Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8296–8335 · переход к 8301.
стр. 8296
التمرد والإخلال بالنظام وإساءة المسلك كلما لاحت لهم الفرصة لذلك، وكل المواد الدراسية تتطلب منهم إجهاد عقولهم وتقييد أبدانهم، فتنوء عقولهم بالمجهود المتواصل العقيم، وتضيق أبدانهم بالتقييد، ويتجمع نشاطهم الجثماني المكبوح الذي لا يجد منصرفا في وجهة الخير فينصرف إلى ضروب الفساد والعبث بالنظام ومشاكسة الغير والتفكير في أنواع الإثم أو اللهو الفارغ.
ومن هذا تتضح الوسائل التي يجب أن تتذرع بها مدارسنا لتربي أخلاق أبنائها؛ وهي: تنقية الجو الدراسي، ووضع التربية البدنية في مكانها الذي هي جديرة به بجانب التربية العقلية، وتوثيق عرى الحياة الاجتماعية في المدرسة:
(١) فيجب أن تراعى طبقة الطالب الاجتماعية قبل أن يقبل في المدرسة، وأن يكون لهذا شأن في توزيع الطلاب على المدارس بل على الفصول، وتخصيص مدارس في البلدان المختلفة لأبناء الطبقات الممتازة والأسر الطيبة. وليس هذا بدعا: ففضلا عن وجود هذا التفريق في إنجلترا كما سبق كان بمصر ذاتها شيء منه فيما مضى: إذ كانت بعض المدارس كالخديوية والسعيدية تكاد تختص بأبناء الأسر الراقية، ولكن المدارس التي كانت لها هذه الميزة قد فقدتها أخيرا، وصار بعض المصريين يحجم عن إلحاق الأبناء بالمدارس المصرية مخافة أن يختلطوا بمن لا تحسن مخالطتهم ويفقدوا ما شبوا عليه في بيوتهم من طيب العادات والأخلاق.
(٢) وأن تختصر برامج التعلم اختصارا كبيرا وتقلل ساعاتها في اليوم المدرسي، ويخصص جانب كبير من الوقت للألعاب الرياضية التي يجب أن يمارسها جميع الطلاب في كل يوم، فإن هذه الألعاب هي أساس كل تربية صحيحة شاملة ترمي إلى تكوين الفرد والمجتمع، ولا نعلم أمة بلغت شأوا كبيرا من العظمة والرقي في ماض ولا حاضر إلا كانت التربية البدنية المكان الأول في تنشئة أبنائها.
فرياضة البدن ضرورية لنموه وصحته، وصاحب الجسم الصحيح أقدر على تلقي العلوم وأداء الأعمال، ونظرته إلى الحياة نظرة تفاؤل وإقدام ورغبة في العمل وعزيمة واعتداد بالنفس، والناشئ الذي ينمو سليم البدن كذلك ينمو سليم النفس مستقيم الطبع متجها إلى الخير يؤثر من أنواع الترويح والاستجمام والسرور ضروب الألعاب الرياضية وصنوف
стр. 8297
اللهو البريء، ولا تنحصر معظم أفكاره في مسائل الجنس ومرذول العبث كما يرجح أن تنحصر أفكار صاحب الجسم البليد الخامل.
من ذاك ترى أن الألعاب الرياضية هي قوام التربية البدنية والعقلية والخلقية، ويكفي دليلا على فشل طرق التعليم عندنا أن الزمن المخصص في المناهج لهذا العامل الحيوي في التربية هو دون الساعة في الأسبوع، وأن تعليم الرياضة البدنية في مدارسنا منوط بالجنود القدماء، وأنها لا تحسب من المواد الأساسية، وكل أولئك يزيد الطالب استخفافا بها.
(٣) كذلك يجب أن يصرف جانب كبير من أوقات المدرسة في الألعاب والأعمال الجمعية والحفلات لشتى المناسبات: من ابتداء العام المدرسي أو انتصافه أو انتهائه أو توزيع الجوائز أو تكريم أبناء المدرسة أو خريجيها أو زوارها أو المحاضرات المشوقة الممتعة: ففي قيام الطلاب بتنظيم هذه الجماعات واشتراكهم فيها واهتمامهم بنجاحها خير تربية لأخلاقهم الاجتماعية، وأحسن تدريب لهم على حسن المسلك بين الجماعة، وأفضل تهذيب لذوقهم العام، وهم بأشد حاجة إلى ذلك: فما يقول مطلع منصف إن مسلك شبابنا المتعلمين في أغلب مجتمعاتهم مما يشرف. فأغلبهم يعوزهم التعقل، وحسن الذوق، والتمييز بين مقام ومقام، وما يقال هنا ويفعل، ومالا يقال أو يفعل هناك؛ وكثير منهم يعجزون عن استشعار الجد ومواصلة الرزانة في أمر من الأمور، وبهم نزعة إلى الهزل لا تقاوم ولا يكاد يطيب لهم مجتمع حتى يهبطوا به إلى قرار بعيد من التبذل والإسفاف.
نعم إن بالمدارس المصرية أنواعا من الجمعيات العلمية والعملية، ولكنها مقصورة على عدد محدود من الطلاب بينما يجب أن تكون شاملة للجميع، ويعد الالتحاق بها أمرا إضافيا على حين يجب أن يكون أساسيا، وما دامت لا تدخل في المنهاج ولا يمتحن في أعمالها الطلاب المرهقون خارجها ببرنامج حافل فإنها لا تجتذب إلا القليلين، وأغلبهم ممن لا يحفلون بالمواد الدراسية وكان يجدر الجمع بين الأمرين.
فبتطهير الوسط المدرسي من أوشاب السوقة، ولإعطاء الرياضة البدنية مقامها اللائق، وخلق الحياة الاجتماعية الجذابة بالمدرسة مكان الحياة المقفرة المنفرة، تهيئ المدرسة الجو النقي الصالح الذي يبعث الطالب على مكارم الأخلاق، ويهديه إلى القدوة الحسنة، ويسموا به إلى احترام النفس والمجتمع، وبذلك تؤدي المدرسة واجبها الأول، وتحقق التربية
стр. 8298
غرضها الأسمى.
وهذه بعينها هي السنة التي درجت عليها المدارس الإنجليزية من قديم، ولاشك أن المدرسة الإنجليزية تفوق غيرها من المدارس، ولم يبلغ الإنجليز ما بلغوا من العظمة بتزويد أبنائهم بمقدار من المعارف أكبر مما يناله غيرهم، بل بالرياضة البدنية والحياة الاجتماعية المدرسية، وهذه هي وسيلة التربية الخلقية وهي أداة الكفاح والنجاح في الحياة للأفراد والأمم. ومن المأثور المشهور قول ولنجتون إن معركة واترلو كسبت في ملعب كلية إيتون، فهو لم يقل إنها كسبت في حجرات الدراسة أو معاملها، بل في الملعب حيث تخرج الرياضة البدنية جسما سليما وعقلا سليما وخلقا قويما وفردا ينفع نفسه والمجتمع.
الإسكندرية
فخري أبو السعود المدرس بالعباسية الثانوية
стр. 8299
هراقليوس في المعبد
البطل
للأستاذ المعروف الأرناءوط
(أي صديقي معروف! إنك لتغمر أشخاص عالمك الذي صغت في هذه الرواية البارعة، بشعاع رقيق يحفل بالطيوب واللحون والألوان والصور.
إنك تفيض على كل ما تكتب بركة الحياة والنور، فالأشكال تتكلم، والصور تغني، والأخيلة تتفتح عن ألوان لماحة كالطيف، مفترة كالصباح.
فهنا حياة كاملة لجبل من الناس تنبسط وتأتلق حتى تملأ الأكوان بسعتها وإشراقها.
وهنا الحدائق تتدفق بأنهار كأنهار الجنة تتنهد وتغرد، وتتلفت وتزهى، وتعبق حافاتها بخمائل الحلد وأزاهير النعيم، ثم تذوب في الجو الساهم الهائم أنفاسا مشبوبة بالعطر، لاهبة بالغناء طافحة بالشوق.
فمن أحب أن يشعر بهنائة الفن، ورغادة الأدب فليقرأ (عمر بن الخطاب).
ومن فاته أن يرى إلى جنائن عبقر، وحدائق الشرق المسحورة، ويتسمع إلى حكايات الحب وأناصيص الحرب، وينظر إلى مواكب المجد وكتائب النصر فيلتمسها في هذه الملحمة الكبرى!)
