة والعدو ورمي القرص. .! لقد أكلت الغيرة العمياء قلب الملك الجبان، وتلظى فؤاده بحقد أسود حجب بصيرته، فأرسل عصابة من اللصوص وقطاع الطرق والسفاكين، ذبحوا الشاب المسكين، ونبذوا جثته بالعراء، تنوشها الوحوش وسباع الطير! واهتزت أثينا المضيافة، أثينا أم القرى، لهول الجريمة، ونقموا على القتلة الأشرار اعتداءهم الشنيع على ضيفهم المحبوب؛ وكادت تندلع ألسن الثورة حين استفاضت الإشاعات وراجت سوق الأقاويل، لولا أن وصل في صبيحة ليلة الجريمة، البطل الصغير ثيذيوس ولي العهد فجأة، ومن غير سابق علم، ولا ترقب ولا انتظار! (ثيذيوس! ومن يكون ثيذيوس هذا؟! (ولي عهد المملكة، ورجاؤها، ومعقد آمالها (وأين كان الشاب؟ وابن من؟ ومتى ولد؟

стр. 8094

(كان ينشأ في الريف، وهو ابن حسناء من أميرات الأقاليم وولد منذ عشرين ولم لم تعلم به أثينا من قبل؟ (أراد الملك أن يفاجئ شعبه بهذا الخبر السار، لولا اغتيال ابن مينوس؟! (وهل هو حقاً أشجع من ابن مينوس؟ (ومن يكون ابن مينوس، وألف بطل كابن مينوس إلى ولي عهدنا ثيذيوس؟ وهكذا راحت الجماهير يتحدث بعضها إلى بعض حديث ثيذيوس أما كيف وصل هذا الأمير الصغير، فإن أمه لما آنست فيه القوة واكتمال البنية، ولما رأت من تدفق ماء الشباب في وجناته، وسريان كهرباء الحياة في عضلاته، قادته إلى الحجرة التي لقيت فيها لأول مرة أباه، ثم ناولته الخطاب المكنون الذي يحمل وصاة الملك. وما قرأ الفتى ما جاء بالخطاب حتى تأكدت له الأماني العذاب التي كانت أمه تهتف له بها، فتقدم إلى الصخرة فرفعها بأقل جهد، ثم حمل السيف فقبله، ووضعه هنيهة على رأسه، ثم على عينيه، ثم على قلبه، كأنه يطبع به خاتم المحبة الأبوية على أعز جوارحه! وربط النعلين العزيزتين على قدميه، وانهال على خدي أمه ويديها يقبل هذين ويلثم هاتين، وودعها، وتزود من نصائحها، وانطلق ميمما شطر أثينا وكانت الطريق إلى العاصمة صعبة شائكة محفوفة بالمكاره، ككل طريق تؤدي إلى جنة أو نعيم؛ فاللصوص وقطاع الطرق والسفاكون يأخذونها من كل حدب، والسباع الضواري تعج في جنباتها، والغيلان والأبالسة تهمهم في جميع منعطفاتها. . . ولكن هذا كله لم يثن من عزم ثيذيوس؛ فلقد قتل كل من تعرض له من لصوص هذه البرية المرعبة، وفري رؤوس سباعها، حتى لقد فر الكثيرون أمامه يذيعون نبأ مقدمة في أثينا. فما وصل إليها حتى كان صيته قد سبقه وشاع فيها. وما إن تقدم إلى أبيه الملك حتى عرفه، ونزل من فوق العرش فعانقه وقبله، ثم عاد فأجلسه بجانبه، وألقى إليه بأذنيه يصغي إلى قصة حياته، ومجازفته في الطريق التي تكتنفها الأهوال إلى أثينا! وأعلن السرور العام في المدينة، وطفقت النواقيس تدق في الهياكل، وأطلق سراح المجرمين من جميع السجون، وجعل الناس يتندرون بشجاعة ولي العهد وقصته العجيبة، حتى لأنساهم ذلك هول المأساة الدامية التي روعتهم وزلزلت قلوبهم

стр. 8095

وانتظر مينوس أوبة ابنه، بيد أنه قلق لانقطاع أخباره، وساورته الظنون من أجله، وحسب أن ريحاً عاصفاً ثارت بمركبه في البحر الإيكاري فأغرقته، لولا أن أحد التجار الكريديين عثر بجثة القتيل فاحتملها إلى الملك، الذي تصدع قلبه من الأسى! ولا تسل عما انتاب مينوس من الحزن، وما شمل كريد من الهم، حتى لم تبق فيها عين لم تذرف ماءها على ولي العهد! واتصل بالملك ما كان من فعلة إيجوس ملك أثينا، فاستيقظ الناس صبيحة اليوم التالي على صيحة الحرب، تدوي في غبشة الفجر فتقض المضاجع، وترن في الآذان وتتجاوب لها حبات القلوب! وما تطلع الشمس حتى تكون البطاح مائجة بجنود كريد البواسل، هائجة بالمتحمسين من الشبان والشيب، هرعوا جميعا فدى الملك، وريا لمجد الوطن، وإثئاراً لولي العهد! وترامت الأخبار إلى أثينا، فاعتكرت أفراح البلاد، وسكن ضجيج الشعب، وسارع الجميع يستعدون للقاء العدو، فها هي القلاع قد سهر عليها حراسها، والسبل منبثة فيها الجنود شاكي السلاح، والمرافئ تعج بالسفائن الحربية، وكل رجل في المملكة قد اضطلع بنصيبه في الذود عن بيضة الوطن! وأقلع مينوس بأسطوله اللجب، وعسكره المجر، وفرسانه العديدين، مزودين بميرة ليس كمثلها ميرة، وذخيرة يا لها من ذخيرة. . . ومخر الأسطول لا تحول بينه وبين مطمحه عقبة، ولا يقف من دونه محمق ولا مجنون ووصل الأسطول إلى أثينا، غادة هيلاس، وهدية الآلهة إلى فينوس، وعروس الأحلام الجميلة؛ فوجد الأسوار مخفورة، والبوابات مغلقة، والناس داخل المدينة مستعدين للدفاع عنها، فألقت الفلك مراسيها. واندفع الكريديون يحتلون السهل الواسع المحيط بالمدينة حتى ملأه، وحتى لا ترى إلا خياماً تصل أقصى الشمال بأقصى الجنوب، وتربط أول الشرق بآخر الغرب. . . جنود وضوضاء. . . وصهيل ورغاه. . . وعسكر كالجراد المنتشر لا تبلغ آخره عين، ولا يذهب إلى آخره خيال! وصابر مينوس يحاصر المدينة أياما طوالا حتى قلت الأقوات داخلها، وأخذ أهلها يشكون

стр. 8096

الجوع والجهد، وزاد شدتهم أن نضب الماء، فعم البلاء ولم يكن أمام الأثينيين إلا إحدى اثنتين: إما الموت داخل الأسوار صبراً وهذا ما لن يكون، وإما الخروج للقاء المحاصرين ومناضلتهم، وذلك مالا طاقة لهم به، ولا قدرة لهم عليه أمران أحلاهما مر، وأخفهما فيه الويل، وعقباه الدمار والبوار! وأجمع بعض عقلائهم على أن يذهبوا إلى ملكهم يرجونه أن يذهب إلى الهيكل فيقدم القرابين إلى الآلهة حتى تأتيهم نبوءة السماء ووحي الأولمب بما ينبغي أن يكون. . . ولكن الملك أبي واستكبر، ثم قبل بعد إلحاح أعيان القوم أن ينوب عنه في هذا الشأن أحدهم وقصد قائم مقام الملك إلى هيكل فينوس فتقرب بالضحايا وعقر القرابين، وقبل الأرض بين يدي تمثالها المنتصب فوق المذبح، ولبث غير قليل. . . وخشعت الأبصار وسكنت القلوب، وساد المعبد وجوم عجيب. . . ثم انبعثت الصوت القدسي الضعيف من خلوة الكاهن يقول: (ليفعل الأثينيون ما يأمرهم به مينوس ملك كريت. . . الويل لهم إن حاربوا؟!) وهلعت الأفئدة. . . وطاشت الأحلام!! وتلقاها الملك كما يتلقى الإنسان حكما عليه بالإعدام. . . ولكن ما العمل؟ ولا حيلة لبني الموتى في دفع أحكام القضاء؟ وأرسل إيجوس إلى ملك كريد يعرض عليه الصلح، ويسأله عن شروطه. . . فقال مينوس لرسل الملك: (قولوا لإيجوس، الآن عرفت كيف طعنت فؤاد مينوس تلك الطعنة النجلاء بقتلك ابنه ولي عهده. . . ولقد جئناك نطلب ثمن هذه الفعلة الشنعاء، ولن تكفينا أثينا كلها ثمناً لها! أما وقد ذللت، فحسبنا أن نرجع بسبعة من خير شبابكم وأجمل فتيانكم، وسبع من أبكار الأثينيات وأبهى حسانها، ليكون الجميع غذاء حلالاً للمينوطور، وعلى أن ترسلوا كل عام في مثل هذا الزمن أربعة عشر آخرين من خيرة شباب أثينا وأكرمهم حسباً إن رضي الملك وسلم فدية هذا العام رحلنا عنكم إلى العام المقبل. . .) وسكت الملك، وتحدرت من عينيه دموع غلاظ، وثار في قلبه هم قديم. . . طلب مرعب ينم عن قسوة وغلظة! غير أن قتل ابن مينوس غيلة، في رحاب أثينا، وفي دجنة الليل، وبتدبير الملك، كل ذلك يبرر الغرامة الوحشية التي فرضها ملك كريت!

