← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.

стр. 8261

جولة أثرية في بعض البلاد الشامية بقلم أحمد وصفي زكريا شاء لي حسن الحظ أن أهبط يوماً دار صديقي المصور الفنان النابغ الأستاذ شعبان زكي بالمطرية، فلم تكد عيني تقع من الجدر على ما زينها به صاحبها من آيات الفن الرائعة حتى أحسست في أعماق النفس غبطة ونشوة، وكأنما سمعت حينئذ صوتاً يجلجل في أغوار الضمير يصيح بي: مصر العزيزة كنانة الله في أرضه!! ومبعث هذا الصوت وذلك الإحساس هو أني رأيت بلادي داخل الأطر وقد ألبسها الفنان زخرفاً وزينة لم يكن لي بهما عهد من قبل. . . قال لي الأستاذ: ذلك مبدئي وهو أن يأخذ الفنان بأيدي الناس حتى يضع أصابعهم على مواضع الجمال من بلادهم، فأن وفق كانت لنا وطنية تشتعل في الصدور، فأصل الوطنية حب الوطن، وباعث حب الوطن إحساس بجماله. قلت: والله ما أجمل أن يكون هذا وسيلة الفنون جميعاً، تصويراً وكتابة وشعراً وموسيقى. ومنذ ذلك اليوم رسخ في نفسي مذهب مصورنا الفنان، وتمنيت أ، يكون لنا بين الكتّاب والشعراء من يضعون لنا بلادنا تحت أبصارنا وأسماعنا تستهوي الألباب فتدفع الأفئدة إلى الفتنة والهيام ثم إلى العبادة والتفاني ذكرت ذلك كله عندما أخذت أتصفح هذا الكتاب القيم الجليل، الذي نقدمه الآن إلى القراء، فهو كما ترى من عنوانه جولة في بعض البلاد الشامية، وصفت وصفاً دقيقاً بارعاً، فلا تقرأ من الكتاب جزءاً إلا وقد ارتسمت في ذهنك له صورة قوية رائعة كأنما جاءتك من رؤية العين، بل إن الكثرة الغالبة من الأعين لتمر مر الكرام على أغلب ما تقع عليه مما لا يفوت الأستاذ المؤلف منه شيء؛ فما أحوجنا في الحق إلى مطالعة بلادنا بأقلام الكاتبين، إذ الحقيقة المرة هي ما يصفها المؤلف في مقدمة الكتاب بقوله: (فقد كنت وأنا أتوغل في هذه الأبحاث أرى بكثير من الأسف أن جل مثقفينا ومفكرينا لا يعرفون من شؤون مساقط رؤوسهم وجغرافيتها وتاريخها القديمين والحديثين ولا من بقاعها ومصانعها الأثرية ومفاخرها التليدة ومدافن رجالاتها البارزة وتراجمهم قدراً كافياً. . .). وقد رجع المؤلف فضلاً عن المشاهدة إلى عشرات من أوثق المصادر، وإن نظرة عجلى لتكفي للدلالة على ذلك المجهود الجبار الذي أنفقه الأستاذ المؤلف في هذا السفر الجليل:

стр. 8262

(ومعظم هذه الأوصاف مما رأيته بعيني وتحققته بنفسي أو بالوساطة الوثيقة على عسرة نواله، أو مما عثرت عليه فيما ظفرت به من الكتب الجغرافية والتاريخية والرحلات القديمة والحديثة العربية والتركية والإفرنجية على تفرقة في تضاعيف السطور. فجاء الكتاب وافياً على ما أظن ببعض حاجة من يقدر هذه الأبحاث قدرها ويعرف مبلغ التعب والنشب اللذين تتطلبهما. . .). الحق الذي لا ريب فيه أنه كتاب تفتقر إليه المكتبة العربية افتقاراً شديداً، وإننا لننتهز الفرصة لنتقدم مخلصين إلى المؤلف بكل إعجاب وتقدير. ويقع الكتاب في نيف وأربعمائة صفحة من القطع المتوسط، وهو فوق ذلك كله أنيق طبعاً وورقاً وذوقاً. زكي نجيب محمود

стр. 8263

شرح ديوان علقمة الفحل - عمل السيد أحمد صقر خاتم النبيين - تأليف عبد الغفار الجيار أما شرح ديوان علقمة الفحل فهو عمل أدبي أضطلع به شاب ناشئ هو الأديب سيد أحمد صقر من طلاب القسم الثانوي بالجامعة الأزهرية، فأخرج لنا ديوان علقمة في طبعة أنيقة تقع في ثمانين صفحة من القطع الكبير، ولقد صدره بمقدمة جيدة في حياة علقمة ورحلته إلى الشام وآراء الأدباء في شعره، ثم قام بشكل شعره وضبطه، وشرح مفرداته في ذيل كلُّ صفحة، ولعل اختياره علقمة دون سواه راجع إلى شغفه بشعره، فهو يحدثنا أنه (طحابه في علقمة قلب نابض كله صوغ قريضة وجشمه تبيان غريبة فشرع ينقب درره المتناثرة حتى جمعها ونظمها في هذا العقد). وأنا مع شأني على نشاطه الأدبي أحب أن أصارحه بأنني لا أميل كثيراً إلى هذا النوع من الشرح الذي يقف عند المعاجم والإتيان بالمرادفات، وخير ما يعمله الأديب في رأيي وبخاصة إذا كانت تحدوه عاطفة الحب والإعجاب كما هو الحال في موقف صاحبنا من علقمة؛ أن يبين لنا جمال شعر الشاعر ومقدرته على التعبير عما في نفسه ومقدار ما في شعره من قوة وعذوبة، وبذلك يكون لعمله من القيمة أكثر مما لو أقتصر على شرح المفردات، على أنها باكورة طيبة أكبر ظني أن ستعقبها خطوات موقفه في خدمة الأدب. كذلك يجدر بمثل أحمد صقر أن يضرب صفحاً من الآن عن تلك (التقاريظ) التي ذيل بها كتابه، والتي لا نرى فيها إلا غلواً يسئ إلى الحقيقة بقدر ما يسئ إلى الأدب. يأتي بعد ذلك كتاب خاتم النبيين ويقع في نحو مائة وسبعين صفحة كبيرة طبع طبعاً جيداً على ورق متين، ويدور حول حياة النبي العربي محمد ﷺ وشريعته، ولقد سار فيه على طريقة طريفة ارتحت إليها كثيراً، فبعد أن سرد في إيجاز حياة الرسول، عمد إلى توضيح بعض المسائل والعقائد بأن يذكر الموضوع، ثم يعرض في إيجاز ما كان يدور في خلد العرب عنه، وبعد ذلك يأتي بالآيات أو الأحاديث التي تبين ما أحدثه الإسلام في تلك المسائل في ترتيب ووضوح يبعدان السأم عن كتابه، ولقد يضطر إلى شيء من الإفاضة فيأتي به بين حين وآخر تحت عنوان على الهامش، وقد استطاع بذلك أن يجتذب

стр. 8264

القارئ إلى كثير من المسائل الدقيقة دون أن يشعره بملل أو يجعل للفتور سبيلاً إليه، وهي طريقة جديرة بالثناء والتقدير. الخفيف

стр. 8265

العدد ١٠٠ - بتاريخ: ٠٣ - ٠٦ - ١٩٣٥

стр. 8266

مأساة الآثار المصرية اكتشفت أخيرا عدة حوادث جديدة تسربت فيها آثار مصرية إلى الخارج بطرق غير مشروعة، ومن ذلك مجموعات ثمينة من أوراق البردي المصري القديمة ظهرت في لندن وبرلين. ولتسرب آثارنا القديمة، أو بعبارة أخرى لسرقة آثارنا، حديث قديم مؤثر، فليس بين بلاد الأرض بلد نكب في آثاره كما نكبت مصر؛ ونكبتنا في آثارنا فادحة مضاعفة، لأن القدر شاء أن تتلقى مصر من أجيالها الغابرة المجيدة أقدم تراث أثري وأنفسه، ولأن هذا التراث مازال مطمع أنظار المتربصين من الهواة والعلماء. . ليس بين متاحف العواصم الأوربية الكبرى متحف لا يضم بين أبهائه مجموعة كبيرة من آثارنا المصرية؛ ففي لندن وباريس ورومة وفينا وبرلين وغيرها أقسام خاصة للآثار المصرية، ومن هذه الأقسام ما لا يقل كثيرا في ضخامته وتنوعه عن متحفنا المصري؛ هذا عدا المتاحف الامريكية، وعدا المجموعات الخاصة التي تسربت إلى أيدي الهواة. وإن المصري الذي يتاح له أن يزور هذه المتاحف ويرى كل هذا التراث المصري المنهوب يزين هذه الأبهاء الشاسعة كلها لتأخذه دهشة يمازجها الألم والحسرة لفداحة الخطب الذي نزل بتراثنا الأثرى. ومن الحقائق المؤلمة أن تكون مصر هي أول مسؤول عن هذا الخطب، وأن تحمل فيه اكثر تبعة؛ فهي التي أسلمت تراثها الأثرى منذ أواخر القرن الماضي إلى طائفة من البعثات الأجنبية تعمل في أرضنا باسم العلم والاستكشاف الاثري، ولكنها لم تكن دائما حريصة على مبادئ العلم ونزاهة العلم، ولم تكن بالأخص جديرة دائما بالثقة التي وضعت فيها، فلم ترع حرمة الأمانة والذمة، بل كانت تتربص دائما لما تعثر عليه من آثارنا، فتهرب منه إلى بلادها بمختلف الوسائل ما استطاعت، ثم تعود فتتقسم ما تعف عنه من البقية الباقية مع حكومتنا وتفوز دائما في ذلك بالنصيب الأوفر. ومصر هي التي وضعت لنفسها تلك اللائحة السخيفة التي تسمح للبعثات الأجنبية والمكتشفين الأجانب باقتسام آثارنا المكتشفة معنا؛ ومصر هي التي تقصر في حراسة

стр. 8267

مناطقها الأثرية؛ ومصر هي التي تسلم إدارة مصلحة الآثار والمتاحف المصرية إلى الأجانب، وهي التي لا تسمح لأولئك الأجانب بأن يعتقدوا أن هذا الأشراف على آثارنا ميراث لهم يدخل في منطقة نفوذهم وحقوقهم في بلادنا. لقد وقعت حوادث مثيرة في انتهاب الآثار المصرية كانت حرية أن تنبه الحكومة المصرية إلى خطورة هذا التقصير المؤلم؛ منها حادث تمثال الملكة نفرتيتي الذي يعتبر اجمل قطعة آثار في مصر القديمة، والذي استطاع عالم ألماني أن يستلبه بوسائل غير شريفة مازالت وصمة في جبين العلم الألماني؛ ومنها حادث أوراق البردي التي وجدت منذ أعوام في الفيوم وتسربت إلى متحف برلين ووجد أنها من انفس ما وجد من أوراق البردي القديمة، لأنها تحتوي على نصوص كاملة لبعض كتب ماني الفيلسوف الفارسي وصاحب المذهب المشهور؛ ومنها حادث أوراق البردي الأخيرة التي ظهرت في لندن؛ ومنها كثير غير ذلك مما لم يذع أمره. كل ذلك ونحن سكوت؛ نشهد هذا الانتهاب لآثارنا تحت ستار العلم والبحث لا ساخطين، ولكن مستسلمين؛ وإذا اهتمت حكومتنا فكل مظاهر اهتمامها أن تدعو لجنة الآثار لبحث الأمر، كما فعلت أخيرا؛ ثم يطوى أمر اللجنة وأمر الآثار. الواقع أنها مأساة، ومأساة أليمة لا تحتمل السكوت بعد؛ فإذا كانت مصر تحرص على آثارها حقا، وإذا كانت تريد أن تعتبر بالحوادث وأن تعمل لصون تراثها الاثري، فعليها أن تبادر قبل كل شيء إلى إلغاء هذه اللائحة الأثرية العتيقة التي تنص على اقتسام الآثار، وهو نص لا نظن له نظيرا في أي بلد متمدين يحرص على تراثه القومي، وان تستبدل بها لائحة جديدة تناسب روح العصر، وتكفل نصوصها المشددة صون الآثار المكتشفة وبقائها في مواطنها؛ وعليها بالأخص أن تحرم المباحث الأثرية على البعثات الأجنبية بعد أن أثبتت الحوادث منذ نصف قرن أن هذه البعثات هي أساس الشر، وأنها لم ترع حقوق الأمانة التي ألقيت إليها؛ ولتكن المباحث الأثرية في المستقبل مهمة حكومية أو مهمة جامعية تتولاها الحكومة أو الجامعة المصرية بمعاونة بعض الخبراء الأجانب الذين يعملون بإشراف الحكومة مدى حين، حتى يجيء الوقت الذي يستطيع الأخصائيون المصريون فيه أن يستأثروا بالبحث عن كنوز بلادهم، وهو فيما نعتقد غير بعيد.

