Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.
стр. 8121
إلى ذكرها. وما أكثر ما قلت لنفسي: (ما هذا يا مازني؟ إني أرى حبك قد طال ساعاتٍ، وهذا شيء يمل ويسئم، وليس معقول أن تحب غائباً كأنه حاضر معك! نعم معقول أن تحبه ساعة يكون إلى جانبك، ولكن بعد أن يمضي عنك أو تمضي أنت عنه، لا يقبل منك أن يظل قلبك يتلفت إليه ويشغل به عن سواه)
فتقول نفسي: (أي والله، صحيح)
وأستلقي على سريري وأغمض عيني، وأنام، ثم أقوم وقد نسيت حتى اسم من أحببت. لهذا قلت لأصحابي (يا رفاق! ما قولكم؟)
قالوا: (ماذا؟)
قلت: (ننزل من هذا القطار ونذهب نعدو إلى جانبه)
فضحكوا ولم يسمعوا مني، ولكني كنت واثقاً أني أستطيع أن اسبقه على الرغم من عرجي؛ ونزلنا في (المرج) فلم نجد شجرة نجلس في ظلها، ولا جداراً يقينا وقدة الشمس، ولم نلمح في الأفق البعيد شيئاً يغري بالأمل، فقلت: أرجع إلى صحرائي فهي بي ارفق من هذا المرج فإن لي فيها على الأقل بيتاً آوى إليه، ولذي لا يرضى بالخوخ يرضى بشرابه
وإنا لكذلك وإذا بضابط يقبل علينا ويحي واحداً منا، ويسأله عما جاء به، فيخبره أنه جاء معنا، ليشم النسيم، ولكنا لا نجد مكاناً ظليلاً نميل اليعه، فيقول الضابط الكريم: (تعالوا عندي)، فنسأله (عندك أين؟ فأنا لا نرى بيتا ولا كوخاً) فيقول: (في مركز البوليس، فإني ملاحظ النقطة!) فينظر بعضنا إلى بعض وأقول: (نشم النسيم في مركز البوليس! هذا جديد!) وترددنا، ولكنه ضابط بوليس، وتحت أمره قوة كافية لإرغامنا، فقلنا: (لا بأس! هي تجربة جديدة فلننظر ماذا عسى أن تفيدنا من المتعة؟ وما يدرينا؟ لعل مركز البوليس خير مكان نقضي فيه يومنا! وما نظن أن أحداً جرب ذلك من قبل، فهي ميزة ننفرد بها ونستبد)
ودخلنا المركز، فدبت أقدام الجنود، وارتفعت أيديهم إلى رؤوسهم بالتحية، وتحركت عيونهم دون وجوههم، وجعلت تنظر إلينا وتتبعنا ونحن داخلون ومعنا السلة فيها الطعام والشراب، وصعدنا إلى غرفة فيها مائدة من خشب غير منجور، وحولها كراسي ثقيلة، وأنا نحيف هزيل، يقول أحد الأطباء في وصف جسمي إنه شبكة من الأعصاب تحملها طائفة من العظام، وتكسو هذه وتلك طبقة رقيقة من الجلد، ولا لحم لي ولا شحم فأحتمل الجلوس على
стр. 8122
هذه الكراسي الناشفة، ولكن ما حيلتي؟
وجاءونا بأطباق وملاعق وسكاكين وأشواك وفوط، فسألت الضابط:
(من أين لكم هذا!)
قال: (ماذا تظن؟)
قلت: (أظنكم أخذتموها من اللصوص الذين وقعوا في قبضتكم)
قال: (أو لعلنا سرقناها؟ هيه؟)
قلت: (كل شيء جائز في هذه الدنيا! ومتى صار جائزاً أن نشم النسيم في مركز البوليس، فكل شيء بعد ذلك هين ومقبول ومعقول)
وكان الجنود كلما دخلوا علينا بصحن أو كوب أو فنجان، يدبون بأحذيتهم الضخمة الثقيلة، ويحيون، ويضعون ما في أيديهم الأخرى، ثم يعودون إلى التحية والدب بالأرجل، ويخرجون، وتكرر ذلك منهم ألف مرة، فقلت للضابط:
(ألا تعفيهم من هذا التكليف؟)
قال: (إنهم جنود وقد ألفوا ذلك فليس في وسعهم إلا أن يفعلوه)
قلت: (لو لم تكن معنا لما تكلفوه)
قال: (ولكني معكم)
قلت: (إذن فأعفنا نحن، فإنه إزعاج)
فسال: (كيف أصنع؟)
قلت: (والله لا أدري! هل تستطيع أن تختبئ تحت المائدة حين يدخل منهم أحد؟)
وأكلنا هنيئاً، وشربنا مريئاً، ولم تمنعنا هذه التحيات والدبات أن نضحك ونمزح، ولم يحل شعورنا بوجودنا في (مركز البوليس) دون التبسط والمرح، واحتجت بعد ذلك أن أنام دقائق، والنوم من عاداتي بعد الغداء، فإذا حرمته حرمت الراحة، وتفتر جسمي، وغاض معين نشاطي، وساء خلقي، وانقلبت مخلوقاً شرساً مشاكساً، وشريراً مجرماً، تقذف عيناه الشرر، ومن أجل هذا تتخذني زوجتي هولة تخوف بي الأطفال والخدم. فإذا رأت أني لم أنم بعد الظهر، أقبلت تقول: (تعال!)
فأقول: (إلى أين؟)
стр. 8123
فتقول: (تعال خوف الأطفال، فإنهم لا يريدون أن يسكنوا!)
فأقول: (يا سيدتي، إن التخويف شر أساليب التربية)
فتقول: (دع هذه الفلسفة وقم، فقد كاد رأسي يطير من ضجتهم، ثم إن عند الجيران أطفالاً كثاراً يصيحون، فأخرج لهم وجهك من النافذة يخرسوا، وفي الشارع رجال يتشاجرون فاذهب إليهم واطردهم إلى شارع آخر)
فأهز رأسي وأقول: (تالله ما اشتهي إلا أن أخوفك أنت!) ثم أنهض آسفاً، وأصدع بما أمرت، فيهدأ البيت ويسكن الشارع، ويخفت كل صوت حتى صوت الترام، فينشرح صدرها وتقرعينها، وتتنهد مسرورة، وتقول: (ليت أنك لا تنام بعد الظهر أبداً!)
فأسألها: (أتكرهين لي الراحة؟)
فتسألني مغالطة: (أتكره أي أنت الراحة؟)
فلا أجد جواباً حسناً، وأسألها: (هل أستطيع أن أنام الآن؟)
فتقول: (وإذا قامت ضجة جديدة؟)
فأقول: (اطمئني. . . وفي وسعك دائماً أن توقظيني لهم) فتذهب تصف وجهي معجبة بما يكون مرتسماً عليه من مظاهر الإفزاع وبواعث الرعب، مباهية به وجوه القتلة والسفاحين وقطاع الطريق؛ ولكن هذا أستطراد، فلنرجع إلى ما كنا فيه من شم النسيم
كان لا بد أن أنام، فنمت على كرسيين، حططت نفسي على واحد، ومددت ساقي على الآخر، ولم يكن هذا فراشاً وثيراً بالمعنى الصحيح، ولكن النسيم كان عليلاً في مركز البوليس، فأغفيت دقائق زعمها أصحابي ثلاثين، وقالت لي عظامي المهيضة إنها كانت رقدة أهل الكهف
ولم تكن لي يومئذ زوجة، فلما عدت إلى البيت لاحظت أمي أشكو وجعاً في ظهري وتكسيراً في عظامي، فسألتني: (أين كنت؟)
قلت: (في مركز البوليس بالمرج)
فصاحت بي: (مركز البوليس؟ لماذا؟ ماذا صنعت؟)
قلت: (شممت النسيم!)
قالت: (أكنت تشم النسيم أم تضرب علقة؟)
стр. 8124
وظلت إلى أن ماتت، وهي في شك من هذا الأمر
إبراهيم عبد القادر المازني
стр. 8125
مصرع الصحافة العظيمة في ظل النظم الطاغية
للأستاذ محمد عبد الله عنان
لا يستطيع مؤرخ أن يتجاهل الدور العظيم الذي أدته الصحافة في تطورات العالم السياسية والثقافية منذ أوائل القرن الماضي؛ ولا يستطيع مؤرخ الحرب الكبرى أن ينسى أن الصحافة كانت إلى جانب الجيوش والأساطيل أداة من أدوات النصر؛ وليس مبالغة أن توصف الصحافة الحديثة بأنها في الدولة سلطة رابعة إلى جانب السلطات الدستورية الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية؛ وفي ظروف معينة تبدو الصحافة أولى السلطات وأهمها في الدولة أو المجتمع: تنشئ حكومات وتسقط حكومات، وتحشد الرأي العام لتحقيق برنامج معين أو فكرة معينة، وقوتها في ذلك لا تعادلها قوة، ونفوذها لا يجاريه نفوذ. هذه حقائق بديهية لا تقتضي جدلاً أو مناقشة. وما زالت الصحافة في الأمم العظيمة الحرة هي صاحبة المقام الأول في قيادة الرأي العام، وفي توجيه القوى السياسية والاجتماعية. وفي عصرنا قطعت الصحافة في سبيل التقدم العلمي والفني مراحل مدهشة؛ ولكن الصحافة أصيبت في عصرنا أيضاً بأقسى محنة عرفتها في تاريخها القصير المدى. ففي عدة من الأمم العظيمة لقيت الصحافة ضربتها القاضية، وأصبحت شبحاً فقط لما كانت عليه من قبل، وجردت من أعظم وأسمى مظاهرها: حرية التفكير والكتابة؛ ولم تبقى سوى أداة ذليلة خانعة للقوى الطاغية التي تخنقها وتسيرها كيفما شاءت
وقد كانت الصحافة الحرة وما زالت مظهراً من أهم مظاهر الديمقراطية والنظم الحرة؛ وقد أصيبت الديمقراطية والنظم الحرة في عصرنا برجعة خطيرة، وأصيبت معها كل مظاهرها الحقيقية ومنها الصحافة؛ فحيثما نكبت الديمقراطية: في روسيا السوفيتية، وفي تركيا الكمالية، وفي إيطاليا الفاشستية، وأخيراً في ألمانيا الهتلرية، تلقى الصحافة أشد محنة عرفتها، وتسحقها النظم الطاغية التي رأت أن تتخذها مع باقي القوى العامة، أداة لتحقيق برنامجها وتوطيد سلطانها. وفي هذه البلاد التي يسود فيها الطغيان المطلق، لم بيق رأي حر يستطيع أن يتنفس، ولا رأي عام يستطيع أن يعبر عن شعوره أو يحدث أثره المشروع في الحياة العامة؛ ولا تستطيع أن تخرج من الصحافة إلا بصورة واحدة مكررة هي إرادة الطغاة ومزاعم الطغاة، تفرض على ملايين من الناس لا حق لهم في مناقشة أو تذمر، ولا
стр. 8126
يسمح لهم بغير التأييد الأعمى
وتزعم هذه الحكومات الطاغية دائماً بأنها تحظى بتأييد الأمة المطلق، وتحاول دائماً أن تتخذ من إجماع الصحافة المصفدة المسيرة دليلاً على هذا التأييد؛ ولكن كيف يعرف رأي أمة لا يسمح لها بإبداء الرأي، وكيف يوصف شعور أمة نحو الطغاة، وهي ممنوعة بالقوة عن إبداء هذا الشعور؟ إن حكومات الطغيان تسن من القوانين الاستثنائية ما يكفل إخماد كل صوت وكل رأي معارض، ثم هي لا تقف عند هذه القوانين، بل تلجأ في أحيان كثيرة إلى إجراءات الهوى، فتنزل بأولئك الذين يجرءون على معارضتها أشنع العقوبات من قبض واعتقال ومصادرة، بل ومن إعدام، كل من ذلك دون قانون ودون تحقيق أو محاكمة؛ وليس من المبالغة أن نقول إن الحياة البشرية في هذه الأمم، أضحت كالحريات العامة، دون ضمان وطمأنينة؛ وما زلنا نذكر كيف أن مئات من الألمان أزهقوا في ٣٠ يونيه الماضي بيد هتلر ومعاونيه لريب في تأييدهم للنظام القائم؛ وقد أهدر دمهم جميعاً لأن (الزعيم) أراد إعدامهم وكفى
تصفد الحرية الفكرية بهذه الأغلال حيثما يقوم الطغيان (الدكتاتورية). وقد كان البلاشفة أول من أخضع الصحافة لهذا النظام الحديدي، فلقيت في ظل العهد الجديد ما لم تعرفه في ظل القيصرية من القيود والأغلال المرهقة، ولم تلبث أن استحالت إلى أداة رسمية صماء لا رأي لها ولا إرادة، وخفت الرأي العام الروسي منذ ثمانية عشر عاماً فلا يعرف العالم لخارجي عنه شيئاً؛ وحذت الفاشستية حذو البلشفية في استبعاد الصحافة وإخماد هذا المتنفس الذي قد يثير حولها الصعاب إذا ترك طليقاً؛ ثم اقتفى الكماليون هذه الخطة في تركيا، وفرضوا على الرأي العام أغلالاً لم يعرفها في العصر الحميدي؛ ولما قام الطغيان الهتلري في ألمانيا، كانت أولى وسائله لتوطيد سلطانه أن يسحق الرأي العام الألماني، وذلك بسحق الصحافة متنفسه الطبيعي. وقد ذهب الهتلريون في ذلك إلى حدود لم تعرفها أشد عصور الطغيان
