← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8191–8230 · переход к 8196.

стр. 8191

٥ - الانتحار للأستاذ مصطفى صادق الرافعي قال المسيَّب بن رافع: وأطرق الناسُ قليلاً بعد خبر (أبي محمد البصري)؛ إذ كان كلُّ منهم قد جمع باله لما سمع، وأخذ يحدسُ في نفسه ويراجعها الرأي؛ وكان المجلسُ قد امتدّ بنا منذ العصر وما يكاد النهارُ يشعرُ بأدباره، حتى اعترضت في شمسه الغبرةُ التي تعتريها إذا دنت أن تعربُ. وكان إلى يساري فتى ريان الشباب، حسن الصورة، وضيءٌ مشرق له هيئة وسمت، أقبل على الأيام وأقبلت الأيام عليه فسمعني أطن على أذن (مجاهد الأزدي)؛ وكنت اعرفهُ شاعراً في كلامه وشاعراً في قلبه؛ فقلت له: إنه لم يبقَ من النهار يا مجاهد إلا مثلُ صبر المحبِّ دبا له الموعد، ولم يبقَ من الشمس إلا مثلُ ما تتلفف صاحبته، تأخذُ عليها ثوبها وغلائلها ولكن بعد أن تسقطها من هنا ومن هنا، لترى جمال جسمها هنا وهنا! فاهتز الفتى لهذه الكلمات وسالت الرقَّة في أعطافه وقال: ياعم، أما ترى ما بقى من النهار كأنه وجهُ باكٍ مسح دموعه وليس حوله إلا كآبة الزمن؟ قلت: كأن لك خيراً يا فتى، فإن كان شأنك مما نحن فيه فقصَّه علينا وعلّ لنا به سائر الوقت إلى أن تجب الشمس، ولعلك طائرٌ بنا طيرةً فوق الدنيا. قال: فمهْ؟ قلت: تقومُ فتتكلم، فإني أرى لك لساناً وبياناُ قال: أو يحسن أن أتكلم في المسجد عن صرعه الحب وصريعه، وعاشقةٍ وعاشق؟ فبادر مجاهدٌ فقال: ويحك يا فتى! لقد تحجرت واسعاً؛ إن المؤمن ليصلّى بين يدي الله وكتابُ سيئاته في عنقه منشورٌ مقروء. وهل أوقات الصلاة إلا ساعاتٌ قلبية لكل يومٍ من الزمن، تأتي الساعة مما قبلها كما تأتي توبةُ القلب مما عمل الجسم؟ إنما يتلقَّى المسجدُ من يدخله لساعته التي يدخله فيها، ولو أنه حاسبه عن أمسِ وأول منه وما خلا من قبل، لطردهُ من العتبة! إن المسجد يا بني إنما يقول لداخله: أدخل في زمني ودع زمنك، وتعال إلي أيها الإنسانٌ الأرضي، لتتحقق أن فيك حاسةً من السماء، وجئني بقلبك وفكرك، ليشعرا ساعةً

стр. 8192

إنهما في لا فيك. ولسنا الآن يا بني في متحدثٍ كنديِّ القوم يتطارحون فيه أخبارهم، بل نحن في مجلس علمٍ تكلمت فيه رقبةُ هذا ورقبةُ هذا بما سمعت؛ فقم أنت فاذكر علم قلبك وقص علينا خبر طيش الحبَّ والشباب الذي يشبه الكلام فيه أن يكون كلاماً عن الصعود إلى القمر والقبضِ من هناك على البرق! قال المسيّب: فانتهض الفتى، ورأيت مجاهداً يتنهّد كأنما انصدعت كبده؛ فقلت: ما بالك؟ قال: إن شبابي قد مرّ على الساعة فنسمت منه في بردة هذا الفتى، ثم فقدته فقداً ثانياً فهرمت هرماً ثانياً، وجاءني الحزن من إحساسي بأني شيخ حزن من همّ أن يدخل باب حبيبٍ ثم رُدّ. . .! وتحدث الفتى، فإذا هو يديرُ بين فكيه لسان شاعرٍ عظيم، يتكلم كلامه بنفسين: أحدهما بشريةٌ تصنع المعنى واللفظ، والأخرى علويةٌ تلقى فيها النار والنور قال: إن لي قصة أيُها الشيخ، لم يبقى منها إلا الكلامُ الذي دفنت فيه معانيها؛ وقد تأتي القصة من أخبار القلب مفعمة بالآلام والأحزان، لا يراد بآلامها وأحزانها إلا إيجاد أخلاق للقلب يعيش بها ويتبدّل. والذي قُدِّر عليه الحبُّ لا يكون قد أحب غيره أكثر مما يكون قد تعلم كيف ينسى نفسه في غيره، وهذه كما هي أعلى درجات الحبّ - فهي أعلى مراتب الإحسان ومتى صدق المرءُ في حبّه كانت فكرتهُ فكرتين: إحداهما فكرةٌ والأخرى عقيدةٌ تجعل هذه الفكرة ثابتة لا تتغيّر؛ وهذه كما هي طبيعة الحب فهي طبيعة الدِّين ولا شيء في الدنيا غير الحب يستطيع أن ينقل إلى الدنيا ناراً صغيرة وجنة صغيرة، بقدر ما يكفي عذاب نفس واحدةٍ أو نعيمها! وهذه حالة فوق البشرية. والفضائلُ عامَّتُها تعمل في نقل الإنسان من حيوانيته، وقد لا تنقل إلا أقلّه ويبقى في الحيوانية أكثره؛ ولكن الحب الصادق يقتلع الإنسان من حيوانيته بمرةٍ واحدة، بيد أنه لا يكون كذلك إلا إذا قتله بآلامه؛ فهو كأعلى النسك والعبادة. كان من خبري أني دٌعيتُ يوماً إلى ما يدعى لمثله الشباب في مجلس غناءٍ وشراب يا له من مجلس! وقد قال تعالى: (إن اللهَ لا يَسْتَحي أن يَضرِبَ مَثلاً ما بَعُوضةً فما فوْقَها) والبعوضةُ في قصتي أنا كانت امرأة نصرانيّة. . . قينة فلان المغنية الحاذقة المحسنة

стр. 8193

المتأدبة، تحفظ الخبر وتروي الشعر، وتتكلم بألفاظ فيها حلاوة وجهها، وتخلق النكتة إذا شاءت خلق الزهرة المتفتحة عليها سقيط الندى؛ وتجدُّ بالحديث ما شاءتْ وتهزل، فتجعل للكلام عقلاً وشهوة تضاعفُ بهما من تحدثه في شهواته وعقله! وستجري في قصتها ألفاظ القصة نفسها، لا أتأثَّمُ من ذلك ولا أتذمم؛ فقد ذكر الله الخمر بلفظ الخمر ولم يقل: (الماء الذي فيه السكر)، ووصف الشيطان ولم يقل: (الملك الذي عِمل عملَ المرأة الحسناء في تكبرها)، وذكر الأصنام بأنها الأصنام ولم يُسمِّها: (حاملة السماء التي يصنعها الإنسان بيديه)، وحكاية ما بين الرجل والمرأة هي كلامٌ يقبِّل بعضهُ بعضاً ويلتزمُ ويتعانق! قال المسيَّب: فتبسم إمامنا ونظرتْ عيناه تسألان سؤالاً. أما مجاهدٌ الأزدي فكان من هزةِ الطَّرب كأنه على قتب بعير، وقال: لله دَرُّه فتىً، إن هذا لبيان كحيلُ العين. . . ثم قال الفتى: وذهبت إلى المجلس وقد جعلته هذه المغنيةُ من حواشيه وأطرافه كأنه تفسيرٌ لها هي. أما هي فجعلتْ نفسها تفسيراً لكلمةٍ واحدة هي: (اللذّة. . .) قال المسيَّب: وطرب مجاهدُ طرباً شديداً، وسمعته يخافت بصوته يقول: (لله درُّها امرأة، هذه، هذه عدوّةُ الحور العين!) ثم قال الفتى: وتطرّب جماعة أهلِ المجلس إلى الشرب، وما ذقت خمراً قط، ولن أتذوقها ولو شربها الناس جميعاً، ولن أذوقها ولو أنقطع الغيثُ ولم تمطر السماء إلا خمراً؛ فأني مذ كنت يافعاً رأيت أبي يشربها، وكانت أمي تلومه فيها وتشتد في تعنيفه وتحتدم، وكانا يتشاحنان فينالُها بالأذى ويندرئُ عليها بالسبَّ وفحش القول. وسكر مرة وغلبه السكر حتى ثارت أحشاؤه فذرعه القيء فتوهمني وعاء، وجاء إلى وأنا جالس فأمسك بي وقاء في حجري، حتى أفرغ جوفه، وثارت أمي لتنتزعه وأنشأت تعالجه عني فتصارع جنونه وعقلها حتى كفأته على وجهة كالإناء؛ فالتوى كالحية بطناً لظهر وستجمع كالقنفذ في شوكه، ثم لكزها برجله أسفل بطنها فانقلبت، وأصاب رأسها إجانة العجين فتثلم تثليم الإناء كأنما شدخ ضرباً بحجر، وأنتثر دماغها على الأرض أمام عينيّ، ورأيتها لم تزد على أن دفعت بإحدى يديها في الهواء وضمت بالأخرى إلى صدرها، تتوهم أنها تحميني وتدفعه، ثم سكنت ولو لم تمت من الشجة في رأسها لماتت من الضربة في بطنها!

стр. 8194

قال المسيَّب: وأطرق الفتى هُنيهةً وأطرق الناسُ معه؛ فرفع مجاهد صوته وقال: رحمها الله! فقال الناس جميعاً: رحمها الله! ثم قال الفتى: وكان عامة من في المجلس يعرفون ذلك مني، ويعرفون أنه لو ساغ لإنسان أن يشرب دم أمِّه ما شربتُ أنا الخمر. فقالوا للمغنيِّة: إن هذا لا يدخلُ في ديواننا. فنظرت إليّ، وهربتُ أنا من نظرتها بإطراقة؛ ثم قالت: تشربُ على وجهي؟ فقلت لها: إن وجهك يقول لي: لا تشرب. . . فتضاحكت وقلت: أهو يقول لك غير ما يقول لهؤلاء؟ فهربتُ من كلامها بإطراقةٍ أخرى، ووصلت الإطراقتان ما بيني وبين قلبها؛ وتنبه فيها مثل حنوِّ الأمّ على طفلها إذا آذته بلسانها فأطرق ساكتاً يشكوها إلى قلبها! والتفت لمن حضر وقالت لهم: لست أطيبُ لكم ولا تنتفعون بيّ إلا أن تشربوا لي ولهُ ولأنفسكم، وانحطّ عليهم الساقي، فشربوا أرطالاً وأرطالاً، وهي بين ذلك تغنيّهم وقد أقبلت عليهم وخلا وجهها لهم من دوني وإنما تخالسني النظرة بعد النظرة فوسوس لي شيطاني أن تشدد مع هذه بمثل عزمتك مع الخمر. ولكني كنتُ أُحدُّ النظر إليها، فمرةً أوامقُها نظرة المحبِّ للحبيب؛ وكأني بذلك كنتُ آخذها وأدعها، وأصلها وأهجرها. فقالت لي كالمنكر عليّ: ما بالك تنظر إليّ هكذا! ولكن هيئة وجهها جعلت المعنى: لا تنظر إليّ إلا هكذا. . .! وأسرع الشرابُ في القوم وأفرط عليهم السُّكر؛ فبقيت لي وحدي وبقيتُ لها وحدها؛ ثم تناولت عودها وضمته إليها ضماً شديداً أكثر من الضمّ. . . وألمسته صدرها ونهديها، ثم رنت إليّ بمعنى، فما شككتُ أنها ضمةٌ لي أنا والعود؛ ثم غنت هذا الصوت: ألا قاتل اللهُ الحمامة غُدوةً … على الغصن؛ ماذا هيجتْ حين غنتِ؟ فما سكتت حتى أويتُ لصوتها، … وقلتُ: تُرى هذى الحمامة جنتِ؟ وما وجْدُ أعرابيةٍ قذفتْ بها … صُروفُ النوى من حيث لم تكُ ظنتِ. . . إذا ذكرتْ ماَء العضاهِ وطيبَه، … وبرْد الحمى من بطنِ خبتٍ، أرنِّتِ. . . بأكثر مني لوعةً، غيرَ أنني … أجمجمُ أحشائي على ما أجنتِ! وغنَّته غناءً من قلبٍ يئنّ، وصدرٍ يتنهّد، وأحشاءٍ لا تخفى ما أجنتْ؛ وكانت ترتفع بالصوت ثم كأنما يهمي الدمعُ على صوتها، فيرتعش ويتنزّل قليلاً قليلاً حتى يئنَ أنين