стр. 8268

وليترك ولاة الأمر تلك النظرية العتيقة التي ترى في الأجانب وحدهم الأهلية لإجراء المباحث الأثرية، فقد دلت الاكتشافات الأثرية الباهرة التي وفق إليها الأساتذة المصريون في منطقة الأهرام وفي بعض مناطق الوجه القبلي بإشراف الجامعة المصرية على خطأ هذه النظرية المجحفة، وعلى أن الشباب المصري إذا مهدت له سبيل الدرس والتخصص استطاع أن يضطلع بجلائل البحوث والمهام. وليعمل ولاة الأمر أخيرا على انتزاع مصلحة الآثار والمتاحف المصرية من تلك الأيدي الأجنبية التي ما زال تراثنا يبدد في ظلها، ولتسلمها إلى الأيدي المصرية، فهي ابر بتراثها القومي واكفل بصونه وحمايته من عدوان الطامحين والمتربصين. (ع)

стр. 8269

٦ - الانتحار تتمة للأستاذ مصطفى صادق الرافعي قال المسيب بن رافع: وانفض مجلس الشيخ، ودرجت بعد أعوام في عدة شهور من حمل المرأة، بلغت فيها أمور الناس مبلغها من خير الدنيا وشرها، مما أعرف وما لا اعرف؛ ودخلت البصرة وأنا ومجاهد الأزدي، نسمع الحسن ونأخذ عنه؛ فإنا لسائران يوما في سكة بني سمرة، إذ وافقنا الفتى صاحب النصرانية مقبلا علينا، وكنا فقدناه تلك المدة، فأسرع إليه مجاهد فالتزمه وقال: مرحباً مرحباً بذي نسب إلى القلب؛ وسلمت بعده وعانقته؛ ثم اقبلنا نسأله، فقلت له: ما كان آخر أو لك؟ قال مجاهد: بل ما كان آخر أولها هي؟ فضحك الرجل وقال: النصرانية تعني؟ قال: نعم. قال: آخرها من أولها كهذا مني؛ وأومأ إلى ظله في الأرض ممدودا مشبوحاً مختلطا غير متميز؛ كأنه ثوب منشور ليس فيه لابسه، وكنا في الساعة التي يصير فيها ظل كل شيء مثليه فهو مزج المسخ بالمسخ. . قال مجاهد: ما أفظ جوابك وأثقله يا رجل؟ كأنك والله تاجر لا صلة له بالأشياء إلا من أثمانها؛ فنظره إلى فراهة الدبة من الدواب وإلى فراهة الجارية من الرقيق سواء: قال الرجل: فأنا والله تاجر، وأنا الساعة على طريق الإيوان الذي يلتقي فيه تجار العراق والشام وخراسان؛ وقد ضربت في هذه التجاراات وحسنت بها حالي وتأثلت منها؛ غير أن قلب التاجر غري التاجر، فليس يزن ولا يقبض، ولا يبيع ولا يشترى. أما (تلك) فأصبحت نسيانا ذهب لسبيله في الزمن! قال مجاهد: فكيف كنت تراها وكيف عدت تنظر إليها؟ قال: كنت انظر إليها بعيني وأفكاري وشهواتي؛ فكانت بذلك اكثر من نفسها ومن النساء، وكانت ألونا ألوانا ما تنقضي؛ فلما دخل بيني وبينها الزمن والعقل، أبعدها هذا عن قلبي وأبعدها ذاك عن خيالي؛ فنظرت إليها بعيني وحدهما، فرجعت امرأة ككل امرأة؛ وبنزولها من نفسي هذه المنزلة، رجعت اقل من نفسها ومن النساء، وهذه القلة فيما عرفت لا تصيب امرأة عند محبها إلا فعلت بجمالها مثل ما تفعله الشيخوخة بجسمها، فأدبرت به ثم أدبرت

стр. 8270

واستمرت تدبر! وأنت إذا أبصرت امرأة شيخة قد ذهبت التي كانت فيها. . وأخطرت في ذهنك نية مما بين الرجال والنساء، فهل تراك واجدا للشهوة والميل، إلا النفرة والمعصية؟ إن هذا الذي كان الحب والهوى والعشق، هو بعينه الذي صار الإثم والذنب والضلالة! قال مجاهد: كأنك لما ذهبت تقتل نفسك من حبها قتلتها هي في نفسك؟ قال: يا رحمة قد رحمت بها نفسي يومئذ! أما والله إن الذي يقتل نفسه من حب امرأة لغبي. ويحه! فليتخلص من هذا الجزء من الحياة لا من الحياة نفسها. وقد جعل الله للحب طرفين: أحدهما في اللذة، والآخر في الحماقة؛ ما منهما بد. فهذا الحب يلقي صاحبه في الأحلام ويغشى بها على بصره، ثم إن هو اتجه بطرفه السعيد إلى حظه المقبل واتفقت اللذة للمحب - أيقظته اللذة من أحلامه؛ وإن اتجه الحب بطرفه الشقي إلى حظه المدبر وقعت الحماقات فنونا شتى بين الحبيبين، وفعلت آخراً فعل اللذة فأيقضت العاشق من أحلامه أيضاً. وهذا تدبير من الرحمة، في تلك القسوة المدمرة المسماة الحب. أفلا يدل ذلك على أن اللذة وهم من الأوهام مادام تحققها هو فناءها؟ خذ عني يا مجاهد هذه الكلمة: (ليس الكمال من الدنيا ولا في طبيعتها، ولا هو شيء يدرك، ولكن من عظمة الكمال أن استمرار العمل له أو إدراكه) قال مجاهد: لقد علمت بعدنا علما، فمن أين لك هذا، وعمن أخذت؟ قال: عن السماء؟ قال: ويلك! أين عقلك، فهل نزل عليك الوحي؟ قال الرجل: لا، ولكن تعاليا معي إلى الدار فأحدثكما قال المسيب: وذهبنا معه؛ فآتينا بطعام نظيف فأكلنا، وأشعرتنا الدار أن ربها قد وقع فيما شاء من دنياه وتواصلت عليه النعمة؛ فلما غسلنا أيدينا قال مجاهد: هيه يا أبا. . يا أبا من؟ قال: أبو عبيد. قال: هيه يا أبا عبيد. . ففكر الرجل ساعة ثم قال: عهد كما بي منذ تسع في مجلس الإمام الشعبي بالكوفة؛ وقد كنت في بقية من النعمة أتجمل بها، وكانت تمسكني على موضعي في أعين الناس؛ فما زالت تلك البقية تدق وتنفض حتى نكد عيشي ووقعت في الأيام المقعدة التي لا تمشي

стр. 8271

بصاحبها، وانقلب الزمن كالعدو المغير جاء ليصطلم ويخرب ويفسد، فأثر في اقبح آثاره، فبعت ما بقي لي وتحملت عن الكوفة إلى البصرة، وقلت: إن لم تتغير حالي تغيرت نفسي، ولا أكون في البصرة قد انتهيت إلى الفقر، بل أكون قد بدأت من الفقر كما يبدأ غيري، وأدع الماضي في مكانه وامضي إلى ما يستقبلني. فالتمست رفقة فالتأمنا عشرين رجلا، فلما كنا في الطريق، سلبنا اللصوص وحازوا القافلة وما تحويه، ونجوت أنا راكبا فرسي وعمري، وأدركت حينئذ أن الحياة وحدها ملك عظيم، وأنها هي الأداة الإلهية، والباقي كله هو من أنفسنا لأنفسنا والأمر فيه هين والخطب يسير. وقلت: لو أن اللصوص قد مروا بنا كما يمر الناس بالناس لما نكبونا، ولكنهم عرضوا لنا عروض اللص للمال والمتاع لا للناس فوضعوا فينا الأيدي الناهبة، ومن هذا أدركت أن ليس الشر إلا حالة يتلبس بها من يستطيع أن يتخلص منها. فإذا كان ذلك فاصل السعادة في الإنسان ألا يعبأ بهذه الحالات متى عرضت له؛ وهو لا يستطيع ذلك إلا إذا تمثل الشر كما يراه واقعا في غيره؛ فالمرأة العفيفة إذا عرضت لها حالة من الفجور ونظرت إلى نفسها وحظ نفسها فقد تعمى وتزل، ولكنها إذا نظرت إلى ذلك في غيرها وإلى أثره على الفاجرة كانت كأنما زادت على نفسها نفسا أخرى تريها الأشياء مجردة كما هي في حقائقها. قال: ومضيت على وجهي تتقاذفني البقاع والأمكنة، وأنا أعاني الأرض والسماء، وأخشى الليل والنهار، وأكابد الألم والجوع، حتى دخلت البصرة دخول البعير الرازح قطع الصحراء تأكل منه ولا يأكل منها، فأنضاه السفر وحسرة الكلال ونحته الثقل الذي يحمله، فجاء بينية غير التي كان قد خرج بها. وكانت أيامي هذه عمرا كاملا من الشقاء جعلتني أوقن أن هؤلاء الناس في الحياة إن هم إلا كالدواب تحت أحمالها، لا تختار الدابة ما تحمل ولا من تحمل، ولا يترك لها مع هذا أن تختار الطريق ولا مدة السير وليس للدابة إلا شيئان: صبرها وقوتها؛ إن فقدتهما هلكت، وإن وهنا فيها كان ضعفها بحسب ذلك إن هناك أوقاتا من الشقاء والبؤس تقذف بالإنسان وراء إنسانيته وإنسانية البشر جميعا لا تبالي كيف وقع وفي أي واد هلك، فلا ينفع الإنسان حينئذ إلا أن يعتصم بأخلاق الحيوان، في مثل رضاه الذي هو احكم الحكمة في تلك الحال، وصبره الذي هو أقوى القوة، وقناعته التي هي أغنى الغنى، وجهله الذي هو اعلم العلم، وتوكله الذي هو إيمان فطرته بفطرته.

стр. 8272

لا يبالي الحيوان مالا ولا نعيما ولا متاعا ولا منزلة ولا حظا ولا جاها، ولن تجد حمار الملك يعرف من الملك اكثر مما يعرف حمار السقاء من السقاء؛ ولعلك لو سألتهما وأطاقا الجواب لقال لك الأول: إن الذي فوق ظهري ثقيل مقيت بغيض؛ ولقال لك الثاني: إن الذي يركبه خفيف سهل سمح! ولكن بلاء الإنسان أنه حين يطوحه البؤس والشقاء وراء الإنسانية، لا ينظر لغير الناس؛ فيزيده بؤسا وحسرة، ويمحق في نفسه ما بقي من الصبر، ويقلب رضاه غيظا، وقناعته سخطا، ويبتليه كل ذلك بالفكرة المهلكة أعجزها أن تهلك أحدا فلا تجد من تدمره غير صاحبها؛ فإذا هي وجدت مساغاً إلى الناس فأهلكت وعاثت وأفسدت جعلت صاحبها إما لصا أو قاتلا أو مجرما أي ذلك تيسر! وقال: وكنت اعرف في البصرة فلانا التاجر من سراتها ووجوه أهلها، فاستطرقته فإذا هو قد تحول إلى خراسان، وليس يعرفني أحد في البصرة ولا اعرف أحدا غيره؛ فكأنما نكبت مرة ثانية بغارة شر من تلك، غير أنها قطعت علي في هذه المرة طريق ايامي، وسلبتي آخر ما بقي لنفسي وهو الأمل! ورأيت أنه ما من نزولي إلى الأرض بد، فأكون فيها إنسانا كالدابة أو الحشرة، حياتها ما اتفق لا ما تريد أن يتفق؛ وأنه لا رأي إلا أن اسخر من الشهوات فازهد فيها وأنا القوي الكريم، قبل أن تسخر هي مني إذا جئتها، وأنا الطامع العاجز! وفي الأرض كفاية كل ما عليها ومن عليها ولكن بطريقتها هي لا بطريقة الناس؛ وما دامت هذه الدنيا قائمة على التغيير والتبديل وتحول شيء إلى شيء، فهذا الظبي الذي يأكله الأسد لا تعرف الأرض أنه قد أكل ولا أنه افترس ومزق، بل هو عندها قد تحول قوة في شيء آخر ومضى؛ أما عند الناس فذلك خطب طويل في حكاية أوهام من الخوف والوجل؛ كما لو اخترعت قصة خرافية تحكيها عن أسد قد زرع لحما. . . فتعهده فأنبته فحصده فأكله، فذهب الزرع يحتج على آكله، وجعل يشكو ويقول: ليس لهذا زرعتني أنت، وليس لهذا خرجت أنا تحت الشمس، وليس من اجل هذا طلعت الشمس عليّ وعليك! والإنسان يرى بعينيه هذا التغيير واقعا في الإنسانية عاميتها وفي الأشياء جميعها؛ فإذا وقع فيه هو ضج وسخط، كأن له حقا ليس لأحد غيره؛ وهذا هو العجيب في قصة بني آدم، فلا

