Полный текст (65 431 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
وقد تناولت الطعام مع (سيريني) في مطعم (ميليني)، وإذا الشاعر قد أضاع رشده، وفقد صوابه، وأعاد النقاد المسرحيين بالقطار إلى روما. . .
ولما فرغنا من الطعام، جعلنا نتناول الفاكهة، وإذا به ينفجر:
- أرابت؟. . . لقد صادفت في حياتي انتصارات واندحارات عديدة، ولكني لم اشعر في حياتي على أثر اندحار، بالخجل القاتل الذي تركه في نفسي انتصار البارحة كلا! لم اشعر قبل اليوم بمثل هذا الخجل السام!!!
- إن الألفي شخص الذين أطاعوا هواي، وتسابقوا إلى (بونتاسياف) لمشاهدة روايتي الحديثة، وتحيتها بأعاصير داوية من الهتاف والتصفيق. . . والجرائد الصافحة بالتقاريظ والانتقادات الفخورة بنشر اسمي ورسمي. . . والسياحة الموفقة التي ينتظر أن تصادفها فرقتي. . . وبرقيات التهنئة التي ما برحت تتقاطر علي من كل حدب وصوب. . . إن كل ذلك يا صديقي قد تلاشى واندثر!!!
ولإطفاء هذا اللهيب. . . ولإحداث الظلام بتلك الأضواء، لم تتكبد تلك الريفية التي كنت احسب إنها تعجب بي إعجابا، لا يعد التأليه بجانبه شيئا مذكورا. . . لم تتكبد مشقة كبيرة. . . إنما كفاها أن تسال ذلك الأحمق (ولكن من هو مارك سيريني؟)
كم يبدوا لنا العالم كبيرا. وكم هو صغير!!! إن اعظم العظماء، إذا خرجوا عن دائرة بضعة آلاف شخص، يصبحون مجهولين، لا يعرفهم أحد، ولا يأبه بهم أحد!!!
انظر هذه جريدة (لاناسيون) قد شغلت اكثر من نصف صفحة بالحديث عن روايتي، وهذا اسمي قد كتب فيها بحروف بارزة على أربعة عواميد. . . ويخيل إليك بعد ذلك إن جميع الناس أصبحوا يعرفون هذا الاسم، بل ربما ظننت انه ينبغي لهم بعد ذلك أن يعرفوه. . . ولكن الحقيقة هي إن لا أحد يتذكره، عندما يقلب الصفحة. . هو ذا الجارسون يتأهب ليقدم لنا القهوة، وهو قد طالع جريدة هذا الصباح، ادعه واسأله. من هو مارك سيريني)؟. . . إني أراهنك على زجاجة شمبانيا: انه سيسخر منك، وسيفتح لك عينين كبيرتين دهشتين.
إلا إن (مارك) لم يقدم لي شيئا من الشمبانيا، لأني أحسنت صنعا بعدم دعوة (الجارسون)، ولكن المؤلف لم ينقطع عن الشكوى والتذمر، وأخذ ينعى على نفسه جهوده الضائعة، ولم يتردد عن لصق بعض الوصمات بنفسه، لأنه زرع بذورا قوية من العمل الدائم، ليحصد
стр. 842
بعد ذلك الموقف المزري الذي تقفه بلاده العاقة من نبوغه وعبقريته!!!
وأخيرا دعونا (الجارسون) لندفع له الحساب، وبينما (مارك) يعيد محفظته إلى جيبه، ابتسم الجارسون، وقال وهو يلتقط البقشيش:
- عفواً. . . ألم أحرز الشرف بخدمة (مارك سيريني)؟
فانتفض هذا الأخير وقال:
- وكيف عرفتني؟
- لقد أبصرت اسمك هذا الصباح منشورا في مجلة (الليستراسيون) وذهب يبحث عن العدد. ولم يلبث أن عاد به. وفتحه عند الصفحة التي نشر فيها رسم (سيريني) جديد بمناسبة تمثيل روايته الحديثة في (بونتاسياف) فنظرت أنا و (مارك) إليها. ولحظنا فجاء على الصفحة اليمنى. إزاء الرسم المنشور على الصفحة اليسرى تماما. أبصرنا يا لسخرية الصدف! أبصرنا (جينون وفينيس) يتنازعان علبة من الحبوب المجددة للشباب!!!
فخرج (مارك) من مطعم (ميليني) وقد هدأت أعصابه، وسكنت نفسه
هل ينبغي تهنئة (الجارسون) لأنه عرف (سيريني)؟. . . هل ينبغي تخطئة سيدة النافذة لأنها لم تعرفه؟
كلا أيها الأصدقاء! إن سيدة (بونتاسياف) الفاتنة قد ألقت علينا درساً مفيداً، ومفيداً جداً: ينبغي علينا أن ندير الاركستر وان نضع الروايات لا لغيرنا، بل لأنفسنا!!!
أما الشهرة، فهي كلمة جوفاء أيها الأصدقاء الذين أرادوني على الكلام كثيرا. الشهرة؟. . . كلمة لا أفكر فيها عندما أشير بعصاي اللدنة إلى أعضاء الاركستر. . . وهي الكلمة التي لم يعد (سيريني) يفكر فيها عندما يأخذ اليراع ليضع رواية جديدة. . . تمت
حلب. ايزاك شموش
قصة مصرية
стр. 843
سفروت الحاوي
كان بمدينة بور سعيد رجل اسمه (سفروت الحاوي) يتردد على المقاهي فيعرض ألعابه السيماوية وحيله السحرية على الجالسين لقاء ما يجودون به عليه، وكان سفروت هذا لبقاً فكه الحديث سريع الخاطر قلما يخلو له أسبوع من حيلة جديدة، وبذلك اكتسب رزقا حسده عليه بنو مهنته.
وأهالي بور سعيد كما يعلم القراء اشتهروا بأنه قلما وجد لسان في شرق الأرض أو غربها لم يلموا منه ببعض مفردات. ولكن سفروت هذا فاق أهل بلده في ذلك فقد وهبه الله هبة اللغات فكان يتفاهم في لغتين، ويشرح حيله ويطلب أجره في تسع لغات.
كان سفروت رجلا طويل القامة نحيلا أسمر اللون، زينت له أمه أذنه اليمنى بحلقة فضية لأنه عاش لها بعد خمسة ماتوا في طفولتهم. وكان يسر في جلباب من السكرونة عليه معطف طويل محشو الجيوب وينادي بصوت طلق قوي:
(أنا سفروت الحاوي، أنا الحاوي سفروت، اطلع البيضة من الكتكوت، جلا جلا جلا جلا جلا ويترجم ذلك أو شبهه إلى ألسن مختلفة بينما (يفنط) أوراق اللعب بين يديه بمهارة نادرة.
وأغنى الله سفروت الحاوي جزاء استقامته وذكائه واقتصاده فجلب من ألمانيا لعباً سيماوية ثمينة واتخذ له صبية وسيمة الوجه جذابة القد أسمها بهية، وانتشرت شهرته بين أصحاب المقاهي والملاهي في بور سعيد فاستأجروه لإحياء ليال خاصة أدرت عليه وعليهم الربح الكثير.
وزاد طموح سفروت فبدل ثوبه الوطني ببدلة سوداء على مثال أبناء حرفته الغربيين، وأرسل شعره طويلا قائماً، واتخذ لنفسه لقب (بروفيسير)، ثم انتقل إلى القاهرة يشتغل بها في موسم السواح، ويتركها إلى الإسكندرية وغيرها من المصايف في موسم الحر.
كان سفروت كعادة الحواة يبدأ ألعابه بالمألوف من الحيل مثل كسر البيض ووضعه في إناء أمام النظارة، ثم إخراجه صحيحاً من آذانهم، ويتدرج من ذلك إلى الصعب العجيب مثل أكل الخرق البالية وقصائص الورق، وإخراجها من فمه أعلاما للدول المختلفة وهكذا حتى ينتهي إلى أصعب ألعابه وهي لعبة صندوق الإخفاء الألماني العجيب الذي اشتراه بمبلغ كبير.
стр. 844
وأمر هذا الصندوق يظهر غريبا للمتفرجين، وبيانه إن سفروتا يأتي ببهية فيقيدها بالسلاسل والأغلال ويضعها في صندوق أمام المتفرجين، كان قد طلب إليهم فحصه قبل ذلك.
ويوصد الحاوي الصندوق بالأقفال ويربطه بالأحبال ويقف عليه، فيكفهر وجهه، ويقف شعر رأسه، ويتمتم ويتلو تعاويذ سليمان على الجن الحمراء، ويأمرهم سفروت أن يحولوا جسم بهية إلى المادة الهيولية. عندئذ يتصاعد من الصندوق بخار أحمر فينزل الحاوي عنه ويفتحه فلا ترى أثراً للفتاة فيه. ويقفل سفروت الصندوق ثانية، ويقف عليه فيكفهر وجهه ويقف شعر رأسه، ويدعو سليمان فتحضر الجن ثانية، فيأمرهم أن يسترجعوا جسم بهية، وينزل الدخان الأحمر من سقف المسرح ويفتح الحاوي الصندوق فإذا ببهية في أصفادها كما كانت.
حدث ذات مرة في موسم (رأس البر) أن تعاقد مدير فندق كبير مع (البروفيسير سفروت) على إحياء سبع ليال لتسلية المصيفين مقابل أجر طيباً فأمر الحاوي أن يبني له مسرح خاص في ردهة الفندق الكبيرة، وبدأ لياليه كالعادة، حتى كانت الليلة الثالثة ففي هذه الليلة بعد أن انتهى من لعبة الصندوق وبينما كان يجمع أدواته من المتفرجين ويعطيهم ما كان قد استعاره منهم أثناء الحفلة أعترضه رجل قصير القامة، بدين الجسم، يلمع العرق على وجهه الأسمر الأصفر، رجل من أقباط الصعيد في زعبوط أسود وعمامة سوداء يخاله الناظر من تجار الكسبة أو العجوة.
تقدم الرجل من سفروت خجلاً متردداً فقال: (نكتة اللعبة دي!. . . نكتة تمام يا أخينا). فوافق سفروت على قول الرجل ببرود وأدب مصطنع، ثم مضى إلى غيره، ذلك أن الناس كثيراً ما كانوا يأتون إليه بعد الحفلات يخبرونه أنهم يعلمون سر ألعابه أو أن ما فعله قد رأوه منذ سنوات أو ليلحوا عليه كي يعلمهم السر في حيلة أعجبتهم إلى غير ذلك من سخف كثيراً ما سايرهم فيه أو صرفهم عنه بسحرية غير جارحة، إذ لم يكن من الكياسة أن يجفو لهم في القول وعليهم مدار رزقه.
وتبع القبطي الحاوي وهو يردد في شيء من الذهول: نكتة جوي والله عبارة الصندوق دي!. . . . نكتة جوى. (فقال سفروت مستهزئاً! (إذا كان أعجبك فلم لا تشتري لك واحداً يا معلم! فلم يدرك الصعيدي أن الحاوي يهزأ به إذ كان يفكر في أمر ملك عليه انتباهه.
стр. 845
انتهى سفروت وخرج كعادته يتمشى على شاطئ البحر ليريح نفسه من عناء العمل وليستنشق هواء الليل قبل أن يذهب إلى فراشه فإذا بالقبطي يقتفي أثره ويبادر بحديث الصندوق.
_ لا تؤاخذني يا حضرة. . . . أنا عاوز أكلمك، أنت أولاً أسمك إيه؟
_ خدامك سفروت
_ عاشت الأسامي يا سي سفروت. . . . تعرف ياسي سفروت عبارة الصندوج دي مش نكته جوى جوي برده!
- إياك أنت تكون اهتديت لسرها بنباهتك من ساعة ما سبتك؟
_ لألأ! مش غرضي.
وأدرك سفروت من لهجة محدثه أنه يحاول أن يكتسب صداقته؛ وكانت الليلة مقمرة، فلما نظر رأى عيني القبطي تلمعان بانفعال غريب فحدثته نفسه (ماذا يريد هذا الرجل مني؟) ولكن محدثه قطع عليه تفكيره.
- بجه مش تفتكر أن تخيبة المرة اللي معاك دي يخصر اللعبة بعض شيء؟
- برده يا خواجه لك حق، لكن يعني أمال حخبي مين؟
- ليه ما تخبيش واحد من المتفرجين؟ أهو ده يكون نكته تمام.
وأندهش سفروت من هذا الاقتراح الشاذ وأجاب ساخراً
- يبقى نكتة أوي إذا كان واحد يرضى يوالس معايه! طبعاً إذا كنت أنت متطوع يبقى كويس. دا حتى ما يبقاش فيه فائدة للصندوق. الزعبوط بتاعك ده كفاية أوي، الزعبوط ده يخبي دستة. ثم ضحك مقهقهاً.
- ما تآخذنيش يامعلم! أنا راجل أحب الهزار.