стр. 8195

الباكية، ثم يعتلج في صدرها مع الحب، فيتردد عالياً ونازلاً، ثم يرفضُّ الكلامُ في آخره دموعاً تجري قال المسيَّب: فنظر إليّ مجاهد وقال: عدُوّةُ الجنة والله هذه يا أبا محمد، لا تقبل الجنةُ من يكون معها. تقول له: كنتَ مع عدُوتي! ثم قال الفتى: وكان القوم قد انتشوا، فاعتراهم نصف النوم وبقى نصف اليقظة في حواسهم، فكل ما راؤه منا راؤه كأحلام لا وجود لها إلا خلف أجفانهم المثقلة سكراً ونعاساً. ووثبت المغنيةُ فجاءت إلى جانبي والتصقت بيّ، وأسرع الشيطانُ فوسوس لي: أن أحذر فأنك رجلُ صدق، وإذا صدقت في الخمر فلا تكذبنّ في هذه، ولئن مسسْتها إنها لضياعك آخر الدهر! فعجبتُ أشدّ العجب أن يكون شيطاني أسلم وأعنْت عليه كما أعين الأنبياء على شياطينهم. ولكن اللعين مضى يصدُّني عن المرأة دون معانيها، وكان مبني كالذي يُدني الماءَ من عيني القتيل المتلهبِ جوفه ثم يجعله دائماً فوتَ فمه، ولقد كنتُ من الفحولة بحيث يبدو لي من شدة الفورةٍِ في دمي وشبابي أن أجمع في جسمي رجالاً عدةٍ، ولكن ضربني الشيطانُ بالخجل فلم أستطع أن أكون رجلاً مع هذه المرأة وعجبتْ هي لذلك وما أسرع ما نطق الشيطانُ على لسانها بالموعظة الحسنة. . .! فقالت: لقد أحببتك ما لم أحبّ أحداً، وأحببتُ خجلك أكثر منك، فما يسرُّني أن تأثم فيّ فتدخلَ النار بحبي، ولو أنك ابتعتني من مولاي؟ فقلت: بكم اشتراكِ؟ قالت: بألف دينار! قلت: وأين هي مني وأنا لو بعت نفسي ما حصلت لي؟ فتمم الشيطانُ موعظته وقالت: إن قلبي قبلك غنياً كنت أو فقيراً، وأحسّ بك وحدكُ حبِّ العذراء أول ما تُحبّ، وأنا - كما تراني - أعيش في السيئات كالمكرهة عليها، فأعمل على أن تكون أنت حسنتي عند الله، أذهب إليه حاملةً في قلبي إياك وعفتي عنك، ولئن كانت عفةُ من لا يشتهي ولا يجد تعدُّ فضيلة كاملة، إن عفة من يجد ويشتهي لتعدُّ ديناُ بحاله. ولا يزال حبي بكراً، ولا أزال في ذلك عذراء القلب، وهؤلاء قد نزعوا الحياء عني من أجل أنفسهم، فألبسينهِ أنتَ من أجلك خاصة، وإن قوة حبي الذي سيتألم بك ويتعذب منك لطول ما يصبر عنك، ستكون هي بعينها قوةً لفضيلتي وطهارتي ثم تناولتْ عودها

стр. 8196

وسوته وغنتْ: فلو أنا على حجر ذُبحْنا … جرى الدّميان بالخبر اليقين وجعلت تتأوه في غنائها كأنها تُذبح ذبحاً، ثم وضعت العود جانباً وقالت: ما أشقاني! إذا اتفقت لي ساعةُ زواجي في غير وقتها فجاءت كالحلم يأتي بخيال الزمن فلا يكون فيه إلا خيال الأشياء ثم سألتني: ما بالك لم تشرب الخمر ولم تدخل في الديوان؟ فبدر شيطاني المؤمن. . . وساق في لساني خبر أمي وأبي، فانتضحت عيناها باكية وتم لها رأيٌ فيّ كرأي أنا في المسكُر؛ وكان شيطانها بعد ذلك شيطاناً خبيثاً مع أصحابها، وبطريقاً زاهداً معي أنا وحدي! ورأيتها لا تجالسني إلا مُتزايلة كالعذراء الخفرة إذا انقبضت وغطت وجهها، وصارت تخافني لأنها تحبني، وهيّبني الشيطان إليها فعادت لا ترى فيّ الرجل هو تحت عينيها الثَّيِّبتين. . . ولكن القديس الذي تحت قلبها البكر ولم يعد جمالي هو الذي يعجبها ويصبيها، بل كان يعجبها مني أني صنعةُ فضيلتها التي لم تصنع شيئاً غيري. . . وأنطلق الشيطانُ بعد ذلك فيّ وفيها بدهائه وحنكته وبكل ما جرَّب في النساء والرجال من لدن آدم وحواء إلى يومي ويومها. . .! فكان يجذبني إليها أشدَّ الجذب، ويدفعها عني أقوى الدفع، ثم يغريني بكل رذائلها ولا يغريها هي إلا بفضائلي. وألقى منها في دمي فكرة شهوةٍ مجنونةٍ متقلّبة، وألقي مني في دمها فكرةٍ حكمةٍ رزينةٍ مستقرّة. وكنت ألقاها كلُّ يومٍ وأسمع غناءها؛ فما هو بالغناء ولكنه صوتُ كلُّ ما فيها لكل ما فيّ، حتى لو التصق جسمها بجسمي وسار البدنُ البدن، وهمس الدم للدم، لكان هو هذا الغناء الذي تغنيه وأصبحت كلما استقمتُ لحبها تلوّت عليّ؛ إذ لستُ عندها إلا الأمل في المغفرة والثواب، وكأنما مسختُ حبلاً طوله من هنا إلى الجنة لتتعلّق به. وعاد امتناعها جنوناً دينياً ما يفارقها، فابتلاني هذا بمثل الجنون في حبها من كلف وشغف وانحصرت نفسي فيها، فرجعتُ معها أشد غباوةً من الجاهل ينظر إلى مدّ بصره من الأفق فيحكم أن ههنا نهاية العالم، وما ههنا إلا آخر بصره وأوّلُ جهله. وانفلت مني زمامُ روحي، وانكسر ميزان إرادتي، وأختل استواء فكري، فأصبحت إنساناً من النقائض المتعادية أجمع

стр. 8197

اليقين والشك فيه، والحبّ والبغض له، والأمل والخيبة منه، والرغبة والعزوف عنها. وفي أقل من هذا يخطفُ العقل، ويتدلّه من يتدله ثم ابتليتُ مع هذا اللّمم بجنون الغيظ من ابتذالها لأصحابها وعفتها معي، فكنت أتطاير قطعاً بين السماء والأرض، وأجدُ عليها وأتنكر لها، وهي في كلُّ ذلك لا تزيدني في حالةٍ واحدة من الرهبانية؛ فكان يطير بعقلي أن أرى جسمها ناراً مشتعلة، ثم إذا أنا رمتهُ استحال ثلجاً. وقرحت الغيرة قلبي وفتّتت كبدي من عابدة الشيطان مع الجميع، الراهبة مع رجل واحد فقط. . . .! ورجعت خواطري فيها مما يعقل وما لا يعقل؛ فكنت أرى بعضها كأنه راجع من سفرٍ طويل عن حبيب في آخر الدنيا، وبعضها كأنه خارج من دار حبيبٍ في جواري وبعضها كأنه ذاهب بيّ إلى المارستان. . .! ورأيتنا كأننا في عالمين لا صلة بينهما ونحن معاً قلباً إلى قلب، فذهب هذا بالبقية التي بقيت من عقلي؛ ولم أرَ لي منجاةً إلا في قتل نفسي لأزهق هذا الوحش الذي فيها وذهبتُ فابتعت شعيرات من السم الوحي الذي يُعجل بالقتلِ، وأخذتها في كفي وهممتُ أن أقمحها وأبتلعها، فذكرت أُمي، فظهرت لخيالي مشدوخة الرأس في هيئة موتها، وإلى جانبها هذه المرأة في هيئة جمالها، وثبتت على عيني هذه الرؤيا، وأدمنتُ النظر فيها طويلاً فإذا أنا رجلٌ أخر غير الأوّل، وإذا المرأة غير تلك، وطغت عبرةُ الموت على شهوة الحياة فمحتها، وصح عندي من يؤمئذٍ أن لا علاج من هذا الحبّ إلا أن تقرن في النفس صورة امرأة ميتة إلى صورة المرأة الحيّة، وكلما ذكرت هذه جيء لها بتلك، فإذا استمر ذلك فإن الميتّة تميتها في النفس وتميت الشهوة إليها، ما من ذلك بُد، فليجربه من شك فيه وانفتح لي رأى عجيب، فجعلت أتأمل كيف آمن شيطاني ثم كفر بعد، على أن شيطانها هي كفر في الأول ثم آمن في الآخر؟ فوالله ما كنت إلا غبياً خامد الفطنة إذ لم يسخ لي الصواب حتى كدت أزهق نفسي وأخسر الدنيا والآخرة؛ فإن الشيطان - لعنه الله - إنما ردّني عن الفاحشة وهي ذنب واحد ليرميني بعدها في الذنوب كلها بالموت على الكفر! وردّ إلى هذا الخاطرُ ما عزب من عقلي؛ ومن ابتلى بلاءٍ شديد يزلزل يقينه ثم أبصر اليقين، جاء منه شخص كأنما خلق لساعته؛ فلعنت شيطاني واستعذتُ بالله من مكره،

стр. 8198

وألقيت السمّ في التراب وغيَّبته فيه، وقلتُ لنفسي: ويحك يا نفس! إن الحياة تعمل عملاً بالحي، أفترضين أن تعمل الحياةُ بأبطالها ورجالها ما عرفت وما علمت، ثم يكون عملها بك أنت القعود ناحية والبكاءَ على امرأة؟ أيُتها النفس، ما الفرق بين سرقة لحم من دكان قصاب، وبين سرقة لحم امرأة من دار أبيها، أو زوجها، أو مولاها. .؟ أيُتها النفس إن إيمان أسلافنا معنا؛ إن الإسلام في المسلم قال المسيَّب: وهنا طاش مجاهد واستخفه الطرب، فصاح صيحة النصر: الله أكبر! وجاوبه أهل المسجد في صيحةٍ واحدة: الله أكبر! ولم يكد يهتف بها الناس حتى ارتفعت صيحة المؤذِّن لصلاة المغرب. الله أكبر. . . (انتهى المجلس، وبقيت لحديث المسيَّب بقية) (طنطا) مصطفى صادق الرافعي

стр. 8199

سبيل المدنية للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني رآني مرةً صاحبٌ لي آكل لحماً نيئاً، فاستغرب، وسألني عنه كيف أجده؟ قلت: أطيب ما يكون، فأبى أن يصدّق، وذهب يكابر، وجعل يسأل: (كيف تستطيبه وهو نيئ؟) قلت: (يا أخي إن المسألة ليست مسألة منطق وجدل، إنما هي مسألة طعام، فخذ منه وذق، وأنظر بعد ذلك كيف تجده، ثم إنه لا شك أخف على المعدة وهي أقدر على هضمه من اللحم الذي أنضجته النار، وأثقله ما يخلط به) فهز رأسه منكراً، وأبى أن يجرب. ومضت أيام، فاشتهيت أن آكل كبداً نيئة، فصارت الخادمة بعد ذلك تعلن الخوف مني ولا تخفيه، وتغلق عليها الأبواب حين تنام، كأنما خشيت أن آكلها حية، ثم لم تطق صبراً فتركت البيت، وتحدث إلى المخدم بأني (غول) فتعذر عليه أن يقنع غيرها بالعمل في بيتي، فجئت بواحدة من الريف ويخيل إلي أن المدينة تضعفنا من حيث ترقينا، وتشيع في نفوسنا روح الأنوثة، فنزداد عليها رقة وتطريا، ولا نزداد قوة وقدرة على المقاومة. فنحن مثلاً نقاوم البرد بالثياب لا بأجسامنا وما فيها من المناعة الطبيعية التي تستفاد من التجرد، ولا يستطيع الواحد منا أن يخطو عشر خطوات بقدم حافية، وما أكثر ما تسمع الأم تحذر ابنها أن يمشي حافياً حتى في البيت مخافة أن يصيبه أذى من الرطوبة أو نحوها. والخبز يوضع على المائدة في طبق حتى لا يمس السفرة، والأشواك والسكاكين والملاعق نوضع مستندة إلى قطع من الزجاج أو المعدن ترفع أطرافها، وهكذا في كلُّ شيء، ولكن القطة مثلاً تعتمد إلى كوم الزبالة فتنبشه وتأكل ما تجد فيه من فتات الخبز أو غيره، والكلب يقضم العظام مخلوطة بالتراب فلا يصاب بسوء ولا تعروه حمى، وينام تحت عين الشمس فلا تضربه، وإذا جاء الشتاء لم يتخذ لحافاً ولا شبه. وحدثني طبيب يعمل في الريف أنهم قلما يعنون بتطهير أدوات الجراحة في مستشفيات القرى عنايتهم بذلك في المدن، ولا يرون أن هذا يضير المرضى، أو يحدث لهم تسمماً، وهو يعلل ذلك بأن الأجسام في القرى أعظم حصانة وأقوى مناعةً لكثرة تعرضها، على خلاف الحال في المدن ونصحني مرة طبيب من أصدقائي أن أكف عن أكل اللحم وأن أقتصر في طعامي على

стр. 8200

الخضر والفاكهة، فقلت له: (لا يا صاحبي، فأني أرى الحيوان أقواه آكل اللحم وأضعفه آكل النبات، وأنا أكره لنفسي أن أحيا حياة خروف. والعمر طوله أو قصره لا قيمة له، وليست العبرة بأيام تزداد في الأجل أو تنقص منه، فأنه إلى انتهاء على الحالين، (ومرجوع وهاج المصابيح رمدد) كما يقول الشاعر، ولأن يحيا المرء حياة قصيرة ولكنها قوية، خير ألف مرة من يعيش ألف سنة ويكون بغلاً أو حماراً) فضحك ولكني كنت جاداً ومن ذا الذي لا يؤثر أن يكون نمراً على أن يكون ثوراً؟ أعني أن تكون له قوة النمر وصولته وبطشه، ولا بأس بالغدر والقسوة أيضاً، فأن لكل مزية ثمنها، وعسير أن تؤتي فضلاً وأن تسلم من عيب أو نقيصة؛ وإذا كان ثمن القوة القسوة أو الغدر، فأن ثمن الجمال الضعف، وهكذا في غير ذلك وعلى ذكر ذلك إن الحب عند الحيوان تنزّ، وهو بين البدو شهوة تغري بالاستحواذ بالقوة أو الحيلة، ولكنه في ظل المدينة يستحيل حنين عاجزٍ، وصبوة حائرٍ، ولهفة ضائع، ودموع مفؤود، لا حيلة له ولا دواء من دائه إلا أن يرق له المحبوب ويحنو عليه كما تحنو الأم على طفلها الرضيع. والتماس معاني الجمال في الإنسان والحيوان والأشياء عنوان رقي ودليل على دقة الحس والتمييز، ولكنه أيضاً التماس لمعاني الضعف، وتطرٍّ من الإنسان، ونزوع إلى الأنوثة. وهذا كلام أحسب القراء سينكرونه ولا يقبلونه، ولعل منهم من يتوهمه إغراقاً في التخيّل، ولكنه الحقيقة - وسبيل المدينة هذا، ولا حيلة لي ولا لهم. وأحسب أن في نفسي أثراً من آثار البداوة، فأني أحب الصحراء وأكره هذه البني العالية ولا أرتاح إلى الفرش الوفير، وأمقت التعقيد وأوثر البساطة في كلُّ شيء؛ وقد أرتاب بعض أهلي في صحة عقلي لما تزوجت، لا لأني تزوجت، فما في ذلك من بأس، بل لأني قلت لهؤلاء الأهل لما أبلغوني أن صاحبهم يأبى أن يزوجني الصغرى قبل تتزوج الكبرى: (قولوا له أني سآخذها على الرغم منه إذا لم آخذها برضاه) فعجبوا وقال قائلهم: (كيف؟ في أي عصر نحن؟ أم تريد أن تحدث حدثاً في الأسرة؟) قلت: (كلُّ ما أعرفه أني أطلبها وأني سآخذها - خطفاً أو غصباً أو سرقة - آخذها والسلام، فقولوا ما بدا لكم، وظنوا ما شئتم، ولكني أنصح لكم أن تردوا صاحبكم إلى الرشد) فلم يسمع منهم، فكان أن أخذتها على رغم كلُّ أنف - إلا أنفها! ولم أخطفها ولم أسرقها،