стр. 8097

وكاد إيجوس يرفض هذا الهوان الذي طلب إليه أن يؤديه عن يدٍ وهو صاغر، ولكن الشعب هاج هائجه، وضج الرعاع يطلبون الخبز، أو تسليم المدينة، أو. . . دم الملك!! فذل إيجوس المسكين وصغر، وقبل شروط مينوس مرغماً، واختير من شباب المدينة سبع كواكب أتراب، وسبع فتيان في ريعان الصبى، وشيع هؤلاء وهؤلاء إلى الأسوار بين بكاء الأمهات وعويل الآباء وآلام المحبين! وهرع الكريديون إلى خيامهم فاقتلعوها، وإلى شراعهم فنشروها، وأقلعوا في الصباح الباكر بعد أن القوا على كبرياء إيجوس هذا الدرس المهول! ومضت سنون وأثينا العظيمة تؤدي الفدية عن يد وهي ضارعة، حتى ثارت كبرياء ثيذيوس وفارت نخوته، وتقدم إلى أبيه الملك الشيخ، حين دعا النفير العام لتقديم الفدية، يضرع إليه أن يكون هو الفداء الرابع عشر من شباب هذا العام: (على الأقل يا أبي يكون هذا بعض العزاء للأثينيين، وليثقوا أننا لا نذلهم، وأننا منهم وهم منا، وأننا آخر الأمر، نشرب الكأس التي يشربون!) وصعق الوالد حين تقدم إليه ولي عهده بهذا الطلب، ورفض رفضاً باتاً. . ويغلي الدم في راس البطل، فيقول للملك: (إذن فأنا أحطم كأس الحياة التي أفعمت مذلة وهوانا، وسأريق مع سمها الأسود هذا الدم الأرجواني الذي لا استحقه، ولا أشرف به. . أبتاه! لن تتحرك السفينة الحزينة حاملة ضحايا قسوتنا واستبدادنا حتى أحييها بحياتي، وأرويها بدمي، ليكون قرباناً لمن عليها من عشيرتي ولداتي. . .) وقبل أن يفصل البطل الشاب، ناداه والده باكياً، ونهض فباركه، وقبل، والهم يمزق أحشاءه، أن يكون بين الضحايا. . وفي الحق إن ثيذيوس لم يكن يعرض نفسه للتهلكة، ولكنه كان واثقا من شجاعته، مؤمنا بما وهبته الآلهة من جلد وبأس، وقلب لا يفله إلا الحديد، لأنه من حديد. ولقد صمم أن ينازل هذا المينوطور الخبيث، فأما قتله وعد مرفوع الرأس، موفور الكرامة، ليعيش في وطنه منقذا لأثينا، وإما قضى القضاء أمره فيه، وليس هو بأعز ممن راحوا ضحية هذا الوحش المخيف! وقال لأبيه وهو يودعه، حينما ركب المركب السوداء التي يرفرف عليها علم الموت (أبي!

стр. 8098

لا تبك! إنك ملك، ودموع الملوك لا تذرف إلا في سبيل الوطن! إنني ذاهب إلى معركة أرجو أن يكتب لي النصر فيها! لقد كنت أتغلب على عشرات من أمثال هذا الوحش ولما أكن بعد إلا طفلاً. . . ادع لي أن أفوز به، فأريح أثينا العزيزة من شره) وأقلعت السفينة تحمل هذه الفلذات الغالية من أبناء البلاد، ومخرت في بحر تلاطمت أمواجه، وزخرت أثيابه، واشمخر أنفه، وانتفخت أوداجه، حتى وصلت إلى كنسوس حاضرة كريت. وهرع الناس من كل فج يستقبلون ضحايا المينوطور، وفي وجه كل منهم عبوسة حزن، وملء قلوبهم ثورات مكبوتة من الأسى، على هذا الشباب الناضر الذي أقبل إلى الموت من قرار بعيد! وكانت في الجماهير فتاة غضة الأهاب، بضة الشباب، حلوة ناعمة، نهضت في مركبتها لمشاهدة الضحايا الأثينيين، وما كادت عينها تصيب نظرة ثيذيوس، حتى أحست في أعماقها بنفحة السماء التي تسبق لفحة الحب!! (ترى من يكون هذا الشاب الأنيق والفتى الرقيق؟ (إنه يقبل في غير وجل، ويقتحم الجماهير في غير هيبة! أعبر بحار الموت قبل هذا؟ (لا شك يا فتاة أنه أمير إن لم يكن ابن الملك! (إن الحمرة التي تطير من الورد إذا قطف، ما تفارق خديه، وهو مقدم على الردى!! (إن صفرة الموت تستحي أن تموه هذه الوجنات!؟. . . (أمن السماء هذه الزرقة التي تملأ عينيه؟. . . (بل مثله لم يخلق إلا ليكون زهرة هذه الحياة الدنيا. . . (أيها الشاب. . . لن تموت! وهكذا جعلت تتحدث تلك الغادة. . . الأميرة الجميلة بنت مينوس. . .!! وكأنما قرأت وصيفتها الأمينة ما دهى سيدتها من حب الفتى قي كتاب عينيها، فقالت: (أتحس سيدتي بتعب؟ (لا يا فتاة. . ولكن انظري إلى هذا الفتى المتفتح كالزهرة! (والله يا سيدتي إنه جدير بعطفك، خليق برحمتك. . . (وما العمل يا فتاة وليس لنا في إنقاذه يدان!

стр. 8099

(هوني عليك يا مولاتي! إنه وايم الله من سلالة الملوك، إن لم يكن ابن ملك! وهو بادي الشجاعة ظاهر الفتوة! وإن له سيفاً طويل النجاد ما حمل أحد مثله، ولم أعهد قط أن من ضحايا المينوطور من جاء بذي غرارين من شنه. . . فلم لا ندبر معه قتل المينوطور!؟. . .) (قتل المينوطور؟ إنك تهرفين! ومن يجسر أن يدخل والمينوطور في معترك؟ (لا عليك؟ نرشو السجان فيفلت الشاب في ظلام الليل، ونهديه إلى باب اللابيرنث فينطلق إلى الوحش الغاط في نومه العميق فيجذ رأسه بهذا الجراز الذي ترين!) (ياله من تدبير! ولكن كيف يعود الشاب وأنت تعرفين من منعرجات اللابيرنث وشعابه ما تعرفين؟. . .) (لا أسهل من هذا أيضاً! خيط طويل من أمراس الكتان يمسك هو بطرفه الأول، ونمسك نحن بطرفه الآخر، يهديه في الأولى ويرشده في الثانية!!) وطربت بنت منيوس لتدبير وصيفتها، فمنحتها قبلة شهية وخلعت عليها جائزة سنية. . . وانطلقتا تترقبان المساء! وعرف ثيذيوس أنها ابنة الملك فاستطير من الفرح؛ وعرفت أنه ابن ايجوس؛ فكبر رجاؤها وتلألأت آمالها. . . وقتل المينوطور؛ وفك اسار رفاقه ورفيقاته، وأقلعت بهم الفلك؛ حاملة جوهرة جديدة غالية: هي ابنة مينوس. . . وربيبة كريد أما الملك! فقد صبر! وأرضاه أن يحضر إيجوس فيعتذر له ويصالحه!. . وهكذا حسم الحب هذا الخصام الطويل دريني خشبة