- ولكن الرجل الغريب الأطوار تجاهل وقاحة الحاوي أو هو لم يسمعه فقد نظر حوله كمن يريد أن يستوثق من عيون رقيب، ثم أدنى فمه من أذن محدثه هامساً. اسمع! أنا راضي، أنا أتفق وياك. وتلفت حوله في انفعال عصبي ووضع يده في عبه وأخرج منها محفظة نقوده فاخذ ورقة ذات خمسة جنيهات وهو يهمس.
- ما تفتكرشييا سي سفروت أني مجنون، يمكن أطواري تظهر غريبة لك شوية، لكن أنا
стр. 846
مش مجنون. أنا عاوز أتعلم اللعبة دي، وآدي خمسة جنيه علشان تعلمهالي ونعملها بكرة سوى قدام الناس وساور الحاوي الشك في سلامة عقل الرجل، ولكن المال أغراه فبينما هو يقلب الأمر على وجوهه إذا صوت إمرأة يرتفع في وحشة الليل حوله.
- بولص!! بولص!
ونظر سفروت فإذا المرأة طويلة هزيلة في حبرة سوداء مقبلة عليهما.
وارتبك الرجل القبطي ارتباكاً واضحاً وظهر عليه الخوف، فقال مسرعاً:
- اسمع! دي مراتي أنا لازم أروح. أنا لازم أروح حالا. أنت اتفقت ولا لأ؟ فأخذ الحاوي الورقة من يد الرجل قائلاً:
- مادمت أنت عاوز كده مفيش بأس.
- يمكن تقابلني بكره الساعة تسعة الصبح علشان تعلمني؟
فرضي سفروت وانصرف الرجل إلى زوجته مسرعا كأنما هو يحرص أن لا تكشف عن صفة محدثه.
وفي اليوم التالي في الساعة المحدودة قابل الحاوي بولص وعلمه كيف يهبط قاع الصندوق مع الجزء الذي تحته من خشب المسرح بالضغط على زر خفي بأحد جوانبه، وكيف يفك أغلاله ويربطها بعد ذلك وكيف يرفع القاع إلى ما كان عليه.
وكان بولس برغم بدانته، وغرابة أطواره، وزعبوطه، ذكيا سريع الفهم تعلم في وقت قصير وأتقن اللعبة إتقان صبية الحاوي.
وكانت الحفلة في المساء وقام سفروت بألعابه كعادته الا انه كان كلما نظر إلى بولص رأى عينيه شاخصتين نحوه كأنما يربطهما بالحاوي خيط، فشعر بوساوس مقلقة وتوترت أعصابه وترك بهية تقوم بدور لا تحتاج فيه إليه فانسرق إلى البار وشرب بعضاً من الوسكي ثم رجع يعاود ألعابه.
وأتى دور الصندوق ولسفروت من حدة الذهن وجرأة الخمر ما ألهمه هذه الديباجة:
اعمل أمام حضرتكم الليلة أيها السيدات والسادة، ما لم يعمله حاو في العالم أجمع لا قبلي ولا بعدي، فإرضاء لزبائننا الكرام اتصلت قبل الحفلة بخادمي من الجن الأحمر المدعو جنجلوت. . . لا تضحكوا أيها السيدات، نعم، خادمي جنجلوت الخفيف الذي سخره لي
стр. 847
سليمان. وبعد الجهد الجهيد أيها السيدات والسادة رضى جنجلوت أن يأخذ أحد حضرات المتفرجين هذه الليلة ويحوله إلى المادة الهيولية ويصطحب روحه في نزهه سماوية.
من منكم أيها السيدات والسادة يحب أن يخاطر هذه المخاطرة؟ من عنده الشجاعة والإقدام؟. . . ألو ألو. . . الا أونا الا دوه. . . دقيقتين فسحة بين الكواكب يا سيدتي الو؟. . . حضرتك؟ لا؟ طيب تعالي أنت يا ست يا أم برقع، لأ؟ طيب بلاش لأ يا سعادة البيه، انت ثقيل شويه على جنجلوت أنت يا أفندي يا صغير؟ بقي ما فيش حد يجبر بخاطر جنجلوت الجني الخفيف الضريف؟ ألو الو ألا أونا الا دوه. . . ما فيش في الصالة واحد شجاع.
وظل المتفرجون بين ذلك يضحكون ولكن سرعان ما اعتراهم الصمت والدهشة إذ رأوا أحدهم يرتقي المسرح فعلا، وفي هذا السكون ارتفع صوت المرأة ذات الحبرة السوداء كما ارتفع في وحشة الليلة الماضية.
- بولص!!! بولص بولص!!! ارجع هنا.
صوت وحشي جهوري تفضح نبراته قسوة قلبها وأنانيتها. وتبينت أغلبية أهل الفندق بولص تاجر الصعيدي المتيسر والرجل الصامت المنعزل مع زوجته القبيحة، دائماً في شرفة الفندق الغربي. وتهامسوا فيما بينهم يرقبون بدهشة ما يحدث، وهابت نفوسهم إذ رأوا شبه جنون في عيني الرجل ورأوا العرق يتصبب غزيرا من وجه الأسمر الأصفر. ولكن سرعان ما وجدت أنظار الخلعاء ما يثير الضحك في هيئة الرجل التعس، فنادى أحدهم ما تخافيش يا ستي ده المعلم بولص يخوف العفاريت ونادى آخر.
- حاسب يابولص لا الجن يركبك وقال ثالث: ما تتطرفشى يا معلم في السماء لحسن عزرائيل يشوفك.
وغير ذلك مما تقهقه له الجماهير ولا يكاد الفرد يبتسم له. وكررت المرأة أنا بأقول ارجع يا بولص. فلم يكن بذلك من أثر سوى إسراف الناس بالضحك.
قيد الحاوي بولص بالسلاسل والأغلال وأقفل الصندوق بالأقفال والحبال ووقف عليه واكفر وجهه ووقف شعر رأسه وتمتم وهمهم وحضرت الجن وتصاعد البخار الأحمر فنزل عن الصندوق وفتحه فوجده فارغاً كما يجب. حدث ذلك طبعاً بين قهقهة الناس وهتافاتهم.
واقفل سفروت الصندوق ثانية الخ. حتى نزل الدخان الأحمر من سقف المسرح، فرفع
стр. 848
الغطاء ولكن بولص لم يرجع إليه! ارتبك الحاوي واقفل على عجل قائلا لنفسه (ربما لم أعطه الزمن الكافي) وشغل المتفرجين بلعبة أخرى بسيطة برهةً ما، ثم فتح الصندوق ثانية ولكن الصندوق بقي فارغا.
أدركت النضارة عدم وجود بولص فارتفع همسهم إلى ضجيج وتساءل البعض صائحا: فين المعلم بولص؟: أوع ليكون اختنق الرجل في الصندوق الخ الخ. .
فتحدث إليهم سفروت بحضور ذهنه المعتاد عن صعوبة رجوع بعض الأجسام من اللامادة إلى المادة، وخصوصا أجسام أهل الصعيد، حتى إذا استوثق انه أعطى الرجل ما يكفي من الوقت فتح الصندوق ثالثة ولكن بغير جدوى!!
لغط الناس وهاجوا وتسابق الشباب منهم يفحصون الصندوق ويعبثون بأدوات الحاوي، الذي أسرع إلى تحت المسرح يبحث عن بولص بغير نتيجة، وعلم مدير الفندق أيضا بالخبر فجزع وأرسل رجاله يبحثون. ولما رجع سفروت إلى الردهة اندفعت إليه المرأة ذات الحبرة السوداء اندفاع الأعاصير في أمشير وقد بلغ منها الغضب أشده.
- ازاي يعني تأخذ راجل طويل عريض تحويه! هي الدنيا سايبه ولا ايه!؟ مسخرة وقلة أدب!!
- يا ستي بس اهدي شوية دلوقت ايبان.
- يبان؟ أنا عاوزة جوزي دلوقت حالاً.
- هو أنا قلت له تعالى، ما هو هو اللي جه من نفسه.
- أبدا أنت حويته أنت راجل متختشيش.
стр. 849
الكتب
شعر ونثر
وحي الأربعين. للأستاذ عباس محمود العقاد
ثورة الأدب. للدكتور محمد حسبن هيكل بك
عليّ دين ثقيل للأستاذ العقاد حيل بيني وبين أدائه إلى الآن. ويظهر أني لن أستطيع أن أؤديه جملة فلا بد من تأديته أقساطا. فبين يدي كتب ثلاثةقرأتها وأعجبت بها ولي فيها آراء وأحب أن أذيعها. وهي كتاب الأستاذ عن ابن الرومي وكتابه عن جوت وديوانه الأخير وحي الأربعين.
ولسست ادري لماذا آثرت أن يكونقضائي لهذا الدين عكسيا فابدأ بآخر هذه الكتب الثلاثة ظهوراً. ولعلي إنما آثرت البدء بوحي الأربعين لأنه شعر، ولأن الوقوف عند الشعر والشعراء عذب لذيذ للكتاب الذين لا يحسنون قرض الشعر. فهم يجدون في قراءته ونقده وتحليله لذة لا يجدونها في قراءة النثر ونقده وتحليله. ولعلي إنما آثرت البدء بهذا الديوان لأن نقده أيسر من نقد الكتابين الآخرين. أيسر علي، وأيسر على الشاعر الكبير نفسه. فلن يكون بيننا جدال طويل ولا قصير. ولن نحتاج إلى أن نرجع إلى كتب الأدب والتاريخ لنثبت رأيا أراه ويخالفني العقاد فيه أو رأياًيراه العقاد ولا أقره عليه. وإنما هي آراء وخواطر تثيرها فينفسي قراءة هذا الديوان وسأعرضها على العقاد وعلى قرائه الذين نقدوه والذين قرظوه دون أن أحاول أن أفرضها على أحد فرضا أو أن أتعصب لها أو أن أجادل عنها. ودون أن يكون للعقاد وأنصاره وخصومه أن ينكروا هذه الآراء أو يجادلوا فيها لأنها آراء تتصل بالذوق وتتصل بمزاج الكاتب وطبيعته وتأثره بالفن الجميلأكثر مما تتصل بالحقائق المقررة أو الأمور التي يكثر فيها الجدال والنضال.
وما أظن أن أحدا يطمع في أن يفرض علي ذوقا غير ذوقي أو طبيعة غير طبيعتي أو تأثر بالفن الجميل غير تأثري به لمن شاء أن يرضى ولمن شاء أن يسخط وأنا أوثر بالطبع رضى الناس على سخطهم ولكن إيثاري لهذا الرضى شيء وظفري به شيء آخر.
ولعلي آخر الأمر إنما آثرت البدء بهذا الديوان لان كلام الناس قد كثر فيه ولأن جدالهم قد أشتد من حوله ولأن نقاده قد غلوا حتى جاوزوا القصد وأنصاره قد أسرفوا حتى جاروا عن
стр. 850
الحق فأحببت أن أقول في هذا الديوان كلمة، لا أقول أنها تقر الأمر في نصابه، وترد المختلفين إلى الوفاق، فليس إلى ذلك منه سبيل. ولكنها قد تصور رأى جماعة من المنصفين الذين لا يرضون عن آثار العقاد ولا ينكرونها لأنهم يغلون في حب العقاد أو يغلون فيبغضه، بل لأنهم ينظرون إليها من حيث هي آثار فنية خالصة تلائم أذواقهم أحيانا فيرضون، وتنافر أذواقهم حينا فينكرون. ومن حق هؤلاء الناس أن تصور آراؤهم وتظهر مذاهبهم في آثار كاتب مهما يقل فيه خصومه، فلن يستطيعوا أن ينكروا عليه البراعة، وشاعر مهما يقل أعداؤه فلن يستطيعوا أن يجحدوا حظه من الاجادة، وتوفيقه إلى شيء كثير جدا من الإبداع.
وأريد أن أقف وقفة قصيرة عند هذه الصفحات التيقدمها العقاد بين يدي ديوانه هذا لأقره في غير تحفظ، على ما ذهب إليه فيها من إن بين المجددين قوما يقلدون في التجديد، فيخطئون الفهم ويعدون الصواب ويتورطون في أحكام على الشعر والفن، لا خطر لها ولا غناء. وأن أقره أيضا في غير تحفظ على ما ذهب إليه في هذه الصفحات من أن للشاعر المجدد أن يطرق الفنون التي طرقها القدماء دون أن يمس ذلك تجديده أو يغض ذلك من براعته، بل قد يكون من الحق عليه أن يطرق هذه الفنون فيجددها ويبعث فيها حياة ملائمة للعصر والبيئة ولميول الجيل الذي يعيش الشاعر فيه.