أنور العطار
سرب (هراقليوس) في أنحاء الكنيسة بين العمد والأقواس والحنايا والقناطر والتصاوير والشموع، فكأنه في سروبه طائف ألقت به دنيا الأموات إلى دنيا الناس، وما كان قاهر الفرس وسيد الكتائب الظافرة في أفريقية وأوربة ليستطيع أن يكافح شجونا علقت في نفسه وملكت عليه إحساسه وشعوره، وتلك هي شجون لم يحسر عنها أمام خلصائه وأصفيائه استبقاء لزهوه وكبره، وحرصا على ذلك المجد الذي بلغ نواحيه في عمره الطويل، ولكنه أحب أن يلقي بحزنه وشجوه إلى هذا الليل الغاسق الذي بسط جناحيه على غابة تمور بالصور والدمى والمرمر والبرفير واللآلئ واليواقيت، وقد يكون من الخير لنفسه أن تطفو روحه على هذه المشاهد والاشياء، فكان كلما مر برواق من هذه الأروقة الممتعة هتف الجرح بقلبه وحسه، فترسل في مشيته، وأقبل إلى العمد المرمرية الماثلة فترفق على
стр. 8300
جذوعها وجعل ينظر إلى أضواء الشموع، ثم إلى هذه الصور التي قبست شحوبها من نفوس عمرت بالألم والتقى والورع، فإذا صدف عن العمد المرمرية ونازعته نفسه إلى الطواف بالأماكن المقدسة، انبسط أمامه فضاء الكنيسة واتسع، وخيل إليه أن الحوائط والجدر تفر منه وتنأى عنه، فما يستطيع لحاقا بها، ولا تستطيع أن تسايره في منازعه فتسكن وتستريح؛ وكان في بعض الأحايين لا يجد معدى من الوقوف أمام هذه الصور الملونة رجاة أن يتعرف إلى أصحابها، فيفتح عينيه ويمد يده إلى مذبح صغير ازينت أطرافه وجنباته بالذهب، ويأتي إلى الصور ويقرأ أسماء الرسل على الضوء، ثم لا تعجبه هذه الأسماء فيرتد عنها في مثل خفة الوميض، ويطرح الشمعة إلى حضيض البيعة، فيخبو نورها، ثم لا يغمه ويحزنه أن يستأنف طوافه في ليلين راعبين: ليل نفسه، وهذا الليل الذي يغشى المعبد!
وربما كان من أحب أمانيه ألا يقول شيئا لأصحاب التصاوير، وقد يكون من أرضى هذه الأماني أن يلقي بدخيلة نفسه إلى المسيح وحده، وذريعته في الحرص على صمته حتى يخلو إلى صورة السيد المسيح أنه ناضل ونافح في سبيله، فأولى للنبي الذي نصره على الوثنية وبارك سلاحه في سوق الوغى أن يفزع إلى الرسول العبقري، وإنما يضيره أن يقص حياته على صور مكان أصحابه من طرازه وعنصره!
ولقد وقف (هراقليوس) بعد إفلاته من القبر المقدس بجوار صخرة قيل إن ملكا من السماء وقف عليها ليتحدث إلى العذراء مريم، فتهافت عليها وتمسح بها، ثم دخل إلى بيعة صغيرة أسماها نصارى القرون العافية (معبد الملائكة)، ثم لم يلبث أن ازور عنها وجاء إلى بيعة محاذية في رحبتها قطعة كبيرة من المرمر الرمادي قيل إن السيد المسيح صعد عليها وتراءى لمريم المجدلية، وعليه لباس جنان يحمل الورد، وكانت البيعة الصغيرة تسبح في ظلام شديد، فثنته الجهمة الراعبة عن شعور الرجل التقي، فجثم مصليا على المرمر وحدق إلى سماء المحراب كأنه يريد أن يتعرف المكان الذي خرج المسيح منه بعد دفنه، ولم يطل مكثه في المحراب، فعافه وغشى المعبد الذي ظهر فيه السيد للعذراء بعد بعثه، فطاف بودائعه طوفة الحاج المنيب، وكانت المصابيح المذهبة الملونة تضيء جوانب المعبد، فرأى هراقليوس على وميضها صورة تمثل المسيح ووالدته، فرق للصورة وابتسم، ولكن
стр. 8301
ذلك العزاء الذي تمناه لم يخالط نفسه، فجمع ذيول ردائه وخرج من المعبد ليدأب في طوافه، فاستقبلته العمد المرمرية الرفيعة، كأنها خيالات الموتى، فأخافه ما عليها من سعف النخيل وورق الغار، وأنمى مخاوفه احتراق البخور في كل ناحية من نواحي البيعة الكبرى، وإطلال الصور على الحوائط والجدر، وكان يخيل إليه أن حجه قد انتهى، فينبغي له وقد بلغ غايته من زيارة الأماكن الطاهرة أن ينقلب إلى أحراسه الذين أبوا مفارقة أبواب الكنيسة قبل فراغه من حجه، فلما هم أن يخرج لم يستطع أن يتعرف الأبواب، فقد امتد صحن الكنيسة وفاح حتى مائل الحرجة الغبياء، فألقى بنفسه إلى تيه راعب، وبلغ به المطاف محراب القديسة (هيلانة) المائل إلى يساره، فشخص إليه وقرأ اسم هيلانة منقوشا على المرمر بحروف إغريقية، وهو لا يجهل أمر هذه المرأة التي لبست التاج في كنيسة الرسل، وابتعثها شغفها العنيف بقصة حياة المسيح على فراق القصر، فجاءت إلى بيت المقدس لتبحث عن خشبة الصليب، فلما عثرت عليها بالغت في تكريمها، ثم رفعت هذه الكنيسة تخليدا لذكريات تلك الحياة الماجدة!
لألأ الفرح على جبين هراقيلوس فتشاجى ورق، وجعل يستعرض تاريخ تلك المرأة التقية التي أزجاها الورع الشديد العنيف إلى الإيغال في منافحة الوثنية، فأكبر حياتها. ثم فاضل بين هذه الحياة وحياته، فراقه تساوق عجيب في الحياتين، ولذه أن تبدأ المرأة العاقلة أمرها في البحث عن الصليب حتى حصلت عليه، وأن يبدأ هراقيلوس أمره في إرجاع الصليب إلى مكانه الأصيل بعد انتصاره على جيوش ملك الملوك كسرى!
وكانت هذه المفاضلة التي ذهب إليها ساعة وقف إلى جانب المحراب مثارا لذكريات نبيلة في نفسه، فاطمأن البطل المقارع إلى خاتمة حياته، ووثق بقدرته على اجتناء النصر حتى يغيب في رمسه! وما عاد يخيفه هذا البغض الذي يشعر به الناس في الشام وفلسطين ومصر، بل عاد هراقيلوس يخاف أمر هذه الصحراء التي أخرجت الأبطال والمساعير إلى مشارف الشام للثأر بدم الرسول الذي قتله أمير من غسان! ومن أين لهذه الصحراء الغارقة في الرمال، والتي لا يسمع لها نشيد في البلاد الوارفة الظل، حظ هراقيلوس اللامع وجده الساطع؟ وهذا الملك الطويل العريض الذي استعبد الشعوب وأذل الملوك؟ بل من أين لهذه الصحراء الغطشاء السادرة في حر الهاجرة، هذه الأنهار الجارية، وهذه البحار الطاغية،
стр. 8302
وهذه الشطآن التي لا حد لها ولا انتهاء!
قد تغري الحماسة فرسان الصحراء بالوثوب على القرى والمسالح، ولكن دون وصول هؤلاء الفرسان إلى المدن الضاحكة على ضفاف الأنهر وشواطئ البحار، حمية هؤلاء الملوك الذين مشوا في ركاب قيصر لقتال كسرى في مدائنه! وبسالة الجيش الذي ظفر بأسلاب العدو في جبال الألب وفي سهول مقدونيا، وعلى شواطئ البحر اليوناني!
وماذا يستطيع (فروة بن عمرو) الذي ثار على سيده ومولاه أن يفعل، وفي جيش هراقيلوس قواد ما تزال صدورهم تخفق بتلك الأناشيد التي سمعها العراق وسمعتها فارس، ولا يزال صليلها الراعب يرعد في سمع هذه الدنيا التي لا يرتفع لها علم بجوار علم قيصر!.