стр. 8100

البريد الأدبي كتاب العام أزمة أوربا بقلم أندريه زيجفريد صدر أخيرا بالفرنسية كتاب يعتبره بعض النقدة (كتاب العام)، وهو كتاب (أزمة أوربا) ' لمؤلفه الكاتب السياسي والاقتصادي الكبير أندريه زيجفريد، وهو يصدر في ظروف عصيبة تواجهها القارة القديمة. وقد شغلت هذه المعضلة منذ نهاية الحرب كثيراً من رجال السياسة والاقتصاد ولكن لم يلفت الأنظار مما كتب فيها سوى كتب ثلاثة: الأول كتاب (مصير أوربا) ' الذي ظهر غداة الصلح بقلم مسيو آبير ديمانجون، وفيه ينوه بخطورة التقدم الصناعي الذي حققته أمم كاليابان والولايات المتحدة (أمريكا). ثم أصدر مسيو لوسيان رومييه كتاباً ينوه فيه بعجز أساليب الإنتاج الأوربية القديمة عن مناهضة الإنتاج الضخم الذي تتبعه أمريكا؛ وتلاه مسيو شارل بوماريه في كتاب يبحث فيه أسباب نجاح الغزو الذي قامت به أمريكا لأسواق أوربا القديمة في القارة ذاتها ولما وقعت الأزمة الاقتصادية الأمريكية خفت حدة هذه المسألة الشائكة؛ وخفت حدة الجدل عن الصراع الاقتصادي بين أمريكا وأوربا؛ ولكن الأزمة لما انتقلت إلى أوربا وعصفت بصرحها الاقتصادي، عادت نظرية الغزو الأمريكي والياباني لأوربا تشغل أذهان الساسة والاقتصاديين وقد جاء كتاب مسيو أندريه زيجفريد يذكر أوربا القديمة أن الداء لا يذهب بداء آخر؛ ويقول مسيو زيجفريد إن أوربا يجب أن تواجه نفس المشاكل التي تواجهها باقي الأمم، ويجب أن تصلح نفس الأخطاء، ولكنها تواجه في نفس الوقت مشاكل خاصة بها؛ وقد لاحظ كثير من الباحثين ذوي النظر البعيد منذ نهاية الحرب أن الأمم الصناعية القديمة تجد نفسها اليوم أمام أمم فتية منافسة لم تكن تتوقع نهوضها؛ أمم تتفوق عليها بأجورها المنخفضة، وإنتاجها الضخم، وحداثة أدواتها واستعداداتها الفنية. ويلاحظ مسيو زيجفريد يحق أن ذلك الاحتكار القديم الذي كانت تتمتع به أوربا قد دخل في دور الانحلال، وهذه

стр. 8101

هي ناحية المشكل التي يعالجها ببراعة ووضوح وأهم قسم في الكتاب هو الذي يشرح فيه المؤلف لنا كيف استطاعت أوربا أن تفرض سيادتها على العالم، وكيف بدأ العالم ينازعها هذه السيادة، ويقدم لنا المؤلف صورة قوية مما كانت عليه أوربا والعالم في أواخر القرن التاسع عشر، حينما كانت أوربا تكاد تحكم العالم في نوع (من الحق الإلهي). وقد استطاعت أوربا منذ عهد الأحياء (الرينصانص) (بوسائلها وشهواتها) أن تتفوق على باقي القارات الأخرى؛ ولم يمض قرنان على ذلك حتى استطاعت أوربا بواسطة ثورتها الصناعية أن توطد احتكارها بلا منازع؛ وكأن عناية إلهية مكنتها من تحويل جميع المواد الأولية التي ينتجها العالم إلى سلع ومنتوجات تستدر بها ثروات العالم كلها؛ وقامت سيادتها على إمبراطوريتها الاستعمارية التي شملت معظم بقاع الأرض، وسادت أساطيلها جميع البحار؛ واستطاعت بالاعتماد على قانون دولي مرن أن تفرض من النظريات والنظم على معظم الأمم ما يوافق مشاريعها ومصالحها؛ وانتهى الأمر بإقامة نظام اقتصادي هائل تستولي أوربا بمقتضاه على جميع المواد الأولية، ثم تردها إلى العالم سلعاً مصنوعة. يقول مسيو زيجفريد: وهذا نظام ضخم ذكي، تخضع فيه الحريات لصولة التوسع، والأخلاق لسلطة الفتح؛ تخضع فيه الحريات لصولة التوسع، والأخلاق لسلطة الفتح؛ ويعتبر فيه الحريات لصولة التوسع، والأخلاق لسلطة الفتح؛ ويعتبر فيه من الأمور المشروعة الخالدة أن يقسم العالم إلى طبقتين متباينتين: أرستقراطية أوربية تحتفظ لنفسها بالعمل الفني المثمر، وطبقة فقيرة يترك لها العمل الخشن المضني ولكن هذه السيادة تبدأ منذ القرن التاسع عشر دور الانحلال؛ وقد كانت أول خطوة في ذلك تحرر بعض الأمم البيضاء كالولايات المتحدة والمستعمرات الأسبانية والبرتغالية، والدومنيون البريطانية. وفي أوائل القرن العشرين نزلت إلى الميدان بعض الأمم الملونة التي كانت تعتبر منحطة، وجاءت الحرب فزادت في بواعث الأزمة؛ ذلك أنها حطمت الأداة القديمة التي كان يقوم عليها توازن العالم، وحولت الإنتاج الأوربي عن مهمته الطبيعية، فاستطاعت القارات الفتية أن تغتني بسرعة وأن تغدو دائنة، وأن تنظم صرحها الصناعي على قواعد ضخمة، وبعد نهاية الحرب لاحظت أوربا أن منافسيها الجدد يحاربونها بأسلحة لا تستطيعها مثل الأجور المنخفضة في الشرق الأقصى، والإنتاج

стр. 8102

الضخم في أمريكا، يقول مسيو زيجفريد: (ولقد نزلنا إلى معترك عام، وحصرنا بين نارين؛ بين آسيا وأمريكا؛ بين الأجر المنخفض في الأولى، والأجر المرتفع في الأخرى؛ ومهما كان من الأمر فأنا نستكين إلى ذلك في ضعف) ويتساءل مسيو زيجفريد، هل حكم على هذه القارة التي سادت العالم مدى ثلاثة قرون حكماً نهائياً لا مرد له؟ وهنا يعدد المؤلف لنا ما بقى لأوربا من عناصر التفوق ووسائل النضال؛ ويرى أن افضل طريق للسلام هو تمسك أوربا بالإنتاج الفني الرفيع الذي يقتضي علماً وخبرة فنية، بيد أن هذه الطريق ليست أيضاً محققة ولا حاسمة؛ ذلك أن اليابان تخطو نحو الإنتاج ليست أيضاً محققة ولا حاسمة؛ ذلك أن اليابان تخطو نحو الإنتاج الفني خطوات سريعة؛ وقد بدأت أمريكا تحتل مكان ألمانيا في التطبيقات العلمية والفنية. فالمستقبل إذن غامض ومصير أوربا القديمة في كفتي ميزان: (عن لورب نوفيل بتصرف) تكريم الدكتور محمد حسين هيكل بك بمناسبة صدور كتاب (حياة محمد) تألفت لجنة لتكريم الدكتور محمد حسين هيكل بك برياسة حضرة صاحب العزة الأستاذ أحمد لطفي السيد بك مدير الجامعة وسيقام لهذا الغرض حفلة شاي بفندق الكونتننتال مساء يوم الأربعاء ١٥ مايو الجاري، وستذاع بالراديو الخطب التي تلقى في هذه الحفلة وسيصدر عدد خاص من جريدة السياسة بآراء وأبحاث رجال الفكر بمصر والشرق فيما ألفه الدكتور هيكل بك، وفي آثاره الأدبية ومؤلفاته المختلفة وترجو اللجنة أن تكون جميع المراسلات باسم الأستاذ جلال الدين حسن بشارع الناصرية رقم ٦٠ بمصر كتاب جديد لفرنسيس كاركو فرانسيس كاركو كاتب فرنسي يعرفه الكثيرون في مصر. وقد زار مصر منذ نحو عامين وكتب عنها سلسلة من المقالات والصور كانت أشنع وأقبح ما كتب منها من الوجهة الاجتماعية والأخلاقية. ذلك أن فرانسيس كاركو كاتب لا يرتع قلمه إلا في عالم الطبقات الدنيا والمجتمعات السافلة، عالم البغاء والفجور والإدمان والتدهور الاجتماعي. ولكن كاركو

стр. 8103

يدهش اليوم قراءة بإخراج قصة جديدة جردت عن هذه الخاصة عنوانها (ظلمات) ففي هذه القصة الجديدة يعالج كاركو مأساة عائلية عادية، لا أثر فيها للسفلة والأوغاد والحياة السافلة، قصة زوج فتى متعلم خانته زوجه، وضبطها متلبسة بالخيانة فقتل منافسه، وقدم إلى القضاء فحكم عليه بأعوام في السجن. ويحاول كاركو أن يبدد (الظلمات) التي حاقت بضمير هذا الزوج المعتدى عليه، ويحاول أن يحلل بالأخص تلك العواطف المختلفة التي جاشت بنفسه؛ فهو من جهة يشعر بأنه يحب الزوجة الخؤون أكثر مما كان يتصور، ومن جهة يشعر بأنه يبغضهاأولاًلأنها خانته وسحقت عرضه، وثانياً لأنها صيرته مجرماً يلفظه المجتمع؛ وهكذا. ويرى النقدة أن كاركو بإصدار هذه القصة الجديدة ينحو في الكتابة والتصوير ناحية جديدة ربما كانت فاصلة في حياته الأدبية بين السياسة والأدب في أنباء سان فرنسيسكو (أمريكا) إن الكاتب الأمريكي الكبير أوبتون سنكلير قد اعتزم نهائياً أن يعتزل الحياة السياسية. وسنكلير كاتب اجتماعي كبير، ولكنه يخوض غمار السياسة إلى جانب الحزب الراديكالي منذ عشرين عاماً. وكان قد حاول أخيراً أن يرشح نفسه لمنصب حاكم كاليفورنيا، ولكنه فشل في الانتخاب؛ وأثر هذا الفشل في عواطفه ونفسيته، فمرض مدى حين، ومازال مريضاً يستشفي. وقد كان من أثر الصدمة أن عاف الحياة السياسية وقرر أن ينبذها نهائياً