стр. 8273

يزال فيها على الأرض كلمات من الجنة لا تقال هنا ولا تفهم هنا؛ بل محل الاعتراض بها حين يكون الإنسان خالدا لا يقع فيه التغيير والتبديل. ومن هذا كان خيال اللذة في الأرض هو دائما باعث الحماقة الإنسانية. قال أبو عبيد: وذهبت أعتمل بيدي وجسمي على آلام من الفاقة والضر، ومن الخيبة والإخفاق، ومن إلجاء المسكنة وإحواج الخصاصة؛ فلقد رأيتني وإن يدي كيد العبد، وظهري كظهر الدابة، ورجلي كرجل الاسير، وعنقي كعنق المغلول، ويطلع قرص الشمس على الدنيا ويغيب عنها وما اعتمل إلا بقرص من الخبز، ولقد رأيتني أبذل في صيانة كل قطرة من ماء وجهي سحابة من العرق حتى لا أسأل الناس، ويا بؤسا لي إن سألت وإن لم أسأل وما كان يمسكني على هذه الحياة المرمقة، تأتي رمقاً بعد رمق في يوم يوم - إلا كلام الشعبي الذي سمعته في مسجد الكوفة، وقوله فيمن قتل نفسه، فكان كلامه نورا في صدري يشرق منه كل يوم مع الصبح صبح لأيماني. ولكن بقيت أيام نعمتي الأولى ولها في نفسي ضربان من الوجع كالذي يجده المجروح في جرحه إذا ضرب عليه، فكان الشيطان لا يجد منفذا إلى إلا منها. وفقدت الصديق وعونه، فما كان يقبل عليّ صديق إلا في أحلامي من وراء الزمن الأول قال مجاهد: والحبيب؟ فتبسم الرجل وقال: إذا فرغت الحياة من الذي هو أقل من الممكن، فكيف يكون فيها الذي هو اكثر من الممكن؟ إن جوع يوم واحد يجعل هذه الحياة حقيقة جافية لا شعر فيها، ويترك الزمن وما فيه ساعة واحدة معطرة. . والبؤس يقظة مؤلمة في القلب الإنساني تحرم عليه الأحلام؛ وما الحب من أوله إلى آخره إلا أحلام القلوب بعضها ببعض! قال أبو عبيد: وتضعضعت لهذه الحياة المخزية وأبرمتني أيامها، وحملت في الميت والحي، ورأيت الشيطان لعنه الله كأنما اتخذني وعاء مطرحاً على طريقه يلقي فيه القمامة. .؛ وظهر لي قلبي في وساوسه كالمدينة الخربة ضربها الوباء فأعمر ما فيها مقبرتها؛ وعاد البؤس وقاح الوجه لا يستحي، فلا أراه إلا في أرذل أشكاله وأبردها؛ ولقد يكون البؤس لبعض الناس على شيء من الحياة فيأتي في أسلوب معتذر كالمرأة الدميمة في نقابها.

стр. 8274

وقلت لنفسي: ما هو والله إلا القتل، فهذا عمر أراه كالأسير أقيم على النطع وسل عليه السيف، فما ينتقم منه المنتقم بأفظع من تأخير الضربة، وما يرحمه الراحم بأحسن من تعجيلها! وبت أوامر هذه النفس في قتلها وأحدثها حديث الموت فسددت رأيي فيه، وقالت: ما تصنع بجسم كالمتعفن اصبح كالمقبور لا أيام له إلا أيام انقراضه وتفتيته؟ بيد أني ذكرت كلام (الشعبي) في ذلك المجلس وأنا أحفظه كله، فجعلت أهذه ما أترك منه حرفا، واتخذته متكلما مع نفسي لا كلاما، وكنت كلما غلبني الضعف رفعت به صوتي وأصغيت كما أصغى إلى إنسان يكلمني؛ فرأيت الشيطان بعد ذلك كاللص إذا طمع في رجل ضعيف منفرد، ثم لما جاءه وجد معه رجلا ثانيا قويا فهرب! قال أبو عبيد: ونالني روح من الاطمئنان وجدت له السكينة في قلبي فنمت، فإذا الفزع الأكبر الذي لا ينساه من سمع به فكيف الذي رآه بعينيه؟ رأيتني ميتا في يد غاسله يقلبه ويغسله كأنه خرقة؛ ثم حملت على النعش، كأن الحاملين قد دفعوني يقولون: انظروا أيها الناس كيف يصير الناس؛ ثم صلى عليّ الإمام الشعبي في مسجد الكوفة؛ ثم دليت في قعر مظلمة وهيل التراب عليّ، وتركت وحيدا وانصرفوا! وما أدري كم بقيت على ذلك؛ ثم رأيت كأنما نفخ في الصور وبعثرت الأموات جميعا، فطرنا في الفضاء، وكانت النجوم غباراً حولنا كتراب العاصفة في العاصفة؛ وإذا نحن في عرصات القيامة وفي هول الموقف! وتوجهت بكل شعرة في جسمي إلى الرجاء في رحمة الله؛ ورأيت أعمالي رؤية احزنتني، فهي كمدينة عظيمة كل أهلها صعاليك إلا قليلا من المستورين، أرى منهم الواحد بعد الواحد في الساعة بعد الساعة، ندروا وتبعثروا وضاعوا كأعمالي الصالحة! وذكرت أني كدت اقتل نفسي فرارا بها من العمر المؤلم، فنظرت، فإذا الزمن قد ظهر في أبديته، ورجع الماضي حاضرا بكل ما حوى كأنه لم يمض، وإذا عمري كله لا يكاد يبلغ طرفة عين من دهر طويل، فحمدت الله أني لم أفتد ألم اللحظة القصيرة القصيرة، بعذاب الأبد الخالد الخالد الخالد. وجيء على أعين الخلق بأنعم أهل الدنيا وأكثرهم لذات في تاريخ الدنيا كله، فصاح صائح:

стр. 8275

هذا أنعم من كان على الأرض منذ خلقها الله إلى أن طواها. ثم غمس هذا المنعم في النار غمسة خفيفة كنبضة البرق، واخرج إلى المحشر، وقيل له الناس جميعا يسمعون: هل ذقت نعيما قط؟ قال: لا والله ثم جيء بأتعس أهل الأرض وأشدهم بؤسا منذ خلقت الأرض، فغم في الجنة غمسة أسرع من النسيم تحرك ومر، ثم أخرج إلى المحشر وقيل له: هل ذقت بؤسا قط؟ قال: لا والله. وسمعنا شهيق جهنم وهي تفور، تكاد تميز من الغيظ؛ فأيقنت أن لها نفسا خلقت من غضب الله. وخرج منها عنق عظيم هائل، لو تضرمت السماء كلها نارا لأشبهته، فجعل يلتقط صنفاً صنفا من الخلق؛ وبدأ بالملوك الجبابرة فالتقطهم مرة واحدة كالمغناطيس لتراب الحديد؛ وقذف بهم إلى النار؛ ثم انبعث فالتقط الأغنياء المفسدين فأطارهم إليها؛ ثم جعل يأخذ قوماً قوما وقد ألجمني العرق من الفزع؛ ثم طرت أنا فيه ونظرت فإذا أنا محتبس في مظلمة نارية كالهاوية، ليس حولي فيها إلا قاتلوا أنفسهم. ولو أن بحار الأرض جعل فيها البحر فوق البحر فوق البحر، إلى أن تجتمع كلها فيكون العمق كبعد ما بين الأرض والسماء، ثم تسجر نارا تلظى لكانت هي الهاوية التي نحن في أعماقها، وكنت سمعت من إمامنا الشعبي أن عصاة المؤمنين الموحدين إذا ماتوا على إيمانهم كانوا في النار أحياء وجوارحهم وينتظرهم إيمانهم على باب النار، فكان إلى جانبي رجل قتل نفسه، فسمع قائلا من بعيد يقول لمؤمن: أخرج فإن إيمانك ينتظرك. فصاح الذي إلى جانبي: وأنا، أفلا ينتظرني إيماني؟ فقيل له: وهل جئت به؟ ورأيت رجلا ذبح نفسه يريد أن يصرخ يسأل الله الرحمة، فلا يخرج الصوت من حلقه، إذ كان قد فراه وبقى مفريا! وأبصرت آخر قد طعن في قلبه بمدية، فهو هناك تسلخ الزبانية قلبه تبحث هل فيه نية صالحة، فلا تزال تسلخ ولا تزال تبحث! ورأيت آخر كان تحسّى من السم فمات ظمآن يتلظى جوفه، فلا تزال تنشأ له في النار سحابة روية تبرق بالماء، فإذا دنت منه ورجاها انفجرت عليه بالصواعق ثم عادت تنشأ وتنفجر! وقال رجل إنما كنت مجنونا ضعيفا عاجزا فأزهقت نفسي فنودي: أو ما علمت أن الله يحاسبك على أنك عاقل لا مجنون وقوي لا ضعيف، وقادر لا عاجز؟ كنت تعقل بالأقل أنك

стр. 8276

ستموت، وكنت تقوى على أن تصبر، وكنت تقدر أن تترك الشر. وقال رجل عالم قد حز في يده بسكين فمات: (لم يكن الكمال من الدنيا ولا في طبيعتها ولا هو شيء يدرك.) فصرخ فيه صوت رهيب: (ولكن من عظمة الكمال أن استمرار العمل له هو إدراكه!). قال أبو عبيد: ثم انتصب بازائي شيطان مارد أحمر، يلتمع التماع الزجاج فيه الخمر، فقام في وجهي وقال: بماذا جئت إلى هنا يا عدو الخمر؟ فما كان إلا أن سمعت النداء: شفعت فيك الخمر التي لم تشربها، أخرج إن إيمانك ينتظرك! فصحت الحمد لله! وتحرك بها لساني فانتبهت. لقد علمت أن الصبر على المصائب نعمة كبرى لا ينعم الله بها إلا في المصائب. (طنطا) مصطفى صادق الرافعي

стр. 8277

٢ - لوكريسيا بورجيا صور من عصر الأحياء للأستاذ محمد عبد الله عنان أقامت لوكريسيا في رومة مدى حين، أداة لمشاريع أبيها البابا وأخيها شيزاري، ومستودعا لدسائس البلاط الروماني؛ وكانت تشعر أنها في هذا المعترك تعيش في نوع من الأسر؛ وقد قالت فيما بعد: (إن رومة كانت سجني). وكان زواجها من جان سفورزا كما رأينا، لبواعث سياسية ترجع إلى رغبة اسكندر السادس في تقوية التحالف بينه وبين لودفيكو سفورزا طاغية ميلانو وعم جان. ولكن لودفيكو لم يلبث أن ارتد عن هذا التحالف إلى محالفة شارل الثامن ملك فرنسا وتحريضه على غزو إيطاليا، والاستيلاء على مملكة نابل اعتمادا على زعم قديم بوراثة عرشها. عندئذ رأى البابا أنه لم يبق حكمة لبقاء هذا الزواج، فاعتزم إلغاءه حتى يستطيع بعد أن تسترد لوكريسيا حريتها أن يتخذها أداة لعقد صفقة أخرى. ولكن جان سفورزا لم يقبل الانفصال عن زوجته الحسناء طوعا، فهدده شيرازي بالقتل وفر إلى بيزارو؛ ولجأت لوكريسيا حزينة باكية إلى دير القديس سكستوس لأنا كانت تحب زوجها؛ وعمد البابا لإبطال الزواج إلى إجراء مدهش، فانتدب لجنة مؤلفة من كردينالين لتهيئة أسبابه، ورأى الحبران أن يسندا الفسخ إلى أن لوكريسيا ما تزال بكرا عذراء، وأن زوجها جان سفورزا كان عنينا ولم يكن رجلا كاملا؛ وأرغم البابا ابنته على أن توقع إقرارا بأنها ما تزال بكرا عذراء كيوم مولدها. وعلى ذلك أعلن فسخ الزواج؛ ودهشت رومة، ودهشت إيطاليا كلها لهذا الزعم، لأن جان سفورزا كان فتى متين البنية، وكان أرمل توفيت عنه زوجته الأولى بعد أن رزق منها طفلة. وحاول جان أن يثور على هذا القرار وأن يقاوم، ولكنه أذعن لنصح عمه لودفيكو وعمه الآخر الكردينال اسكاينو وكيل الكرسي الرسولي، وارتضى مصيره صاغرا؛ وكان ذلك في ديسمبر سنة ١٤٩٧؛ وكانت لوكريسيا عندئذ في عامها السابع عشر. وهنا يصيح مؤرخ معاصر هو (جيشا ردينو): (لم يحتمل البابا أن ينافسه في ابنته أحد حتى زوجها!). وثار حول لوكريسيا سيل من أروع الإشاعات والأقاويل. وحدث في ذلك الحين أيضاً حادث اهتزت له رومة، هو مقتل جان دوق جانديا ابن البابا؛

