Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.
стр. 8156
٣ - شاعرنا العالمي أبو العتاهية
للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
ترجمته:
كان المسلمون حينما ثاروا ثورتهم على بني مروان ينشدون في بني العباس حكماً يعيد لهم عهد الخلفاء الراشدين، ويكون خليفتهم فيه كأحدهم لا يؤثر نفسه بشيء من أمور الدنيا عليهم، ولا يأخذ لنفسه من أموال الدولة إلا ما يفرضونه له منها، كما فرضوا لأبي بكر وغيره، فلم يحقق لهم بنو العباس كل هذا الرجاء، بل ظهروا بأبهة الملك التي كان يظهر بها بنو مروان، واستأثروا لأنفسهم بأموال الدولة، وجعلوها ملكاً لهم ينفقون منها في مصالح المسلمين ما تجود به أنفسهم، وما يبقى بعد حاجتهم، وحاجات أهل بطانتهم وحاشيتهم، وكذا أهل الملق من الشعراء والندماء ومن إليهم، ولم يحققون للمسلمين من كل ما أملوه فيهم إلا هذين الأمرين المهمين: المساواة بين الشعوب الإسلامية في حكم الدولة، وتحضير الدولة الإسلامية بالثقافة العلمية الواسعة التي أحسنوا البلاء فيها
وقد انقسم المسلمون في شأن هذه الدولة بعد قليل من ظهورها إلى قسمين: فتجافاها أهل الورع منهم وأبوا أن يتولوا أعمالها، وسار معها جمهور المسلمين في ذلك السبيل الذي سارت فيه، واستولى عليهم اليأس من ذلك المثل الأعلى في الحكم الذي كان على عهد الخلفاء الراشدين ﵃، ثم أقبلت الدنيا عليهم فانغمسوا فيها أيما انغماس، وتفننوا في أنواع التلذذ بها أيما تفنن، وكادوا ينسون الآخرة كما نسيها من كان قبلهم، فكانوا في أشد حاجة إلى شاعر ملهم يوقظهم من تلك الغفلة القاتلة، ويؤدي في الشعر رسالته التي يجب أن يؤديها في كل عصر على الوجه الذي يتطلبها، وكان لهم ذلك في شاعرنا أبى العتاهية
ولد أبو العتاهية سنة ثلاثين ومائة من الهجرة قبل قيام الدولة العباسية بسنة أو سنتين، ونشأ بالكوفة ولكن أصله من عين التمر، وأبو العتاهية لقبه، واسمه إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان مولى عنزة، وكان خالد بن الوليد قد سباه مع جماعة صبيان من أهل عين التمر، فوجه بهم إلى أبي بكر، وكانوا أربعين غلاماً يتعلمون الإنجيل، ففرقهم في أهل البلاد والأمصار، فاعتنقوا الإسلام وأعتقهم مواليهم، فكان لهم أثر صالح في العلم والأدب،
стр. 8157
ونبغ من أولاًدهم جماعة كانوا من أكابر رجال العلم والسياسة والحرب، مثل موسى بن نصير، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن إسحاق. وكان كيسان جد أبي العتاهية من نصيب عباد بن رفاعة العنزي، لأنه سمعه حين سأله أبو بكر عن نسبه يذكر له أنه من عنزة، وكان يكفله في عين التمر قرابة له منهم، فاستوهبه عباد من أبي بكر ثم أعتقه فتولى عنزة؛ وكان بنوه يزعمون أنهم منها ويكرهون من ينسبهم إلى النبط الذين كانوا يسكنون عين التمر، ولكن الظاهر أن أصلهم منهم، لأنهم كانوا يحترفون بالكوفة من صنعة الجرار ما كانت تأباه فطرتهم لو كانوا عرباً
وقد نشأ أبو العتاهية بالكوفة بين أسرته يعمل الجرار معهم، ولم يذكر الرواة أنه اشتغل بالتعليم في صغره، ولكن الظاهر من أمره أنه اشتغل بقدر منه كان له عوناً في الحياة التي آل إليها أخيراً أمره؛ وكان بالكوفة طائفة من خلفاء الشعراء وأهل المجون والمخنثين، وناهيك بشاعرها والبة بن الحباب الأسدي وما بلغ إليه في الخلاعة والعبث، وهو في ذلك أستاذ أبي نؤاس وغيره، فاتصل أبو العتاهية بتلك الفئة اللاهية، وأطلق لنفسه في ذلك عنانها، فوصل فيه إلى غايته، وتخنث وحمل زاملة؛ وأخذ عنهم شعرهم الخليع في التغزل والمجون وما إليهم، فنبغ فيه، واشتهر به أمره، وكان الأحداث والمتأدبون يأتونه وهو جرار فينشدهم أشعاره، فيأخذون ما تكسر من الخزف فيكتبونها فيه
ثم قصد بغداد في عهد المهدي ليتصل بأمرائها. ويستفيد بشعره عندهم، وكان ثالث ثلاثة فتيان شباب أدباء، ولم يكن لهم ببغداد من يقصدونه، فنزلوا غرفة بالقرب من الجسر، وكانوا يبكرون فيجلسون بالمسجد الذي بباب الجسر في كل غداة، فمرت بهم يوماً امرأة راكبة، معها خدم سودان، فقالوا من هذه؟ قالوا خالصة، فقال أحدهم: قد عشقت خالصة، وعمل فيها شعراً فأعانوه عليه، ثم مرت بهم أخرى راكبة، معها خدم بيضان، فقالوا من هذه؟ قالوا عتبة، فقال أبو العتاهية: قد عشقت عتبة؛ ولم يزالوا كذلك إلى أن التأمت لهما أشعار كثيرة فيهما، فدفع صاحب خالصة بشعره إليها، ودفع أبو العتاهية بشعره إلى عتبة، وألحا في ذلك إلحاحاً شديداً، فمرة تقبل أشعارهما، ومرة يطردان، إلى أن صح عزم الجارتين على امتحان عاشقيهما بمال على أن يدعا التعرض لهما، فإن قبلا المال كانا مستأكلين، وإن لم يقبلاه كانا عاشقين، وكان لهما معهم شأن في الحالين. فلما كان الغد مرت
стр. 8158
خالصة فعرض لها صاحبها، فقال له الخدم اتبعنا فتبعهم؛ ثم مرت عتبة فعرض لها أبو العتاهية، فقال له الخدم اتبعنا فتبعهم؛ فمضت به إلى منزل خليط لها بزاز، فلما جلست دعت به فقالت له: يا هذا إنك شاب وأرى لك أدباً، وأنا حرمة خليفة، وقد تأنيتك فأن أنت كففت وإلا أنهيت ذلك إلى أمير المؤمنين ثم لم آمن عليك. فقال لها: فافعلي بأبي أنت وأمي، فإنك إن سفكت دمي أرحتني، فأسألك بالله إلا فعلت ذلك إذ لم يكن لي فيك نصيب، فأما الحبس والحياة ولا أراك فأنت في حرج من ذلك. فقالت: لا تفعل يا هذا وأبق على نفسك، وخذ هذه الخمسمائة الدينار وأخرج عن هذا البلد. فلما سمع ذكر المال ولى هارباً. فقالت ردوه، وألحت عليه فيها فقال: جعلت فداك ما أصنع بعرض من الدنيا وأنا لا أراك، وإنك لتبطئين يوماً واحداً من الركوب فتضيق بي الأرض بما رحبت. فزادت له ذلك إلى ألف دينار، فجاذبها مجاذبة شديدة، وقال لها: لو أعطيتني جميع ما يحويه الخليفة ما كانت لي فيه حاجة، وأنا لا أراك بعد أن أجد السبيل إلى رؤيتك. ثم خرج فجاء الغرفة التي كانوا ينزلونها فإذا صاحبه مورم الأذنين، وقد أمتحن بمثل محنته، فلما مد يده إلى المال صفعوه، وحلفت خالصة لئن رأته بعد ذلك لتودعنه الحبس، فأستشار أبا العتاهية في المقام فقال له: اخرج وإياك أن تقدر عليك
ثم التقتا فأخبرت كل واحدة صاحبتها الخبر وأحمدت عتبة أبا العتاهية، وصح عندها أنه محب محق. فلما كان بعد أيام دعته إليها وقالت له: بحياتي عليك - إن كنت تعزها - إلا أخذت ما يعطيك الخادم فأصلحت به من شأنك، فقد غمني سوء حالك، فأمتنع أبو العتاهية من ذلك؛ فقالت له: ليس هذا مما تظن، ولكني لا أحب أن أراك في هذا الزي، فقال لها: لو أمكنني أن تريني في زي المهدي لفعلت ذلك، ثم أقسمت عليه فأخذ الصرة فإذا فيها ثلاثمائة دينار، فاكتسى كسوة حسنة، وأشترى حماراً يركبه، وحسن بها حاله
وهذه الرواية تعطينا أن أبا العتاهية كان صادقاَ في حب عتبة التي شبب بها في شعره، وتوله بها فيه إلى أن اقلع عن ذلك فيما سيأتي من نسكه، وربما يكون ذلك كله حسن حيلة منه، وهو ما كان يراه فيه ابنه عتاهية، وقد روي عنه أن أباه إنما أقبل إلى بغداد ليمدح المهدي، ويجتهد في الوصول إليه، فلما تطاولت أيامه أحب أن يشهر نفسه بأمر يصل به إليه، فلما بصر بعتبة راكبة في جمع من الخدم، تتصرف في حوائج الخلافة تعرض لها،
стр. 8159
وأمل أن يكون تولعه بها هو السبب المصل إلى حاجته، وأنهمك في التشبيب والتعرض في كل مكان لها، والتفرد بذكرها، وإظهار شدة عشقها، وكان أول شعر قاله فيها:
راعني يا زيد صوتُ الغراب … بحذاري للبين من أحبابي
يا بلائي ويا تقلقل أحشا … ئي وتعْسي لطائر نعَّاب
أفصح البينُ بالنعيب وما أف … صح لي في نعيبه بالإياب
فاستهلت مدامعي جزعاَ من … هـ بدمع ينهل بالتسكاب
ومُنعتُ الرقادَ حتى كأني … أرمدُ العين أو كحلتُ بصاب
قلت للقلب إذ طوى وصل سع … دي لهواه البعيد بالأنساب
أنت مثل الذي يفر من القط … ر حذار الندى إلى الميزاب
والذي أرجح من ذلك رأى عتاهية، لأنه أدرى بأبيه، ولأن عتبة لم تصدق في حبه حتى يصدق في حبها، وإنما كانت تتخذه للإعلان عنها لتنافس بذلك أترابها من جواري المهدي، وقدهم المهدي يوماَ بعد اتصاله به أن يدفعها إليه فجزعت وقالت: يا أمير المؤمنين: حرمتي وخدمتي! أتدفعني إلى رجل قبيح المنظر، بائع جرار، ومتكسب بالشعر؟ فأعفاها منه. ولم يكن أبو العتاهية إلا رجلَا تاجراَ لا يهمه الحب، وهو لم يقصد بغداد إلا من أجل المال كما سنبينه بعد.