كان في ألمانيا، قبل أن يغمرها طغيان الوطنية الاشتراكية، صحافة عظيمة زاهرة تعد في مقدمة أعظم صحافات العالم؛ وكان لها نفوذها القوي في توجيه الرأي العام وفي التعبير عن رغبااته وميوله، شأنها في كل الأمم العظيمة. ولكن زعماء النظام الجديد أدركوا قوة
стр. 8127
الصحافة وخطرها على نظم الطغيان، فسحقوها بيد من حديد ووضعوا لها تشريعاً استثنائياً خاصاً يسلبها كل حرية وكل استقلال في الرأي، وجعلوا منها صناعة رسمية، ومن محرريها المسئولين عمالاً للحكومة؛ وأنشأوا وزارة خاصة للدعاية، تتمركز فيها جميع عناصر الوحي والرأي والقول في ألمانيا كلها؛ ولم يحجموا بذلك عن أن يمزقوا بيدهم آخر الأقنعة التي تستتر بها الدكتانورية، وأن يعترفوا جهاراً بأنهم هم الذين يوجهون الصحافة ويغذونها بكل عناصر القول والرأي؛ ولم يصفد الهتلريون الصحافة السياسية فقط، ولكنهم صفدوا كل أنواع التفكير والكتابة؛ والأدب والشعر، والفنون والعلوم وكل ألوان الثقافة، وجعلوا منها جميعاً أداة لبث مبادئهم وتمكين سلطانهم من أعناق الأمة التي يدعون الوصاية عليها. ومنذ أيام قلائل أصدرت الحكومة الهتلرية قانوناً استثنائياً جديداً يشدد أغلال الصحافة الألمانية ويقضي على آخر المظاهر التي بقيت لها. وقد وصف القانون الجديد بأن القصد منه (صون استقلال الصحافة) والواقع أنه يقضي على أخر ما بقى لها من لمحات الاستقلال، والمقصود به بنوع خاص أن يقضى على الصحافة التي تمثل مصالح المهن والطوائف والجماعات العامة، وعلى الصحافة الكاثوليكية التي ما زالت قوية في جنوب ألمانيا وغربها. وهو ينص على حرمان كل شخص لا ينتمي إلى الجنس الآري من العمل في الصحافة وكل متعلقاتها؛ وإذا أريد تغيير ناشر الصحيفة أو محررها وجبت موافقة السلطات؛ وإذا رؤى في أي جهة من الجهات أنه يوجد من الصحف ما يزيد عن حاجتها عطل منها ما كان زائداً عن الحاجة، وقد نص أيضاً على تعطيل جميع الصحف التي تعنى بنشر الحوادث الجنائية والاجتماعية ووصفت في المرسوم بأنها (صحافة الفضائح)، والخلاصة أن القانون الجديد لا يفسح مجال الحياة والظهور لغير الصحافة النازية الحكومية
ولقد كانت هذه الضربة الجديدة لقتل صحافة عظيمة مثار الاشمئزاز حيثما تقدس حرية الفكر والرأي، واستقبلتها الصحافة الإنكليزية بعاصفة من السخط؛ وكتبت (التيمس) مقالاً رناناً قالت فيه؛ (إن خضوع الشعب الألماني أمام تقييد حرياته ومورد أخباره يعتبر حادثاً مزعجاً جداً. وكيف يستطيع الشعب الألماني بعد ذلك أن يقف على الظروف الحقيقية للسياسة الدولية من هذه المصادر التي تقدم له الآن. وكيف يفهم الألمان عبارة (الاعتزال
стр. 8128
السياسي) في أوربا، وهي عبارة يرددها زعماؤهم وهي في الغالب من صنعهم وتدبيرهم؟ وهل يفهمون الظروف الحقيقية التي قتل فيها الدكتور دولفوس المستشار النمساوي؟ والتي دبرت فيها مذبحة ٣٠ يونيه في ألمانيا؟ وما يلقاه اليهود والسجناء السياسيون، وما يكون لهذه الأمور من أثر في الرأي العام الأوربي؟) وقالت الجارديان: (أن الصحافة التي كانت في ألمانيا من أعظم الحرف وأرفعها، تنحدر الآن إلى الحضيض. وليست الجرائد (النازية) الحالية التي حلت محل الصحف التي كانت من قبل من أمهات الصحف العالمية، سوى وريقات لبث الدعاية الخاصة؛ ولم يبق أثر للحرية الفكرية والجدل والمناقشة. وكان من مفاخر هذه الحرفة الكريمة في ألمانيا أن عدداً عظيماً من كتابها وصحفييها آثروا الخراب والنفي والسجن على هذا الانحطاط الشنيع) ثم تتساءل الجارديان: (فهل بقي في الشعب الألماني روح حي يأسف على ضياع حرياته الفكرية والقلمية أو يثور على تلك التدابير التي تخذ لسحق هذه الحريات بصفة نهائية؟)
والواقع أن الصحافة الألمانية سقطت من عداد الصحافات العظيمة مذ تولى الهتلريون الحكم؛ ولم تفقد كل قوتها ونفوذها السياسي والاجتماعي فقط، ولكنها فقدت كل قوتها ونفوذها السياسي والاجتماعي فقط، ولكنها فقدت كل خواصها ومميزاتها الثقافية الممتعة التي كانت من قبل فجر التفكير الألماني؛ وأخذت الصحف الألمانية العظيمة تختفي من الميدان تباعاً بعد أن فقدت مركزها وخاصة قرائها، وامتدت النكبة إلى الصحافة الأدبية والفنية والعلمية، فأخذت تنحدر إلى نفس المصير المحزن؛ وتسيرها نفس الدعاية السياسية والثقافية التي غمرت ألمانيا؛ وغدت الصحف الألمانية العلمية التي كانت من قبل أسفاراً جليلة تحمل على الإعجاب والاحترام، أدوات للدعاية الهتلرية، تحدثك باستمرار عن نظريات (الزعيم) في خواص الجنس الآري، وانحطاط الأجناس السامية، وتفوق السلالة الألمانية، وأصول الثقافة الجرمانية القديمة، ويغره من المبادئ والنظريات الجنسية المتعصبة التي أصبحت ظاهرة الحياة العامة في ألمانيا، وأضحى أصدقاء الثقافة الألمانية الحرة في حيرة من هذا الخلط المحزن بين الحقائق والغايات العلمية، وبين النظريات والدعيات الحزبية التي جعلتها وزارة الدعاية الهتلرية فوق كل شئ في حياة الشعب الألماني وتشعر الدوائر العلمية والأدبية والطبقات المفكرة الألمانية عامة بخطر هذا التيار
стр. 8129
الجارف على مستقبل التفكير وال آدابالألمانية، ولكنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً لمقاومة هذا الخطر لأنها توضع تحت نفس انظم الجديدة التي جعلت من الصحافة ووسائل الثقافة الفنية كالمسرح والسينما والموسيقى والراديو، أدوات لدعوة الحزبية المحضة. ويشعر الزعماء الهتلريون أنفسهم بفداحة الأثر الذي أحدثه هذا الاستبعاد المطلق للتفكير الألماني، ويحاولون تبريره بمختلف النظريات والمحاذير. وملخص نظريتهم في ذلك هو أن الصحافة من مظاهر الأنظمة الحرة وخواصها، ومثل هذه المظاهر لا توجد في ظل الاشتراكية الوطنية؛ والمبادئ الحرة لم تسمح بتوحيد كلمة الشعب، والاشتراكية الوطنية تريد الشعب كتلة واحدة. وقد كانت الصحافة في عهد الحريات القديمة تستمد أعظم قواتها ونفوذها من الانتماء إلى الأحزاب، أو زال منه تلقاء نفسه انحدرت الصحافة الحرة إلى مثل هذا المصير، وفقدت أهميتها الحزبية والسياسية؛ والاشتراكية الوطنية لا تقيم وزناً للجدل السياسي، وفي رأيها أنه متى زالت البواعث الموجبة لهذا الجدل، وهو الخلاف الحزبي، فإن الصحافة تغدو أداة متماثلة في عملها ومظهرها. والاشتراكية الوطنية لا تعتمد على الصحافة كأداة للدعوة، ولكنها تعتمد في ذلك على الإذاعة اللاسلكية؛ وهي عمادها في قيادة الشعب وإرشاده. وأما الصحف فمهمتها أن تنقل للناس ما يسمعونه بواسطة (الراديو) لكي يعودوا فيقرءوه ويتدبروه. وأخيراً ترى الاشتراكية الوطنية أن الصحافة من الأنظمة القومية، فيجب أ، تكون حرفة رسمية تشرف عليها الدولة، ويجب ألا يشتغل بها سوى الآريين، فلا يسمح لليهود أن يشتغلوا بها سوى الآريين، فلا يسمح لليهود أن يشتغلوا بها أو يساهموا في امتلاكها (وهذا ما يقرره قانون الصحافة الهتلري). وكما أن الصحافة السياسية تتلقى كل مواد الكتابة والتعليق من المكتب السياسي بوزارة الدعاية، فكذلك تشرف على توجيه الصحافة العلمية والأدبية والفنية (غرفة للثقافة) وعلى توجيه الصحافة الاقتصادية والمالية (غرفة الدعاية الاقتصادية)، وهكذا يسير التفكير الألماني كله طبقاً لخطة حزبية موضوعة تقرر له المبادئ والمواد من وراء ستار وتلقنها إليه تحت سلطان القوة والوعيد
وهل نحن في حاجة لأن ندحض هذه النظريات والآراء الرجعية الطاغية؟ إن الاشتراكية الوطنية تعترف بأنها تقتل الصحافة لأنها لا تطيق النظم الحرة، وفي ذلك ما يكفي للحكم على تدليلها ووسائلها. ولقد كانت حرية التفكير في جميع العصور والأمم من خواص
стр. 8130
الأنظمة والحضارات العظيمة. ولكن ما هي الاشتراكية الوطنية الألمانية في الواقع؟ هي مزيج من الآراء والنظريات القومية والجنسية المغرقة، التي تحمل في معظمها طابع التناقض وضيق الأفق، وهي في روحها واتجاهها، أشد طغياناً من البلشفية والفاشستية، وأشد إذكاء للشهوات والأحقاد الجنسية والطائفية، وهي أوهام أذهان ضيقة متعصبة، لا تؤمن بغير القوة والعنف؛ وإنما يسبغ العنف عليها طابع النجاح. ومن الطبيعي أن تمقت كل صنوف الحرية وتخشاها. والصحافة الحرة من أخطر القوى على نظم الطغيان
ولنلاحظ أخيراً أن محنة التفكير الألماني لا تقف عند مصرع الصحافة، بل هي أشد أثراً وأوسع مدى، فهي تشمل كل صنوف التفكير وال آداب والعلوم والفنون؛ وهذه كلها تخضع اليوم لنفس الأغلال والقوى، وتمزقها وتشوهها نفس الأهواء والشهوات الهدامة؛ وهي كلها تسير في ظل الاشتراكية الوطنية إلى نفس المصير المحزن الذي تنحدر إليه جميع القوى الروحية والفكرية في ألمانيا
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 8131
أيا صوفيا
للأستاذ علي الطنطاوي
كنا في (أوتيل مكة المكرمة)، ذلك القصر الفخم، الذي كان للشريف عدنان حمى منيعاً، وحصناً حصيناً، يهاب الجبابرة الدنو من بابه، وتخشى الطير التحليق في سمائه، ويتجنب الناس النظر إليه إلا نظر الخائف الحذر، لأنهم يعلمون أن الكلمة متى خرجت من فم صاحبه كانت كسهم القضاء، من أصابت أصمت، وأنه ليس بين أحدهم وبين أن يقتل أو يدفن حياً في جب القصر المظلم، أو تهب أمواله، أو تحرق دوره. . . إلا أن يشي به إلى الشريف واش، أو تصيبه عرضاً نقمة من نقماته!
