Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.
стр. 8226
مستشرق إسباني
في طليعة علماء إسبانيا الحديثين يظهر أسم جوليان ريبيرا العالم البحاثة المؤرخ المتغلغل في قلب تاريخ إسبانيا في جميع أطواره ومراحله. وهو متضلع من اللغة العربية ومطلع كلُّ الاطلاع على تاريخ آدابها وله فيها أبحاث جليلة. وليس ريبيرا من اللغويين الذين يقصرون همهم على درس قواعد اللغة العربية شأن أكثر المستشرقين الأسبان باستثناء العالمين غايانكوس وكوديرا، بل جاوزه إلى التاريخ والثقافة العربية فعني بهما عناية البحَّاثة المدقق والعالم المحقق.
اعتبر ريبيرا أن للتاريخ الإسلامي كما لتواريخ بقية الأمم وجهين. السياسي والأدبي. وقد اكتفى المستعربون الأسبان قبل ريبيرا بدرس الحوادث السياسية دون أن يهتمُّوا بسواها. وأن لهذه الإهمال عذره وأسبابه، فالبحَّاثة التاريخي يبدأ بدرس الناحية السياسية لأن حوادثها أكثر وضوحاً وأسهل درساً وأقرب منالاً من درس تاريخ الثقافة وكيفية نشوئها وتطورها مما يقضي البحث في أخلاق الأمة وعاداتها وطرق معيشتها ونظمها الأدبية والاجتماعية والدينية لكي يتمكن من تفهُّم ما نعّبر عنه بكلمة - تمدن - التي هي لباب التاريخ، ولكي نتوصل إلى الإلمام بكل هذا وجب علينا أن نبدأ بما هو أبسط وأجلى وهو الوجه السياسي أي الخارجي.
إن درس التاريخ يخضع للقاعدة ذاتها التي يخضع لها درس الفلسفة، إذ لا يمكن البحث فيما وراء الطبيعة إلا بعد فهم علم الطبيعة. وعلى من شاء درس تاريخ التمدن درساً وافياً أن يكون مراقباً بصيراً ومدققاً حصيفاً يتمكن من فهم الحوادث وتمحيصها وغربلتها، لأن الحقيقة كثيراً ما تختفي وراء نقاب شفاف من الظواهر الخدَّاعة. وينبغي له أن يكون ذا قدرة على جمع الحوادث ووصلها واستنطاقها والمقابلة بينهما. وأخيراً أن يكون ذا ضمير حي فيما يرتئيه ويعلله.
لم يقدم ريبيرا في أواسط القرن الماضي على درس تاريخ التمدُّن الإسلامي الشرقي عامة والأندلسي خاصةً إلا بعد أن اجتمعت فيه كلُّ هذه الصفات الأساسية الضرورية، فولج وحده هذا الباب الذي لم يطرقه عالم قبله. وبعزيمة صادقة توغل في مجاهل هذا البحث وأكتشف حقائق كانت مجهولة أودعها كتبه القيّمة التالية: (تاريخ التدريس في الإسلام). (تاريخ المكاتب والمدارس الفقه في الإسلام). (تاريخ الفلسفة الإسلامية). (تاريخ شيوع
стр. 8227
اللغة الأسبانية بين عرب الأندلس). (تاريخ أصل الشعر الغنائي والشعر الحماسي). (تاريخ الموسيقى العربية وتأثيرها على الموسيقى الإسبانية).
وكفى بهذه المؤلفات شهادة تفوق ريبيرا في التاريخ الإسلامي، وعلى جهوده التي تحله في المقام الأول بين كلُّ العلماء الذين عنوا بدراسته. ويمتاز ريبيرا على كثير من هؤلاء بأنه شق لنفسه طريقاً جديدة في أبحاثه، غير مثقف آثار من تقدموه من البحاثين الذين يتبعون خطوات من تقدموهم، ويحتذونهم في كلُّ شيء تقريباً. ولا غرو أن يتبوأ أحد المراكز الأولى بين العلماء الذين درسوا التاريخ والآداب الإسلامية. ومن أظهر مميزاته تحري الحقائق المدعمة بالبراهين، وإثباتها بعد أن يحللها تحليلاً عقلياً ومنطقياً. وحجتنا على هذا أبحاثه في التعليم الإسلامي في الشرق والأندلس، فهي تطلعنا على أنه كان مقيداً وخاضعاً للسلطة في الأقطار الشرقية الإسلامية، على حين كان حراً طليقاً من كلُّ رقابة في الأندلس. وترينا أن أسلوب التعليم الإسلامي كان في عهده قدوة ومثالاً للتعليم في مدارس أوربا المسيحية التي أخذت عنه رتبها وألقابها وتنظيم صفوفها وطريقة امتحانها.
وإذا كان قد درس بإسهاب كيفية تأسيس القضاء وتنظيمه في مملكة أراغوان، فلكي يبرهن أن نظامها القضائي ككثير من الأنظمة القضائية نسخته إسبانيا المسيحية عن الإسلام، كما أن شكل القضاء في الإسلام هو نسخة طبق الأصل عن نظام القضاء الفارسي القديم. وما درس موشحات (ابن قزمان) التي هي منبع الأغاني العربية الأسبانية إلا لكي يفتش بين تقاطيعها وأوزانها وتراكيبها ومعانيها عن المثال الذي نسجت على منواله الأغاني الأسبانية العامية المعروفة (بالبروفينسيال). وقد كان مؤرخو الآداب الأسبانية يعتبرون هذه الأغاني وليدة بيئتها حتى جاء ريبيرا وكشف عن حقيقة أصلها العربي الأندلسي؛ وقد أوصلته أبحاثه إلى اكتشاف ذاته فيما يتعلق بالقصائد الفرنسية الحماسية إذ أن أقدمها عهداً هو أحدث من الملاحم الأندلسية، فضلاً عن التشابه الموجود بين أبطالها ومواضيعها، وأبطال ومواضيع الشعر الحماسي الأندلسي الذي نبشه ريبيرا من بطون النسيان.
(العصبة)
أديب سعادة
стр. 8228
١٤ - قصة المكروب
كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم
بستور
صلة حديثة
وصل الفائت: أثبت بدستور أن تخمر عصير العنب وفساد اللبن واللحم مرجعها كلها إلى وجود أحياء صغيرة يحملها تراب الهواء، وإنه كلما قل تراب الهواء قلت الأحياء التي فيه حتى تكاد تعدم. واليوم نقص كيف طبق علمه على حالتين ونجئ به صناعتين كان مآلهما الخراب: صناعتين الخمر وصناعة الخل، فأثبت للناس كيف يلي العلم دعاء هم في شدة المحنة وظلمة اليأس.
وبدأ مرة أخرى يرى فرنسا كلها كيف يستطيع العلم أن يوفر المال لصناعتها. فحزم صناديق ملأى بالأواني والأجهزة الزجاجية، وحزم معها مساعداً نشيطاً من مساعديه أسمه (ديكلو)، وسافر مسرعاً إلى بلده القديم (أدبوا) ليدرس أمراض الخمور وما نزل بهذه الصناعة من الدمار. واتخذ معمله في مكان مقهى عتيق. واكتفى عن مصابيح الغاز بموقد من الفحم النباتي قام (ديكلو) عليه يؤجج جمراته بمنفاخ في يديه شغله طويلاً في غير ملل أو كلل. وكانا كلما أراد الماء ذهب (ديكلو) إلى مضخة القرية يستقي منها. أما ما احتاجوه من الأجهزة فصنعه لهم نجار القرية وسمكاريها في غير أناقة كبيرة، وذهب بدستور إلى معارفه الأقدمين يسألهم بضع زجاجات من الخمر، المرة، والخمر الهلامية، والخمر الزيتية، واختصاراً من كلُّ خمر فاسدة مريضة. كان بستور قد أيقن من أبحاثه السابقة أن الخمائر هي التي تصنع من عصير العنب خمراً، فلما جاء اليوم يبحث أدواءها وقع في نفسه أن هذه الأدواء لا بد ترجع إلى أحياء مكرسكوبية أخرى.
وما أسرع ما تحققت نبوءته! فما كاد يصوّب عدسته إلى الخمر الهلاميّة حتى وجدها تعجّ بمكروبات جديدة غريبة غاية في الصغر يتصل بعضها ببعض كالعقد النظيم. ونظر إلى الخمر المرّة فوجدها مليئة بنوع جديد من الأحياء. ونظر في الخمر الفاسدة الأخرى فوجد
стр. 8229
بها أحياء أخرى. ثم جمع زراع العنب وصناع الخمر وتجار الإقليم، وأعتزم أن يفتنهم بسحره.
صاح فيهم: (هاتوا لي ست زجاجات من خمر أصابتها ستة أمراض مختلفة، ولا تخبروني بنوع مرضها، فأنا أدلكم عليه بالنظر إليها). فلم يصدقه منهم أحد، وتغامزوا وتلامزوا عليه وهم في طريقهم إلى إحضار خمورهم المريضة، وضحكوا من أجهزته الغريبة في ذلك المقهى القديم، وتفاكهوا بحاله تفاكههم بمخبول جاد غير هازل. وجاءوا بين الخمور المريضة بخمر صحية ليخدعوه ويضلوه. فقام فيهم يملأ قلوبهم عجاباً وإعجاباً. فأخذ أنبوبة دقيقة من الزجاج وإدخالها في إحدى قوارير الخمور ورفعها بقطرات فيها ووضعها بين قطعتين منبسطتين من الزجاج وانحنى فوق الغمزات. ومضى زمن وصاحبنا في تحديقه، وأصحابنا يزدادون بمر الدقائق جلبة ونكاتاً. . .
وبغتةً رفع بستور رأسه وقال: (ليس بهذه الخمر مرض. أعطوها للذواق وانظروا هل يؤمن على قولي.)
وذاقها الذوّاق , ثم رفع أنفه الأحمر فتجمّد، واعترف أن بستور صدق فيما ذهب إليه. وجرى بستور على صف الزجاجات واحدة واحدة. وكان كلما رفع رأسه عن المجهر وصاح (هذه خمر مرة) أمن على قوله الذوّاق. وكلما قال هذه (الخمر هلامية) أكد ما وجد الذوّاق.
وانصرف الجماعة من عنده مكشوفي الرؤوس تلهج ألسنهم بالثناء وتتعثر بالشكر. (لا ندري ما يصنع بهذه الخمور ليتعرفها. ولكنه رجل ماهر غاية في المهارة) هكذا قال بعضهم لبعض، وهو اعتراف لعمر ربي منا الفلاح الفرنسي ليس بالهين اليسير. .
وبعد انصرافهم أخذ بستور ومساعده ديكلو يعملان في هذا المعمل الخرب، وقد شد النصر عزائمهما وقوّى النجاح قلبيهما. وأخذا يدرسان كيف يمنعان هذه المكروبات الغريبة من الدخول إلى الخمور السليمة، وخرجا على أنهما إ ذا سخنا الخمر، ولو تسخينا هينا دون درجة غليانها بكثرة، فإن هذا التسخين يقتل تلك المكروبات الدخيلة فلا تفسد الخمر بعد ذلك. وهذه الحيلة اليسيرة التي جاءا بها هي التي تعرف اليوم (بالبسترة) نسبةً إلى اسم صاحبها بستور، وعلى مقتضاها تعالج الألبان اليوم فتعقم فتنجو من التخثر طويلاً.