стр. 8201

ولكني أحسنت التدبير وجودت الحيلة. وما معنى أن أطلب شيئاً، وأروح أنحسر وأتلهف وأقطع قلبي عليه؟ هذا كلام فارغ! والطلب يقتضي السعي، فأما أن يوافق المرء وإلا فليقصر إذا عزه المطلب، ولكنها المدنية تحيل النفوس كالورق المبلول، فمن كان يريغ القوة فليجفف نفسه قليلاً، ولينأ بها عنا الترف والرقة وقد قرأت للكاتب الإنجليزي هـ. ج. ولز، قصة لا أذكر أسمها، ولكني أذكر أنه يتخيل أن البطل انتقل إلى كوكب آخر أرقى من هذه الأرض، وأعلى في درجات الحضارة وأسبق إليها ببضعة آلاف من السنين، فكان أن ظهرت الأنفلونزة، ففشت بسرعة ولم يدرِ سكان هذا الكوكب كيف يتقونها أو يصدونها، لأن جرثومتها لا تجد من أجسامهم مقاومة، فأخذوا يعزلون المصابين بالطيارات وهذا فعل المدينة لأنها ترمي إلى التسهيل والتيسير على الإنسان والتخفيف عنه، ورفع مؤونة الكد والتعب، وهذا مفضٍ إلى التطري والضعف. وقد قيل للمشترع الإسبرطي مرة: (ألا تبني لنا سوراً يقينا الغارات المفاجئة؟) فقال: (كلا. خير سور ما كان من اللحم والدم) يريد أن يقول إن بناء السور من الحجر يغري بالاستنامة والاطمئنان ويؤدي إلى الضعف، أما إذا بقيت المدينة بلا سور يحميها فإن هذا يبعث على تنبه أهلها ويقظتهم ويدفعهم إلى الاستعداد الدائم، فلا تضعف نفوسهم ولا تذهب رجولتهم. وهذا صحيح. وقس على ذلك في سائر الأمور. إبراهيم عبد القادر المازني

стр. 8202

من آثار هوجو أمبير جلوا رمز الشبيبة المعذبة للآنسة النابغة (مي) بمناسبة انقضاء خمسين عاماً على وفاة فيكتور هوجو، سيكون النظر في كتاباته والتحدث عنها من خير الوسائل للاحتفاء بذكراه، بل هو أحسنها على الإطلاق، لأن الشاعر يعيش بآثاره لا بما يقول الناس عنه، ولا بما يصنعون (لتخليد) اسمه ومن آثار هوجو ما هو خصيص بعصره، ومنها ما لن يستوعبه إلا المستقبل، ومنها ما هو لكل زمنٍ وكل مكان، ومنها ما يخيل أنه وضع لأيامنا هذه. ومع أن حكاية أمبير جلوا من أقل كتابات هوجو ذيوعاً، فهي أكثر ما تكون انطباقاً على حالة طائفة من الشبان في هذا العصر، حتى في هذه البلاد - مع اختلاف نوع الحافز لانفعال الغرام ومن يكون أمبير جلوا؟ هو فتى سويسري، ووالده يعلم الخط في مدارس جنيف، استغواه أسم باريس، فراح يجري وراء السرابِ الذي أغرى الكثيرين بأن تلك المدينة العظيمة هي عاصمة المغامرة بالمواهب والمضاربة، وأن كلُّ لبيبٍ باسلٍ يجد فيها المستقبل الذي يستحقه وخلاصة ما يصبو إليه من نجاح وثروةٍ وشهرةٍ ومجد. (فمن دخلها بلا حذاء، خرج منها في مركبة) وقد دخلها أمبير جالوا في أكتوبر ١٨٢٧، ومات فيها بؤساً ويأساً في أكتوبر ١٨٢٨ عامٌ واحدٌ لا غير، لتحيا فيه جميع الآمال، ولتخيب فيه جميع الآمال. ويصف هوجو بطله شاباً مديد القامة، محني الظهر قليلاً، برّاق العينين، فاحم الشعر، وردي الوجنتين، يرتدي رادنجوتاً أبيض، وعلى رأسه قبعة قديمة. في الجملة الأولى يتلعثم إذا هو يذكر أسمهُ وأسم المدينة التي كان فيها طفلاً ثم أسم المدينة التي يريد أن يكون فيها رجلاً. هو في الحادية والعشرين من عمره، وثقته بنفسه أقلّ من ثقافة فكره ومن خصب جنانه. هو يسعل قليلاً؛ وبحركةٍ مرتبكةٍ يحاول إرجاع قدميه إلى الوراء تحت الكرسي. ربما ليخفي حذاءه الرث ذا

стр. 8203

الخروق، أو هو يحاول تدفئة قدميه بعض الشيء بعد تسرُّب ماء المطر إليهما من هاتيك الخروق. وبعد الكلمات الأولى يتركز صوته، ويتكلم بطلاقه، وتكاد تقتصر أحاديثه على شعراء إنجلترا. كذلك عرفهُ الرجال الثلاثة أو الأربعة من كبار الكتّاب والأدباء الذين رحّبوا به وشجعوه وساعدوه قدر المستطاع، مقدرين فكرهُ المشبوب وثقافتهُ وتأدبه وحسن بيانه انتابته في الشهور الأولى حمى باريس، فأراد أن يرى كلُّ شيء ويسمع كلُّ شيء. لم يعن بأهل السياسة والتسوس، ولا بالمتحذلقين الذين لا هم لهم غير (قتل الوقت) والظهور، ولا بجماهير المتقاطرين لزيارة المكاتب والمتاحف، بل كان همه روح باريس الحية، ورسالة باريس الفكرية واتجاهات باريس في تطورها الفني. وحيث الجدل الأدبي واحتكاك الآراء فهو موجود، يساهم في الحديث والمناقشة، ويطرح أفكاره العديدة لمن يبغي النقد والتحميص كذلك كان في الشهور الأولى. أما في الشهور الأخيرة فاستسلم لليأس، وقد مل كلُّ شيء، وزهد في كلُّ شيء. أترى مثله الأعلى كان أكبر من باريس أم أصغر؟ ليس من يعلم. إلاَّ أنهُ بات يوماً وقد أعرض عن الحياة، وكأنه قد صمم على الموت بدون انتحار. وكان عارفو مواهبه يمكنونه من مزاولة بعض الأعمال الكتابية التي يسعى إليها ويعيش عليها الألوف، كتحضير المواد اللازمة لتأليف المعاجم، وجمع المعلومات المقتضاة لتدوين سير العظماء - العمود الواحد منها بعشرين فرنكاً! فاشتغل قليلاً ثم أحجم. والعلة البطيئة التي لازمتهُ منذ الطفولة أخذت تتفاقم وتشتدّ بسرعة. وقد تلاشت آماله، واختفت من حواليه رؤى المجد المرجوّ، وأمتهن حتى ما تركه من منثورٍ ومنظوم، لعجز شعره بنثره عن تقديم شيء ولو صورة باهتة من نفسيّته المتفجّعة. وعندما قضى نحبه في الثانية والعشرين كان موقناً بأن شيئاً من آثاره لن يبقى أما فكتور هوجو فيرى أنه كان مخطئاً، إذ بقيت منه رسالةٌ متقطعة كتبها في عدة شهور إلى أحد أصحابه السويسريين، ولا يقتصد هوجو في إعجابه بتلك الرسالة التي يعتبرها (اعترافاً سرياً من نفس قليلاً ما تشبه غيرها، على حين أنها صورة لجميع النفوس. وهذه هي ميزة تلك الرسالة: فهي الاستثناء، الشاذ، وهي الشيء الشائع المألوف)

стр. 8204

ونشر هوجو الرسالة بنصها المكتمل، فلم يحذف منها إلا الأسماء مراعاة لأصحابها. وإلى القارئ فقرات جوهرية من تلك الرسالة التي لا يتسع المجال لنشرها كلها. ففي هذه الفقرات ترتسم من أمبير جلوا صورته النفسية، مع خيال الغرام الواحد الذي عاش عليه إلى النهاية: (اليوم ١١ ديسمبر، ونحن في الساعة الثالثة. لقد مشيت، وقرأت. السماء جميلة، وأنا أتألم في تفطر. وصلت باريس في ٢٧ أكتوبر، فأنا هنا أذبل وتذهب قواي بلا رجاء. عرفت ساعات وأياماً بتمامها لامس فيها يأسي الجنون. متعباً، في انقباض حسيّ وأدبي، متشنج النفس في هذه الأحياء المليئة بالوحل والدخان، كنت بلا توقف أهيم مجهولاً، وحيداً وسط جمهورٍ عظيم من الناس يجهل بعضهم بعضاً هم أيضاً) (اتكأت ذات مساء على جدار جسر نهر (السين)؛ ألوف الأنوار تترامى إلى بعيد المدى، والنهر يجري، وكنت من الكلال بحيث لم أستطع مواصلة السير. وهناك، وقد نظر إلى بعض السابلة كأني مجنون، اشتدت على وطأة العذاب فلم أقو على البكاء. أنت في جنيف كنت أحياناً تمازحني هازئاً بشدة تأثراتي. وأنا هنا ألتهمها وحيداً، تلك التأثرات التي تنكل بي، ولا تفتأ تهتاجني بلا مهادنة. كلُّ شيء يتعاون على تمزيق نفسي: الإحساس الرحيب المتوالي الذي يشعرني بفناء زهونا وأفراحنا وأتراحنا وأفكارنا وتزعزع موقفي، ورهبة الفاقة، ومرضى العصبي، خمول اسمي، وبطلان ومساعيّ، وعزلتي حيال عدم اكتراث الآخرين وأثرتهم، ووحدة قلبي، وحاجتي إلى السماء والحقول والجبال والأفكار الفلسفية أيضاً، وفوق هذا - أجل، واهاً! فوق كلُّ هذا، الحنين الموجع إلى بلاد الجدود. يتفق لي في بعض الأوقات أن أحلم يقظان بكل ما أحببت، فأمضى متنزهاً في بلادي أُطيل التذكر بما قاسيت من الآلام في جنيف، وبنادر المسرات التي ذقتها هناك. وملامح من أصدقائي وأهلي، وطيفٌ من مكان قدّستهُ الذكرى، أو شجرة، أو صخرة، أو زاوية شارع، تتخايل لي، فتنبهني إلى الواقع صيحات سقاء باريسي. واهاً! كم أتألم عندئذ! وكثيراً ما أعود إلى حجرتي المنفردة عيّ الجسد والروح، فأجلس لأحلم أحلاماً مريرة مدلهمة في بحران وهذيان). . .) (ألا ما أتعس الذي يأسف على ما يسارع إلى لعنه عندما يجدهُ! ليس لي حتى أن أستمتع بألمي، لأن روح التحليل قائمة عندي على الدوام تشوِّه كلُّ شيء)

стр. 8205

(. . . . . سآمة نفس ذبلت في سن الحادية والعشرين، الشكوك القاحلة، الأسف المبهم على سعادة تراءت لي في إبهام أيضاً كمجد الغروب على ذرى جبالنا، أوجاع حسية، وأوجاع إيدياليستية، الاقتناع بأن الشقاء متأصل في النفس، اليقين بأن الثروة على ما فيها من كثير خير لن تجعل السعادة تامة: هذا ما يفطِّر نفسي البائسة. واهاً! يا صديقي الوحيد، ما أتعس أولئك الذين ولدوا تعساء!) (ومع ذلك، يخيل إليَّ أحياناً أن موسيقى تعزف في الهواء لمسمعي، وأن ألحاناً شجيةً غريبةً عن أنواء البشر تدوي من فلك إلى فلك لتنتهي إليَّ. ويخيَّل إليَّ أن ممكنات آلام جليلة هادئة تحط على أفق فكري، كأنهار قصيّ الديار في أفق الخيال. غير أن كلُّ شيءٍ يضمحل بقسوة الرجوع إلى الحياة المجسوسة، كلُّ شيء! كم مرةٍ قلت مع روسو: (يا مدينة الوحل والدخان! كم تعذَّب هنا صاحب تلك النفس الحنون! وحيداً، شريداً، منكلاً مثلى - ولكن أقلّ شقاء بستين عاماً من عصر جادّ خطير الحوادث - كان في باريس ينتحب، وأنا أنتحب. وسيأتي غيرنا ينتحبون. يا للفناء! يا للفناء! (. . . إلى الآن لا أربح شيئاً، مع أن لي أصدقاء مخلصين يجهدون ليجدوا لي عملاً. . . . . (يا صديقي. أعود إلى رسالتي بعد بدأتها، ثم استأنفتها. نحن في ٣١ مارس والساعة الثامنة مساءً. أكاد أجنّ من فرط الآم، ويأسي يفوق الاحتمال. تألمتُ اليوم ألماً يكاد لا يستطيع أن يتخيله بشر. ثم داهمتني الحمى في هذا المساء، وما الحمى المحسوسة سوى فضلة الحمىّ النفسية). . . (أسمع). . . (قد اكتشفت شيئاً فيّ فعلمتُ أني لستُ شقياً بسبب هذا الأمر أو ذاك، ولكن فيَّ عذاباً مقيماً يتخذ أشكالاً عدَّة. . . أنت تعلم أني في جنيف كنتُ أتخيل أني لو نفذتُ إلى باريس كنت سعيداً. وأنا، يا صديقي، هنا أعاشرُ أكبر الأدباء. . . وأشعر أحياناُ بنشوة الظفر في الأندية والسهرات والاجتماعات. . . وما كلُّ ذلك؟. . . إن في أعماق حياتي سرطاناً آكلاً. . . منذ شهرين تجمعت قوى عذابي على نقطةٍ واحدة، أخافُ أن أذكرها لك لفرط شذوذها). . . (ذاك المصدر المركزي لآلامي هو أني لم أولد إنجليزياً. أتوسل إليك ألا تضحك، فعذابي مبرح. العاشقون حقاً مهووسون لاعتكافهم على فكرة واحدة تستغرق جميع تأثراتهم. وأنا