стр. 8278

وكان إلى جانب الطلاق مستقى خصبا لهذه الإشاعات الغريبة التي تصور الأسرة البابوية عرينا من الضواري التي جردت من كل عاطفة بشرية. وكان دوق جانديا أكبر أبناء اسكندر السادس، في الرابعة والعشرين من عمره، وأخاه شيزاري في الحادية والعشرين؛ وكان البابا يعتبر ابنه البكر عميد أسرته من بعده، ويرشحه دون شيزاري لكل مشاريعه السياسية العظيمة. أما شيزاري فقد زجه أبوه إلى الحياة الكنسية، ورقاه بسرعة كردينالاً لبلنسية؛ ولكن شيزاري كان بطبيعته الوثابة المغامرة، وأطماعه الدنيوية البعيدة يزهد في الحياة الكنسية ويتلمس الفرار منها؛ وكان يرى في أخيه الأكبر دوق جانديا حائلا دون أطماعه. ففي ربيع سنة ١٤٩٧، كان البابا قد عاد إلى التفاهم مع مملكة نابل (نابولي) واتفق مع ملكها الجديد فردريك الأرجوني على أن يتلقى التاج من قبل الكرسي الرسولي، وأن يقطع بعض ولاياتها الجنوبية لدوق جانديا ولد البابا؛ وانتدب البابا ولديه جان وشيزاري للسفر إلى نابل، الأول ليتسلم إقطاعه الجديد، والثاني ليمثله في تتويج ملك نابل. وفي مساء ١٤ يونيه، قبيل رحيلهما، أقامت لهما والدتهما فانوزا مأدبة عشاء حافلة في قصرها المتواضع؛ وبعد العشاء انصرف دوق جانديا مع أخيه شيزاري، ثم افترق الاثنان في منتصف الطريق، وسار الدوق مع تابع له واختفى في جوف الظلام؛ ولم يعرف قط ما حدث له بعد ذلك؛ ولكن تابعه وجده ملقى في صباح اليوم التالي على شاطئ التقيري (التيبر) جثة هامدة، وانتشلت جثة الدوق بعد ذلك من النهر، وقد أثخنت طعنا، ولم يكشف سر الجريمة قط. وطار الخبر في رومة بأن دوق جانديا قد قتل، وحزن البابا لمصرع ولده الأكبر أيما حزن، ولبث يذرف الدمع الثخين مدى يومين وهو معتكف في غرفته لا يتذوق طعاما ولا يرى أحدا. من اجترأ على ارتكاب هذه الجريمة الشنعاء؟ ولأي الأسباب؟ كثرت في ذلك الظنون والريب، وتنوعت التهم والبواعث؛ فقيل إن الجريمة من تدبير جان سفورزا انتقاما للتفريق بينه وبين زوجته، وقيل إنها من تدبير عمه الكردينال اسكانيو انتقاما لشرف الأسرة، وقيل إنها من تدبير آل أورسيني ألد خصوم البابا؛ ولكن هذه التهم لم تلق كبير سند؛ أما أولئك الذين يعرفون آل بورجيا فقد ألقوا تبعة الجريمة على شيزاري بورجيا نفسه. أجل، قتل شيزاري أخاه جان دوق جانديا لأنه يفوز دونه بعطف أبيه، ويخصه أبوه دونه

стр. 8279

بمشاريعه السياسية، ويعتبره لسنه زعيم الأسرة. وشيزاري لا يطيق أن يرى دون أطماعه عقبة إلا ويسحقها. ولذلك التعليل الظاهر من الوجاهة. ولكن الرواية تذهب إلى أبعد من ذلك، فتقول إن شيزاري قتل أخاه لأنه ينافسه في غرام أختهما لوكريسيا! أرأيت كيف تميل الرواية دائما إلى تصوير هذا الغادة الفاتنة آلهة للحب الأثيم والفجور في أروع مظاهره؟ كانت لوكريسيا خليلة أبيها، خليلة أخويها! وكان ثمة معارك خفية تضطرم في ذلك العرين بين عباد الجمال والهوى المحرم؛ وكان جان سفورزا زوج لوكريسيا اشد الناس تأييدا لهذه التهم، يؤكد لزملائه الأمراء ولصحبه وللناس جميعا أنه إذا كان البابا قد عمل على تمزيق العلائق التي تربطه بزوجته لوكريسيا، فذلك بسبب الهوى الأثيم الذي تبثه إلى أبيها، وإنه إذا كان شيزاري قد دبر مقتل أخيه وألقاه في التفيري، فذلك بسبب المنافسة بينهما على حب لوكريسيا. وكانت الفضيحة رائعة، والتهم أروع، تجوب إيطاليا من أقصاها إلى أقصاها، وتجوب قصور أوربا كلها! ويتناولها الرواة والسفراء والشعراء بالتدوين نثرا ونظما باعتبارها من أهم حوادث العصر وأعجب السير. وهنا يرى بعض النقدة المحدثين الذين يميلون إلى تبرئة لوكريسيا من هذه التهم الشنيعة، أن هذه الخصومة الزوجية هي أصل هذه التهم وهي روحها، وأن هذه التهم قد تلقاها المعاصرون من الأفواه الخصيمة، ثم زادوا عليها وبالغوا في تصويرها، ثم تناقلتها أجيال الخلف، واستمرت على كر العصور مستقى خصبا للشعراء وكتاب القصص. لم تمض أشهر قلائل حتى وضع مشروع جديد لزواج لوكريسيا، وكان اسكندر السادس يتجه يومئذ نحو مملكة نابل، ويلتمس وسيلة لبسط نفوذه عليها؛ وكان يرى هذه الوسيلة في تزويج ابنه شيزاري من ابنة فردريك ملك نابل؛ ولكن ملك نابل أبى أني يزوج ابنته (لقس ابن قس) بيد أنه ارتضى أن يتخذ ابنة البابا زوجة لألفونسو ولد أخيه غير الشرعي، وعقد الزواج الجديد في قصر الفاتيكان في يولية سنة ١٤٩٨ وكان الزوج الجديد فتى حديثا لا يجاوز السابعة عشرة؛ وكان جميلا، حلو الشمائل، تصفه الرواية المعاصرة بأنه أجمل فتى في رومة؛ وكانت لوكريسيا عندئذ في الثامنة عشرة؛ ومنح الفونسو دوقية بيزيليا، وغدت لوكريسيا دوقة بيزيليا؛ واشترط أن يقيم الفونسو مدى عام في رومة، وألا تغادر لوكريسيا رومة إلا بعد وفاة أبيها؛ وشغفت لوكريسيا بزوجها الفتى النضر، وعاشت مدى حين في

стр. 8280

نوع من السعادة والسلام. ولكن هذه السكينة لم يطل أمدها. ذلك أن اسكندر السادس ألغى فرصة جديدة للعمل السياسي؛ وكان ملك فرنسا الجديد لويس الثاني عشر يتوق إلى التخلص من زوجته جان دوقة بري، والتزوج من الدوقة حنه أرملة سلفه شارل الثامن لكي يستطيع أن يضم إمارتها بريطانيا إلى مملكته؛ وكان لابد له لإجراء الطلاق من مرسوم بابوي؛ فرأى اسكندر السادس أن يجيز هذه الرغبة، وبعث ولده شيزاري إلى فرنسا، ليلقي صيغة الطلاق، فاستقبله ملك فرنسا أعظم استقبال، وأنعم عليه بلقب دوق فالنتنوا؛ وعندئذ خلع شيزاري ثوبه الديني، وزوجه لويس الثاني عشر من أميرة فرنسية هي شارلوت دالبير أخت ملك نافار؛ وبذلك وثقت أواصر التحالف بين فرنسا والفاتيكان، وكلاهما خصم لمملكة نابل وكلاهما يدعي فيها حقوقا. وهنا فكر شيزاري في التخلص من زوج أخته الجديد إذ غدا يراه عقبة في سبيل مشاريعه؛ وشعر الفونسو دوق بيزيليا بحرج مركزه في الفاتيكان إزاء تطورات الحوادث على هذا النحو، وخشى بالأخص غدر شيزاري وعدوانه، ففر من رومة والتجأ إلى ال كولونا في جينازارو، تاركا زوجه الفتية حاملا تبكي فراقه؛ واستمر يكاتب لوكريسيا ويتوسل إليها أن تلحق به، ولوكريسيا مستسلمة إلى حزنها لا تجرؤ على تلبية دعوته. فلما رأى البابا يأس ابنته، فكر في وسيلة للجمع بينها وبين زوجها، لا تؤذي كرامته في نفس الوقت، فعين ابنته حاكمة لسبوليتو؛ وسافرت لوكريسيا إلى سبوليتو مع أخيها الأصغر جوفروا؛ وهنالك لحق بها زوجها؛ وأقاما هناك مدى حين حتى هدأت العاصفة؛ ثم عادا معا إلى رومة؛ ولم تمض على عودتهما أيام قلائل حتى وضعت لوكريسيا غلاما سمى رودريجو باسم جده البابا رودريجو بورجيا (٣١ أكتوبر سنة ١٤٩٩). واحتفل البابا بمولد حفيده في حفلات شائقة، وغدت لوكريسيا كأنها ملكة رومة يحف بها الحب والعطف والإجلال أينما حلت؛ وأقطعها والدها حكم عدة مدن وجهات من أملاك الكرسي الرسولي. ولكن القدر المروع كان جاثما يتربص. ففي مساء ١٥ يوليه سنة ١٥٠٠، بينما كان الفونسو دي بيزيليا زوج لوكريسيا يصعد درج الفاتيكان المفضي إلى الجناح البابوي، إذ