لقد همس هراقيلوس باسم فروة، وهو منحدر إلى الهاوية العميقة التي نقرت على جلامدها كنيسة القديسة هيلانة، همس الساخر العابث، ولما جاز السلاليم إلى ذلك المنحدر الأوهد رفع يده إلى الفضاء كأنه يتوعد الفيلارك فروة بن عمرو الجذامي، ثم تضاحك، حتى لقد رن ضحكه في جوف الهاوية وأردف صائحا: (ما أنا بحاجة إلى قتالك أيها الفتى الذي ابتعثته أماني الشباب على الزراية بسيد الجيوش وأمير الجحافل! فمثلك لا يقاتله رجل إلا من طرازه ونوعه، وقد وفقت في العثور على الرجل فاليكه، فأنه الحارث الغساني أمير دمشق وسيأتيك من حيث لم تحذر، ويقاتلك من مأمنك).
جاز قيصر السلاليم في رفق وهوادة، فاستقبلته الظلمة الفاحمة، وارتمت على جبينه الرطوبة، وسرت إلى نفسه عفونة ما كان يستطيع عليها صبرا، ومع هذا كله مضى هراقيلوس لما شاء، ودأب في انحداره حتى انتهى إلى الهاوية، فإذا عليها سحب من ليل صارد، وإذا الرطوبة التي استقبلته على وصيد الباب تستقبله عند كل خطوة، وإذا هو لا يبصر غير بريق الفسيفساء على الحياط والجدر والحنايا، فانكمش وتقاصر وردت إليه هواجسه، وثابت إلى قلبه وساوسه، وامتلأ رأسه بالتهاويل والتصاوير، فاطرح عبقرية الرجل الأريب، وأخذته جنة الرجل السروب، وفكر في الرجوع على عقبيه فما جرؤ على رجعة وشيكة، فقد سالت نفسه على الحياط والجدر، وأنمى مخاوفه بصيص من ضياء يتسرب إلى حضيض البيعة من ثقوب في قبتها السامقة، وقد تسايل على الجدر والحياط
стр. 8303
فضوءها، فنظر هراقيلوس إليها فإذا عليها تصاوير غاتمة شاحبة تمثل أشخاصا ذوي وجوه كامدة، وقد قعد هؤلاء القرفصاء، وحسروا عن صدورهم فإذا هي قد أكلتها القروح وأثخنتها الجروح، فسال صديدها على أطمار بالية عافية، وبين هؤلاء المناكيد المشائيم فقراء متسولون يغشى وجوههم الناصلة أثر غير يسير من بؤس ويأس، ومن حولهم فتى رائع الجمال، ضاحك الأسارير قد سدر شعوره الشقر على منكبيه حتى ماثل المسيح في ملامحه البارعة؛ ولكنه ضرير لا يبصر ما حوله!
خيل إلى هراقيلوس وهو ينظر إلى هذه التهاويل أنه في مكان يسوده العذاب، فتلطفت نفسه ورجفت أسنانه ووضع يده على عينيه كأنما هو يحاول ألا يرى إلى هذه الأشياء الجاهمة، ثم فكر في الرجوع إلى المعبد، ليلحق برجاله الذين ينتظرون معاده على الأبواب فما استطاع إلى ذلك سبيلا، فلقد أمالته مخاوفه إلى الإيغال في الطواف فمشى بين صفين متقابلين من أشباح وصور ثم لم يعد في ميسوره أن يدأب في طوافه، فوقف تحت قنطرة المعبد وجعل يستمع لفحام مؤلم ينبعث من صدره.
ليس بين هذه المحاريب التي غصت بها أنحاء كنيسة القبر المقدس ما يماثل محراب القديسة هيلانة في ظلمته وروعته، وفي ذكرياته الحافزة المثيرة، فلقد يستطيع الإنسان أن يمر بالمعابد جميعا وينسل إلى الأروقة جميعا، ويتجسس العمد والتصاوير جميعا فلا يحس خوفا، فإذا ألقت به حظوظه العاثرة إلى معبد القديسة هيلانة بدت له نواحيه وأطرافه صامتة ذاهلة، فإذا تدفق في سيره ألفاه خياليا عاطلا إلا من هذه الأشباح والأطياف الجاثمة على سلاله ودرجاته وعند مداخله، وإلا من هذه التصاوير التي لا تفارق جدره وحياطه، فإذا طاف بهياكله ومنابره لم تتبدل في عينيه هذه الصور التي أبصرها على عمده وحناياه وأقواسه، ثم لا يلبث أن يفر من هذا المكان الراعب الذي يماثل في تهاويله وتصاويره معابد الوثنية.
لم يجد هراقيلوس معدى عن الصلاة فخافت بصوته لعل صلاته تنسيه هذا الضجر الأحمق الذي علق بنفسه، أو لعل هذه الصلاة التي همس بها في الراموس الراعب ترجع به إلى حزمه ومضائه فينقلب على أحلامه وهواجسه، ويجفو هذه العزلة الجاهدة، ويفيء إلى سريه صحيح العقل موفور الذكاء، ولكن الرجل الذي أوفى لنصرانيته وبر بمسيحه ما كان
стр. 8304
يجد في هذه الصلاة التي رددها أمام التصاوير، ذلك الصفاء الذي كان يشتاقه، وذلك لأن ماضيه مثل له في الراموس النابي، فزحمته طيوفه وأشباحه، وخرجت على فمه أسماء معاركه وملاحمه، وانفلتت من صدره ذكريات مخازيه ومساويه، فوازن بين انتصاره على الوثنية وبين إيغاله في تنكيد أبناء الشيع النصرانية، فرجحت كفة رذائله على كفة فضائله، فتشاجى ورق وهام على وجهه في فضاء المعبد حتى بلغ هيكله المرمري، فوقف خياله كأنما هو يريد أن يعترف بذنبه، أو كأنما هو ينزع إلى إلقاء جرائمه في هذا المكان المخوف، فذكر أمام الهيكل اسم: (مارتينا) زوجه، وقد نهاه البطريرك (سرجيوس) عن مخالطتها، فأبى ذلك مسايرة لميول قلبه، ثم تزوجها وألبسها لباس القياصرة ومشى بها إلى كنيسة أيا صوفيا من غير أن يفطن إلى عظيم ذنبه عند ربه.
وكان كلما طافت به هذه الذكر الشجية لا يمنع عينيه البكاء حتى لقد استفاض أنينه في أنحاء المعبد، فاستمعت لها التصاوير ووعتها السدفة، ثم غشيته ذهلة قاتلة، فجعل يهذي هذيانا بليغا، وانكفأ يخلط ماضيه بحاضره، وقذف فمه أسماء ضحاياه، وبين هذه الأسماء التي لا تحصى اسم فتاة وطئ قيصر عفافها في ليلة عاصفة بالبروق والرعود، وأرادها على فراق وطنها فخرجت منه إلى ربوع الشام وفي نفسها المحطمة من الذكر الراعبة ما ليس في كتاب.
وكان هذا الخوف الذي تولاه ساعة نظر إلى صورة الأعمى مبعث حيرته ومصدر وساوسه، فسأل نفسه عن هذا الجزع الذي غشيها وهو الزعيم الكمي الذي جاز بفرسانه شواهق إنطاكية وسهولها ليلحق بجيوش (كسرى) عند (تدمر) فتنة الصحارى، فلما فرت جيوش كسرى أمام كتائبه ثارت حميته واستأنف زحفه في أرض محصبة واعرة، حتى لقى كسرى عند دجلة فنهد إلى مقارعته وحمله عار الانكسار، ولحق به إلى المدائن وأقسره على إرجاع الصليب الذي حمله ملك الملوك من بيت المقدس.
وليس هذا كل ما فكر فيه، بل لقد ذهب في تفكيره إلى أبعد مدى، فتمثل دخوله إلى هياكل الوثنية في موكب ضاحك ينس تلك الحماسة البالغة التي لقيها في معابد (جوبيتير) و (منرفا) فوازن بينها وبين هذا الفتور الذي استقبلته به معابد النصرانية! وعيناه لا تزالان تنظران إلى صورة الفتى الأشقر الذي لا يبصر!
стр. 8305
(البقية في العدد القادم)
معروف الأرناءوط
-
стр. 8306
شاعرنا العالمي أبو العتاهية
للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
ويجب أن نضيف إلى تلك الأدلة على أن حب أبي العتاهية لعتبة جارية المهدي لم يكن حبا صادقا، دليلا آخر هو ذلك الشكل الذي ابتدأ به حبه لها، وحب صاحبه لخالصة صاحبتها، فإن وقوف كل واحد منهما في الطريق لتمر عليه أي امرأة كانت، فيتفق أن تمر عليهما هاتان الجاريتان، فيقول أحدهما قد عشقت عتبة، ويقول الآخر قد عشقت خالصة، لا يدل إلا على أنهما كانا يريدان حبا كيفما اتفق، حبا يتخذانه وسيلة للظهور والمران على الشعر، لا حبا صادقا يملك عليهما حياتيهما وشعريهما، كما ملك ذلك على الشعراء العشاق قبلهما.