стр. 8206

بعد أن كانت نفسي زمناً طويلاً فريسة جبلةٍ منوَّعة، أنا الآن مهووس أيضاً (هاك منشأ غرامي بإنجلترا: أنت تعلم أني أحب أن أعيش مع الموتى متعرفاً حياتهم السالفة فأقطنها معهم وأسايرهم في أحوال معيشتهم، وأن أخلق بيني وبينهم تعاطفاً ييسرهُ وهم الزمن، فلا يستطيع بعد أن يزعزعه وجود الأفراد. وأجد في إنجلترا خمسين شاعراً على الأقل، زخرت حياتهم بالمغامرات، وعمرت كتبهم بالفكر وبالخيال. أما في فرنسا فلا أجد ثلاثة. وفيما عدا ذلك، قد كنت أحب من وطني الإنجليزي حتى مزاعمهُ اللاغية. ففي مزاعم إنجلترا كثير من الشاعرية وكثير من الخيال. وبدلاً من أدب واحد، فللإنجليز آداب أربعة: الأمريكي والإنجليزي والاسكوتلاندي والايرلندي، تُكتب جميعاً بلغةٍ واحدة ولكلّ منها خصائص تميزها. فأية ثروة أدبية!. . . (يوجد الآن ثلاثون شاعراً بين الأحياء، كلُّ منهم مستقلٌ بشخصيته لا ينتحلُ طريق غيره، وكلّ منهم خصيب. بالثروة! وبالمغامرات سافيج المسكين، وشليِّ! وأيّ عملاق هو بايرون! كم من كنز عند هؤلاء للنفس التي تحبُّ الفرار من العالم لتلقي بأصدقائها في مخدعها! وكم ذا يعني الإنجليز بكتّابهم! إنهم يطبعون مؤلفاتهم في جميع الأحجام، وأي ذوق في طباعتهم، وكم من الخيال في نقوشهم! وأنظر إلى الأمة نفسها. فذوو السحنة الخسيسة في إنجلترا نادرون ندرة ذوي الهيئة الممتازة في فرنسا! كلُّ ما في تلك الأمة شاذّ. هناك تسود الحماسة في ألف شكل. هناك إلى جانب الآراء الوضعية الأكثر صرامة، تجد الترهات الأكثر نضارة. هذا بلد يحوي المذاهب الوضعية والنظريات الإيديالستية: فرنسا وألمانيا معاً. هو وحده له من القوة ما يكفي ليفهم كلُّ شيء، ومن العظمة ما يكفي كيلا ينبذ شيئاً. وأية ذاتية! إنك لتميز الإنجليزي بين ألف شخص. أما الفرنسي فيشبه الجميع. ووفرة الشيع الدينية في إنجلترا تثبت على الأقل خلوص النية في نفوس تحتاج إلى الرجاء ولم تجففها الماديات. وشذوذ شبان الإنجليز وتهورهم ينم على نفوس يتنازعها القلق). . . (أتألم لشعوري بأني في غير مكاني وسط شعبٍ طائش ثرثار، ملحد، ما حل، ذي زهوٍ وبرودة، في حين أن الدنيا تحوي شعباً متديناً أو متطرفاً في التشكُّك، ولكنه على الأقل لا يعيش في غير اكتراث، شعباً تجد فيه الأصدقاء الخلصاء، والنفوس المتفززة، وحيث الطيش نفسه ذو نكهة غريبة شاذة ليس له هذه اللهجة الماجنة الفاترة التي نجدوها في

стр. 8207

فرنسا (في المطعم الذي أتناول فيه طعامي يوجد إنكليز وفرنسيون. ويا للفرق! جميع الفرنسيين تقريباً مشاغبون صخابون عاديون، وجميع الإنجليز نبلاء محتشمون. وختاماً، يا صديقي، أظن أن صديقاً يستطيع التحدث إلى صديقه عن غرامه، لأن انفعال الحب يلاقي صدىً في جميع النفوس وليس فيه ما يستدعي الامتهان. على أن ألمي العارم من الشدة بحيث لا أستطيع التبيان، ولأنه جد شخصيّ خاص فقد يبدو سخيفاً مزرياً للذين لم يشعروا بمثله. ومع كلُّ ذلك، فهذا الجنون يشعرني بآلامٍ مروعةٍ لا تطاق. وكلَّ ُ شيء يرهفها: مشهد شخص إنجليزي، أو كتاب إنجليزي، حتى السخرية الموجهة إلى الإنجليز تلتهمني التهاماً. . . وهوسي هذا يجعلني أمجّ حتى الطمع في المجد. أودُّ أن أكون شهيراً في إنجلترا، وعليَّ لذلك أن أكتب بالإنجليزية. . . لو كنت إنجليزياً بمزاجي هذا المريض، لما تألمت دون ألمي الحاضر، ولكن معنى الألم قد كان يتغير. يخيل إليَّ أني لو ولدتُ إنجليزياً لاستطعت احتمال جميع آلامي. ولو ولدتُ لورداً إنجليزياً من أهبل اليسار، بنفسي ومزاجي كما هما، لكانت جميع ميولي وجميع أطماعي راضية قانعة، وعند ما أقارن بين هذا الحظ وحظي الراهن أجنّ. . . (استأنفتُ دراسة الإنجليزية منذ شهرين بنشاط وحماسة حتى صرت أقرأ الشعر بسهولة. أفكر في الذهاب إلى إنجلترا والكتابة بالإنجليزية بعد أعوام. صاحبي ج. ل. يسلفني شعراء البحيرات الإنجليز. إنهم يفتنونني. وقد استبدلت بالكتاب الذي أرسلتهُ أنت إليَّ مجموعة مؤلفات بايرون في مجلد واحد، وتلوث فيه قصيدة صغيرة، (الحلم)، فكان لها عندي وقع الصاعقة). . . (تقول السيدة الإنجليزية التي تعطيني دروساً إني بعد الإقامة بإنجلترا عامين اثنين سأجيد كتابة الإنجليزية، لأني منذ الساعة أكتبها كما يكتبها قليلون من الفرنسيين. والواقع أني أنفق نصف نهاري في دراسة الإنجليزية (إن هوسي شديد دائماً، فيا للضنى؟ وأني وجهت نظري وجدت التباريح. ومسائل العيش عندي ومازالت موضوع عذاب. أشتغل الآن في كتابة ترجمة حياة، ولكني في حاجة إلى النقود، بل أنا في ارتباك عظيم من جراء ذلك) انتهى وقد علق هوجو على هذه الرسالة في تبسط، وبإنشائه وبتوسعه في اقتناص المعاني و

стр. 8208

الاستشهادات، مما يتعذر نقله إلى العربية. إلا أني ألخص من تعقيبه قوله: (عند ما نذكر أن الرجل الذي كتب هذا، مات عليه، تأملات من كلُّ صنفٍ تتفجر من كلُّ سطر في هذه الرسالة الطويلة. أية رواية، أي تاريخ، أية سيرة هي هذه الرسالة!). . . (ليست هذه سيكولوجية تدرس على السمع أو على الجثة، ولكنها تدرس في الأعصاب والأنسجة والعروق، في اللحم الحي ينز دماً، في اللحم الذي يعول. أنت ترى الجرح وتسمع الصيحة (كتابة خطاب كهذا في تفطُّر وإهمال وجمال، دون بؤس كبؤس أمبير جلوا، كتابة خطاب كهذا بمجرد مجهود الإبداع الأدبي تقتضي العبقرية. أمبير جلوا متألماً يوازي بايرون. شيئان يجعلان الإنسان شاعراً: العبقرية أو الغرام، وهذا الرجل الذي كان نثره باهتاً وشعره فاتراً أصبح في خطابه كاتباً يستدعى الإعجاب. عندما ينسى أن يطمع في أن يكون شاعراً وناثراً، ينقلب شاعراً عظيماً وناثراً عظيماً. وسيبقى هذا الخطاب، فقد اشتمل على خليط قد يكون أدهش من كلّ ما أنتجه إلى الآن دماغ بشريّ في بابه، وبتأثير تضاعف الألم الحسي والألم الأدبيّ، والذين عرفوا جالوا يرون تشريحاً رهيباً، تشريح نفس، في الخطاب المتوتر، المضطرب، الطويل، حيث الألم يرشح قطرةً قطرةً مدى أسابيع وشهور، حيث الرجل الذي يجري دمهُ ينظرُ إلى دمهِ جارياً، حيث الرجلُ الذي يصبح يصغي إلى صوته صائحاً، وحيث في كلُّ كلمة دمعة) (لا حوادث في الحياة، ولكن فيها أفكاراً. اروِ الأفكار تسرد حياة الرجل. بيد أن حادثاً عظيماً يهيمن على هذه الحكاية المكدرة؛ وهو أن مفكراً مات من فرط البؤس! هذا ما فعلته باريس، مدينة الذكاء، بفتىً ذكىّ. . .) (. . . أمبير جالوا، ليس فقط أمبير جلوا، بل هو في نظرنا يرمز إلى طائفة معدودة من شباب اليوم الكريم. في داخل هذا الشباب عبقرية غير مفهومة تلتهمه، وفي الخارج مجتمع ساءت أوضاعه، يخنق الشباب والعبقرية. فلا منفذ للعبقرية المحاصرة في الدماغ، ولا منفذ للإنسان المحاصر في المجتمع) (الذين يفكرون ويتولون الحكم لا يهتمون في أيامنا قدر الضرورة بحظ هذه الشبيبة الزاخرة بعديد الغرائز، المتهافتة بحرارة ذكية، وبصبر واحتمال على جميع اتجاهات الفن. جمهور هذه العقول الفتية المختمرة في الظل، يحتاج إلى الأبواب المفتوحة، وإلى الهواء والنور والعمل والمسافة والأفق. ما أكثر ما يمكن عمله بهذا الجيش من الفطن! كم من قناة يمكن

стр. 8209

حفرها، وكم من سبيل يمكن تمهيدها في العلم، وكم من مقاطعة يمكن غزوها، وكم من عالم يمكن اكتشافه في الفن! ولكن، لا! جميع المهن مغلقة أو مزدحمة. وهذا النشاط المنوَّع الذي يستطيع أن يكون نافعاً مجدياً، يُترك متراكماً، مزدحماً، مختنقاً في ضيِّق الأزقة. قد كان هذا الشباب يكون جيشاً، فإذا به غمارة. إن تنظيم المجتمع سيئ حيال المقبلين، مع أن لكلّ ذي فكرٍ حقاً عند المستقبل. أليس محزناً حال هؤلاء المتألمين من العقول، المستقر نظرهم على الشاطئ المنير حيث كثير من الأمور الساطعة من مجدٍ وقدرةٍ وشهرةٍ وثروةٍ؟. . .) وهذا بعض تعقيب هوجو، وهو في عطفه شفيقٌ نبيل. ولهجتهُ في كلُّ هذا التعقيب تحملني على الاعتقاد بأنه عرف أمبير جلوا وأحبه في حياته. ومن يدري؟ قد يكون الخطاب موجهاً إليه لا إلى غيره، وكون أمبير جلوا يرمز إلى الشبيبة المعذَّبة صحيح من الناحية الواحدة على أن لهذه الشبيبة نفسها رمزاً آخر، هو فيكتور هوجو نفسه. فقد نشأ مريضاً، فقيراً، مجهولاً، مكروها من أخويه اللذين كانا يحسدان لمواهبه، بين أبوين منفصلين، فكان والدهُ بعيداً لا يعتني بزوجته الأولى وبأبنائه، في حين أن الشخص الوحيد الذي يكبرهُ ويحبه، أي والدته، أنكرت حقوق عواطفه وحالت دون اتصاله بالفتاة التي جعلت للحياة رونقاً ومعنى عنده. وكان فيكتور هوجو باسلاً، فاحتمل الألم بقوةٍ أقوى من قوة الألم، وأستغلَّ جميع المصائب والمصاعب والحوائل لإنماء شخصيته واستحثاث مواهبه. فكان سيداً في زمنٍ عصفت فيه الأطماع وكثر فيه السادة والنابهون. إن ما كتبه عن أمبير جلوا موضوع تأمُّل لجميع القارئين. أما حياته وبسالتهُ وانتصارهُ فمثالٌ لجميع العاملين. (مي)