عبد المتعال الصعيدي
стр. 8160
كلفت فكرا عسرا
للأستاذ فخري أبو السعود
ما خِلْتُ ذَا الفِككْرِ بالتفكير ينتفع … كلُّ المذاهبِ إِنْ قلَّبْتَهَا شَرَعُ
كلٌّ له مذهب في العيش يُؤْثِرُهُ … ولستِ تعلم ما الحُسنى وما البِدَع
كلَّفْتَ فِكْرَك عُسراً إن طمحتَ به … إلى يقينٍ لديه الريبُ ينقطع
يَمُّ الحياة يُضِلُّ الفكرَ مُلتَطِم … مِنْ مَوْجِهِ هائلُ الأثباج مُندفع
تَظَلُّ فيه وجوهُ الرَّأي ساهمة … حَيرى مفرَّقةَّ من حيث تجتمع
لَكَمْ تَفَكَّرْتُ في الدنيا وفي أُمم … تَفرَّقُوا في فجاج الأرض واصطرعوا
الجبيرُ والشرُّ ما قالوا وما فعلوا … والنفع والضُّرُّ ما سَنُّوا وما ابتدعوا
يا هل يُراد بهم في أمرهم رَشَدٌ؟ … أم هل ترى القومَ قد ضلوا بما اتَّبعوا؟
فَشَرَّدَ اللُّبَّ تفكيري وأَجْهَدني … وما اهتديتُ لأمرٍ فيه مُقْتَنًع
وكلما زدْتُ علماً زدْتُ - وَا أسفي - … جهلاً، ولم أدْرِ ما آتي وما أدَعُ
فَرُحْتُ أشكو إلى روض الضحى نَصَبي … فضمَّني منه مُرتادٌ ومُنْتَجَع
ومَرَّ بَرْدُ بنانٍ من نسائمِهِ … على جبيني فزال الهمُّ والوَجَع
وقال لي الزهرُ: ذا عطري نفحتُ به … من رام، ليس على من رام يمتنع
وقال لي النهر: ذا مائي النمير به … - إن رُمْتَ منْتَقَعَاً - للروح منتَقَع
وقال لي الروض: فُزْ بالطيبات ولا … تحفل بما قاله قومٌ وما اشترعوا
إن رمتَ حقَا فهذا الحسنُ في كَنَفِي … هو الحقيقةُ لا رَيبٌ ولا خُدَع
مجدَّد النسيج موصول الحُلي أبدا … يطيب في ظلِّهِ مَشْتى ومُرْ تبَع
وليس يُصلحه قوم إذا رَشَدُوا … ولن يضيروه - إن ضَلوا - بما صنعوا
يبقى على الدهر مرموقَ السنَى بَهِجاً … وتنقضي شَيِعٌ في إثرهم شَيِع
فخري أبو السعود
стр. 8161
خواطر في العلم
للأستاذ محمد الحليوي
العلمُ أصبحَ في أيّامنا صنماً … وأصبح الجيل من عُبَّادِ ذا الصنم
دينٌ جديدٌ بدت للِقل آيتُه … فآمن العقل بالآيات والكِلَمِ
عصاهُ بالسحر تُنشى العُدْمَ مُعجِزةً … وَتبْرئُ الصخْرةَ الصَّماء من صَمَمِ
وتجعَلُ في كلّ آنٍ آيةً عجباً … وَيَلْبِسُ الواقِعَ المشْهودَ بالحُلم
فَفي الهَبَاءةِ روحُ الكَوْنِ شاَئقةٌ … وفي القُطَيْرَةُ آزالُ مِنَ النُّظمِ
وَرةُ النّور في إشعَاعِهَا أبَدٌ … وزَهْرَةُ الحقْلِ لا تَخْلو من الألم
كما فيه من رَحْمةٍ عمَّتْ مراحمُهَا … نعمْ وكم فيه من بَلْوى من نِقَم
كأنهُ ربُّ (ماني)، في طبيعته … تصارعت آيةُ الأنوار والظلم
العلمُ لا يُرتجي للحقّ يَرفَعه … كلا ولا هو يهدي النفْسَ للقُدسِ
الغرْبُ في علمِه ساءت خلائِقُه … وبات في خُلقْه يمشي إلى خَنَسِ
الغربُ ينعم واللَّذَّات ضاريةٌ … والحسَ يعرم والأفراحُ في عًرُسِ
والرّوح قَفْرُ فلا إيمان يَعمُرها … ولا بقينَ يًضيءُ القبَسِ
العلمُ هدَّم أَوْهاما مُحبَّبة … كانت تقيءُ لها الأرواحُ الغَلَس
العلمُ هل طهَّر الأخلاق فاحترقَتْ … بنَارِهِ من أصيل اللوْمِ والدنَسِ
العلمُ! هَلْ صَدَّ أقواماً ذَوِى حرس … أن يستطيلوا على قَومٍ بلا حرسِ
وهل كفى أهلَهُ شتَّى مذابِحهِم … وكيف بات يسرْ الكَوْنِ في خرسِ؟
كفى هُراءً فإن البحر يُدهشنا … ونحن لَّما نزلْ في السَّاحل اليَبَسِ
تونس
محمد الحليوي
стр. 8162
من مآسي الفيضان في العراق
الفلاح المنكوب
للأستاذ أنور شاءول
أًرأَيْتَ الحَقْلَ يُصبي الناظرينْ؟ … أسَمِعْت الطَّيرَ حولَ الجدوَل؟
ذَاكَ يُحيي السعدَ في القلبِ الحَزينْ … وَهْي تشدو تَغماتِ الأَملِ
أَنَشِقتَ الزَّهرَ قد فاحَ شذاهْ … يُتْرِعُ الأرواحَ طيباً مُلُهِماً
فَتُذِيع الرِّيحُ سِراً قد طَواهْ … في حَناياهُ ولم تَفْتَحْ فَما
أَوَعَى الفكْرُ حدِيثاً قد رواهْ … بُلْبلٌ حُرٌّ أطالَ النّغما؟
قِصّةُ الفَلاَّحِ رَمْزِ الْبَائسينْ … قِصَّةٌ تَعْصُرُ دَمْعَ المُقَلِ
سوفَ يَبقى ذِكْرُها في كلَّ حينْ … وَمكانٍ غَيْمَمةً لا تَنْجلِي!
قد سَقَى الزرعَ صباحاً ومساءْ … تارةً ماَء وَطوْراً عَرَقا
رمزُهُ في السَّعْي جِدُّ وَعَنَاءْ … مُنْذُ ما الشَمسُ تُحَيِّ المَشرِقا
أَسًيُولُ الْغَيْثِ أم نارُ ذُكاءْ … داهَمتْهُ ليسَ يَخشى المُلْتَقَى
مُستعيناً بِبنَاتٍ وَبَنينْ … وبِزَوْجٍ ذاتِ خُلْقٍ أمثلِ
أُسْرَةٌ تَحْياَ بِمَسفوحِ الجبينْ … تَرْتَجي الخيرَ جَراَء العملِ
هُو ذَا الزرع، وما أَوْفَرَهُ! … يَنبئُ الفَلاّحَ بالخيرِ العميمْ
إن تُجِلْ طَرْفاً فلَنْ تحصُرَهُ … أيْنَ مَنْ يُمكِنُهُ حَصْرُ النجومْ
ناضر الخُضْرَةِ؛ ما أزهَرَهُ؛ … يُطْرِقُ الرأْسَ إذا هَبَّ نسيمْ
فمتى تُصْبحُ يَا مَرْعَى العيونْ … ذَهَبيَّ اللَّوْنِ زَاهِي المَخُملِ؟
وَمتى حَبُّكَ يُهْدِي الجائعينْ … خُبْزَةً تُشْبعُ ذَا الجَوْفِ الخليِ؟
رَقَدَ الفَلاحُ مَقْرُورَ الفؤاد … حالماً والسَّعدُ في أحلامِهِ
يُبصِرُ الآتيَ مُنْصاعَ القِيادْ … وَيَرى الأيامَ من خُدَّامِهِ
لا عناءٌ، لا شَقاَءٌ، لا سُهاَدْ … قلُبهُ حُرِّرَ مِنْ آلامِهِ
يَا لأبناء الرزايا البائسينْ … يَا لَمخْدوعي الرُّؤى والأملِ
ما دَرَوْا أنَّ اللَّيالي في الكَمينْ … سوفَ تُصْلِيهِمْ بِخَطْبٍ جَلَل
стр. 8163
دَوتِ الآفاقُ ليلاً وَالقِفَارْ … بِصُراخٍ رَدَّدَتْهُ الصَّائحات
قد طَغَى النهرُ فيا قَومُ البَدارْ. . . … أَنْقِذُوا الأَنْفُسَ. . . صُدُّوا النّكَبَاتْ
أًنْقِذُوا النسوَةَ والوُلْدَ الصِّغارْ … وَشُيُوخَ الحيِّ مِن قَبلِ الفَواتْ. . .
جنباتُ الكَونِ ضجَّت بالرَّنين … فكأنَّ الشُّهْبَ حَطَّتْ مِن عَلِ
وتوالت صعقَاتُ الصَّاعقين … يَستحِثُّونَ الخُطى في وجَلِ
وَزَهاَ الصُّبحُ وفي طلعتِه … تبسمُ الأنوارُ في الأفق البعيد
إنما الفلاحُ من نَكْبَتِه … يشتكي لله ذي البَأْسِ الشديد
الأسى والحزُنُ في نَظًرَتِهِ … واللَّظى في صدرِه حامي الوُقُود
(أين حقلي وحِمَى كُوخي الأمين؟ … أين زرعي؟ أينْ زاهي الُّنُبلِ؟
قد حواهُ اللُّجُّ مَسْدولَ الجفُون … قَبْلَما لاقَى بَريق المِنْجَلِ)
ساَرَ والأطَفَالُ نَهْبٌ لِلْبُكاءْ … وأًنينُ الأمِّ مَسْموعُ النّغَم
وَدَّ لو عادَ قليلاً لِلوراءْ … إنمَا هَيْهَاتَ إرجاعُ القَدَمْ
أيْنَ يَأْوي؟ هُو ذا قَصرُ عَلَاءْ … ظاهِرُ الرّونَقِِ، مَلْموس النَّعَم
(أيُّهَا السَّاكِن في القَصرِ الحصينْ) … هتفَ الفلاّحُ: (هَلْ من مَوْئِلِ؟)
(ليسَ بَيتي مَلجَأً للِشاردين) … صِرَخَ السَّاكِنُ في القَصر العَلي
بغداد
أنور شاءول المحامي
стр. 8164
فصول ملخصة من الفلسفة الألمانية
١٠ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا
فلسفة نيتشه ١٨٤٤ - ١٩٠٠
للأستاذ خليل هنداوي
(عملت على إنجاز كتاب (فلسفة نيتشه) للأستاذ (هنري
ليشتانيرجر)
(خ. هـ)
- ١ -
نيتشه هو ممثل الفكرة الألمانية الجبارة في تاريخها الحديث كما كان (بسمارك) رجلها الحديدي في السياسة. فهما وإن اختلفت منازعهما وتباينت الحقول التي غرسها فيها، فما غرس الاثنان إلا بذور القوة والإرادة في شعب تلقحت دماؤه وأفكاره بمصل القوة والإرادة.
هنالك كلمة تسطرها براعة الفلاسفة والنقاد وتشغل مكاناً من العصر الحديث. هذه الكلمة هي كلمة (الانحطاط الاجتماعي) وفلاسفة الاجتماع لا يرون في هذا الانحطاط شيئاً سياسياً يمكن إصلاح الفاسد فيه، أو اعوجاجاً يمكن تقويمه، بل هو داء عضال قد تأصل في جسم البشرية وتمشى في لحمها وعظمها ودمها فهو لا يذهب إلا بذهابها ولا يتلاشى إلا بانقراضها. ومن هؤلاء المغالين في تشاؤمهم (فردريك نيتشه) الذي نازل العالم كله وحده، وهدم العقائد والتقاليد مستمداً من عقله وقلبه عقائد وتقاليد أسمى منها.
- ٢ -
الشخصية في نيتشه
إن من الجور أن ننظر فيما ترك نيتشه من تعاليمه (كمذهب محدود) لأن الرجل لم يعمل على أن يؤلف مدرسة فلسفية، ولم يكن لمثل عقله الوثاب أن يقيد نفسه بقيود ضيقة؛ وإنما هو الثورة المتدفقة التي لا تعرف نظاماً ولا انتظاما يملك عليها الاضطراب في اندلاعها،
стр. 8165
ويملك على عقله التناقض حتى في الفكرة الواحدة. وإنما الأجدر بنا أن ندرس من فلسفته (الناحية الفردية والشخصية) وهي أبرز نواحي فلسفته جلاء وقوة، لأنها ابنة طبع خاص، وهوى صادق مستقيم إن فلسفة (نيتشه) فلسفة تتجلى فيها (الذاتية) المنقطعة عن الناس. (ماذا يقول لك شعورك؟ يجب أن تكون كما أنت! فينبغي للإنسان أن يعرف نفسه وجسده وحواسه، وأن يمشي بحياته كما تريد ذاته وشخصيته، وأن يغتنم من الفرص أحسن ما يغتنم، ومن المصادفات ما يحقق مطامعه، وبقرب غايته. وأن يصحح - بقدر ما يستطيع - هذه الطبيعة بالفن، ليتسنى له أن يظهر ذاته ويبعث حياته. كلٌ يغترف من هذا المذهب بحسب غريزته وطبيعته؛ إذ لا قواعد ولا أساليب محدودة تصنع لكل إنسان نفسه. فمذهب (عدم المساواة) بين الناس هو من مبادئ نيتشه. إذ ينبغي لكل إنسان أن يخلق بنفسه حقيقته وهدفه وفضيلته؛ فما كان صالحاً للواحد قد يكون ضاراً للآخر. وما كان ضاراً للواحد يكون صالحاً للآخر. وكل ما يستطيع المؤرخ أن يصنعه هو أن يقص تاريخ نفسه، والطريقة التي اكتشف بها نفسه، والإيمان الذي وجد به راحة نفسه. وأن يكون المثال الذي يقتدي به معاصروه للوصول إلى عوالم أنفسهم. . . . ولكنه ليس له بعد هذا كله من مذهب أو من طريق. لأنه لا يود أن يكون راعي قطيع خاضع ذليل
(يقول (زرادشت) لرفاقه الأمناء: (إنني وحدي أذهب يا رفاقي. . . وأنتم وحدكم اذهبوا. . . أنا أريد ذلك
في الحقيقة أعطيكم هذه النصيحة. ابتعدوا عني كثيراً، واحموا أنفسكم من زرادشت. . . وخير لكم أن تخجلوا منه
أنتم تقولون: إنكم مؤمنون به ولكن ماذا يهمه إيمانكم؟ أنتم المؤمنون به، ولكن ماذا يهمه كل المؤمنين؟
أنتم لم تفتشوا بعد عن أنفسكم، ولذلك وجدتموني. هكذا يقول كل المؤمنين، ولهذا أرى أن كل إيمان هو شيء ضئيل. والآن آمركم بأن تفقدوني لتجدوا أنفسكم، وعندما تكفرون بي أعود إليكم في تلك الساعة. . .)