ولم يكتف أبو العتاهية باتخاذ عتبة وسيلة له إلى الاتصال بالمهدي، بل اتصل أيضاً بيزيد بن منصور خال المهدي، وكان بارا بأبي العتاهية، كثيرا فضله عليه، وكان أبو العتاهية منه في منعة وحصن حصين، مع كثرة ما يدفعه إليه، ويمنعه منه من المكاره، ومن أجله كان أبو العتاهية يتعصب لليمانية أخوال المهدي، ويمدحهم فيما يمدحه به من شعره، ومن ذلك قوله:
سُقيت الغيثَ عليك نورا … فنعم محلَّةُ الملك الهمام
لقد نشر الإله عليك نوراً … وخفَّك بالملائكة الكرام
سأشكر نعمة المهديَّ حتى … تدور عليَّ دائرة الْحِمَام
له بيتان، بيتٌ تُبَّعِيُّ … وبيت حَلَّ بالبلد الحرام
وقد اتصلت مدائحه بالمهدي فقربه منه، وعظم مقامه في دولته، ونال من جوائزه ما لم ينله غيره، وكان الأمر يصل بينهما أحيانا إلى التبسط في أوقات اللهو إلى حد تسقط في الكلفة، وينسى الفارق بين المهدي وبينه، ومن ذلك أنه خرج معه يوما إلى الصيد في بعض من حاشيته، فوقعوا منه على شيء كثير، وتفرقوا في طلبه، وأخذ المهدي في طريق غير طريقهم وكان معه أبو العتاهية، فعرض لهم واد فسيح، وتغيمت السماء وبدأت تمطر، فتحيرا في أمرهما، وأشرفا على الوادي، فإذا فيه ملاح يعبر الناس، فلجأ إليه وسألاه عن الطريق، فجعل يضعف رأيهما، ويعجزهما في بذلهما أنفسهما في ذلك الغيم للصيد؛ ثم ادخلهما كوخا له، وكاد المهدي يموت بردا، فقال له الملاح: أغطيك بجبتي هذه الصوف؟
стр. 8307
قال: نعم، فغطاه بها فتماسك قليلا ونام، فافتقده غلمانه، وتبعوا أثره حتى أتوا إليه، فلما رأى الملاح كثرتهم علم أنه الخليفة فهرب، وتبادر الغلمان فنحوا الجبة عنه، وألقوا عليه الخز والوشى، فلما انتبه قال لأبي العتاهية: ويحك ما فعل الملاح فقد والله وجب حقه علينا، فقال: هرب والله خوفا من قبح ما خاطبنا به، فقال إنا لله، والله لقد أردت أن أغنيه، وبأي شيء خاطبنا؟ نحن والله مستحقون لأقبح مما خاطبنا به، بحياتي عليك إلا ما هجوتني، فقال: يا أمير المؤمنين كيف تطيب نفسي بأن أهجوك، فقال: والله لتفعلن فإني ضعيف الرأي مغرم بالصيد. فقال:
يا لابس الوشى على ثوبه … ما أقبح الأشيب في الراح
فقال له زدني بحياتي فقال:
لو شئت أيضاً جُلتَ في خامة … وفي وشاحين وأوضاح
فقال له: ويلك هذا معنى سوء يرويه عنك الناس وأنا أستأهل، زدني شيئا آخر. فقال: أخاف أن تغضب، فقال لا والله، فقال:
كم من عظيم القدر في نفسه … قد نام في جُبةِ ملاَّح
وهذه حادثة أخرى له مع المهدي تدلنا على أن اتصاله به لم يكن اتصال الشاعر المستجدي الخانع، بل اتصال الشاعر الذي يعرف لنفسه قدرها، فإذا رأى شيئا أمامه من ممدوحه لا يرضى عنه، نسى فيه ماله وجوائزه، ولم يذهب فيه معه على ما يرضى هواه، بل يذهب فيه على ما يرضى نفسه هو، وإن كان يتلطف في ذلك بقدر ما تسمح به ظروف عصره في مخاطبة الملوك، وتهدئة ثائرتهم عند غضبهم.
دخل على المهدي وزيره أبو عبد الله، وكان قد وجد عليه في أمر بلغه عنه، وأبو العتاهية حاضر مجلسه، فجعل المهدي يشتم أبا عبيد الله ويتغيظ عليه، ثم أمر به فجر برجله وحبس، ثم أطرق المهدي طويلا فلما سكن أنشده أبو العتاهية:
أرى الدنيا لمن هي في يديه … عذاباً كلما كبرت عليه
تهين المكرمين لها بصُغر … وتكرم كل من هانت عليه
إذا استغنيت عن شيء فدعه … وخذ ما أنت محتاج إليه
فتبسم المهدي وقال لأبي العتاهية: أحسنت، فقام أبو العتاهية ثم قال: والله يا أمير المؤمنين
стр. 8308
ما رأيت أحدا أشد إكراما للدنيا، ولا أصون لها، ولا أشح عليها، من هذا الذي جر برجله الساعة؛ ولقد دخلت إلى أمي المؤمنين، ودخل هو، وهو أعز الناس، فما برحت حتى رأيته أذل الناس، ولو رضى من الدنيا بما يكفيه لاستوت أحواله ولم تتفاوت. فتبسم المهدي ودعا بأبي عبيد الله فرضى عنه، فكان أبو عبيد الله يشكر ذلك لأبي العتاهية.
فإذا قيل لنا كيف صار الفتى بائع الجرار إلى هذه المنزلة من علو النفس، بحيث يسمو ذلك السمو على وزير المهدي، إذا بدا للناظر غريبا أن ينقلب هذا الشاعر الماجن ذلك الانقلاب الذي يتنافى مع ماضيه كل المنافاة، فإن هذا لا يجعلنا نتعجل درس هذا الشاعر العظيم، ولا بد أن ننتظر ذلك الإرهاص إلى غايته، ونمضي في درسه مرحلة مرحلة.