стр. 8281

فاجأه عدة رجال مقنعين وأثخنوه طعنا بالخناجر حتى خر صريعا يتخبط في دمه؛ ثم فر الجناة دون أن يراهم أو يظفر بأثرهم أحد. ولكن الفونسو لم يمت على الأثر؛ بل استطاع أن يجرجر نفسه حتى الجناح البابوي؛ وهناك تلقاه البابا ولوكريسيا في دهشة وانزعاج؛ وأغمى على لوكريسيا وأصابتها الحمى؛ وحمل الجريح إلى إحدى القاعات، ولزمته زوجته تعني به، وأقام البابا حرسا خاصا على غرفته؛ وأخذ يتماثل إلى الشفاء سريعا. ولم يك ثمة ريب في مدبر هذه الجريمة الشنعاء؛ فقد كان شيزاري؛ وكان يرى بعد أن رزقت أخته بهذا الغلام، أنه لا سبيل إلى فسخ زواجها، وأنه لا سبيل إلى التخلص من الفونسو غير الجريمة، ولما لم تحقق هذه الجريمة الأولى غرضها، قرر شيزاري أن يعيد الكرة، فدخل ذات يوم إلى حيث يرقد الجريح ومعه ميشليتو وصيفه وساعده الأيمن في مشاريعه السوداء؛ وأبعد أخته عن غرفة زوجها، وأمر ميشليتو فأجهز على الفتى الجريح خنقا. هكذا يقول لنا بور كارت مدير التشريفات البابوية في مذكراته. بيد أن شيزاري لم ينكر الجريمة بعد أن حققت غايتها؛ وكان يقول إن الفونسو كان يزمع قتله فسبقه هو إلى القصاص. ولم يفه البابا بكلمة احتجاج أو تذمر خشية بطش ولده الأثيم. أما لوكريسيا الزوجة الثاكل، والأم الأرمل، فلم تستطع البقاء في رومة، وذهبت بإذن أبيها تجرجر أذيال الحزن والعزلة في قصر نيبي على مقربة من سبوليتو، وهنالك فعل النسيان فعله سريعا، فلم يمض عام حتى استعادت الأرمل الفتية كل بهجتها، وعادت مسرعة إلى رومة تخوض غمار هذه الحياة العنيفة الباهرة التي كأنما خلقت لها. وفي يوليه سنة ١٥٠١، غادر اسكندر السادس رومة على رأس حملة عسكرية ليتم الاستيلاء على بعض المناطق والحصون المجاورة للولايات البابوية والتي يزعم للكنيسة حقا في انتزاعها، وهنا وقع حادث فريد من نوعه ومغزاه. ذلك أن اسكندر السادس انتدب ابنته لوكريسيا للقيام بالشؤون البابوية أثناء غيابه، ويقول لنا بور كارت إن قداسته (عهد بالقصر كله، وتصريف الأمور الجارية إلى ابنته السيدة لوكريسيا، وفوض إليها أن تفتح كل الرسائل التي ترد لقداسته، وأن تستعين في المسائل الصعبة برأي كردينال لشبونه)

стр. 8282

وفي ذلك ما يدل على تقدير خاص من البابا لمواهب ابنته ومقدرتها على الاضطلاع بمهام الأمور. والواقع أن لوكريسيا بورجيا كانت فتاة وافرة العقل وافرة الذكاء، تتبع سير الشؤون العامة بدقة، وتفهم بالأخص آراء والدها واتجاهاته المختلفة؛ وكانت عند ثقة أبيها حيث قامت بمهمتها زهاء شهرين بفطنة وذكاء. ثم عاد البابا إلى رومة، واستأنف بلاط الفاتيكان حياة البذخ والحفلات الشائقة، وكانت لوكريسيا يومئذ قد ناهزت عامها الحادي والعشرين، واكتملت زهرة شبابها وجمالها. وهنا، وفي تلك الفترة، تقدم لنا الروايات المعاصرة، أغرب الصور وأروعها عن تلك الحياة الأثيمة الفاجرة التي كانت تنتظم وراء جدران الفاتيكان، وتخوض لوكريسيا بورجيا غمارها إلى جانب أبيها الحبر المتهتك وأخيها الطاغية الفاجر. ومن ذلك تلك الحفلة الراقصة الشهيرة التي تفيض في تفاصيلها روايات العصر وتسميها (مرقص الكستنة) والتي كانت مسرحا لأسفل ما يتصور الذهن الخليع من مناظر التهتك والفحش. ويقول لنا بور كارت في مذكراته إن تلك الحفلة الشهيرة كانت في مساء ٣١ أكتوبر سنة ١٥٠١؛ وفيه استقدم البابا خمسين غانية من أجمل نساء رومة؛ ومثلن جميعا عاريات أمام البابا وابنه شيزاري وابنته لوكريسيا، وقمن بأفحش المناظر الراقصة والجنسية التي يمكن تصورها؛ ومن ذلك أنهن كن يركضن عاريات على أربع وراء حبات الكستنة التي كان يلقيها البابا وابنه وابنته تحت الأضواء الساطعة، وتعطى الجوائز للسابقات، كما تعطى لأبرعهن في عرض افحش المناظر والأوضاع. هذا ما يرويه بور كارت مدير التشريفات البابوية في مذكراته الشهيرة بإفاضة مثيرة تحمر لها الوجوه وتندى الجباه حياء وخجلا، وهذا ما ترويه معظم الروايات والتواريخ المعاصرة مع فرق في بعض الوقائع والتفاصيل. كانت هذه الحفلات والمناظر الشائنة تتكرر وراء جدران الجناح البابوي في الفاتيكان؛ في تلك الأبهاء الشهيرة التي أنشأها اسكندر السادس، وأفاض عليها أقطاب الفنانين والمصورين أروع بدائعهم، والتي ما زالت تعرف حتى اليوم (بجناح آل بورجيا) وتعرض لأنظار السائح المتجول، فيحمله التأمل والخيال إلى تلك الأيام والذكريات المرحة البعيدة.

стр. 8283

(للبحث بقية) محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 8284

الخرافة للدكتور إبراهيم بيومي مدكور الخرافة حليفة الجهل، وأليفة الأوهام، عنوان ناقصي الثقافة، ورمز ذوي العقول الضعيفة؛ كالحشرات الدنيئة، لا يحلو لها العيش إلا في الأماكن المظلمة، أو كالحشائش الضارة، لا يعظم نموها إلا في التربة الفاسدة؛ تقف في طريق الحق، وتقاوم كل تفكير. وكأنها ذات قوة سحرية تغشى الأبصار، وتصم الآذان، وتقضي على كل ما في المرء من عقل وروية؛ أو كأنها مظهر لوحي خفي يستولي على النفوس والأفئدة. وكيف لا والسحر خرافة لبست ثوب الفن؟ والخرافات في أغلبها اكتست بكساء الدين، لذلك لبى نداءها معتنقوها، ونزل عن إرادتها من آمن بها، ولو أدى ذلك إلى ارتكاب جرائم شنيعة، وإزهاق أرواح بريئة، وتبديد ثروات طائلة. وكم باعدت الخرافة بين الصديق وصديقه، والمرء وزوجه، والأخ وأخيه، والابن وأبيه. وقد لا يقف عدوانها عند الأحياء، بل يتعداهم إلى الأموات، فخرجت من جرائها قبور، وانتهكت حرمات. وبذا كانت من أشد أخطار الإنسانية وأكبر أعداء الحضارة والمدنية. وما أصدق مونتيسكيه حين يقول: (أعد نفسي أسعد الأحياء إذا استطعت أن أبرئ الناس من خرافاتهم). بيد أن الخرافة ليست شرا كلها؛ ففي حجرها درج العلم، وتحت كنفها نما كثير من النظم الاجتماعية. فالعلوم في نشأتها كانت سلسلة خرافات متصلة، وطائفة غير ملتئمة من الظنون والأوهام؛ وما الكيمياء الحقيقية إلا وليدة الكيمياء الصناعية وما الفلك في قواعده وأصوله إلا ربيب العرافة والتنجيم، وما الطب إلا نتيجة وصفات بلدية هذبت، وتجارب عادية سلك بها سبيل البحث والتمحيص؛ وما طبيعة اليوم المملوءة بالأصول والقوانين إلا الثمرة الناضجة للآراء الخاطئة المشحونة بالأوهام والخزعبلات، والتي أدلى بها فلاسفة الإغريق الأول أمثال طاليس وأنكسمندر. والحكومة في سلطانها، والأسرة في نظامها، والملكية في احترامها مدينة للخرافة إلى حد كبير: فالملك مسموع الكلمة مطاع الأمر، لأن الخرافة شاءت قديما أن تضعه في صف الآلهة والأرباب؛ والزواج محترم لأن الزنا والفسوق ما كانت لتغضب الله والناس فقط، بل وربما استتبعت هلاك الحرث والنسل وخراب القرى والأمصار؛ والملكية مقدسة لأن الاعتداء عليها كان يثير غضب المردة

стр. 8285

والشياطين والقوى الخفية المتصرفة في هذا العالم؛ وإذا بحثنا عن منشأ كثير من عاداتنا الاجتماعية وجدناها ترجع إلى أصل خرافي: فتفضيل اليد اليمنى على اليد اليسرى يفسر في غالب الظن مبدأ من مبادئ السحر والشعوذة؛ والعطلة الأسبوعية التي ننعم بها الآن لم تكن إلا لأن الإنسان اعتقد أن هناك أوقات نحس وأوقات سعادة وفوق هذا وذاك فالخرافة تغذي ناحية نفسية لا يصح تجاهلها، ذلك لأن الإنسان لا يلبي داعية العقل والمنطق فقط، بل هو خاضع لخياله وعواطفه. وللخيالة ميادين تسبح فيها، وعالم يتفق مع ميولها وأهوائها؛ وما الخرافة إلا مظهر من مظاهر هذا العالم وأثر من آثار هذا الصنع، وحياة لا تعتمد إلا على الأسس الطبيعية والبراهين العقلية - كما ينادي بها أصحاب الرواق - جافة قطعا ولا وجود لها إلا في أدمغة زينون وكريزيب. ليس هناك شك في أن الإنسان مستعد بطبعه لقبول الخرافة؛ فهو ميال دائما لأن يعرف أكثر مما يرشده إليه بصره وعقله، ولأن يخلق بجانب الحقائق الحسية والفكرية صورا أخرى تحقق رغبة من رغباته، أو تسد ناحية من نواحي نقصه. هذا إلى أنه في ضعفه يحاول أن يعتز بقوى خفية - وإن تكن خيالية - في التغلب على مشاق الحياة. ومن هنا كان التعلق بالخرافات عالميا، وكان قدر منها مشتركا لدى عامة الشعوب. فالسحر والتنجيم والشعوذة من خرافات الإنسانية بأسرها، قام عليها معظم تقاليد الأمم المتوحشة، وتشبث بها الناس بعد أن خطوا خطوات فسيحة في سبيل العلم والمدنية، ولا يزالون خاضعين لشيء من سلطانها إلى اليوم. وحديث القصور الزبرجدية والآرائك المسجدية التي بناها المردة والشياطين في أرض نائية وجزر منقطعة، بهر الإنسان الهمجي وشغل عقول بعض أبناء القرن العشرين. والتفاؤل والتشاؤم والطيرة كانت من خرافات الإغريق والرومان والعرب، وحتى الساعة يقول عاميتنا: (خذوا فألكم من قبالكم)، وإذا سمعوا نعيق غراب رددوا الجملة المشهورة: (اللهم اجعله خيرا). وبديهي إن انتشار الخرافة يختلف من بلد لآخر تبعا لدرجة الثقافة، ونمو التربية الدينية، وطرق الحكم السياسية من ديمقراطية واستبدادية، ولظروف اجتماعية أخرى متعددة. ويحاول بعض الباحثين أن يعقد موازنات بين الأمم في هذا المضمار، فيزعم مثلا أن المشاهد السينمائية في إنجلترا وفرنسا تؤذن بأن الشعب الإنجليزي إلى الغريب أميل، وفي الخرافة أرغب. وهذه الموازنات وإن تكن مثار شك

стр. 8286

كبير، ربما وصلت إلى نتائج شيقة إن عني بضبطها وصحتها. وإذا كنا نتحدث عن الأفراد والشعوب واستعدادهم لقبول الخرافة، فيجدر بنا أن نشير إلى ملاحظة هامة، وهي أنه لا يوجد شخص يسلم بالخرافة التي يعتنقها في حين أنه متيقظ دائما إلى خرافات الآخرين. وقد يصل بنا الأمر إلى أن نقيس الشيء الواحد بمقياسين مختلفين، وننظر إليه بمنظارين متباينين، فإن كان مما عرفناه وألفناه أضحى دينا وعقيدة؛ وإن اتصل بتقاليد غريبة عنا استنكرناه وتبينا ما فيه من تضليل وتخريف: وكأن ما هو دين في رأيك خرافة في رأي غيرك وبالعكس: وعل ذلك راجع إلى أن الخرافة تسلب معتنقها قوة النقد والحكم الصحيح؛ هذا إلى أنها نسبية وصعبة التحديد: فما كان عقيدة بالأمس أصبح خرافة اليوم؛ وما هو صواب شرق جبال البرانس يعد خطأ غربها؛ ومقياس الخرافة - كمقياس الحق والباطل - يتغير بتغير الظروف والأزمنة. يعز علينا حقيقة أن نعرف الخرافة تعريفا شاملا، وأن نضع لها حدا ثابتا. فلا يمكننا أن نقول إنها كل ما خالف العلم الصحيح، فإن هذا العلم نفسه لما يحدد تماما؛ على أنه قد يقصد أمورا يصعب علينا أن نخرج بها عن دائرة الخرافة. فكثير من المثقفين يؤمن اليوم بتحضير الأرواح، ويجتهد في أن يفسره تفسيرا علميا. ولا نستطيع أن نقول إن الخرافة كل ما ناقض الدين، فإن هناك أشياء اكتست بكساء ديني كامل في حين أنها خرافة صريحة. وفي شيء من التقريب يمكن القول بأن الخرافة كل فكرة أو عقيدة فردية أو جمعية تفسر ظواهر العالم على نحو لا يلتئم مع العقل ولا مع درجتنا العلمية الحاضرة. وعلى في سرد بعض الأمثلة ما يعيننا على تفهم الخرافة في حقيقتها ومدلولها. من ذلك أن بعض الأوربيين يرى أن كب الملح نذير سوء. وأن اجتماع ثلاثة عشر شخصا على مائدة واحدة مؤذن بأن واحدا منهم سيموت في العام نفسه، وأن تقديم السكين يقطع المودة، وأن وضع المكنسة في الماء مجلبة المطر. وخرافاتنا المصرية التي هي ميدان فسيح للدراسة غير متناهية العدد؛ ومن أشهرها حديث (الشمامة) ورعراع أيوب وأكل البصل أيام شم النسيم، وصناعة التبخير أو (الزار) والرقى والتعاويذ. وعبثا نحاول إن شئنا أن نأتي هنا على مختلف الخرافات العالمية أو المصرية. وفي مقدورنا أن نلاحظ بوجه عام أن الخرافات تكاد تتمركز حول نقطتين هامتين: المعتقدات والعبادات الدينية؛ وهذا ما سماه