وكنا في الردهة الكبرى التي بناها فأجاد بنيانها، وزخرفها فبالغ في زخرفها، حتى كانت تحفة من التحف، وآية من آيات العمران، نعجب من تصاريف القدر، وأحداث الزمان: كيف ذهب الملك، واندثر السلطان، وغدا الشريف الجبار، الذي كان يتبختر في ثياب الوشي، وأردية الديباج، وتمشى أمامه العبيد بالسيوف، والخدم بالمجامر، ويسير وراءه الوجهاء والأعيان. . . كيف غدا بعد هذا الجمال الناظر، عظاماً نخرة، في حفرة مقفرة، وكيف استبدل بالقصر الكبير، هذا القبر الحقير، وكيف ذهب المال والولد، والخدم والعبيد، والحجاب والأعوان، والعداء الأخوان، ومات الحب والبغض، والخوف والرجاء. . . حتى لكأنما لم يمر يوماً سيد مكة وجبارها، وكيف ورثنا القصر أياماً وليالي نطؤه مطمئنين، وننام فيه آمنين، ونأمر فيه مطاعين، لا نذكر صاحبه وبانيه، ولا نقيم له وزناً، ولا نحسب له حساباً!
كنا جالسين مع إخواننا رجال الوفد السوري، نتحدث أن لا بقاء للإنسان. وأن لا خلود في الدنيا، وأن الأيام دول، والدهر دولاب، فكم من عزيز قد ذل، ومن ذليل قد عز، ومن ملوك كانوا أعز من النجم، وأمنع من السحاب، ضاعوا وضاعت ذكراهم، فلا يغرن امرؤ بالدنيا:
فما الدنيا بباقية لحي وما حي على الدنيا بباق ولا يدخرون وسعاً في كسب الذكر للدنيا والأجر للآخرة، فما الحياة إلا حياة التاريخ، وحياة الجنة. . .
وكنت لا أني أسأل عن (الرسالة)، وألح على مدير الأوتيل وهو من المشتركين فيها، أن يأتيني بالأعداد الأخيرة منها، وقد كنت في دمشق إذا تأخرت (الرسالة) يوماً قلقت من
стр. 8132
تأخرها، وأشتد شوقي إليها، فكيف وقد مرت أربعة أعداد لم أرها؟ صدرت ونحن على هامش الحياة، من وراء حدود العالم، نسير في الصحراء سبعة عشر يوماً من دمشق إلى المدينة، لم نر فيها إلا ثلاث قرى، مالقينا من دونها بشراً ولا شجراً، ولا وحشاً ولا طائراً، وما أبصرنا إلا سلاسل الجبال، وتلال الرمل التي تتعاقب لا حد لها، فتانة متموجة، كأنها قد مرت عليها يد نقاش صناع، سبعة عشر يوماً، ملأت فصلاً طويلاً من سفر حياتي، بأعمق الشعور، وأشد العواطف
فلما جاءني خادم الأوتيل بأعداد الرسالة، أقبلت أصفحها وأقرأ من كل مقالة عنوانها، فرابني منها عنوان مقالة، ما إن قرأتها حتى سقطت الرسالة من يدي وعرتني رجفة وأحسست أن قد دبر بي خبر هائل تصدع له القلوب، قلوب المؤمنين حزناً وألماً، وتندى له الجباه حياء وخجلاً، وتكل عن وصفه الألسنة دهشة وتفظعاً
ذلك إن الجمهورية التركية، لم يشف غيض قلوبها، كل ما صنعته بالإسلام، وما أنزلته بأهله، فعمدت إلى بيت من بيوت الله، تقام فيه شعائر الله، فجعلته بيتاً للأصنام، ومثابة للوثنية، أماتت فيه التوحيد، وأحيت فيه الشرك، وطمست منه آي القرآن، وأظهرت فيه الصور والأوثان، لم تضق بها الأرض حتى ما تجد مكاناً لمتحفها هذا إلا المسجد الجامع، ولكن النفوس الملحدة ضاقت بهذا المسجد، وأحس أصحابها كأن هذه المآذن في عيونهم، وكأن هذه القبة على ظهورهم، وعشيت أبصارهم من نور الله، فأرادوا ليطفئوه بأفواههم، ويمنعوا مساجد الله أن يذكر فيها أسمه، فعطلت الصلاة في أيا صوفيا فلا تقام فيها بعد اليوم - وسكت المؤذن فلا يدعو في مآذنها إلى الله - ولا يصدع بالتهليل والتكبير، ونأى عنها المؤمنون فلا يدخلونها إلا مستعبرين باكين، يندبون فيها مجد الإسلام، وعظمة الخلافة، وجلالة السلطان، وذل فيها المسلمون وصاروا غرباء عنها وهم أصحابها وأهلوها، وعز فيها المشركون، وشعروا أن أيا صوفيا قد ختمت فيها صفحة الإسلام، باسم هذا الـ. . (أتاتورك) كما فتحت باسم (محمد الفاتح)!
أيا صوفيا التي صيح في مآذنها خمسين وثلاثمائة واثنتين وسبعين وثمانمائة (٨٧٢٣٥٠) ألف مرة: حي على الصلاة، حي على الفلاح. الله أكبر الله أكبر. . . لا إله إلا الله، فاصطف فيها المسلمون خاشعة أبصارهم مؤمنة قلوبهم، ساكنة جوارحهم، قد وضعوا الدنيا
стр. 8133
تحت أقدامهم، ودبر آذانهم، وأقبلوا على الله بخشوع وإخلاص، فجزاهم بما خشعوا وأخلصوا، قلوباً استنارت بالإيمان، وعمرت باليقين، وكان القلب منها وهو يخفق بين جوانح صاحبه، أكبر من الأرض وهي تجري في ملكوت الله. . . فملكوا بهذه القلوب الأرض، وفتحوا بها العالم!
أيا صوفيا التي بات فيها المسلمون سبعين وأربعمائة وأربعاً وسبعين ومائة ألف (١٧٤٤٧٠) ليلة، ولهم في جوفها دوي بالتسبيح والتكبير والتهليل كدوي النحل، وما في أرضها شبر لم يكن موطئ قدم مصل، أو مجلس قارئ، أو مقام ذاكر، أو مقعد مدرس أو سامع، وليس يحصى إلا الله، كم ختم فيها من ختمة، وكم ألقى فيها من درس، وكم ذكر فيها الله، وكم أقيمت فيها الصلاة!
أيا صوفيا التي تشهد كل حجرة فيها، وتشهد أرضها وسماؤها، وتشهد قبتها المشمخرة، وتشهد مآذنها السامقة، ويشهد الناس، ويشهد الله وملائكته، أنها بيت من بيوت الله، وحصن من حصون التوحيد، ودار من دور العبادة. . .
أيا صوفيا. . . تعود للجبت والطاغوت، وتحمل الصور والأصنام، ويخسرها الإسلام والشرق، ليربحها الكفر والغرب؟ لقد أريقت حول أيا صوفيا دماء زكية، وزهقت في سبيل أيا صوفيا أرواح طاهرة، من لدن معاوية إلى عهد الفاتح، إلى عهد عبد الحميد. . . أفراحت الدماء هدراً وذهبت النفوس ضياعاً، وعادت أيا صوفيا بعد سبع وثمانين وأربعمائة سنة وكأنما لم يذكر فيها الله، ولم يتل فيها القرآن، ولم تقم فيها الأئمة، ولم تتجاوب مآذنها بالأذان؟
لقد بنى المسلمون هذا المجد على جماجمهم، وسقوه بدمائهم، وحموه بسيوفهم، ثم وقفوه على الإسلام، أفيأتي في ذيل الزمان، من يعبث بالوقف، ويهزأ بالدماء، ويلعب بالجماجم، ثم لا يردعه رادع، ولا يعظه واعظ؟
ومن هم الأتراك لولا الإسلام؟ على أي حسب يتكلمون، وبأي نسب يفخرون، وبأي ماض يعتزون، وبأي مجد يباهون؟ أبمجد رعاة البقر في تركستان، أم بمجد أرطغرل بك، وقد جاء من مشرق الشمس بدوياً جافياً فقيراً لا يملك إلا أعنة ركائبه، وطنب خيامه، يفترش الغبراء، ويلتحف السماء، فصار أحفاده بالإسلام سادة القارات الثلاث؟ أفرأيت من ينطح
стр. 8134
برأسه الصخر، ويشرب بفيه البحر، ذاك هو التركي حين ينكر الإسلام، ويسعى لإيذائه. إنه لا يحطم الصخر، ولا يجفف البحر، ولكن يمشي على رأسه إلى القبر، وإن الإسلام إلا يكن بالترك يكن بغيرهم، ولكن الترك إلا يكونوا بالإسلام لا يكونوا والله بغيره أبداً. . .
وعدنا نعتبر ونتحدث أن لا بقاء للإنسان، وأن لا خلود في الدنيا، وأن الأيام دول، والدهر دولاب، فكم من عزيز قد ذل، وكم ذليل قد عز، وكم من ملوك (ورؤساء جمهوريات) كانوا أعز من النجم، وأمنع من السحاب، ضاعوا وضاعت ذكراهم وأن (الشريف عدنان) مهما يكن جباراً قوياً، فنه سيصبح ويصبح أعوانه، رمماً بالية، في حفر خالية، وسيبقى الله، وسينصر دينه، ويؤيد حزبه (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)
أيها (الشريف عدنان)! لاتغتر، قد ورثنا القصر، وورثت القبر، وهدمنا ما بنيت، وبنينا ما هدمت. . وما هدمت إذ هدمت، إلا مجدك في التاريخ، وأجرك في الآخرة. . .