стр. 8210

١ - لوكريسيا بورجيا صور من عصر الأحياء للأستاذ محمد عبد الله عنان عصر الأحياء - إحياء العلوم - وشرق الأنوار على ظلمات العصور الوسطى، وتفتح العبقرية العظيمة في مختلف ضروب النبوغ الإنساني: في العلوم والآداب والفنون؛ وعصر المعارك والتطورات السياسية والاجتماعية العظيمة؛ وعصر اضمحلال المشرق ونهوض المغرب؛ وذوي الحضارات الإسلامية الزاهرة الأوربي (الرينصانص) الذي ينبثق فجره في إيطاليا منذ القرن الرابع عشر، في تلك الجمهوريات والدول الصغيرة الزاهرة، التي تستطع تواريخها كالآلىء في حلك العصور الوسطى؛ ثم لا يلبث حتى يغمر معظم أمم الشمال والغرب. ولكنه أيضاً عصر الانقلابات السياسية والاجتماعية العنيفة، والشهوات المضطرمة، والمؤامرات والدسائس المروعة؛ وعصر المعارك الدينية والفورات المذهبية، وطغيان الأحبار، وعصفت مجالس التحقيق؛ وإذا كان يبدو في إيطاليا من بعض النواحي في أسطع وأبهى ألوانه، فإنه يبدو من بعض نواحيه الأخرى في ألوان قاتمة، فيما يجرف المجتمع الإيطالي يومئذ من عوامل الفساد والانحلال؛ وغمر اللهو والفجور والترف، وتدهور معاني الفضيلة والحشمة والحياء، واضطرام نزعة العدوان والأجرام والشر، وعلى الأجمال في تغلب الغرائز والشهوات المادية على المثل الروحية العليا كان المجتمع الإيطالي يومئذ، كالمجتمع الروماني في عصوره الأخيرة، ويسطع بأشعته عظمته الأخيرة، ويسطع في نفس الوقت بحياة المجون العاصف، والترف الناعم في أواخر القرن الخامس عشر تألق في أفق ذلك المجتمع الإيطالي الزاهر، نجم أسرة جديدة طبعت تلك المرحلة من تأريخ رومة بطابعها الخالد، وأسبغت مدى حين على المجتمع الروماني آية من الفخامة والبهاء، ونثرت عليه ألواناً من المرح الصاخب، ولكنها بسطت عليه في نفس الوقت ريحاً من التوجس والخشوع والورع تلك هي أسرة بورجيا التي اعتلى مؤسسها وعميدها ردريجو بورجيا عرش البابوية باسم اسكندر السادس، وأنشأ ولده الطاغية الدموي تشيزاري (سيزار) بالسيف والنار مملكة

стр. 8211

رومانية قصيرة المدى؛ وأثارت حياة أبنته الحسناء. لوكريسيا ثبتاً حافلاً من التواريخ والأساطير الشائقة لوكريسيا (أو لوكريس) بورجيا! تلك الحسناء الفاتنة التي تحيطها الروايات المعاصرة أحياناً بألوان ساحرة من البهاء والفخامة، وأحياناً بألوان مثيرة من الإثم والفحش، وتصورها أحياناً ملكاً كريماً يسمو عن ذلك المجتمع الروماني الفياض بالدس والفجور والجريمة، وأحياناً بغياً سحيقة تنحط إلى أسفل درك من الإثم والرذيلة، هي نموذج لتلك الشخصيات النسوية الساحرة التي يثير جمالها وسحرها حولها نوعاً من الغموض والخفاء، فلا يستطيع التاريخ أن يقول فيها كلمته بعيدة عن مؤثرات الرواية الخيال كانت لوكريسيا ابنة للكردينال ردريجو بروجيا من خليلته الرمانية روزا فانوزا. وكان ردريجو ينتمي إلى أسرة أسبانية نزحت قبل ذلك إلى إيطاليا وسمت إلى بعض الوظائف الكنسية الرفيعة، وتولى أحد أعضائها كرسي البابوية باسم اسكندر الثالث، ورقي ردريجو ولد أخيه إلى مرتبة الكردينال. وكانت فانوزا كانتاني فتاة حسناء من أسرة طيبة، وكانت زوجة لسيد يدعى دي كروشي، يشغل وظيفة في الديوان الرسولي فهام بها الكردنال ردرريجو، وأغضى كروشي عن تلك العلاقة الغرامية لما غمره به الكردينال من صنوف الرعاية والبذل. ورزق الكردينال من خليلته بأربعة أولاد هم: بيدرولويس الذي توفي حدثاً، وجوفاني (جان) وشيزاري (سيزار) ولوكريسيا، وجوفري. وكانت فانوزا تقيم مع أولادها في منزل يجاور قصر الكردينال؛ ولم تكن علائقهما سراً، بل كانت أمرا ذائعاً في المجتمع الروماني، حتى أن فانوزا كانت تدعي فانوزا بورجيا. وعهد الكردينال ردريجو بتربية أبنته لوكريسيا إلى ابنة عمه أدريانا دي ميلا أورسيني، وهي سيدة رفيعة المقام والخلال يثق بها أعظم ثقة؛ فبعثت بالطفلة إلى دير القديس سكستوس في وادي (الابنين) على مقربة من رومة؛ وتلقت لوكريسيا هنالك تربية دينية عميقة ودرست الإيطالية والأسبانية والفرنسية واللاتينية والرسم والموسيقى، وتلقت بالجملة تربية تليق بأميرة عظيمة. وفي سنة ١٤٨٩، هجر الكردينال ردريجو خليلته فانوزا واستبدلها بفتاة رائعة الحسن تدعى جوليا فارنيسي؛ ورأى حرصاً عليها أن يزوجها، فزوجها بفتى يدعى أورسينوس وهو ابن لابن عمته أدريانا. وكانت لوكريسيا عندئذ في التاسعة من عمرها - لأنها ولدت سنة١٤٨٠

стр. 8212

- وبعد عامين فقط رأى والدها أن يزوجها، وعقدت خطبتها على فتى نبيل أسباني يدعى الدون شيروبان؛ ثم ألغيت هذه الخطبة بعد بضعة أشهر فقط، وعقدت خطبة لوكريسيا على نبيل أسباني آخر يدعى الدون جسبارو، وذلك في إبريل سنة ١٤٩٢ وكانت لوكريسيا عندئذ في الثانية عشر، وكان خطيبها في الخامسة عشرة. ولم تمضِ سوى أشهر قلائل حتى وقع حادث عظيم في حياة ردريجو بورجيا. ذلك أنه في ليله ١١ أغطس سنة ١٤٩٢، أنتخب لعرش البابوية، وتولاه باسم اسكندر السادس؛ وكان عندئذ في الحادية والستين. وكان اسكندر السادس من أعظم الأحبار الذين تولوا كرسي القديس بطرس؛ وكان رجلاً وافر الذكاء والعزم، وافر الدهاء والجرأة، قوى الشكيمة، مقداماً لا يحجم عن وسيلة لتحقيق مشاريعه. وكان يعشق حياة المجون واللهو ويشغف بالمرح الخليع، ويهيم رغم سنة بالنساء الحسان، ويعيش في بذخ طائل. وكانت مآدبه وحفلاته الشائقة من أعظم ظواهر الحياة الرومانية يومئذ، ولكنه كان رغم بذخه ومجونه وخلاعته يقبض على مصاير الكنيسة والبابوية بيد من حديد، ويوجهها طبق أرادته، ويأخذ بقسط وافر في مجرى الحوادث السياسية العظيمة التي كانت تجوزها الدول الإيطالية يومئذ؛ وكان يقرن مصاير الكنيسة بمصاير أسرته، ويعمل لمجد أسرته، وأولاده، ما استطاع سبيلاً، وبعد ابنه الأكبر شيزاري لمستقبل عظيم باهر؛ وقد ترك لنا الكردينال دي فتربو زميل اسكندر السادس ومعاصره عنه وعن مجتمع عصره تلك الصورة القوية الآتية: (كان اسكندر ذا ذكاء خارق؛ وكان بارعاً، حازماً، نشيطاً ثاقب النظر، ولم يعمل أحد من قبل قط بمثل براعته، ولم يقنع بمثل صرامته؛ أو يقاوم بمثل ثباته. وكان يبدو عظيما في كلُّ شيء، في تفكيره وفي كلامه وفي عمله وعزمه؛ ولو تفتحت المواهب التي يتمتع بها، ولم تخنقها رذائلة العديدة، لكان أميراً وافر العظمة، وكان يخيل لمن يشهده في القول أو العمل أنه لم يكن ينقصه شيء ليقود العالم؛ فقد كان دائماً على أهبة لأن يحرم نفسه متعة الراحة، وكان يسرف في ملذاته، ولكنها لم تحل مطلقاً دون حملة عبء الشئون العامة. بيد أنا لا نستطيع رغم اتصافه بهذه الخلال أن نقول إن عهده امتاز بيوم سعيد؛ ظلمات وليل

стр. 8213

عميقة. ولنضرب صفحاً عن هذه المآسي المنزلية المروعة، ولكن الاضطراب في الأراضي الكنسية لم يكن أشد وأخطر، ولم يكن السطو أكثر، والقتل والعيث في الطرق العامة أروع، ولم تكن طرق السفر أخطر، ولم تشهد رومة من قبل قط أياماً أسوأ ساد فيها الشر والجريمة واللصوص ولم يكن ثمة حق ولا حرية. كان المال والقوة والفجور صاحبة السلطان والحول؛ ولم تتحرر إيطاليا النير الأجنبي إلا يوم انهار ذلك الطغيان البربري). كان اسكندر السادس أباً رحيماً يحب أولاده حباً جماً؛ وكان أول عمل عائلي قام به إثر ارتقائه عرش البابوية، هو إلغاء خطبة ابنته لوكريسيا لدون جسبارو؛ ذلك أنه لم يبقِ بعد قريناً كفؤاً لابنة سيد الكنيسة وخليفة النصرانية؛ وأرغم دون جسبارو على التنازل على الخطبة نظير مبلغ من المال، وطرحت مسألة زواج لوكريسيا على بساط البحث كرة أخرى. وهنا تدخلت العوامل السياسية التي أخذت تملي على اسكندر السادس خططه ومشاريعه في تقرير مصير ابنته؛ ذلك أن صديقه الكردينال اسكانيو سفورزا الذي كان أكبر عون له على ارتقاء عرش البابوية تسعى لعقد التحالف بين البابا بين أخيه لودفيكو سفوزرا طاغية ميلان ضد آل أورسيني أقوى أمراء رومة الإقطاعيين، وحماتهم آل أرجوان ملوك نابولي، ورأى توطيداً لهذا التحالف أن تزوج لوكريسيا من ابن أخيه جان سفورزا أمير بيزارو؛ وأثمر سعي الكردينال، وعقد الزواج في رومة في أبريل سنة ١٤٩٣؛ وكانت لوكريسيا يومئذ في نحو الثالثة عشرة، ولكن سجل في عقد الزواج أنها بلغت السن المرغوبة، وكان جان سفورزا في السادسة والعشرين. واحتفل بزفاف لوكريسيا في قصر الفاتيكان في ١٢ يونيه احتفالاً فخماً شهده أكابر الأحبار والأمراء والسفراء؛ ومثل جان سفورزا على يد وكيله المختار طبقاً لرسوم العصر؛ وفي المساء أقيمت حفلة شائقة في قصر بلفيدير، تحت إشراف جوليا فارنسي خليلة البابا ونخبة من سيدات رومة، وشهدها اسكندر السادس وأعضاء أسرته. ويصف البابا شاهد عيان لهذا الحفل في قوله: (كان عظيم القامة، مورد الوجه، أسود العينين، يفيض صحة ظافرة، تمكنه من تحمل أعباء المنصب، وشؤون الدولة وعصف الملاذ، وكان دائماً متألقاً ظريفاً رقيقاً). أما لوكريسيا بورجيا فقد كانت عندئذ فتاة صغيرة القد، وافرة الحسن، شقراء تسطع كالذهب، خفيفة الروح والخلال، دائمة المرح، يزيد في سحرها الطبيعي القاهر، مزحة من

стр. 8214

الحياء ومحيا عذري، أو كما يصفه بعض الرواة المعاصرين محيا كاثوليكي، هو مظهر تربيتها الدينية، وحياتها في الدير، وتفيض نظراتها رقة ووقارً). وأفرد البابا لابنته قصر سان مارتينللو المجاور للفاتيكان، وعين لها خليلته جوليا فارنيسي وصيفة شرف تقيم معها، وكان فرق نهائياً بينها وبين زوجها؛ وكانت كلتاهما آية ساطعة من الجمال والسحر؛ واستمرت لوكريسيا مقيمة في رومة حتى صيف سنة ١٤٩٤، وعندئذ حل برومة الملاريا، فبادرت لوكريسيا إلى مغادرة رومة مع زوجها إلى قصره في مدينة بيزارو تصحبها في هذه الرحلة والدتها فانوزا، وجوليا فارنيسي، وعمتها أدريانا اورسيني، فوصل الركب إلى بيزارو في ٨ يوليه. وكانت بيزارو مدينة متواضعة، ولكن بديعة الموقع تشرف على وديان نضرة على مقربة من الأدرياتيك؛ وكانت إمارة متواضعة لا تقاس بإمارات فيرار، وأربينو، ومانتوا وغيرها من الإمارات الزاهرة في ذلك لعصر؛ ولكن لوكريسيا كانت ذهناً رضياً متواضعاً، فتذوقت حياتها الجديدة بسرعة، وقضت في بيرازو زهاء عام كامل. ثم استدعتها بواعث السرة والسياسة إلى رومة، فعادت إليها مع زوجها بمناسبة زواج أخيها الأصغر جوفري من دوناسانسيا وهي ابنة غير شرعية لألفوسو الأرجوني ملك نابل (نابولي)، وأقامت لوكريسيا مع زوجها إلى جانب أبيها واخوتها في رومة؛ وكان اسكندر السادس يحرص على أن يستبقي أولاده حوله في المدينة الخالدة؛ فكان ولده جان أو دوق جانديا يقيم معه في قصر الفاتيكان، وأخوة شيزاري في حصن سانت انجلو المجاور للفاتيكان، وأخوة جوفري على مقربة منه؛ وتقيم لوكريسيا وزوجها في قصر آخر مجاور للفاتيكان. وغدت لوكريسيا وزوجة أخيها سانسيا زينة الحفلات الرسمية والاجتماعية في الفاتيكان، وكانت سانسيا فتاة وافرة الحسن، وافرة الجرأة، عنيفة الشهوات، يقال إنها كانت تصطفى العشاق من الأمراء والكرادلة. وأما لوكريسيا فكانت متحفظة، ولكنها كانت ترغم بحكم الظروف على خوض هذه لحياة الباهرة المنحلة التي كانت تسود قصر الفاتيكان؛ وكانت أداة مسيرة في يد أبيها البابا وأخيها الطاغية شيزاري؛ ولكنها كانت دائماً فياضة المرح فياضة البهجة، وكانت روح هذه الحفلات الباذخة الصاخبة التي كان يعشقها البابا، والتي