فليس المدح عيبا من حيث هو مدح، وليس المدح فنا يجب أن يموت وإنما المدح فن من فنون الشعر لا بد من بقائه ما بقي الشعر، وما بقي بين الناس من يجيد ويحسن، وما بقي بين الناس من يرضى عن الإجادة ويحمد الإحسان للمحسنين. والهجاء فن من فنون الشعر لابد من أن يبقى ما بقي في الناس من يسيء وما بقي في الناس من يحب نقدا المفسد وتقويم المسيء. وقل في مثل ذلك في غير المدح والهجاء من هذه الفنون التي طرقها القدماء من العرب وغير العرب لا ينبغي أن تزول ولا أن تهجر، وإنما ينبغي أن تتطور لتلائم غيرها من أساليب الحياة العقلية والفنية التي يحياهاالناس على اختلاف البيئات والعصور.
ولكني وقفت مفكرا بعض الشيء عند هذا التعريف الذي أراد العقاد أن يعرف به الشعر حين يقول:
стр. 851
(وان من أراد أن يحصر الشعر في تعريف محدود لكمن يريد أن يحصر الحياة نفسها في تعريف محدود، فالشاعر لا ينبغي أن يتقيدالا بمطلب واحد يطوي فيه جميع المطالب، وهو (التعبير الجميل عن الشعور الصادق) وكل ما دخلفي هذا الباب، باب التعبير الجميل عن الشعور الصادق، فهو شعر وان كان مديحا أو هجاء أو وصفا للإبل والأطلال وكل ما خرج عن هذا الباب فليس بشعر وان كان قصة أو وصف طبيعة أو مخترع حديث).
فالشعر عند العقاد كالحياة ليس إلى حصره ولا إلى تحديده من سبيل، أو هو كالحياة يحصر ويحدد إذا أمكن حصر الحياة أو تحديدها. ولكن العقاد بعد ذلك يعرف الشعر بأنه التعبير الجميل عن الشعور الصادق وهو بهذا التعريف نفسه قد حدد الشعر وجعله أضيق من الحياة. فليست الحياة كلها تعبيرا جميلا عن شعور صادق بل في الحياة شعور غير صادق يعبر عنه تعبير غير جميل، وفيها شعور كاذب يعبر عنه تعبيرا جميلا، وفيها شعور صادق يعبر عنه أحيانا تعبيراً جميلا وتعبيرا غير جميل. وإذا فليس الشعر كالحياة لا سبيل إلى حصره بل ليس الشعر كالحياة يحصر كما تحصر الحياة ويحدد كما تحدد الحياة. وإنما الشعر لون من ألوان الحياة وتحديده ليسمستحيلا ولا عسيرا وآية ذلك أن العقاد نفسه قد حاول هذا التحديد فعرف الشعر بأنه التعبير الجميل عن الشعور الصادق وجعل كل ما يدخلفي هذا الباب شعرا مهما يكنجوهره وكلما يخرج من هذا الباب لم يجعله شعراً مهما يكن شكله وصورته وموضوعه.
وأظن إن العقاد لم يوفق في هذا التعريف فماذا أراد بالتعبير الجميل اهو المنظوم أو المنثور؟ أم هما المنظوم والمنثور معاً؟ فان تكن الأولى فقد يدخل في تعريف الشعر من الكلام ما ليس منه وإن تكن الثانية، فقد يخرج الشعر المنظوم كله من هذا التعريف، وإن تكن الثالثة فكل كلام جميل يصف شعورا صادقا فهو شعر. وإذا ففيما تقسيم الكلام إلى شعر ونثر؟. سيقول العقاد إن هذا التقسيم قديم لا غناء فيه ولكن العقاد نفسه لم يسم نثره شعرا ولم يطلق لفظ الديوان الا على كلامه المنظوم. ووحي الأربعين فيما اعلم نظم كله لا نثر فيه الا الشرح والتفسير. فالتعريف إذا من هذه الناحية بعيد كل البعد عن الدقة التي يعرف بها العقاد. ويزداد هذا البعد إذا توسعت بعض الشيء في معنى التعبير الجميل، والموسيقى تعبير جميل، والغناء تعبير جميل. فكل فن جميل إذا، فهو شعر، وهذا كلام يقوله الكتاب
стр. 852
حين يتجوزون أو حين لا يحرصون على التحقيق. فأما إذا أرادوا الإصابة والدقة فلا بد لهم من أن يلاحظوا فيه الوزن والقافية أو الوزن دون القافية أو الانسجام الموسيقي على كل حال. وهذا الشعور الصادق ما هو وما عسى أن يكون وهليطمئن العقاد حقا إلى أن كل ما يصفه الشعراء فيجيدون وصفه إنما هو نتيجة لشعور صادق حقا، أليس من الشعراء من يجيد الوصف لطائفة من العواطف، لا يجدها ولا يشعر بها شعورا صادقا وإنما هو يعرفها ويحسن معرفتها ويواتيه الفن فيجيد وصفها ويعبر عنها تعبيراً جميلا. وأظن العقاد يوافقني على إن المعرفة الجيدة شئ والشعور الصادق شئ آخر. والعقاد يعرف من غير شك هذا المثل الذي ضربه ارسطاطليس لبراعة الشعراء في التناقض وهو مثل بندار حين طلب إليه أن يمدح بغلا ولميعجبه الأجر، فاستكبر وذم البغل. فلما ضوعف له الأجر، جعل هذا البغل فرساً ذات جناحين. ومن المؤكد أن بندار لم يكن يشعرشعورا صادقا لا بمحاسن هذا البغل ولا بعيوبه وإنما كان يعرف هذه المحاسن والعيوب، وأعانه فنه فصورها تصويرا بديعا.
وكلنا يعلم إن الشعراء والخطباء يروضون أنفسهم على مدح الشيء وذمه، فيجيدون في المدح والذم جميعا ويعبرون عنهما تعبير جميلا دون أن يكون شعورهم بها صادق من غير شك، أو كاذبا من غير شك، وإنما هي البراعة الفنية الخالصة. وإذا فصدق الشعور قد يكون مزايا الشعر ومحاسنه، ولكنه لن يكون ركنا من أركان الشعر ولو قد جعلنا صدق الشعور ركناً من أركان الشعر لأسقطنا أكثر الشعراء من تاريخ الأدب في جميع اللغات. ولم يخطئ القدماء حين قالوا أن أعذب الشعر أكذبه. ولم يخطئ ارسطاطليس حين أباح للشعراء ما لم يبح للخطباء من الإسراف والإغراق. فلا بد إذا من ان يحقق العقاد تعريفه هذا للشعر ومن أن يحقق جزأيه جميعاً. ومع ذلك فهلل يصدق هذا التعريف على وحي الأربعين بحيث نستطيع أن نقول إن هذا الديوان كله تعبير جميل عن شعور صادق.
أما إن شعور العقاد بكل ما وصفه في ديوانه صادق فشيء أحسه في قوة لا تقبل الشك ولا الريب، ولكن بالقياس إلى بعض الأبواب. بالقياس إلى هذه الأبواب التي تظهر فيها شخصية العقاد ظهورا واضحا كل الوضوح. بالقياس إلى باب الغزل، مثلا هذا الذي تظهر فيه للعقاد شخصية خفية الظل جداً، حلوة الروح جداً، محبة للحياة جداً، مقبلة على اللذة
стр. 853
جداً، في حب لها واقتصاد فيها. انظر إلى هذه الأبيات:
ياله من فم … يالها من شفة!
يا لشهد بها … كدت أن أرشفه
يا لزهر بها … كدت أقطفه
حلوة ويحها! … غضة مرهقة
حسرتي بعدها … حسرة متلفة
ألست ترى فيها شخصية تحب الحياة وتكلف بها، وتحب اللذة وتوشك أن تسرع اليها، لولا أن شيئاً يصدها عنها صداً ويردها فترتد كارهة آسفة. وانظر إليه كيف وفق إلى الإبداع في تصوير هذه المعاني السهلة المألوفة، في لفظ جميل عذب كله أنيق، وكيف استطاع أن يصور من وراء هذه المعاني اليسيرة المألوفة، التي يجدها الناس جميعاً، ويراها الناس جميعاً، معنى آخر ليس يسيراً، ولا مألوفاً ولا شائعاً بين الناس وإنما هو مقصور على الذين يسلطون العقل على الحس ويحكمون الإرادة في العاطفة، ويجدون لذة في الرغبة الحادة يمسكها الحرمان الشديد. فالعقاد مفتون بصاحبته، مفتون بهذا الفم وهذه الشفة، شديد الظمأ إلى شدها، شديد الميل إلى زهرها، يود ولكنه لا يفعل، ويكاد ولكنه لا يحقق. ويجد لذة قوية في هذا الحب، وفي هذا الحرمان، يخرج عن طور اللذة الغرامية المألوفة إلى طور اللذة الفلسفية الخالصة.
في هذه الأبيات تظهر شخصية العقاد كما هي خفية جداً تهفو إلى الجمال وتصبو إليه، رزينة جداً تؤثر أن يكون استمتاعها بالجمال عقليا لا إثم فيه ولا جناح.
في هذه الأبيات تظهر براعة العقاد ويظهر كل ما يملأ قلب العقاد من غناء، يجمع بين الحلاوة والقوة، ويغري المغنين بتلحينها. في هذه الأبيات يتحققتعريف العقاد للشعر فهي تعبير جميل عن شعور صادق.
وقل مثل هذا في هذين البيتين وهما عندي من اجمل الشعر وأرقاه، وهما عندي يمثلان العقاد تمثيلا صادقا. يمثلان جموحه وتمرده، ويمثلان وداعتهوطمأنينته.
لا أرى الدنيا على نور الضحى … حبذا الدنيا على نور العيون
هي كالراووق للنور فلا … صفو الا صفوها العذب المصون
стр. 854
فانظر إليه كيف نفر وشذ وجمح في الشطر الأول من البيت الأول. فلم ير الدنيا على نور الضحى كما يراها الناس جميعا، ولم يألفها على هذا النور كما يألفها الناس جميعا. ثم انظر إليه كيف ثاب وأناب وهدأ واطمأن وأحب هذه الدنيا، ولكن في نور العيون بعد أن اختصرت وهذبت ونفيت عنها الأعراض، واستبقيت منها الخلاصة الخالصة والصفو الذي برئ من كل كدر، حبذ الدنيا على نور العيون. ثم انظر إليه كيف فسر حبه لهذه الدنيا المصفاة في هذا البيت الجميل:
هي كالراووق للنور فلا … صفو الا صفوها العذب المصون
فالعقادفي هذين البيتين لا يحب الدنيا المبتذلة التي يرخصها نور الضحى ويبيحها للناس جميعاً. وإنما يحب الدنيا المصونة الممتازة التي يحتويها نور العيون ولا يبيحها الا لطبقة خاصة من الناس هم الشعراء.
فإذا أردت، ويجب أن تريد دائماً مع العقاد، أن تتجاوز هذا المعنى الظاهر الذي يفهمه كل ذي حظ من الأدب، إلى الرمز الذي يريد إليه العقاد. وإذا ذهبت، ويجب أن تذهب دائماً مع العقاد، مذهب الرمزيين الذين يدلون بالقليل على الكثير وبالواضح على الخفي، فسترى إن هذين البيتين على قلتهما وقصرهما وضيقهما يسعان كل شيء ويصوران نفس الشاعر ونظرها إلى كل شيء. فالعقاد لا يحب الابتذال وإنما يحب الامتياز. ولا بأس عليه من ذلك ولا جناح عليه فيه، فالشاعر الذي يستحق هذا الاسم أرستقراطي بطبعه، وان كان أقدر الناس على تصوير الديمقراطية وفهمها وامدادها بالحياة.