مكة المكرمة
علي الطنطاوي
стр. 8135
صديقي الكاظمي
للأستاذ الشيخ عبد القادر المغربي
رئيس المجمع العلمي بدمشق
قرأت في الرسالة (عدد٩٦) نعي شاعر العرب الأكبر الشيخ عبد المحسن الكاظمي ﵀. فألمت لفقده، وتذكرت سابق عهده، وقديم وده
وقد ذكر ناعيه من خبره: (إنه لاذ بكنف الإمام محمد عبده الذي ظاهر نعمه عليه. وإنه نكد عيشه بعد الإمام، فرضى بالكفاف من الرزق) فرأيت خدمة للتاريخ، وتوفية لحق الصديق، وتنويراً لسيرة حياته - أن أضيف إلى الجملة المذكورة ماله من اتصال بها، أو هو كالشرح يعلق عليها
عرفت الشيخ عبد المحسن في إدارة (المؤيد) لأول عهدي بالتحرير فيه. وهناك توثقت بيني وبينه عرى المودة، وأخذت أعرف من دخيلة أمره ما لا يعرفه سواي. وكان ذلك بعد وفاة أستاذنا الأمام بسنة ونيف
ومما أخبرني به أن الإمام ﵀ كان يتعهده في آخر كل شهر بعشرة جنيهات: يودعها غلافاً ثم تسلم إليه في داره من دون أن يشعر بما في الغلاف أحد. وبعد وفاة الإمام لم يجد مندوحةً عن السعي لدى الخديو في أن يكون له مرتب شهري من الأوقاف. فتوسط في هذا الأمر الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد. فكان الشيخ يراجع الخديو في تقرير الراتب، والخديو يأبى - كلما روجع بشأنه - إلا الرضخ له من مال الأوقاف بنحو خمسين جنيهاً؛ وكنت أذهب مع الشيخ عبد المحسن إلى الديوان فيقبضها. وقد تكررت هذه المعاملة المرة بعد المرة. والشيخ عبد المحسن في كل مرة يظهر التأفف من تناوله المعونة على هذه الصورة التي ما كان يراها تتفق مع كرامته وإباء نفسه. وكان يلح على الشيخ علي: تارةً بنفسه، وطوراً بواسطتي - أن يكلم الخديو في تعيين راتب شهري مقطوع: (عشرة جنيهات فقط) يربحه بها من عناء التوسط ومكابدة المعاملات الديوانية وان انتساب الشيخ الكاظمي إلى الإمام المفتي إن كان من شأنه أن يحدث فتوراً نحوه في نفس الخديو، فما كان قط ليحدث مثل هذا الفتور في نفس الشيخ على يوسف. فكنا ننزه الشيخ علياً عن وصمة الفتور، لكننا كنا واقفين وقفة الإيجاس من حالة الخديو عباس
стр. 8136
ثم ضاق الشيخ عبد المحسن بالأمر ذرعا، فكلفني أن اخذ من الشيخ علي وعدا بإنجاز المسألة مع الخديو: أما سلبا يريح النفس أو إيجاباً يزيح العلة
فتركت الشيخ عبد المحسن في غرفة التحرير، ودخلت على الشيخ علي، وبلغته الرسالة، وكان يصحح مقالةً للطبع. فترك القلم من يده، وتنفس الصعداء ثم قال: ماذا أصنع يا أستاذ؟ أنهيت القضية أمس مع الخديو، ووعد وعداً أكيداً بإصدار أمره بتعيين الراتب، وقد شكرت له وخرجت من عنده. لكنني لم أكد أبرح الباب حتى دخل عليه بعض الناس (ولم يسه لي) فقال للخديو: رأيت فلاناً خارجاً من عندك، فماذا يبغي؟ قال: قررنا راتباً للشيخ عبد المحسن الكاظمي. قال: أنسيت أنه الشاعر المفتى، وقد قال فيه من الشعر كذا وعرض فيك بكذا وكذا؟
قال الشيخ علي: فما كان من الخديو إلا الشح برفده والنكول عن وعده
فلما وعيت هذا رجعت إلى الشيخ الكاظمي، فأخبرته الخبر، فتأثر جد التأثر، وقال لي: أتعرف من هو بعض الناس؟ قلت: لا. قال: هو أحمد شوقي
وكنت إلى ذلك الحين لم أعرف سعادة أحمد شوقي بك ﵀، ولا اجتمعت به، وإنما لقيته بعد ذلك في إدارة المؤيد وقد طلب من الشيخ علي أن يراني فتلاقينا وتعارفنا
ثم قال لي الشيخ عبد المحسن: وما الحيلة الآن يا أستاذ؟ قلت: تحسين العلاقة مع أحمد شوقي بك، ففارقته على نية اللقاء في وقت نذهب فيه إلى (كرمة ابن هانئ)، وكانت الكرمة بنيت، حديثاً فذهبنا إليها وأرسل الشيخ عبد المحسن بطاقته إلى البك، فأجيب بأنه خرج، أما الشيخ عبد المحسن فقد أقسم أنه لم يخرج، وإنما أراد ألا يقابله
ومن ذلك الحين يئس من الخديو والراتب. وفوض أمره إلى الله. ثم لما اشتد به المرض، ولازم داره في (درب الكحكيين) جعلت أتردد إليه فيها، وكنا نقضي ساعات في الحديث ورواية الشعر ومطارحة الأدب وأخبار الأدباء، وخاصة أدباء العراق من الشيعة، وقد لخصت بعض أحاديثه عنهم في أملية العدد الصادر في ١ يوليو سنة ١٩٠٧ من (آمالي الأدب) التي كنت أنشرها في (المؤيد) من وقت إلى آخر
وكان الشيخ عبد المحسن يخص بإعجابه من بين شعراء العراق (إبراهيم الطباطبائي النجفي) الذي جمع بين جودة الشعر وحسن الإنشاد ورخامة الصوت، وهو الذي يقول في
стр. 8137
صغيريه حسن ومحمد من قصيدة:
أما وضوء الأبيضين لأنتما … قمراً سعودي في الليالي السود
ما أنتما إلا كقرطي غادةٍ … يتذبذان على خدود الخود
وتأخرت عن زيارة (الكاظمي) أياماً فكتب إلى بهذه الأبيات:
يا من تخّيرتُه دون الرفاق أخاً … ألقى به عادياتِ الدهر والأزما
ُعد مدنفاً كاد يُملي جسمه سَقم … لعل قربك منه ُيبعد السقما
إذا ألمتْ به غماءُ جائحة … فنور وجهك عنه يكشف الغما
كم منة لك طول الدهر في عنقي … مازلت أذكرها أو أسكن الرجما
وقوله (الأزما) بكسر الهمزة وفتح الزاي جمع أزمة بمعنى الشدة والضيق، وهو جمع نادر. ومنه قولهم في جمع (بدرة) (بدر) ولم آسف على شيء أسفي على خبرين كان حدثني بهما فلم أستقص تدوينها في مذكراتي عنه
(الأول) ما وصفه لي من نشأته الشعرية تحت إشراف أخيه الأكبر، وكانت دار أخيه (في بغداد أو الكاظمية) مثابة لشعراء الشيعة وأدبائهم. فكان الكاظمي الحدث يطارحهم الأدب ويسابقهم إلى قرض الشعر، وكان أحياناً يجيد إجادة يعجب بها القوم ويهتز لها أخوه طرباً وسروراً. وأنشدني قطعاً من شعره قالها لمناسبات عرضت في تلك الاجتماعات فاتني تدوينها مع المناسبات التي قيلت فيها
(الثاني) ما وصفه لي من إلحاح الفاقة عليه في بعض الأيام حتى أنه سأل تاجر الدجاج الذي كان يبتاع من دجاجه أن يصف له طريقته في تفريخها وتغذيتها والقيام عليها ليعتاش هو من وراء ذلك. فوصفها الرجل له. وحاول أن يجربها، ففعل. وأصبح عنده ألوف من الفراريج. وكان يعتني بها ويطعمها الأرز، لكنه لم ينجح في تجربته، وكانت الخسارة عليه عظيمة. قال: وما كان يخطر لي قط أن الكتاكيت سريعة العطب، رقيقة المزاج إلى هذا الحد. وأنها إذا لم يتدبر صاحبها أمرها بانتباه وفرط حيطة، ومراعاة الأصول في تغذيتها وتدفئتها لا يبقى من الألف منها سوى بضعة عشر كتكوتاً
وكان في سرده لهذه الحادثة استقصاء دقيق، ودرس اقتصادي عميق، وفكاهة تسري عن النفس البائسة كآبتها، وتعيد إلى الأسارير العابسة بشاشتها
стр. 8138
ولما زرته في السنة الماضية مع صديقي الأستاذ (الهراوي) في داره بمصر الجديدة ظننت أنه يمكنني محادثته بشأن كتاكيته، فلم أصادف من صحته ونشاطه ما يساعد على الكلام في هذا الموضوع، وإنما اقتصر حديثنا على وصف المسرة بتلاقينا بعد نحو ثلاثين سنة من تنائينا
والكاظمي ينظم الشعر على طريقة شعراء عرب الجزيرة من حيث متانة الأسلوب وجزالة الألفاظ، وربما امتاز عن كثيرين منهم يخلو شعره من المعاظلة والتعقيد والأغراب
وكما أنه تفوق على شعراء زمانه بهذه الطريقة الفحلة نراه امتاز عنهم أيضاً في أنه يرتجل الشعر ارتجالاً غاية في السلاسة لا جمجمة فيه ولا تلكؤ. وإذا إرتجله وقع شعره المرتجل في قالب طريقته الشعرية المطبوعة، أي إنه مهما طال نفسه في الارتجال جاء شعره المرتجل موسوماً بطابعه الشخصي، متقاوداً مستوى المتون، لا تشاخس فيه ولا تفاوت؛ لا يخذل آخره أوله، ولا ينوء عجزه بكلكله، وهذا موضع الغرابة في ارتجاله. وربما لا يجاريه في هذه المزية إلا القليل من الشعراء الأقدمين بله المتأخرين من شعراء هذه الأيام
ومن ظريف أخبار بداهته ما اتفق لي معه: ذلك أنه زارني يوماً في إدارة المؤيد، فابتدره زميلي الصحافي المشهور سليم سركيس ﵀ بالعتب الشديد عليه لإغفاله تهنئته بزيه البلدي الجديد وكان من خبر هذا الزي أن (سليماً) تضايق من اللبوس الإفرنجي المحزق ولا سيما ياقة القميص المكوي، وربطة الرقبة (الكرافات) وشطاطها أو بكلتها التي كانت تمنعه الحركة وإدارة رأسه يمنة ويسرة وهو يحرر ويترجم والفصل فصل الصيف والحر حر القاهرة. فما كان منه إلا أن أعلن هجر ذلك الزي والزراية عليه، واصطنع لنفسه الزي البلدي: قفطاناً مشدود الوسط بالزنار، ويحيط أعلى القفطان بعنقه من دون الياقة ولا عرى ولا أزرار؛ وقد سدل فوق القفطان جبةً بلديةً مخصرة الوسط، فضفاضة الأذيال، سهلة الطي، سريعة اللي. وأعلن خبره هذا في الصحف المحلية مشفوعاً يرسمه العربي الأصيل، وزيه البلدي الجميل؛ وأخذ إخوانه المحررون - وهم كثر - يصفون خبره في صحفهم، والشعراء منهم يهنئونه بقصائدهم
وكان صديقنا (سليم) تعجبه طريقة الصحافي الأمريكي الكبير (برزباين) الذي يتخذ في موضوعات كتابته من الحبة قبة، فكيف لا يتخذ هو موضوعاً يلذ المصريين من القفطان
стр. 8139
والجبة؟
وكم مرة سمعته يقول: إنني أنا الكاتب الصحافي، وقد تلقيت فن الصحافة من سفري إلى أمريكا ومعاشرة صحفييها. أما زميلاي: (المنفلوطي) و (المغربي) فليسا صحافيين بالمعنى المقصود من كلمة الصحافة: المغربي كاتب عالم، والمنفلوطي كاتب شاعر
فلما دخل علينا السيد الكاظمي وأسمعه سليم عتبه عليه قال له:
ألِقُ دواتك واقربُ … وخذ أداتك واكتبُ
ثم جعل يرتجل شعراً في مدح سليم، ووصف زيه الجديد. يمليه عليه وهو يكتب. حتى إذا طال نفس القول اعترضته أنا قائلاً: أرى أنه سيكون لهذه القصيدة نبأ عظيم بين أدباء القاهرة، فلم لا يكون لي فيها ذكر وأنا ثالثكما وشاهد حادثتكما؟ فتحول الكاظمي عن (سليم) وأقبل علي، وخاطبني ببضعة أبيات من شعره المرتجل على وزنه وقافيته. ثم عاد إلى إتمام الكلام في سليم حتى أكمل قصيدة بلغت الثلاثين بيتاً فيما أذكر، وقد نشرها صديقي سليم في مجلته - سنتها الثانية أو الثالثة - وحكى القصة كما وقعت، لكنه ذهب إلى أنني، إنما اقترحت على السيد الكاظمي أن يذكرني في القصيدة امتحاناً له، واستيثاقاً من أمر ارتجاله. رحم الله (الكاظمي) وعوضنا الدهر منه ولا أراه فاعلاً
دمشق
المغربي
رئيس المجمع العلمي العربي
стр. 8140
ماذا يقولون عنا؟
العالم الإسلامي
فرنسا وشمال أفريقية
ترجمة مقال نشرته مجلة (لموا) لكاتب فرنسي مطلع
العالم الإسلامي:
العالم الإسلامي إمبراطورية واسعة تنقسم كالعام المسيحي إلى عدد كبير من الممالك التي تجمعها عقيدة مشتركة ويفصلها اختلاف الجنس والموقع الجغرافي والنظام السياسي. وهذه الممالك تتفاوت درجات تقدمها الاقتصادي والفكري تفاوتاً شديداً. ففي نجد وملحقاتها التي تسمى الآن المملكة العربية السعودية لا تزال تسود حياة القبائل الرحل، بينما نجد تركيا والبلاد التي تحت الانتداب الفرنسي والبريطاني وأفريقيا الشمالية قد بلغت الآن درجة رفيعة في مدينتها الصناعية.