ومن مدائحه في المهدي تلك القصيدة التي مدحه بها أمام بشار وأشجع السلمي وغيرهما من الشعراء، وقد إذن لهم المهدي فجلسوا وسكت أهل المجلس، فسمع بشار حسا، فقال لأشجع: من هذا؟ فقال أبو العتاهية، فقال: لا جزي الله خيرا من جمعنا معه، ثم أمره المهدي فأنشد:
ألا ما لسيدتي ما لها … أدَلاَّ فأحمل أدلالها
وإلا ففيمَ تجنَّت وما … جنْيتُ سقى الله أطلالها
ألا إن جارية للإما … م قد أسكن الحب سربالها
مشت بين حور قصار الخطى … تجاذب في المشي أكفالها
وقد أتعب الله نفسي بها … وأتعب باللوم عذالها
فقال بشار لأشجع: ويحك يا أخا سليم! رأيت أحر من هذا؟ ينشد مثل هذا الشعر في هذا الموضع! حتى بلغ قوله:
أتته الخلافة منقادة … إليه تجرر أذيالها
ولم تك تصلح إلا له … ولم يك يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيره … لزلزلت الأرض زلزالها
ولو لم تطعه بنات القلو … ب لما قبل الله أعمالها
فقال بشار: أنظر ويحك يا أشجع، هل طار الخليفة عن فراشه طربا لما يأتي به هذا الكوفي؟
والناظر في هذه القصيدة يرى أبا العتاهية إلى هذا العهد يبتدئ مدائحه بالنسيب على
стр. 8309
عادتهم في ذلك، ولكنه لا ينسب بليلى ولا هند كما كان ينسب الشعراء قبله، وإنما ينسب بالجواري البغداديات الحسان، ليجاري في ذلك عصره الذي يعيش فيه، ولا يجمد على ما كان يجمد عليه غيره، ولم يكن مع هذا يعني بتطويل النسيب أمام المديح حتى يستفرغ فيه وسعه، بل يلم به إلماما، ثم يدخل في مقصده. قال صاحب الأغاني حدثنا الصولي، قال حدثنا الغلابي، قال حدثنا عبد الله بن الضحاك أن عمرو بن العلاء مولى عمرو بن حريث صاحب المهدي كان ممدحاً، فمدحه أبو العتاهية، فأمر له بسبعين ألف درهم، فأنكر ذلك بعض الشعراء وقال: كيف فعل هذا بهذا الكوفي! وأي شيء مقدار شعره؟ فبلغه ذلك، فأحضر الرجل وقال له: والله إن الواحد منكم ليدور على المعنى فلا يصيبه، ويتعاطاه فلا يحسنه، حتى يشبب بخمسين بيتا، ثم يمدحنا ببعضها، وهذا كأن المعاني تجمع له، مدحني فقصر التشبيب وقال:
إني أمنت من الزمان وريبه … لما علقت من الأمير حبالا
لو يستطيع الناس من إجلاله … لحذوا له حر الوجوه نعالا
عبد المتعال الصعيدي
стр. 8310
٢٤ - محاورات أفلاطون
الحوار الثالث
فيدون أو خلود الروح
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
فلو لاحظ شخص أن (أ) أطول من (ب) بمقدار رأس، وأن ب أصغر بمقدار رأس، فسترفض أن تسلم له بهذا، وستزعم بقوة أنك لا تعني إلا أن الأكبر أكبر بالكبر، وبسببه، وأن الأصغر ليس أصغر إلا بالصغر، وبسببه، وهكذا تجنب نفسك خطر القول بأن الأكبر أكبر، وأن الأصغر أصغر، بمقياس الرأس، الذي هو هو في كلتا الحالتين، وستجنب نفسك كذلك ما في افتراض أن الرجل الأكبر أكبر بسبب الرأس الذي هو صغير، من سخف فظيع. ألم تكن لتخشى ذلك؟
فقال سيبيس ضاحكا: كنت لأخشاه حقا
وكنت تخشى، بنفس الطريقة، أن تقول إن عشرة تزيد على ثمانية بأثنين، وبسببها، ولكنك كنت تقول إنها تزيد عليها بالعدد، وبسببه، أو أن ذراعين يزيدان على ذراع واحد بنصف بل هما يزيدان عليه بالكبر - ذلك ما كنت تقوله لأن الخطر بذاته موجود في كلتا الحالتين.
قال: جد صحيح
- ثم ألم تكن لتحذر من التأكيد بأن إضافة واحد إلى واحد، أو قسمة واحد، هي سبب اثنين، وكنت لتقسم أمام الملأ بأنك لا تدري طريقة يجيء بها أي شخص إلى الوجود، إلا مشاطرته لجوهره الأصلي، فينتج أن سبب الاثنين الأوحد هو - في حدود ما تعلمه أنت - مشاطرة الأثنينية، فهذه المشاطرة هي طريقة عمل أثنين كما أن مشاطرة الواحد هي طريقة عمل الواحد؛ وكنت ستقول إني مطرح ألغاز القسمة والإضافة جانبا - فقد تجيب عنها رؤوس أبلغ من رأسي حكمة، وما دمت كما أنا عديم الخبرة، أفزع من ظلي كما يذهب المثل، فلست أقوى على أن أتناول بالهدم مبدأ ذا أساس مكين. فإن هاجمك في ذلك مهاجم، لم تحفل به، أو أجبته حتى ترى إن كانت النتائج الناجمة متفقا بعضها مع بعض أولا، فإن طلب إليك بعد ذلك أن تتناول هذا المبدأ بالشرح، مضيت تزعم مبدأ أسمي، فأسمى المبادئ
стр. 8311
السامية، حتى تجد لنفسك مكمنا، ولكنك لم تكن لتخلط في تدليلك بين المبدأ والنتائج، كما فعل الأرستيون على الأقل إذا أردت أن تستكشف الوجود الحقيقي. لا لأن هذا الخلط كان سيتبين لهؤلاء الذين لا يعنيهم الأمر إطلاقاً ولا يفكرون فيه، فلديهم من الذكاء ما يكفي أن يجعلهم يغتبطون بأنفسهم غبطة عظيمة، مهما يكن ما تحويه أفكارهم من عناء كبير، ولكني أعتقد أنك فاعل كما أقول إن كنت فيلسوفا.
فقال سيمياس وسيبيس في صوت واحد: إن ما تقوله لحق بالغ اشكراتس - نعم يا فيدون، وليس يدهشني منهما هذا التسليم، فكل إنسان له من الفكر أدنى حدوده ليقر بما في تدليل سقراط من وضوح عجيب.
فيدون - يقينا يا اشكراتس، بلى، وهو إحساسنا أيضاً، نحن الذين نصغي الآن لروايتك ولم نكن من الرفاق، ولكن ما الذي أعقب هذا؟
فيدون - بعد أن سلموا بهذا كله، ووافقوا على وجود المثل، وعلى مساهمة سائر الأشياء فيها، تلك الأشياء التي اشتقت أسماؤها من تلك المثل، قال سقراط ما يأتي، إن كنت مصيبا فيما أتذكر:
تلك هي طريقتك في الحديث، ومع ذلك فحين تقول إن سمياس أكبر من سقراط وأصغر من فيدون، ألست بذلك تضيف إلى سمياس الكبر والصغر معا؟
- نعم إني أفعل ذلك
- ولكنك على رغم هذا تسلم بأن سمياس لا يزيد في الحقيقة عن سقراط بسبب أنه سمياس، كما قد يدل عليه ظاهر العبارة، ولكنه يزيد عليه بسبب ما له من حجم. فليس يزيد سمياس على سقراط لأنه سمياس أكثر مما يزيد عليه لأن سقراط هو سقراط، إنما بسبب الزيادة أن فيه صغرا حينما يقرن إلى كبر سمياس؟
- حقاً
- وإذا كان فيدون يربي عليه حجما، فليس ذلك لأن فيدون هو فيدون، بل سببه أن في فيدون كبرا بالنسبة إلى سمياس الذي هو أصغر بالمقارنة؟
- هذا حق
- وإن فسمياس يقال عنه إنه كبير كما يقال عنه إنه صغير لأنه في موقف وسط بينهما،
стр. 8312
فهو يزيد بكبره على صغر أحدهما، وهو يسمح لكبر الآخر أن يزيد على صغره. ثم أضاف ضاحكا: ما أشبهني فيما أقول بكتاب، ولكني أعتقد أن ما أقوله حق
فوافق سمياس على هذا
- والسبب في هذا القول مني هو رغبتي في أن تروا معي أنه ليس الكبر المطلق وحده هو الذي يستحيل عليه أن يكون كبيرا وصغيرا في آن واحد، بل إن ما فينا من كبر، وكذلك ما في المحسات، لن يقبل كذلك الصغير بتاتا، ولن يرضى أن يربي عليه، وسيحدث بدلا من هذا أحد شيئين - إما أن الأكبر سيزول أو يتراجع أمام ضده، وهو الأصغر، أو أنه سيتلاشى بازدياد الأصغر، لكنه لو قبل أو سلم بالصغر فلن يتغير ذلك منه، كما أني لا أزال كما كنت تماما الشخص الصغير بذاته مع كوني قد تلقيت الصغير وقبلته حينما قرنت إلى سمياس. فكما أنه يستحيل قطعا على مثال الكبير أن يتنازل ليكون أو ليصير صغيرا، كما يستحيل على أي ضد آخر كما هو، أن يكون أو يصير ضد نفسه ابدا، فهو إما أن يزول أو يمحى أثناء التغير
أجاب سيبيس: هذا عين ما أرتئيه
فلما أن سمع ذلك أحد الرفاق، ولست أذكر على التحقيق من هو، قال: بحق السماء، أليس هذا هو النقيض تماما لما سبق التسليم به - ذلك أن من الأكبر جاء الأصغر، ومن الأصغر جاء الأكبر، وإن الأضداد إنما تولدت من أضداد، فأحسبكم الآن منكرين هذا إنكارا قاطعا.