стр. 8215

كانت دائماً مثار الأقاويل والظنون. وكان يسود ذلك المجتمع الروماني الرفيع يومئذ نوع من الفساد الشامل، وتغلب فيه حياة الفجور والمرح؛ وما قولك بمجتمع يقدم فيه سيده وزعيمه الروحي - البابا - أسوأ المثل الأخلاقية، فيصطفى الخليلات جهاراً، وينتزع الزوجات من أزواجهن؛ ويقتني فيه شيوخ الدين من كرادلة وأساقفة الخليلات جهاراً، وتنتقل فيه الزوجات الشرعيات، زوجات الكبراء والأمراء بين أحضان العشاق من مختلف الطبقات، ويغمره ظمأ التهتك والخلاعة، ويغفل في حفلاته وفي مرحه ومجونه كلُّ مظاهر الحشمة والحياء؟ هكذا يصف لنا بوركات مجتمع رومة في عصر آل بورجيا. وقد كان بوركات يومئذ مدير التشريفات البابوية، وكان شاهد عيان لكثير من الحوادث والمظاهر ولظروف التي امتاز بها العصر؛ وقد ترك لنا عن حوادث عصره ومجتمع عصره مذكرات نفسية سنعود إليها من آن لآخر. كانت لوكريسيا بورجيا من آلهة هذا المجتمع؛ وكان يثور حولها من الريب والظنون ما يثور عادة حول (آلهة) للجمال والحب. هل كانت هذه الفتاة الشقراء الفاتنة التي لم تجاوز السابعة عشرة من عمرها كما تصورها الرواية المعاصرة بغياً سافلة تتقلب بين أذرع عشاق لا حصر لهم؛ بل تتقلب بين ذراعي أبيها - البابا - وبين أذرع إخوتها؟ أم ظلمتها الرواية وبالغت في اتهامها اعتماداً على ظواهر خادعة؟ هذا ما سنحاول أن نناقشه في البحث. للبحث بقية محمد عبد لله عنان المحامي

стр. 8216

بين الفقه الإسلامي والروماني للأستاذ الشيخ عبد القادر المغربي رئيس المجمع العلمي العربي . . . وقع نظري على ما كتب أخيراً في مجلة (الرسالة) بشأن علاقة الشرع الإسلامي بالشرع الروماني، وقد كان بعض الفضلاء من الشبان المسيحيين حملة الشهادات الحقوقية العالية - منذ بضع سنوات - كتب في (مجلة القضائية) تصدر في منطقة سورية سمتها السياسة (منطقة العلويين) وهي متصرفية اللاذقية - كتب في هذا الموضوع كتابة خشنة تدل على أن القوم يريدون أن يجردوا الإسلام ونشأته من المزايا القدسية. وقد رددت عليه يومئذ بهذا المقال، وسلكت في الرد مسلكاً ربما أعجب الباحثين لديكم. المغربي. لقيني بعض الأصدقاء في سوق الحميدية فجذبني من يدي إلى مخزنه وقال: تعال أنظر. وإذا هو يريني العدد ٢٢ من مجلة (الأبحاث القضائية في دولة العلويين). وإذا في فاتحتها مقال السيد ميشيل بولص حامل رتبة العالمية (الدكتوراه) في الحقوق، وإذا موضوع المقال (الوكالة الدورية) وإذا نتيجة الموضوع - كما لخصها كاتب المقال - ما نصه: (إن الوكالة الدورية إنما هي طريقة رومانية. وشكل هذه الوكالة وأصولها وكيفية استعمالها هي هي عند العرب المسلمين كما كانت عند البيزنطيين. (السُّنة) في الإسلام ما هي إلا مجموعة القوانين الرومانية في عصر الفتح العربي. وإن المبدأ الساري منذ الأجيال بين علماء الغرب والشرق بأن الشرع الإسلامي مستقل تمام الاستقلال عن بقية الشرائع اللاتينية - ليس إلا أسطورة لا أساس لها!!! والأحاديث الإسلامية مختلقة اختلاقاً بدليل أن الأمام الأعظم أب حنيفة لم يعترف إلا بسبعة عشر حديثاً من أربعمائة ألف حديث) - أهـ. هذا ما صرح به الأستاذ ميشيل بولص في بلادنا العربية وبلغتنا العربية. فكيف ترونه يقول لو أراد أن يكتب عن الشرع الإسلامي في بلاد أجنبية بلغة أجنبية؟ هذا ما قاله عن السنة النبوية بين ظهر أني قوم توفروا من علوم الدنيا على حفظ تلك

стр. 8217

(السنة) والاستيثاق من صحة أسانيدها، والتقرب إلى الله بخدمتها. ثم بعد هذا كله يقول الأستاذ ميشيل عنهم أنهم لم يعلموا شيئاً سوى أنهم أوجدوا للعالم في السنة نسخة ثانية من مجموعة القوانين الرومانية. فكيف تكون جرأته أو أمانته في النقل إذا أراد أن يكتب لنا مقالاً في علم يجهله المسلمون سكان هذه البلاد كلُّ الجهل؟؟ يقول بعضهم: ولكن الكاتب إنما كتب في مجلة تصدر في بلاد العلويين للعلويين. وأوطناه! كأن بلاد العلويين في عالم المريخ وليست جزءاً من وطننا؟ وكأننا لسنا على مقربة من بلاد العلويين نسمع ونرى؟ وكأنه لا يوجد في بلاد العلويين فقهاء راسخون، وحقوقيون متضلعون؟ كأن العلويين إنما سموا علويين من أجل أن يطعنوا في كرامتهم، ويساوموا على إسلاميتهم! وأية كرامة تبقى إذا قيل لهم: إن (علياً) الذي اشتق اسمكم من اسمه الكريم ما كان يقاتل ويناضل لأجل تأييد سنة الإسلام، وإنما كان يقاتل ويناضل من أجل أن تأييد سنة (يوستينانيوس) ملك الرومان؟ وبعد، فإذا اقتضت حالة الرومانية الاجتماعية أن يستندوا في بعض معاملاتهم على (الوكالة الدورية) فقرروا أحكامها في قوانينهم، ألا يوجد في الاجتماع الإسلامي حالة تشبه تلك الحالة تستدعي تقرير أحكام الوكالة الدولية في فقه المسلمين أيضاً؟ لا جرم أن طبائع الأمم والشعوب وأخلاقها وأطوارها مترشحة من ينبوع (الإنسانية) الأعظم. والإنسانية مهما اختلف أبناؤها في ظواهر الاجتماع، يبقون متحدين في جواهر الأخلاق والعادات والطباع. والشرائع سواء أكانت سماوية أم وضعية إنما تستند إلى هذه الأخلاق والعادات، فكثيراً ما تشَّابه بين الأمم بسبب تشابه الأمم نفسها فيما ذكرنا من الأخلاق والعادات. فإذا وجدنا في الشريعة الإسلامية أحكاماً تشبه أحكاماً مقررة في الشريعة اللاتينية مثل (إن البيع يتم بإيجاب وقبول) لا ينبغي لنا أن نتسرع في الحكم بأن الشريعة الأولى اقتبست من الشريعة الثانية مباشرة، ولا سيما إذا كان هناك أسباب جوهرية تدل على عدم إمكان هذا الاقتباس.

стр. 8218

إذ كيف يتصوّر من أئمة الإسلام الذين حرموا التصوير ابتعاداً عن الوثنية - أن يقتبسوا أحكاماً مدنية من شريعة وثنية، وهم يعتقدون أن العمل بهذه الأحكام المدنية عبادة يتقرب إلى الله بها كما يتقرب إليه بممارسة الصوم والصلاة! خلفاء الإسلام إنما رحبوا بالفلسفة اليونانية لأن نظرياتها لا رائحة للديانة الوثنية فيها. أما الآداب اليونانية والميثولوجيا والتمثيل والإلياذة والفنون الجميلة فلم يجرؤ الخلفاء على ترجمتها إلى لغة الإسلام، وذلك لأنها مشبعة بروح الوثنية، ومتشربة بروح عقيدة تعدد الآلهة. فهل يعقل أن يجرؤ أئمة الإسلام الأتقياء الورعون على انتحال شرائع وثنية تتعلق بالحلال والحرام، ويدخلونها في فقه الإسلام، وهم يعتقدون أن كلُّ حكم شرعي لا يستمد من محمد (ص) وقرآنه وسُّنته باطل بل كفر. كلُّ إمام من الأئمة الأربعة كلُّ يبرر نفسه رافعاً صوته أمام الجماهير من المسلمين بأن مذهبه وسنده في استنباط الأحكام إنما هو القرآن وحديث النبي (ص) الذي ثبتت صحته، وإلا فأنه يقيس الحكم على حكم آخر مستنبط من حديث يطمئن إليه قلبه بهذه الصورة من الإخلاص والورع والتمسك بتعاليم محمد (ص) حاز الأئمة ثقة المسلمين كلهم، فوقروهم وعظموهم وقلدوا مذاهبهم ولم يعولوا على غيرها من لمذاهب وقد بلغ الورع في هؤلاء الأئمة حداً لم يقع مثله في أمة من الأمم. حتى أن أبا حنيفة سجن وضرب ولم يتول القضاء مذ بلغه أن نبيه قال: (من تولى لقضاء فكأنما ذُبح بغير سكين)؛ وأحمد بن حنبل لم يأكل البطيخ طول عمره لأنه لم يبلغه كيف كان نبيه (ص) يأكله: أيقطعه بالسكين ويتناوله قطعة قطعة، أم يمسك الحزة بيده ثم يتناولها بأسنانه؟ أئمة هذا ورعهم وتشددهم في تقليد نبيهم في الأشياء المباحة؛ أيتصور في العقل يحيدوا عن شريعته إلى الشريعة الوثنية، شريعة الإمبراطور الروماني (يوستينانيوس) فيستندون إليها بتقرير أحكام الحلال والحرام التي هي الطريق الوحيد إلى الجنة والنار؟ وقول الأستاذ ميشيل أن أبا حنيفة لم يعترف إلا بسبعة عشر حديثاً ليس معناه ما ظن. وإنما المعنى أن هذه الأحاديث القليلة هي التي بلغت في الصحة والثبوت ما يقرب من درجة القرآن. وإلا فأن بقية الأحاديث الأخرى لها درجتها. وبحسب هذه الدرجة تستنبط منها أحكام ليست في وجوب العمل بها كوجوب العمل بأحكام الأحاديث التي ثبتت صحتها عند الإمام أبي حنيفة،

стр. 8219

بدليل أن تلاميذ هذا الإمام (أبو يوسف ومحمد وزفر) الذين دونوا فقهه وشرحوا مذهبه كانوا يعتمدون في استنباطهم على أحاديث أخرى غير القليل الذي أعترف به أبو حنيفة بعد أن يعرضونها على قواعد فن (مصطلح الحديث). على أنه لو فرض أن أبا حنيفة لم يعترف إلا بأحاديث قليلة لكان ذلك من أدلة ورعه وحرصه على متابعة نبيه (ص)، فهو يخشى أن يعمل بحديث لا يثق بصدوره عن النبي، وهذا هو السبب في إنكاره الكثير من الأحاديث، فهو قد أنكرها تورعاً وخشية ألا يكون تابع النبي (ص)، ولم ينكرها استهتاراً وجنوحاً إلى شريعة الرومانيين الوثنيين أحاديث مروية بالسند: فلان التابعي الجليل فلان الصحابي الكريم، ولكلُّ واحد منهم ترجمته وسيرته، يتورع أبو حنيفة فلا يثق ببعض ما روي عنهم، ثم هو بعد ذلك يجيز لنفسه العمل برواية بطرس عن فيلبوس عن نيقولاوس عن الملك (يوستينانيوس)!!! سبحانك هذا بهتان عظيم! لما فتح المسلمون البلاد التي كانت خاضعة للرومانيين وجدوا لأهلها عادات راسخة، وأحكاماً متوارثة، فأقروهم عليها، وبعضها ينطوي تحت أصول الإسلام الثابتة في القرآن، وعمل النبي (ص) والصحابة: مثل (العادة محكمة) (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً)، (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان)، (استعمال الناس حجة يجب العمل بها)، (التعيين بالعرف كالتعيين بالنص) فإذا أعتبر أئمة الإسلام تلك الأحكام اللاتينية التي يعمل بها سكان تلك البلاد وأقروهم عليها، ثم دونوها أو دونوا نظاهرها في كتبهم الفقهية، لا يكون ذلك منهم اعترافاً بشرائع اللاتين وإذعاناً لها، وإنما هو منهم عمل بأحكام مستندة إلى القواعد الإسلامية وسُّنة النبي (ص). وهم كما دونوا في كتبهم الفقهية أحكاماً تشبه الأحكام الرومانية دونوا أيضاً أحكاماً تشبه أحكام شرائع الفرس والترك والتتار الطورانيين وغيرهم من الأمم التي فتحوا بلادها. فمن جملة القواعد في مجلة الأحكام الشرعية: (إن الحاجة سواء كانت عمومية أو خصوصية تنزل بمنزلة الضرورة، ومن هذا القبيل تجويز (البيع بالوفاء) فإنه لما كثرت الديون على أهالي بخارى جوزت هذه المعاملة لداعي الاحتياج) أ. هـ. فهل يقوم أحد من الكماليين فيزعم أن (البيع بالوفاء) شريعة طورانية