стр. 8230
وما كاد يطمئن الفرنسيون في شرق فرنسا على خمرهم، ويتعلمون كيف يمنعون الفساد عنها، حتى علا الصراخ في المقاطعات الوسطى يهتفون ببستور ليأتيهم فينجي صناعة الخل لديهم من البوار. فأجاب بستور دعاءهم وسافر مسرعاً إلى مدينة وكان في هذا الوقت قد ألف البحث عن المكروب والعثور عليه حيثما كان، فلم ينفق في التحديق وراءه ذلك الجهد الكبير والزمن الطويل اللذين أنفقهما أولاً. ولما اقترب من البراميل التي فيها تستحيل الخمر خلا، رأى على سطح سائلها زبداً غريب المنظر. فصاح به الخلالون: (هذا الزبد لا بد منه لتخليل الخمر) وقضي بستور بضعة أسابيع في البحث فوجد أن الزبد إن هو إلا ملايين بعضها فوق بعض من خلائق مكرسكوبية. فأخذها، فامتحنها، فوزنها، فصنع بها ما لا يُصنع. وأخيراً جاء إلى جمع من الخلالين وزوجاتهم وأولادهم وأقاربهم فأخبرهم أن الذي يحيل خمرهم إلى خل إنما هي مكروبات صغيرة، وأنبأهم أن هذه المكروبات تحيل من كحول الخمر إلى حامض الخل مقادير تبلغ عشرات الألوف من أوزانها. (فانظروا واعجبوا من ضخامة العمل الذي تقوم به هذه الأحياء الضئيلة. ماذا تقولون لو أن رجلاً زنته مائتا رطل قام يقطع خشباً فقطع مليوني رطل في أربعة أيام!) وبهذه التشبيهات الساذجة، أدخل بستور هذه المكروبات الصغيرة في حياة هؤلاء السذج فأكبروها واحترموها. وبستور نفسه ظل يفكر طويلاً في جسامة ما تقوم به من الأعمال حتى ألف الفكرة واعتيادها.
وخطر له أن المكروب على ضآلته قد يدخل جسم الثور العظيم أو جسم الفيل أو جسم الرجل فيميته، فلم يجد في هذا الخاطر استحالة أو غرابة. وقبل أن يرحل عن بلدة (تور) علم أهلها كيف يربون هذا المكروب النافع ويعنون به حتى يحسن استلاب الجوأ كسجينه لأكسدة الكحول في خمرهم فيملأ بذلك جيوبهم بالملايين من الفرنكات.
وبهذا النجاح وأمثاله زاد بستور ثقة بالتجربة أداةً لكشف الغامض من الأمور. وأخذ يحلم الأحلام الطويلة العريضة المستحيلة عن فتوحات المستقبل التي سيأتيها في تقفي آثار هذه الخلائق الضئيلة ولم يحبس هذه الأحلام على نفسه، بل وصفها في خطبه ونادى وبشر بها كما بشر الرسول يوحنا المعمدان بالنصرانية، سوى أن صاحبنا كان أكثر حظاً من يوحنا الرسول، لأنه قدر له أن يعيش يتحقق ولو قليلاً من نبواته.
стр. 8231
وتلت ذلك فترة قصيرة قضاها بستور في معمله بباريس يشتغل هادئاً ساكناً. فلم يبق له من الصناعات ما ينجيه. وظل في هدوئه حتى يوم من أيام عام ١٨٦٥، ففي هذا اليوم جاء القدر يدق بابه. وما كان الطارق إلا أستاذه القديم دوماس، جاءه يتطبب لدود القزّ المريض. فقال بستور دهشاً: (وما الذي دهى دود القزً، فما كنت أعلم أن المريض يعتريه؟ على أني لا أعرف عن هذا الدود شيئاً، وإن شئت المزيد ففي الحق أني لم أر دودة قزّ واحدة في حياتي).
(يتبع)
أحمد زكي
стр. 8232
أبو سليمان الخطابي
٣١٩ - ٨٨٣ هـ
بقلم برهان الدين محمد الداغستاني
تتمة
تابع مؤلفاته
٣ - (أعلام السنن) في شرح البخاري، وهو شرح لطيف فيه نكت لطيفه وفوائد شريفة.
٤ - (كتاب الاعتصام بالعزلة) كتبه بطلب من أحد تلاميذه حقق فيه معنى العزلة وما المراد منها، ثم عرض لأدلة من أنكر العزلة ومن قال بها ووازن بينها، فكانت الغلبة في جانب أنصار العزلة.
٥ - (كتاب شأن الدعاء) ذكر فيه بعض الأدعية المأثورة وشرح معانيها.
٦ - (إصلاح غلط المحدثين) أورد فيه قرابة مائة وثلاثين حديثاً يرويها أكثر المحدثين ملحونة أو محرفة أصلحها وبين الصواب فيها.
٧ - (شعار الدين) التزم فيه إيراد أوضح ما يعرفه من الأدلة من غير أن يلتزم طريقة المتكلمين.
٨ - (كتاب الشجاج)
٩ - (كتاب شرح أسماء الله الحسنى)
١٠ - (كتاب الغنية عن الكلام وأهله)
١١ - (كتاب العروس)
١٢ - (الرسالة الناصحة) فيما يعتقد فيما يعتقد في الصفات، وهذه الستة الأخيرة لم أراها ولم أعلم مكان وجودها.
هذه هي كتب أبي سلمان التي ذكرها الذين ترجموا له. وجاء في طبقات الشافعية الكبرى للسكي (ج٢ص٢٢٢) ما يأتي:
قال الخطابي في كتابه تفسير اللغة التي في مختصر المزني في باب الشفعة: بلغني عن إبراهيم بن السرى الزجاج النحوي أنه كان يذهب إلى أن الصاد تبدل سيناً مع الحروف
стр. 8233
كلها لقرب مخرجهما، فحضر يوماً عند على بن عيسى فتذاكرا هذه المسألة واختلفا فيها وثبت الزجاج على مقالته، فلم يأت على ذلك إلا قليل من المدة، فاحتاج الزجاج إلى كتاب إلى بعض العمال في العناية فجاء إلى علي أبن عيسى الوزير ينتجز الكتاب، فلما كتب علي بن عيسى صدر الكتاب وانتهى إلى ذكره كتب: وإبراهيم بن السرى من أحسن أخواني، فقال الرجل أيها الوزير: الله الله في أمري! فقال له علي بن عيسى إنما أردت أخص، وهذه لغتك فأنت أبصر، فإن رجعت وإلا أنفذت الكتاب بما فيه. فقال قد رجعت أيها الوزير فأصلح الحرف واطو الكتاب. أ. هـ.
فهذا الذي نقلناه عن طبقات السبكي يفيد أن للخطابي كتاباً شرح فيه غريب اللغة التي في مختصر المزني ولكني لم أر أحداً ذكر هذا الكتاب من كتب الخطابي، ولم يذكر صاحب كشف الظنون هذا الشرح لمختصر المزني مع أنه عدد الكثير من شروحه لكثير من المتقدمين والمتأخرين.
شعره:
يُعد الخطابي أديباً ذا حظ وافر في الصناعتين النثر والنظم؛ فإما نثره ففي إمكان القارئ الكريم الاطلاع عليه في كتبه التي كتبها في العلوم، ومنها ما هو مطبوع، لذلك لا أرى حاجة إلى ذكر شيء منه، وأما شعره فمع أنه شعر جيد سلس عذب الألفاظ فهو مفرق هنا وهناك بين بعض كتبه وكتب بعض الذين ترجموا له، وإني لذلك ذاكر منه كلُّ ما عثرت عليه.
قال أبو سعيد الخليل بن محمد الخطيب: كنت مع أبي سليمان الخطابي فرأى طائراً على شجرة فوقف ساعة يسمع ثم أنشأ يقول:
يا ليتني كنت ذاك الطائر الغردا … من البريّة منحازاً ومنفردا
في غصن بأن دهته الريح تخفضه … طوراً وترفعه أفنانه صعدا
خلو الهموم سوى حب تلمسه … في الترب أو نغبة يروى بها كبدا
ما إن يؤرقه فكر لرزق غدٍ … ولا عليه حساب في المعاد غدا
طوباك من طائر طوباك ويحك طب … من كان مثلك في الدنيا فقد سعدا
وله في معاملة الناس بالحسنى وحب الخير لهم:
стр. 8234
أرض للناس جميعاً … مثل ما ترضى لنفسك
إنما الناس جميعاً … كلهم أبناء جنسك
فلهم نفس كنفسك … ولهم حس كحسك
وله في الرد على من لامه على اعتزاله الناس وطول احتجابه:
وقائل ورأى من حجتي عجباً … كم ذا التواري وأنت الدهر محجوب
فقلت حلت نجوم العمر منذ بدا … نجم المشيب ودين الله مطلوب
فلذت من وجل بالاستتار عن الأ … بصار إن غريم الموت مرعوب
وله في مدارة الناس ومصانعتهم:
مادمتُ حياً فدار الناس كلهم … فإنما أنت في دار المداراة
من يدر داري ومن لم يدر سوف يرى … عما قليل نديماً للندامات
وله يشكو إيذاء الناس بعضهم بعضاً فوق أذى الوحوش الضارية:
شر السباع الضواري دونه وزر … والناس شرهم ما دونه وزر
كم معشر سلموا لم يؤذهم سبع … وما نرى بشراً لم يؤذه بشر
وله يشكو من وسطه الذي لا يجد فيه من يفهمه وتسكن إليه نفسه:
وما غربة الإنسان في شقة النوى … ولكنها والله في عدم الشكل
وإني غريب بين بُست وأهلها … وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي
وله في تهوين أمر الدنيا وعدم الاهتمام بها:
لعمرك ما الحياة وإن حرصنا … عليها غير ريح مستعاره
وما للريح دائمة هبوب … ولكن تارة تجري وتارة
وله في الحث على انتهاز الفرص قبل فواتها:
تغنم سكون الحادثات فأنها … وإن سكنت عما قريب تحرك
وبادر بأيام السلامة إنها … رهون وهل للرهن عندك مترك
وله في التحذير من الجهال وعدم الركون إليهم:
تحرز من الجهال جهدك إنهم … وإن لبسوا ثوب المودة أعداء
وإن كان فيهم من يسرك قربه … فكل لذيذ الطعم أو جُلُّه داء
стр. 8235
وله في العفو والقصد والذم المغالاة:
تسامح ولا تستوف حقك كله … وأبق فلم يستقص قط كريم
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد … كلا طرّفيْ قصد الأمور ذميم
وأورد جعفر بن شمس الخلافة في كتاب للخطابي هذين البيتين:
وإني لأعرف كيف الحقوق … وكيف يبر الصديق الصديق
ورحب فؤاد لفتى محنة … عليه إذا كان في الحال ضيق
وله يذكر حسن أثر العزلة في نفسه:
إذا خلوت صفا ذهني وعارضني … خواطر كطراز البرق في الظلم
وإن توالى صياح الناعقين على … أذني عرتني منه حكلة العجم
وله يصف ميله إلى البعد عن الناس وقلة مخالطتهم:
قد أولع الناس بالتلاقي … والمرء صب إلى هواه
وإنما منهم صديقي … من لا يراني ولا أراه
وله في عزة النفس والتعفف مع الحاجة الملحة:
دعني فلن أخلق ديباجتي … ولست أبدي للورى حاجتي
منزلتي يحفظها منزلي … ديباجتي تكرم ديباجتي
وله:
قد جاء طوفان البلاد ولا أرى … في الأرض ويحي للنجاة سفينه
فاصعد إلى وزر السماء فأن يكن … يعييك فابك لنفسك المسكينه
وله:
سلكت عقاباً في طريقي كأنها … صياصي ديوك أو أكف عقاب
وما ذاك إلا أن ذنباً أحاط بي … فكان عقابي في سلوك عقاب
وله:
قل للذي ظل يلحاني ويعذلني … لنائل فاته والخير مأمول
لا تطلب السمن إلا عندي سمن … نال الولاية فالمعزول مهزول
بعض الآراء المنقولة عنه
стр. 8236
كان الخطابي شديد الإنكار على الفقهاء الذين يغفلون الحديث أو يتساهلون فيه ويقصرون همهم على آراء أئمتهم من الفقهاء كما كان ينكر على المحدثين إغفالهم الفقه واشتغالهم بالغريب وجمع الروايات لذلك لم يكن غريباً من الخطابي أن يخالف من تقدموه إذا رجوت رأى الدليل يسعفه؛ فمن ذلك قوله برد شهادة أحد الزوجين للآخر لما في ذلك من التهمة قياساً على رد شهادة القانع لأهل البيت الوارد في الحديث، والقانع من يخدم القوم ويكون في حوائجهم. وكان يرى تحريم البول في الطريق لحديث فيه ولما فيه من إيذاء المسلمين. وكان كراهة خاتم الفضة للمرأة لأنه من شعار الرجال كما أن الذهب من شعار النساء، وكان يرى أن أكل الثوم والبصل لا يعد عذراً في ترك الجمعة لما لها من الأهمية والخطر. وكان يعيب على المتكلمين قولهم في صفات الله الذاتية: إنها قديمة، ويختار أن يقال فيها أزلية، لأن معنى الأزلي هو ما لم يزل كائناً، ومعنى القديم هو ما له صفة القدم، ولا يجوز أن يكون للصفة صفة.