يتميز تيتشه من أصحاب المذاهب الفلسفية بأنه لا يخاطب العقل وحده كما يفعلون، بل يخاطب الإنسان بأسره عقلا وجسداً. فما التفكير عنده والعاطفة إلا أهواء تعبث بها قوة
стр. 8166
خفية كامنة تصرفها كما تشاء إلى أين تشاء. (إن وراء أهوائك وعواطفك - يا أخي - سيداً (قادراً) وعاقلاً مجهولاً يسمى (الذات) يسكن جسدك، وإنما هو جسدك، فالجسد بما يضم من أعضاء وبما يحتوي على إرادة القوة، ذا ما يدعوه نيتشه (العقل الكبير للإنسان) وأن العقل الحقيقي - وحده - ناقص سريع العطب. تستعين به الذات على بسط قوتها ونفوذها. فإذا أراد إنسان أن يؤثر في آخر فبهذه الذات الخفية وحدها يمكنه أن يؤثر. وكل شيء سواها باطل. ومن اللغو أن تعرض مذهباً فلسفياً بالطرق المنطقية، أو تحدد العقل بالمقاييس التي اخترعها العقل. وإنما هذه الأحكام المنظمة (مجموعة التقاليد المقدسة) محددة الخير والشر، والجميل والقبيح، هي أحكام موضوعة لا ظل لها من حقيقة، ولكن الإنسان هو واضعها ومقدسها. وخيرهم من ساعد على نشر (ذاته) وشخصيته. فالكتاب - مثلاً - إن هو إلا فعل يقوم بقيام شخصية صاحبه، وبكيانه الكامل. فهو ليس بمفكر فحسب بل هو نبي. . . لا يقول للناس (أنا أحمل إليكم الحقيقة العالمية غير المتعلقة بذاتي. ولكنه يقول (ها أنا بما فيّ من إيمان وحقيقة وخطأ، كما أنا. أقول (نعم) للكون، لكل أفراحه وآلامه. فانظروا إن كنتم تجدون أيضاً سعادتكم في هذه الآراء التي وجدت فيها سعادتي)، وبينا يروح غيره من الفلاسفة متباهين (بانسلاخهم عن شخصيتهم نرى نيتشه يجعل من شخصيته مدار فلسفته. . . فلسفته في الحقيقة هي تاريخ نفسه. وزرادشت النبي الذي يكتب عنه بلهجة شعرية مؤثرة هو ذات نيتشه بما يجول في ذاته من رغائب وآمال وأحلام ومن لم يفهم شخصيته لا يفهم فلسفته
- ٣ -
صفحة من حياته الأولى:
ولد نيتشه عام ١٨٤٤ من أسرة يعتقد بأنها أسرة بولونية قديمة ألجأها إلى ألمانيا ما ألجأها. نراه في حداثته مثال السيطرة والاعتماد على الذات وقهر الآلام الجسدية. وقد كان كثير الوفاء والاحترام لأصدقائه برغم ميله الطبيعي إلى العزلة، صارماً في معاملته. لا يميل إلا إلى من يلائم هواه ويوافق مزاجه ولا ينفر إلا ممن طغت الرداءة والشراسة على خلقه. صارم في حديثه، جاد في مزحه. لا يهوى المزح الكاذب مهما كان عنصره. لأن خروج
стр. 8167
الرجل عن طبيعته في الحياة الخاصة يخرجه عنها ما يخرجه في الحياة العامة. لا يطيب له مجلس العوام ولا الدخول في حلقاتهم. وإنما هو في حياته كما تمثله لنا كتاباته إرادة فولاذية وسيطرة بعيدة. وكأنه جبل من طينة غير طينة البشرية. لا يهوى الضعف ولا الاستكانة ولا يميل إلى الاستسلام. ولعل الكاتب الدانماركي (أبسن) قد رسم شخصية نيتشه في روايته التمثيلية (الراعي براند) الذي كان رجل كل شيء ولا يقفه حائل. لا يشفق على نفسه ولا على غيره. يضحي - بدون وجل - بسعادته في سبيل تتميم إرادته؛ يمشي ولا يتسرب إليه الضعف، دامي القدم، محطم القلب. مخترقاً سبيله، بطلاً أبسل في كل ما يخترق. ولا يزال هذا دأبه حتى يريحه الجنون، وترحمه المنون) مثل نيتشه مثل هذا الراعي رجل كل شيء أو رجل لا شيء. يذهب بإرادته لا يصده صاد ولا يمنعه مانع. وقد تكون هذه البطولة - عند نيتشه - أحد عوامل سروره. كما يكون الاستشهاد عند من يقضي في سبيل وطنه. على أن هنالك (نفوساً شاذة) في هذا المجتمع، ممن يقدر لها أن تحارب التعالم وهي تلم أن في هذه الحرب شقاءها وبلاءها، تراها مضطرة بطبيعة حالها إلى أن تكون ذات قلب شديد وإرادة فولاذية، تستعين بها على اقتحام المصاعب ومثل هذه البطولة بطولة المجاهد الذي تتصلب إرادته، وتتحجر عزيمته وهو - خلال ذلك - مفتقر إلى صداقة تسعفه وتساعده، ومن عسى يتخذ صديقاً من بين هذه (المخاليق الناقصة) ولكنه اتخذ أصدقاء يقبل بكمالهم ويؤمن بمثلهم ويغضي طرفه عن نقصهم، وقد صور في مطلع حياته بعض صور أصدقائه تامة كاملة كأنها المثل الأعلى، وبهذا وجد في (شوبنهاور) أسمى مثل للفلسفة. وفي (ريشارد فاحبز) أسمى مثل للفن. وإذا هو وجد في صحبة هؤلاء راحة نفسية فإنه وجد في نهاية هذه الصحبة ألماً طالما أمضه وعذبه. ومبعث هذا الألم أن الفيلسوف ظل ساعياً دائباً وراء الإنسان الكامل الذي كان مثله الأعلى. فكان - لذلك - في نزاع مستمر مع نفسه، وقد كلفته هذه الصداقة كثيراً، لأن مثله الأعلى يقضي عليه بأن يضحي بها. فجرب كثيراً أن يغض الطرف عن نقص صديقيه، وألا ينظر فيهما إلا مثلاً أعلى الصداقة. فتذوق من الصداقة مرارتها كما تذوق حلاوتها. . . وهكذا آب إلى عزلته لأن طبيعته تدعوه إليها
(يتبع)
стр. 8168
خليل هنداوي
-
стр. 8169
القصص
من أساطير الإغريق
بلوتو يخطف برسفونيه
أسطورة الربيع
للأستاذ دريني خشبة
كانت ديميتير الطيبة، ربة الخيرات ومغدقة البركات؛ الرحيمة البارة؛ ملونة الزهر، ومنضجة الثمر؛ واهبة الحقول خضرتها والبساتين نضرتها. . . كانت ديميتير الطيبة تسكن في قصر منيف يشرف على سهل إنا أروع سهول جزيرة صقلية جمالاً وأعذبها ماء وأطيبها هواءً، وكانت، حين يتنفس الصبح، تلبس تاجها اليانع الذي ضفرته من سنابل القمح، وتتناول باقة من زهرات الخشخاش ريانة، وتقبض بيمينها على صولجانها العتيد، المرصع بالزبرجد، ثم تستوي في عربتها المطهمة فتنطلق بها الصافنات الجياد تجوب أنحاء الأرض، وتمر بكل مزرعة، وتقف عند كل كرمة؛ تهب القمح من نفحاتها فيربو، والثمر من بركاتها فيزكو، والينع من أنفاسها فيطيب. ثم تعود إذ يجن الليل، فتهرع إليها ابنتها الصغيرة برسفونيه فرحة متهللة، لافة ذراعيها الجميلتين حول ساقي أمها، كأنما تبثهما ما في قلبها الصغير من لوعة وغليل!
وكانت الفتاة - برسفونيه - تقضي ساحبة النهار، إلى أن تؤوب أمها، في سرب من أترابها، بنات الغاب الحسان؛ فيظلن يقطفن الزهر، ويجمعن الرياحين، ثم تنشب بينهن معركة حامية من معارك الطفولة، وملحمة صاخبة من ملاحم الصبى؛ فيتراشقن بالورد، ويترامين بالزنبق الغض، ويتضاربن بأفواف السوسن. . . وهن فيما بين هذا وذاك يقرقعن بالضحك، ويتبادلن النكات، ويتغنين الأغاريد؛ فتستجيب الغابة لهن، وتترقرق الغدران من تحتهن، وتهدل الأطيار من فوقهن، وتمتلئ الدنيا حولهن نشوة وحبوراً
وكأن بلوتو: إله الموتى، ورب الدار الآخرة؛ قد مل هذا السكون المخيم في مملكته تحت الأرض: هيدز، وسم هذه الأشباح التي تطيف به هنا وهناك في الظلمات المحيطة به، وأرواح الموتى تئن وتتوجع في كل مكان من ملكه القابض الحزين؛ فأسرج عربته
стр. 8170
الضخمة، وألهب جيادها بسياطه القاسية، فانطلقت تعدو به إلى. . . الدار الأولى. . . هذه الحياة الدنيا!!
خرج بلوتو يروح عن نفسه، وينشق هذا النسيم الحلو الذي يغمر ملكوت أخيه زيوس، ويروي روحه الظامئة بالتفرج على عرائس الماء وبنات الغاب، إذ أبين جميعاً أن يشاركنه ملكه الرحيب، ورفضن التزوج منه، برغم ما أغراهن به من اللآلئ واليواقيت
وفيما هو ينهب الأرض بعربته، إذا به يسمع في غيضةٍ قريبة، ضحكات مرنة، وأصواتاً موسيقية متقنة، وأحاديث كأنها دنانير من ذهب في كف صيزفي حذق! فساقه الفضول إلى استكشاف أولئك الغيد اللائي يتضاحكن هكذا، كأنما يترنمن بالشدو، ويرجعن بالغناء! ففرق العساليج التي كانت تحجبهن، فرأى البدور البيض يتلاعبن على الحشيش الأخضر، كأنهن نغمات حلوة تنطلق من أوتار أرفيوس!
وجن جنون بلوتو!. . . وأقسم ليخطفن هذه الفتاة الخدلجة الممشوقة، التي تدل على الجميع كأنها فينوس في دولة الحب، أوديانا تخطر بين أماليد!
(إلام أظل في هذا الديجور الحالك وحدي؟! وحتام أقاسي منفاي السحيق من غير صديق أو رفيق؟! وما قيمة ملكي الشاسع، وأنهاري الفائرة بالحمم، مادمت لا سمير لي ولا مؤنس، إلا زبانيتي وكلابي؟ وإلا شارون المسخ الكئيب؟
لقد مللت! ولا بدلي من هذه الكاعب الحسناء، والغادة الهيفاء!
إن لها لفماً رقيقاً. . . . وإنها لتتثنى كالغصن، وتخطو كالقطاة!
يا للثدين!
مالهما بارزتين هكذا؟ أتطلبان حضناً قوياً كحضني؟ أم يملؤهما لبن الآلهة، ورحيق السماوات؟!
يا للفخذين الملتفتين الممتلئتين!!
إنهما مترعتان باللذة، فياضتان بالإغراء والترغيب! مالهما تنفجان شهوة هكذا؟!