стр. 8104

الكتب كتابا المواقف والمخاطبات للنفري للدكتور عبد الوهاب عزام كتبت في عدد الرسالة الماضي كلمة عن كتابي محمود بن عبد الجبار النفري المعروفين باسم المواقف والمخاطبات، ونقلت شذرات من الكتاب الأول، وهو يحوي سبعة وسبعين موقفاً عرف القارئ مثالاً منها فيما قدمت واليوم أنقل شذرات من الكتاب الثاني كتاب المخاطبات وهو يحوي ستا وخمسين مخاطبة على أسلوب قريب من أسلوب المواقف، وعسى أن أفرغ قريباً لبحث مفصل عن الكتاب، ما استبان من معانيه وما غمض، وما وقع من تحريف في سياقه، وللكلام عما كتب عليه من الشروح. فمثل هذا الكتاب العجيب لا يكتفي فيه بهذه النظرة العجلى: مخاطبة يا عبد! قل أعوذ بوحدانية وصفك من كل وصف، وأعوذ برحمانية برك من كل عسف يا عبد! قل أعوذ بوجهك من كل وجه يا عبد! قل أعوذ بقربك من بعدك، وأعوذ ببعدك من مقتك، وأعوذ بالوجد بك من فقدك يا عبد! اجعل ذنبك تحت رجليك، واجعل حسنتك تحت ذنبك يا عبد! من رآني عرفني وإلا فلا، من عرفني صبر على وإلا فلا يا عبد! من أبصر نعمتي شكرني وإلا فلا يا عبد! من شكرني تعبد لي وإلا فلا يا عبد! من تعبد لي أخلص وإلا فلا، من أخلص لي قبلته وإلا فلا، من قبلته كلمته وإلا فلا يا عبد! من كلمته سمع منى وإلا فلا، من سمع مني أجابني وإلا فلا، من أجابني أسرع وإلا فلا، من أسرع إلى جاورني وإلا فلا. من جاورني أجرته وإلا فلا، من أجرته نصرته وإلا فلا، من نصرته أعززته وإلا فلا مخاطبة يا عبد! إن عبدي الذي هو عبدي هو اللقي الملقي من يدي

стр. 8105

يا عبد! عبدي الذي هو عبدي هو الغضبان لي على نفسه فلا يرضي يا عبد! إن عبدي الذي هو عبدي هو المستقر في ذكرى فلا ينسى يا عبد! إذا جاءت ترجمتي فانقطع بها عن ملكي وملكوتي، ثم إذا بدت ترجمتي فانقطع عنها إلى نصير التراجم والحروف آلة من آلات معرفتك، ومركبا من مراكب نطقك يا عبد! أقبل على لا من طريق ولا من علم، تقبل على وأقبل عليك يا عبد! اجأر إلي بمحامدي في السراء أدافع عنك بنفسي في الضراء يا عبد! واصل بين طهارتك تواصل بين نعميك، إنك إن لم تفصل بين طهارتك لم تفصل بين نعميك يا عبد! لن تعرفني حتى تراني أوتى الدنيا ارغد وأهنأ ما عرفت من الدنيا لعبد عصي، وأغنى من عرفت من العبيد فترضى بما زويت عنك، وتعلم أنني زويت إعراضي عنك وزويت حجابي يا عبد! ميعاد ما بينك وبيتن أهل الدنيا فترى أين أنت وأين أهل الدنيا مخاطبة يا عبد بنيت لك بيتاً بيدي إن هدمت ما بنيته بيدك يا عبد إذا رأيتني فلا والد يستجرك ولا ولد يستعطفك يا عبد! إذا رأيتني في الضدين رؤية واحدة فقد اصطفيتك لنفسي يا عبد! ولني أمرك بطرح أمرك يا عبد! الغيبة ألا تراني في شيء، الرؤية أن تراني في كل شئ! يا عبد! اجعل لي يوماً ولك يوماً وابتدئ بيومي يحمل يومك يومي يا عبد! اصبر لي يوماً أكفك غلبة الأيام يا عبد! إذا لم ترني تخطفك كل ما ترى يا عبد! لو ألفت بحزنك بين ما يختلف عليك، وارتبطت بفرحك ما يلائمك كان مرادي الغالب مخاطبة

стр. 8106

يا عبد! استغن بي تر فقر كل شيء يا عبد! من استغنى بشيء سواي افتقر بما استغنى به يا عبد! سواي لا يدوم، فكيف يدوم به غنى يا عبد! إن أحببت أن تكون عبدي لا عبد سواي، فاستعذ بي من سواي وإن أتاك برضاي يا عبد! رضاي يجعل رضاي سكنا بقلوب العارفين، سواي يحمل رضاي فتنة لعقول الآخذين يا عبد! رضاي وصفي، وسواي لا وصفي، فكيف يحمل وصفي لا وصفي؟ يا عبد! أنا القيوم بكل ما علم وجهل على ما افترقت به أعيانه واختلفت به أوصافه يا عبد! استعذ بي مما تعلم تستعذ بي منك، واستعذ بي مما لا تعلم تستعذ بي مني يا عبد! أين ضعفك في القوة، وأين فقرك في الغنى، وأين فناؤك في البقاء، وأين زوالك في الدوام؟ عبد الوهاب عزام رسالة العلم تلقينا العدد الرابع من السنة الثانية لرسالة العلم، وهي الصحيفة التي تصدرها جمعية خريجي كلية العلوم بالجامعة المصرية في ١٦٦ صفحة من القطع الكبير. وهذا العدد حافل بالمقالات الممتعة والبحوث القيمة في النبات والحيوان والكيمياء والفيزياء والفلك، مدبجة بأقلام الأساتذة والطلاب على أسلوب واضح وغرض مشوق واستيعاب مفيد. و (رسالة العلم) تحمل طابع العلم من خشونة الجد، والذهول عن حركة الكلية، وعن تصوير الحياة الجامعية فيها، فهي لا تعني بأخبار المحاضرات والمناظرات والرحلات والجمعيات والرياضة، وحظها من كل ذلك موفور مشكور يستحق التسجيل ويستوجب الإشادة صحيفة الجامعة المصرية كذلك تلقينا العدد الأول من السنة الرابعة لهذه المجلة التي يصدرها مجلس اتحاد الجامعة المصرية في ١٦٠ صفحة ممن القطع المتوسط، وهي تعتبر صورة لألوان الثقافة في كليات الجامعة، ولكن أثر كلية الآداب فيها غالب، ولعل هذا العدد بتبويبه وتنويعه وشموله

стр. 8107

أقرب إلى الذوق الصحفي من سوابقه؛ وقد يكون في بعض فصوله هبوط عن مستوى التفكير الجامعي، ولكن الآنسة نهير القلماوي رئيسة تحرير الصحيفة تقول في افتتاحها: (والآن تقبلون صحيفتكم فستجدون ثرثرة وجدا، والطلبة ثرثارون دائماً، وثرثرتهم حبيبه إلى كل نفس وقلب، والطلبة جادون أحياناً أو كثيراً. ومن ذا الذي لا يستبشر بجد الطلاب؟ فهذه صحيفتكم دون لكم فيها مختار من ثرثرتكم وكثير من جدكم، لتكون لكم ذكرى جميلة لأجمل أيام الحياة) جريدة الوفاق بمناسبة دخول جريدة الوفاق في عامها الثامن. تصدر هذه الجريدة على عادتها صباح الاثنين الموافق ١٣ مايو سنة ١٩٣٥ في ثماني صفحات كبيرة مزينة بالصور والألوان، حافلة بالموضوعات الأدبية الطريفة والمقالات الاجتماعية الممتازة. وقد فتحت أبواباً جديدة تعالج فيها قضية المرأة وتعني بكل ما يهم المتأدب الاطلاع عليه مدبجة بأقلام الكتاب البارعين والأدباء الممتازين.