هذه كلمة أردت بها الكشف عن فضل هذا العالم الذي نسي الناس حتى أسمه فلا يعرفونه على حقيقته، وأرجو أن أكون قد وفقت ولو إلى بعض ما أردت.
برهان الدين محمد الداغستاني
стр. 8237
٢٣ - محاورات أفلاطون
الحوار الثالث
فيدون أو خلود الروح
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
ما أبعد ما رجوت من أمل، وما أسوأ ما عدت به من فشل! فما مضيت حتى ألفيت فيلسوفي قد نبذ العقل نبذاً كما نبذ كلُّ ما سواه من أسس الاتساق، وانتكس إلى الهواء والأثير والماء وما إليها من شوارد الآراء، فكان عندي أشبه برجل أصر بادئ ذي بدء أن العقل هو علة أفعال سقراط بصفة عامة، فلما أراد أن يبيّن بالتفصيل أسباب أفعالي العديدة، أخذ يبرهن أنني أجلس ها هنا لأن جسمي مصنوع من عظام وعضلات، وأن العظام، كما كان ينتظر أن يقول، صلبة تفصل بينها أربطة، وأن العضلات مرنة وهي العظام التي يحتويها كذلك غشاء، أو محيط من اللحم والجلد. ولما كانت العظام مشدودة إلى مفاصلها لقبض العضلات وسطها، كان في استطاعتي أن أثنى أطراف بدني، وهذا علة جلوسي ها هنا في وضع منحنٍ. أنه كان سيزعم هذا، وكان سيشرح بمثل هذا كلامي إليكم، فقد كان سيفرده إلى الصوت والهواء والسمع، وكان سيذكر من هذا النوع من الأسباب عشرة آلاف سوى ما ذكر، ناسياً أن يشير إلى السبب الحقيقي وهو أن الأثينيين قد رأوا في إدانتي صواباً، فرأيت أنا بناء على ذلك أن الأفضل والأصوب هو مقامي ها هنا محتملاً ما حكم عليّ به، فأرجح الظن عندي أن عظامي وعضلاتي هذه كانت تود لو فرت إلى ميغاراً أو بوتيا - وإني لأقسم بكاتب مصر أنها كانت تود ذلك، إذا لم يكن يسيرها إلا فكرتها هي عن الأمثل، وإذا لم أكن أنا قد آثرت أن أحتمل كلُّ عقوبة تقضي بها الدولة، على اعتبار أن ذلك أفضل وأشرف مسلكاً، بدل أن أمثل دور الآبق فألوذ بالفرار. لا شك أن في هذا كله خلطاً عجيباً بين الأسباب والحالات. وقد يمكن القول حقاً أنني لا أستطيع تحقيق غاياتي بغير العظام والعضلات وسائر أجزاء الجسد، أما القول بأنني أفعل ما أفعل من أجلها، وأن فعل العقل إنما يكون على هذا النحو ولا يكون باختيار الأمثل، فذلك ضرب من القول العابث العقيم؛ وإني لأستغرب ألا يستطيع الناس أن يفرقوا بين السبب والحالة، وهو
стр. 8238
ما يخطئ الدهماء فيه وفي تسميته دائماً، لأنهم يتخبطون في الظلام؛ وهكذا ترى واحداً من الناس يصطنع دوامة من الماء تشمل الكون فيثبِّت الأرض بالسماء، وترى آخر يذهب إلى أن الهواء عماد الأرض وأن الأرض في شكل الحوض الفسيح، ولا تسيغ عقولهم قط وجود أية قوة تسير بهم إذ تصرفهم نحو الأحسن وهم لا يتخيلون أن في ذلك قوة فوق القوة البشرية، إنما هم يتوقعون أن يجدوا للعالم عماداً آخر أقوى من الخير وأكثر منه دواماً وشمولاً، وهم بغير شك يرون أن قوة الخير القسرية الشاملة هي كلُّ شيء، ولكني مع ذلك أتمنى أن أكون هذا هو المبدأ الذي أتعلمه إن وجد من يعلمنيه، ولما كنت قد فشلت أن أستكشف بنفسي أو بإرشاد غيري من الناس طبيعة الأمثل، فسأعرض عليكم إذا شئتم طريقة البحث في العلة التي وجدتها تتلو الأمثل في المثالية.
أجاب: لشد ما أحب أن أصغي إلى ذلك.
فمضى سقراط: ظننت أني ما دمت قد فشلت في تأمل الوجود الحقيقي فينبغي أن أحرص على عين روحي فلا أفقدها كما قد يؤذي الناسُ عيونهم الجثمانية بشهود الشمس والنظر إليها أثناء الكسوف، ما لم يتحوطوا فلا ينظرون إلا إلى الصورة المنعكسة على الماء أو ما يشبه الماء من وسيط؛ حدث لي ذلك فخفت أن تصاب روحي بالعمى الشامل إذا أنا نظرت إلى الأشياء بعينيّ أو حاولت أن أتفهمها بوساطة الحواس، وفكرت أنه يحسن بي أن أعود إلى المُثل فأبحث فيها عن حقيقة الوجود، وأني لأعترف ينقص هذا التشبيه - لأنني بعيد جداً عن التسليم بأن من يتأمل صور الوجود بوساطة المثل يراها (معتمة خلال منظار) دون من ينظر إليها وهي في نشاطها وبين نتائجها، ومها يكن من أمر فهذه سبيلي التي سلكتها: فرضت بادئ الأمر مبدأ زعمت أنه أمتن المبادئ، ثم أخذت أثبت صحة كلُّ شيء يبدو متفقاً مع ذلك المبدأ، سواء أكان ينتمي إلى السبب أو إلى أي شيء آخر، واعتبر كلُّ ما يتنافر وإياه غير صحيح، ولكني أحب أن أوضح بالشرح ما أعني، فما أحسبكم تفهمون ما أريد.
فأجاب سيبيس: كلا، حقاً إنا لم نفهم جيداً.
قال: ليس فيما أوشك أن أنبئكم به من جديد، فهو ما ظللت أكرره أينما حللت، فيما سبق من نقاش، وفي ظروف غيره سلفت، فثمة علة قد ملكت على خواطري، أريد أن أبسط لكم
стр. 8239
طبيعتها، ولا مندوحة لي عن العودة إلى تلك الألفاظ المألوفة التي يلوكها كلُّ إنسان، فأزعم قبل كلُّ شيء أن ثم جمالاً مطلقاً وخيراً مطلقاً وكبراً مطلقاً وما إلى ذلك. سلم معي بهذا ولعلي أستطيع أن أدلك على طبيعة العلة، وأن أقيم لك الدليل على خلود الروح.
فقال سيبيس: تستطيع أن تمضي من فورك من برهانك، فلست أتردد في أن أسلم لك بهذا.
فقال: حسناً، إذن فأحب أن أعلم هل تتفق معي في الخطوة التالية، وتلك أنه لو كان هنالك شيء جميل غير الجمال المطلق لما شككت في استحالة أن يكون ذلك الشيء جميلاً إلا بمقدار مساهمته في الجمال المطلق - وأني أقرر هذا عن كلُّ شيء. أأنت موافقي على هذا الرأي في العلة؟
فقال: نعم أوافقك.
فمضى قائلاً: لست أعلم شيئاً ولا أستطيع أن أفهم شيئاً عن أي سبب آخر من تلك الأسباب الحكيمة التي يزعمونها، فإن قال لي أحد إن جمالاً ينبعث عن ازدهار اللون أو الشكل أو ما شئت من شيء من هذا القبيل، لطرحت قوله جملة، فليس لي منه إلا ربكتي، ولتشبثت بفكرة واحدة دون غيرها تشبثاً قد يكون على شيء من الحمق، ولكني من صوابها على يقين، وهي أنه لا يجعل الشيء جميلاً إلا وجود الجمال والمساهمة فيه، مهما تكن سبيل الوصول إلى ذلك، وكيفية الحصول عليه، فلست أقطع برأي في الكيفية، ولكني أقرر بقوة أن الأشياء الجميلة كلها إنما تكون جميلة بالجمال، وعندي أن ذلك وحده هو الجواب المعصوم الذي أستطيع أن أدلي به لنفسي أو لأي أحد آخر، وإني لأتشبث به، ويقيني أن لن تصيبني الهزيمة قط، وأنه في مكنتي أن أجيب، في عصمة من الزلل، على نفسي أو على أي أحد من الناس، بأن الأشياء الجميلة لا تكون جميلة إلا بالجمال. ألست توافق على ذلك؟
- نعم أوافق.
- وبالكبر وحده تصير الأشياء الكبيرة كبيرة فأكبر وأكبر، وبالصغر يصير الصغير صغيراً؟
- حقاً.