وهاتان حماتا الساقين! ويلي عليهما وويلي منهما!!
إنهما حماتان خبيثتان كأبرع ما تنحت يدا فنان! إنهما تمتلئان لذاذة، وتطلقان رقي السحر في قلوب الناظرين! كورتا تكويراً خفيفاً من فوق، وانعقد دهاء الفتنة عند التفاف العضل
стр. 8171
فأفعمهما رغبة واشتهاء!!
وقدماها!!
يا للكعبين المستديرين، والجنة النائمة فيهما!!
والذراعين الناعمتين!
والظهر العاجي الناصع!
والشعر الذهبي الذي يداعبه النسيم كأنه خصلة من ظلال الخلد!
ويلي!
أنا لا أري إلا هذه الأعضاء السابية، وأغفل عن هذه الابتسامة التي ترف حول الفم!!
إنها أجمل من زهرة التفاح في أوائل شهر مايو، وأرق من بتلات أزهار اللوز في شهر أبريل!!
تلمظ يا فمي فإنك ظمئ إلى قبلة تطبعها على هاتين الشفتين الأقحوانيتين!
وسمع إحدى الفتيات تناديها: (برسفونيه! أنظري! هاك بنفسجةً حلوة!)
فتحدث إلى نفسه:
(برسفونيه!
هذه عروس الربيع إذن! ابنة ديميتير من أخي زيوس!
لقد كبرت وترعرت، ونهدت؛ وطابت في جسمها البض ثمرة الحياة!!
اغفر لي يا أبي ساترن! سامحيني يا رها!
سأخطفها! سأجلسها بجانبي على عرش هيدز! ستصبح مليكة دار الموتى! ستنقشع ظلمات ملكوتي بوجهها المشرق الجميل
لن أشعر بشقوة، ولن أحس خباء في ملكي!! إنها ستكون جوهرة التاج، وفتنة العرش، وستسجد الأرواح تحت قدميها المعبودتين!!
سأترك لها أن تغفر وتثيب، وسأدع لها مقاليد السفل تصنع فيه ما تشاء!)
ثم ألهب جياده فانطلقت نحو الفتيات، ولشد ما تفزعن إذ لمحن وجهه الأغبر، يتدلى عليه شعره الأشعث؛ والظلال المظلمة تتخايل فوق جسمه البار كالسمادير!
ولقد كان كلبه سير بيروس، ذو الرؤوس الثلاثة، يلقى الرعب في القلوب!
стр. 8172
وفر الحسان مذعورات. . . . إلا برسفونيه، فقد قبض بلوتو على ذراعها الرخصة، وجذبها إليه في العربة، وذهب يسابق الربح ويلاحق البرق، حتى اعترضه ماء نافورة أخذ عليه سبيله. وسرعان ما فار الماء كالتنور، وصار يغلي كالحميم الآن، حتى خشى بلوتو الجبار أن يعبره، وأوجس، إن هو انثنى يبحث عن طريق آخر، أن يضيع الوقت، وتفلت الفرصة، وتروح ديميتير تفتقد ابنتها حتى تستنقذها من يديه. فتناول صولجانه الهائل، وضرب به الأرض فرجفت وزلزلت، وانشقت عن أخدود كبير بعيد الغور. . .
وكانت برسفونيه قد أفيقت من هلعها، فلما رأت النافورة تغلي وتصطخب، أدركت أن إحدى عرائس الماء قد عرفت من أمرها كل شئ، وأنها قد تستطيع أن تؤدي لها خدمة في ذلك المأزق الحرج، فحلت (برسفونيه) زنارها الحريري الأبيض وألقت به عند ضفاف النافورة عسى أن يصل يوماً إلى أمها عن طريق هذه العروس، فتعلم أين هي، وماذا تم من أمرها
وانطلق بلوتو في ظلام الأخدود حتى وصل منه إلى مملكته. . هيدز! فاستوى على عرشه مثلوج الصدر خفاق الفؤاد!
ثم طفق يترضى برسفونيه بشتى الوسائل، وهي ما تزداد إلا شماساً ونفوراً. . . طاف بها أرجاء مملكته الشاسعة، وأراها شطئان ستيكس وأشيرون وليث، وسائر أنهار الجحيم؛ ثم خاض بها وادي الأفاعي والعقارب، ومدينة الزنابير واليعاسيب، والدرك الأسفل من النار حيث يأوي المنافقون والكذابون، وحديقة الخونة واللصوص ذات الأشجار من لظى ولهب. . . ولم يفقه المغفل أنه كان يضاعف فزعها أضاعفاً مضاعفة كلما مر بها على منظر جديد من ملكه البغي!!
وعادت ديميتير في المساء، ولكن برسفونيه لم تهرع للقائها كعادتها؛ فحسبتها نائمة. . . بيد أنها لم تجدها في مخدعها، فافتقدتها في جميع الغرفات، ولكن عبثاً حاولت أن تقف لها على أثر! فاضطربت نفسها بالوساس، وخرجت تبحث عنها في الحديقة، فلم تجدها كذلك!
ريعت الأم وارتعدت فرائضها، وانطلقت تعدو وهي تصيح كالمجنونة:
(برسفونيه! برسفونيه! أين أنت يا برسفونيه!) ولكن لسان الصدى - إيخو - وحده الذي كان يردد نداءها. . . . .
стр. 8173
ووصلت إلى ابن أخيها هيفيستيوس إله النار فأعارها شعلة عظمية تنير لها ظلمات العالم، ودياجير الليل، عسى أن تهتدي إلى برسفونيه
جاست خلال الغابات، واخترقت الأودية. وفتشت الشطوط، ونفذت إلى أعماق الكهوف، وجالت في مهاوي الجبال، ورقت إلى شعاف الآكام. . . وبحثت عنها في جميع الآفاق. . . فلم تعثر به!!
استعانت بالآلهة، واستنجدت بعرائس البحار، ولكن جهودها ضاعت عبثاً. . .
وجلست ديميتير كاسفة البال ملتاعة القلب، تعلو جبينها عبوسة قمطريرة، وتنوء بروحها آلام وأشجان. . . وأضربت عن الطعام، وآلت لا ينضر حقل ولا يذر نبات، ولا تثمر شجرة، ما دامت ابنتها نائية عنها.! فجفت السهول، ويبست سوق الحنطة قبل أن تؤتى أكلها، وخرقت البساتين دون الثمر، فعجف الناس، وضمرت بهيمة الأرض، ونشر الجوع ألوية الخراب في العالمين!!
وانصرف الناس يصلون لزيوس، ويضرعون لديميتير، ولكن الحزن صرفها عنهم، فلم تسمع لصلاتهم ولم تلب ندائهم. . .
وفيما كانت تجوب القفار، وتطوي المهامه البيد، إذا بها تصل إلى النافورة التي ألقت عندها برسفونيه بزنارها
وإنها لتجلس عند حفافيها تفكر في أعز البنات، إذا بعروس الماء أريثوذا؛ التي لمحت بلوتو يخطف برسفونيه، والتي أهاجت النافورة لتقطع عليه سبيله، تظهر من الماء فجأة لترى من هذه الجالسة عند دارتها تئن وتتوجع؛ وتعلم أنها الربة ديميتير وأم الفتاة، فتتحدث إليها قائلة: (ديميتير! عزيز علينا أن تجزعي هكذا؟! طيبي نفساً وقري عينا، فإن بلوتو رب هيدز هو الذي خطف برسفونيه! وهاك زنارها شاهدي على ذلك! ولقد تبعتها إلى الدار الآخرة أحسب أني أستطيع أن أؤدي لها يداً أو معونة ولكن الإله القاسي أغرى بي زبانيته، فانطلقت مذعورة من اللعين ألفيوس. . . . وعليك أن تخلصي الفتاة فنها لا تذوق طعاماً، ويكاد الحزن يصعقها برغم أنها أصبحت مليكة دار الفناء
وتناولت ديميتير زنار ابنتها فعرفته، ثم طفقت تلقيه على عينيها وصدرها. . . ساكبةً دموعها الغوالي!
стр. 8174
وقصدت من فورها إلى زيوس فحدثته بما قالت عروس الماء أريثوذا، وأقسمت لديه، إن لم يأمر أخاه برد برسفونيه، لتهلكن عباده جوعاً، ولتجعلن وجه الأرض فدفداً يبابا. . . لا تسمن بزرع، ولا تروي بضرع!!
فتأثر زيوس من قولها، وابتسم ابتسامة حزينة، ثم قال: (لا بأس من عودة برسفونيه إذن. . . . ولكن! على شريطة ألا تكون قد ذاقت طعاماً في هيدز، مملكة أخي! فإنها، إن كانت قد فعلت، لا تصلح للحياة في هذا الدار الأولى!)
ولسوء الحظ، كانت برسفونيه، بعد امتناعها عن ذوق شيء من طعام هيدز طوال هذه الأشهر، قد أكلت في نفس ذلك اليوم الذي وعد فيه زيوس بعودتها إلى الدنيا ست حبات من الرمان فحسب! فلما علم زيوس بذلك، عدل حكمه، فقضى أن تلبث برسفونيه في هيدز عند شقيقه بلوتو ستة أشهر من كل سنة، أي شهراً بكل حبة مما أكلت!! وتعود إلى أمها فتلبث معها ستة أخرى؛ فيعود بعودها الماء إلى الزروع، والأزدهار إلى الحدائق، والشبع والثروة إلى الناس، ويكون عودها ربيع الحياة وبهجة الأرض
عاشت برسفونيه ربة الربيع! ولا طال عن الناس مغيبها في هيدز. .! عند الشرير بلوتو. . . الذي حرم الحياة من أن تكون ربيعاً كلها!!
دريني خشبة
стр. 8175
البريد الأدبي
عيد الأكاديمية الفرنسية
سبق أن تحدثنا عن الظروف التي نشأت فيها الأكاديمية الفرنسية منذ ثلاثة قرون في عهد لويس الثالث عشر ووزيره الكاردينال ريشيلو، وعما تعتزمه الحكومة الفرنسية والأكاديمية من إحياء هذا العيد والاحتفال به. وقد صدر أخيراً أول بيان رسمي عن برنامج هذا الاحتفال؛ وسيبدأ تنفيذه منذ ١٧ يونيه القادم؛ ففي هذا اليوم قداس رسمي في كنيسة جامعة السوربون؛ ويفتتح معرض الأكاديمية في المكتبة الوطنية؛ ويستقبل رئيس الجمهورية أعضاء الأكاديمية؛ وفي اليوم الثاني (يوم ١٨)، تعقد جلسة رسمية للأكاديمية في قصر اللوفر في بهو (الكارياتيد)، وتلقى الخطب، وتقام حفلة تمثيلية، ثم تقام مأدبة عشاء يعقبها استقبال في دار البلدية. وفي يوم ١٩، تقام مأدبة للأكاديميين في حدائق شانتيلي، ويزار متحف كوندي؛ وفي يوم٢٠ منه تعقد الأكاديمية جلسة رسمية في دارها (تحت القبة)؛ ثم تولم في المساء وليمة رسمية كبرى. هذا وستصدر الأكاديمية بهذه المناسبة كتاباً ذهبياً يشترك فيه كل عضو بكتابة فصل من فصوله، وستقدم نسخة من القاموس الجديد في جلد فخم إلى رئيس الجمهورية (وهو النصير الرسمي) للأكاديمية
ذكرى الفرد دي موسبه
عنيت جمعية أصدقاء الشاعر الأشهر الفرددي موسيه بإقامة معرض لكتبه ورسائله وآثاره في السابع من مايو الجاري، وذلك لمناسبة مرور مائة عام على نظمه (ليالي مايو)، وأقيم هذا المعرض في نفس المنزل الذي كان يعيش فيه دي موسيه حين ألف هذا الكتاب وهو يقع في شارع جرنيل رقم ٥٩. وقد رأت جمعية أصدقاء الشاعر بهذه المناسبة أيضاً أن تصدر كتاباً يحتوي على طائفة من الوثائق والرسائل التي تتعلق بحياة الشاعر ولم تنشر بعد
الفكرة الاشتراكية - شرح جديد لها
صدر أخيراً كتاب عنوانه (الفكرة الاشتراكية) بقلم العلامة الاقتصادي البلجيكي هنري دي مان أحد وزراء بلجيكا اليوم. ولهذا الكتاب أهمية خاصة من الوجه الاقتصادية والعملية لأن
стр. 8176
مؤلفه يشترك اليوم في حكم مع وزارة مسيوفان زيلند التي تحكم البلجيك على قواعد اقتصادية. ونظرية دي مان في الاشتراكية هي أنه يجب التفريق بين المركسية وبين المركسيين (والمركسية هي الاشتراكية طبقاً لمبادئ، كارل ماركس)، كما أنه يجب التفريق بين المعارك الحزبية وبين العمل لتغيير المجتمع. وما هي الاشتراكية؟ هي أن يسحق النظام الرأسمالي؟ يجيب هنري دي مان أن نعم وأن لا، ذلك أن الغاية هي أن نجعل الإنسان ينعم بقسط أوفر من السعادة، وذلك بتحسين الانتاج، وأن نقلل جهد الاستطاعة من تبديد الجهود البشرية في العمل، وأن نقسم ثمرات الإنتاج بطرق أكثر عدالة؛ ومن أجل هذا يرى دي مان أنه يجب تغيير الوسائل الاقتصادية والاجتماعية التي يقوم عليها المجتمع الحاضر، وهذه مسالة في الواقع يكاد يتفق عليها العالم؛ وما يقع اليوم في إيطاليا الفاشستية، وألمانيا الهتلرية، وروسيا السوفيتية، وأمريكا في عهد روزفلت إنما هي محاولات من هذا النوع وفي سبيل نفس الغاية. كذلك تسير الأمم القديمة الحرة إلى تحقيق هذا المثل وإن كانت تسير بطيئة كسير الشيوخ.