стр. 8108

العدد ٩٨ - بتاريخ: ٢٠ - ٠٥ - ١٩٣٥

стр. 8109

هو ذا الربيع! للآنسة النابغة (مي) الربيع الربيع، هو ذا الربيع! في قمر الأسحار، في انبلاج الأسحار في مرح الأطيار، في عبير الأزهار في النهار الدوار، في الأصيل البديع! الربيع الجديد، هو ذا الربيع! أنا القلب السعيد، وهو ذا الربيع! في سويدائي يحتجب الوجه المحبوب دواماً وراقه أن يستهل مشرفاً على البرية، فانقلبت قبة الفلك محراباً تلألأ فيه طيف من بهائه، وفي مدى الأبعاد شاعت بهجة تعكس شيئاً من حلاوة ابتسامته وفيض سنائه. وانبرى الربيع يزجي آيات التسبيح والتهليل بأشكاله وألوانه، لأنه اقتنص لمحة من ذلك الوجه، فتنضحت مجاليه برونقه واتزرت بروائه وتجمدت الأزمان في لحظة، فهي أبدية آبدة تخلد حبوري والوجود كله هالة تحيط بالوجه الفريد المعافى وخوالجي حيال الوجه وهالته نبض للوجود وترتيل: (أنت مرتع هيامي، أيها الربيع! (يا ربيع النشوان، أيهذا الربيع!) أنا الحدائق والرياض، وهو ذا الربيع! أرواح الأحباب والخلان متجمهرة في رحابي معارض الوشى والزركشة نضيدة، ومتاحف اللمعان والإشراق عديدة؛ الأشجار تكللها تيجان الظلال والأنوار، وفيالق الغصون خاشعة كأنها في حضرة ربانية؛ والمرئيات كلها على ارتقاب وانتظار، تتوقع نبأ خطيراً قد يكون إفصاحاً عن بعض ضمير الأكوان. أقضي الأمر ففزت، يا أخواتي الكائنات، بما كنت تتوقعين؟ سيال من ذوب النصر والابتهاج يدفق علينا، وكان كل ما ترى في الأمكنة من مراجع

стр. 8110

الألحان يتلخص في حضني نشيداً: (شتيت الأجزاء وحدة واحدة، أيها الربيع! على طور حسنك نتجلى معك، أيهذا الربيع!) أنا الينبوع الصافي، وهو ذا الربيع! ظليلة تحنو الشجرة علي، وأنا في فيئها الحنون جاثم. بلورية الجلباب بلورية الرنين تتلاحق مياهي، وقد أودعها الربيع لاعج الشوق ووصب الحياة؛ وفي مترنح أسجوعتها نداء وإغراء، ونعومة واستعطاف، ووعد ووفاء، وثقة ونوال. مياهي تفضض الحصى وترطب الأعشاب والادغال، في جريها الحثيث إلى حيث لا تدري. هي تتوق إلى رشيد السخاء كيلا تحسب ولا تدخر. وتتوالى الساعات فلا يتفيأ شجرتي شريد الهجير، ومرآتي المتثنية لا ترسم وجه المرتوي الشكور! ليس من عابر، غير ذلك الذي مني أخذ ما أخذ ليقذفني بالأحجار، ويترك منه تذكاراً، اللعنة والأقذار! اليأس خالط صفائي، والكآبة حلت في مياهي! وبت أحلم بالذين طوحت بهم السبل فهاموا في القفر عطاشا، بينا مدرار أجاجي يناديهم وينطق باسمهم جزافاً! ولامستني مؤاسية في الظلام الأفنان، فاستحالت مياهي عبرات وغدا نشيدي شهيقاً وانتحاباً: (الربيع الحزين الحزين، هو ذا الربيع! (ربيع الجحود والهجران، كيف احتمل الربيع؟) أنا الصحراء القحطاء، وهو ذا الربيع! الصحراء الواجمة الكتوم، كذلك كنت وكذلك أكون! الحياة صور وأشكال وسنن؟ أفي الحياة ولادة وموت؟

стр. 8111

أفي الحياة تبديل وتحويل؟ أفي الحياة نمو ونشوء وازدهار؟ مه عن الصحراء، أيهذا اللغو السقيم! أنا مملكة العي والبكم والصمم والعمي! أنا منطقة السأمة الآيسة والغليل القتال! مائي سراب، وظلي تراب، وسبلي أتاويه، وملامسي لوافح وسموم، ومعالجي مجاهل المفاوز، وأفجاج الأهوال. إني في ربدتي ومحلي حجة رهيبة على إجحاف الأقدار، الأقدار التي تعاقب بلا ذنب وتغرم بلا سبب، وتبتاع خصب المروج بعقمي المقيم أنا في قحطي المفروض وسكوتي المستمر، أسيرة الوحدة والانزواء. أنا في رحاب الأرض حبيسة. أنا تزدردني الرمال على الدوام، فأنى لي أن أعول: (ليس لي الربيع، ليس لي الربيع! (ربيع الرمال والسعير، ما حاجتي إلى الربيع؟) هو ذا الربيع، هو ذا الربيع: مغرياً في الفضاء، فتاناً في الحدائق، بهيجاً في الالوان، رشيقاً في الشقائق، طروباً في قلب الجذلان! هو ذا الربيع، هو ذا الربيع! كئيباً في قلب المظلوم، جريحاً في قلب المحروم؛ شاملاً بعطف نصفه قسوة، حاضناً برفق نصفه عنف، موحياً أملاً نصفه يأس، مذكياً خصباً نصفه قحل، حافزاً شباباً نصفه هرم،

стр. 8112

مجدداً حياة نصفها ردى! الربيع الربيع، لمن يكون الربيع؟ الربيع الجديد هو ذا الربيع! الربيع العابر، هو ذا الربيع! (مي)

стр. 8113

٤ - الانتحار للأستاذ مصطفى صادق الرافعي قال المسيب بن رافع: ومد الإمام عينه وقد رفع له شخص من المجلس؛ ثم جلى بنظره كأنما يتطلع إلى عجيبة كالحق إذا بطل، والصدق إذا كذب؛ ثم رد بصره علي كأنه يعجبني من عجبه؛ ثم سجا طرفه كأنما أنكر رأى عينيه فهو يلتمس رأى قلبه. وتبينت في وجهه انقباضاً خيل إلى أن الشيطان جاءه بهذا الرجل يفحمه به يريه كيف يجعل أحد المؤمنين الصالحين يتحمس في دينه ليرجع بعد ذلك أصلاً لا غنى عنه في إنشاء قصة كفر! هذا هو ضيفنا (أبو محمد البصري) يتخوض الناس ليجيء فيحدثنا حديثه في قتل نفسه والأثم بربه؛ فلو قيل لي: إن قوس السماء بأحمره وأصفره وأزرقه وأخضره، قد وقع إلى الأرض واصطبغ من ألوانه أوحالاً وأقذاراً - لكان هذا كهذا في تعاظمه وإنكاره والعجب منه؛ فأبو محمد من الرجال الخمس الذين لو كفر أحدهم ثم قيل (إنه كفر)، لقصر اللفظ أن يبلغ الحقيقة أو يصف شنعتها، كما يقصر لفظ الجنون عن وصف حكيم تآلى أن يعمل عملاً يخرج به من الكون، فلا يبقى في أرض ولا سماء ولا تناله يد الله! إن يف لفظ الكفر مع ذاك، وفي لفظ الجنون مع هذا - شيئاً من نفاق العقل وتأدبه في أداء المعنى الأخرق الذي لا يشبهه جنون ولا كفر ونعوذ بالله من خذلانه؛ فلقد يكون الرجل المؤمن في تشدده وإيغاله في الدين - كالذي يصنع حبلاً يفتله فتلاً شديداً فيمره على طاق بعد طاق، ليكون أشد له وأقوى، ثم يجاذبه الشيطان حبله، فإذا هو كان في الوهن مثل العنكبوت اتخذت بيتاً في سقف حداد؛ فرأته يصب الحديد المصهور يجعله سلسلةً حلقةً في حلقة، فذهبت تحكيه وترسل من لعابها خيطاً في خيط تزعمه سلسلة. . .! إن مع كل مؤمن شيطانه يتربص به، فلهذا ينبغي للمؤمن أن يكون في كل ساعة كالذي يشعر أنه لم يؤمن إلا منذ ساعة، فهو أبداً محترس متهيئ متجدد الحواس مرهفاً يستقبل بها لدنيا جديدة على نفسها بين الفترة والفترة؛ ومن هذا حكمة أن يؤذن المؤذن وأن تقام الصلاة مراراً في اليوم، فكلما بدأ وقت قال المؤمن: الآن أبدأ إيماني أطهر ما كان وأقوى وقال الأمام هيه يا آبا محمد! فقال البصري وقد رأى الكراهة في وجه الأمام: لا يفز عنك