وأكاد لا أشك في أن شعور العقاد صادق في كل هذا الباب من الديوان، ولو أني ذهبت أحلل الجيد من هذا الباب، وكله جيد، لما فرغت من التحليل في فصل ولا في فصول. وكم كنت أود لو أتيح لي أن أقف عند هذه القصيدة البديعة التي يسميها العقاد (المعاني الحية)، أو عند هذه الآية الشعرية التي يسميها العقاد (الغزل الفلسفي). أو عند هذه الآية الأخرى من بين الموشحات وهي التي سماها العقاد (ليلة البدر). فقد أجتمع للعقاد في هذه القصائد الثلاث من محاسن الشعر الرائع ما لم يجتمع له في غيرها من قصائد هذا الديوان. أجتمع له صدق الشعور وعلوه وصدق التصوير ودقته، وصدق الحس وامتيازه، وجمال اللفظ الذي لا غبار عليه، وأجتمع له التوفيق إلى المعاني النادرة التي قلما يقع عليها الشعراء
стр. 855
عندنا، والمهارة في تأدية هذه المعاني بحيث يخدع عنها القراء والسامعين فيخيل إليهم أنهم يقرءون أو يسمعون شيئا مألوفا. وهم يقرءون ويسمعون كلاما من أندر الكلام وأنفسه وأعلاه. كلاما لا يصدر إلا عن شاعر حقا. أجتمع له في هذه القصائد جمال التعبير وصدق الشعور، وكاد يجتمع له جمال التعبير وصدق الشعور في كلهذا الباب لولا ألفاظ تنبو عن سمعي وأحسبها تنبو عن سمع كثير من الناس كلفظ المأرف في قوله:
لك وجه كأنه طابع الصد … ق على صفحة الزمان المأرف
فلست ادري لماذا لا أحب هذه الكلمة في هذا البيت، ولما اشعر بأنها قلقة لا تستقر في مكانها الا كرها، ولما اشعر بأنها صغيرة ضئيلة بالقياس إلى الزمان. وكلفظ الطين الذي أنكره غيري من النقاد على العقاد في قوله في القبلة:
هي كأس من كؤوس الخالدين … لم يشبها المزج من ماء وطين
فأنا لا أناقش في المعنى ولا اعتدي عليه بمحاولة إفساده أو الغض منه. ولكن ذوقي هذا الذي تأثر بأدبنا العربي القديم ينفر، بل يفر من هذا الطين الذي يقرن بالقبلة. وأنا أفهم إن يعتذر الشاعر بصحة المعنى ودقته وامتيازه وارتفاعه من مألوف الناس، ولكني مع ذلك لا أطمئن إلى هذا الطين الذي تقرن به القبلة، أو يقرن بها. وهنا تظهر خصلة من خصال العقاد التي تميزه من غيره من الشعراء المعاصرين. فهو من شعراء المعاني الذين يحرصون اشد الحرص على تصحيح معانيهم وتجويدها وتميزها والارتفاع بها عن المألوف، ولكنهم لا يتكلفون مع الألفاظ ما يتكلفونه مع المعاني من تخير وتدقيق في التخير ومن تحرج وغلو في التحرج. هم اتباع المعاني وهم يزعمون أن الألفاظ يجب أن تتبعهم وان تدين لهم، وهم لا يطلبون إلى الألفاظ الا أن تؤدي لهم معانيهم وتعرب عنها إعراباً صحيحاً لا لبس فيه. فان أتيح لها مع ذلك أن تكون جميلة جذلة ورقيقة وعذبة فذاك وإلا فليس عليهم بأس ولا جناح. ولكن العقاد خليق بإحدى اثنتين: فإما أن يصلح تعريفه للشعر فلا يشترط جمال التعبير وإما أن يصلح مذهبه في الشعر فيكون احرص على تجويد اللفظ وتجميله وتزيينه في السمع والقلب مما هو الآن. وأنا أؤثر له الثانية، فليس من الحق في شيء أن الشعر يستطيع أن يستغني عن جمال اللفظ بجمال المعنى وروعته ولعله يستطيع أن يستغني بجمال اللفظ عن جمال المعنى أحياناً. فالشعر موسيقى أولا، وهو إذا متجه إلى
стр. 856
السمع، فإذا استطاع، أن يخدع السمع بجمال اللفظ وانسجامه، فقد يستطيع أن يخدع القلب والعقل وقد يستطيع أن يكتفي بالسمع وحده. والخير كل الخير أن يوفق الشاعر إلى الملائمة بين جمال اللفظ وجمال المعنى. والعقاد يوفق إلى هذه الملائمة كثيراً ولكنها تخطئه أحياناً.
تخطئه حين ينسى نفسه، ويعمد إلى الفلسفة ويريد أن يكون فيلسوفاً موضوعياً إن صح هذا التعبير، يعرض علينا الآراء الفلسفية في نفسها ومن حيث هي دون أن يبعث فيها شيئاً من شخصيته، أو من حياته كأنه العالم يقرر أصلاً من أصول العلم أو قانوناً من قوانينه. في هذه الحالة يتقن العقاد معانيه، ويصححها تصحيحاً لا غبار عليه. ولكن هذا الإتقان والتصحيح يستغرق جهده أو أكثره، ولا يكاد يبقي له الا ما يمكنه من النظم. وإذا شاعرنا مفكر من الطبقة الأولى ولكن نظمه يشبه نظم أبي العلاء، تنقصه السلاسة والنصاعة وصفاء الديباجة، وهذا الانسجام الذي يخلب سمعك ويملك عليك أمرك ويجعلك نهباً للشاعر يلقي في روعك ما يشاء.
كل هذه الخواطر تخطر لك حين تقرأ القسم الأول من وحي الأربعين. وأحب أن أكون منصفاً فلا يكاد الإنسان أن ينظر في هذا الديوان وفي غيره من دواوين العقاد، حتى يعجببالشاعر إعجاباً لا حد له، لأنه رفع نفسه ورفع الشعر معه إلى عالم لم يتعود شعراء العرب أن يعيشوا فيه، لا أكاد استثني منهم الا أبا العلاء. فالموضوعات التي يقصد إليها العقاد وينظم فيها الشعر موضوعات عالية كلها رفيعة، حتى إذا هبط العقاد إلى حيث يعيش الناس وشاركهم فيما تعودا أن يقرضوا الشعر فيه من الفنون لم يلبث أن يرتفع بهذه الفنون، ويحلق بها في جو لا يكاد يرقى إليه الطرف. وأكاد اجزم بأن العقاد لو استقامت له الألفاظ وأسمحت له اللغة، لمااستطاع أحد في هذه الأيام أن يساميه. ولكن لغته لا تمكنه من الأسف الشديد من أن يستمر محلقاً في الجو بل تثقل عليه وتثقل على معانيه وتضطره إلى الهبوط، فيهبط ومن حقه ان يظل عالياً. وهل يأذن العقاد في أن أنكر عليه خصلة أخرى في وحي الأربعين وهي هذه الشروح التي يقدمها بين يدي طائفة من قصائده الفلسفية والتي تترك في النفس أثراً مؤلماً ثقيلاً إلى حد ما، وتخيل إلى القارئ إن الشاعر قد تخير بعض الموضوعات الفلسفية التي طرقها الناس من قبله وأتقنوها بحثاً ودرساً فنظمها، ونظمها في
стр. 857
غير توفيق إلى الوضوح فقدم هذا الشرح بين يديها وجعل شعره أشبه بالمتون منه بالشعر حقاً.
إن الذين يقرءون شعر العقاد ويذوقونه هم المثقفون المستنيرون، الذين تعودا أن يقرءوا الشعر وأن يفهموه، وأن يقرءوا شعراً أصعب من شعر العقاد وأشد منه إمعاناً في الغموض، فيستطيع العقاد أن يحسن بهم الظن وان يخلي بينهم وبين شعره ليفهموه كما يريدون وكما يستطيعون. وليسس على العقاد بأس أن يفهم شعره أحياناً على غير ما أراد هو فمن يدري. لعله أن يكون هو مخطئا وأن يكون قارئه مصيباً، ومن يدري لعله يعود إلى شعره يقرأه فيفهم منه غير ما كان أراد، قد يكون هذا عيباً في النثر ولكنه مزية من مزايا الشعر الرائع، ولو أن لي أن اقترح على العقاد لطلبت إليه أن يلغي هذه الشروح الفلسفية في الطبعة الثانية من هذا الديوان، إن لم تكن قد تمت. فأني اعلم أن الطبعة الأولى قد نفذت منذ حين.
ولست أدري لما لا أريد أن أقف، وأن أختم هذا الحديث دون أن آخذ العقاد بملاحظة أخرى أود أن يقدرها ويفكر فيها، وهي: أن التجديد في الشعر يتناول الألفاظ ويتناول المعاني من غير شك، ولكنه خليق أن يتناول الوزن أيضاً فلكل نفس مذهبها في التفكير، ومذهبها في التعبير، ولكلل نفس موسيقاها أيضاً. وإذا صدق هذا بالقياس إلى الأفراد فهو صادق بالقياس إلي الأجيال. والعقاد يعلم إن كل نهضة في الشعر خليقة بهذا الاسم تستتبع تغييرا في الوزن، واستحداثاً لفنون جديدة من التوقيع. كان ذلك في شعرنا العربي في الشرق وفي الأندلس. وكان ذلك في غير شعرنا من الأمم، وكنت أحب أن يكون ذلك في شعرنا الحديث، وكنت احب أن يكون العقاد من السابقين اليه، ولست يائسا من ذلك فان العقاد رجل خصب النفس قوي الحس دقيق الشعور واخلق بمن تجتمع له هذه الخصال، ويكون له معها خيال قوي بعيد المدى أن يجدد في الشعرفيحسن التجديد، وان يتجاوز التجديد في الألفاظ والمعاني إلي التجديد في الأوزان والقوافي.
اعترف بأني قرأت وحي الأربعين مرتين وأني أود لو أقرأه مرة ومرة، وأني واثق بأني سأجد في قراءته المقبلة من اللذة والمتاع ما يجعلني فيها راغبا وعليها حريصاً.
أهي المصادفة التي أردت أن أتحدث عن العقاد وعن هيكل في مقال واحد، أم هو تشابه
стр. 858
قوي أو ضعيف بين هذين الأديبين دعاني إلى أن اجمع بينهما في هذا الفصل، وإن كان الاختلاف بينهما شديدا مغرقا في الشدة.
أما الذي لا اشك فيه فهو إن ظهور ثورة الأدب ليس هو الذي دعاني إلي الجمع بين هذين الأديبين فقد كنت أستطيع أن افرد لكل واحد منهما فصلاً ولعلي لو فعلت أرحت القارئ وأرحت نفسي من الإطالة ولعلي لو فعلت فرغت لكل واحد منهما فوفيته بعض حقه من النقد والثناء. ولكني وجدت نفسي مدفوعاً إلى أن انظمهما في سلك واجمعهما في فصل. وابحث بعد ذلك عما دفعني إلى هذا. وأظن انه الشعور الذي كنت أجده حين كنت انتقل من شعر العقاد إلى نثر هيكل، ومن نثر هيكل إلى شعر العقاد. فقد كان يخيل ألي أني انتقل بين أديبين مختلفين غاية الاختلاف. وإنما كنت انتقل من شعر كثيراً ما يشبه النثر إلى نثر كثيرا ما يشبه الشعر وكلاهما يمتاز بالخصب والثروة والعمق وكلاهما يمتاز بهذه الديباجة التي ينقصها الصفاء في كثير من الاحيان، وكلاهما يمتاز بإيثار المعاني وإعمال الألفاظ إلى حد بعيد. وهل أنا في حاجة إلى أن اصف هيكلا، واحمد فيه قلبه الزكي وعقله القوي، وبصيرته النافذة وفهمه الصحيح لحقائق الأشياء التي يعرض لها بالبحث والدرس. وهل أنا في حاجة إلى أن اصف هذا الخصب المدهش الذي يحار الإنسان في وصفه وفي تصويره، كلما فكر في هذه الجهود الهائلة التي يبذلها هيكل في غير انقطاع ولا تواني ولا فتور، والتي تستطيع مع هذا كله أن تحتفظ بقوة متشابهة لا يكاد يظهر فيها التفاوت ولا يكاد يعرض لها الضعف، فهيكل صاحب صحيفة يشرف عليها ويدير امورها، ويكتب فيها فصلا في كل يوم على اقل تقدير، وهو عضو في حزب سياسي يشارك زملائه فيما يعملون ويتحدث إليهم كل يوم في السياسة، إذا كان الصباح، وإذا كان المساء. وهو أديب يقرأ فيكثر القراءة وينوعها ويحسن تنويعها. يقرأ في الأدب العربي، ويقرأ في الأدب الانكليزي، ويقرأ في الأدب الفرنسي، ويقرأ في السياسة، ويقرأ في التاريخ، والغريب انه لا يكره أن يقرأ في علوم القانون وإن كان من رجال القانون وهو على هذا كله يكتب في الأدب في موضوعات مختلفة منه، يكتب في الأدب الإنشائي فإذا هو يصف فيبدع في الوصف، وإذا هو يقص فيجيد القصص، ويكتب في الأدب الوصفي فإذا هو ينقض الشعر وينقض النثر، ويوفق في هذا النقد إلى خير ما يطمع فيه الناقدون، وهو على هذا كله أب
стр. 859
وزوج لا يبخل على أسرته بحقها عليه وهو صديق لا يبخل على أصدقائه بحقوقهم عليه. وهو رجل له مكانته الظاهرة في حياتنا الاجتماعية والسياسية، وهو ينهض بما تستتبعه هذه المكانة من حقوق وواجبات. الغريب مع هذا كله أنك تلقاه فإذا هو رجل هادئ مطمئن كأنه أفاق منذ حين قصير من نوم مريح، فهو لم ينشط كل النشاط بعد ولكنه بعيد كل البعد عن الخمود والفتور، ولا تكاد تتحدث إليه دقائق حتى يفتنك ويروعك فكأنك تتحدث إلى جني ولكنه جني عذب الروح لذيذ الحديث.
هذا هو هيكل. فالذي لا يقضي الإنسان عجبا من قدرته على الإنتاج المتصل، في السياسة وفي أي سياسة، في الأدب وفي أي أدب، دون أن يظهر عليه ضعف أو إعياء أو شئ يشبه الملل.