стр. 8287

الألمان لقد شغل الباحثون بالخرافة منذ زمن بعيد؛ فبينوا مضارها السياسية والدينية والاجتماعية، وعملوا على إحصاء الخرافات المتعددة وإثباتها في قواميس خاصة (نذكر من بينها: وتقسيمها إلى فصول وأنواع مختلفة. ومن أقدم من كتب في هذا الباب؛ لكريس + ٥١ - وفلوطرخس + ١٢٥ والأخير بوجه خاص هو أول باحث درس الخرافة في شيء من التوسعة ونقدها نقدا مرا؛ وربما كان متأثرا في ذلك بما ساد عصره من خرافات لا حصر لها إلا أن الفضل في دراسة الخرافة دراسة علمية منظمة يرجع إلى علماء الاجتماع المحدثين الذين تولوها بالشرح والتحليل. فبحثوا عن أصلها، وسبيل انتشارها، وأثرها في المجتمع، وطريق علاجها. وكان لهم في ذلك مؤلفات قيمة جذابة نخص بالذكر منها كتاب فريزر الذي سنعرض له بالتفصيل في فرصة مقبلة إن شاء الله. إذا تصفحنا التاريخ وجدنا الإنسانية نشأت حاملة معها خرافاتها. فالأمم المتوحشة الأولى خضعت للخرافة خضوعها لدين ثابت وأصل مقرر؛ ولا زلنا نرى أثر هذا الخضوع لدى القبائل الهمجية المعاصرة. وإذا جاوزنا هذه الأمم إلى الشعوب التي أخذت من الحضارة بنصيب، لاحظنا أنها تعلقت بقسط وافر من الأوهام والخزعبلات. وخرافات قدماء المصريين أعرف من أن ينوه عنها. والإغريق الذين بهروا العالم بعلمهم وثقافتهم لم يكونوا أقل اعتناقا للخرافة من غيرهم، وتاريخهم الديني مجموعة خرافات سخر منها فلاسفتهم غير مرة. وربما كان اللاأدريون من أول من رفع الصوت جهرة في وجه الخرافة والانقياد الأعمى، ودعا إلى تحرير الفكر الإنساني. كذلك حاربت الديانات السماوية بعض الخرافات وقضت عليها. غير أن رجال القرون الوسطى عادوا - تحت تأثير الجهل وعاطفة دينية عمياء - فارتطموا في بؤرة الخرافة، وتفننوا فيها أيما تفنن. ثم جاء عصر النهضة والإصلاح الديني فسلكا بالعقل الإنساني مسلكا جديدا وآثارا على الخرافة حربا شعواء. ولا تزال العلوم الحديثة تنكل بها يوما بعد يوم، وتطاردها في كل مكان. والآن يحق لنا أن نتساءل هل الخرافة في سبيل الانقراض؟ وهل تأمل الإنسانية أن تتخلص منها بتاتا؟ ليس بيسير أن نجيب إجابة شافية على السؤال الأول، فإن الإحصاءات في هذا الميدان ناقصة وغير دقيقة؛ والخرافة، وقد تمكنت من نفوسنا وأضحت جزءا من

стр. 8288

عاداتنا وتقاليدنا، صعبة التمييز وكثيرا ما بدت بمظهر الشيء المعقول والمسلم به. ولكن مما لاشك فيه أن الفكر الإنساني تبرأ من خرافات كثيرة كان يرزح تحت نيرها آباؤنا الأقدمون. وكلما بسط العلم نفوذه بدد غياهب هذه الترهات والأباطيل، فهو من الخرافة كالنور من الظلمة بكشف دخيلها وبين ما اشتعلت عليه من خطر وأضرار. ومع هذا يخيل إلينا أنه لن يتمكن من انتزاع جرثومتها والقضاء عليها تماما، وستبقى الخرافة ما بقى الإنسان لتسد حاجة من حاجاته النفسية والاجتماعية. وها هي ذي خرافة تفنى لتحل محلها خرافة أخرى، فلئن بادت الخرافات الوحشية لقد أعقبها خرافات حضرية. على أنه ليس ثمت ضير - على ما يظهر - في أن تتعلق أمة من الأمم بقدر محدود من الخرافات، فإن فشت الخرافة وسدت طريق التفكير والحكم الصحيح فهنا الداء القاتل والخطر المحدق. وكأني بهذه الحال تنطبق تماما على ما يعانيه بلدنا اليوم. فنحن فريسة للخرافة في طعامنا وشرابنا، في ملبسنا ومسكننا، في حركاتنا وسكناتنا، في مختلف عاداتنا وتقاليدنا، بل وفي آرائنا ومعتقداتنا، وكثيرا ما وقفت الخرافة عقبة كأداء في طريق تقدمنا العقلي والجسمي، والخلقي والاجتماعي. وفي رأينا أن خرافاتنا المتفشية ترجع إلى أسباب كثيرة أهمها: (١) طريقة الوعظ والإرشاد والتربية الدينية الفاسدة، (٢) حياة القهر والاستبداد، (٣) الفقر، (٤) والجهل. لقد سلكت طائفة من وعاظنا مسلكاً خاطئاً للغاية، وأرسلت لنفسها العنان - طمعا في الترغيب أو الترهيب - في سرد خرافات يأباها العقل والدين، وخاصة ما اتصل منها بالحشر والنشر واليوم الآخر وعمدتها في ذلك مجموعة ضارة من كتب القصص والتفسير المملوءة بالإسرائيليات والآثار الضعيفة أو المكذوبة. وكأن علم هؤلاء الوعاظ خرافة كله، أو كأنهم يحيون على حساب الخرافة فهم يثبتون دعائهما ويبالغون في نشرها. وليست حياة القهر والاستبداد بأقل آثراً في نشر الخرافة من هذا الوعظ الفاسد، فالمغلوب على أمره يبحث عن قوى خفية يزعم أنها تعينه على التخلص مما هو فيه. كذلك تمني الخرافة الفقراء بأحلام ذهبية وآمال خلابة، وتسبغ عليهم من الخيال ما عجزت الحقيقة عن الوفاء به. ويحرم الجهل أخيرا عامة الناس من أن يفتحوا أعينهم للضياء، وقلوبهم للرجاء، لذلك كانت الخرافة والجهل نوعين متلازمين، وأخوين لا ينفصلان، وقديماً قالوا: الخرافة

стр. 8289

عمياء تخشى ما تحب، وتحب ما تخشى. وإذا كنا قد شخصنا الداء فلنعالج أسبابه الدفينة وعوامله الخفية وحذار أن نحارب الخرافة وجها لوجه ونقتصر على تسفيه أحلام معتنقيها، فإنه قد يكون أيسر أن نصرف الملحد عن إلحاده من أن نحول المخرف عن خرافته. إبراهيم بيومي مدكور دكتور في الآداب والفلسفة.

стр. 8290

حول الأوزاعي (ثانياً) للأستاذ أمين الخولي المدرس بكلية الآداب كنت كتبت في العدد ٩١ من الرسالة، كلمة عن الأوزاعي، قصدت فيها أول ما قصدت إلى ملاحظات في أسلوب تفكير الكاتب، وعرضت في ذلك لإنكاره تأثر الأوزاعي بالفقه الروماني في الشام. ودار حول ذلك كلام، آخره ما كتبه الأديب الفاضل صالح بن علي الحامد العلوي في العدد ٩٧ من الرسالة، تحت عنوان: (هل تأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني أو الحقيقة هي العكس)؛ وإني أشكر لحضرته غيرته الدينية، وجميل أدبه في نقاشه، ثم أعود إلى الموضوع من الناحية التي عرضت له منها أول ما عرضت: ناحية أسلوب التفكير، وصحة الانتقال والاستنتاج. ويبدو لقارئ مقال الأديب السنغافوري أنه متأثر بمقال نشر في مجلة النهضة الحضرمية بعنوان: (من أين أخذ الإفرنج قوانينهم) وقد نقل منه قدرا كبيرا. ولعله يسر حضرته أن أبلغه أن هذا الموضوع نفسه نشر في مصر - وربما بنصه - منذ ربع قرن مضى، ملحقا بكتاب مقدمة القوانين للأستاذ عبد الجليل سعد، وقد طبع سنة ١٩١٠م. وقرأت هذا الموضوع منذ بضعة عشر عاما، ولا أزال أذكره جيدا، ومع ذلك كله قلت فيما قلت عن تأثر الأوزاعي بالفقه الروماني تلك الكلمة المتواضعة العلمية وهي: مع عدم تعصبي للقول بهذا التأثر، ومع القصد في بيانه فإني أرى هذا الاستدلال على عدم تأثر الأوزاعي غير مقبول من الوجهة الاجتماعية والنفسية. . . الخ) ولا أزال أقول للكاتب إن ما نقله عن مجلة النهضة الحضرمية لا يؤثر في هذا الرأي كما لم تؤثر فيه قراءتي لهذا الموضوع في مصر منذ عهد بعيد؛ ولا أجعل موضوع الأخذ أو التأثر هنا محل بحث جديد ومناقشة على صفحات مجلة سيارة، لأنه أوسع من ذلك وأعمق، ولأن ملاحظاتي لا تتوقف عليه، كما لن أعمد في تعليق على ذلك المقال إلى الإطالة والإسهاب نزولا على حكم الوقت الضيق الآن، ثم نزولا على حكم البتة، إذ لا أرى قراء الصحف الأسبوعية ينشطون لتلك المناقشة الفنية الطويلة. وسأكتفي بأن أضع بين يدي السيد العلوي والقراء ما أراه موضع ملاحظة في إجمال تام. ١ - قال السيد: ومهما قلنا بالفرق بين الأخذ والتأثر لكلا المعنيين بجريان إلى مدى واحد،