стр. 8220

عمل بها أئمة الإسلام كما عملوا (بالوكالة الدورية) التي هي شريعة رومانية في رأي الأستاذ ميشيل! إذا رأينا الشاعر العربي (معروف الرصافي) وافق (كيبلنغ) الشاعر الإنكليزي في بعض معانيه الشعرية المبتكرة فهل يسوغ لنا أن نقول إن ديوان (معروف) هو نفس ديوان (كيبلنغ) مع أن شاعرنا لا يعرف الإنكليزية، ولا عاش في وسط إنكليزي ولا اجتمع بكيبلنغ ولا برواة شعره، وإنما هو توارد الخواطر. ونحن إذا راجعنا تاريخ حياة أئمة الإسلام نراهم قد عاشوا في محيط إسلامي محض: الكوفة، وبغداد، ومكة، والمدينة؛ نعم سكن (الشافعي) مصر ودفن فيها، ولكنه جاءها قبل وفاته بنحو خمس سنين. فأئمتنا ما عرفوا لغة لاتينية قط، ولم يدرسوا فقهاً لاتينياً قط، ولم يعاشروا مشترعين لاتينين قط، ولو لوحظ من أحدهم شيء من ذلك لسقط اعتباره وتحاماه المسلمون، ولما كان إماماً وأحب الاتباع. ومن العجب قول الأستاذ ميشيل إن (السُّنة) في الإسلام ما هي إلا مجموعة القوانين الرومانية؛ إذن محمد (ص) عضواً في مجلس العشرة الذين جمعهم الملك (بوستينانيوس) تحت رياسة الفقيهة الروماني (تريبونيان) فقام في الحجاز وانتحل وما تعلمه من القوانين الرومانية التي وضعها المجلس الروماني وبشر بها المسلمين!!! ذكرت بهذا ما كنت سمعته من القوماندان الفرنسي (ميلانجو) مدير مدرسة الترجمة في دمشق (وقد توفي) - قال لي: إن بعض أهل بلادنا (يعني الأوربيين) يتحدثون أن (محمداً) كان أسقفاً مسيحياً، فطمحت نفسه إلى رتبة كهنوتية فوق رتبته، فغضب عليه البابا فحرمه، فادعى النبوة نكاية به!!! قال لي المرحوم ميلانجو هذا القول مستغرباً مستحيياً بعد أن عاشر فضلاء المسلمين في الجزائر ودمشق، وفهم حقائق كثيرة عن الديانة الإسلامية جعلته على قاب قوسين من اعتناقها. والأعجب من قول الأستاذ ميشيل السبق قوله الآخر: (إن الأحاديث الإسلامية مختلقة اختلاقاً)، أي إنها كلها مكذوبة على النبي

стр. 8221

لكن أيصح من حضرته هذا الحكم الجائر على الأحاديث لوجود طائفة من الأحاديث موضوعة مكذوبة؟ إن دعواه هذه كدعوى أحد المسلمين أن الأناجيل الأربعة باطلة لا أصل لها، لأن هناك أناجيل وهي المسماة (أبو كريف) موضوعة لا أصل لها!! والعجب الثالث، (وهو لعمري مثار للدهشة أيضاً) قول الأستاذ ميشيل: (إن المبدأ الساري منذ الأجيال بين علماء الغرب والشرق بأن الشرع الإسلامي مستقيم تمام الاستقلال عن بقية الشرائع اللاتينية، ليس إلا أسطورة)!! وإذن قام الأستاذ ميشيل في (وجه علماء الغرب والشرق) يفهمهم حقيقة يجهلونها، ويبرهن على كذب أسطورة يزعمونها وهي أن شريعة الإسلام شريعة لاتينية! أدرك هذا هو وحده وجهله علماء الشرق والغرب!! وإذن يحق لي أن أنسحب من ميدان البحث وأترك الكلام فيه لعلماء الشرق والغرب، فلعل فيهم من يقدر بزلاقة لسانه ونصاعة بيانه أن يقنع حضرة الأستاذ ويفهمه خطأه. أإلى هذا الحد يجهلنا ابن وطننا الأستاذ ميشيل بولص ويجهل تاريخنا الديني؟ أيصح لأبناء أمة واحدة، في بقعة واحدة، أن يجهل بعضهم بعضاً كلُّ هذا الجهل؟ وأخيراً أقول: إن ابن وطننا الأستاذ ميشيل لم يسيء إلى الأمة الإسلامية وكرامتها، بقدر ما أساء إلى (الدكتوراه) وشهادتها. عبد القادر المغربي

стр. 8222

الجمال في الشعر والحب (المرأة) للأستاذ الحوماني صاحب مجلة العروبة البيروتية الجمال وحي الطبيعة يلهمه الشاعر من أبنائها ليكون صلة بينهم وبين المثال الأعلى في حياة. فهو رسول أمة الطبيعة يرسل بنات أفكاره إلى قومه فترفع بيمينها حجاب الغفلة عنهم، ثم تمر بها على أعينهم فتمسح عنها غشاء الجهل، وتقابلهم يسارها بمرآة الحياة فيتبينوا فيها من نفوسهم الماثلة رموزاً تشير لهم إلى مثُل الحياة العليا. والشاعر ينشد الجمال في كلُّ شيء فيفتتن بكل جزئي منه، ولكنه أشد اقتناناً بما هو إلى الروح أقرب منها إلى المادة، ولا أقرب إلى الروح من هذا يشاركه الشعور بالحياة وينشد معه ذلك الجمال. يفتن بالمرأة التي هي رمز الجمال التام في الحياة، يفتتن بها للجمال، ويفتتن لها بكل ما في الحياة من جميل يشعر به. فالجمال التام علة لفتنة الشاعر بالمرأة، أما المرأة فهي علة ولفتنته بكل ما يشير إلى هذا الجمال الكلي من جمال جزئي في نبات أو جماد، فالشاعر ينشد الجمال في الحياة ولن يظفر به كما يشاء إلا عن طريق الحب: وهل المرأة إلا رمز الحب الخالد؟ الشاعر كالطائر يحلق في أفق الجمال، وكما يقع الطائر على الشجرة يفتش عن الثمرة الناضجة ليتقوم بها، حتى إذا بلغها وقف حيالها يداعب الروض من على فننه، هكذا يقع الشاعر على المرأة آلهة الجمال يستلهما الشعر فيشخص إليها وهي بعينه تمر على وجهه بيدها البضة، وتمسح عينيه ببنان يحس روحها من ورائه ترف على أهدابه. فهو من أجلها (يصعد الرابية)، والقمر يهبط من عليائه، فيفترش الترب، ويتوسد الصخر، يصغي إلى نجيء الكواكب فيستوحي منها الشعر ثم يلهمه الطبيعة؛ حتى إذا تنفس صبحه، وهبط إلى الأودية فهام فيها عائماً في بحر ضبابها ينشد هذا الجمال، وقفت به آلهة الشعر بين الرياض، والصبح لما تخمد أنفاسه، فأحنى على الورد يلثمه، وعلى النرجس يمسح

стр. 8223

دمعه، يضع خده تحت الزهرة ويده فوق كبد يكاد يعصرها دمعاً ينحدر على وجناته). وهو من أجل آلهته تلك (يمسك الماء، ويقبض على الريح، سعياً وراء الجمال في الحياة، وهو هائم به، ولعل الروح التي تخفق بين جنبيه، والشعر الذي يحوم على شفتيه). يستحيل على الشاعر وهو رسول الجمال، أن يكتم شعوره، فما بينه وبين إبلاغ رسالته إلا أن يشعر، وربما بلّغ هذه الرسالة بدمعه: وإذا الحزين بكى ولم يك شاعراً … فالشعر ما نطقت بهِ عبراته (أو ما تراه، وقد جلس إلى ظل سرحة، أو إلى جنب صخرة، على رابية يراقب منها نزاع الشمس بين يديه المغيب، فتحس كأن شعوره يغيب معها في ظلمات الحزن؟؟؟ وقد يحنو على الزهرة في حر الظهيرة يقيها لفح الهاجرة بنفسه، فكلما ألوى بها الذبول شاطرها جفاف الرونق وشحوب اللون، وربما لصقت بالأرض فغسلها بدمعه وود لو واراها في حنايا ضلوعه). ذلك هو الشاعر الصامت، لم يخلد بشعره لكن بروحه الشاعرة، ولم يشعر بلسانه لكن بقلبه المتفجر عيوناً تفيض بالدمع على خديه. يفتن الشاعر في وصف المرأة وتأثير جمالها لا ليعلن هذا الجمال إلى الملأ ولا ليلفت إليه الغافل عنه فحسب، وإنما يريد بذلك إلى تأدية ما حُمّل من أمانة، أن ينادي على جمال نفسه بما أدرك من جمال، ثم ليثبت في نفس السامع ما يحمله على عذر في الهيام به، من أجل ذلك يعمد في وصفه الجمال إلى التفصيل دون الإجمال فلن تستطيع أن تبث في نفس سامعك دعايةً لهذا الجمال وأنت تجمل في وصفه حتى تأتي على جزيئاته مفتنَّا في إثباتها على مرآة النفس الشاعرة عن طريق القلب. فليس لقول القائل: أبصرت دون شعاب مكة مصبحاً … سبعاً أجزن وكلهن جميل من التأثير البالغ في نفس السامع ما لقول الآخر: وتملكت قلبي ثلاثٌ كالدمى … زهر الوجوه نواعم الأبدان للفرق بين إجمال الأول وتفصيل الثاني. وقد يفتن الشاعر في وصف من أحب لمجرد البث والتغلب على اليأس كما يكون للنفس

стр. 8224

عزاء وسلوة. وقد يشعر بما يحب للشعر، كما قد يحب فيما يشعر للحب وليست ميزة الشاعر في النداء على جمال من يفتن في وصفها وإنما الميزة في إثبات ذلك الجمال في نفس السامع والذهاب بها في اللذة مذاهب تتركها وفقاً على جمال ما تسمع حتى كأنها تنظر إليه وتلمسه وتشمه فتشعر به شعور من وقفها عليه، وليس من ذلك للإجمال يد طولى وهو يمر بالنفس لمحاً بينما الشعر يمعن في تمكينها منه عن طريق التفصيل. أفلا تبصر بقوله: بالذي ألهم تعذي … بي ثناياك العِذابا والذي ألبس خدي … ك من الحس نقابا والذي أودع في في … ك من الشهدِ رضابا والذي صير حظي … منك هجراً واجتنابا ما الذي قالته عينا … ك لقلبي فأجابا؟ كيف يهز النفس بما فيه من روعة لم تكن لتتوفر في كلماته لو أجمل فقال: بالذي أفرغ في قا … لبك الحسن الُجابا ما الذي قالته عينا … ك لقلبي فأجابا؟؟؟ فإن في تعداد جزيئات الجمال في الأبيات الأولى ما يشغل النفس في تصورها، فيثبت فيها جمال الوصف والواصف ثم الموصوف آخر الأمر، وهي في مجموعها مصداق البيت الأول من البيتين الآخرين وهما كما ترى. تحب في المرأة وأنت شاعر خلاف ما تحبه منها وأنت لا تشعر، فالشاعر يحب المرأة لجمالها الذاتي، وغيره يحبها لجمال ما يحف بها، فقد يعبدها الغبيُّ لما لها، وقد يستغويه ما يمت بها إلى نسب عريق، وربما كان علمها سبباً في أسر هواه، أما الشاعر فلم يكن ليحب المرأة يغمرها المال، ويزهوها النسب، ويسمو بها العلم، وهي بعيدة عن روحه الهائمة بالجمال. ومقياس هذا الشعور شدةً وضعفاً تجده في جمال ما يحب كمالاً ونقصاً. فلم تستطيع أن تحكم على الشاعر بما يهيم به من جمال، ولكنك، وأنت تحكم عليه، يجب أن تكون شاعراً لئلا يفوتك من أسرار الجمال ما تشعر به وأنت غافل عنه.

стр. 8225

فقد يقف في طريق الشاعر إلى حب المرأة أن يشم منها ما يكره، وهي قطعة من جمال الحياة، روحاً وجسداً لولا أنها أهملت جسدها أن تتعهده بالنظافة فكان ذلك حائلاً دون خلوصه إلى روحها إذ كان نقصاً بيناً في جمال هذه الروح. وربما هام الشاعر بالمرأة، وهي ناقصة الجمال، لتضاؤل ما يبدو من نقصها في عينه إلى جنب ما امتازت به من جمال يأخذ العين والأذن بما فيه من سحر، فهو إذ ذاك أعمى عن كلُّ ما ينقصها لما تفتن في تنمية هذه الناحية فيها وصرفه عن الشعور بما عداها. وكثيراً ما تستطيع المرأة أن تسبغ جمال روحها على ما يشين جسدها من قبيح فتتغلب على شعور الهائم بالجمال بما امتازت به من خصائص النفس، فللشاعر إذ ذاك العذر في قصر هواه على جمالها الناقص. وله هذا العذر أيضاً في محيط نماه وليس فيه من ربات الجمال التام من يهيم بها فلجأ إلى الجمال الناقص يهيم به ويسبغ عليه فنه الخالد إذ كان هو الجمال التام عنده. وهكذا هو مع المرأة التي مُني بها قبل أن يشعر وهي ناقصة الجمال، فلما دق شعوره بالحياة نظر إليها نظرة شاعر فوقف منها على ما خفي عنه من قبل، ورأى أن في العدول عنها عذاب الضمير ثم التياث الغرض من وراء ذلك كله، فحمل نفسه على القنوع بها وأغضى عما يعترضه من جمال خارج، فكانت عروس خياله تجلو عليها آماله وينفحها من شعره بما تخلد به إلى جنبه الحوماني