(يتبع)
стр. 8240
زكي نجيب محمود
стр. 8241
سل الجديدين
للأستاذ فخري أبو السعود
هذي الحياة التي راقت مجاليها … يُحصَى حصاها ولا تُحصى مآسيها
ما كنت تلهو بما أَبدت ظواهرُها … لو كنت ما تُخفي خوافيها
تَظَلُّ تَعْرِضُ ألواناً مَفاَتنَها … وللشرورِ مجالٌ في نواحِيها
تجاور الحُسْنُ فيها والأسى ومشت … ما بين أفراحها الكُبرى مناَعيها
يشقى ويفنى بنوها وهي لاهيةٌ … بدلّها وحُلاها عن ذراريها
تروقك الغابةُ الفيحاء ناضرًة … يرفُّ بالحُسنِ عإليها ودانيها
ويانعُ الزهرِ في أفنانها عبقٌ … وَرَيِّقُ الماء يجري في مساريها
ويَسْتبيكَ برودٌ من نسائمها … هينٌ وظلٌ ظليلٌ من حواشيها
وبين أطوائها حربٌ مخلّدة … تعجَّ ما بين ماضيها وآتيها
في عشبها أو ثراها أو لفائفها … يُكنُّ رائُحها شرّا لغاديها
وما اغتذى حبُّها إلا بهالكها … ولا سما نضرُها إلاَّ بذاويها
تغلغلَ الظّلْمُ في أحنائها وَعَدَا … على الضعيف من الأحياء عاديها
في كلَّ طرفة عين ثمَّ مهلكهٌ … أو ثمَّ معركةٌ يا ويحَ صاليها
تشقى وتألمُ آلافٌ مؤلَّفة … في كلُّ آن وترْدى في دياجيها
وتعشق البحر في رحبٍ وفي عظمٍ … والبحرُ مطَّرد الأمواج طاميها
تُلاعِبُ الريح أحياناً غوار به … وساكبُ النُّور أحياناً يناغيها
يصفو الأصيل عليها والضحى ولها … تردُّدٌ وخريرٌ في شواطيها
وتحت أثباجها حربٌ مُؤرَّثة … موصولةٌ ليس يخبو الدَّهر واريها
وكم مآسي في قيعانها دَرَجَت … وكم فجائعَ غابت في غواشيها
سل الجديدين كمكرَّا على مُهجٍ … مَرُوعةٍ عزَّ في اللأواء آسيها
قد عزَّ في قبضة الأقدار ناصرها … وعزَّ مِنْ بَعْدُ رائيها وباكيها
لو أطْلَقَ المرءُ للعين العنانَ على … تلك المآسي لما جفَّتْ مآقيها
ولو رَأى لضحاياها العِداِد لما … حلا له الشعرُ إلا في مراثيها
стр. 8242
ولو تدبَّرت النفسُ الحياة لما … صَحَتْ من الهم، لكنّا نُماريها
نشيحها عن مآسيها ونصرفها … لما تُحبُّ وترضى من ملاهيا
فخري أبو السعود
стр. 8243
نِدَاءُ الحُبّ
وقلبي أنشودة حلوة=تغنى بها قافلات الهوى
لشاعر الشباب السوري أنور العطار
تعالَ أيا حُبُّ نولِ الوُجودَ … أناشيدَ يملكُها مَنْ روَى
تعال نُغَنِّ السُّهولَ الفساحَ … ونُصبِ الهضابَ ونُغْرِ الرُّبا
تعال نَهمْ هَيَمانَ العُطورِ … ونَهْتزَّ مثلَ شُعاعِ الضُّحَى
تعال نُطوِّفْ رِحَابَ الفضاءِ … ونسْرِ إلى غامضِ المُنْتَأَى
تعالَ نَغُصْ في عُبَابِ السَّماءِ … ونُفْنِ الزمانَ ونطْوِ الدُّنا
ولا ندَّحرْ فَرْحَةً للجنَان … ولا نُبقِ للرُّوح من مشَتَهى
ونَحْىَ مِنَ الحُبّ في عالمٍ … نضير الأزاهيرِ حُلوِ الجنى
تُؤلِّفنا الطَّيْرُ أُغرودةً … وتَمزُجُنا بنُفاحِ الشّذا
نعيشُ نجيّيْن في سكرةٍ … كما عاشَ في الزهرِ خَمْرُ الندى
فما العُمرُ إلا سَناً راجفٌ … تَلألآ بارقةُ وأمَّحَى
فأيامُهُ ضُيَّعٌ كالسَّرابِ … وأحْلامُه ذاهباتٌ سُدى
نطيرُ إلى ربواتِ النّعيمِ … ونلكُ أنفاسَ ريح الصَّبا
لنا في النَّسائمِ أُرْجوحةٌ … تَطُوفُ بنا في فجاج السَّما
تُهدْهِدُنا بالنشيدِ الحبيبِ … وتغمُرنا بالسّنَا المرتجى
ننامُ وفي الأُذنِ أُغنيةٌ … وفي العين حُلْمٌ رقيقٌ سَرَى
وأرواحُنا انطلقتْ في العَلاءِ … تَغلغلُ في سدرةِ المنتهى
فيا لكِ غيبوبةً لذَّةً … تراءى الخَفَاءُ بها وانجلى
ويا لكِ أُمْنَّيةً تُستَطابُ … ولحْناً على الدَّهْرِ لا يُجتوى
ويا لكِ دُنيا قَلَتْهَا الهمومُ … وماتَ الرَّياءُ بها وانطوى
فلا الشَّرُّ يأوي إلى ساحها … ولا البُغْضُ يَسْكُنها والقلى
تَنَقّتْ من العابِ أعطافُها … ورَفَّ النعيمُ بها وازدهى
يَسودُ حِماها هوىً خالدٌ … وحُبٌّ تسامى وعيشٌ صفا
стр. 8244
ويهفو إليها الشعاع الرقيقُ … ويألفها الأملُ المُبتغى
وتَنْفُثُ فيها الثُّغُورُ الحِسانُ … أحاديثَ يلتذُّها منْ وعى
فما يَبْهَجُ الرُّوح بَادٍ هُناكَ … لَمَنْ يَشْتَهيهِ وخافٍ هُنا
تعال لقد بُحُ صوتي الشّجيُّ … وعاجلني منْ صُراخي الونى
تعال فإني مُستوْحشٌ … يُريني طولُ الضّنى ما اختفى
أُحسُّ يداً مٌلئتْ بالحنانِ … تُنهنهُ دمعي إذا ما همى
وألمسُ في وحدتي خافقاً … يذوبُ على ما أُعاني أسى
وألمح في وحدتي طيفاً يلوحُ الهُزالُ … على وجههِ ويبينُ الضَّنى
يُغمغْمُ في سرِّهِ دائباً … ويرعى خُطاي ويحمي الحِمى
ويُؤنُسني إن عَراني الملالُ … ويحَمْلُ عني وقْدَ الجَوى
ويَنْفَحُني بأريجِ الخلودِ … ويَغْمُرني بشهيِّ المُنى
كأني أبصرْتُ شِهْاً لهُ … تعلَّقْتهُ في غُصونِ الصِّبَا
يُذكِّرُني وجُههُ بالحبيبِ … وإنْ غَيَّرتْهُ عوادي النوَّى
من الزائري في إسارِ الشُّجونِ … يُزحْزِحُ عَنّى خطباً عرا
يُقاسمُني غَمراتِ الحياةِ … وما رَوَّعَ القَلْبَ أو ما دهى
ويُنقذنُي من وجومي الرّهيبِ … ومن ليليَ الجْهمِ إما غشا
ومنْ هاجسٍ ضجَّ منهُ الجَنَانُ … ومِنْ خاطرٍ فرَّ منه النهى
غَنيتُ بهذا الخيال العجيبِ … وشئَّتَ لُبِّي هذا الغنى
ذهِلتُ ولم أدْرِ مِنْ حيرتي … ألِلْغَيً مَسْرَاي أمْ للُهدى
فلا العَيْنُ تعرِفُ سجو المنامِ … ولا الليل يُسعدُها إن سجا
يُريني اكتئابي طُيوفاً تموجُ … وقافلةً لا تقلُّ السُّرى
ترامتْ بها نائياتُ القِفِارِ … فضاعتْ معالمُها والصُّوى
وجنَّا تألقُ مثلَ اللَّهيبِ … وجنَّا تأجَّجُ مثلَ اللَّظى
وأرْضناً تَفَجَّرُ منها الدَماءُ … وفيها تغُوصُ أُلوفُ المُدى
وجرحى يثنُّون خلفَ الزِّحام … وصرعى يغيبون تحت القَنا
стр. 8245
وأُفقْاً تدوِّي بهِ السَّافياتُ … وتملأُ جَنْبيهِ نارُ الوَغى
فمنْ أسهمٍ لَمعتْ كالوميضِ … ومِنْ أسْيُفٍ إثْرَها تُنتضى
ومنْ أجنُحٍ دوَّمتْ في الفَضَاءِ … ومدتْ على الكوْنِ ظلاَّ ضفَا
ومن خائف قد عصاه الصياحُ … فخارتْ عزائمه والقُوى
ومنْ نهمٍ أكلَ الكائناتِ … وَعَبَّ خِضَمَّاتها واحتسى
وغالَ منَ النَّجْمِ مالا يُعَدُّ … ومالا يُرَامُ ولا يُحتوى
يُقهْقهُ قهْقهة كالرُّعودِ … ويمتدُّ كالبرق إما بَدا
وينَفُثُ حتى إدخال السَّحابَ … تدفَّقَ من جانبيهِ الحيا
وعيني إلى مَلكٍ نائم … يُجمْجِمُ في الحُلْمِ أحلى اللُّغى
أُناديه مِنْ طول شوقي المِلحّ … فيبسم والقلبُ منه هَفا
سريرك حوَّمَ بينَ الغُيوم … وأغفى على شُرُفاتِ السُّها
وفي القلْبِ عُشُّقكَ لكّنهُ … عفاهُ ومِنْ طيْرهِ قد خلا
وأنت أيا طيفُ ظلَّلْتني … بِعَطْفِكَ حتى ازدَهاني الرِضا
أُفدِّيكَ من مُشفِقٍ لاهِفٍ … ويا ليتَ يُرضيك أنيِّ الفدا
تكلمْ عَلَامَ تُطيلُ السكوتَ … وفي شَفَتَيْكَ كلامٌ يُرى
تعالَ فها ذاكَ ركْبُ الحياةِ … تَسَربلَ صحراءها وارتدى
ولم يَبْقَ مِنهْ سِوَى ومضةٍ … كخطِّ الأصيلِ بأقصى الفلَا
تعال فإنْ يحتجبْ نورُهُ … يَعُمَّ الشقاءُ ويطْغَ الأذَى
تعال فإني أُحسُّ المَاَء … يَحُطُّ على شامخاتِ الذُّرى
وينشُرُ أجنحَهُ الضافيات … ويُرسِلُها في رحابِ الفَضا
محفّتُهُ حَيِليَتهْا العُيونُ … وإنْ غامَ لآلأؤُها أو دَجَا
تعالَ فِلِليلِ حُزنٌ يَطولُ … وهولٌ إذا ما تناهى ابتدا
تعالَ فإنْ أدركتْنا خُطاهُ … فليسَ يُتَاحُ لنا المُلتقى
حياتي طائفةٌ كالخيالِ … وصوتيَ ليسَ لهُ منْ صَدَى
ونفسيَ تحملُ همَّ أثنينِ … وهَمِّي جاز بنفسي المدَى
стр. 8246
كأنيَ قَبرٌ ترامَى العفاءُ … على جانبيهِ وعَجّ البِلَى
وقلبي أُنشودةٌ حلْوةٌ … تغنى بها قافلاتُ الهوى
مررتُ بصحراءِ هذي الحياةِ … كما مرَّ الغُمْضِ طيفُ الكَرَى
على منكبيَّ بياضُ النَّهار … وفي مُقلتيَّ سواد الدُّجى
لئنْ نَقَمَ القلبُ أشجانهُ … لما كربتْهُ صُروفُ الرَّدى
وإن أنكرتهْ الأماني العذابُ … فما حَفَلَ الدهرَ مُرَّ الشَّجا
تصبَّرتُ حتى فقدْتُ المعِينَ … وأجملْتُ حتى مَلِلْتُ الأُسا
فيا قلْبُ حَبْسٌ عليكَ العذَابُ … ويا عينُ وقفٌ عليكِ البُكا
أُحسُّ كأنيَ قمرْيَّةٌ … تنُوحُ على حُلُمٍ قد نَأَى
تُودِّعُ آمالهَا الضحكاتِ … وما ضَمَّ عالمُها منْ دُمى
وتمشي إلى شَجَنٍ قاتمٍ … رهيبِ الكونِ سحيقِ الهُوى
عييتُ بحبِّيَ لَمَّا استفاضَ … وذُقْتُ لذاذَتهُ مذْ مضى
وعشتُ بفرحتهِ حالما … أَطوفُ بأوهامهِ والرُّؤَى
فيالكَ من جَدوِلٍ هانئٍ … إذا شَربَ القلّبُ منه ارتوى
فواردُهُ لا يُحسُّ الشقآَء … وراشفُهُ لا يذوق الصَّدى
ويا رُبَّ واهٍ براهُ الهزال … ترشَّف أمواههُ فاشتفى
وسكران من كأسِ هذا الزَّمان … تنشَّقَ نافحه فانتشى
تموجُ الغُيوبُ بأعطافه … ويطفحُ في حافتهِ الجَدَا
خلَا منْ منا كدِ هذي الحياةِ … ومن رتقِ جرعتها والقذى
يُعنِّى فيهتزُّ هذا الوجودُ … ويشدو فيطربُ هذا الوَرَى
أُحِبُّ السماَء ولكنما … يدافعني عنْ هواي الثرى
هي الأرض مهدى أَتى شردْ … ت وحنّقْت في الكائنات العلى
ولكنَّ روحي مِلْكُ الخلودِ … ورهن البقاءِ وخذن السَّنا
أنور العطار
стр. 8247
القصص
من أساطير الإغريق
بَنْدُورَا وسرقة النارُ المقدسة
للأستاذ دريني خشبة
(هدية الآلهة إلى الآنسات في جميع العصور!!)