ويقول مسيو دي مان أن المسالة كلها تتوقف على الوسائل التي تكفل النجاح. ومن رأيه أن الثورة تنجح بالعنف والسفك، والواقع أن (الماركسية) هي التي هزمت سنة ١٩١٧ وليست الرأسمالية، ولم تهزم الرأسمالية إلا فيما بعد، حين بدئ بتطبيق الوسائل والنظريات الاقتصادية الجديدة. بيد أن مسيو دي مان يرى أن أنصار فكرة الإصلاح لقوا نفس الفشل الذي لقيه أنصار الوسائل الثورية؛ ففي ألمانيا، وفي إيطاليا وفي غيرهما من الأمم الغربية قد فشلوا، إما في الوصول إلى الحكم كما حدث في فرنسا، والسبب في ذلك هو أنه في ظل البرلمان وهو نظام رأسمالي، لا تملك الدولة إلا قوة محدودة، ولا يتم النصر إلا إذا كان العمل مباشراً وسريعاً لا يحد منه شيء
مارك توين لمناسبة عيده المئوي
تحتفل الدوائر الأدبية الأمريكية بذكرى العيد المئوي لمولد الكاتب القصصي الفكه (مارك توين) الذي يعتبر أمير الدعابة والفكاهة في الأدب الأمريكي. ويجب أن نعرف بادئ بدء أن (مارك توين) ليس هو اسم الكاتب الحقيقي، وإنما هو اسمه القلمي؛ وأما اسمه فهو صامويل لانجهورن كليمنس؛ ولد منذ مائة عام (سنة ١٨٣٥) في فلوريدا من أعمال
стр. 8177
ميسوري (بالولايات المتحدة) من أبوين فقيرين، وتلقى تربية مدرسية عادية في هذه المدينة، واضطر منذ حداثته أن يحترف أعمال الطباعة ليكسب قوته، واشتغل بهذه الحرفة مدى حين في سان لوي وفي نيويورك وفي غيرهما من العواصم. وفي سنة ١٨٥١، حينما بلغ السادسة عشرة، ترك أعمال الطباعة واشتغل بحاراً نوتياً في قارب بخاري يعمل في نهر المسيسيبي، وفي أثناء عمله في النهر راقت له صيحة بحرية مما يستعمل حين سبر أغوار الماء: (مارك توين)، فاتخذها فيما بعد اسما رمزياً للتوقيع على كتاباته. وقد أثارت حياة النهر خياله، وأمدته بطائفة من التأملات والملاحظات اتخذها فيما بعد مادة لبعض صوره وأقاصيصه، ولما نشبت الحرب الأهلية الأمريكية كان (مارتن توين) في نحو السادسة والعشرين من عمره، فترك حياة النهر، وذهب إلى ولاية نيفادا وأشتغل بالصحافة، وتولى تحرير جريدة (انتربرايز) في فرجنيا سيتي. واشتغل في نفس الوقت بهندسة المناجم وإلقاء المحاضرات. وفي سنة ١٨٦٧ أصدر أول كتبه محتوياً على عدة أقاصيص وصور فكاهية بعنوان (الضفدعة الوثابة) وغيرها، فلفت الأنظار بطرافته وخفة روحه وفكاهته الفياضة، وكان نجاحاً عظيماً. وربح مارك توين من كتابه الأول مبلغاً حسناً أنفقه على رحلة إلى أوربا، طاف خلالها ثغور البحر الأبيض، واتخذها مادة لكتاب أصدره سنة ١٨٦٩ بعنوان (الأبرياء في الخارج)، فزاد هذا الكتاب في شهرته الأدبية وبالأخص في شهرته كأستاذ للفكاهة والأدب المرح. وفي هذا العام تولى تحرير جريدة جديدة هي (اكسبريس بافالو)، واستمر في تحريرها مدى عامين. وفي سنة ١٨٧٢، أصدر كتابه (كيف تخشن) وفيه صور وملاحظات عن الحيات في الولايات الغربية، وفي العام التالي أصدر كتاباً بالاشتراك مع صديقه وارنر عنوانه (العهد المذهب)، وظهرت له بعد ذلك تباعاً عدة قصص ومجموعات نقدية وقصصية نذكر منها (سائل في الخارج) (١٨٨٠)، (الأمير والحقير) (١٨٨٢) (الحياة في نهر المسيسيبي) (١٨٨٣) (مخاطرات هكلبري فن) (١٨٨٥) (الورقة ذات المليون جنيه) (١٨٩٣) (مأساة بدهد ولسون) (١٨٩٤) (ذكريات جان دارك) (٩٦) (سائلون آخرون في الخارج) (٩٧) (الرجل الذي أفسد هدلبرج) (١٩٠٠) (مذكرات ايف) (١٩٠٦) (العلم المسيحي) (١٩٠٧) وغيرها.
ومما يذكر في حياة مارك توين أنه في سن ١٨٨٤ اشترك مع صديقه تشارلس وبستر
стр. 8178
وشركائه في إنشاء دار نشر كبيرة، وازدهرت أعمال الشركة بادئ بدء، ولكنها ساءت بعد ذلك وأفلست سنة ١٨٩٥، وتحمل مارك توين بسبب هذه النكبة أعباء مالية فادحة، ولم ير مارك توين وسيلة للاقلة من هذه العثرة سوى الطواف حول العالم وإلقاء المحاضرات الفكهة. وقد نجحت رحلته نجاحاً عظيما وجمع مبلغاً كبيراً من المال، واستطاع أن يسدد ديونه. وكان مثله في ذلك مثل الكاتب الفرنسي يلزاك الذي أراد أن يحقق الغنى من الاشتغال بنشر الكتب فباء بالخسارة والإفلاس.
ومن ذلك الحين كان مارك توين يقضي معظم أوقاته في أوربا، وفي سنة ١٩٠١ عاد إلى الولايات المتحدة وتابع الكتابة، وفي سنة ١٩٠٧ زار إنكلترا فاستقبل بحماسة عظيمة، وأنعم عليه بدرجة فخرية من جامعة أكسفورد. وتوفي ١٩١٠ في الخامسة والسبعين.
ومارك توين من أقطاب الأدب الفكه، وهو أستاذ هذا الفن في الأدب الأمريكي، كما أن جورج كورتلين هو أستاذ هذا الفن في الأدب الفرنسي، وفكاهة مارك توين مرسلة ليس فيها تكلف، وقد تكون أحياناً خشنة يطبعها الاغراق، ولكنها على أي حال ممتعة مؤثرة؛ وأحياناً تبدو دقيقة تقوم على بعض المبادئ الجدية. وما يزال تراث مارك توين فريداً في الأدب الأمريكي.
تكريم الدكتور محمد حسين هيكل بك
في مساء الأربعاء الماضي أقامت لجنة ممتازة رئيسها الأستاذ الجليل مدير الجامعة المصرية، حفلة تكريمية في فندق الكونتننتال، للأستاذ الكاتب النابغ محمد حسين هيكل بك، بمناسبة إصداره كتابه القيم (حياة محمد)، شهدها صفوة متخيرة من رجال الفكر، وتكلم فيها نخبة متميزة من رجال البيان، وكان الكلام الجاهر على المنصة، والحديث الخافت حول الموائد، يدور على هذا الجهاد المنصور المبرور الذي جاهده الأستاذ هيكل في الأدب والسياسة هذه الحقبة الطويلة. والأستاذ هيكل في الأدب أحد الأساطين الرواسي التي قام عليها أدبنا الحديث ما في ذلك خلاف؛ توفر بحكم دراسته على الثقافة الغربية، ومال يحكم قراءته إلى الآداب الفرنسية، وتعصب بحكم مصريته للفنون الفرعونية، وهو كاتب بالاستعداد، فنان بالفطرة، فلابد أن يكتب، ولابد أن يكتب بالعربية؛ والعربية لم يعطها بعد نصيباً جدياً من ذكائه، فظهر في الثمرات الأولى ضعف الائتلاف بين المعنى القوي
стр. 8179
والتفكير المهذب، وبين اللفظ الضعيف والأسلوب المهمل، ولكن النفوس الفنية تهتدي بغرائزها إلى الطريق، وتسير وراء إحساسها إلى القاعدة، فلم يلبث الأستاذ هيكل أن فرض أسلوبه الغني بالصور، وأدبه القوي بالمنطق، على أبناء الأدب العربي؛ ولم يلبث الدكتور هيكل الذي خضع لأثر الفرنسية والفرعونية وبدأ (بزينب)، أن يسمو إلى العربية والإسلامية وينتهي بـ (حياة محمد).
فوز مبين للإسلام والعرب والشرق أن يصدر عن الأستاذ هيكل هذا الكتاب الروحي الخالد؛ فهو يدل فيما يدل على أن أدبنا الأصيل العريق أخذ يرتد إلى منبعه، ويستمد من وحيه، ويتمتع باستقلاله. والاحتفال بالدكتور هيكل هو احتفال ضمني بهذا التطور الأصيل المحمود الذي سما بالفكر المصري إلى رتبة الخلق، وبالأدب العربي إلى مقام الأصالة.
من رونسار إلى بودلير
صدر أخيراً في باريس كتاب عنوانه (من رونسار إلى بودلير) بقلم مسيو فرنان فليريه، ورونسار هو شاعر فرنسا الأكبر في القرن السادس عشر؛ وبودلير هو شاعرها الأكبر في القرن التاسع عشر. وقد تناول مسيو فليريه فبي كتابه تطور الشعر الفرنسي؛ وحياة أقطابه منذ القرن السادس عشر؛ وتحدث عن الأساليب الأدبية التي توالت على الأدب الفرنسي في هذه العصور؛ وخص الأسلوب التهكمي منها بفصل بديع. ومسيو فليريه ناقد قدير؛ وقد سبق أن نشر معظم فصول كتابه في بعض الصحف والمجلات الأدبية فأثارت تقديراً واهتماماً.
وفاة كاتب روماني
من أنباء بوخارست أن الكاتب الشاعر الروماني الشهير بنايت استراني قد توفي في سن الحادية والخمسين بعد مرض طويل. وقد بدأ هذا الكاتب حياته العامة عاملاً؛ ولكنه ظهر بمواهبه الفكرية، وجذبه المعترك السياسي منذ حداثته، فكان زعيم حركة اشتراكية قوية. ولما أعلنت الحرب الكبرى هاجر إلى سويسرا اتقاد الاضطهاد، وهناك كتب عدة قصص قيمة؛ منها: (العم انجل) و (كيرالينا)؛ ولفتت قصصه أنظار الدوائر الأدبية، ولا سيما الدوائر الفرنسية؛ وترجمت إلى معظم اللغات، ووصفه الكاتب الفرنسي رومان رولان بأنه
стр. 8180
(جوركي البلقان)
وبعد الحرب زار استراتي روسيا السوفيتية ليدرس التجربة الاشتراكية ولكن عاد بخيبة أمل، وانهارت عقيدته الاشتراكية وتحول إلى مبادئ الوطنية البرجوازية (الرأسمالية) وكان في أعوامه الأخيرة يشترك في المعترك السياسي بحماسة ونشاط، وكان يقارع خصومه السياسيين بحملات صحفية شديدة كانت تثير كثيراً من الجدل والاضطراب.