فمال سقراط نحو المتكلم برأسه منصتا، ثم قال: تعجبني جرأتك في تذكيرنا بهذا، ولكنك لم تلاحظ أن هنالك اختلافا بين الحالتين، فقد كنا نتحدث فيما سلف عن الأضداد في المحسوسات، أما الآن فحديثنا عن الضد في الجوهر الذي يستحيل عليه - كما هو مقطوع به - أن يكون على خلاف مع نفسه سواء أكان هذا الضد فينا أو في الطبيعة. إذن فقد كنا يا صديقي نتحدث عن الأشياء التي تكون الأضداد فطرية فيها، والتي سميت تبعا لها، أما الآن فنحن إنما نتكلم عن الأضداد التي تكون فطرية فيها (في الأشياء) والتي تخلع اسمها عليها، فلن تقبل قط هذه الأَضداد الجوهرية، فيما نعتقد، التوليد أو الخروج بعضها من بعض. وهنا التفت إلى سيبيس وقال: هل أدخل اعتراض صاحبنا شيئا من الحيرة في نفسك يا سيبيس؟
стр. 8313
فأجاب سيبيس: لم أشعر بذلك، ولكني لا أنكر أني أوشك أن أحس الارتباك
فقال سقراط: إذن فنحن بعد هذا كله متفقون على أن الضد لن يكون مضادا لنفسه بأية حال؟
فأجاب: إننا في هذا على اتفاق تام
- ولكن اسمح لي أن أطلب إليك مرة ثانية أن تنظر إلى المسألة من وجهة أخرى، لترى إن كنت متفقا معي: أهنالك شيء تسميه بالحرارة وشيء آخر تطلق عليه اسم البرودة؟
- يقينا
- ولكن أهما النار والثلج ذاتهما؟
- كلا، بغير شك
- ليست الحرارة هي النار، ولا البرودة هي الثلج؟
- لا
- ولكنك لن تتردد في التسليم بأنه إذ يكون الثلج تحت تأثير الحرارة، كما سبق القول، فلن يلبثا ثلجا وحرارة، بل كلما ازدادت الحرارة، تراجع الثلج أو أدركه الفناء؟
أجاب: جد صحيح
(يتبع)
زكي نجيب محمود
стр. 8314
أرض النبوة
مهداة إلى الصديق النابغة علي الطنطاوي بمناسبة عودته من
الديار المقدسة
للسيد أمجد الطرابلسي
حَدِّثْ رِباعَكَ عن أفياءِ عدنان … يا شِبْلَ غَسّانَ هِجْ أشبالَ غسانِ
هاتِ الأحاديث عنها فَهْيَ شيقَةٌ … تَشفى بها النفسُ من سُقْمٍ وأحزانِ
أرضُ النبوةِ ماذا في أباطِحِها … ماذا أجَدَّ بأهليها الجديدان
ومبعثُ النورِ هل تدوي كَأمْس بهِ … آياتُ (أحمدُ) أو أشعارُ (حسّان)
ومَهِبطُ الوحيِ، والذكرى مُواسِيَةُ … ماذا تُحَدِّثُ عن وَحيِ وفُرْقان!
حَدِّثْ عنِ المُلْكِ في أرضِ النبيِّ وعنْ … عَرْشِ هناكَ وريفِ الظلِّ فَيْنان
تَهْفو الملائِكُ فَرْحى حول سُدَّتِهِ … مثلَ الحمائِمِ تهفو فوق أفنان
حَفتْ به مُهَجُ الإسلام تَكْلؤهُ … ورفْرَفَتْ فوقَهُ آمالُ عدنان
حدث عن القَبْرِ! هل أشجَتهُ مائجِةً … أنباءُ (جِلَّقَ) أو أرزاءُ (تَطْوان)
لهفي عليهِ يُقِضُّ اليومَ مضْجَعَهُ … ما يُرهقُ العُرْبَ من بَغْيٍ وعدوان
مَهْدَ النبي! يكادُ الشوق يَحملُني … إليك مستيِقظا أو غير يَقظان
ماذا أُرددُ عن وجدٍ يساوِرُني … قلبي لهيفُ وَطَرفي جِدُّ هَتّان
أرضُ عليها جرى الإسلامُ مندفِقاً … ليغسل الأرضَ من رِجْسٍ وأدران
أهفو إليها لعلَّ العيشَ يَهْنَأُ لي … ما بين أهلي وأرحامي وإخواني
مُلَّ المُقامُ بأرْضِ الشام في زمَنٍ … طغى به الجوْرُ فيها شَرَّ طُغْيان
عفا بها كلُّ مَجْدٍ بعد عزَّتِها … واندكَّ لْلعُرْبِ فيها كلُّ سلطان
لا الزهرُ في (نَيْرَبَيْهاَ) باسِمُ أرِجُ … ولا البَلابِلُ تَشْدُو فَوْقَ (كيوان)
يا من رأى (تَرَدى) والحزنُ يُثقِله … يجرى مع الدهرِ شَأْنَ المُتْعبِ الواني
أسْوانُ تَغْشاهُ سُحْبُ الهمِّ داجِيَةً … فيقطعُ الليل في بَثٍّ وأشجان
تمشي المُسوخُ على جنبيهِ معجَبَةً! … يا لَلْبَهاليلِ من فِهْرٍ وعدنانِ
стр. 8315
يا شامُ لولا ضحايا جِدُّ غاليَةٍ … زانَتْ بِطاحَكِ من شِيبٍ وشُبَّان
لولا ثَرًى طَيِّبُ كالمِسكِ تُرْبتُهُ … جرتْ عليهِ دماهُمْ مثلَ غُدْران
لَسِرتُ عنكِ إلى أرضِ النبي هوًى … أليس كلُّ بلادِ العُرْبِ أوطاني؟
لكن أأنسى بلادي وَهْيَ داميةُ … تَئِنُّ من عَسفِ أعلاجٍ وَذؤبان
حسبي فَخارا وحسبي عِزّةً وَطَنُ … في كلِّ شِبْرٍ بهِ أشلاءُ قُربان
يا فتَيةَ العُرْب والإسلامِ قاطِبَةً … كونوا على النصْرِ طُرا خير أعوان
دعوا التخاذُلَ إنّا كلَّنا عرَبُ … هل نابنا منه إلا كلُّ خذلان؟
ماذا تُرَجُّونَ من دُنياكُمُ فِرَقاً … مصَفًّدينَ بها أشْبَاهَ عبدان
تِلْكُمْ جزيرتُكُم يا عُرْبُ باسِمةُ … ترْنو إليكمْ وتحنو أي تحنان
سيروا إليها نُعيدُ البَعثَ ثانيةً … ونملأَُ الأرضَ من عدلٍ وعُمْران
أليس مِنّا الأولى قادوا جَحَافِلَهُمْ … وأخضعوا الأرضَ من فُرْسٍ ورومان
مشوْا لنصرِهُم والأرضُ تحتهمُ … فرحى تمايَلُ تِيهاً مثل نَشوان
ساسوا الأنامَ بعدلٍ غير ذي وهَنٍ … وأنطَقوا الدهرَ من بِرٍ وإحسان
شادوا على جبْهِة الدنيا عروشهمُ … ولو أرادوا بَنْوها فوقَ كيوان
تباركَ المُلْكُ في (الفَيْحاَءِ) منبسطاً … لا الملك دامَ ولا أسادُ مروانِ
تباركَ العرشُ في (بغْدانَ) مزدَهِراً … يا أرضُ أين تولَّى عرشُ (بغدان)
يا ليت شعري أطيْفُ ذاك مرَّ علي … وجهِ البسيطةِ أم أحلامُ وَسُناَن؟!