стр. 8114

أيها الشيخ؛ فإن الله تعالى قد يجعل ما يحبه هو فيما نكره نحن؛ وليس للأقدار لغة فتجرى على ألفاظنا؛ وقد نسمي النازلة تنزل بنا خساراً وهي ربح، أو نقول مصيبة جاءت لتبديل الحياة، ولا تكون إلا طريقة تيسرت لتبديل الفكر. إنما لغة القدر في شيء هي حقيقة هذا الشيء حين تظهر الحقيقة؛ وكأين من حادثة لا تصيب أمراً في نفسه إلا لتقع بها الحرب بين هذه النفس وبين غرائزها، فتكون أعمال الطبيعة المعادية أسباباً في أعمال العقل المنتصر وكثير من هذا البلاء الذي يقضي على الإنسان، لا يكون إلا وسائل من القدر يرد بها الإنسان إلى عالم فكره الخاص به؛ فإن هذه الدنيا عالم واحد لكل من فيها، ولكن دائرة الفكر والنفس هي لصاحبها عالمه وحده. والسعيد من قر فيعالمه هذا واستطاع أن يحكم فيه كالملك المطاع في مملكته، نافذ الأمر في صغيرتها وكبيرتها؛ والشقي من لا يزال ضائعاً بين عوالم الناس، ينظر إلى هذا الغني، وإلى ذاك المجدود، وإلى ذلك الوفق؛ وهو في كل هذا كالأجنبي في غير بلده وغير قومه وغير أهله، إذ كل شيء يصبح أجنبياً عن الإنسان ما دام هو أجنبياً عن نفسه لقد كنت ضالاً عن نفسي وعالمها، فكنت في هذه الدنيا أستشعر شعور اللص، أشياؤه هي أشياء الناس جميعاً؛ واللص ينظر إلى أموال الناس بعيني شاعر متحبب كلف، وهي تنظر إليه بعيني مقاتل متربص حذر كنت والله إن ضقت بالناس أو وسعتهم - رأيت في ذلك معنى من ضيق اللص وسعته؛ هو على أي حاليه لا ينظر في أعماق نفسه إلا شخصاً متوارياً تحت الظلام يتسلل في خشية وحذر! وكنت نزقاً حديد الطبع سريع البادرة؛ ومن فقد عالم نفسه، وكان في مثل اللص الذي ذكرت - فإن هذه الطباع تكون هي أسلحته يدفع بها أو يعتدي. وما قط تمكن إنسان من نفسه وأحاط بها ونفذ فيها تصرفه - إلا كان راضياً عن كل شيء، إذ يتصل من كل شيء بجهته السامية لا غيرها، حتى في اتصاله بأعدائه من الناس وأعدائه من لأشياء؛ فما يرى هؤلاء وهؤلاء إلا امتحاناً لفضائله وإثباتاً لها. وقد يكون عدوك في بعض الأمور عيناً لك في رؤية نفسك؛ ففيه بركة هذه الحاسة ونعمتها

стр. 8115

ولو نحن كنا مسلمين إسلام نبينا ﷺ وإسلام المقتدين به من أصحابه - لأدركنا سر الكمال الإنساني؛ وهو أن يقر الإنسان في عالم نفسه ويجعل باطنه كباطن كل شيء إلهي، ليس فيه إلا قانونه الواحد المستمر به إلى جهة الكمال، المرتفع به من أجل كماله عن دوافع غيره؛ فنظر الإنسان إلى نقص غيره هو أول نقصه. والمؤمن كالغصن؛ إن أثمر فتلك ثمار نفسه، وأن عطل لم يشحذ ولم يحسد واستمر يعمل بقانونه ولقد نشأت في مغرس كريم، وعلى صورة من الحياة تشبه صورة الثمرة الحلوة، اجتمع لها من طبيعة مغرسها ومرتبتها ما تتعين به من حلاوة ونكهة ومذاق؛ فلما عقلت وعرفت الناس بعد فجاريتهم وخالطتهم، رأيتني منهم كالتفاحة ملقاة في البصل. . . وكانت التفاحة حمقاء فزادت حمقاً، وكانت حدية فزادت حدة -، وظنت أن الحكمة قد مسخت في الدنيا وبدلت إذ خلقت البصلة بعد أن خلقت التفاحة؛ وما علمت الخرقاء أن الكمال في هذه الحياة مجموع نقائص، وأن للجمال وجهين: أحدهما الذي اسمه القبح؛ لا يعرف هذا إلا من هذا؛ وأن البصلة لو أدركت ما يريد الناس من معناها ومعنى التفاحة لسمت نفسها هي التفاحة، وقالت عن هذه إنها هي البصلة! ولما رأت تفاحتي أنها عاجزة أن تجعل الشجر كله في مثل مرتبتها ومغرسها - قالت: إن الأمر أكبر من طبيعتي، ومادام سر الكون مغلقاً فلا تعريف له إلا أنه سر مغلق، وليبق كل شيء في طبيعة نفسه، فعلى هذا يصلح كل شيء ولو في نفسه وحدها قال أبو محمد: ولكن بقيت وحشة الدنيا وجفوتها، إذ لم أكن اهتديت إلى عالمي، ولا تأكدت عقيدتي بنفسي؛ فكان كل ما حولي منبجساً في روحي بشره، وكانت الدنيا بهذا كالمتطابقة في رأيي على معنى واحد، وزادني أني كنت رجلاً عزباً متعففاً؛ وما أشبه فراغ الرجولة من المرأة بفراغ العقل من الذكاء؛ هذا هو العقل البليد، وتلك هي لرجولة البليدة! والمرأة تضاعف معنى الحياة في النفس، فلا جرم كان الخلاء منها مضاعفة لمعنى الموت؛ علم هذا من علم وجهله من جهل، فكنت أعيش من الكون في فراغ ميت، وكنت أحس في كل ما حولي وحشةً عقلية تشعرني أن الدنيا غير تامة؛ وكيف تتم في عيني دنيا أراها غير الدنيا التي في قلبي؟ وعرفت أن كل يوم يمضي على الرجل العزب المتعفف لا يمضي حتى يهيء فيه مرض

стр. 8116

يوم آخر. ومن هذه الأيام المريضة المتهالكة، تعد الحياة انتقامها من هذا الحي الذي نقض آيتها وافتات عليها، وجعل نفسه كالإله لا زوجة له ولا صاحبة! وأيم الله إن الشيطان لا يفرح بالرجل الزاني وبالمرأة الزانية ما يفرح بالرجل العزب والمرأة العزباء؛ لأنه في ذينك رذيلة في أسلوبها، أما في هذين فالشيطان رذيلة في أسلوب الفضيلة. . .! هناك يلم الشيطان ويمضي، وهنا يأتي الشيطان ويقيم! وقد عشت ما عشت بقلب مغلق وعقل مفتوح؛ وليتني كنت جاهلاً مغلقاً عقله، وكان قلبي مفتوحاً لأفراح هذا الكون العظيم! ومضت أيامي يضرب بعضها في بعض، ويمرض بعضها بعضاً حتى أنهت منهاها، وجاء اليوم المدنف الهالك الذي سيموت. . . أصبحت فقلت لنفسي: كم تعيشين ويحك في أحكام جسد مختل لا تصدق أحكامه، وما أنت معه في طبيعتك ولا هو معك في طبيعته؛ ففيم اجتماعكما ألا على بلائي ونكدي؟ لم تصطلحا قط على واجب ولا لذة، ولا حلال ولا حرام؛ فأنتما عدوان لا هم لكليهما إلا إفساد المسرة التي تعرض للأخر. وما أدرى بمن يسخر الشيطان منكما؟ فالعابد الذي يوسوس باللذات يتمنى اقترافها، كالفاجر الذي يواقعها ويقتحمها! ويحك يا نفس! إني رأيت هذه الدنيا الخرقاء لم تقدم لي إلا رغيفاً وقالت: املأ بهذا بطنك وعقلك وعينيك وأذنيك ومشاعرك. آه آه! ممكن واحد معه أربعة مستحيلات؛ إن هذا لا يلبثني أن يذهب مني بالأربعة التي تمسني على الحياة: الأمل والعقل والأيمان والصبر لقد استوى في هذه الكآبة صغير همي وكبيره، وما أراني إلا قد أشرفت على الهلكة التي لا باقية لها، فإن وجهي المتكلح المتقبض يدل مني على أعصاب محتضرة تهكتها أمراضها ووساوسها، وإنما وجه الإنسان في قطوبه أو تهلله هو وجهه دنياه تعبس أو تبتسم وتالله لقد عجزت عن كفاح الدنيا بهذه الأعصاب المريضة الواهنة، فإن حبالة الصيد، صيد الوحش، لا تكون من خيط الإبرة. . .! وأراني أصبحت كإنسان حجري ليس في طبيعته الالتواء إلى يمين الحياة ويسارها؛ ويخيل إلى من صلابتي أني الأسد، ولكني أسد من حجر، لانقرض قوته الفرار منه على أحد! قال أبو محمد: ورأيت نفسي في هذا الحوار كالميتة، لا تجيب ولا تعترض ولا تنكر؛