стр. 8291

وهو أن يكون في أصل الفقه الإسلامي ومزاجه شيء من الفقه الروماني)، ومع صرف النظر عن مسألة الفقهيين لا نرى محلا للتسوية بين التأثر والأخذ هذه التسوية، لأن التأثر قد يكون سلبيا صرفا، فنقول إن الوثنية العربية قد أثرت في تحريم الإسلام للتصوير والنحت، ولن ينتهي هذا إلى أن في مزاج الإسلام وأصله شيئا من الوثنية الجاهلية. والنظر يقضي بأن التأثر السلبي قد يكون أقوى أنواع التأثر وأشدها، فلا محل للتسوية بين التأثر والأخذ. ٢ - وقال: إن الإسلام في ذاته جاء خارقا لقاعدة البيئة والثقافة، إذ قام النبي محمد ﷺ ، وهو النبي الأمي الذي نشأ أبعد الناس عن أن يطلع على قانون روماني أو حكمة منقولة، وأتى بهذا الدين الأقدس مناقضا كل التناقض لما عليه قومه،. . . الخ. وغريب هذا القول من السيد، لأنه لا يصح إلا على تقدير أن هذا الدين من صنيع الرسول نفسه، وهو أمي. . الخ فعمله ناقض لقاعدة البيئة والثقافة، أما على أن الإسلام - كما هو في حقيقته - وحي إلهي فلا يستقيم هذا التمثيل مطلقا في نقض قاعدة البيئة والثقافة، لأنا لم نقل إن الله خاضع للبيئة والثقافة، بل نقول إن الله أجرى الحياة على نواميس منها تأثير البيئة والثقافة. . . الخ. وعلى وفق هذه النواميس جاء الإسلام العرب موافقا لحالهم معالجا لأمراضهم، جاريا على أسلوب تعبيرهم محكما له في فهم القرآن الكريم دستور العربية، ولم لم يجيء الإسلام بحيث تتقبله النفوس العربية، وتفهمه العقول العربية لكان عبثا - تعالى الله عنه - ولم يعش ولم ينجح. ٣ - وقال: (إن الشريعة الإسلامية وجدت كاملة دفعة، أو بعبارة أصح جاءت في زمن واحد،. . الخ) وهذه العبارة أوضح من أن تحتاج مخالفتها إلى دليل، ويتجلى ذلك في قوله بعد، (وهيأ لنا شريعة كاملة وقانونا ربانيا منظما يصلح لأن يطبق على أي جيل وعلى أية أمة، ولم يزد فيه الفقهاء بعده شيئا قط إلا تصنيفه ونقله. .) فهذا الكلام ليس أحسن حالا من سابقه، فالفقهاء قد فهموا وطبقوا، واستنتجوا واستنبطوا، وخلفوا كل هذا المجهود الفقهي الكبير الهائل مبنيا بيدهم على الأصول العامة التي جاء بها الوحي، ولم يكونوا مصنفين وناقلين فقط، على أن حضرته يقول (. . . والنصوص الفقهية كلها صريحة بينة الأغراض واضحة المرامي) وهذه العبارة بنفسها ينقضها هو في الصفحة ذاتها حين يقول

стр. 8292

عن القرآن: (على أن الاختلاف في تفسيره. . . ليس إلا لإيجازه المعجز مع بعد مراميه الغيبية) فإن هذا الإيجاز المعجز لم يفت آيات الأحكام كذلك، وبعد المرامي يشملها أيضاً؛ وإذا كانت النصوص صريحة بينة الأغراض واضحة المرامي ففم اختلف فقهاء المذاهب الكثيرة المتعددة، وفيم اختلف فقهاء المذهب الواحد في الزمنين المختلفين، وفيم تغايرت الأحكام في المسألة الواحدة هذا التغاير البين؟ والطريف في ذلك أن السيد يمثل لهذه الصراحة والوضوح بقولك مثلا لا تكذب، وأنه ليس معناه إلا لا تخبر بغير الواقع في كل زمن ومكان، وفات السيد أن هذه المسألة الخلقية نفسها على وضوحها الشديد عنده محل خلاف طويل تعدى حتى إلى كتب البلاغة، فقيل الصدق مطابقة الخبر الواقع، وقيل مطابقته للاعتقاد، وقيل مطابقته للواقع مع الاعتقاد؛ وعلى هذا يختلف كذلك تفسير الكذب، فحبذا لو كان الأمر من السهولة والصراحة والوضوح على مثل ما يراه السيد. ٤ - ويقول حضرته في النصوص الفقهية (. . . أما الأغلب منها فمن الحديث والسنة، وبعضها عن الكتاب مفسرا بالسنة) ولا نعرف وجها للحكم بأن أغلب النصوص من السنة لا من الكتاب، ولا يفهم أن الأغلب ما هو من السنة والكتاب معا إذ ليس هناك مصدر للنصوص سواهما. ٥ - ويقول (ولا يجوز أن يقاس الفقه بالتفسير) ولا أدري كيف لا يقاس الفقه بالتفسير في الاختلاف والفقه ليس إلا تفسير آيات الأحكام!! وعندي أن الكاتب الفاضل يحسن أن يعدل رأيه في هذه الأشياء قبل أن يهتم بمسألة الفقه الروماني وأخذه أصوله عن الفقه الإسلامي، أو تأثر للفقه الإسلامي به، فتلك مسائل متأخرة. ويلي ذلك في مقال السيد ما نقله عن مجلة النهضة الحضرمية وأشرت إلى أنه منشور في مصر منذ زمن طويل؛ وقد وعدت ألا أحمله ولا أحمل القراء مؤونة مناقشته - على كثرة مواضع ذلك فيه - وإنما أقول للسيد إن كلمتي في التأثير والتأثر لا تتوقف على البت في تاريخ أصول القانون الروماني الحديث، وإنما ترجع إلى مسلمات لا محل لاختلافنا فيها: تلك هي أن الرومانية حكمت الشام قطعا، وكان ذلك الحكم لقرون كثيرة قطعا، وكانت الدولة الرومانية التي ورثت حضارة اليونان نظم للحكم قطعا، وكانت لها شرائع مدنية

стр. 8293

وعسكرية ومالية قطعا، وكان الإسلام هو الذي خلف على ذلك كله بلا شك، - وكان لهذا على طول الزمن أثره الذي تختلف به الشام عن الحجاز مثلا ولا بد، والأوزاعي ابن هذه البيئة الحديثة العهد بهذه الحال الرومانية، فلتلك البيئة وهاتيك الثقافة أثرهما المحتوم في تكوين الأوزاعي، ولهذا التكوين أثره في فهم الكتاب والسنة والاستنباط منهما - ولا يتوقف شيء مما قلنا على درجة رقي الفقه والنظام الروماني، ولا على أن الحديث منه مسروق من الإسلام أو مقتبس منه أولا. لكني حينما أترك هذا المقال في الفقه الروماني الحديث دون مناقشة لا أدع منه عبارة ختامية للسيد في مقاله، تلك هي قوله (. . . إن الفقه الروماني جديد لفقه جماعة من العلماء وتحقق أنهم أخذوه من الفقه الإسلامي، وهذا ما يجب ألا يعتقد خلافه كل مسلم). بل أقول للسيد لسنا في شيء من المطالبة بهذه العقيدة المعروفة ثم سرقة الفقه الروماني من الفقه الإسلامي. وحرام علينا في الدين والعقل أن نعتقد ما نشاء ونلزم بما نشاء، فدع يا سيدي هذا لمثله من الرأي والبحث. ولا تتوجس خيفة من كل شبح، ولا تعدن كل رأي دسيسة، ولا تتهمن كل مسلم بالضعف والانخداع، فالأمر أخطر من ذلك كله، وأهون من ذلك كله أيضاً. أمين الخولي

стр. 8294

التربية الخلقية والاجتماعية في المدرسة للأستاذ فخري أبو السعود أدخلت الإصلاحات والتغييرات العديدة على أنظمة مدارسنا، ولكنها كانت دائما تدور حول طرق تدريس العلوم ومناهجها، ولم تتجه إلى الناحية الخلقية - كما أشار إليه صاحب المعالي وزير المعارف في تقريره عن التعليم الثانوي - والحقيقة التي لا شبهة فيها أن مدارسنا لا تهتم بغير المواد المدرسية ولا تعمل شيئا في سبيل تربية أخلاق الطلاب. بل الحقيقة التي يعترف بها الخبير المنصف أن مدارسنا كانت بنظمها سببا في نشر الفوضى الخلقية بين الشبان: لقبولها الطلاب من جميع الطبقات، ووضعها أبناء الطبقات المحترمة بجانب أبناء الطبقة الوضيعة في المدرسة الواحدة بلا تمييز؛ وقد دلت المشاهدات على أن الطالب المهذب يكتسب أخلاق زميله الوضيع التربية ولا يحدث العكس؛ وقد زاد هذا البلاء استفحالا في السنين الأخيرة بإقبال الطبقة السفلى على تعليم أبنائها لتأهيلهم للوظائف واكتظاظ المدارس بطلابها. مع أن إنجلترا - على عراقتها في الحرية والديمقراطية - مدارس لا تقبل إلا أبناء الطبقات المحترمة التي تستطيع دفع المصروفات العالية، فيظل أبناؤها بمنجى من مخالطة أبناء السوقة، ذلك بان الحرية والديمقراطية يجب ألا تتعارضا مع الأمر الواقع، أو تتجاهلا وجود الطبقات المتفاوتة. لا تعمل مدارسنا شيئا لتهذيب أخلاق أبنائها مع أننا أحوج من غيرنا إلى التربية الخلقية في مدارسنا: إذ لا يجد ناشئتنا هذه التربية غالبا في بيئة غير بيئة المدرسة: فلا في البيت ولا في الشارع ولا في المجتمع: فالتربية المنزلية عندنا ناقصة، ومعظم الآباء لا يوجهون إلى تربية أبنائهم من وقتهم وعنايتهم ما يجب، وهم يتقادون لحنانهم الأبوي فيسمحون لأبنائهم بكل ما يريدون وإن عارض مصلحتهم وجنى على تنشئتهم؛ وطبقة العامة التي يصادفها الناشئ في غدواته وروحاته فاسدة تعم فيها رذائل الكذب والغش والقحة وجرأة اللسان مما لا مثيل له في بلد راق؛ والحجاب الذي فرضته التقاليد على المرأة يحرم المجتمع من اختلاط الجنسين وهو عامل كبير في تهذيب الخلق وترقيق الطبع وتنمية الذوق وتربية الرجولة الصحيحة.

стр. 8295

ومصر التي جربت في مراكز الحكم زمرا من أبنائها لا يشك أحد في عظيم ذكائهم وكبير مواهبهم وواسع تعليمهم وثقافتهم، ومع ذلك كانوا عليها سوط عذاب وبثوا فيها فساد الأخلاق، مصر هذه يجب أن تنتبه إلى النقص الجسيم في نظم تربيتها، وأن تعرف جيدا قلة جدوى التعليم بدون التربية الخلقية الصحيحة التي تقوم الطباع وتبعث الاستقامة وتشعر الفرد بمسئوليته أمام ضميره وواجبه نحو مجتمعه ووطنه. فمدارسنا اليوم تجعل واجبها الأول التربية العقلية، على حين يجب أن تكون التربية الخلقية أول مراميها، وأن يأتي تزويد الناشئ بالعلوم بعد ذلك في المحل الثاني: فتختلف برامج التعليم زيادة ونقصا وتعديلا كما تدعو الحاجة أو تشير التجارب. ووظيفة المدرسة الخلقية هي هي في مكانها الأول، وهي هي الغرض الأسمى من كل تربية وفي كل معهد، وهي عدة الناشئ وكفيلة بالنجاح في حياته مهما زادت معلوماته أو نقصت أو تنوعت. ومن المسائل المفروغ منها بين المشتغلين بالتربية والتعليم أن التربية الخلقية لا تأتي بالتلقين ولا تكون باستظهار فوائد الفضائل ومضار الرذائل، وإنما العامل الأكبر في تشكيل أخلاق الناشئ وتوجيهها إما إلى الحسنى وإما إلى الخسران، هو الوسط الذي يعيش فيه، والناس الذين يخالطهم في ذلك الوسط، والأعمال التي يزاولها فيه كل يوم؛ فأخلاقنا تنمو نموا غير مقصود ولا متعمد ولا سيما في عهد نشأتنا، وتتشكل بالمحاكاة والاقتداء ومسايرة الغير، فالطفل الناشئ في وسط راق ينشأ فاضلا دون أن تلقى إليه كلمة واحدة في مزايا الفضيلة، والناشئ في بيئة مسمومة يشب دنيئا مهما أسمع من عظات الحكماء، ووضع بين يديه من كتب الفضلاء. فإذا هيأنا في المدرسة للناشئ جوا نقيا صالحا نمت أخلاقه نقية صالحة دون بذل جهد ما من جانبه أو من جانب المدرس أو إدارة المدرسة؛ ولكن جو مدارسنا ليس من النقاء والصلاح بحيث ينشئ الطلاب تلك النشأة، ومهما فرض المدرس وإدارة المدرسة بعد ذلك من أنظمة وقواعد وعقوبات فعبث ليس وراءه طائل. فقد تقدم كيف يختلط في المدرسة ابن الأسرة الطيبة بابن الأسرة الوضيعة فتسود الفوضى الخلقية الجو المدرسي، ثم إن ازدحام ساعات المدرسة بالمواد الدراسية يحول دون توثق الحياة الاجتماعية المدرسية، ويجعل الطلاب في حالة من الإرهاق والملال تحفزهم إلى