أصبحت ذات يوم لا أكاد اسم صاحبي يتلو علي صحيفة من صحف الصباح الا سمعت إعلانا في هذه الصحيفة عن كتاب لهيكل جديد هو (ثورة الأدب) وكان الإعلان أمريكيا لا عهد لهيكل بمثله. فهيكل من انشط الناس في الأدب والسياسة ولكنهم من أشدهم فتورا في الإعلان. فقلت يجب أن يكون هيكل قد تغير ذلك فليس عهدي به بعيدا، يجب أن يكون شيء من حوله قد تغير، يجب أن يكون الله قد رزقه عفريتا في الإعلان كما هو عفريت في الإنتاج. وما هي الا ساعة أو ساعتان حتى اقبل رسول يحمل ألي نسخة من الكتاب. وكنت اعرف هيكلا بطيئا في إهداء كتبه وكثيرا ما لمته في ذلك، وكثيرا ما أسرفت في الإلحاح لأظفر بنسختي مما كان يصدر من الكتب. فلم ازدد أمام هذه السرعة وهذا النظام الا دهشا، وما زلت إلى الآن دهشا لأني لم افهم بعد مصدر هذه السرعة وهذا النظام في الإهداء والإعلان. ومهما يكن من شئ فقد أسرعت فأعلنت كتاب هيكل إلى الناس في الكوكب كما أعلنته الصحف الأخرى، ثم أسرعت فبدأت في قراءة الكتاب. ولم يخفني عنوانه، أما لأن صديقي هيكلا لا يخيف مهما يثر، وأما لان الثورة مهما تكن لا تخيفني. ولم احتج إلى هذا التفسير الذي خيل إلى هيكل انه محتاج اليه، ليفهم الناس عنه هذا العنوان. فأي غرابة في أن يسمي أي كتاب في الأدب الآن (ثورة الأدب). وهل حياة الأدب العربي في هذه الأيام الا ثورة متصلة. نحن ثائرون حين ننشئ ونحن ثائرون حين نصف ونحن ثائرون حين ننقد. كل إنتاجنا الأدبي ثورة حتى الذين يسمون أنفسهم محافظي
стр. 860
ويلحون في المحافظة ويتمدحون بها ويبتغون بها الوسيلة عند الذين يحبونها ويستغلونها. هؤلاء أنفسهم ثائرون يفرون من القديم الذي يحرصون عليه، يريدون أن يؤيدوه فإذا هم يجددونه ويغيرونه ويكفي أن تقرأ حتى في نور الإسلام وهي المجلة الرسمية للأزهر. فسترى فيها ثورة ومحاولة للتجديد، وحرصا على أن يظهر شيوخ الأزهر حين يفكرون ويكتبون ملائمين للعصر الذي يعيشون فيه. حياتنا الأدبية كلها ثورة إذا وكل كتاب نكتبه في الأدب فهو ثورة الأدب، لذلك لم اقف طويلا عند العنوان وإنما أسرعت فمضيت في قراءة الكتاب.
لم أجد في الكتاب شيئا جديداً وأرجو أن الا يغضب هيكل فالكتاب كله جديد ولكني أعرفه لا لأني قرأت كثيرا من فصوله حين نشرت في السياسة اليومية أو الأسبوعية بل لأني قرأته وسأقرأه كله في هيكل كما لقيته أو تحدثت إليه. فالكتاب صورة مطابقة اشد المطابقة وأصدقها وأجملها لنفس الكاتب. تقرأ في الكتاب فترى هيكلا وتسمع له وقد تنكر الرأي من آرائه فتهم بأن تتحدث بإنكارك هذا إلى هيكل كأنه جالس إليك تراه وتسمع منه وتريد أن تأخذ معه في الحديث. ليس في الكتاب شئ جديد وهو لذلك من اخطر الكتب واشدها غدرا لك ومكرا بك تمضي فيه فيخيل إليك انك تمضي في كلام مألوف ولكنك لا تكاد تفكر قليلا فيما تقرأ، أو لا تكاد تلح في القراءة، حتى يفتح لك هذا الكتاب أبواباً ويبسط أمامك آفاقا ما كنت تعرفها أو تفكر فيها من قبل وإذ كل شئ جديد، وإذ كل شئ طريف، وإذا الكاتب يخدعك ويمكر بك وان لم يرد خداعاً ولا مكراً.
أريد أن أعطي قارئ الرسالة فكرة دقيقة عن هذا الكتاب بشرط أن لا ألخصه ولا أحلله لا لأني لم اقرأه كما ظن هيكل بصديقنا المازني بل لأن تلخيصه يفسده ويذهب بجماله وقيمته الصحيحة وكيف تلخص في فصل واحد كتاباً يتناول التجديد والتقليد في الأدب ويتناول القصص والتمثيل ويتناول الأدب القومي ويحاول الإنتاج في هذا الأدب القومي، كيف تريد أن تلخص هذا الكتاب على اختلاف ما فيه من ثمرات وألوان. لقد حاول صديقنا المازني أن يلخصه فلم يوفق ولولا أن هيكلا شك في قراءته للكتاب لما تكلف المازني هذه المحاولة. أريد أذن أن أعطي قارئ الرسالة فكرة دقيقة عن هذا الكتاب دون أن ألخصه، ولعلي أوفق إن لاحظت أن لهذا الكتاب ناحيتين فهو تاريخ صحيح دقيق للأدب العربي
стр. 861
المصري في هذه الأعوام الأخيرة من جهة وهو فلسفة أدبية رفيعة موضوعها أدبنا الحديث من جهة أخرى. فإذا كنت تريد أن تعرف كيف نشأت الخصومة عندنا بين القديم والجديد وكيف تطورت والى أين انتهت وما المؤثرات المختلفة التي ألحت عليها فقوتها حيناً وأضعفتها حيناً آخر، وإذا كنت تريد أن تعرف مقدار ما كسبنا من أنفسنا من شخصية قوية أو ضعيفة في فنون الأدب على اختلافها في الشعر والنثر رسائل وقصصا وتمثيلا. وإذا كنت تريد أن تعرف الصورة التي نرسمها لأنفسنا من الأدب القومي، والحقيقة التي استطعنا أن ننتهي إليها من هذا الأدب فأنت واجد هذا كله في هذا الكتاب. وأنت واجد في هذا كله قصصاً هيكلياً ممتعاً بديعاً. ثم إذا كنت تريد أن تجعل الأدب موضوعاً للتفكير والفلسفة كما يجعل الفلاسفة الطبيعة وما بعد الطبيعة موضوعاً لفلسفتهم وتفكيرهم فيحللون ويعللون ويشرحون ويفسرون ويتنبئون فستجد هذا كله في هذا الكتاب. فقد حلل هيكل وعلل، وقد شرح هيكل وفسر، وقد أرخ هيكل وتنبأ، ووفق هيكل إلى كثير جدا من الحق في هذا كله.
اظلم هيكلا واظلم نفسي إن قلت أن إعجابي بكتابه يمكن أن يحد فهو مرآة صافية نقية صادقة لحياتنا الأدبية منذ وضعت الحرب الكبرى أوزارها ولكني أظلم هيكلا، وأظلم نفسي إن قلت أني راض عن كتابه كل الرضا، مقر بكل ما جاء فيه. فبين هيكل وبيني خصومة قديمة ما أرى أنها تنتهي لأنه لا يريد أن ينهيها. ولغة هيكل هي موضوع هذه الخصومة. فهيكل من أصحاب المعاني بين الشعراء، وهيكل يهمل لغته إهمالا شديدا ويتورط في ألوان من الخطأ واضطراب الأسلوب، يدنيه أحيانا من الابتذال، والغريب انه لا يضيق بذلك ولا يجد به بأسا، ولا يعترف بأنه يسيء إلى نفسه والى أدبه معا. ولست أريد أن أحصى عليه هذه العيوب ولا أن اضرب لها الأمثال فهو لا ينكرها ولا يراها عيوبا، ولعله يتمدح بها أحيانا وهو مخطئ من غير شك. فان من المؤلم أن تبدو معانيه الجميلة الرائعة في ثياب رثة بالية في كثير من الأحيان. وهيكل كالسيل إذا عرض لموضوع اندفع فيه فجاء بالجيد الكثير ولكنه لا يسلم أحيانا من الغثاء. فكثيرا ما يتورط في الخطأ لأنه يسرع ولا يتكلف التحقق والتثبيت في بعض مسائل التاريخ. أنظر إليه في المقدمة يريد أن يذكر الأوديسا فيذكر الإلياذة ويضيفها إلى اليونان. والإلياذة هي قصيدة فرجيل، وهيكل يعلم ذلك حق العلم
стр. 862
ولكنه نسى وصحح كتابه ولم يخطر له أن يتحقق مما يكتب. وانظر إليه في موضوع آخر حين يذكر تحرر الفرنسيين من آثار اليونان والرومان في القرن السابع عشر، كيف يذكر لابروير وموليير وهو يعلم حق العلم أن أولهما تأثر من غير شك بتيوفرايست، وإن الثاني تأثر من غير شك بتيرانس وبلوت. وتستطيع أن تأخذ هيكلا بطائفة غير قليلة من هذا الخطأ الذي مصدره الإهمال والسرعة، وشيء من الازدراء لتحقيق المحققين. ولو أني عرفت أن هيكلا يحفل بنقد الناقدين، أو نصح الناصحين لألححت عليه في أن يتخذ لفصوله الأدبية مصفاة، إن صح هذا التعبير، يصفى بها ما يكتب فيزيل منه الخطأ اللغوي ويزيل منه الإهمال في بعض الحقائق التاريخية.
أمتفق أنا بعد هذا كله مع هيكل في آرائه كلها حول القديم والجديد؟ ما أظن الا إننا نتفق في أكثرها ونختلف في أقلها. ولعل اختلافنا أن يكون ناشئاً من شيئين أحدهما هذا الإهمال الذي آخذ به هيكلا. والذي يدفعه إلى المبالغة ويضطره إلى التقصير أحياناً. والثاني أن هيكلا رجل أديب، ولكن اشتغاله المتصل بالسياسة قد أثر في تصوره للأشياء وحكمه عليها بعض الشيء. فهو يسرف حين يسئ الظن بما يكتبه الأوربيون عنا حين يمسون حياتنا الأدبية، فما أظن أن (جيب) وأمثاله يتخذون السياسة وأهوائها مقياساً لدراساتهم الأدبية، وهو يسرف حين يحسن الظن بنا وبحظنا من الخيال وقدرتنا على الإنتاج. ولكنه رجل سياسي حين يكتب في الأدب، يريد أن يدافع عن مصر والشرق كما يفعل في السياسة، ويريد أن يرضي المصريين والشرقيين كما يفعل في السياسة. أما أنا فأريد أن أدافع عن مصر والشرق ولكن بشرط أن لا يورطني هذا في تغيير الحقائق العلمية أو مسها بشيء من التشويه ولو قليلا. فالحق آثر عندي من أي شئ ومن أي إنسان.
أما بعد فمهما نأخذ به كتاب هيكل هذا، فلن نغض منه ولن يستطيع أحد أن ينكر أن هيكلا هو المؤرخ العربي للأدب العصري الحديث. وانه قد فرض بذلك نفسه، لا أقول على هذا الجيل وحده، بل أقول على الأجيال المقبلة أيضاً. وأنا واثق كل الثقة بأن كتابه هذا سيصبح من المصادر القيمة للذين يريدون أن يدرسوا أدبنا المصري في نهضته هذه الحاضرة.
طه حسين
стр. 863
سلمى وقريتها
للسيدة (آمي خير)
بقلم الأستاذ الكبير م. ع.
هذه قصة لبنانية بأشخاصها وأماكنها ووقائعها، فرنسية بلغتها، وقد كتبت في مصر، وطبعت في باريس.
واسم المؤلفة مركب من لفظين: ثانيهما عربي، وأولهما أعجمي بهمزة مفتوحة بعدها مدة فميم مكسورة فياء ساكنة.
كنت في مجلس بعض الأدباء، فجرى حديث هذه القصة فيما تناوله السمر، قال قائل منهم:
- من تكون مدام آمي خير؟
- إن كنت لا تعرفها فقد فاتك نصف عمرك.
- أواه، كم فاتني عمر كله، وكم فاتني نصف عمر!
- آمي خير سيدة تحدرت أرومتها من منابت الأرز في لبنان إلى أمومة لا تعرف الأرز ولا لبنانه، ونبتت في أحضان البحر الصغير في مدينة المنصورة، وربيت تربية فرنسية خالصة في هذه المدينة المصرية الخالصة.
هنا أخذ كل واحد من الجماعة يدلي برأيه غير منتظر تمام الحديث، فمن قائل: أن مؤلفة (سلمى وقريتها) لا يمكن ان تعتبر الا فرنسية، لأن صبغة الثقافة الفرنسية قوية جداً تصهر النفوس وتحيلها فرنسية مهما كان أصلها، الثقافة الفرنسية وريثة الثقافة اليونانية التي وجهت الفكر البشري توجيهاً يونانياً ودمغت بطابعها العلم والحكمة والدين.