نهضة العالم الإسلامي:
ولقد كان من نتيجة احتكاك هذه الممالك بالمدينة الحديثة أن دخلت كلها في دائرة النشاط العالمي بعد أن كانت بعيدة - مع تفاوت درجات هذا البعد - عن تيارات التعامل الكبرى. وذلك هو ما يمكن أن نسميه نهضة العالم الإسلامي، ويقصد بها نفس ما قيل عن نهضة الصين. ولقد عجلت الحرب الكبرى هذه الحركة بصهرها شعوب العالم في الأتون الجهنمي، فقد كان لهذه الحرب نتيجتان - على الأخص - غير منتظرتين ولكنهما كانتا عظيمتي الأثر؛ إذ منحت اليهود وطناً قومياً في فلسطين فتحقق بذلك الحلم الذي كان يسعى وراءه بنو إسرائيل منذ تخريب بيت المقدس على يد عام ٧٠م. ثم حررت العالم العربي من الحكم التركي
وبعد الحرب سارت نهضة العالم الإسلامي بخطوات سريعة لأن المحاربين وجدوا أنفسهم مضطرين كيما يصلحوا الأضرار التي أصابتهم إلى أن يوسعوا تجارتهم ويجدوا للحصول على أسواق جديدة، فكان استغلال المناجم وأعمال الري وبناء الطرق والسكك الحديدية
стр. 8141
والسيارات والطيران وبعبارة موجزة (كل المعدات الحديثة للدول الشرقية التي تقوم على قدم وساق وتعمل على تغيير أحوال معيشتها تغييراً عميقاً) ولقد انقلبت دار الصناعة رأساً على عقب وهي التي عليها تقوم حياة البلاد الاقتصادية. وذلك بسبب طرق الصناعة الحديثة ومنافستها. ففي عام ١٩٣٢ كانت المنسوجات اليابانية تعادل ٧٠ % مما في أسواق العراق، وفي سوريا توقفت صناعة النسيج وكان في ذلك القضاء الأخير على دور دودة القز
ولقد نتج عن ذلك كثير من ضروب العراك بين المعتقدات والعوائد الماضية، وبين الأفكار والمستلزمات الجديدة. فلا تزال المساجد مركزاً للهياج السياسي، ووسط جزيرة العرب لا يزال متمسكاً بالقانون الديني التقليدي الذي يقول بقطع يد السارق، والجماهير لا تزال في كل مكان شديدة التأثر بخطب المهيجين. على أن نخبة القوم في مصر وسوريا والعراق يهجرون شيئاً فشيئاً الدراسات الدينية، ويوشك أن يزول أثر الإسلام في شئون الحكومات. وبالرغم من ذلك فقد أثار تحرر تركياً من سيطرة الدين كثيراً من الاضطرابات. على أن ضروباً من التقاليد المقدسة قد أمحت الثقة بها، وثل ذلك أعمال الدراويش في حلقات الذكر. ومن ناحية أخرى فإن مسألة القبعة وإن لقيت تقدماً بطيئاً نجد مشكلة حجاب المرأة لم يطرأ عليها تغير ما بالرغم من الثورة التركية. أما الخلافة فليس لها الآن إلا عدد قليل من الأنصار إذا استثنينا الهنود
في وسط هذه الحركات المختلفة نرى اتجاهين رئيسيين كانا نتيجة لتقدم السكان ورقي البلاد: اتجاه توحدي واتجاه قومي
الاتجاه التوحدي:
إن الاتجاه التوحدي يستمد قوته من النهضة العامة للضمير الإسلامي، ومن شعور هذه الممالك باشتراكها من حيث الأصل. وهذا الشعور يقويه مكافحة الغرب وكره الأجنبي. ومن هنا قامت كل هذه الهيآت والمؤتمرات التي تحاول جهدها أن تربط جميع الشرقيين على اختلاف طبقاتهم وأديانهم وممالكهم لتوجههم إلى غرض واحد هو الاتحاد ومقاومة الأجنبي. ولاجتماعات المسلمين في الظاهر صفة دينية على الأخص. وهي بغية الوصول لتحقيق فكرة الجامعة الإسلامية، لكن فكرة مؤتمر مكة قد أهملت دون أن يصيبها النجاح
стр. 8142
(في عام ١٩٣٠ وعام ١٩٣١) ويؤكد بعضهم من جهة أخرى أن عدد الحجاج الذين يذهبون إلى مكة قد هبط من ١٢٠ألفاً في عام ١٩٢٩ إلى ٩٠ألفاً في عام ١٩٣٠ و٧٠ ألفاً في عام ١٩٣١ و ٣٠ ألفاً في عام ١٩٣٢ ومن ٢٠ ألفاً إلى ٢٥ ألفاً في عام ١٩٣٣ ولم يأت من مصر إلا ألفان من الحجاج عام ١٩٣٣ وليس للأزمة الاقتصادية إلا أثر جزئي في هذا الهبوط
والواقع أن فكرة الجامعة الإسلامية تصطدم باستحالة توجيه ثلثمائة أو أربعمائة مليون من المسلمين. كما أن الفكرة الدينية لا تكفي لربط العالم الإسلامي وحفزه. وهناك برهان مادي على صدق هذا القول وهو فشل فكرة الخلافة: (ففكرة الخلافة التي تقاومها السلطات التركية باستمرار في كل المناسبات يظهر أنها قد ماتت تماماً في الوقت الحاضر في البلاد العربية. ولقد أعلن الملك عبد العزيز بن سعود نفسه وهو يستقبل الحجاج في مكة أنه لم يجر ولن يجري مطلقاً وراء لقب خليفة المسلمين. فالخليفة يجب عليه مراقبة أوامر الدين ونواهيه في كل أجزاء الأرض. وفي عصرنا الحاضر لا يوجد رجل قادر على أن يضطلع بهذا الأمر. وعلى ذلك فإن النهضة الدينية في الشرق الإسلامي يمكن اعتبارها (رد فعل) في سبيل الدفاع السياسي أكثر منها بداية نهضة. فالإسلام هو الآن قوة لمكافحة الاستعمار الغربي واليهودي، لكن أثره في حياة الحكومات يفقد تدريجياً خطره الذي كان له في الزمن السابق. ويجب أن نضيف أيضاً أن مما يتفق وتاريخ المدينة الإسلامية ما نراه الآن من تقدم حركة دينية قوية ترمي إلى توحيد قوى قسمتها السياسية، وإقامة جبهة صلبة ضد الغرب) ومنذ عهد قريب تبذل الجهود لبعث النشاط الإيجابي في كل عضو من جسم العالم الإسلامي
ولقد نتج عن الحبوط (النسبي) لفكرة الدينية أن اتخذت كل الحركات المبذولة في سبيل الوحدة صبغة سياسية. وقد قوى تقدم الحركة الصهيونية في فلسطين الشعور بواجب الدفاع عن بيت المقدس وهو المدينة المقدسة الثانية للعالم الإسلامي. وفي أثناء عام ١٩٣١ دعا المفتي الأعظم إلى المؤتمر الذي عقد في ديسمبر، (وكان الغرض من هذا المؤتمر يبدو أولا دينياً محضاً: وهو التعاون الإسلامي ونشر الثقافة الإسلامية ومقاومة الإلحاد، والدفاع عن الأراضي المقدسة، والمحافظة على التقاليد، وإنشاء جامعة علمية في بيت المقدس،
стр. 8143
وبحث حالة سكة حديد الحجاز) والواقع أنه لم يكن المحافظة على البرنامج المبدئي. فقد كان من اللازم التوسع فيه حتى يستطيع أن يعالج أيضاً موضوعات مختلفة تهم حالة الشعوب الإسلامية من الناحيتين السياسية والثقافية. وبالرغم من ذلك فإن سلطة المؤتمر قد ضعفت لغياب الممثلين الرسميين لمصر والعراق ونجد، وبتأكيد الحكومة التركية عداوتها لكل سياسة داخلية أو خارجية (تستخدم الدين كوسيلة سياسية)، وفي بيت المقدس نفسه أعلن الحزب المعادي للمفتي الأكبر أن الرؤساء المسلمين لم يؤيدوا المشروع إذ لم يؤخذ رأيهم فيه
الجامعة العربية:
ومنذ الحرب الكبرى، أو بعبارة أخرى منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية تتخذ الحركة التوحدية صبغة جديدة. فالجامعة الإسلامية قد تحولت إلى توسع استعماري عربي. إذ حلت محل الفكرة الدينية التي حاق بها الضعف فكرة الوحدة الثقافية: أي وحدة البلاد التي تتكلم اللغة العربية، والتي يبلغ مقدارها ٧٠ مليوناً، ولقد بذل منذ نصف قرن على الأخص مجهود في سبيل اللغة - لم يكن الغرب يشك في قوته - كان له أثر في تغيير الحالة الثقافية للبلاد العربية لدرجة أنه لم يعد من السهل المقارنة بين اللغة القومية واللغات الأجنبية من جهة، وبين البلاد العربية وأفريقيا الشمالية من جهة أخرى. وفي منتصف القرن التاسع عشر كان السكان الذين يتكلمون اللغة العربية في الشرق الأدنى وخصوصاً في سوريا وفلسطين يعتمدون على المصادر التي لا بأس بها في لهجاتهم الدارجة، وكانت اللغة الفصحى غير كافية، ولم تكن تؤدي الحاجة الضرورية. لذا كان من اللازم الالتجاء إلى اللغات الأجنبية كالفرنسية والإنجليزية والتركية واليونانية والروسية ولقد غيرت هذه الحالة تغييراَ عميقاَ بخالق لغة فصحى حديثة. وكان مركز الحركة في دمشق وفلسطين وبغداد. وكان جعل التعليم العام باللغة العربية الفصحى الحديثة في كل البلاد الشرق الأدنى مما ساعد بطريقة أكثر تحقيقاً للغرض على التقليل المسافات التي تفصل لغة الكتابة عن اللغة الدراجة. وتبين الإحصاءات المدرسية التي نشرت في السنين الأخيرة في مصر وسوريا ولبنان والعراق وفارس أن عدد طلبة المدارس قد أزداد بعد الحرب في معظم هذه البلاد ٣٠٠ إلى ٦٠٠ %
стр. 8144
وفي ظل هذه الأشكال المختلفة التي تبدو بها حركات الجامعة الإسلامية والجامعة العربية قام عمل متوصل لتعديل الالتزامات المالية والاقتصادية والسياسية التي عقدتها أو فرضتها البلاد الغربية. وهذأ التعديل يصعب على الأخص في بعض البلاد مثل فلسطين حيث يتقابل وجها لوجه العنصران اليهودي والعربي اللذان حررتهما الحرب. ولقد استطاعت الحكومة البريطانية أن تتحاشى حتى الآن (الانفجار القوي الذي كان يحق للمرء أن يخشاه. . . وعلى الرغم من اضطرابات أكتوبر عام ١٩٣٣ كانت مما يوجب أشد الأسف فقد تبدو حركة ضئيلة إذا قارنها باتساع مأساة الكفاح بين الصهيونية والقومية العربية)
الاتجاه القومي:
والاتجاه الضروري الآخر الذي يبدو في البلاد الإسلامية هو الاتجاه القومي، وهو يظهر بشكل أقوى في أفريقيا الشمالية، والواقع أن (البلاد العربية) تفكر تفكيراً غامضاً في الوحدة، أي في تحقيق أمة عربية. بينما تجد بلاد أفريقيا الشمالية تظهر الرغبة من تلقاء نفسها - كمصر مثلً - في أن تبقى أمماً مستقلة. والواقع أن حوادث العراق وفلسطين يصل صداها مباشرة إلى دمشق، كما أن اليمن - على رغم اختلاف الجو والحياة المادية والعقائد الدينية - قد تكون من الناحية السياسية أقل بعداً عن سوريا من بعد مراكش عن الجزائر