стр. 8226

مستشرق إسباني في طليعة علماء إسبانيا الحديثين يظهر أسم جوليان ريبيرا العالم البحاثة المؤرخ المتغلغل في قلب تاريخ إسبانيا في جميع أطواره ومراحله. وهو متضلع من اللغة العربية ومطلع كلُّ الاطلاع على تاريخ آدابها وله فيها أبحاث جليلة. وليس ريبيرا من اللغويين الذين يقصرون همهم على درس قواعد اللغة العربية شأن أكثر المستشرقين الأسبان باستثناء العالمين غايانكوس وكوديرا، بل جاوزه إلى التاريخ والثقافة العربية فعني بهما عناية البحَّاثة المدقق والعالم المحقق. اعتبر ريبيرا أن للتاريخ الإسلامي كما لتواريخ بقية الأمم وجهين. السياسي والأدبي. وقد اكتفى المستعربون الأسبان قبل ريبيرا بدرس الحوادث السياسية دون أن يهتمُّوا بسواها. وأن لهذه الإهمال عذره وأسبابه، فالبحَّاثة التاريخي يبدأ بدرس الناحية السياسية لأن حوادثها أكثر وضوحاً وأسهل درساً وأقرب منالاً من درس تاريخ الثقافة وكيفية نشوئها وتطورها مما يقضي البحث في أخلاق الأمة وعاداتها وطرق معيشتها ونظمها الأدبية والاجتماعية والدينية لكي يتمكن من تفهُّم ما نعّبر عنه بكلمة - تمدن - التي هي لباب التاريخ، ولكي نتوصل إلى الإلمام بكل هذا وجب علينا أن نبدأ بما هو أبسط وأجلى وهو الوجه السياسي أي الخارجي. إن درس التاريخ يخضع للقاعدة ذاتها التي يخضع لها درس الفلسفة، إذ لا يمكن البحث فيما وراء الطبيعة إلا بعد فهم علم الطبيعة. وعلى من شاء درس تاريخ التمدن درساً وافياً أن يكون مراقباً بصيراً ومدققاً حصيفاً يتمكن من فهم الحوادث وتمحيصها وغربلتها، لأن الحقيقة كثيراً ما تختفي وراء نقاب شفاف من الظواهر الخدَّاعة. وينبغي له أن يكون ذا قدرة على جمع الحوادث ووصلها واستنطاقها والمقابلة بينهما. وأخيراً أن يكون ذا ضمير حي فيما يرتئيه ويعلله. لم يقدم ريبيرا في أواسط القرن الماضي على درس تاريخ التمدُّن الإسلامي الشرقي عامة والأندلسي خاصةً إلا بعد أن اجتمعت فيه كلُّ هذه الصفات الأساسية الضرورية، فولج وحده هذا الباب الذي لم يطرقه عالم قبله. وبعزيمة صادقة توغل في مجاهل هذا البحث وأكتشف حقائق كانت مجهولة أودعها كتبه القيّمة التالية: (تاريخ التدريس في الإسلام). (تاريخ المكاتب والمدارس الفقه في الإسلام). (تاريخ الفلسفة الإسلامية). (تاريخ شيوع

стр. 8227

اللغة الأسبانية بين عرب الأندلس). (تاريخ أصل الشعر الغنائي والشعر الحماسي). (تاريخ الموسيقى العربية وتأثيرها على الموسيقى الإسبانية). وكفى بهذه المؤلفات شهادة تفوق ريبيرا في التاريخ الإسلامي، وعلى جهوده التي تحله في المقام الأول بين كلُّ العلماء الذين عنوا بدراسته. ويمتاز ريبيرا على كثير من هؤلاء بأنه شق لنفسه طريقاً جديدة في أبحاثه، غير مثقف آثار من تقدموه من البحاثين الذين يتبعون خطوات من تقدموهم، ويحتذونهم في كلُّ شيء تقريباً. ولا غرو أن يتبوأ أحد المراكز الأولى بين العلماء الذين درسوا التاريخ والآداب الإسلامية. ومن أظهر مميزاته تحري الحقائق المدعمة بالبراهين، وإثباتها بعد أن يحللها تحليلاً عقلياً ومنطقياً. وحجتنا على هذا أبحاثه في التعليم الإسلامي في الشرق والأندلس، فهي تطلعنا على أنه كان مقيداً وخاضعاً للسلطة في الأقطار الشرقية الإسلامية، على حين كان حراً طليقاً من كلُّ رقابة في الأندلس. وترينا أن أسلوب التعليم الإسلامي كان في عهده قدوة ومثالاً للتعليم في مدارس أوربا المسيحية التي أخذت عنه رتبها وألقابها وتنظيم صفوفها وطريقة امتحانها. وإذا كان قد درس بإسهاب كيفية تأسيس القضاء وتنظيمه في مملكة أراغوان، فلكي يبرهن أن نظامها القضائي ككثير من الأنظمة القضائية نسخته إسبانيا المسيحية عن الإسلام، كما أن شكل القضاء في الإسلام هو نسخة طبق الأصل عن نظام القضاء الفارسي القديم. وما درس موشحات (ابن قزمان) التي هي منبع الأغاني العربية الأسبانية إلا لكي يفتش بين تقاطيعها وأوزانها وتراكيبها ومعانيها عن المثال الذي نسجت على منواله الأغاني الأسبانية العامية المعروفة (بالبروفينسيال). وقد كان مؤرخو الآداب الأسبانية يعتبرون هذه الأغاني وليدة بيئتها حتى جاء ريبيرا وكشف عن حقيقة أصلها العربي الأندلسي؛ وقد أوصلته أبحاثه إلى اكتشاف ذاته فيما يتعلق بالقصائد الفرنسية الحماسية إذ أن أقدمها عهداً هو أحدث من الملاحم الأندلسية، فضلاً عن التشابه الموجود بين أبطالها ومواضيعها، وأبطال ومواضيع الشعر الحماسي الأندلسي الذي نبشه ريبيرا من بطون النسيان. (العصبة) أديب سعادة

стр. 8228

١٤ - قصة المكروب كيف كشفه رجاله ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم بستور صلة حديثة وصل الفائت: أثبت بدستور أن تخمر عصير العنب وفساد اللبن واللحم مرجعها كلها إلى وجود أحياء صغيرة يحملها تراب الهواء، وإنه كلما قل تراب الهواء قلت الأحياء التي فيه حتى تكاد تعدم. واليوم نقص كيف طبق علمه على حالتين ونجئ به صناعتين كان مآلهما الخراب: صناعتين الخمر وصناعة الخل، فأثبت للناس كيف يلي العلم دعاء هم في شدة المحنة وظلمة اليأس. وبدأ مرة أخرى يرى فرنسا كلها كيف يستطيع العلم أن يوفر المال لصناعتها. فحزم صناديق ملأى بالأواني والأجهزة الزجاجية، وحزم معها مساعداً نشيطاً من مساعديه أسمه (ديكلو)، وسافر مسرعاً إلى بلده القديم (أدبوا) ليدرس أمراض الخمور وما نزل بهذه الصناعة من الدمار. واتخذ معمله في مكان مقهى عتيق. واكتفى عن مصابيح الغاز بموقد من الفحم النباتي قام (ديكلو) عليه يؤجج جمراته بمنفاخ في يديه شغله طويلاً في غير ملل أو كلل. وكانا كلما أراد الماء ذهب (ديكلو) إلى مضخة القرية يستقي منها. أما ما احتاجوه من الأجهزة فصنعه لهم نجار القرية وسمكاريها في غير أناقة كبيرة، وذهب بدستور إلى معارفه الأقدمين يسألهم بضع زجاجات من الخمر، المرة، والخمر الهلامية، والخمر الزيتية، واختصاراً من كلُّ خمر فاسدة مريضة. كان بستور قد أيقن من أبحاثه السابقة أن الخمائر هي التي تصنع من عصير العنب خمراً، فلما جاء اليوم يبحث أدواءها وقع في نفسه أن هذه الأدواء لا بد ترجع إلى أحياء مكرسكوبية أخرى. وما أسرع ما تحققت نبوءته! فما كاد يصوّب عدسته إلى الخمر الهلاميّة حتى وجدها تعجّ بمكروبات جديدة غريبة غاية في الصغر يتصل بعضها ببعض كالعقد النظيم. ونظر إلى الخمر المرّة فوجدها مليئة بنوع جديد من الأحياء. ونظر في الخمر الفاسدة الأخرى فوجد

стр. 8229

بها أحياء أخرى. ثم جمع زراع العنب وصناع الخمر وتجار الإقليم، وأعتزم أن يفتنهم بسحره. صاح فيهم: (هاتوا لي ست زجاجات من خمر أصابتها ستة أمراض مختلفة، ولا تخبروني بنوع مرضها، فأنا أدلكم عليه بالنظر إليها). فلم يصدقه منهم أحد، وتغامزوا وتلامزوا عليه وهم في طريقهم إلى إحضار خمورهم المريضة، وضحكوا من أجهزته الغريبة في ذلك المقهى القديم، وتفاكهوا بحاله تفاكههم بمخبول جاد غير هازل. وجاءوا بين الخمور المريضة بخمر صحية ليخدعوه ويضلوه. فقام فيهم يملأ قلوبهم عجاباً وإعجاباً. فأخذ أنبوبة دقيقة من الزجاج وإدخالها في إحدى قوارير الخمور ورفعها بقطرات فيها ووضعها بين قطعتين منبسطتين من الزجاج وانحنى فوق الغمزات. ومضى زمن وصاحبنا في تحديقه، وأصحابنا يزدادون بمر الدقائق جلبة ونكاتاً. . . وبغتةً رفع بستور رأسه وقال: (ليس بهذه الخمر مرض. أعطوها للذواق وانظروا هل يؤمن على قولي.) وذاقها الذوّاق , ثم رفع أنفه الأحمر فتجمّد، واعترف أن بستور صدق فيما ذهب إليه. وجرى بستور على صف الزجاجات واحدة واحدة. وكان كلما رفع رأسه عن المجهر وصاح (هذه خمر مرة) أمن على قوله الذوّاق. وكلما قال هذه (الخمر هلامية) أكد ما وجد الذوّاق. وانصرف الجماعة من عنده مكشوفي الرؤوس تلهج ألسنهم بالثناء وتتعثر بالشكر. (لا ندري ما يصنع بهذه الخمور ليتعرفها. ولكنه رجل ماهر غاية في المهارة) هكذا قال بعضهم لبعض، وهو اعتراف لعمر ربي منا الفلاح الفرنسي ليس بالهين اليسير. . وبعد انصرافهم أخذ بستور ومساعده ديكلو يعملان في هذا المعمل الخرب، وقد شد النصر عزائمهما وقوّى النجاح قلبيهما. وأخذا يدرسان كيف يمنعان هذه المكروبات الغريبة من الدخول إلى الخمور السليمة، وخرجا على أنهما إ ذا سخنا الخمر، ولو تسخينا هينا دون درجة غليانها بكثرة، فإن هذا التسخين يقتل تلك المكروبات الدخيلة فلا تفسد الخمر بعد ذلك. وهذه الحيلة اليسيرة التي جاءا بها هي التي تعرف اليوم (بالبسترة) نسبةً إلى اسم صاحبها بستور، وعلى مقتضاها تعالج الألبان اليوم فتعقم فتنجو من التخثر طويلاً.

стр. 8230

وما كاد يطمئن الفرنسيون في شرق فرنسا على خمرهم، ويتعلمون كيف يمنعون الفساد عنها، حتى علا الصراخ في المقاطعات الوسطى يهتفون ببستور ليأتيهم فينجي صناعة الخل لديهم من البوار. فأجاب بستور دعاءهم وسافر مسرعاً إلى مدينة وكان في هذا الوقت قد ألف البحث عن المكروب والعثور عليه حيثما كان، فلم ينفق في التحديق وراءه ذلك الجهد الكبير والزمن الطويل اللذين أنفقهما أولاً. ولما اقترب من البراميل التي فيها تستحيل الخمر خلا، رأى على سطح سائلها زبداً غريب المنظر. فصاح به الخلالون: (هذا الزبد لا بد منه لتخليل الخمر) وقضي بستور بضعة أسابيع في البحث فوجد أن الزبد إن هو إلا ملايين بعضها فوق بعض من خلائق مكرسكوبية. فأخذها، فامتحنها، فوزنها، فصنع بها ما لا يُصنع. وأخيراً جاء إلى جمع من الخلالين وزوجاتهم وأولادهم وأقاربهم فأخبرهم أن الذي يحيل خمرهم إلى خل إنما هي مكروبات صغيرة، وأنبأهم أن هذه المكروبات تحيل من كحول الخمر إلى حامض الخل مقادير تبلغ عشرات الألوف من أوزانها. (فانظروا واعجبوا من ضخامة العمل الذي تقوم به هذه الأحياء الضئيلة. ماذا تقولون لو أن رجلاً زنته مائتا رطل قام يقطع خشباً فقطع مليوني رطل في أربعة أيام!) وبهذه التشبيهات الساذجة، أدخل بستور هذه المكروبات الصغيرة في حياة هؤلاء السذج فأكبروها واحترموها. وبستور نفسه ظل يفكر طويلاً في جسامة ما تقوم به من الأعمال حتى ألف الفكرة واعتيادها. وخطر له أن المكروب على ضآلته قد يدخل جسم الثور العظيم أو جسم الفيل أو جسم الرجل فيميته، فلم يجد في هذا الخاطر استحالة أو غرابة. وقبل أن يرحل عن بلدة (تور) علم أهلها كيف يربون هذا المكروب النافع ويعنون به حتى يحسن استلاب الجوأ كسجينه لأكسدة الكحول في خمرهم فيملأ بذلك جيوبهم بالملايين من الفرنكات. وبهذا النجاح وأمثاله زاد بستور ثقة بالتجربة أداةً لكشف الغامض من الأمور. وأخذ يحلم الأحلام الطويلة العريضة المستحيلة عن فتوحات المستقبل التي سيأتيها في تقفي آثار هذه الخلائق الضئيلة ولم يحبس هذه الأحلام على نفسه، بل وصفها في خطبه ونادى وبشر بها كما بشر الرسول يوحنا المعمدان بالنصرانية، سوى أن صاحبنا كان أكثر حظاً من يوحنا الرسول، لأنه قدر له أن يعيش يتحقق ولو قليلاً من نبواته.
следующие страницы →