أنظر إلى الكونتس (دي نواي) التي رزئ بها الشعر منذ قريب، لقد ماتت فرنسية، وعدت فرنسا مصابها مصاباً قومياً. والثقافة هي التي جعلتها فرنسية، لا الدم الذي كان يجري في عروقها. ومن قائل: ان الثقافة الفرنسية مهما قوى سلطانها فهي لا تستطيع أن تصنع شيئاً في الدم السكسوني وأن كان لقاحاً، ذلك الدم النزاع بجوهره إلى غير منازع الفرنسيين.
كان في المجلس شاب لبناني فأخذته حماسة الشباب وصاح: ودم لبنان؟ أليس للدم اللبناني حساب؟ إنا لنهفو إلى بعض الثقافات ونقلد بعض الامم، لكنا على ذلك ذوو عرق في الشرق عريق. .
стр. 864
وقال فتى من أهل الدقهلية:
- ما دامت السيدة قد نبتت بين البحرين فهي منصورية لحماً ودماً، والمنصورية مدينة لها من التاريخ ذكريات داوية من عهد ابن لقمان وداره، إلى عهد أبي سحلي وآثاره.
ثم عاد صاحب الحديث الأول يتمه: إن في السيدة (آمي خير) جمال المرأة الذكية، وفيها ذكاء المرأة الجميلة.
قال بعضهم: يا رفاقي على دين الدكتور (فريد الرفاعي) أفمن كانت بهذه المثابة تعنى نفسها بصنعة الكتابة؟
فانبرى للجواب صاحب الحديث:
- إن للسيدة (آمي خير) مشاركة جيدة في الفن والأدب، ولها ذوق من ألطف الأذواق، وهي على اتصال دائم بالمميزين من أهل الثقافات الغربية وإخوانهم من أهل الثقافات الشرقية، وتحاول أن تصل بين الثقافتين اللتين تحبهما على سواء.
تعطف على الفنانين والأدباء عطفا يسمو على اعتبارات الأجناس والأوطان والأديان لأنهم يؤدون رسالة الجمال في هذا العالم.
وكأنما تستصفي صواحبها تخيرا من ذوات الحسن البارع لأنها ترى المرأة الجميلة أيضا تؤدي رسالة جمال في هذا العالم المحتاج إلى جمال.
وتنقّل الحوار إلى (سلمى وقريتها) فمضى قائل يقول: موضوع القصة لا طرافة فيه، فان فتاة من بنات الفلاحين صبا إليها فتى من أبناء الأعيان ففتنت به، وكان بينهما كل ما يكون في كل حب من: عناق وقبل، وفرقت الأقدار بينهما وتزوجت (سلمى) شاباً من أهل قريتها كان يسر في قلبه حبها منذ زمان. لكن عقابيل الغرام الأول لم تزل تعاود سلمى حتى مرضت بالسل ووافاها حمامها.
ومن عجب إن المحبين في أقاصيصنا والمحبات يموتون بالسل دائما كأن جراثيم ذلك الداء لا تنتعش الا في صدور العاشقين!
قال آخر: يكون في كثير من الأحايين موضوع القصة بسيطا مطروقا لكن الكاتب يحسن تناوله فيبرزه في إطار من المعاني الشريفة والصور، ويسمو به إلى أفق الإبداع.
كان في حاشية المجلس رجل لم يشترك في شيء من الحديث وان أصغى إلى كل الحديث،
стр. 865
فلما سكت القائلون تصدى للكلام:
- يشعر القارئ لكتاب (سلمى وقريتها) بأن مؤلفته أرادت أن تصور لبنان تصويرا شاملا. فهي ترسم الجبال شامخات عاربات يلمع الثلج فوق هاماتها. وتنحدر الوديان من حولها وهادا سحيقة. ومروجا خضراء، وتتناثر القرى في سفوحها وفي أحضانها وربما تسامت إلى ذؤاباتها، والينابيع تتدفق عن يمين وشمال بالعذب النمير والكروم والأشجار تجتمع جنات الفافا، وتفترق ألواناً وأصنافاً.
وتصف السيدة حياة القوم حين يجمعهم الشتاء أسارى، وحين يطلقهم الصيف احرارا، وتذكر أمرهم في بيوتهم، وحالهم في مزارعهم، وشأنهم في مجامعهم، وتنعت ما يأكلون وما يشربون وما يقولون وما يفعلون، وتمثل أفراحهم وأحزانهم، وجدهم ولعبهم، ورقصهم وغنائهم، وعشقهم وغزلهم، ولا تهمل شعائر الدين فيهم كل ذلك في أسلوب بسيط إن خلا من زينة الصنعة فهو لا يخلو من جمال السهولة والوضوح.
وفي الكتاب لمحات بسيكولوجية، وقصة سلمى نفسها مملوءة من هذه اللمحات التي تكشف عن معان نفسانية.
فإيثار سلمى لجميل فارس بالعشق ملحوظ فيه انه وريث وجاهة وغنى، وقد حسبته انصرف عنها بعد أن تلهى بمغازلتها، فثارت في نفسها للكرامة حمية بددها الغرام بابن السادة الأغنياء. وأبو سلمى عرف أن ابنته العذراء قد فتنها جميل، وتهامس أهل القرية بما بينهما فلم تخرجه الغيرة عن حدود الرزانة والحلم وزوج سلمى حين سمع حليلته تهتف في سكرات الموت باسم عشيقها، صدمه ذلك ففار فورة ثم انطفأ وعاد يريق دمعه عند أقدام سلمى.
أما أم سلمى فقد جعلتها مدام خير مثال الزوجة البرة الصالحة والأم الحكيمة الرحيمة.
ويوشك أن يكون أروع ما في (لبنان مدام خير) بعد منابع المياه ومزة العرقي هي أم سلمى.
وكان ذلك نهاية السمر بين القوم فتفرقوا مجمعين على أن (آمي خير) قد وصفت لبنان وأهل لبنان في كتاب (سلمى وقريتها) وصفا فيه روعة الدقة ولطف الملاحظة وحسن البيان.
стр. 866
م. ع
стр. 867
الفكر والعالم
للأستاذ إبراهيم المصري
يشتمل هذا الكتاب على مجموعة مقالات (أو دراسات كما يدعوها المؤلف)، ثم قطعة تمثيلية من أربعة فصول فهو إذن كتابان في كتاب واحد. وسنقصر كلامنا على أولهما.
الفكر والعالم كلمتان عظيمتان تدلان على كل ما في هذه الخليقة من مادة وروح. وقد تشك في أن هذا الكتاب الصغير يحوي بين دفتيه خلاصة الفكر وخلاصة ما في العالم. فإذا ما قرأت هذا الكتاب انقلب الشك يقينا، فالكتاب يخدعك بعنوانه الضخم، وليس به من عنوانه الا القليل.
ولكنك قد تجد في الكتاب متعة أقرب إلى النفس، لأنك تتصل بفكر خصب هو فكر المؤلف نفسه، وتتصل بعالم حي هو نفس المؤلف ومشاعره. إذ ليس الكتاب سوى صورة إبراهيم المصري، صورة ميوله وآماله، ومتاعبه وآلامه. وفي الرسالة الأولى من الكتاب، وعنوانها نجوى، يتمثل تفكير المؤلف، وأسلوبه في الكتابة. استمع إليه وهو يقول:
(. . . نهذب نفوسنا ونصقلها بشتى الأفكار والمعلومات. وما تزال الحيوانية الكامنة ترتع في قلوبنا وتستشره. ترق احساساتنا في بعض الأحايين، وتخمد أعصابنا ويغفو ذهننا العامل المجد، ويخيل إلينا أننا بلغنا قمة الحكمة، وسمونا إلى حيث يشترك العقل البشري بالقوة الإلهية المحركة الأولى.
وسرعان ما نتصل بالمجتمع، فنلمس الحقيقة فنكر راجعين والخيبة تملأ جوانحنا، والكمال الروحي يتباعد عنا شيئا فشيئا، حتى يتلاشىّ بغتة ويغيب عن الأبصار.)
وهكذا تقرأ في الكتاب صفحات وصفحات من العبارات المتراصة المشبعة بالصفات والكلمات المؤكدة تنساق في سلسة واحدة لتصور لك في الحقيقة وفي والنهاية أمرا واحدا: الوجه الشاحب، قد أحاطت الغضون فيه بالفم والجبين قبل الأوان. وذلك الشعر الغزير الكثيف الذي وخطه الشيب على رغم الشباب. وتينك العينين المتعبتين من أثر الإسراف في القراءة تغطيهما عدستان قويتان. تلك هي الصورة التي تبرز لك من خلال مطالعة الكتاب: صورة إبراهيم المصري وهو يجاهد في مضمار الحياة تطحنه المادة، ولكن ذهنه المستنير يأبى إلا أن ينتصر، وأن يحطم الجسم في هذا السبيل. . . (فلتنزل بي الطبيعة
стр. 868
أشد كوارثها، ولتغمرني في الفقر والمرض حتى مغرقي، ولتمنحني جزءاً من فضيلة واحدة، ثم لتفعم نفسي بما شاءت من رذائل وآثام. . . فأنا راض. راض بالنقص الذي لا اعتبره نقصا. انه قوتي. وإنما الكون قد أوجدني لأسعى إلى الكمال لا لأبلغه).
وهكذا تلمح في هذه الصفحات النفس الثائرة الطامحة. يحدوها الرجاء حينا ويردها اليأس أحيانا، ولكنها لا ترتد ولا تهزم.
ويتابع الأستاذ إبراهيم المصري هذا الأسلوب، في رسائله الأخرى، حين يعطينا صورا لحياة عظماء عرفوا الشقاء وعرفوا الياس، ولكنهم ظلوا يعملون في عزيمة وصبر، كي يضيفوا إلى تراث الإنسانية شيئا خالدا. . . فهو يتكلم عن بروست وبودلير وميكائيل انجلو، وبيرون، مصورا لك حياتهم أو جانب منها، تصويرا دقيقا هو خلاصة لاطلاع واسع.
(ميم)
لم يستطيع صديقي (ميم) الذي كلفته نقد (الفكر والعالم) أن يطالع وينقد القطعة التمثيلية، التي تحتل النصف الثاني من الكتاب. وليس هنا مقام الأسف على الظروف التي اضطرت المؤلف أن يطبع الكتابين في كتاب واحد، وألا يستطيع أن يبرزهما للقراء في شكل جميل يليق بكل منهما. أما الرواية التمثيلية (نحو النور) فهي مشبعة بنفس الروح التي تبدو لنا خلال الرسائل فهي تمثل لنا رجلا نابغا شريف النفس ينشد الإصلاح بقوة وبعزم، وقد تألب عليه كل ما يمكن أن يعترض سبيل المصلحين من كوارث ونكبات، فمن فقر مدقع، إلى نفس أبية مسرفة في الإباء، إلى زوجة لا تفهم زوجها بل تخونه وتندفع في خيانته، إلى مجتمع جاهل فاسد يضطهده ويعنِّيه. كالمريض الذي يجمع كل ما لديه من قوة لكي يقتل الطبيب الذي جاء لعلاجه.
تلك هي الصورة الجليلة التي أراد المصري أن يبرزها لنا في شخص (محسن)، ولئن كانت الصورة التي رسمها المؤلف لا تنهض تماما إلى مستوى الموضوع الجليل الذي يعالجه. فأنها مع ذلك محاولة قيمة، وإنا لنرجو أن يعود الأستاذ لمعالجة هذا الموضوع الخطير مرة أخرى. بعد أن ترسخ قدميه في فن الكتابة المسرحي فإن الموضوع جليل حقا. ويمكن أن يعالج عدة مرار من نواح شتى.
стр. 869
م. ع. م.
стр. 870
العدد ١١ - بتاريخ: ١٥ - ٠٦ - ١٩٣٣
стр. 871
من بريد الرسالة
جواب الآنسة حياة
وكتاب آخر فرنسي، أنيق الشكل، جيد الخط، رائق الأسلوب، هادئ البيان، أتانا من الآنسة حياة!! فعجبت من إصرار هذا اللسان الأجنبي على التدخل الفضولي بين لسانين عربيين! ولكني لم أكد أسير في قراءته حتى تساير عن نفسي العجب، وتراجع عن وجهي القطوب، واتضح في ذهني العذر، وملكتني سورة من الحنق المر على نُظمنا التربوية والتعليمية التي شوهت في النشء عواطف الجنسية، وشتت في الشعب معاني الوحدة، وأخفقت كل الإخفاق في تكوين أمة واحدة النزعة والوجهة والثقافة.