أرضَ النُبُوّة، والأيامُ جاهِمَةُ … ماذا أُردَّدُ من بثِّي وأشجاني
دارَ الزمانُ، وللأزمانِ دورتُها، … والدهرُ - مُذْ كان هذا الدهر - يومان
فلا (الوليدُ) وعرشُ الشامِ مبتسم … يشيدُ لْلمجْدِ فيها خيرَ بٌنيان
ولا (الرشيدُ) على بغدانَ في يدهِ … دهرٌ يُصرَّفُهُ كالموثَقِ العاني
يا دهرُ ويحَكَ! رُدَّ العرشَ ثانيةً … فكم عروشٍ مَلَكناها وتيجان
لنا نفوسٌ أبيّاتٌ تُهَيَّجُها … ذكرى جدودٍ كنُورِ الشمس غُران
يشُوقُها المجدُ وضّاَء بقُرطُبةٍ … والعزّ منبسطاً في ظِلّ (بْغدان)
أراجعٌ أنت ذَيّاكَ الزمانِ لنا … أم لا رُجوعَ لأيام وأزْمان
стр. 8316
سنرجع المجدَ أو نقضي بساحتِهِ … ذُلّ الحياةِ وطعمُ الموتِ سِيّان
دمشق
أمجد الطرابلسي
стр. 8317
الحياة
للأستاذ محمود غنيم
حرةٌ لا تزور إلا لِماما … تيّمَ الشيخَ حبُّها والغلاما
تيم النملَ حبُّها فتولّى … يطلب الماَء مثلَنا والحطاما
كشرت عن أنيابها لِلْبرايا … فرأوْا ذلك القطوبَ ابتساما
كم سقتهم من الجفاء زعافاً … وسقَوْها من الوفاء مداما
قد يراها السعيد حلماً لذيذاً … ويراها الشقي موتاً زؤاما
أنا لولا الحياة ما بت أخشى … شبح الموت أو أهاب السقاما
قال بالجنّ معشرٌ وأرها … وحدها جنَّا يلبس الأجساما
أوليست تحزُّ لحم البرايا … مثلَ حزّ المُدى وتبرى العظاما
قسما لو أَنَّ الأجنة تدري … كنهها لم تفارق الأرحاما
أيهذا الجمادُ حسبُك ألا … تصحبَ الشيب أو تذوقَ الحِماما
صاح أن الحياة لغز إذا ما … زدتُه بحثاً زادني إبهاما
ليت شعري ماذا تكون، أحسَّا … أم خيالاً ويقظة أم مناما؟
أم طريقاً إلى الفناء قصيرا … قد ركبنا لطَّيه الأياما؟
كل حي له كتابٌ، ولكن … أعجم اللهُ خطَّه إعجاما
لو عرفنا متى تكون المنايا … لانتظرناها مذ بلغنا الفطاما
أيها العلم كم هتكت حجابا … فأمط عن سر الحياة اللثاما
تلك آثارها إذا عرضت لي … ألهمتني وجودها إلهاما
فإذا رمتُ وصفها بلساني … ألجمتني فلا أحير كلاما
هي كالكهرباء لستُ أراها … وأرى ضوءها يشق الظلاما
هي من روح الله وهو خفيٌّ … ذو صفاتٍ دلت عليه الأناما
يا ابنة الشمس وجهُ أمك بادٍ … فعلام احتجبتِ أنت علاما؟
عرف الناس فضل أمك قِدْما … فتلقّوْها سجَّداً وقياما
حدثينا كيف ابتدأتِ على الأر … ض وحرّكتِ هذه الأجراما؟
стр. 8318
وأرينا متى ظهرت عليها … وإلى م البقاء فيها إلى ما؟
أخذ الناس في التكاتف حتى … باتت الأرض وهو تشكو الزحاما
ليث شعري أضل (دَرْون) بحثاً … حين آخى الوحوش والأنعاما
قال قوم هلا شهدنا ذبابا … في الحياة ارتقى فصار حَماما
وغلا آخرون فيه فقالوا … كان في مذهب النشوء إماما
قد عرفنا أبا الأنام جميعا … فهل الطير والوحوش يتامَى؟
وهل الجن تنتمي كالبرايا … لأبٍ يُدعى يافثاً أو حاما
سائل البحر كيف أنبت لحما … من أواذيَّة وسوّى عظاما
وتأملْ بين الحقول نباتا … سوت الأرض سوقَه فاستقاما
علَّ من بارد النمير شرابا … وتغذى من الهواء طعاما
ولقد يولد النباتُ ويفنى … ويعاني مثل الأنام سقاما
حكمة تملأ النفوس يقينا … بإله يدير هذا النظاما
سائل الشمس عن بنيها لماذا … كانت الأرض وحدها مِتآما
ليت شعري ألْلكواكب نسل … يشبه الناس أم تُراها عِقاما
ليتني أركب الرياح إلى الأف … لاك أو أمتطي إليها الغماما
أيُّهذا الأثيرُ إن كان في المر … يخ حيٌّ فأحمل إليه السلاما
حيَّ أهليه إن مررت عليهم … إن للجار حرمة وذماما
محمود غنيم
стр. 8319
القصص
من أساطير الإغريق
فينوس ربة الجمال والحب
مولدها، نشأتها، إحدى مغامراتها الغرامية
للأستاذ دريني خشبة
تعالوا يا أعزائي المحبين نسمع أغنية الجمال والحب، من ربة الجمال والحب، بارزة من الثبج، فوق الموجة الكبيرة وسط اليم.
لقد كانت السماء زرقاء صافية، ولكنها لطفت ورقت، وتضاعف صفاؤها، عندما ذاع في ملكوتها النبأ العظيم، وبشرت بمولد فينوس!
ابتسمي أيتها الشفاه الحزينة، وانبسطي أيتها الأسارير المقطبة، وأثلجي يا صدور المكلومين!
وأنت أيها القلب الملتاع قف خفقانك، وأنت أيها الطرف الساهم كفكف عبرتك، ويا نفوس العاشقين اطربي، فقدت ولدت فينوس!
برزت عرائس البحار يصلين في بكرة الصباح لأبوللو، فما راعهن إلا الطفلة المعبودة تخرج من الزبد الأبيض كما تخرج من الصدفة لؤلؤة غالية؛ وتتهادى على رؤوس الموج كطيف نوراني فيسجد الماء تحت قدميها الصغيرتين، متمما بصلاة الحب لربة الحب، مرتلا أنشودة الجمال لربة الجمال!
وافتر فم الدنيا عن ابتسامة سعيدة حلوة، يحيي الفم السعيد الحلو، الذي سيملأ قلوب العالمين رضى وسعادة!
وأشرقت ذكاء حمل أبوللو فلمح السوسنة الوردية تخطر على لازورد الماء، فترك عربته المطهمة بالذهب تعرج وحدها في القبة الزرقاء، وانثنى هو يزف البشري إلى آلهة الأولمب!
وهرعت عرائس الماء إلى فينوس الطفلة فرقصن وزغردن وتغنين وحملنها إلى قصورهن المرجانية في الأعماق، حيث أرضعنها لبان الهوى، ولقنها كلمات المحبة، ونشأنها على
стр. 8320
أساليب الصبابة والغرام، حتى أينعت وترعرت، فأزمعن المسير بها إلى الأولمب حيث يتلقاها الآلهة، فتأخذ مكانها بينهم. . .
وكم كان جميلا رائعا أن يصطف التريتون والأوسيانيد والنيريد من حولها؛ وكم كان جميلا رائعا رقص التريتون على صفحة الماء الجياش بالزبد، وتغريد الأوسيانيد كأنهن بلابل الروض الأخضر ترسل في هدير المحيط شدوها فيحور غناء كله!
وكم كان جميلا رائعا من النيريد أن يتضاحكن مترنمات في الحلقة الأولى حول فينوس فتستجيب السماء لهن، ويميد البحر من طرب بهن!
كم كان جميلا رائعا أن يخب موكب الحب فوق الماء حتى يكون على فراسخ من قبرص معدودات، فينثني الجميع إلا فينوس التي يهدهدها زفيروس الطيب، رب النسيم الجنوبي، حتى يصل بها إلى الشاطئ، حيث يكون في انتظارها بنات ثيميز ربة العدالة، وبنات يورينوم ربات الفضيلة والخلق الحسن، فيتقدمن إلى ربة الحب، فيصلين لها، ويجففن شعرها الذهبي المتهدل فوق كتفيها العاجيتين؛ ثم تدلف بينهن، لفاء هيفاء غراء غيداء مهتزة الجيد وضاحة الجبين، كلما خطت خطوة قبلت الأرض قدميها المعروقتين، وكلما مرت ببلقع اهتز وربا، واعشوشب وأزهر، حتى يلقاها آلهة الحب الأربعة، رب الشهوة هيميروس، ورب الغزل سواديلا، ورب الألفة بوثوس، وهيلين رب الزواج؛ فينخرطون في الجماعة، ويهطعون إلى الأولمب!
وتكون الأنباء قد تواترت عن قدوم الربة الجديدة، فيصنع لها عرش عتيد ما تكاد آخر ياقوتة تركب فيه حتى تصل فينوس فجأة فتستوي عليه، وتتصارع أبصار الآلهة العطشى حول جسمها الخصب، المترع بالمفاتن، وتتلمظ الشفاه الجائعة تود لو تفترس هذا الفم الأحوى الجميل، وتسري كهرباء الاشتهاء في الأذرع القوية، والصدور الهرقلية، تحلم بضم الجيد الناهد، ومخاصرة الوسط المياس، و. . . تثور الرغائب، وتفور الشهوات. . . . وفينوس ممتلئة كبرياء. . . كأنها العنقاء. . . ترسل اللمحة عن طرفها الساجي فتصرع هؤلاء وهؤلاء!!