стр. 8117

وكنت أظنها تراودني على الحياة أو تردني عن غوايتي؛ فملأني سكونها جزعاً، وأيقنت أن الشيطان بيني وبينها، وأنه أخذ بمنافذها، فأرادت الصلاة فثقلت عنها ورأيتني لا أصلح لها، بل خيل إلى أني إذا قمت إلى الصلاة فإنما قمت لأتهزأ بالصلاة! وجعل الشيطان يأخذني عن عقلي ويردني إليه، ثم يأخذني ويردني، حتى توهمت إني جننت، وكأنما كان يريد اللعين بقية إيماني يجاذبني فيها وأجاذبه، فلم ألبث أن مسني خبال وألقيت هذه البقية في يديه! ثم أفقت إفاقة سريعة، فرأيت (المصحف) يرقبني من قريب، فعذت به وعطفت عليه وقلت له: امنع الضربة عن قلبي. بيد أني أحسست أنه خصمي في موقفي لا ظهيري؛ كأني جعلته مصحفاً عند زنديق، فكان كل أيماني الذي بقي لي في تلك اللحظة أني ضعفت عن حمل المصحف كما ثقلت عن الصلاة، فبقي الطاهر طاهراً والنجس نجساً ولم تكن نفسي في ولا كنت فيها؛ فرأيت الدنيا على وجه لا أدري ما هو، غير أنه هو ما يمكن أن يكون معقولاً من تخاليط مجنون تركه عقله من ساعة: بقايا شعور ضعيف، وبقايا فهم مريض، تتصاغر فيهما الدنيا ويتحاقر بهما العقل فلما انتهيت إلى هذا لم أعقل ما عملت، وكانت الموسى قد أصابت من يدي عرقاً ناشزاً منتبراً، ففار الدم وانفجر منه مثل ينبوع ضرب عنه الصخر فانشق فانبثق وتحققت حينئذ أنه الموت، فنظرت فرأيت. . . قال المسيب راوي القصة: وتجهم وجه الرجل فأطرق وسكت، وكان على وجهه شفق محمر فأظلم بغتة عندما قال: (فنظرت فرأيت) وأرتج المسجد بصيحة واحدة: فرأيت ماذا، رأيت ماذا؟ وبعثت الصيحة أبا محمد فقال: رأيت ثلاثة وجوه أشرفت من المصحف تنظر إلي كالعاتبه، وكان أوسطها كالقمر الطالع، لو تمثلت آيات الجنة كلها وجهاً لكانته في نظرته وبشاشته. وغمغمت بكلمات لم أسمع منها شيئاً، ولكن نظرها إلى كان يؤدي لي معانيها وكأنها تقول: (أكذلك المؤمن. . .؟) ثم غابت وتخلت عني وبرزت ثلاثة وجوه أخرى، كأنها نقائض تلك، وأعوذ بالله من أوسطها، لو تمثلت آيات الجحيم كلها وجهاً لكانته في نكره وهوله، وخيل ألي أن الوجه الأصغر منها وجه سورة من سور المصحف، ففكرت، فوقع لي مما قام في نفسي من اللعنة أنها: (تبت

стр. 8118

يدا أبي لهب وتب. . .) وطمس الظلام هذه الرؤيا وتغيمت الدنيا، فأيقنت أن آثامي قد أقبلت على ظلمة بعد ظلمة، والتمع شيء أحمر، فنظرت فإذا الدم يتخايل في عيني كأنه شعل تتلوى، فجزعت أشد الجزع، وحسبتها طرائق ممتدة لروحي تذهب بها إلى الجحيم وماتت كل خواطري بعد ذلك إلا فكرة واحدة بقيت حية تأكل في قلبي أكل النار، وهي: (كيف تجرأت فوضعت بيني وبين الله حمقي؟) ويقولون: إن أختي قد رأتني أتشحط في دمي فصاحت، وجاء الناس على صوتها، وكان فيهم طبيب، فبعد لأي ما استطاع حبس الدم، واحتال حيلته حتى أسف الجرح دواء وضمده، فجعلت أثوب نفساً بعد نفس، وراجعت قليلاً قليلاً. . . ثم طافت الحياة على عيني ففتحتهما، فإذا الأشياء تبدو لي وليس فيها حقائق ولا معان، كأنها تتخلق جديدةً تحت بصري، وكأنها خارجة لساعتها من يد الله! وتماثلت شيئاً بعد ساعات، فأحسست أن نفسي قد رجعت إلى ساخرة مني تقول: كيف رأيت عمل العقل أيها العاقل؟ وبدأت الحياة تتجدد، فأقسمت بيني وبين نفسي أن أجدد إيماني بالله. ولم أكد أفعل حتى أحسست كأن قوة الوجود كلها مستقرة في روحي، وخيل إلى أني أنا وحدي القوي على هذه الأرض قوة جبالها وصخورها، على حين كان جسمي ممدداً كالميت لا يتماسك من الضعف! فأيقنت حينئذ ما لم أعرفه قط من الدنيا ولم أشعر به قط في الحياة ولم يأتني به علم ولا فكر: أيقنت أنها معجزة الأيمان الجديد الغض، المتصل بالله لتوه كأيمان الأنبياء دون أن تلمسه شهوة، أو تعترضه خاطرة، أو تكدره ذرة واحدة من فكر أرضي دنس قال المسيب: ثم جلس المتحدث، وكان الناس في آخر كلامه كأنما غادروا الدنيا ساعة ورجعوا إليها على مثل حالته ومثل إيمانه؛ فسكت الأمام ولم يتكلم، ليدع كل نفس تكلم صاحبها (للمجلس بقية) (طنطا)

стр. 8119

مصطفى صادق فهمي

стр. 8120

شم النسيم في مركز بوليس! للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني اشتهيت مرة أن اخرج إلى الظل، ورقاق بغيضة معشاب، وأن أجلس تحت شجرة عظيمة تميل على أفنانها من الري واللين، فقلت لصاحب لي: (إني في ارض واسعة سهلة، ولكني كرهت مقامي بها، وأضجرني منها أني لا أرى في فضائها الرحيب عوداً ثابتاً، ولا أسمع إلا صوت الرمال وهي تجري على رمالها وتوقع بعضه على بعض، وغدا شم النسيم، فتعال بنا إلى ناحية من الريف قريبة من بعض أرباض المدينة، وعسى أن أحمد بقعة في طريقنا، فأنزل بها وأسكنها، فقد اجتويت الصحراء كما قلت لك، وما أظن بي ألا أن الحنين إليها سيعاودني، ولكن البعد عنها سنة أو سنتين، يكون كالاستجمام، فما قولك؟) قال: (وتخرج في شم النسيم؟) قات (: ومالي لا أفعل؟ أهو حرام - علي وحدي؟) قال): لا، ولكنه يوم تكثر فيه العربدة، وأولى بك أن تلزم دارك - كعادتك) قلت (: يا أخي، الله يوسع لي في الأرض، وأضيق على نفسي! كلا، ولن نعدم مكاناً ننأى فيه عن ضجات السكارى والمعربدين، فاختر لنا مكاناً، وتوكل معي على الله) فاختار (المرج) وحملنا معنا كفايتنا من الطعام والشراب، وكنا أربعة - أو خمسة، لا أذكر - وركبنا قطار الزيتون وكان كالحمار النهاق البليد، يمضي ويتوقف، ويميل هنا وههنا، ولا يزال يصلصل، كأنما يقطع أرضا أو يصنع شيئاً يستحق هذه الضوضاء، وأنا أمرؤ خلقني الله أكره التثاقل والاسترخاء، وأحب أن أفرغ مما أكون فيه بأسرع ما أستطيع، فمشي قفز،، وأكلي لقم، وكلامي لغط، وخطى أشبه بما تتركه أرجل على الرمل، من فرط العجلة؛ ولا صبر لي على دلال امرأة، ولا أعرف التمهيد لشيء؛ فإنه لف أو تطويل لا موجب له؛ وما أكثر ما أحببت، وما أسرع ما سلوت، وكم قلت لامرأة: (يا صاحبتي لقد أحببتك، ولكنني لم أحبك ليوجعني رأسي وقلبي، فإن كنت لا تحسنين إلا تصديعي وتنشيف ريقي، وإلا هذا الذي تسمينه دلالاً، فلا يا ستي ويفتح الله عليك بغيري) وأدعه وأمضي، ولا أعود بعدها

стр. 8121

إلى ذكرها. وما أكثر ما قلت لنفسي: (ما هذا يا مازني؟ إني أرى حبك قد طال ساعاتٍ، وهذا شيء يمل ويسئم، وليس معقول أن تحب غائباً كأنه حاضر معك! نعم معقول أن تحبه ساعة يكون إلى جانبك، ولكن بعد أن يمضي عنك أو تمضي أنت عنه، لا يقبل منك أن يظل قلبك يتلفت إليه ويشغل به عن سواه) فتقول نفسي: (أي والله، صحيح) وأستلقي على سريري وأغمض عيني، وأنام، ثم أقوم وقد نسيت حتى اسم من أحببت. لهذا قلت لأصحابي (يا رفاق! ما قولكم؟) قالوا: (ماذا؟) قلت: (ننزل من هذا القطار ونذهب نعدو إلى جانبه) فضحكوا ولم يسمعوا مني، ولكني كنت واثقاً أني أستطيع أن اسبقه على الرغم من عرجي؛ ونزلنا في (المرج) فلم نجد شجرة نجلس في ظلها، ولا جداراً يقينا وقدة الشمس، ولم نلمح في الأفق البعيد شيئاً يغري بالأمل، فقلت: أرجع إلى صحرائي فهي بي ارفق من هذا المرج فإن لي فيها على الأقل بيتاً آوى إليه، ولذي لا يرضى بالخوخ يرضى بشرابه وإنا لكذلك وإذا بضابط يقبل علينا ويحي واحداً منا، ويسأله عما جاء به، فيخبره أنه جاء معنا، ليشم النسيم، ولكنا لا نجد مكاناً ظليلاً نميل اليعه، فيقول الضابط الكريم: (تعالوا عندي)، فنسأله (عندك أين؟ فأنا لا نرى بيتا ولا كوخاً) فيقول: (في مركز البوليس، فإني ملاحظ النقطة!) فينظر بعضنا إلى بعض وأقول: (نشم النسيم في مركز البوليس! هذا جديد!) وترددنا، ولكنه ضابط بوليس، وتحت أمره قوة كافية لإرغامنا، فقلنا: (لا بأس! هي تجربة جديدة فلننظر ماذا عسى أن تفيدنا من المتعة؟ وما يدرينا؟ لعل مركز البوليس خير مكان نقضي فيه يومنا! وما نظن أن أحداً جرب ذلك من قبل، فهي ميزة ننفرد بها ونستبد) ودخلنا المركز، فدبت أقدام الجنود، وارتفعت أيديهم إلى رؤوسهم بالتحية، وتحركت عيونهم دون وجوههم، وجعلت تنظر إلينا وتتبعنا ونحن داخلون ومعنا السلة فيها الطعام والشراب، وصعدنا إلى غرفة فيها مائدة من خشب غير منجور، وحولها كراسي ثقيلة، وأنا نحيف هزيل، يقول أحد الأطباء في وصف جسمي إنه شبكة من الأعصاب تحملها طائفة من العظام، وتكسو هذه وتلك طبقة رقيقة من الجلد، ولا لحم لي ولا شحم فأحتمل الجلوس على