أفريقيا الشمالية:
إن حوادث أفريقيا الشمالية قليلة وغير معروفة. وهي بذلك تترك المجال للأقاويل التي تدخلها الأغراض، وللحملات الصحفية التي تصول فيها الشهوات السياسية لأحزاب اليسار واليمين. ولا تزال المعلومات في الوقت الحاضر سيئة للغاية فيما يتعلق بالاضطرابات التي حدثت أثناء الحرب في مراكش والجزائر وتونس، ومع ذلك فإن مسألة باتنا لا تزال على حرارتها حيث فقد هناك وكيل المديرية حياته
ولتعويض الأعمال المجيدة التي قامت بها الفرق الوطنية في ساحات القتال أثناء الحرب العظمى منحت حكومة كليمنصو سكان أفريقيا الشمالية وعودا لم تنفذ لسبب من الأسباب، ولقد اعترف المقيم العام مسيو بيروتون للنائب الاشتراكي مونيه فقال: (الواقع أن من
стр. 8145
سبقوني قد تركوا الحبل كله على الغارب. ولقد وجدت من اللازم أن يصلح كل شئ من جديد سواء من جهة الخطة السياسية أو من جهة الخطة الاقتصادية)
وقد كان مسيوب. هيريكور يجمع هذه الشكوى التي تقول: (ألا تعتقدون أن أولئك الذين هم منا والذين دفعوا ضريبة الدم ليس لهم بعض الحق في أن يتألموا لكرامتهم حيت يرون أنفسهم يعاملون معاملة الأهل الضعفاء وسط الجالية الفرنسية ذات الصدر الواسع بالنسبة للإيطاليين والأسبان والمالطيين بل وحتى الألمان؟) وبالرغم من اختلاف وجهات النظر الذين ينتقدون السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا فإنهم متفقون على أنه ليست هناك وحدة ما في إدارة الجزائر وتونس ومراكش. ولقد حدثت محاولة واحدة بعد الحرب للوصل بين هذه الأدارات، على أنها لم تتلها أخرى. وهذا هو أحد أسباب الضعف الخطير أمام ثورة الجامعة الإسلامية والجامعة العربية، ويضاف إلى ما سبق أن أعباء دولية تثقل تونس لأن السياسة الإيطالية ما تزال على نشاطها، وتثقل مراكش لأن للمصالح البريطانية أهميتها. ومن الآن يظهر أن إنكلترا سوف تطلب تعويضاً من مراكش الإسبانية عند احتمال تركها لجبل طارق
اضطراب شمال أفريقيا:
في خلال عام ١٩٣٤ قامت في تونس والجزائر ومراكش سلسلة من الحوادث والاضطرابات والثورات يجد المرء تفصيلاتها في مجلة (أفريقيا الفرنسية) التي بينت في عدد سبتمبر أخطاء حكومة الجمهورية بقولها: (عندما تكونت الجبهة المعادية لفرنسا بشكل كتلة عربية، كانت تقابل على الدوام بسياسة تشتيت الجهود والمجاهرة بالعداء للأقاليم الفرنسية وتصديق الأخبار الكاذبة الخاصة بحالة هذه الأقاليم. . . إن المسئولية الكبرى فيما يتعلق بحالة القلق في شمال أفريقيا ترجع إلى باريس، فحكومة الجمهورية تغمض عيونها عن المطالب الشرعية التي تقتضيها الحالة الاقتصادية في شمال أفريقيا، ويجب ألا ننسى أن أفريقيا الشمالية قد أصبحت العنصر الأساسي في حياة الجمهورية الاقتصادية)
في الجزائر:
إن الجزائر هي مركز المصالح الفرنسية والنشاط الفرنسي في شمال أفريقيا. فإذا هدد
стр. 8146
المركز عرض كل شئ في تونس ومراكش للخطر. وقد قال أحد العلماء الذين هم على جانب كبير من الخبرة في هذه المسألة ما يأتي: (إن أهمية الجزائر لفرنسا أكثر من أهمية الهند لانجلترا، لكن الواقع أن الهند بالنسبة للإمبراطورية البريطانية مصدر قوة، بينما الجزائر تصبح من حيث القوة أمة من الدرجة الثانية)
ولقد كانت الحوادث الدموية التي شبت في الخامس من أغسطس شيئاً جزئياً استغلته الأحزاب السياسية. فصحافة اليسار قالت إنها حركة موجهة ضد اليهود، بينما اعتبرت صحافة اليمين مرسوم كرميو الذي يمنح عدداً كبيراً من اليهود الجنسية الفرنسية عملاً إجرامياً. والواقع أن مرسوم كرميو لم يقابله المسلمون عند إعلانه مقابلة سيئة، والربا هو إحدى النكبات الكبرى التي تضني الجزائر، وهو مهنة نمت على يد اليهود الجزائريين، ولكنها الآن تسير بنجاح في شمال أفريقيا بواسطة أفراد ليسوا من اليهود. هذه الضروب المختلفة من الشطط تعرض للخطر شيئاً فشيئاً أبناء المستعمرات الفرنسية وفرنسا نفسها. وإذا أضفنا إلى ذلك أثر الأزمة الاقتصادية كان لابد لهذه الحالة من أن تنتهي بالمذابح. ومن الغريب أن الحكومة التي من واجبها السهر على النظام والعدالة والرخاء لا تجد إلى الآن وسيلة لوضع نظام للأقراض يضع حداً للسلف الصغيرة التي كانت أول ما اهتمت به الحكومة الإنجليزية في مصر
السياسة البربرية:
يعيش في أفريقيا الشمالية مليون من الفرنسيين لا يمكن أن
يتركوا وسط عدد من السكان الوطنيين يبلغ اثني عشر مليوناً.
فيجب أن توجد طريقة للتوفيق بين فريقين مختلفين حتى
يستطيعا الحياة. ولقد حاول بعضهم إيجاد سياسة خاصة ببلاد
البربر يقصد بها خلق العداوة بين أهل هذه البلاد وبين العرب
وذلك عملاً بالمبدأ القائل: فرق تسد. وبناء على تقرير مسيو
стр. 8147
ماسينيون السنوي يوجد ٢٩ % من البربر في الجزائر، و٦٠
% في مراكش، و١٢ % في تونس. على أن الالتجاء إلى
سياسة بذر الشقاق لم تأت كما سمعنا بإحدى النتائج المنتظرة.
ولقد كان ظهير عام ١٩٣٠ مبعث الاضطرابات التي انبعثت
من ذلك الوقت في مراكش؛ ومؤهلات المسلمين في شمال
أفريقيا تحتم أن تكون الثقافة هناك عربية محضة. وعلى ذلك
فالقوانين في بلاد البربر بدائية، وبعبارة أخرى متأخرة جداً
بالنسبة للقوانين في سائر البلاد الإسلامية فالمرأة مثلاً بموجب
القوانين في بلاد البربر سلعة من السلع، وهي تعتمد على
والدها الذي يستطيع أن يبيعها، وعلى زوجها الذي يملك
طردها، وعلى أشقائها الذين يمكنهم إنزال العقاب بها. لذا كان
من الوهم الاعتقاد بأن البربر يستطيعون أن يصبحوا فرنسيين
دون أن يصلوا أولا إلى ما وصل إليه المسلمون. وتطبيق ما
يسمى السياسة البربرية لا يمكن أن ينتج غير بقاء الاعتقادات
البالية واستمرار العادات الماضية
المعارضة الوطنية:
يكاد ينحصر البربر المقيمون بالجزائر في بلدة قابلية وقد اقترح إنشاء إقليم رابع لهم، على أن هناك عوائق لابد من انتظار حل لها، وهي أن التعليم غير كاف، وسكان
стр. 8148
المستعمرات لا يتعلمون العربية، كما أن هناك هوة تزداد تدريجياً بين الفرنسيين وأهل البلاد. ولقد كان هؤلاء مخلصين حتى عام ١٩٣٠ وخصوصاً المتعلمون الجزائريون وعددهم ٢٠ ألفاً. ويرى أكفأ الخبراء أن عدم السماح لهم بالتجنس بالجنسية الفرنسية كان خطأ بيناً. ولكن هل هذا صحيح؟ إننا لا نستطيع أن نعطي رأياً قاطعاً. على أن الواقع أن الاحتفالات بمرور مائة عام على احتلال الجزائر لم تحمل لأهل البلاد إلا خطباً فارغة. ومنذ أربعة أعوام لم يتحقق إصلاح واحد من الإصلاحات التي طلباها أو وعد بها أهل البلاد. ولذا ابتدأت المعارضة وشجعتها الأزمة الاقتصادية. فحمل (الوفد)، وهو الحزب الوطني، إلى باريس شكواه من الحكومة العامة، وأحيت جمعية العلماء المسلمين الثقافة العربية بين جماهير الشعب. والنتيجة أن سكان المستعمرات يزداد قلقهم تدريجياً، وأهل البلاد يتفاقم تذمرهم، والحكومة المركزية لم تصل إلى تسوية الحالة
في تونس:
إن معلومات الصحافة عن الاضطرابات التي قامت في سبتمبر عام ١٩٣٤ سيئة. وقد شكت مجلة (أفريقيا الفرنسية) من (العقبات التي تصادفها الأخبار الواردة من تونس) في النصف الأول من شهر سبتمبر. وفي أوائل يونيو أكد البيان الرسمي للجنة المستعمرات في مجلس النواب أن تونس (تسير في الطريق السوي) وبعد ذلك بشهر عرف أن الجرائد (الخطرة) قد عطلت، وأن تذمراً هائلا يسود الموظفين والعمال والفلاحين. وإن السكان الوطنين محرضون على الامتناع عن دفع الضريبة. ومن الجلي أن المتطرفين من الدستوريين الحديثين يريدون بذلك التغلب على الأحرار الدستوريين. وفي ٣ سبتمبر اتخذ المقيم العام عقوبات صارمة. فتكاثرت الحوادث وقامت المظاهرات الصاخبة أمام دار المقيم، وأغلقت الحوانيت وحدثت الاضطرابات، وهوجمت الفرق الحربية وشبت الحرائق. وحدث في موكنين حادث خطير نسبياً حيث هاجم الثائرون عساكر البوليس، فعطلت الجرائد المتطرفة
ولا يكفي أن تلقى تبعة اضطرابات شمال أفريقيا على الدعاية الشيوعية. فالواقع أن التذمر العام له أسباب محلية أكثر عمقاً، هي أسباب سياسية واقتصادية. لكن الواضح أن اضطراب البلاد الاقتصادي والفكري قد استغلته الدعايات الخارجية من الشيوعية وغيرها.
стр. 8149
والحقيقة أن المقيم العام في تونس أعلن في ١٤ سبتمبر قرارات لغرض تسوية الديون الزراعية وتعطيل الإجراءات القضائية ووقف الحجوز. وعهد إلى خمس لجان تحكيم بحث موقف المدينين المعسرين. وأعظم نقص في السياسة المتبعة في تونس أنها تتحول مرة واحدة من لين شديد إلى قسوة شديدة. فهناك يباح كل شطط يرتكبه المرابون ونقابات الموظفين إلى أن يأتي يوم تجد فيه الحكومة نفسها مرغمة على الالتجاء إلى الشدة. وتلك هي السياسة المرتكبة التي مآلها الفشل العظيم
في مراكش:
ومراكش ليست محرومة هي الأخرى من الفضائح، فهناك حكاية حي مراكش المحجوز أو - من الناحية الاقتصادية - المضاربات على القمح الذي قدر بستة وثلاثين فرنكا، واشترى بخمسة وعشرين، ثم بيع ثانية للرباط بمائة وعشرة فرنكات مع كل ضروب المجاملة التي يؤسف لها.