تقول الآنسة الفاضلة: (. . . نعيت عليّ أني كتبت إليك بالفرنسية، والسبب في ذلك بعيد كل البعد عن التظرف والحذلقة والله يعلم وصواحبي يشهدن بما كان بيني وبين الراهبات المعلمات من الجدل العنيف كلما تعرّضن لديننا بالغمز، أو لتاريخنا بالعبث أو للغتنا بالزراية. . إنما أنا ومثيلاتي ضحية من ضحايا نظام مدرسي لم يقم ألا لتعليم الفتى (ميكانيكية) الحكومة. لأن قيامه لهذه الغاية جعل من طبيعته إغفال أمر البنت، فلجأ بها أولياؤها إلى المدارس الأجنبية، فنشأت هذه النشأة البتراء المشوبة، لا تعرف عن دينها إلا التشبه، ولا من لغتها وأدبها غير القشور.
لو كنت كتبت إليك بعربيّتي لحسبتني طفلة تجمجم بالكلام ولا تبين! ويكون من وراء ذلك انك لا تفهمني ولا تفهم عني، فكتبت إليك بالفرنسية لأن الإنسان يميل بطبعه إلى جهة القدرة لا إلى جهة العجز، ويؤثر بغريزته جانب الكمال على جانب النقص، ولئن تعرّضت بذلك إلى غضبك، فقد نجوت ولله الحمد من سخرك، وسخطك عليّ أحب إلى كرامتي من استخفافك بي.
ما كان أسعدني لو ملكت من لغتنا ما تملك فترجمت عن نفسي بمثل ما ترجمت عني في الفقرات التي نشرتها من كتابي.
أنا الآن أعالج في نفسي هذا النقص بالدرس المستمر لآداب العربية، وتكاد (الرسالة) أن تكون الوسيلة الوحيدة لهذا الدرس، فأنا أستوعب أبوابها المختلفة، وأتذوّق أساليبها المتنوعة، ويخيّل إلي أني قطعت إلى غايتي مرحلة كبيرة. ولكني أجد في (الرسالة) نفسها
стр. 872
أن زعماء الكتّاب لا يزالون ينتقدون زعماء الكتّاب في مبادئ النحو وبسائط التراكيب!! فليت شعري أأقنط من دراستي أم أستمر؟. . . .)
والآنسة الفاضلة تسمح لي أن أقف هنا في ترجمة كتابها لأعجل بالنصيحة لها أن تستمر، فأن العربية لاطراد قواعدها في القياس، واتفاق تراكيبها مع الطبع، أبسط اللغات نحواً وأقربها غاية. ولكن آفتها يا سيدتي منهاج سيئ، ومعلم عاجز، وتلميذ كسول!! وستقرئين في الرسالة بعد صفحات من هذه المقالة بحثاً قيّماً في ثقافة المرأة للآنسة أسماء، وشعراً منثوراً في التصوف للآنسة ناهد، فتجدين في صياغتهما الحسنة، وعبارتهما الصحيحة، وأسلوبهما الرقيق، مشجعاً لك ومصدقاً لي. .
جواب الآنسة عفيفة
أجابت الآنسة عفيفة عن تعليقي الموجز بكتاب إنكليزي مسهب، وقد فضّلت أن تكتب جوابها بالإنكليزية لأنها تتهم بيانها العربي بالقصور لقرب عهدها بالكتابة، وتعتقد لذلك إننا أسأنا الفهم فأسأنا الإجابة، وبيان الآنسة سليم من القصور، بريء من العي، لأننا فهمناه على الوجه الذي أرادته. وهو رسالة غزلية إلى امرأة عن لسان رجل. أما القصد من اتخاذ الآنسة (دور) الرجل في موضوع غرامي - وهذا موضع الإنكار - فلم تذكره الكاتبة في حاشية الكتاب، ولم نفهمه نحن من طبيعة الشيء، فحملناه معذورين على العبث الذي نربأ بفتياتنا عنه.
أرادت الآنسة أن تكشف اليوم عن ذلك القصد في هذا الجواب، فقالت: إنها لم ترد أن تتحدث عن الحب، وإنما قصدت أن تضع نموذجاً للرسائل الغرامية في اللغة العربية يكون مبنياً على الشعور الصادق والمنطق السليم، لأنها تلقت رسالتين: واحدة من صديقة إنكليزية، وأخرى من صديقة مصريّة، فوجدت الأولى صورة صادقة لحياة الكاتبة، وحال البيئة، وروح الجماعة، من ألعاب وأصحاب ودرس، ولم تجد في الثانية إلا عواطف مبهمة، وجملاً مزوّرة؛ وأمثالاً محفوظة. ثم قرأت كتابين أحدهما للكاتبة (جين وبستر) وثانيهما للكاتب (سليم عبد الأحد) وموضوعهما (رسائل في الحب)، فوجدت الفرق بين هذين الكتابين، هو الفرق بين تينك الرسالتين. وأنا أحترم تفسير الآنسة الأديبة لقصدها وأسلمه من غير مناقشة، وأعتذر إليها إذن من نقد في غير محله، ولوم وجهته إلى غير
стр. 873
أهله. ثم استميح سيدتي الأذن بمناقشة هذه الطريقة من حيث الفن. إنك تنتقدين ما قرأت من الرسائل العربية، لأنها تصدر من اللسان لا من القلب، وتنقل عن الحافظة لا عن الطبع، فهل تعتقدين أنك صدقت في نقل شعور العاشق حينما أخذت (دوره) في رسالتك وأنت لا تحسّين هذا الشعور ولا تدركين كنهه؟ لعلّك لو كنت أخذت (دور) الحبيبة أو (دور) (الخطيبة) لكنت أقرب إلى الصدق وأدنى إلى الإجادة، على أن هذه النماذج المصنوعة يا سيدتي أعجز من أن تعير الجامد روحاً والبليد حساً والعي إبانة، إن الفكرة أو العاطفة إذا أشرقت في الذهن أو في النفس وجدت الكلمة وخلقت الصورة على غير مثال ولا قاعدة، ذلك لأن الشعور وحده يوجد الفن كما ترين في توفيق الحكيم، ولكن الفن وحده لا يوجد الشعور كما ترين في عبد الأحد. وإن في الأدب العربي الحديث طرفة من هذا النوع الذي تريدين، هي آية من آيات الفن في دقة الصنعة، ولعلها لا تقل جمالاً عن تماثيل فدياس وصور رفائيل، ولكنها كهذه التماثيل وتلك الصور ينقصها شيء واحد هو كل شئ: ذلك هو الروح!! هل قرأت (رسائل الورد) للأستاذ الرافعي؟ أرجو أن تقرئيها، وأن تكتبي إليّ رأيك فيها. . .
أحمد حسن الزيّات.
стр. 874
من طه إلى هيكل
أخي العزيز:
قرأت كتابك الممتع الذي تنشره الرسالة اليوم وستنشره السياسة بعد غد وسيقرؤه الناس مرتين، فَأْذَن لي في أن أشكر لك هذا الكتاب أجمل الشكر لأنه راقني، وأثار في نفسي من حبك، والإعجاب الشديد ببراعتك ولباقتك، ما تثيره آثارك الأدبية كلها في نفسي حين اقرأها، وَأْذَن حقاً لي في أن أعود فأثني عليك لأني لن أتعب من الثناء عليك، ولن يعنيني أن أدهشك أو أخجلك، وإنما تعودت أن أقول الحق سواء عليّ إرضائك حتى أنتهي بك إلى الخجل، أم أسخطك حتى أنتهي بك إلى الثورة، أو إلى غضب هادئ فيه مكر، هو أشد من الثورة وأحدث، فاخجل يا صديقي ما وسعك الخجل، وادهش يا صديقي ما وسعك الدهش، واغضب يا صديقي ما استطعت احتمال الغضب، فأنت كاتب بارع، وأديب فذ كثير الإنتاج كأنك الجني، قد أخذت تحب الإعلان بعض الشيء في هذه الأيام حتى أنك لتنشر ردك عليّ مرتين. وفيك إسراع إلى الحكم وفتور عن البحث ورغبة عن الاستقصاء تضطرك أحياناً إلى الخطأ وتصرفك أحياناً عن الحق. وفي أسلوبك الرائع البارع وبيانك الفائق الرائق شيء من الضعف يقربه أحياناً من الابتذال. ويخيل إلي أيها الصديق العزيز أن هذه الملاحظة وحدها هي التي آلمك بين الملاحظات الأخرى التي أخذت بها كتابك ثورة الأدب، فأذن لي في أن أصر عليها وألح فيها. وأذن لي في أن أسر أيضا على كل رأي فيك لا أغير منه حرفا، ولاأنقص منه شيئا. فأنت تجيد حتى تصل إلى الإبداع، وتضعف حتى تشرف على الابتذال. ولك أن تلومني ما شئت لأني لم أهدك إلى مواضع الضعف في أسلوبك فقد يئست من هدايتك، لأنك كما تقول محب لأسلوبك كما هو، مشغوف به على علاته، لا تريد أن تغيره ولا أن تصلح مواضع النقص فيه، وكل ما أخشاه أيها الصديق إنما هو أن تتهمني بالإسراف عليك والغلو في نقدك، وقد كنت هممت أن أضرب الأمثال من ثورة الأدب لضعف أسلوبك فيه أحيانا، ولكني كرهت ذلك واكتفيت بالإشارة. فأما وأنت لا تحب الإشارة ولا ترضى إلا التصريح. فأْذن لي في أن أضع يدك على طائفة من مواضع الضعف لا في ثورة الأدب بل في هذا الكتاب القيم الذي ترد به علي في الرسالة اليوم وفي السياسة بعد غد.
فأنت تقول في هذا الكتاب (ولست أخفيك) ولعلك توافقني على إن الخير في أن تقول
стр. 875
(ولست اخفي عليك) وأنت تقول (ويرى أنها ما تزال لما تهدأ) ولعلك توافقني على أن لما هنا ثقيلة جدا مفسدة للأسلوب لوقوعها هذا الموقع النابي بين فعلين وأنت تقول (إذ وضعت تحت نظرك هذه العبارة) وأظنك توافقني على إن تحت نظرك هذه قريبة جدا إلى الابتذال. وأنت تقول (لن أرضى لنفسي أن أكون إلا أنا). ولعلك توافقني على أن الصواب إلا إياي.
ومثل هذا كثير أيها الصديق العزيز في هذا الكتاب وفي ثورة الأدب. ولعلك ترى إن الخطأ والابتذال شيء وان البساطة والإيجاز والقوة شيء آخر. وانك تستطيع، إن أردت، أن تكون بسيطا موجزا قويا دون أن تخطئ أو تدنو من الابتذال. أما بعد فقد أعجبني منك أيها الصديق انك سجلت في كتابك على ثنائي عليك كله تسجيلا. ففيم كان هذا التسجيل؟
أخائف أنت أن أنساه؟ وكيف أنسى ما سجلت المطبعة؟ أخائف أنت أن أنكره؟ فثق بأني قد أثنيت عليك صادقاً وما تعودت أن أعطي باليمين وأسترد بالشمال؟ بعض هذا المكر وبعض هذا الدهاء. فالأمر بينك وبيني أرفع من المكر وأمتن من الدهاء وأوضح من أن يحتاج إلى التسجيل والتشديد في الحساب.
أما عد فهل تأذن لي في ملاحظة يسيرة جدا كنت أود لو لم احتج إليها، ولكن حياة الأدباء في هذه الأيام تضطرني إليها. كم أحب للأدباء ألا يضيقوا بالنقد وألا يحفلوا بالرد عليه إلا أن تدعو إلى ذلك حقيقة علمية لا ينبغي إهمالها فماذا يعنيك أن يحسن رأي الناس أو يسوء في أسلوبك، فإن كان هذا يعنيك أو يؤذيك فالخير في ان تجعل هذا سرا بينك وبين نفسك لا أن تعلنه إلى الناس.
وأنا أرجو أيها الصديق العزيز أن تقبل مني تحية كلها الحب والإعجاب.
طه حسين
стр. 876
إلى الأستاذ توفيق الحكيم من الدكتور طه حسين
سيدي الأستاذ
لست أدري أيعنيني حقا ويعني أصحابي، أن نعرف رأي الجيل الجديد
في جهدنا الأدبي وما أحدثنا من أثر في حياتنا الأدبية الجديدة. لأن
العلم الصحيح برأي المعاصرين لا سبيل له، أو لا تكاد توجد السبيل
التي توصل إليه. أو قل أن هذا الجيل الجديد نفسه قد يشق عليه جدا
أن يصور لنفسه فينا رأياً صحيحاً مستقيماً بريئاً من هذه العواطف
الحادة الجامحة التي تسيطر على نفوس الشباب، وتؤثر أشد التأثير
فيما يكونون لأنفسهم من آراء في الكتاب والشعراء المعاصرين. فهم
بين معجب يدفعه الإعجاب إلى الإغراق في الثناء، وبين ساخط يدفعه
السخطإلى الإغراق في الذم. وأكاد أعتقد أن ليس من اليسير لكاتب أو
شاعر أن يعرف رأي الناس فيه حقا، لأن هذا الرأي لا يظهرواضحا
جليا بريئا من تأثير العواطف والأهواء والظروف، إلاحين يصبح
الكاتب أو الشاعر وديعة في ذمة التاريخ. ومع ذلك فأنا أشكر لك أجمل
الشكر رأيك في أصحابي وفيّ، وثناءك على أصحابي وعليّ ويسرهم
كما يسرني أن يكون رأيك فينا صحيحاً، وأن يكون ثناؤك علينا خالصاً
من الإسراف في الحب الذي يدعو إلى الإسراف في التقدير.