стр. 8122

هذه الكراسي الناشفة، ولكن ما حيلتي؟ وجاءونا بأطباق وملاعق وسكاكين وأشواك وفوط، فسألت الضابط: (من أين لكم هذا!) قال: (ماذا تظن؟) قلت: (أظنكم أخذتموها من اللصوص الذين وقعوا في قبضتكم) قال: (أو لعلنا سرقناها؟ هيه؟) قلت: (كل شيء جائز في هذه الدنيا! ومتى صار جائزاً أن نشم النسيم في مركز البوليس، فكل شيء بعد ذلك هين ومقبول ومعقول) وكان الجنود كلما دخلوا علينا بصحن أو كوب أو فنجان، يدبون بأحذيتهم الضخمة الثقيلة، ويحيون، ويضعون ما في أيديهم الأخرى، ثم يعودون إلى التحية والدب بالأرجل، ويخرجون، وتكرر ذلك منهم ألف مرة، فقلت للضابط: (ألا تعفيهم من هذا التكليف؟) قال: (إنهم جنود وقد ألفوا ذلك فليس في وسعهم إلا أن يفعلوه) قلت: (لو لم تكن معنا لما تكلفوه) قال: (ولكني معكم) قلت: (إذن فأعفنا نحن، فإنه إزعاج) فسال: (كيف أصنع؟) قلت: (والله لا أدري! هل تستطيع أن تختبئ تحت المائدة حين يدخل منهم أحد؟) وأكلنا هنيئاً، وشربنا مريئاً، ولم تمنعنا هذه التحيات والدبات أن نضحك ونمزح، ولم يحل شعورنا بوجودنا في (مركز البوليس) دون التبسط والمرح، واحتجت بعد ذلك أن أنام دقائق، والنوم من عاداتي بعد الغداء، فإذا حرمته حرمت الراحة، وتفتر جسمي، وغاض معين نشاطي، وساء خلقي، وانقلبت مخلوقاً شرساً مشاكساً، وشريراً مجرماً، تقذف عيناه الشرر، ومن أجل هذا تتخذني زوجتي هولة تخوف بي الأطفال والخدم. فإذا رأت أني لم أنم بعد الظهر، أقبلت تقول: (تعال!) فأقول: (إلى أين؟)

стр. 8123

فتقول: (تعال خوف الأطفال، فإنهم لا يريدون أن يسكنوا!) فأقول: (يا سيدتي، إن التخويف شر أساليب التربية) فتقول: (دع هذه الفلسفة وقم، فقد كاد رأسي يطير من ضجتهم، ثم إن عند الجيران أطفالاً كثاراً يصيحون، فأخرج لهم وجهك من النافذة يخرسوا، وفي الشارع رجال يتشاجرون فاذهب إليهم واطردهم إلى شارع آخر) فأهز رأسي وأقول: (تالله ما اشتهي إلا أن أخوفك أنت!) ثم أنهض آسفاً، وأصدع بما أمرت، فيهدأ البيت ويسكن الشارع، ويخفت كل صوت حتى صوت الترام، فينشرح صدرها وتقرعينها، وتتنهد مسرورة، وتقول: (ليت أنك لا تنام بعد الظهر أبداً!) فأسألها: (أتكرهين لي الراحة؟) فتسألني مغالطة: (أتكره أي أنت الراحة؟) فلا أجد جواباً حسناً، وأسألها: (هل أستطيع أن أنام الآن؟) فتقول: (وإذا قامت ضجة جديدة؟) فأقول: (اطمئني. . . وفي وسعك دائماً أن توقظيني لهم) فتذهب تصف وجهي معجبة بما يكون مرتسماً عليه من مظاهر الإفزاع وبواعث الرعب، مباهية به وجوه القتلة والسفاحين وقطاع الطريق؛ ولكن هذا أستطراد، فلنرجع إلى ما كنا فيه من شم النسيم كان لا بد أن أنام، فنمت على كرسيين، حططت نفسي على واحد، ومددت ساقي على الآخر، ولم يكن هذا فراشاً وثيراً بالمعنى الصحيح، ولكن النسيم كان عليلاً في مركز البوليس، فأغفيت دقائق زعمها أصحابي ثلاثين، وقالت لي عظامي المهيضة إنها كانت رقدة أهل الكهف ولم تكن لي يومئذ زوجة، فلما عدت إلى البيت لاحظت أمي أشكو وجعاً في ظهري وتكسيراً في عظامي، فسألتني: (أين كنت؟) قلت: (في مركز البوليس بالمرج) فصاحت بي: (مركز البوليس؟ لماذا؟ ماذا صنعت؟) قلت: (شممت النسيم!) قالت: (أكنت تشم النسيم أم تضرب علقة؟)

стр. 8124

وظلت إلى أن ماتت، وهي في شك من هذا الأمر إبراهيم عبد القادر المازني

стр. 8125

مصرع الصحافة العظيمة في ظل النظم الطاغية للأستاذ محمد عبد الله عنان لا يستطيع مؤرخ أن يتجاهل الدور العظيم الذي أدته الصحافة في تطورات العالم السياسية والثقافية منذ أوائل القرن الماضي؛ ولا يستطيع مؤرخ الحرب الكبرى أن ينسى أن الصحافة كانت إلى جانب الجيوش والأساطيل أداة من أدوات النصر؛ وليس مبالغة أن توصف الصحافة الحديثة بأنها في الدولة سلطة رابعة إلى جانب السلطات الدستورية الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية؛ وفي ظروف معينة تبدو الصحافة أولى السلطات وأهمها في الدولة أو المجتمع: تنشئ حكومات وتسقط حكومات، وتحشد الرأي العام لتحقيق برنامج معين أو فكرة معينة، وقوتها في ذلك لا تعادلها قوة، ونفوذها لا يجاريه نفوذ. هذه حقائق بديهية لا تقتضي جدلاً أو مناقشة. وما زالت الصحافة في الأمم العظيمة الحرة هي صاحبة المقام الأول في قيادة الرأي العام، وفي توجيه القوى السياسية والاجتماعية. وفي عصرنا قطعت الصحافة في سبيل التقدم العلمي والفني مراحل مدهشة؛ ولكن الصحافة أصيبت في عصرنا أيضاً بأقسى محنة عرفتها في تاريخها القصير المدى. ففي عدة من الأمم العظيمة لقيت الصحافة ضربتها القاضية، وأصبحت شبحاً فقط لما كانت عليه من قبل، وجردت من أعظم وأسمى مظاهرها: حرية التفكير والكتابة؛ ولم تبقى سوى أداة ذليلة خانعة للقوى الطاغية التي تخنقها وتسيرها كيفما شاءت وقد كانت الصحافة الحرة وما زالت مظهراً من أهم مظاهر الديمقراطية والنظم الحرة؛ وقد أصيبت الديمقراطية والنظم الحرة في عصرنا برجعة خطيرة، وأصيبت معها كل مظاهرها الحقيقية ومنها الصحافة؛ فحيثما نكبت الديمقراطية: في روسيا السوفيتية، وفي تركيا الكمالية، وفي إيطاليا الفاشستية، وأخيراً في ألمانيا الهتلرية، تلقى الصحافة أشد محنة عرفتها، وتسحقها النظم الطاغية التي رأت أن تتخذها مع باقي القوى العامة، أداة لتحقيق برنامجها وتوطيد سلطانها. وفي هذه البلاد التي يسود فيها الطغيان المطلق، لم بيق رأي حر يستطيع أن يتنفس، ولا رأي عام يستطيع أن يعبر عن شعوره أو يحدث أثره المشروع في الحياة العامة؛ ولا تستطيع أن تخرج من الصحافة إلا بصورة واحدة مكررة هي إرادة الطغاة ومزاعم الطغاة، تفرض على ملايين من الناس لا حق لهم في مناقشة أو تذمر، ولا
следующие страницы →