توزَّعَ الآلهة تعمير الكون، فكانت الأرض من نصيب برومثيوس بن يابيتوس، أحد ذراري التيتان العمالقة، الذين حبسهم أبوهم خشية جبروتهم ومخافة بأسهم. . .
وطفق برومثيوس يفكر ويفكر، حتى بدا له أن يجعل في الأرض أناسيٌّ يخلقهم على صورِ الآلهة، فاستعان أخاه أبيمثيوس فهداه إلى الحمأ المسنون، أو الطينة البشرية، فخلقا منها الإنسان الأول، وذهبا إلى إيروس فنفخ فيه من روحه؛ التي هي الحياة؛ وقصدا إلى فنفثت فيه نفثتين، هما النَّفس والعقل.
وخلق برومثيوس رجالاً كثيرين على هيئة آدم الأول، وجلس على أكمة عالية يشرف على عبادة الصالحين!! ولشد ما كانت الكبرياء تشيع في أعطافه، كلما نظر فوجدهم يتحدثون بآلائه، ويسجدون له، حتى فكَّر في نعمة أخرى يسبغها عليهم فتكون أجزل النعم!
(النار! النار المقدسة تنفعهم وتُلين لهم حديد الحياة!).
(فلا ذهب إلى الأولمب ولأتحسَّس؛ فإذا استطعت أن أتغفَّلَ زيوس، فأني سارقٌ لهم قبساً من ناره التي آثر بها نفسه على سائر العالمين!).
ومع أن برومثيوس يعلم من أمر هذه النار ما يعلم، ومع أنه يعلم أنها محرمة على غير الآلهة، وأن كلُّ من استباحها لنفسه ممن عداهم تعرض لمقت الإله الأكبر ونكاله، فقد ذهب إلى الأولمب وتغفل زيوس، ودسَّ قبساً من النار في تضاعيف ثيابه، وعاد كالبرق إلى عباده المخلصين يقدم إليهم هديته التي سرقتها من أجواز السماء!.
ونظر زيوس من علياء الأولمب، فرأى النيران تتأجج هنا وهناك في أديم الأرض، ففطنا إلى السرقة المنكرة، وانقذفت من فمه المزبد رعود الغضب!
وارتجف الأولمب، وزُلزلت السماء، وارتعدت فرائض الآلهة، وأمر الإله الأكبر فأحضر
стр. 8248
برومثيوس مُكبلاً بالأصفاد، مُلطخاً بالوحل؛ وعبثاً حاول الدفاع عن نفسه؛ ثم حُكم عليه فسيق إلى جبال القوقاز، حيث غُلَّ عنقه الضخم وذراعاه الكبيرتان، وفخذاه اللتان تزريان بفخذي فيل، في قنَّةٍ عالية. وسخَّر الإله الأكبر رُخَّا عظيم الجثة، حاد الأظافر، كبير المنسر، فذهب إلى حديث برومثيوس، ينوشه، ويمزق جسمه، وينفذ أظافره ومنسره في أحشائه حتى تبلغ الكبد، فيهرأه ويطعمه حتى يأتي عليه، وينصرف إلى غد.
فإذا كان الليل، وهبّت الريح سجسجاً، التأمت جراحات الإله المسكين، وخلق له كبدٌ آخر؛ وينام حتى تشرق الشمس، فيعود الرخ ليبدأ ما انتهى منه أمس، وليأخذ في تعذيب بروميثيوس التعّس، إلى تغيب ذكاء!! وهكذا دواليك، أحقاباً وأحقاباً. . .
ويلبث الإله المنكود في هذا العذاب الطويل حتى يلقاه هرقل الجبار في أحد أسفار، فتثور الشفقة في قلبه، وينقض كالصاعقة على الرخ، ولا يتركه حتى تزهق روحه، بعد صراع عظيم، ثم يفك أغلال بروميثوس ويحرسه، حتى يقبل الليل فيشفى مما يه، ويسير بين يديه حتى يبلغ أوطانه، حيث عباده الصالحون!!
وفرح الناس بإلههم وسروا بقائه، وقدروا ما ألقى في سبيلهم ومن أجل سعادتهم فعنوا له وأخبتوا.
وكانوا يحيون في بًلهنيةٍ، غارِّين في طراوة من العيش، وسعةٍ من الرزق، هواؤهم رخاء وماؤهم صفاء، لا يشكون متربةً ولا يعرفون ضنكاً، ولا تلم بهم ملمة من مرض أو رجسٍ.
ولم يعرفوا الموت، ولم يدروا ما البكاء، فكأنما كانت حياتهم طوبى، ونعيماً مقيماً.
وعلم زيوس ما كان من أمر بروميثيوس وفرح الناس بأوبته إليهم، فغيظ غيظاً شديداً، وآلى ليكيدن لهم كيداً، وليرسلن عليهم من مكره ما لا طاقة لهم به. . .
ونظر زيوس فرأى أنهم مخلوقون على صور الآلهة، ولكنهم كلهم ذكران، (ومن الآلهة أنثيات، فلم لا أصنع لهم أنثى تذهب بحرثهم ونسلهم، إن صح أن يكون لهم نسل؟. . .)
وأرسل دعوةً عامة إلى جميع الآلهة فسعت إليه من كلُّ فج عميق، وأخذ يحدثهم حديث بروميثيوس، ثم أخبرهم أنه يريدهم أن يخلقوا له أنثى جميلةً يودع فيها كلُّ منهم سراً من أسراره: (لأنني سأرسلها هدية إلى هذا المجنون بروميثيوس ليشهد بعينيه ماذا تصنع بعبادة الذين خلق. . .).
стр. 8249
واقترح الآلهة أن يفرغ هيفستوس إله النار والفن، وابن زيوس، إلى ابتداع هذه الأنثى، فسوّاها من نفس الحمأ الذي خلق منه الإنسان، وجاءت آيةً من آيات الحسن، رقيقة كأنها صُوِّرت لنكون فتنة الأولمب.
واحتملها إلى زيوس، وأقبل الآلهة بنفثوس فيها أسرارهم، ويستودعون نفحاتهم؛ فهذه فينوس تهها من جمالها، وحيرا من ثرثرتها، ومينرفا من حكمتها، ولاتونا من استيحاشها، وديانا من رشاقتها، وكيوبيد من حبه، وأبوللو من شعره وموسيقاه. . .
أما هرمز الخبيث، فقد أنتظر واستأنى حتى فرغ الآلهة من إسباغ آلأئهم، ثم تقدم، وملء وجهه ضحكةٌ ساخرة، فأودع الحواء قلبَ كلبٍ، ونفس لص، وعقل ثعلب!!. .
ثم نفخ فيها زيوس من روحه، فذبت الحياة في أعطافها، ونظرت حولها فأبصرت الآلهة مشدوهين، مأخوذين بسحر جمالها، فولَّت مدبرةً، ولكن إلى غير مهرب!
وشرع الآلهة يتخيرون لها الأسماء، ثم سماها ربها (يندروا.) وأومأ إلى هرمز فاحتملها، كالطفلة المدللة، وذهب بها، هديةً غاليةً من السماء إلى التعس بروميثيوس، الذي رفضها غير شاكر وأباها غير حميد!!
وكان لديه أخوه أبيمثيوس فكادت نفسه تذهب شعاعاً حين أبصر هذه الغادة الهيفاء، يرفضها أخوه هدية من السماء! وتقدم هو فضرع إلى هرمز أن ينزل عنها، وأن يغفر لأخيه حماقته، وقلة بصره، وكفرانه الذي لا كفران بعده!!
ومع ذلك فقد نصح بروميثيوس لأخيه ألا يقبل هذه الهبة من الآلهة، وأن يرفضها، غير مشكورة، كما رفضتها:
- (إنها فتنة يا أخي، بل هي خدعة من خدع السماء حريٌّ ألا تنطلي علينا!).
- خدعة؟! خدعة ماذا يا أخي؟ خذ عينيّ فابصر بهما، وقلبي فضحِّه على مذبح هواها. . . ألا ترى إلى عينيها النجلاوين، وشفتها القرمزيتين، وثدييها الناهدتيين، وفخذيها المملؤتين، وساقيها الجميلتين؟. . .
- (بل بحبي عيناي يا أخي! إني أستشفُّ بهما فتوناً نفثته الآلهة في كلُّ جوارحها، فحذار! إنها ستكون خراب هؤلاء المساكين الذين صنعتهم يداي!!).
- (حسبك يا أخي وحسبي! هي لي من دونك، فتوّل عنا أودعْ!).