لقد قرأت كتابك الممتع فترك في نفسي آثارا مختلفة، ولكن أظهرها
الإعجاب بهذا التفكير المستقيم العميق، وهذا الاطلاع الواسع الغني،
وهذا الاتجاه الخصب إلى تعرف الروح الأدبي لمصر في حياتها
الماضية والحاضرة والمستقبلة. وقد دفعني إعجابي بكتابك القيّم إلى ألاّ
стр. 877
أختص به نفسي فآثرت به قرّاء الرسالة وأذعته فيهم. وأنا واثق بأنهم
قد رأوا فيه مثل ما رأيت وحمدوا منه مثل ما حمدت، وأثنوا عليك
بمثل ما أثنيت، وهموا أن يناقشوا بعض ما جاء فيه من الآراء كما
أريد أنا الآن أن أناقشها. ولست أدري أيقف أمر كتابك هذا عند إذاعته
في الرسالة وردي عليه، أو يتجاوزهما إلى مناقشة طويلة عريضة،
يشترك فيها كتاب مختلفون ونقاد كثيرون. فكتابك خليق بهذه المناقشة
لأن أسلوب التفكير فيه جديد قيّم، ومهما أفعل فلن أستطيع أن أتناول
كل ما أشعر بالحاجة إلى تناوله بالنقد والتمحيص من آرائك الكثيرة
المتباينة التي أفعمت بها كتابك إفعاماً. ولكني أقف عند طائفة قليلة من
هذه الآراء، لا أستطيع أن أدعها تمضي من غير نقد ولا تعليق.
وأول ما أقف عنده من هذه الآراء رأيك فيما تسميه شؤون الفكر في مصر، قبل الجيل الذي نشأنا فيه، فقد ترى أن هذه الشؤون كانت كلها محاكاة وتقليداً وتأثراً للعرب، واحتذاءً خالصا لمثلهم الأدبية، حتى جاء الأستاذ لطفي السيد ففتح لنا طريق الاستقلال الأدبي. وفي رأيك هذا شيء من الحق، لكن فيه شيئا من الإسراف غير قليل، فلست أعتقد أن الشخصية المصرية محيت من الأدب المصري محواً تاماً في يوم من الأيام، ولست أعتقد أن كلمة أنا لم يكن لها مدلول في لغة المصريين، ولست أعتقد أن المصريين كانوا في شبه إغماء حتى أقبل هذا الجيل الذي تتحدث عنه، فرد عليهم الحياة والنشاط. كل ما يمكن أن يصح لك هو أن الشخصية المصرية في الأدب كانت ذاوية ذابلة إلى حد بعيد في وقت من الأوقات لعلّه يبتدئ بآخر عصر المماليك. ولكن هذه الشخصية على ذبولها وفتورها لم تمت ولم تمح، بل ظلت حية تتردد أشعتها الضئيلة في آثار الكتاب والشعراء والعلماء، إلى أن كان العصر الحديث. ويكفي أن تقرأ الأدب المصري في أيام المماليك وقبل أيام المماليك، لتعلم أنّ شخصيتنا الأدبية كانت قوية منتجة، وكانت جذابة خلاّبة في كل فرع من فروع حياتنا
стр. 878
المعنوية. كانت في الشعر بنوع خاص أقوى منها في هذه الأيام، وأقرأ ديوان البهاء زهير فستجد صورتك فيه واضحة، وستجد نفسك فيه ظاهرة، وستجد عواطفك فيه ممثلة، وستجد هذا كله أشد جلاء وقوة عند هذا الشاعر القديم منه عند شعرائنا المعاصرين. والأمر ليس مقصورا على هذا الشاعر، بل هو شائع في شعرائنا جميعا قبل فتح الترك لمصر. وهو كذلك شائع في كتّابنا وعلمائنا، ولو قد كانت شخصيتنا ضعيفة فانية وفاترة واهية، لما أتيح لنا أن نؤدي الحضارة الإسلامية ونحفظها من الضياع حين أخذ التتار والأوروبيون عليها أقطار الشرق والغرب. ولم تكن هذه الشخصية في عصور الضعف والوهن خفية ولا غامضة، فأنت تجدها واضحة في شعر هؤلاء الشعراء المتأخرين الذين عاشوا في أول القرن الماضي وفي أثنائه، والذين لا نحب شعرهم ولا نطيل النظر فيه، والذين يخيل إلينا انهم كانوا يقلّدون فيسرفون في التقليد، ولكنهم برغم هذا التقليد الشديد لم يستطيعوا أن يمحوا مصريتهم ولا أن يخفوها. ولست أستطيع أن أضرب لك الأمثال هنا فذلك شيء لا ينتهي، ولكني أؤكد لك أن حكمك على هذه الشخصية المصرية في الأدب محتاج إلى التصحيح، وأنت قادر على هذا التصحيح، إن قرأت أدبنا المصري كما تقرأ الأدب الغربي وكما تقرأ الأدب العربي القديم، ستجد فيه تقليداً، وستجد فيه بديعاً كثيراً، ولكنك ستجد فيه نزعة مصرية واضحة تحسّها حيثما ذهبت، وأينما وجهت من أرض مصر، وتجدها عند المصريين المعاصرين الذين لم تخرّجهم الثقافة الأوروبية عن أطوارهم المألوفة، في الشعور والتفكير وفي النظر إلى الحياة والتأثر بها والحكم عليها. هذه النزعة صوفية بعض الشيء، فيها مزاج معتدل من الإذعان للقضاء والابتسام للحوادث، وفيها مزاج معتدل من حزن ليس شديد الظلمة، ولا مسرفاً في العمق، ومن سخرية ليست عنيفة ولا شديدة اللذع ولكنها على ذلك بالغة مقنعة، تمضي في كثير من الأحيان، ولعلك تجد هذه النزعة نفسها قريبا جداً منك. لعلك تجدها في أهل الكهف. فجيلنا إذن لم يحدث شخصية مصرية لم تكن، وإنما جلا هذه الشخصية وأزال عنها الحجب والأستار، وجيلنا لم يمنحها الحياة، وإنما منحها النشاط، وزاد حظها من الاستقلال وغيّر وجهتها، فلفتها إلى الأمام بعد أن كانت تصر على الالتفات إلى وراء، وليس هذا بالشيء القليل. وأنا معجب بآرائك في الفن المصري، وفي الفن الإغريقي، ولكني لا أحب لك هذا الإسراع إلى استخلاص الأحكام
стр. 879
العامة، وإقامة القواعد التي لا تثبت للنقد والتمحيص. وآية ذلك أنك أنت نفسك قد أحسست بعض هذا الإسراع فأصلحته حين قضيت على اليونان في أول الكتاب ثم قضيت لهم في آخره. وستر أنك أسرعت في الأولى وأسرعت في الثانية، وكنت خليقا أن تصطنع الأناة فيهما جميعا. فليس من الحق أن اليونان كانوا أصحاب مادة ليس غير، وليس من الحق أن روحية اليونان هذه التي أنكرتها في أول الكتاب، وعرفتها في آخره قد جاءتهم من إلههم ديونيزوس وحده. فحظ اليونان من الروحية قديم تجده بيّنا في شعرهم القصصي في الإلياذة والأوديسا قبل أن تظهر فيهم الآثار العنيفة لدين ديونيزوس، وأنت تعلم أن ظهور هذا الإله عند اليونان متأخر العصر، وأنه في أكبر الظن اله أجنبي جاءهم من تراقيا، وأنه لم يعطهم هذه الحياة الروحية العليا، التي نجدها عند سقراط وعند تلاميذه، وعند أفلاطون بنوع خاص، وإنما أعطاهم حياة روحية أخرى كلّها تصوف وكلّها طموح إلى عالم مجهول مختلط تحيط به الأسرار والألغاز، وتعبّر عنه الرموز والكنايات. وكان هذا النوع من الروحية ذا مظهرين مختلفين، أحدهما شائع مشترك، يساهم فيه الشعب كله، وأهل الريف منهم خاصة، والآخر مقصور على طائفة معينة، هي هذه التي تتعلم الأسرار وتشترك في إقامتها وإحيائها. فكان دين ديونيزوس أشبه شيء بطرق الصوفية عندنا، علمها الصحيح مقصور على خاصة المتصوفة، ونشاطها العملي الغليظ شائع في أفراد الشعب جميعاً. وقد كان أثر ديونيزوس في الأدب اليوناني قوياً عميقاً. وحسبك إنه إله التمثيل، ولكن روحية اليونان الخصبة حقاً، الممتازة حقاً، التي أزعم معتذراً إليك إنك لا تستطيع أن تجد لها شبيهاً ولا مقارباً في مصر الروحية. هذه الروحية اليونانية تجدها واضحة جلية، عذبة ساحرة عند فلاسفة اليونان من تلاميذ سقراط، وعند أفلاطون بنوع خاص. ستقول كما قال كثيرون من قبل: إن أفلاطون قد زار مصر، وأخذ منها. ولست أنكر روحية مصر، ولكني لا أعرف عنها شيئاً كثيراً، ولعلي مدين لليونان بما أعرفه من الروحية المصرية. ومهما يكن من شئ فأنت توافقني على أن اليونان لم يكونوا أصحاب مادة فحسب، ولم تأتهم روحيتهم من ديونيزوس وحده، وإنما اليونان مزاج معتدل من المادة والروح. هم الذين يحققون مثلك الأعلى من المزاوجة بين المادة والروح، والملائمة بين الحركة والسكون، وبين القلق والاضطراب، ولذلك كان اليونان هم الذين أخرجوا للإنسانية في العصر القديم
стр. 880
أرقى تراث في الأدب والفن والفلسفة.
قلت إني لا أنكر روحية المصريين. وأقول أيضا إني مؤمن بروحية الهنود، ومعترف بتأثير الروحية المصرية والهندية في حياة اليونان. ولكني لا أعرف من روحية المصريين شيئاً كثيراً لأننا لا نعرف للمصريين فناً ناطقاً، لا نعرف لهم أدباً بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة. وأنت ترى معي أن الأدب هو أوضح مصور لحياة العقول والقلوب، لأنه يحقق مقداراً مشتركاً يمكن الاتفاق عليه، ويصعب الاختلاف فيه. فنحن إذا قرأنا الشعر أو النثر معاً، فهمنا فهماً واحداً أو فهمين متقاربين، ولكن الفن الصامت فن البحث والتصوير وما إليهما يثير في نفوس الناس معانٍ مهما تكن متقاربة متشابهة، فهي تختلف باختلاف الأشخاص والبيئات والعصور، ها أنت ذا تفهم من الفن المصري ما تفهم، ويشاركك فيه كثير من المثقفين ثقافة أوربية، ولكن أواثق أنت حقاً بأن قدماء المصريين كانوا يرون تماثيلهم وعماراتهم كما تراها، ويفهمونها كما تفهمها، ويستلهمونها كما تستلهمها؟ أرأيتك لو سألت مصرياً معاصراً لرمسيس عن رأيه في تمثال من التماثيل، أو عمارة من العمارات، أيقول فيهما مثل ما تقول؟ ومثل هذا يقال في الفن اليوناني، وفي كل الفنون الصامتة، فليس من الخير أن نعتمد عليها وحدها في تشخيص عقلية الأمم وروحيتها، إنما المشخص الصحيح للعقول والقلوب والأرواح هو الكلام، والكلام الجميل الذي نسميه الأدب ونقسمه شعراً ونثراً. فإلى أن يكشف لنا علماء الآثار المصرية عن أدب مصري قديم خليق بهذا الاسم أرجو أن تأذن لي في أن أشك في كثير جداً من هذه الأحكام التي يرسلها الأدباء والشعراء وأصحاب الفن على عقلية المصريين القدماء وروحيتهم، وبعدهم عن المادة، وقربهم من الروح.
كل هذه عندي أحكام يتعجل بها أصحابها، ويرسلونها على غير تحقيق، وإذن فقد يكون من الإسراف أن تتخذ هذه الروحية المصرية الغامضة التي يسرع إليها الشك، والتي تعجز عن أن تثبت للبحث، والتي توشك إن تكون خيالاً تخيلته أنت وتخيله أصحابك من الأدباء ورجال الفن أساساً لأدبنا المصري الحديث. فمن يدري لعل البحث عن آثار مصر أن يكشف لنا بعد زمن طويل أو قصير عن حياة مصرية قديمة تغاير كل المغايرةهذا الخيال الذي تحبونه تطمئنون إليه، ويخيل إليكم أن الفن المصري القديم يوحيه ويمليه وينطق به.
следующие страницы →