стр. 8296

التمرد والإخلال بالنظام وإساءة المسلك كلما لاحت لهم الفرصة لذلك، وكل المواد الدراسية تتطلب منهم إجهاد عقولهم وتقييد أبدانهم، فتنوء عقولهم بالمجهود المتواصل العقيم، وتضيق أبدانهم بالتقييد، ويتجمع نشاطهم الجثماني المكبوح الذي لا يجد منصرفا في وجهة الخير فينصرف إلى ضروب الفساد والعبث بالنظام ومشاكسة الغير والتفكير في أنواع الإثم أو اللهو الفارغ. ومن هذا تتضح الوسائل التي يجب أن تتذرع بها مدارسنا لتربي أخلاق أبنائها؛ وهي: تنقية الجو الدراسي، ووضع التربية البدنية في مكانها الذي هي جديرة به بجانب التربية العقلية، وتوثيق عرى الحياة الاجتماعية في المدرسة: (١) فيجب أن تراعى طبقة الطالب الاجتماعية قبل أن يقبل في المدرسة، وأن يكون لهذا شأن في توزيع الطلاب على المدارس بل على الفصول، وتخصيص مدارس في البلدان المختلفة لأبناء الطبقات الممتازة والأسر الطيبة. وليس هذا بدعا: ففضلا عن وجود هذا التفريق في إنجلترا كما سبق كان بمصر ذاتها شيء منه فيما مضى: إذ كانت بعض المدارس كالخديوية والسعيدية تكاد تختص بأبناء الأسر الراقية، ولكن المدارس التي كانت لها هذه الميزة قد فقدتها أخيرا، وصار بعض المصريين يحجم عن إلحاق الأبناء بالمدارس المصرية مخافة أن يختلطوا بمن لا تحسن مخالطتهم ويفقدوا ما شبوا عليه في بيوتهم من طيب العادات والأخلاق. (٢) وأن تختصر برامج التعلم اختصارا كبيرا وتقلل ساعاتها في اليوم المدرسي، ويخصص جانب كبير من الوقت للألعاب الرياضية التي يجب أن يمارسها جميع الطلاب في كل يوم، فإن هذه الألعاب هي أساس كل تربية صحيحة شاملة ترمي إلى تكوين الفرد والمجتمع، ولا نعلم أمة بلغت شأوا كبيرا من العظمة والرقي في ماض ولا حاضر إلا كانت التربية البدنية المكان الأول في تنشئة أبنائها. فرياضة البدن ضرورية لنموه وصحته، وصاحب الجسم الصحيح أقدر على تلقي العلوم وأداء الأعمال، ونظرته إلى الحياة نظرة تفاؤل وإقدام ورغبة في العمل وعزيمة واعتداد بالنفس، والناشئ الذي ينمو سليم البدن كذلك ينمو سليم النفس مستقيم الطبع متجها إلى الخير يؤثر من أنواع الترويح والاستجمام والسرور ضروب الألعاب الرياضية وصنوف

стр. 8297

اللهو البريء، ولا تنحصر معظم أفكاره في مسائل الجنس ومرذول العبث كما يرجح أن تنحصر أفكار صاحب الجسم البليد الخامل. من ذاك ترى أن الألعاب الرياضية هي قوام التربية البدنية والعقلية والخلقية، ويكفي دليلا على فشل طرق التعليم عندنا أن الزمن المخصص في المناهج لهذا العامل الحيوي في التربية هو دون الساعة في الأسبوع، وأن تعليم الرياضة البدنية في مدارسنا منوط بالجنود القدماء، وأنها لا تحسب من المواد الأساسية، وكل أولئك يزيد الطالب استخفافا بها. (٣) كذلك يجب أن يصرف جانب كبير من أوقات المدرسة في الألعاب والأعمال الجمعية والحفلات لشتى المناسبات: من ابتداء العام المدرسي أو انتصافه أو انتهائه أو توزيع الجوائز أو تكريم أبناء المدرسة أو خريجيها أو زوارها أو المحاضرات المشوقة الممتعة: ففي قيام الطلاب بتنظيم هذه الجماعات واشتراكهم فيها واهتمامهم بنجاحها خير تربية لأخلاقهم الاجتماعية، وأحسن تدريب لهم على حسن المسلك بين الجماعة، وأفضل تهذيب لذوقهم العام، وهم بأشد حاجة إلى ذلك: فما يقول مطلع منصف إن مسلك شبابنا المتعلمين في أغلب مجتمعاتهم مما يشرف. فأغلبهم يعوزهم التعقل، وحسن الذوق، والتمييز بين مقام ومقام، وما يقال هنا ويفعل، ومالا يقال أو يفعل هناك؛ وكثير منهم يعجزون عن استشعار الجد ومواصلة الرزانة في أمر من الأمور، وبهم نزعة إلى الهزل لا تقاوم ولا يكاد يطيب لهم مجتمع حتى يهبطوا به إلى قرار بعيد من التبذل والإسفاف. نعم إن بالمدارس المصرية أنواعا من الجمعيات العلمية والعملية، ولكنها مقصورة على عدد محدود من الطلاب بينما يجب أن تكون شاملة للجميع، ويعد الالتحاق بها أمرا إضافيا على حين يجب أن يكون أساسيا، وما دامت لا تدخل في المنهاج ولا يمتحن في أعمالها الطلاب المرهقون خارجها ببرنامج حافل فإنها لا تجتذب إلا القليلين، وأغلبهم ممن لا يحفلون بالمواد الدراسية وكان يجدر الجمع بين الأمرين. فبتطهير الوسط المدرسي من أوشاب السوقة، ولإعطاء الرياضة البدنية مقامها اللائق، وخلق الحياة الاجتماعية الجذابة بالمدرسة مكان الحياة المقفرة المنفرة، تهيئ المدرسة الجو النقي الصالح الذي يبعث الطالب على مكارم الأخلاق، ويهديه إلى القدوة الحسنة، ويسموا به إلى احترام النفس والمجتمع، وبذلك تؤدي المدرسة واجبها الأول، وتحقق التربية

стр. 8298

غرضها الأسمى. وهذه بعينها هي السنة التي درجت عليها المدارس الإنجليزية من قديم، ولاشك أن المدرسة الإنجليزية تفوق غيرها من المدارس، ولم يبلغ الإنجليز ما بلغوا من العظمة بتزويد أبنائهم بمقدار من المعارف أكبر مما يناله غيرهم، بل بالرياضة البدنية والحياة الاجتماعية المدرسية، وهذه هي وسيلة التربية الخلقية وهي أداة الكفاح والنجاح في الحياة للأفراد والأمم. ومن المأثور المشهور قول ولنجتون إن معركة واترلو كسبت في ملعب كلية إيتون، فهو لم يقل إنها كسبت في حجرات الدراسة أو معاملها، بل في الملعب حيث تخرج الرياضة البدنية جسما سليما وعقلا سليما وخلقا قويما وفردا ينفع نفسه والمجتمع. الإسكندرية فخري أبو السعود المدرس بالعباسية الثانوية

стр. 8299

هراقليوس في المعبد البطل للأستاذ المعروف الأرناءوط (أي صديقي معروف! إنك لتغمر أشخاص عالمك الذي صغت في هذه الرواية البارعة، بشعاع رقيق يحفل بالطيوب واللحون والألوان والصور. إنك تفيض على كل ما تكتب بركة الحياة والنور، فالأشكال تتكلم، والصور تغني، والأخيلة تتفتح عن ألوان لماحة كالطيف، مفترة كالصباح. فهنا حياة كاملة لجبل من الناس تنبسط وتأتلق حتى تملأ الأكوان بسعتها وإشراقها. وهنا الحدائق تتدفق بأنهار كأنهار الجنة تتنهد وتغرد، وتتلفت وتزهى، وتعبق حافاتها بخمائل الحلد وأزاهير النعيم، ثم تذوب في الجو الساهم الهائم أنفاسا مشبوبة بالعطر، لاهبة بالغناء طافحة بالشوق. فمن أحب أن يشعر بهنائة الفن، ورغادة الأدب فليقرأ (عمر بن الخطاب). ومن فاته أن يرى إلى جنائن عبقر، وحدائق الشرق المسحورة، ويتسمع إلى حكايات الحب وأناصيص الحرب، وينظر إلى مواكب المجد وكتائب النصر فيلتمسها في هذه الملحمة الكبرى!) أنور العطار سرب (هراقليوس) في أنحاء الكنيسة بين العمد والأقواس والحنايا والقناطر والتصاوير والشموع، فكأنه في سروبه طائف ألقت به دنيا الأموات إلى دنيا الناس، وما كان قاهر الفرس وسيد الكتائب الظافرة في أفريقية وأوربة ليستطيع أن يكافح شجونا علقت في نفسه وملكت عليه إحساسه وشعوره، وتلك هي شجون لم يحسر عنها أمام خلصائه وأصفيائه استبقاء لزهوه وكبره، وحرصا على ذلك المجد الذي بلغ نواحيه في عمره الطويل، ولكنه أحب أن يلقي بحزنه وشجوه إلى هذا الليل الغاسق الذي بسط جناحيه على غابة تمور بالصور والدمى والمرمر والبرفير واللآلئ واليواقيت، وقد يكون من الخير لنفسه أن تطفو روحه على هذه المشاهد والاشياء، فكان كلما مر برواق من هذه الأروقة الممتعة هتف الجرح بقلبه وحسه، فترسل في مشيته، وأقبل إلى العمد المرمرية الماثلة فترفق على

стр. 8300

جذوعها وجعل ينظر إلى أضواء الشموع، ثم إلى هذه الصور التي قبست شحوبها من نفوس عمرت بالألم والتقى والورع، فإذا صدف عن العمد المرمرية ونازعته نفسه إلى الطواف بالأماكن المقدسة، انبسط أمامه فضاء الكنيسة واتسع، وخيل إليه أن الحوائط والجدر تفر منه وتنأى عنه، فما يستطيع لحاقا بها، ولا تستطيع أن تسايره في منازعه فتسكن وتستريح؛ وكان في بعض الأحايين لا يجد معدى من الوقوف أمام هذه الصور الملونة رجاة أن يتعرف إلى أصحابها، فيفتح عينيه ويمد يده إلى مذبح صغير ازينت أطرافه وجنباته بالذهب، ويأتي إلى الصور ويقرأ أسماء الرسل على الضوء، ثم لا تعجبه هذه الأسماء فيرتد عنها في مثل خفة الوميض، ويطرح الشمعة إلى حضيض البيعة، فيخبو نورها، ثم لا يغمه ويحزنه أن يستأنف طوافه في ليلين راعبين: ليل نفسه، وهذا الليل الذي يغشى المعبد! وربما كان من أحب أمانيه ألا يقول شيئا لأصحاب التصاوير، وقد يكون من أرضى هذه الأماني أن يلقي بدخيلة نفسه إلى المسيح وحده، وذريعته في الحرص على صمته حتى يخلو إلى صورة السيد المسيح أنه ناضل ونافح في سبيله، فأولى للنبي الذي نصره على الوثنية وبارك سلاحه في سوق الوغى أن يفزع إلى الرسول العبقري، وإنما يضيره أن يقص حياته على صور مكان أصحابه من طرازه وعنصره! ولقد وقف (هراقليوس) بعد إفلاته من القبر المقدس بجوار صخرة قيل إن ملكا من السماء وقف عليها ليتحدث إلى العذراء مريم، فتهافت عليها وتمسح بها، ثم دخل إلى بيعة صغيرة أسماها نصارى القرون العافية (معبد الملائكة)، ثم لم يلبث أن ازور عنها وجاء إلى بيعة محاذية في رحبتها قطعة كبيرة من المرمر الرمادي قيل إن السيد المسيح صعد عليها وتراءى لمريم المجدلية، وعليه لباس جنان يحمل الورد، وكانت البيعة الصغيرة تسبح في ظلام شديد، فثنته الجهمة الراعبة عن شعور الرجل التقي، فجثم مصليا على المرمر وحدق إلى سماء المحراب كأنه يريد أن يتعرف المكان الذي خرج المسيح منه بعد دفنه، ولم يطل مكثه في المحراب، فعافه وغشى المعبد الذي ظهر فيه السيد للعذراء بعد بعثه، فطاف بودائعه طوفة الحاج المنيب، وكانت المصابيح المذهبة الملونة تضيء جوانب المعبد، فرأى هراقليوس على وميضها صورة تمثل المسيح ووالدته، فرق للصورة وابتسم، ولكن
следующие страницы →