стр. 8250
وعاشت بندورا مع ابيمثيوس كما يعيش الآلهة في الفردوس. . . حياة كلها مرح، وأياماً جميعها لذة وإيناس، يخلو إليها فتمتزج روحهما، وتختلط نفساهما، وتكون هي فتنة زوجها المسكين؛ تأسر لبه بموسيقاها الحنون: وتسحره بالرزقة النائمة في عينيها، وتبهره بكلماتها الغوالي في الحكمة والموعظة الحسنة!!
وتركهما زيوس حيناً من الدهر ينهلان خمر الحياة، ويعبان من عسلها المصفى؛ ثم دعا إليه هرمز، فحمله صندوقاً ثميناً، وأنفذه به إليهما. . . (. . . وإياك أن تبعث به في الطريق، فأنه هديتي إلى بندورا، وفيه انتقامي من عباد بروميثيوس؛ فسر به إلى الفتاة، وأوصها به خيراً. . .).
وكان الزوجان يتراقصان على الحشيش الأخضر أمام قصرها المنيف حين أقبل هرمز بالصندوق، يتعثر في مشيته، وقد بدت وثاء السفر عليه، وعلق الثرى بأسماله البالية، فلفتت بندورا نظر زوجها إليه، وذهبا سويه للقائه والاحتفاء به؛ لكن هرمز أبى إلا أن يذهب إلى القصر، ليسلم الهدية، وليبلغ رسالة السماء. فسار الجميع حتى كانوا في المخدع الوثير وجلس هرمز يستريح قليلاً، ثم قال:
(هاك يا بندورا العزيزة هدية الإله الكريم إليك، خصك بها من دون براياه أجمعين. وأحسبك في غني عن أن أصفها لك. فها هي أمامك تتكلم عن نفسها. ولكن الإله الأكبر يشترط ألا تفتحها إلا بإذنه، فلا تتعجلي، حتى يأتيك أمره. وإنه لقريب.).
ونهض هرمز، وسلم وانصرف، وما تزال بوجهه تلك الضحكة الساخرة التي كانت عليه يوم استودع بندورا قلب الكلب، ونفس اللص، وعقل الثعلب. . .
وكان ابيمثيوس قد قدم إليه من ثمر حديقته الشيء الكثير، ولكنه لم يمد يده إليه. . .
وكان الليل قد قارب أن ينتصف، وكان الكري قد لعب بطرفها الوسنان، فاستلقت على أريكتها الحريرية، وغرقت في سبات عميق، ممتلئ بأحلى الرؤى، وأطيب الأحلام.
وخيِّل إليها أن في الصندوق أرواحاً سحرية تكلمها، وتنسج الأماني العذاب لها؛ وأن دينا بأكملها تتفتح وتزهر حولها. . . فلما نهضت من نومها من في بكرة اليوم التالي، أحست أن أملا كبيراً يملأ قلبها، وأن رغبة ملحةً تسوقها إلى الصندوق كلما ابتعدت عنه؛ وحدثت زوجها بما تجد، فعللها هو الآخر بالآمال، وأخذ يهدئ من روعها الذي بدا اضطرابه بأحلى
стр. 8251
مظاهره. . . ودعاها إلى نزهة خلوية فأقسمت لا تغادر البيت، بل لا تغادر الغرفة التي تضم الصندوق الصغير، (الذي أحس أنه مغلق على قلبي ونفسي جميعاً. . .!) فرثى لها، وانطلق هو، لأول مرة منذ عرفها، وحده، ينام إخوانه الآلة ويلاعبهم؛ وبندورا، وحدها في مخدعها، تقلب الصندوق العجيب، وتتحدث إليه، كأنه يسمع ويرى.
وغبرت أيام وهي في حال من الهم لم تعهدها من قبل، وكانت تجلس وحدها حزينة كاسفة، تنتظر بشير الآلهة الذي يأذن لها بفتح الصندوق. . . ولكن هيهات!. . . لقد طال ما انتظرت حتى نفذ صبرها وعيل، ونهضت إلى الصندوق تقلبه، وتقلبه، وهي مأخوذة بجمال صنعه، ودقة زخرفته، وهذا الغطاء المزركش الذي انغلق على آمالها وأحلامها. . .
وحاولت أن تفتحه، ولو أغضبت بذلك السماء ومن فيها من آلهةٍ وأرباب، ولكنها فشلت غير مرة، وضاقت بها الدنيا بما رحبت؛ فدفعت بالصندوق دفعة قوية على أديم الغرفة، فانصدع، ولما تناولته ثانية، هالها أن وجدت بعض أربطة الغطاء قد تقطعت، ثم هالها أكثر أن تسمع هذه الأصوات، منطلقة من الداخل:
(بندورا! بندورا! بندورا العزيزة! حنانيك! خلصينا من هذا السجن السحيق! إننا نتعذب هنا. . . أنقذينا يا بندورا فقد ضقنا بما نحن فيه. . . إننا لم نصنع شئياً حتى نرسف في هذا الحيز الضيق. . .).
(ماذا؟. . .
ما الذي يتحدث هكذا في هذا الصندوق. . .؟ إنها أصوات حزينة ملكومة، وإني لابد منقذتها! ماذا أنتظر؟ أمر السماء! هذا لا يهم!!
أنفتح أيها الغطاء. . .!)
وضغطت الصندوق ضغطة هائلة فانفتح الغطاء؛ وسرعان ما انطلقت خفافيش سوداء ذات مخالب حادة فملأت هواء الغرفة، وأهوت على بندورا المسكينة تعضها وتجرح بدنها الغض، وكلما وخزها خفاش لعين، انطلق قائلاً: (أنا المرض!) ويقول آخر: (أنا الفقر!) ويقول ثالث: (أنا الجوع!). ويقول رابع: (أنا البخل!). وخامس: (أنا القحط). وسادس: (أنا النفاق!) وسابع. . وثامن. . . إلى آخر الرذائل التي تكظ الحياة إلى يومنا هذا؟!. . .
وانطلقت الخفافيش من الغرفة إلى القصر، فجرّحت الخدم والخول ثم انطلقت إلى الحديقة.
стр. 8252
والى الطريق حيث كان ابيمثيوس وأقرانه الآلهة، فأوسعتهم عضاً وقضماً وتجريحاً. وتركتهم يترنحون من الألم، وذهبت تفسد في الأرض، وتنتقم لزيوس الجبار من عباد بروميثيوس المخلصين، فكثرت الآلام، وعم الفقر، وامتلأت الأرض رذائل وأشجاناً!!. . .
وكانت بندورا قد أسرعت إلى الصندوق فأغلقته، حين رأت من أمر هذه الخفافيش ما رأت.
ولكن: وا أسفاه!!
إنها حين أغلقت الصندوق، حبست فيه الروح الطيب الوحيد، الذي خبأه فيه زيوس. . . ألا وهو: (روح الأمل!).
وانبطحت بندورا على أرض الغرفة تئن وتتوجع، وتشكو البرح الذي ألم بها، حتى أقبل ابيمثيوس فانبطح إلى جانبها يشكو شكاتها، ويتألم آلامها. . .
ولبثا يبكيان. . .
وكلما حدثته بندورا حديث الصندوق، تسخط الإله التعس وتبرم، وحدجها بنظرة فاترة، قائلاً: (نصحتك فلم تصيخي. . .!).
وسمعا صوتاً ضعيفاً في الصندوق يقول: (بندورا! بندورا! لماذا حبستني هنا وحدي، وأنا روح الخير. . . افتحي. . . افتحي. . . إني سأشفيك من جراحك، وآسو آلامك وأوجاعك. . . افتحي. . .).
ولكن بندورا كانت في شغل بآلامها فلم تنهض ولم تجب، ولكن ابيمثيوس تناول الصندوق ففتح غطاءه، فانطلق فراش أبيض جميل، وهو روح الأمل، ما فتئ يرف بكل جرح من جراحات الزوج حتى شفاها جميعاً؛ ثم شفى جراح الزوجة كذلك، وانطلق إلى عباد بروميثيوس يشفيهم ويأسو جراحهم؛ وما فتئ إلى اليوم، هذا الفراش الأبيض الجميل، روح الأمل، يشفي أوجاع المحزونين والملكومين.
بورك الفراش الأبيض!
ولا بوركت خفافيشك السوداء يا بندورا!
دريني خشبه
стр. 8253
البريد الأدبيّ
الذكرى الخمسون لفكتور هوجو
في ٢٢ مايو سنة ١٨٨٥ توفي فيكتور هوجو الشاعر والكاتب الفرنسي الأشهر، ومحيى روح المذهب الابتداعي (الرومانتزم) في الأدب الفرنسي في أواخر القرن الماضي؛ وكانت الدوائر الأدبية الفرنسية تستعد منذ حين للاحتفال بمرور الذكرى الخمسين على وفاته؛ وقد بدأت هذه الاحتفالات التذكارية منذ ١٩ مايو الجاري في باريس على أن تستمر شهراً يسمى بشهر (فكتور هوجو)؛ وكانت فاتحة هذه الاحتفالات في قصر (التريكاديرو) الشهير، وهنالك اجتمع جمهور كبير من الكتّاب والشعراء والأساتذة والطلبة للاحتفاء بذكرى الشاعر الأشهر؛ وفي اليوم التالي، أعنى في يوم ٢٠ منه، أفتتح في المكتبة الوطنية معرض كبير خاص بهوجو، وعرض فيه كلُّ ما يتعلق بالشاعر من الآثار والذكريات من مخطوطات ورسائل بخطه، وصور له في بعض أدوار حياته لم تنشر من قبل، وصورة رائعة (لجان فالجان) بطل (البؤساء) وهو أمام محكمة الجنايات، وصورة لهوجو وهو على سرير موته، وعدة رسوم مختلفة من رسم الشاعر نفسه، إذ المأثور عنه أنه كان يلهو بالرسم عن التفكير وقت الكتابة، وغير ذلك من التحف الفنية التي احتشدت الجماهير لرؤيتها.
وفي يوم ٢٢ مايو، وهو اليوم الذي توفي في مثله الشاعر منذ خمسين عاماً افتتحت الاحتفالات الرسمية بحفلة أقيمت في (البانثيون) (مدفن العظماء)، حيث ترقد رفات الشاعر، شهدها رئيس الجمهورية ووزير المعارف، وأعضاء الأكاديمية، وعدد كبير من الكتّاب والشعراء والفنانين، وألقيت الخطب والتحيات المناسبة.
وهذا تستمر الاحتفالات الرسمية وغير الرسمية مدى شهر كامل، ومنها احتفال في مجلس الشيوخ، واحتفالات في دار (الكوميدي فرانسيز) تشمل تمثيل بعض قطع الشاعر مثل (هرماني) و (ماريون دي لورم)، واحتفال آخر يقام في المنزل الأثري الذي كان يقيم فيه الشاعر في ميدان (اثموج)، واحتفالات رسمية أخرى في مدينة (بيزانصون) مسقط رأسه.
وسنعود في فرصة أخرى إلى ترجمة الشاعر ودرس آثاره.