ويظهر أن حكومة المقيم العام قد أخذت تشعر، ولكن - كما تقول مجلة أفريقيا الفرنسية - (إذا لم تحقق هذه الآمال وخصوصاً القضائية والمالية فلا بد من عودة الأيام العسيرة)
النتيجة:
والنتيجة أن شمال أفريقيا يعاني نقصا في وحدة الإدارة، وكذلك يعاني - كحكومة الجمهورية - نقصاً في السلطة. وهو يعاني أيضاً من نظام الإنتاج والتبادل الذي يرتكز كما هو واضح على مذهب الحرية. والواقع أن تدخل السياسة في الأعمال ينتج أثرين: يساعد المصالح الخاصة على حساب المجموع، ويعارض تطور القوانين اللازم منذ الحرب. إن من الواجب وجود توازن بين حقوق حكومة الجمهورية وآمال أهالي البلاد؟
ع. ك
стр. 8150
استدراكات وتصويبات
١ - اطلعت في العدد ٩٦ من (الرسالة الغراء) على المقال البحاث المؤرخ السيد محمد عبد الله عنان عن (الحاكم بأمر الله) فرأيته يسمى صاحب (مرآة الزمان) (ابن قزأوغلي)، ولعل ذلك تصحيف وقع في الكثير من الكتب ككشف الظنون، والنجوم الزاهرة، والأعلام وغيرها، وصوابه (فرغلي) كما في نسخة قديمة من الوافي بالوفيات، ووفيات الأعيان لابن خلكان حيث نص عليه بما يوافق ما قاله الزبيدي في شرح القاموس، ويعلل بعضهم لصحة (قزأوغلي) بأنه ابن البنت في اللغة التركية، وغفل عن أن ابن البنت هو السبط نفسه لا أبوه (فرغلي)، كما ترى ذلك مبسوطاً في شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد) في ترجمة سبط ابن الجوزي يوسف بن فرغلي صاحب مرآة الزمان وغيرها
٢ - وورد في العدد نفسه من (الرسالة الجليلة) في (باب القصص) مقالة فيها (قبرص) بالصاد، وهو غلط فاش بين الناس غالب على أقلامهم، وصوابه (قبرس) بالسين كما قيده ياقوت في معجم البلدان والفيروز إبادي في القاموس وغيرها
٣ - وتقدم في عدد سابق من (الرسالة) أيضاً الكلام على المدرسة (السميساطية) في دمشق الشام فجاءت محرفة، وهي تنسب إلى أبي القاسم السميساطي حيث كانت داره فوقفها على الفقراء المؤمنين والصوفية ووقف علوها على الجامع الأموي الملاصق لها، وسميساط بضم السين للهملة الأولى وفتح الميم والسين الثانية بينهما مثناة تحتية وآخره طاء مهملة بلد بالشام. وواقف المدرسة المذكورة كان من أكابر الرؤساء والمحدثين بدمشق، بارعاً في الهندسة والهيئة، صاحب حشمة وثروة واسعة، عاش ثمانين سنة وتوفي سنة ٤٥٣ كما في شذرات الذهب ومعجم البلدان وغيرها
أبو أسامة
стр. 8151
أبو سيلمان الخطابي
٣١٩ - ٣٨٨ هـ
بقلم برهان الدين محمد الداغستاني
إذا تصفحنا كتب غريب الحديث المؤلفة بعد القرن الرابع الهجري أو قرأنا شرحاً من شروح كتب الحديث المشهورة - وجدنا اسم الخطابي ورأيه بارزين واضحين، يكفي لمن يريد تأييد رأي على آخر أن ينقل عن الخطابي ما يؤيده كما يكفي من يريد الاحتجاج على أمر أن يذكر رأي الخطابي فيه حتى يتم له ما أراد
وقد درج الكثير من المؤلفين والرواة عنه على الاكتفاء عند ذكر اسمه بالخطابي، وسواء أكان اقتصارهم هذا لشهرته عندهم أم لعدم معرفتهم اسمه الحقيقي، فقد كان سبباً من أسباب الخلاف الطويل حول اسمه الذي سمي به
وقد خدم الخطابي ﵀ اللغة العربية وعلم الحديث بنوع خاص - بما كتبه في غريب الحديث وإصلاح خطأ المحدثين وشرحي البخاري وسنن أبي داود خدمة جليلة فوق ما كتبه في فنون أخرى. حتى لقد أصبحت كتبه من بعده مصادر لمن أتى بعده يأخذ منها ويعتمد عليها، غير أن أكثر كتبه مفقودة الآن لا يعرف غير أسمائها ككثير من كتب الأقدمين من علمائنا الأعلام وسأحاول - بقدر الإمكان - أن أصور للقارئ الكريم صورة واضحة جليلة لأبي سليمان الخطابي البستي في هذه الكلمة الوجيزة
اسمه ومولده ونسبه
هو حمد (بفتح الحاء وسكون الميم) بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي البستي، كذا ذكره النووي في طبقات الشافعية والحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ وعبد الجبار الهروي في تاريخ هراة والحاكم ابن البيع في كتاب نيسابور وابن خلكان في وفيات الأعيان والسبكي في طبقات الشافعية وهو الصواب وعليه المعول، فقد سئل الخطابي نفسه عن اسمه فقال: (اسمي الذي سميت به حمد ولكن الناس كتبوه أحمد فتركته عليه)
ووهم الثعالبي في اليتيمة وأبو عبيد الهروي صاحب كتاب الغريبين والوزير المؤرخ جمال الدين القفطي في أنباه الرواة في أنباه النحاة حيث سموه أحمد
стр. 8152
ولد الخطابي في رجب سنة تسع عشر وثلثمائة بمدينة بُستْ (بضم الباء وسمون السين) وهي من بلاد كابل عاصمة الأفغان، بين هراة وغزنة، كثيرة الأشجار والأنهار، وكما اختلف الذين ترجموا في نسبته. إلى من هذه النسبة (الخطابي)؟ فياقوت في إرشاد الأريب (معجم الأدباء)، والسيوطي في بغية الوعاة، والسمعاني الأنساب يذكرون بأنه من ذرية زيد بن الخطاب بن نفيل العدوي آخى عمر بن الخطاب مقتصرين عليه، بينما ابن خلكان والسبكي والشيخ محمد الأنصاري البهنسي في الكافي يقولون: أنه منسوب إلى جد أبيه الخطاب، ثم يقولون: وقيل إنه من ذرية زيد بن الخطاب آخى عمر ﵁
شيوخه وتلاميذه
تفقه الخطابي على الأمام الجليل محمد بن علي بن إسماعيل القفال الشاشي الكبير والقاضي الإمام أبي علي بن أبي هريرة وسمع الحديث من أبي سعيد بن الأعرابي بمكة، وأبي بكر بن داسة بالبصرة، وإسماعيل الصفار ببغداد، وأبي العباس الأصم بنيسابور، وتأدب أخذ اللغة عن أبي عمر محمد بن عبد الواحد اللغوي المعروف بغلام ثعلب، وسمع من أحمد بن سليمان النجار، وأبي عمر السماك، ومكرم القاضي، وجعفر الخلدي، وأبي جعفر الرزاز وأخذ عنهم
وسمع من الخطابي وروى عنه الإمام الفقيه الشيخ العراق أحمد ابن محمد بن أحمد الأسفراييني، والحاكم أبو عبد الله محمد بن البيع النيسابوري، وأبو عبيد الهروي صاحب كتاب الغريبين، وعبد الغفار بن محمد لفارسي، وأبو القاسم عبد الوهاب بن أبي سهل الخطابي، وأبو نصر محمد بن أحمد البلخي الغزنوي، وأبو مسعود الحسين بن محمد الكرابيسي، وأبو عمر محمد بن عبد الله الزرجاهي وخلق كثير غيرهم
مكانته العلمية وثناء الناس عليه
كان الخطابي رحمه الله تعالى عالماً أديباً زاهداً ورعاً حسن التدريس والتأليف، إماماً في اللغة والفقه والحديث، ثقة متثبتاً من أوعية العلم، حجة صدوقاً من كبار أئمة الشافعية. رحل في طلب العلم إلى العراق فسمع ببغداد والبصرة والحجاز وجال خرسان وخرج إلى ما وراء النهر، كريماً يتجر في ماله الحلال وينفق على الصلحاء من إخوانه
стр. 8153
قال أبو منصور الثعالبي: كان يشبه في عصرنا بأبي عبيد القاسم بن سلام في عصره علماً وأدباً وزهداً وورعاً وتدريساً وتأليفاً إلا إنه كان يقول شعراً حسناً وكان أبو عبيد مفحماً
وقال أبو المظفر السمعاني: كان الخطابي حجة صدوقاً رحل إلى العراق والحجاز وحال خراسان وخرج إلى ما وراء النهر، وكان يتجر في ملكه الحلال ويتفق على الصلحاء من إخوانه. وقال أيضاً: كان من العلم بمكان عظيم وهو إمام من أئمة السنة صالح للاقتداء به والإصدار عنه
وقال الذهبي: كان ثقة مثبتاً من أوعية العلم قد أخذ اللغة عن أبي عمر الزاهد ببغداد، والفقه عن أبي علي بن أبي هريرة والقفال، وله شعر جيد
وقال ابن خلكان. كان فقيهاً أديباً محدثاً له التصانيف البديعة، وعدد كتبه ثم نقل عبارة الثعالبي المتقدمة
وقال ياقوت: قد أخذ العلم عن كثير من أهله ورحل في طلب الحديث وطوف وألف في فنون من العلم وصنف وقال النووي في طبقات الشافعية له: حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الفقيه الأديب أبو سليمان الخطابي البستي صاحب التصانيف المتداولة. قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ النيسابوري أقام عندنا بنيسابور سنين وحدث بها، كثرة الفوائد من علومه وقال الشيخ شرف الدين البهنسي في الكافي: ألو سليمان الخطاب من الأئمة الأعلام المجتهدين في قواعد الأحكام. كان ﵀ فقيهاً محدثاً أصولياً جمع بين الحديث والفقه، ومد في تحقيق العلم باعاً مديداً، وأحكم من مبانيه ركناً شديداً حتى قلد أعناق أهل العلم المنن
وأورد النووي في طبقات الشافعية هذه الأبيات الثلاثة:
أخ تباعد عني شخصه ودنا … معناه مني فلم يضعن وقد ضعنا
أبا سيلمان سر في الأرض أو فأقم … بحيث شئت دنا مثواك أو شطنا
ما أنت غيري فأخشى أن تفارقني … قد بت روحك يا روحي فأنت أنا
وقال إنها لأبي الفتح علي بن محمد البستي قالها في أبي سليمان الخطابي؛ وياقوت في معجم الأدباء ذكر البيتين الأخيرين هكذا:
أبا سليمان سر في الأرض أو فاقم … فأنت عندي دنا مثواك أو شطنا
стр. 8154
ما أنت غير فأخشى أن تفارقني … قدبت روحك بل روحي فأنت أنا
وقال إنهما من شعر الثعالبي في الخطابي. والظاهر أن هذه الأبيات من شعر الثعالبي فس شيخه وصديقه أبي سليمان، فقد كانت بينهما صلة وثيقة نلمسها في شعر الخطابي نفسه الذي يقوله في الثعالبي بعد مفارقته، فقد قال فيه:
قلبي رهين بنيسابور عند أخ … ما مثله حين يستقري البلاد أخ
له صحائف أخلاق مهذبة … منها التقي والنهي والحلم ينتسخ
وفاة ورثاؤه
أكثر الذين أرخوا وفاة الخطابي يؤرخونها سنة ثمان وثمانين وثلثمائة من غير تعيين يوم أو شهر، إلا أن الذهبي قال ليست في ربيع الآخر، والسبكي يقول في ربيع الآخر من دون تعيين يوم، وابن خلكان يقول كانت وفاته في شهر ربيع الأول وجاء في معجم الأدباء: نقلت من خط أبي سعيد السمعاني قال نقلت من خط الشيخ ابن عمر توفي الإمام أبو سليمان الخطابي ببست في رباط على شاطئ هندمند يوم السبت السادس عشر من شهر ربيع الآخر سنة ست وثمانين وثلثمائة، ومع اختلافهم في سنة وفاته على ما سبق ذكره فهم متفقون على أنه توفي ببست كما اتفقوا على أنه ولد فيها أيضاً
ولما مات الخطابي رثاه تلميذه وصديقه أبو منصور الثعالبي فقال:
انظروا كيف تخمد الأنوار … انظروا كيف تسقط الأقمار
انظروا هكذا تزول الرواسي … هكذا في الثرى تغيظ البحار
ورثاه أبو بكر عبد الله بن إبراهيم الحنبلي أيضاً فقال:
وقد كان حمداً كاسمه حمد الورى … شمائل فيها للثناء ممادح
خلائقٌ ما فيها معاب لعائب … إذا ذكرت يوماً فهن مدائح
تغمده الله الكريم بعفوه … ورحمته والله عاف وصافح
ولازال ريحان الإله وروحه … قرى روحه ما حن في الأيك صادح
تآليفه:
ليس الخطابي من المكثرين في التأليف لكنه من المجيدين فيما ألف. فمن تآليفه القيمة:
стр. 8155