العيد المئوي لبلليني
من الأعياد الفنية الشهيرة التي تتأهب إيطاليا للاحتفال بها بعد بضعة أشهر؛ العيد المئوي لوفاة الفنان المؤلف الموسيقي الأشهر فنشتر بلليني الذي توفي شاباً في عنفوان فتوته وفنه منذ مائة عام. وقد ولد هذا الفنان البارع في مدينة قطانية من أعمال صقلية في أواخر سنة ١٨٠١؛ وكان أبوه معلماً للموسيقى. فنشأ الطفل موهوبا في الفن. وأخذ يؤلف القطع الموسيقية منذ السادسة من عمره. وفي سن الثانية عشرة ذهب إلى نابولي والتحق بمعهدها الفني؛ وكان أستاذه هنالك تسنجار يللي المؤلف الموسيقي المشهور وملحن رواية (روميو وجولييت). ولم تمض بضعة أشهر حتى وضع الطالب بلليني أول (أوبرا ته) وعنوانها (أدلسون وسالفيني)، ومثلت في قاعة المعهد ونالت نجاحاً عظيماً حتى أنها كانت تمثل كل يوم أحد. ولما رأى الفتى نجاحه السريع وضع قطعة أخرى عنوانها (بيانكا وفرناندو)، ومثلت في مسرح سان كارلو، فنالت نجاحاً أعظم، وذاع صيت الفتى الفنان حتى أن دومنيكو بارباجا أعظم مخرجي العصر دعاه إلى وضع قطعة جديدة تمثل في مسرح (سكالا) بميلانو وهو أعظم مسارح إيطاليا يومئذ؛ فسافر بلليني إلى ميلانو ووضع قطعته الشهيرة (القرصان) (سنة ١٨٢٧)، فكان ظفره بتمثيلها عظيماً، وارتفع في الحال إلى وصف أعظم فناني العصر؛ وأتبعها بقطعة جديدة عنوانها (الأجنبية) ثم بأخرى عنوانها (جولة الليل) ثم (نورما) وهي قطعة موسيقية بلغ بها ذروة مجده، وبعدئذ وضع بلليني قطعاً خاصة لمسارح إيطاليا الشهيرة في البندقية ونابولي وغيرها، ثم سافر إلى باريس ووضع هناك قطعة (البورتانيين) فنالت نجاحاً عظيماً، ولكن المرض كان قد أخذ يسري إلى الفنان الفتى وأخذت صحته تسوء بسرعة؛ ولم يلبث أن توفي في باريس في سبتمبر سنة ١٨٣٥ ودفن بمقبرة (بير لاشيز) ثم نقلت رفاته بعد ذلك إلى مسقط رأسه (قطانية) سنة ١٨٧٦
стр. 8181
وقد احتفلت الأوبرا النمساوية (بمدينة فينا) بذكرى بلليني احتفالاً خاصاً مؤثراً، فأحيت ذكرى روايته (جولة الليل) بتمثيلها مدى أسبوع لأنها في هذا الشهر شهر مايو مثلت بالأوبرا النمساوية من مائة عام
стр. 8182
الكتب
قصة الفلسفة اليونانية
تصنيف الأستاذين أحمد أمين وزكي نجيب محمود
للدكتور عبد الوهاب عزام
أستاذنا أحمد الأمين رجل بارك الله عليه، فرزقه من الفكر السليم، والعلم الواسع، والدأب على الأعمال وتأديتها في أوقاتها، وترتيبها ما أتاح الله للتأليف القيم النافع. فاخرج للناس في بضع سنين كتابيه فجر الإسلام وضحى الإسلام
والأستاذ منذ عهد بعيد معنى بالفلسفة، ترجم في مبادئها كتابا عن الإنجليزية، قبل خمسة عشر عاما، ودرس نواحي منها في درسه علم الإخلاف والتأليف فيه. وقد أحس، وهو يألف ضحى الإسلام، حاجة إلى الاستزادة من الفلسفة اليونانية ليستعين بها على فهم الفلسفة الإسلامية. يقول الأستاذ: (حتى إذا عرضت لوصف الحياة العقلية عند العرب وألفت في ذلك فجر الإسلام وضحاه، ووصلت في التأليف إلى المعتزلة والمتكلمين في العصر العباسي، رأيت أنهم تعرضوا لمسائل هي من صميم الفلسفة اليونانية، ورأيت أن لابد لفهمها من الرجوع إلى منابعها لأعرف كيف فهموها وكيف نقلوها وما الذي زادوا عليها، فاضطرت إلى العودة إلى كتب الفلسفة استعرض مسائلها، وأتفهم غوامضها الخ)
قرأ الأستاذ ودون خلاصة ما قراء، فأخرج بمعونة شريكه الكتاب الذي سماه (قصة الفلسفة اليونانية). يقول الأستاذ: (فلما عاودت القراءة في الفلسفة بدت مني رغبة في أن اكتب خلاصة ما أقرأ فذلك أدعى إلى وضوح الفكرة في ذهني، وإذا أن ينتفع بما انتفعت به غيري. وكان من حسن حظي أن رأيت أخي وزميلي الأستاذ زكي نجيب محمود يرغب رغبتي ويتمنى أمنيتي، فتعاونا معا على إخراج هذا الكتاب وتقديمه للقراء)
من هنا تم التصليح
- ٢ -
وكنت وعدت أن أكتب في مجلة الرسالة عن (ضحى الإسلام)، وحالت حوائل دون المبادرة بإنجاز الوعد؛ ثم تيسر لي الفراغ لكتابة المقال الأول، وبنا أن في شغل به مررت
стр. 8183
على لجنة التأليف والترجمة والنشر فأخذت الكتاب الجديد (قصة الفلسفة اليونانية): ولما أخذت مكاني في قطار حلوان فتحت الكتاب لأقراه مقدمته وفهرسه، ثم أطبقه إلى أن تتاح فرصة لقراءته. فلما قرأت المقدمة شاقني ما بعدها، وقادني حسن البيان، وسلاسة العبارة، وسهولة الشرح من صفحة إلى أخرى حتى عبرت من الكتاب صفحات كثيرة، فآثرت أن أتمة، وبدا لي أن اكتب عنه إذا أتمته، ناقداً حاسباً ما للكتاب وما عليه. فلما انتهت بي القراءة إلى فصل سقراط قولت: هنا فاصلة يحسن الوقوف عندها فقد كان سقراط فصلا في تاريخ الفلسفة تغيرت به سيرتها، فوقفت القراءة لأكتب عما قرأت، وأجعل بقية الكتاب موضوع مقال آخر. وهكذا يأبى الأستاّذ احمد الأمين إلا أن يعمل ويشغلنا بعمله عن أعمالنا.
- ٣ -
أراد المصنفان أن يعرضا على القارئ العربي الذي لا علم له بالفلسفة اليونانية قصة هذه الفلسفة في نشأتها وتطورها في إيجاز وإيضاح، وتسهيل وتيسير، وبعد عن التعمق والتفصيل، والتقصي في البحث. وقد تسنى لهمه ما أرادا فجاء الكتاب كما ابتغيا (قصة) يسيرة شائقة، كفيله بتقريب الفلسفة اليونانية إلى المبتدئين. ولا يحتاج الناقد إلى تبيين هذا، فكل صفحة في الكتاب شاهدة به. يبدأ المصنفان كل فصل ببيان ما يريدان، حتى إذا بلغا ما أرادا أجملا ما قد ما، فإذا بدأ الفصل التالي ذكرا القارئ بما قدماه. حتى إذا جاوزا عهدا من عهود الفلسفة إلى عهد آخر وفقا بالقارئ يلفتانه إلى ما أوضحا من قبل ليتعرف فرق ما بينه وبين ما يستقبله في العهد التالي، وهلم جرا وقد قرأت ما قرأت من الكتاب مثنيا على المصنفين مسرورا راضيا إلا هنات يسيرة منها ما يلي:
١ـ قال المصنفان إن من الفروق بين العلم والفلسفة أن كل علم يبحث في ظواهر محدودة من العالم، وأن الفلسفة تحاول النفاذ إلى بواطن الأشياء كلها واستكناه حقائقها. وقد أوضحا هذا إيضاحا حسنا وساقا الأمثلة، ولكن فرطت في أثناء ذلك عبارات تثبث أن العلوم تقنع بالظن وأن الفلسفة لا تقف دون اليقين. فقالا في صفحة ١٠: (ولكن هذا الذي أقنع العلم لن يرضى الفلسفة. هي لا تطمئن إلى هذا الركون والركود، ولا تستقر إلا إذا وجدت لكل ظاهرة ما يؤيدها تأييداً تاماً.) وقالا في صفحه ١٣: (وهي (الفلسفة) لا تجيز لنفسها أن
стр. 8184
تركن إلى حكم من الأحكام بالغا ما بلغ من القوة والذيوع إلا إذا أيداه الدليل القاطع) وفي الصفحة نفسها (كذلك لا ترضى الفلسفة أن تسلم بصحة مبدأ أو فكرة إلا إذا ثبتث لديها ثبوتاً لا يدع مجالا للريب والشك. فهاتان صفتان تستطيع بهما أن تفرق بين العلم والفلسفة:) وهذا كلام يفهم القارئ أن الفلسفة قائمة على اليقينيات وأن العلوم قائمة على الظمنيات، والمعروف غير هذا. فقد كانت الفلسفة نظراً عاماً في الكون ظاهره وباطنه، ثم تحددت مواضع النظر وأدرك الباحثون قوانين في العالم نشأت بها العلوم المختلفة يؤيدها التجربة والاستقراء والبرهان العقلي. وكلما خرجت طائفة من ظواهر الكون من الحدس إلى اليقين خرجت من حضانة الفلسفة حتى لم يبقى للفلسفة في العصر الحاضر إلا موضوعات لم تحط بها التجارب ولم تضبطها البراهين وهي ما وراء الطبيعة، والنفس، والأخلاق، والنطق، والجمال الخ
نحن نعترف بأن العلم لا يبحث في حقيقة موضوعه ولكن في خصائصه. فهو لا يبالي بحقيقة الزمان والمكان والمادة، بل يبحث في خصائصها ومظاهرها، ولكن هذا لا يستلزم أن تكون العلوم الظنية والفلسفة يقينية، بل مجال الظن والغرض أوسع في الفلسفة منه في العلم. وقصارى القول أنه ينبغي التفريق بين غاية العلم والفلسفة ومباحثهما، فغاية العلم بحث ظواهر ولكن مباحثاته قائمة على الحس والتجربة، وغاية الفلسفة النفاذ إلى حقائق الأشياء ولكن مباحثهما مليئة بالحدس والظن
٢ - أين بدأت الفلسفة؟
قال المصنفان تحت هذا العنوان: (لعلك الآن في ضوء هذا التحليل الذي تقدمنا به إليك تدرك معنا أن هذا الضرب من التفكير الذي يحاول أن يوحد بين ظواهر الكون المتنافرة والذي يرفض التسليم الساذج رفضاً تاماً، والذي يسمو بالعقل فوق المستوى المادي من حيث أسلوب التفكير وصور الفكر - نقول لعلك تذهب إلى ما ذهبنا إليه من أن هذا التفكير الفلسفي الصحيح لم ينشأ ولم يتم إلا عند شعب واحد دون الشعوب القديمة جميعاً هم اليونان القدماء:)
وقالا في الصفحة ١٦: (لم تستمد الفلسفة اليونانية أصولها من تلك الأمم القديمة ولكن خلقها اليونان خلقاً وأنشئوها إنشاء. فهي وليدتهم وربيتهم ليس في ذلك ريب ولا شك:) فأما ادعاء
стр. 8185
أن الفلسفة على هذا النحو لم تنشأ إلا عند اليونان فهو مجازفة. ولو اطلعا على فلسفة الهند مثلاً لاقتصدا في هذه الدعوى. ولعلهما يسمعان عما قليل بقصة الفلسفة الشرقية كما أسمعا الناس قصة الفلسفة اليونانية. وقد ذكرا في أول الفصل الثاني أن فيثاغورس رحل إلى مصر وبلاد الشرق، وقالا في آخره: (وأنت ترى من ذلك أنهم (الفيثاغوربين) خطوا بالفلسفة خطوة جديدة نحو التفكير المجرد، فبدأت الفلسفة منذ ذلك الحين تتحلل بعض الشيء من تلك النزعة الطبيعية التي سادت عند فلاسفة يونيا لتستقبل صبغة جديدة - هي صبغة الفلسفة في أصح معانيها - أعنى التفكير المحض فيما وراء الطبيعة وظواهرها. الخ) وقالا في الفصل السادس إن ديمقريطيس (كان واسع العلم، راغباً في تحصيله رغبة حارة. . . . وقد حفزته تلك الرغبة الملحة في التحصيل إلى الرحلة في أقطار الأرض، فزار مصر وجاس خلالها، وعرج على بابل وطوف في أنحائها.) فإن يكن فيثاغورس الذي تعلم في مصر ورحل إلى الشرق قد نحا في الفلسفة نحواً جديداً، وارتقى بها إلى التفكير المجرد الذي هو أقرب إلى الشرقيين، فلم نجزم جزماً أن فلاسفة اليونان لم يستمدوا قط من الأمم الأخرى؟ وإن يكون ديمقريطيس وهو إمام مذهب في الفلسفة رحل إلى مصر وبابل في طلب العلم فكيف نجزم بأن اليونان لم يأخذوا عنهم (ليس في ذلك ريب ولا شك)
٣ - وقالا ص٣٣ أثناء الكلام على آراء الفيثاغوريين:
(أي انك تستطيع أن تتخيل في غير عسر كوناً يخلو من اللون والطعم والحرارة). وقد جهدت أن أتخيل عالماً لا لون له فلم يتيسر لي
٤ - في الكلام على هرقليطس ص٥٦ (بعد أن عمر نحو ستين عاماً كان فيها معاصراً لبارمنيدز.) والعبارة توهم أنه عاصر بارمنيدز ستين عاماً، وليس هذا مقصوداً كما يعرف من تاريخ الرجلين
٥ - في الكلام على السوفسطائيين ص٩٩: (ومن أجل ذلك سمي اللعب بالألفاظ والتهريج في الحجج سفسطة اشتقاقاً من السوفسطائيين.) وكان ينبغي هنا تفسير كلمة سوفسطائي في وضعها الأصلي حتى لا يتوهم القارئ أن فيها معنى السفسطة المعروف
٦ - تكلم المصنفان على الأحوال السياسية والاجتماعية في بلاد اليونان عند ظهور السوفسطائيين ليبينا أثرها في فلسفتهم، ولم يذكر آثار الحروب الفارسية المتمادية، وكانت
стр. 8186
ذات أثر بليغ في اليونان
وهناك هنات لفظية كثيرة نتركها حتى نفرغ من نقد الآراء والمعاني
стр. 8187
العدد ٩٩ - بتاريخ: ٢٧ - ٠٥ - ١٩٣٥
стр. 8188
إلى بعض الكبراء. . .