عيد الفن في روسيا
طغت الثورة السياسية والاجتماعية التي شهرها البلاشفة على المجتمع القديم على كلُّ شيء
стр. 8254
في حياة روسيا القديمة؛ ولكن شيئاً واحداً لم يتأثر بهذه الحرب الهدامة، هو الفن، فالفن ما زال في روسيا السوفيتية محتفظاً بتراثه القديم، بتطور ويتقدم في جو سلمي هادئ، بل لقد كان الفن من نواحي الحياة التي شملتها الثورة البلشفية بالعطف والحماية، فأسبغت عليه حكومة الثورة كلُّ تشجيع ومؤازرة؛ وقد لقي الفن في ظل البلشفية عهده الزاهر؛ وشمل هذا التشجيع كلُّ ضروب الفن الجميل من التصوير والنحت والموسيقى والمسرح، وغدت موسكو كعبة الفن الرفيع وملاذاً لأقطاب الفنانين؛ ولكن لننجراد عاصمة روسيا القديمة ما زالت كما كانت في عهد القياصرة ملاذاً للفنون، وما زالت عاصمة روسيا الفنية.
وقد رأت حكومة موسكو أخيراً أن تقيم عيداً عظيماً للفن في لننجراد، وسيبدأ هذا العيد من أول يونيه القادم ويستمر إلى العاشر منه، وستقام حفلات مسرحية باذخة ينظمها معهد الموسيقى الشهير في لننجراد في يومي أول ورابع يونيه، وتعزف فيها روائع الأوبرات والقطع الخالدة، وتمثل عدة روايات شهيرة روسية وأجنبية، من شكسبير إلى سكوثارفسكي وغيرهم. وفي نفس الوقت تفتح متاحف لننجراد الشهيرة أبوابها للزائرين، وتعرض أبدع الأشرطة السينمائية التي أخرجها الفن السوفيتي، وقد منحت السلطات السوفيتية تسهيلات عظيمة للزائرين في أجور النقل وغيرها.
والمفهوم أن هذا العيد إذا انتهى بنجاح، فأن حكومة موسكو تنوي أن تجعله عيداً دورياً، وأن تقيم للفن في لننجراد مواسم عظيمة أسوة بمدن الفن العظيمة الأخرى، مثل سالزبورج في النمسا، وبايرويت في ألمانيا وغيرهما.
كتاب عن نابوليون الثاني
صدر أخيراً كتاب عن (نابوليون الثاني) بقلم الكاتب الفرنسي رنيه درفيل. ونابوليون الثاني هو كما نعلم ابن نابوليون الأول من زوجته الثانية ماري لويز، وهو المعروف بملك رومه، (والنسر الصغير) وأخيراً بدوق ريخشتات. وليس في حياة هذا الأمير الذي عاش وتوفي في ظروف مؤلمة ما يستحق الذكر من الوجهة التاريخية؛ فقد أخذته والدته ماري لويز طفلاً إلى فينا، وهنالك ربي تربية نمسوية، واحتجزه البرنس ماترنيخ رئيس الحكومة النمسوية، وفرض عليه نوعاً من الحراسة، لكي يبقى رهينة بيد النمسا؛ وقطع في فينا حياة أليمة مؤثرة يكدر صفاءها السقم والمرض؛ ثم أصابه السل حدثاً، وبعثه إلى القبر في ربيع
стр. 8255
الحياة؛ وكانت حياة (النسر الصغير) مأساة أثارت كثيراً من قريض الشعراء، وخيال القصيين؛ ولكن الاهتمام بتدوين حياته من الوجهة التاريخية لم يظهر إلا في العصر الأخير، حينما نشرت مذكرات (الدوق ريخشتات) (النسر) وكشفت عن كثير من دخائل هذه الحياة المؤثرة، وليس في كتاب رنيه درفيل جديد في حياة النسر الصغير، ولكنه من الكتب التاريخية القليلة التي دونت عن هذه الحياة.
الكولونيل لورنس
توفي في الأسبوع رجل يرتبط أسمه أشد الارتباط بتاريخ الثورة العربية، هو الكولونيل توماس لورنس، والذي يهمنا في هذا المقام هو ناحيته الأدبية، فقد كان لورنس أديباً ومستشرقاً وأثرياً معروفاً. وكان مولده سنة ١٨٨٨ في كارنارفون شير (إنكلترا)، وتلقي تربية جامعية حسنة، وبدأ حياته العملية بالاشتغال بالتنقيب الأثري مع العلامة الشهير فلندرزبتري في مصر وسينا منذ سنة ١٩١٠، ولما نشبت الحرب الكبرى أرسلته السلطات البريطانية إلى القاهرة في سنة ١٩١٦ ليتصل بزعماء العرب، ويعمل معهم لتنظيم ثورة عربية على الترك، فسافر لورنس إلى الحجاز وقام بمهمته خير قيام، واشتغل بالتعاون مع الأمير فيصل (المرحوم الملك فيما بعد)؛ ونثر الأعطية على البدو، وجمع قوات لا بأس بها، وخرب مواصلات الترك، ومهد الظفر لقوات الماريشال اللنبي، وسقوط فلسطين وسوريا في يد الإنكليز. ولما انتهت الحرب تظاهر لورنس بالعطف على العرب ومشاركتهم في السخط على السياسة الإنجليزية لأنها نكثت بوعودها للعرب، ونزل عن ألقابه ورتبه العسكرية، واشتغل عاملاً بسيطاً بالطيران المدني باسم جديد هو (شو)؛ ومن ثم كان اللقب الذي خلع عليه من بعض العرب الحسني الظن وهو (صديق العرب).
والواقع أن لورنس لم يكن صديقاً للعرب، وإنما كان طليعة الاستعمار البريطاني وأداته النافذة في جزيرة العرب، وهو الذي مهد لتمكين النير الإنكليزي منها باسم العمل لتنظيم الثورة العربية وإنشاء دولة عربية مستقلة؛ وكان كمعظم أقرانه طلائع الاستعمار يستتر بالأثواب والمظاهر المعروفة؛ حب الإسلام والعروبة، والاستشراق، والعطف على مجد العرب.
وكان لورنس مع ذلك مستشرقاً أدبياً، وقد ترك عدة آثار قيمة، منها (سبعة عمد من الحكمة)
стр. 8256
وهي دراسات وصور وصفية للقاهرة وإزمير واستنبول وحلب ودمشق والمدينة. والثورة في الصحراء وهي قصة بديعة لأدوار الثورة العربية، وفيها يكشف عن كثير من أسرارها.
وفاة كاتب نمسوي كبير
من أنباء النمسا الأخيرة أن الكاتب القصصي النمسوي الكبير أميل أرثل قد توفي في جرائر في الثالثة والسبعين من عمره. وقد ولد أرثل في فينا وربى بها، ولكنه ذهب إلى جزائر منذ فتوته، وتولى هنالك إدارة مكتبة المدرسة العليا للفنون، وهنالك انقطع لدرس الأدب، وتوثقت صداقته مع الكاتب الشهير بيتر روزيجر وحلقته، وأصدر عدة كتب نقدية وقصص لها المقام الأول في الأدب النمساوي الحديث.
إحياء ذكرى المتنبي في الجامعة الأمريكية ببيروت
جاءنا من بيروت أن (جمعية العروة الوثقى) ستقيم في الجامعة الأمريكية حفلة لأحياء ذكرى المتنبي بمناسبة مرور ألف عام على وفاته، وذلك في الساعة الخامسة بعد ظهر الأحد الموافق ٢ يونيو ١٩٣٥ في القاعة الكبرى من الجامعة.
وسيشترك في الحفلة أكثر الأقطار العربية، فيتكلم فيها الدكتور حسين هيكل عن (مصر)، والأستاذ معروف الرصافي عن (العراق)، والأستاذ معروف طوقان عن (فلسطين)، وفؤاد باشا الخطيب عن (شرق الأردن)، والأستاذ الكيالي عن (حلب)، والأستاذ شفيق جبري عن (دمشق)، والأستاذ فؤاد البستاني، وأنيس المقدسي عن (بيروت).
تنقية اللغة الإيرانية من الألفاظ الدخيلة
عقد المؤتمر اللغوي في طهران ثلاث جلسات إلى الآن، وقد وضع كلمات إيرانية بدلاً من كلمات عربية وأجنبية، وسيذيعها في الصحف بعد شهر لتصقلها الألسنة والأقلام، والمعروف في الأندية العلمية أن المؤتمر متردد في ترك الحروف العربية إلى حروف أخرى، ففريق من أعضائه يريد استعمال البهلوية، وآخرون يريدون الحروف اللاتينية، ويظهر أن الشاه لا يرغب في إملاء إرادته في هذا الشأن ويفضل أن يترك البت في حل هذه المسألة إلى رجال العلم والأدب.
стр. 8257
اكتشاف أثر مصري في إنكلترا
كتب أحد المراسلين إلى جريدة الديلي تلغراف يقول إن المتحف البريطاني تمكن من الحصول على تمثال من الرخام الأسود المصري بدون رأس يرجع إلى عهد البطالسة، ولكن لهذا التمثال أهمية مخصوصة لأنه وجد في هايس من مدلكس في إنكلترا على أعماق ٨ أقدام أو ٩، حيث كان مدفوناً بين الحصى تحت طبقة كثيفة من الصلصال.
وقد قيل في تعليل وجوده هناك إن بعض محبي الآثار ابتاعه ثم رماه غير حافل به. لكن العمق الشديد المدفون فيه ينقض هذا التعليل.
وقد سبق أن وجدت آثار مصرية صغيرة متعددة في إنكلترا ولكن لم يوجد حتى الآن أثر بهذا الحجم الضخم الذي يستحيل وروده إلى إنكلترا بالطرق التجارية القديمة.
مسكوكات عربية قديمة ضربت في عهد الدولتين الأموية
والعباسية
حصلت إدارة المتحف العراقي قبل مدة على عدد من المسكوكات القديمة كانت في حيازة بعض الرعاة، وهذه المسكوكات وجدت في تلول كشكوبل علي باشا التابعة إلى ناحية قره تبه، وبعد دراسة المتحف لها تبين أنها مسكوكات عربية (ما عدا قطعة واحدة ساسانية) وأن تواريخ هذه المسكوكات تختلف ما بين عام ١٢٢و١٧١ للهجرة، وفيما يلي تواريخ هذه النقود:
أربع قطع باسم هشام بن عبد الملك، وضرب واسط، سنة ١٢٢و١٢٤هـ، قطعتان باسم الوليد الثاني بن يزيد الثاني، ضرب واسط، سنة ١٢٥هـ، ثلاث قطع بأسم إبراهيم الأول بن الوليد الأول، ضرب واسط سنة ١٢٦هـ، أربع قطع باسم مروان الثاني بن محمد، واحدة في البصرة سنة ١٢٨هـ، والباقي واسط سنة ١٢٩و١٣٠هـ، ست قطع باسم السفاح، أربع من ضرب الكوفة في ١٣٢و١٢٣و١٣٦هـ واثنان من ضرب البصرة في ١٣٣و١٣٥هـ، أربعون قطعة باسم أبي جعفر المنصور. إحدى عشرة من ضرب الكوفة في ١٣٧، ١٢٩، ١٤١، ١٢٤٢، ١٤٤، ١٤٧هـ، وخمس من ضرب البصرة في ١٣٧، ١٣٩، ١٤٠، ١٤٥هـ، واثنتان وعشرون من ضرب مدينة السلام في ١٥٠، ١٥١،
стр. 8258
١٥٢، ١٥٤، ١٥٥، ١٥٦، ١٥٧، ١٥٨هـ، واثنتان من ضرب المحمدية في ١٥٠، ١٥٤هـ، ستة وأربعون باسم المهدي، ثلاثون من ضرب مدينة السلام في ١٥٩، ١٦٠، ١٦١، ١٦٢، ١٦٣، ١٦٤، ١٦٥، ١٦٦، ١٦٧، ١٦٨هـ، وثمان من ضرب المحمدية في ١٦٠، ١٦١، ١٦٥، ١٦٦، ١٦٨، ١٦٩هـ، وثلاث من ضرب البصرة في ١٦٠، ١٦٢، ١٦٦هـ، وثلاث من ضرب حبي في ١٦٢، وواحدة من ضرب كرمان في ١٩٦هـ، وواحدة من ضرب المنصورية ١٦١هـ، باسم محمد بن سليمان والي البصرة. قطعة واحدة باسم الأمير هارون في عهد الهادي، من ضرب اليمامة في ١٧٠هـ، قطعة واحدة باسم الخليفة هارون الرشيد، من ضرب المحمدية في ١٧١هـ قطعة واحدة باسم الأمير الأمين في عهد هارون الرشيد، من ضرب المحمدية سنة ١٧١هـ.