١ - (معالم السنن) في شرح سنن أبي داود شرح فيه غريب اللغة وبين وجوه الأحكام التي تأخذ من الأحاديث الواردة في السنن وذكر أقوال العلماء وآراء الفقهاء بلفظ جزل، وأسلوب سهل، وعبارة موجزة، قال في مقدمته: (ورجوت أن يكون الفقيه إذا ما نظر إلى ما أثبته في هذا الكتاب من معاني الحديث ونهجته من طرق الفقه المتشعبة عنه دعاء ذلك إلى طلب الحديث وتتبع عمله، وإذا تأمله صاحب الحديث رغبة في الفقه وتعلمه)
٢ - (غريب الحديث) ذكر فيه ما لم يذكره أبو عبي ولا ابن قتيبة في كتابيهما وهو كتاب ممتع مفيد، في غاية الحسن والبلاغة
برهان الدين محمد الداغستاني
стр. 8156
٣ - شاعرنا العالمي أبو العتاهية
للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
ترجمته:
كان المسلمون حينما ثاروا ثورتهم على بني مروان ينشدون في بني العباس حكماً يعيد لهم عهد الخلفاء الراشدين، ويكون خليفتهم فيه كأحدهم لا يؤثر نفسه بشيء من أمور الدنيا عليهم، ولا يأخذ لنفسه من أموال الدولة إلا ما يفرضونه له منها، كما فرضوا لأبي بكر وغيره، فلم يحقق لهم بنو العباس كل هذا الرجاء، بل ظهروا بأبهة الملك التي كان يظهر بها بنو مروان، واستأثروا لأنفسهم بأموال الدولة، وجعلوها ملكاً لهم ينفقون منها في مصالح المسلمين ما تجود به أنفسهم، وما يبقى بعد حاجتهم، وحاجات أهل بطانتهم وحاشيتهم، وكذا أهل الملق من الشعراء والندماء ومن إليهم، ولم يحققون للمسلمين من كل ما أملوه فيهم إلا هذين الأمرين المهمين: المساواة بين الشعوب الإسلامية في حكم الدولة، وتحضير الدولة الإسلامية بالثقافة العلمية الواسعة التي أحسنوا البلاء فيها
وقد انقسم المسلمون في شأن هذه الدولة بعد قليل من ظهورها إلى قسمين: فتجافاها أهل الورع منهم وأبوا أن يتولوا أعمالها، وسار معها جمهور المسلمين في ذلك السبيل الذي سارت فيه، واستولى عليهم اليأس من ذلك المثل الأعلى في الحكم الذي كان على عهد الخلفاء الراشدين ﵃، ثم أقبلت الدنيا عليهم فانغمسوا فيها أيما انغماس، وتفننوا في أنواع التلذذ بها أيما تفنن، وكادوا ينسون الآخرة كما نسيها من كان قبلهم، فكانوا في أشد حاجة إلى شاعر ملهم يوقظهم من تلك الغفلة القاتلة، ويؤدي في الشعر رسالته التي يجب أن يؤديها في كل عصر على الوجه الذي يتطلبها، وكان لهم ذلك في شاعرنا أبى العتاهية
ولد أبو العتاهية سنة ثلاثين ومائة من الهجرة قبل قيام الدولة العباسية بسنة أو سنتين، ونشأ بالكوفة ولكن أصله من عين التمر، وأبو العتاهية لقبه، واسمه إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان مولى عنزة، وكان خالد بن الوليد قد سباه مع جماعة صبيان من أهل عين التمر، فوجه بهم إلى أبي بكر، وكانوا أربعين غلاماً يتعلمون الإنجيل، ففرقهم في أهل البلاد والأمصار، فاعتنقوا الإسلام وأعتقهم مواليهم، فكان لهم أثر صالح في العلم والأدب،
стр. 8157
ونبغ من أولاًدهم جماعة كانوا من أكابر رجال العلم والسياسة والحرب، مثل موسى بن نصير، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن إسحاق. وكان كيسان جد أبي العتاهية من نصيب عباد بن رفاعة العنزي، لأنه سمعه حين سأله أبو بكر عن نسبه يذكر له أنه من عنزة، وكان يكفله في عين التمر قرابة له منهم، فاستوهبه عباد من أبي بكر ثم أعتقه فتولى عنزة؛ وكان بنوه يزعمون أنهم منها ويكرهون من ينسبهم إلى النبط الذين كانوا يسكنون عين التمر، ولكن الظاهر أن أصلهم منهم، لأنهم كانوا يحترفون بالكوفة من صنعة الجرار ما كانت تأباه فطرتهم لو كانوا عرباً
وقد نشأ أبو العتاهية بالكوفة بين أسرته يعمل الجرار معهم، ولم يذكر الرواة أنه اشتغل بالتعليم في صغره، ولكن الظاهر من أمره أنه اشتغل بقدر منه كان له عوناً في الحياة التي آل إليها أخيراً أمره؛ وكان بالكوفة طائفة من خلفاء الشعراء وأهل المجون والمخنثين، وناهيك بشاعرها والبة بن الحباب الأسدي وما بلغ إليه في الخلاعة والعبث، وهو في ذلك أستاذ أبي نؤاس وغيره، فاتصل أبو العتاهية بتلك الفئة اللاهية، وأطلق لنفسه في ذلك عنانها، فوصل فيه إلى غايته، وتخنث وحمل زاملة؛ وأخذ عنهم شعرهم الخليع في التغزل والمجون وما إليهم، فنبغ فيه، واشتهر به أمره، وكان الأحداث والمتأدبون يأتونه وهو جرار فينشدهم أشعاره، فيأخذون ما تكسر من الخزف فيكتبونها فيه
ثم قصد بغداد في عهد المهدي ليتصل بأمرائها. ويستفيد بشعره عندهم، وكان ثالث ثلاثة فتيان شباب أدباء، ولم يكن لهم ببغداد من يقصدونه، فنزلوا غرفة بالقرب من الجسر، وكانوا يبكرون فيجلسون بالمسجد الذي بباب الجسر في كل غداة، فمرت بهم يوماً امرأة راكبة، معها خدم سودان، فقالوا من هذه؟ قالوا خالصة، فقال أحدهم: قد عشقت خالصة، وعمل فيها شعراً فأعانوه عليه، ثم مرت بهم أخرى راكبة، معها خدم بيضان، فقالوا من هذه؟ قالوا عتبة، فقال أبو العتاهية: قد عشقت عتبة؛ ولم يزالوا كذلك إلى أن التأمت لهما أشعار كثيرة فيهما، فدفع صاحب خالصة بشعره إليها، ودفع أبو العتاهية بشعره إلى عتبة، وألحا في ذلك إلحاحاً شديداً، فمرة تقبل أشعارهما، ومرة يطردان، إلى أن صح عزم الجارتين على امتحان عاشقيهما بمال على أن يدعا التعرض لهما، فإن قبلا المال كانا مستأكلين، وإن لم يقبلاه كانا عاشقين، وكان لهما معهم شأن في الحالين. فلما كان الغد مرت
стр. 8158
خالصة فعرض لها صاحبها، فقال له الخدم اتبعنا فتبعهم؛ ثم مرت عتبة فعرض لها أبو العتاهية، فقال له الخدم اتبعنا فتبعهم؛ فمضت به إلى منزل خليط لها بزاز، فلما جلست دعت به فقالت له: يا هذا إنك شاب وأرى لك أدباً، وأنا حرمة خليفة، وقد تأنيتك فأن أنت كففت وإلا أنهيت ذلك إلى أمير المؤمنين ثم لم آمن عليك. فقال لها: فافعلي بأبي أنت وأمي، فإنك إن سفكت دمي أرحتني، فأسألك بالله إلا فعلت ذلك إذ لم يكن لي فيك نصيب، فأما الحبس والحياة ولا أراك فأنت في حرج من ذلك. فقالت: لا تفعل يا هذا وأبق على نفسك، وخذ هذه الخمسمائة الدينار وأخرج عن هذا البلد. فلما سمع ذكر المال ولى هارباً. فقالت ردوه، وألحت عليه فيها فقال: جعلت فداك ما أصنع بعرض من الدنيا وأنا لا أراك، وإنك لتبطئين يوماً واحداً من الركوب فتضيق بي الأرض بما رحبت. فزادت له ذلك إلى ألف دينار، فجاذبها مجاذبة شديدة، وقال لها: لو أعطيتني جميع ما يحويه الخليفة ما كانت لي فيه حاجة، وأنا لا أراك بعد أن أجد السبيل إلى رؤيتك. ثم خرج فجاء الغرفة التي كانوا ينزلونها فإذا صاحبه مورم الأذنين، وقد أمتحن بمثل محنته، فلما مد يده إلى المال صفعوه، وحلفت خالصة لئن رأته بعد ذلك لتودعنه الحبس، فأستشار أبا العتاهية في المقام فقال له: اخرج وإياك أن تقدر عليك
ثم التقتا فأخبرت كل واحدة صاحبتها الخبر وأحمدت عتبة أبا العتاهية، وصح عندها أنه محب محق. فلما كان بعد أيام دعته إليها وقالت له: بحياتي عليك - إن كنت تعزها - إلا أخذت ما يعطيك الخادم فأصلحت به من شأنك، فقد غمني سوء حالك، فأمتنع أبو العتاهية من ذلك؛ فقالت له: ليس هذا مما تظن، ولكني لا أحب أن أراك في هذا الزي، فقال لها: لو أمكنني أن تريني في زي المهدي لفعلت ذلك، ثم أقسمت عليه فأخذ الصرة فإذا فيها ثلاثمائة دينار، فاكتسى كسوة حسنة، وأشترى حماراً يركبه، وحسن بها حاله
وهذه الرواية تعطينا أن أبا العتاهية كان صادقاَ في حب عتبة التي شبب بها في شعره، وتوله بها فيه إلى أن اقلع عن ذلك فيما سيأتي من نسكه، وربما يكون ذلك كله حسن حيلة منه، وهو ما كان يراه فيه ابنه عتاهية، وقد روي عنه أن أباه إنما أقبل إلى بغداد ليمدح المهدي، ويجتهد في الوصول إليه، فلما تطاولت أيامه أحب أن يشهر نفسه بأمر يصل به إليه، فلما بصر بعتبة راكبة في جمع من الخدم، تتصرف في حوائج الخلافة تعرض لها،
стр. 8159
وأمل أن يكون تولعه بها هو السبب المصل إلى حاجته، وأنهمك في التشبيب والتعرض في كل مكان لها، والتفرد بذكرها، وإظهار شدة عشقها، وكان أول شعر قاله فيها:
راعني يا زيد صوتُ الغراب … بحذاري للبين من أحبابي
يا بلائي ويا تقلقل أحشا … ئي وتعْسي لطائر نعَّاب
أفصح البينُ بالنعيب وما أف … صح لي في نعيبه بالإياب
فاستهلت مدامعي جزعاَ من … هـ بدمع ينهل بالتسكاب
ومُنعتُ الرقادَ حتى كأني … أرمدُ العين أو كحلتُ بصاب
قلت للقلب إذ طوى وصل سع … دي لهواه البعيد بالأنساب
أنت مثل الذي يفر من القط … ر حذار الندى إلى الميزاب
والذي أرجح من ذلك رأى عتاهية، لأنه أدرى بأبيه، ولأن عتبة لم تصدق في حبه حتى يصدق في حبها، وإنما كانت تتخذه للإعلان عنها لتنافس بذلك أترابها من جواري المهدي، وقدهم المهدي يوماَ بعد اتصاله به أن يدفعها إليه فجزعت وقالت: يا أمير المؤمنين: حرمتي وخدمتي! أتدفعني إلى رجل قبيح المنظر، بائع جرار، ومتكسب بالشعر؟ فأعفاها منه. ولم يكن أبو العتاهية إلا رجلَا تاجراَ لا يهمه الحب، وهو لم يقصد بغداد إلا من أجل المال كما سنبينه بعد.
عبد المتعال الصعيدي
стр. 8160
كلفت فكرا عسرا
للأستاذ فخري أبو السعود
ما خِلْتُ ذَا الفِككْرِ بالتفكير ينتفع … كلُّ المذاهبِ إِنْ قلَّبْتَهَا شَرَعُ
كلٌّ له مذهب في العيش يُؤْثِرُهُ … ولستِ تعلم ما الحُسنى وما البِدَع
كلَّفْتَ فِكْرَك عُسراً إن طمحتَ به … إلى يقينٍ لديه الريبُ ينقطع
يَمُّ الحياة يُضِلُّ الفكرَ مُلتَطِم … مِنْ مَوْجِهِ هائلُ الأثباج مُندفع
تَظَلُّ فيه وجوهُ الرَّأي ساهمة … حَيرى مفرَّقةَّ من حيث تجتمع
لَكَمْ تَفَكَّرْتُ في الدنيا وفي أُمم … تَفرَّقُوا في فجاج الأرض واصطرعوا
الجبيرُ والشرُّ ما قالوا وما فعلوا … والنفع والضُّرُّ ما سَنُّوا وما ابتدعوا
يا هل يُراد بهم في أمرهم رَشَدٌ؟ … أم هل ترى القومَ قد ضلوا بما اتَّبعوا؟
فَشَرَّدَ اللُّبَّ تفكيري وأَجْهَدني … وما اهتديتُ لأمرٍ فيه مُقْتَنًع
وكلما زدْتُ علماً زدْتُ - وَا أسفي - … جهلاً، ولم أدْرِ ما آتي وما أدَعُ
فَرُحْتُ أشكو إلى روض الضحى نَصَبي … فضمَّني منه مُرتادٌ ومُنْتَجَع
ومَرَّ بَرْدُ بنانٍ من نسائمِهِ … على جبيني فزال الهمُّ والوَجَع
وقال لي الزهرُ: ذا عطري نفحتُ به … من رام، ليس على من رام يمتنع
وقال لي النهر: ذا مائي النمير به … - إن رُمْتَ منْتَقَعَاً - للروح منتَقَع
وقال لي الروض: فُزْ بالطيبات ولا … تحفل بما قاله قومٌ وما اشترعوا
إن رمتَ حقَا فهذا الحسنُ في كَنَفِي … هو الحقيقةُ لا رَيبٌ ولا خُدَع
مجدَّد النسيج موصول الحُلي أبدا … يطيب في ظلِّهِ مَشْتى ومُرْ تبَع
وليس يُصلحه قوم إذا رَشَدُوا … ولن يضيروه - إن ضَلوا - بما صنعوا
يبقى على الدهر مرموقَ السنَى بَهِجاً … وتنقضي شَيِعٌ في إثرهم شَيِع
فخري أبو السعود
следующие страницы →