عندكم يا سادتي المال، ولكم الجاه، وكان فيكم الحكم، فلم تأبون أن يكون معكم المجد أيضاً؟ رفعناكم واتضعنا، وحكّمناكم وأطعنا، ثم صغنا مجداً ألقاباً لعظمتكم، وحشدنا أبناءنا جنداً لسطوتكم، وجعلنا أموالنا مدداً لثروتكم، وقلنا أفراد تقويهم روح الجماعة، ورموز تلبسهم فكرة الوطن، وألوية ترفعهم سواعد الأمة، فإذا ضعفكم ينوء بقوة الحكومة، وإسفافكم يهبط بسمو المنصب، وارتفاعكم كارتفاع الأسهم النارية: فرقعة ولألا، ثم سقوط وفناء!
يزعم أرباب الشعر وأصحاب الخيال أن الإنسان ملكٌ مُرنَّق الجناح هبط من سمائه ولم يصعد، فهو لا ينفك ما عاش نزوعاً إلى موطنه! وهم يعنون بذلك أن الإنسان بالجزء الإلهي الذي فيه مسوق إلى الكمال مشوق إلى الرفعة، فهو يفرغ من مطالب الجسد ليخلص إلى رغائب الروح، ويبتدئ بالأثرة في ضيق الأنانية لينتهي إلى إيثار في سعة الغيرية، وينشأ على هوى الطبيعة معنى جزئياً ليعود بحكم التطور فكرة إنسانية! فما الذي قتل فيكم هذا النزوع السماوي، وصرف عنكم هذا الطموح المقدس، فقيدتكم جاذبية المادة، وعقلتكم شهوة الغرض، وأبيتم على نداء البطولة واسحثاث الرجولة إلا أن تكونوا ناساً كأقل الناس، لكم كروش لا تكتفي، ونفوس لا تشتفي، وأطماع لا تحد
ربما علل النفسيون هذا الميل الشاذ في بعض كبراء اليوم، بأنهم من فقد الخلق الصالح في قصور ذاتي معنوي لا ينفك؛ فهم يرتفعون قذفاً في السماء، ويسقطون جذباً إلى الأرض، ولا يشعرون إلا كما يشعر الحجر بأن القاذف المجهول رمى بهم أماني فوق، وسحق بهم أناسّ تحت!!
كذلك من يتعلم ولا يتربى، ويتربى ولا يتدين، ويتحرك ولا يقصد، ويتصرف ولا يريد! أولئك يحُدون دنياهم بالأفق، ويختمون حياتهم بالموت، ويزنون سعادتهم بالمادة، ويضخمون على أقوات الشعب ضخامة الفيلة المروضة ليكونوا مركباً للملوك، وفرجة للناس، وغذاء للأرض!! وهؤلاء أنماط من الخلق كانوا صُبابة العهد القديم رسبت فيها أكداره وشوائبه، ثم كانوا بحكم تخلفهم جسراً محطم الأركان مهدَّم القواعد، لابد للجيل الجديد من اجتيازه لينتقل من عالم إلى عالم، ويخرج من عصر إلى عصر، فهو يحملنا على اضطراب وخلل، ونحن نعبره على احتراس ومهل، وفي هذا الاحتراس وذلك الاضطراب سر ما ترى في خُطانا من قِصَر وفي نهضتنا من بطء
стр. 8189
ما علة هذه الهزيمة في مصر، وما سبب هذا الخلاف في فلسطين، وما باعث هذه الثورة في العراق؟ لا تلتمس دواعي ذلك كله في كيد الدخيل وخداع العدو، فإن الغاصب يستطيع إن شاء أن يسلبك مالك بالحيلة، أو استقلالك بالغيلة، ولكنه لا يستطيع أن يفتنك عن شرفك وخلقك وضميرك وأنت رجل! إنما يدفع هذه الفيلة الأهلية الغُلف بخراطيمها الماحقة، وأخفافها الساحقة، وإهابها الصفيق، فتسوّى أمامه الأرض، وتمهد له الطريق، وتحمل له فوق ظهورها العرش!
إن مشكلة الدستور، وقضية (نزاهة الحكم) برهانان صارخان على أننا أُُتينا يوم أُُتينا من ناحية الخلق! وتلك ناحية لا يحصنها وا أسفاه شهادة تُعطى، وخطبة تُلقى، ومقالة تُكتب؛ إنما يحصنها الله بدينه، والمعلم بتهذيبه، والأب بسيرته، والزمن بطوله. وهل في سيادتنا وكبرائنا الذين أضلونا السبيل من لم يشدُ شيئاً من العلم في المدارس، ويدرك ذرواً من الأخلاق في الكتب؟ ولكن علم هؤلاء بالحلال والحرام كعلم القاتل واللص، لا يعصم النفس، ولا يوقظ الضمير، ولا ينفي الجهل، ولا يمس الحياة العملية! فنحن كما ترى مقضيّ على نهضتنا بالتثاقل، وعلى أمتنا بالتخاذل، حتى يصبح الدين قائماً، والضمير حاكماً، والعمل عقيدة، والإحسان طبيعة، والواجب مرعياً، والتبعة مفروضة؛ وحينئذ ينتظم وضعنا الشاذ، ويتسق وجودنا النافر، وتنفق من السُّلال مطايا الرجعية الذميمة!
قل لأولئك الذين أحرقوا روما وما زالوا يعزفون أناشيد الجحيم على أوتار نيرون! ماذا جنى هذا الشعب الكريم حتى سفهتهم حقه في الحياة، وأضعتم نصيبه من الحرية؟ كان في يديه دستور فأين ذهب؟ وفي طريقه استقلال فأين اختفى؟ وفي تاريخه ستة عشر عاماً حامية بالجهاد، دامية بالضحايا، فأين قطوفها المشتهاة، وحصائدها المرجوة؟
تصرفتم في حقوقه تصرف السفيه في المال المتروك، واتخذتم من مرافقه وسائل للكيد الأحمق وموارد للربح الخاص، وجعلتم من وحدته أولياء لا يعدوهم الإحسان وخصماء لا تُغبهُّم الإساءة، ونسيتم أن في البلد احتلالاً يقظ الرأي، كلوء العين، يحصى عليكم الأنفاس، ويتربص بكم الدوائر!
كان يقظان وكنتم غارّين، فدلف إلينا من جهتكم، واحتج علينا بخطئكم، ثم ذبكم عن الحكم ذبَّ البعوض، وقبض بيديه العاريتين على سياسة البلاد، ووقف الأمة المنكودة بين الحيرة
стр. 8190
والشك في عواقب هذا الفساد!!
أحمد حسن الزيات
стр. 8191
٥ - الانتحار
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
قال المسيَّب بن رافع: وأطرق الناسُ قليلاً بعد خبر (أبي محمد البصري)؛ إذ كان كلُّ منهم قد جمع باله لما سمع، وأخذ يحدسُ في نفسه ويراجعها الرأي؛ وكان المجلسُ قد امتدّ بنا منذ العصر وما يكاد النهارُ يشعرُ بأدباره، حتى اعترضت في شمسه الغبرةُ التي تعتريها إذا دنت أن تعربُ.
وكان إلى يساري فتى ريان الشباب، حسن الصورة، وضيءٌ مشرق له هيئة وسمت، أقبل على الأيام وأقبلت الأيام عليه
فسمعني أطن على أذن (مجاهد الأزدي)؛ وكنت اعرفهُ شاعراً في كلامه وشاعراً في قلبه؛ فقلت له: إنه لم يبقَ من النهار يا مجاهد إلا مثلُ صبر المحبِّ دبا له الموعد، ولم يبقَ من الشمس إلا مثلُ ما تتلفف صاحبته، تأخذُ عليها ثوبها وغلائلها ولكن بعد أن تسقطها من هنا ومن هنا، لترى جمال جسمها هنا وهنا!
فاهتز الفتى لهذه الكلمات وسالت الرقَّة في أعطافه وقال: ياعم، أما ترى ما بقى من النهار كأنه وجهُ باكٍ مسح دموعه وليس حوله إلا كآبة الزمن؟
قلت: كأن لك خيراً يا فتى، فإن كان شأنك مما نحن فيه فقصَّه علينا وعلّ لنا به سائر الوقت إلى أن تجب الشمس، ولعلك طائرٌ بنا طيرةً فوق الدنيا.
قال: فمهْ؟
قلت: تقومُ فتتكلم، فإني أرى لك لساناً وبياناُ
قال: أو يحسن أن أتكلم في المسجد عن صرعه الحب وصريعه، وعاشقةٍ وعاشق؟
فبادر مجاهدٌ فقال: ويحك يا فتى! لقد تحجرت واسعاً؛ إن المؤمن ليصلّى بين يدي الله وكتابُ سيئاته في عنقه منشورٌ مقروء. وهل أوقات الصلاة إلا ساعاتٌ قلبية لكل يومٍ من الزمن، تأتي الساعة مما قبلها كما تأتي توبةُ القلب مما عمل الجسم؟ إنما يتلقَّى المسجدُ من يدخله لساعته التي يدخله فيها، ولو أنه حاسبه عن أمسِ وأول منه وما خلا من قبل، لطردهُ من العتبة! إن المسجد يا بني إنما يقول لداخله: أدخل في زمني ودع زمنك، وتعال إلي أيها الإنسانٌ الأرضي، لتتحقق أن فيك حاسةً من السماء، وجئني بقلبك وفكرك، ليشعرا ساعةً
стр. 8192
إنهما في لا فيك. ولسنا الآن يا بني في متحدثٍ كنديِّ القوم يتطارحون فيه أخبارهم، بل نحن في مجلس علمٍ تكلمت فيه رقبةُ هذا ورقبةُ هذا بما سمعت؛ فقم أنت فاذكر علم قلبك وقص علينا خبر طيش الحبَّ والشباب الذي يشبه الكلام فيه أن يكون كلاماً عن الصعود إلى القمر والقبضِ من هناك على البرق!