стр. 8259
الكتب
الأوشال
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
بين يدي الآن الديوان الخامس من شعر الأستاذ الزهاوي الذي فاضت به قريحته الخصبة في الأيام القريبة، والذي شاء له تواضعه أن يسميه (الأوشال) بينما تزخر صفحاته التي تربو على الثلاثمائة صفحة بالقصائد الغر في شتى الموضوعات ومختلف الفنون.
قلب صفحات هذا الديوان يتولك الدهش من ذلك النشاط الذهني العجيب، إذ ينتقل بك الزهاوي من العراق إلى مصر، ومن مصر إلى سوريا، تارة صادحًا وتارة نائحًا، وطوراً حافزاً إلى المجد قومه، أو ناعياً عليهم تقاعدهم، وأحياناً تراه يرسم لهم سبل النجاح، ويدلهم على ما يرقي بهم إلى العلى، هذا ولا تنسى نزعته الفلسفية وصفاء ذهنه إذا اتجه في شعره إلى وصف الحياة وآلامها وما وراء الحياة من عالم الغيب، والنفس البشرية وما ركب في طباعها من ميول، والمجتمع الإنساني وما يجول فيه من نزعات أو يختلج من مشاعر. وانك لتجد الزهاوي إلى جانب ذلك يضع الأناشيد ويحكم صوغها، ثم تراه يعتمد إلى الوصف فيأتي به متنوعاً يوائم تقدم العصر ويسايره مستحدثاً، فهو يصف لك كمنجة الشوا، وألحان عبد الوهاب، وترانيم أم كلثوم، ويصف لك جمال الطبيعة في العراق أرضه وسمائه. أما مرايته فيتدفق فيها الشعر تدفقاً مدهشاً، فهو لا يكتفي مثلاً إلا بقصيدتين في رثاء شوقي، ثم هو يرثي أديسون ويتفجع على العلم من بعده، بله أعلام الشرق حديثهم وقديمهم. وجملة القول أن الزهاوي على الرغم من شيخوخته فياض المعاني، تواتيه قريحته في سهولة ويسر بكل ما يختلج في نفسه أو يجول في رأسه، فهو بحق فتى الشيوخ، وما أظنك لو طلعت على ديوانه غفلاً من أسمه كنت تصدق أنه ديوان شاعر اجتاز مرحلة الشباب.
أما عن شعره، فيكفي أن نقول هنا لضيق المجال، إن آثار الزهاوي قد أصبحت في ذاتها ناحية هامة من نواحي الحركة الفكرية العصرية، وسوف يكون لها فصل مستقل في تاريخ الأدب المعاصر، وما أظنني أستطيع أن أوفى شعر هذا الديوان ما هو جدير به من الدرس والتحليل في عجلة كهذه، ولعلي أعود تلك الدراسة في فرصة قريبة، مكتفياً الآن بتقديم
стр. 8260
تحياتي إلى الشاعر الكبير.
الخفيف
стр. 8261
جولة أثرية في بعض البلاد الشامية
بقلم أحمد وصفي زكريا
شاء لي حسن الحظ أن أهبط يوماً دار صديقي المصور الفنان النابغ الأستاذ شعبان زكي بالمطرية، فلم تكد عيني تقع من الجدر على ما زينها به صاحبها من آيات الفن الرائعة حتى أحسست في أعماق النفس غبطة ونشوة، وكأنما سمعت حينئذ صوتاً يجلجل في أغوار الضمير يصيح بي: مصر العزيزة كنانة الله في أرضه!! ومبعث هذا الصوت وذلك الإحساس هو أني رأيت بلادي داخل الأطر وقد ألبسها الفنان زخرفاً وزينة لم يكن لي بهما عهد من قبل. . . قال لي الأستاذ: ذلك مبدئي وهو أن يأخذ الفنان بأيدي الناس حتى يضع أصابعهم على مواضع الجمال من بلادهم، فأن وفق كانت لنا وطنية تشتعل في الصدور، فأصل الوطنية حب الوطن، وباعث حب الوطن إحساس بجماله. قلت: والله ما أجمل أن يكون هذا وسيلة الفنون جميعاً، تصويراً وكتابة وشعراً وموسيقى.
ومنذ ذلك اليوم رسخ في نفسي مذهب مصورنا الفنان، وتمنيت أ، يكون لنا بين الكتّاب والشعراء من يضعون لنا بلادنا تحت أبصارنا وأسماعنا تستهوي الألباب فتدفع الأفئدة إلى الفتنة والهيام ثم إلى العبادة والتفاني
ذكرت ذلك كله عندما أخذت أتصفح هذا الكتاب القيم الجليل، الذي نقدمه الآن إلى القراء، فهو كما ترى من عنوانه جولة في بعض البلاد الشامية، وصفت وصفاً دقيقاً بارعاً، فلا تقرأ من الكتاب جزءاً إلا وقد ارتسمت في ذهنك له صورة قوية رائعة كأنما جاءتك من رؤية العين، بل إن الكثرة الغالبة من الأعين لتمر مر الكرام على أغلب ما تقع عليه مما لا يفوت الأستاذ المؤلف منه شيء؛ فما أحوجنا في الحق إلى مطالعة بلادنا بأقلام الكاتبين، إذ الحقيقة المرة هي ما يصفها المؤلف في مقدمة الكتاب بقوله: (فقد كنت وأنا أتوغل في هذه الأبحاث أرى بكثير من الأسف أن جل مثقفينا ومفكرينا لا يعرفون من شؤون مساقط رؤوسهم وجغرافيتها وتاريخها القديمين والحديثين ولا من بقاعها ومصانعها الأثرية ومفاخرها التليدة ومدافن رجالاتها البارزة وتراجمهم قدراً كافياً. . .).
وقد رجع المؤلف فضلاً عن المشاهدة إلى عشرات من أوثق المصادر، وإن نظرة عجلى لتكفي للدلالة على ذلك المجهود الجبار الذي أنفقه الأستاذ المؤلف في هذا السفر الجليل:
стр. 8262
(ومعظم هذه الأوصاف مما رأيته بعيني وتحققته بنفسي أو بالوساطة الوثيقة على عسرة نواله، أو مما عثرت عليه فيما ظفرت به من الكتب الجغرافية والتاريخية والرحلات القديمة والحديثة العربية والتركية والإفرنجية على تفرقة في تضاعيف السطور. فجاء الكتاب وافياً على ما أظن ببعض حاجة من يقدر هذه الأبحاث قدرها ويعرف مبلغ التعب والنشب اللذين تتطلبهما. . .).
الحق الذي لا ريب فيه أنه كتاب تفتقر إليه المكتبة العربية افتقاراً شديداً، وإننا لننتهز الفرصة لنتقدم مخلصين إلى المؤلف بكل إعجاب وتقدير.
ويقع الكتاب في نيف وأربعمائة صفحة من القطع المتوسط، وهو فوق ذلك كله أنيق طبعاً وورقاً وذوقاً.
زكي نجيب محمود
стр. 8263
شرح ديوان علقمة الفحل
- عمل السيد أحمد صقر خاتم النبيين -
تأليف عبد الغفار الجيار
أما شرح ديوان علقمة الفحل فهو عمل أدبي أضطلع به شاب ناشئ هو الأديب سيد أحمد صقر من طلاب القسم الثانوي بالجامعة الأزهرية، فأخرج لنا ديوان علقمة في طبعة أنيقة تقع في ثمانين صفحة من القطع الكبير، ولقد صدره بمقدمة جيدة في حياة علقمة ورحلته إلى الشام وآراء الأدباء في شعره، ثم قام بشكل شعره وضبطه، وشرح مفرداته في ذيل كلُّ صفحة، ولعل اختياره علقمة دون سواه راجع إلى شغفه بشعره، فهو يحدثنا أنه (طحابه في علقمة قلب نابض كله صوغ قريضة وجشمه تبيان غريبة فشرع ينقب درره المتناثرة حتى جمعها ونظمها في هذا العقد).
وأنا مع شأني على نشاطه الأدبي أحب أن أصارحه بأنني لا أميل كثيراً إلى هذا النوع من الشرح الذي يقف عند المعاجم والإتيان بالمرادفات، وخير ما يعمله الأديب في رأيي وبخاصة إذا كانت تحدوه عاطفة الحب والإعجاب كما هو الحال في موقف صاحبنا من علقمة؛ أن يبين لنا جمال شعر الشاعر ومقدرته على التعبير عما في نفسه ومقدار ما في شعره من قوة وعذوبة، وبذلك يكون لعمله من القيمة أكثر مما لو أقتصر على شرح المفردات، على أنها باكورة طيبة أكبر ظني أن ستعقبها خطوات موقفه في خدمة الأدب. كذلك يجدر بمثل أحمد صقر أن يضرب صفحاً من الآن عن تلك (التقاريظ) التي ذيل بها كتابه، والتي لا نرى فيها إلا غلواً يسئ إلى الحقيقة بقدر ما يسئ إلى الأدب.
يأتي بعد ذلك كتاب خاتم النبيين ويقع في نحو مائة وسبعين صفحة كبيرة طبع طبعاً جيداً على ورق متين، ويدور حول حياة النبي العربي محمد ﷺ وشريعته، ولقد سار فيه على طريقة طريفة ارتحت إليها كثيراً، فبعد أن سرد في إيجاز حياة الرسول، عمد إلى توضيح بعض المسائل والعقائد بأن يذكر الموضوع، ثم يعرض في إيجاز ما كان يدور في خلد العرب عنه، وبعد ذلك يأتي بالآيات أو الأحاديث التي تبين ما أحدثه الإسلام في تلك المسائل في ترتيب ووضوح يبعدان السأم عن كتابه، ولقد يضطر إلى شيء من الإفاضة فيأتي به بين حين وآخر تحت عنوان على الهامش، وقد استطاع بذلك أن يجتذب
стр. 8264
القارئ إلى كثير من المسائل الدقيقة دون أن يشعره بملل أو يجعل للفتور سبيلاً إليه، وهي طريقة جديرة بالثناء والتقدير.
الخفيف
стр. 8265
العدد ١٠٠ - بتاريخ: ٠٣ - ٠٦ - ١٩٣٥
следующие страницы →