قال المسيّب: فانتهض الفتى، ورأيت مجاهداً يتنهّد كأنما انصدعت كبده؛ فقلت: ما بالك؟ قال: إن شبابي قد مرّ على الساعة فنسمت منه في بردة هذا الفتى، ثم فقدته فقداً ثانياً فهرمت هرماً ثانياً، وجاءني الحزن من إحساسي بأني شيخ حزن من همّ أن يدخل باب حبيبٍ ثم رُدّ. . .!
وتحدث الفتى، فإذا هو يديرُ بين فكيه لسان شاعرٍ عظيم، يتكلم كلامه بنفسين: أحدهما بشريةٌ تصنع المعنى واللفظ، والأخرى علويةٌ تلقى فيها النار والنور
قال: إن لي قصة أيُها الشيخ، لم يبقى منها إلا الكلامُ الذي دفنت فيه معانيها؛ وقد تأتي القصة من أخبار القلب مفعمة بالآلام والأحزان، لا يراد بآلامها وأحزانها إلا إيجاد أخلاق للقلب يعيش بها ويتبدّل. والذي قُدِّر عليه الحبُّ لا يكون قد أحب غيره أكثر مما يكون قد تعلم كيف ينسى نفسه في غيره، وهذه كما هي أعلى درجات الحبّ - فهي أعلى مراتب الإحسان
ومتى صدق المرءُ في حبّه كانت فكرتهُ فكرتين: إحداهما فكرةٌ والأخرى عقيدةٌ تجعل هذه الفكرة ثابتة لا تتغيّر؛ وهذه كما هي طبيعة الحب فهي طبيعة الدِّين
ولا شيء في الدنيا غير الحب يستطيع أن ينقل إلى الدنيا ناراً صغيرة وجنة صغيرة، بقدر ما يكفي عذاب نفس واحدةٍ أو نعيمها! وهذه حالة فوق البشرية.
والفضائلُ عامَّتُها تعمل في نقل الإنسان من حيوانيته، وقد لا تنقل إلا أقلّه ويبقى في الحيوانية أكثره؛ ولكن الحب الصادق يقتلع الإنسان من حيوانيته بمرةٍ واحدة، بيد أنه لا يكون كذلك إلا إذا قتله بآلامه؛ فهو كأعلى النسك والعبادة.
كان من خبري أني دٌعيتُ يوماً إلى ما يدعى لمثله الشباب في مجلس غناءٍ وشراب يا له من مجلس! وقد قال تعالى: (إن اللهَ لا يَسْتَحي أن يَضرِبَ مَثلاً ما بَعُوضةً فما فوْقَها) والبعوضةُ في قصتي أنا كانت امرأة نصرانيّة. . . قينة فلان المغنية الحاذقة المحسنة
стр. 8193
المتأدبة، تحفظ الخبر وتروي الشعر، وتتكلم بألفاظ فيها حلاوة وجهها، وتخلق النكتة إذا شاءت خلق الزهرة المتفتحة عليها سقيط الندى؛ وتجدُّ بالحديث ما شاءتْ وتهزل، فتجعل للكلام عقلاً وشهوة تضاعفُ بهما من تحدثه في شهواته وعقله!
وستجري في قصتها ألفاظ القصة نفسها، لا أتأثَّمُ من ذلك ولا أتذمم؛ فقد ذكر الله الخمر بلفظ الخمر ولم يقل: (الماء الذي فيه السكر)، ووصف الشيطان ولم يقل: (الملك الذي عِمل عملَ المرأة الحسناء في تكبرها)، وذكر الأصنام بأنها الأصنام ولم يُسمِّها: (حاملة السماء التي يصنعها الإنسان بيديه)، وحكاية ما بين الرجل والمرأة هي كلامٌ يقبِّل بعضهُ بعضاً ويلتزمُ ويتعانق!
قال المسيَّب: فتبسم إمامنا ونظرتْ عيناه تسألان سؤالاً. أما مجاهدٌ الأزدي فكان من هزةِ الطَّرب كأنه على قتب بعير، وقال: لله دَرُّه فتىً، إن هذا لبيان كحيلُ العين. . .
ثم قال الفتى: وذهبت إلى المجلس وقد جعلته هذه المغنيةُ من حواشيه وأطرافه كأنه تفسيرٌ لها هي. أما هي فجعلتْ نفسها تفسيراً لكلمةٍ واحدة هي: (اللذّة. . .)
قال المسيَّب: وطرب مجاهدُ طرباً شديداً، وسمعته يخافت بصوته يقول: (لله درُّها امرأة، هذه، هذه عدوّةُ الحور العين!)
ثم قال الفتى: وتطرّب جماعة أهلِ المجلس إلى الشرب، وما ذقت خمراً قط، ولن أتذوقها ولو شربها الناس جميعاً، ولن أذوقها ولو أنقطع الغيثُ ولم تمطر السماء إلا خمراً؛ فأني مذ كنت يافعاً رأيت أبي يشربها، وكانت أمي تلومه فيها وتشتد في تعنيفه وتحتدم، وكانا يتشاحنان فينالُها بالأذى ويندرئُ عليها بالسبَّ وفحش القول. وسكر مرة وغلبه السكر حتى ثارت أحشاؤه فذرعه القيء فتوهمني وعاء، وجاء إلى وأنا جالس فأمسك بي وقاء في حجري، حتى أفرغ جوفه، وثارت أمي لتنتزعه وأنشأت تعالجه عني فتصارع جنونه وعقلها حتى كفأته على وجهة كالإناء؛ فالتوى كالحية بطناً لظهر وستجمع كالقنفذ في شوكه، ثم لكزها برجله أسفل بطنها فانقلبت، وأصاب رأسها إجانة العجين فتثلم تثليم الإناء كأنما شدخ ضرباً بحجر، وأنتثر دماغها على الأرض أمام عينيّ، ورأيتها لم تزد على أن دفعت بإحدى يديها في الهواء وضمت بالأخرى إلى صدرها، تتوهم أنها تحميني وتدفعه، ثم سكنت ولو لم تمت من الشجة في رأسها لماتت من الضربة في بطنها!
стр. 8194
قال المسيَّب: وأطرق الفتى هُنيهةً وأطرق الناسُ معه؛ فرفع مجاهد صوته وقال: رحمها الله! فقال الناس جميعاً: رحمها الله!
ثم قال الفتى: وكان عامة من في المجلس يعرفون ذلك مني، ويعرفون أنه لو ساغ لإنسان أن يشرب دم أمِّه ما شربتُ أنا الخمر. فقالوا للمغنيِّة: إن هذا لا يدخلُ في ديواننا. فنظرت إليّ، وهربتُ أنا من نظرتها بإطراقة؛ ثم قالت: تشربُ على وجهي؟ فقلت لها: إن وجهك يقول لي: لا تشرب. . . فتضاحكت وقلت: أهو يقول لك غير ما يقول لهؤلاء؟ فهربتُ من كلامها بإطراقةٍ أخرى، ووصلت الإطراقتان ما بيني وبين قلبها؛ وتنبه فيها مثل حنوِّ الأمّ على طفلها إذا آذته بلسانها فأطرق ساكتاً يشكوها إلى قلبها!
والتفت لمن حضر وقالت لهم: لست أطيبُ لكم ولا تنتفعون بيّ إلا أن تشربوا لي ولهُ ولأنفسكم، وانحطّ عليهم الساقي، فشربوا أرطالاً وأرطالاً، وهي بين ذلك تغنيّهم وقد أقبلت عليهم وخلا وجهها لهم من دوني وإنما تخالسني النظرة بعد النظرة
فوسوس لي شيطاني أن تشدد مع هذه بمثل عزمتك مع الخمر. ولكني كنتُ أُحدُّ النظر إليها، فمرةً أوامقُها نظرة المحبِّ للحبيب؛ وكأني بذلك كنتُ آخذها وأدعها، وأصلها وأهجرها. فقالت لي كالمنكر عليّ: ما بالك تنظر إليّ هكذا! ولكن هيئة وجهها جعلت المعنى: لا تنظر إليّ إلا هكذا. . .!
وأسرع الشرابُ في القوم وأفرط عليهم السُّكر؛ فبقيت لي وحدي وبقيتُ لها وحدها؛ ثم تناولت عودها وضمته إليها ضماً شديداً أكثر من الضمّ. . . وألمسته صدرها ونهديها، ثم رنت إليّ بمعنى، فما شككتُ أنها ضمةٌ لي أنا والعود؛ ثم غنت هذا الصوت:
ألا قاتل اللهُ الحمامة غُدوةً … على الغصن؛ ماذا هيجتْ حين غنتِ؟
فما سكتت حتى أويتُ لصوتها، … وقلتُ: تُرى هذى الحمامة جنتِ؟
وما وجْدُ أعرابيةٍ قذفتْ بها … صُروفُ النوى من حيث لم تكُ ظنتِ. . .
إذا ذكرتْ ماَء العضاهِ وطيبَه، … وبرْد الحمى من بطنِ خبتٍ، أرنِّتِ. . .
بأكثر مني لوعةً، غيرَ أنني … أجمجمُ أحشائي على ما أجنتِ!
وغنَّته غناءً من قلبٍ يئنّ، وصدرٍ يتنهّد، وأحشاءٍ لا تخفى ما أجنتْ؛ وكانت ترتفع بالصوت ثم كأنما يهمي الدمعُ على صوتها، فيرتعش ويتنزّل قليلاً قليلاً حتى يئنَ أنين
стр. 8195
الباكية، ثم يعتلج في صدرها مع الحب، فيتردد عالياً ونازلاً، ثم يرفضُّ الكلامُ في آخره دموعاً تجري
قال المسيَّب: فنظر إليّ مجاهد وقال: عدُوّةُ الجنة والله هذه يا أبا محمد، لا تقبل الجنةُ من يكون معها. تقول له: كنتَ مع عدُوتي!
ثم قال الفتى: وكان القوم قد انتشوا، فاعتراهم نصف النوم وبقى نصف اليقظة في حواسهم، فكل ما راؤه منا راؤه كأحلام لا وجود لها إلا خلف أجفانهم المثقلة سكراً ونعاساً. ووثبت المغنيةُ فجاءت إلى جانبي والتصقت بيّ، وأسرع الشيطانُ فوسوس لي: أن أحذر فأنك رجلُ صدق، وإذا صدقت في الخمر فلا تكذبنّ في هذه، ولئن مسسْتها إنها لضياعك آخر الدهر!
فعجبتُ أشدّ العجب أن يكون شيطاني أسلم وأعنْت عليه كما أعين الأنبياء على شياطينهم. ولكن اللعين مضى يصدُّني عن المرأة دون معانيها، وكان مبني كالذي يُدني الماءَ من عيني القتيل المتلهبِ جوفه ثم يجعله دائماً فوتَ فمه، ولقد كنتُ من الفحولة بحيث يبدو لي من شدة الفورةٍِ في دمي وشبابي أن أجمع في جسمي رجالاً عدةٍ، ولكن ضربني الشيطانُ بالخجل فلم أستطع أن أكون رجلاً مع هذه المرأة
وعجبتْ هي لذلك وما أسرع ما نطق الشيطانُ على لسانها بالموعظة الحسنة. . .! فقالت: لقد أحببتك ما لم أحبّ أحداً، وأحببتُ خجلك أكثر منك، فما يسرُّني أن تأثم فيّ فتدخلَ النار بحبي، ولو أنك ابتعتني من مولاي؟ فقلت: بكم اشتراكِ؟ قالت: بألف دينار! قلت: وأين هي مني وأنا لو بعت نفسي ما حصلت لي؟
فتمم الشيطانُ موعظته وقالت: إن قلبي قبلك غنياً كنت أو فقيراً، وأحسّ بك وحدكُ حبِّ العذراء أول ما تُحبّ، وأنا - كما تراني - أعيش في السيئات كالمكرهة عليها، فأعمل على أن تكون أنت حسنتي عند الله، أذهب إليه حاملةً في قلبي إياك وعفتي عنك، ولئن كانت عفةُ من لا يشتهي ولا يجد تعدُّ فضيلة كاملة، إن عفة من يجد ويشتهي لتعدُّ ديناُ بحاله. ولا يزال حبي بكراً، ولا أزال في ذلك عذراء القلب، وهؤلاء قد نزعوا الحياء عني من أجل أنفسهم، فألبسينهِ أنتَ من أجلك خاصة، وإن قوة حبي الذي سيتألم بك ويتعذب منك لطول ما يصبر عنك، ستكون هي بعينها قوةً لفضيلتي وطهارتي ثم تناولتْ عودها
следующие страницы →