وتقدم الآلهة كل بدوره يطلب يد فينوس، وكان كل إله يفاخر أخاه بما لديه من نعم وآلاء. وكان مضحكا أن يسفه الآلهة بعضهم بعضا بين يدي ربة الجمال والحب حتى ازدرتهم
стр. 8321
جميعا، وخبرت حماقاتهم مالا يتفق وهذا الورد المتفتح في خديها، والسحر النائم في مقلتيها، والفتنة الثاوية في كل جارحة من جارحاتها؛ فرفضتهم أجمعين، وإن تكن برفضها قد أغضبت أباها كبير الآلهة وسيد أرباب الأولمب.
ولم يغض الآلهة عن تحقير فينوس لهم، بل انقلب إعجابهم ثورة، وارتد افتتانهم نقمة، وود كل منهم لو خلى بينه وبينها فيبطش بها بطشا شديداً
وأجمعوا أمرهم ضحى، وذهبوا إلى زيوس يطالبونه بالإثئار لكرامتهم كأرباب مرهوبي الجانب مخوفي الشيطان، من ابنته ربة الحب الطائشة!!
وخاف زيوس ثورة الآلهة، وأفزعه تجمهرهم في ردهة الأولمب يتصايحون ويصخبون، فخرج إليهم هاشا باشا، ودق بصولجانه على الأرض المرمرية وقال: إخواني. . أبنائي:
(لستم أنتم وحدكم تنقمون على فينوس الجميلة ما بدر منها في حضرتكم من زهو وخيلاء، بل أنا معكم ناقم على هذه الابنة العاقة التي صعرت في حضرتي خدها، وشمخت بأنفها، وحسبت أنها خير من الآلهة درجة وأعلى مقاما. .
لتطب نفوسكم يا إخواني ويا أبنائي! لقد أصدرت الساعة إرادة أولمبية تقضي بأن تتزوج فينوس المتكبرة المتغطرسة المختالة، من فلكان الحداد صانع دروعكم ولجم خيولكم!).
وما سمعها الآلهة حتى صاحوا لسانا واحدا: (ليحي زيوس العادل! تقدست يا زيوس! طوبى لك يا أولمب!)
وكان فلكان بين الجماعة وهي تهتف، ولكنه كان مشغولا عنهم بتلك السعادة التي هبطت عليه من السماء، وكان يحمل إرزبته الهائلة، فلما سمع النطق الأولى، ضرب بها الأرض ضربة راجفة، أحس بها بلوتو في أعماق الجحيم. . .
- (يحسب الآلهة أننا معشر الربات ملك أيمانهم دائما، يتصرفون بنا كما يحلو لهم! ما عليهم إلا أن يأمروا، وما علينا إلا أن نطيع! لقد كنت أؤثر أن ألبث في القصور المرجانية في أعماق الأعماق، على أن تشرق علي شعاعة من الشمس الدافئة التي يرتع فيها أولئك الآلهة العتاة الظالمون!)
- (هوني عليك يا مولاتي فقد يصفح غدا سيد الأولمب!
- (يصفح أو لا يصفح. .
стр. 8322
- (يا للهول!. . .
- (أي هول يا فتاة. . .
- (ينبغي ألا تعرضي نفسك لغضب رب الأرباب. . .
- (رب الأرباب! أنت تضحكينني يا أجمل العرائس الأوسيانيد!
- (مولاتي. . . .!
- (إن رب الأرباب يحكم دنيا من الخزعبلات. . أما القلوب. . أما قلوب العذارى. . فالحب وحده يتولاهن، ويهيمن عليهن. . .
- (إلهتي فينوس. . .
- (لا تنزعجي هكذا يا عروس الماء. . . لقد ولدت لأكون ربة الجمال والحب. . فأولى لي ثم أولى، أن أسعد بالحب، وأن أختار من ذوي الحسن متعتي الغالية ونعيمي الأوفى. . . فلكان!! أنا أقسم أن هذا الحداد لا يفرق بين القبلة والجذوة، ولا بين نشوة الحب وزفير الكير!! وأخشى أن يغازلني يوما فيحذفني بإرزبته، يحسبها ريحانة أو زنبقة!! يا للحداد القذر!!).
- (ولكن زواجكما تسجل في السماء يا ربتي!
- (إن كان سجل السماء مدنسا بكل هذه المقابح الاستبدادية، فأنا. . فينوس ربة الجمال والحب والزواج. . آنف أن يدرج في صفحاته اسمي!
والآن اسمعي يا أوسيانة، اذهبي إلى حبيب مارس فبلغيه أنني منتظرته الليلة، بعد مغيب الشفق، تحت السنديانة الكبرى في أول منعرجات الغابة. . .)
وهكذا أقبلت ربة الحب على كؤوس الحب تنهل منها ما تشاء، وتستعرض الآلهة وأنصاف الآلهة تقبل منهم على من تشاء وتعرض عمن تشاء. . وما أكثر القطيع وما أنهم الذئب!
لقد علقت مارس القوي، إله الحرب، ورب الدمار، ولم تبال بزوجها الفظ القذر المنتن، الذي لا يميز جرس الموسيقى من طرق الحديد، ولا نسيم الجنة من زفرات الجحيم!
وعلقها مارس وافتتن بها، حتى لكان يعد دقات قلبه دقة فدقة، حتى يلقاها، فتهدأ أعصابه، ويطمئن قلبه، ويثوب إليه رشده
ولقد كان اللعين إذا خلا إلى فينوس، يذهب في الاستمتاع بها إلى أقصى حدود الطاقة؛
стр. 8323
وكان يبهره منها ألا يلقاها إلا متجردة، فيجس هذه الذراع، ويتحسس ذلك الثدي، ويرشف ذياك الفم، ويرتع في هذه الجنة ذات الثمر التي نسميها الجيد، ويخضع لرقي السحر النافذة من جفنيها المدججين بالسهام؛ ثم يضل في تلك الظلال الشفقية التي يعكسها عليه شعرها. فإذا أفيق زودته بابتسامة تظل ترقص على الخدين والشفتين، وشكت فؤاده بغمزة من طرفها تتركه بين الحياة والموت. . . وهكذا حتى يرضى!!
وكان لا يخشى من أعين الرقباء مثل ما يخشى من عين أبوللو، ولذا كان إذا وافى فينوس في هذا المنعزل الغرامي السحيق، في أعمق أحشاء الغابة، ترك خادمه أليكتريون عند أول الشعب المؤدي إلى الطريق العام، يلحظ المارين وينبه إلى خطر الأعداء والناقمين، حتى يكون الأليفان بنجوة من الفضيحة، وفي حرز من ألسن الكاشحين. فإذا تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ذهب أليكتريون فأيقظ العاشقين الآثمين، فينهضان من غفوة الهوى إلى يقين الفراق، قبل أن تشرق الشمس ولكن! وما أقسى ولكن هذه إذا لم تكن سعودا على المحبين!! لقد ذهب العاشقان يتراشفان كؤوس الهوى دهاقا، ويلتذان بكل مأثم ومحرم، حتى إذا نال منهما الجهد، وترنحت أعينهما تحت عبء السهاد الطويل، انبطحا على الحشيش الأخضر، هو إلى جانبها، وهي إلى جانبه، غارقين في سبات هنيء! ولمح أليكتريون ظبيا نافرا، يتفزع في ظلام الغابة؛ فتبعه، وطفق يدور وراءه حتى لحق به بعد عناء شديد، فاحتمله وعاد به إلى مركزه من مكان الحراسة. . ولكنه ما كاد يصل ثمة، حتى تساقط متهدما من التعب، وغلبه نعاس عميق. . .
وأشرقت الشمس!! وبرزت المركبة الذهبية حاملة أبوللو، رب هذا الكوكب المشرق المتأجج، وبدأت رحلتها السماوية، وأخذت ترتفع في العلاء رويدا، حتى إذا كانت بمنزلة الضحى، أطل أبوللو فرأى مارس الأثيم، وفينوس الغاوية، متعانقين على الحشيش الأخضر، وكانت بين أمه لاتونا، وأمها ديون ما يكون عادة بين (الضرائر) من بغضاء ومشاحنات؛ وكانت ديون تفخر على زوجات زيوس جميعا بأنها أم فينوس وحسب!
وكانت لا تعدل بابنتها واحدة من جميلات الأولمب، بما فيهن ديانا أخت أبوللو، وابنة لاتونا
انطلق أبوللو والشماتة تضطرب في قلبه الناقم على فينوس، يحمل الخبر الفاجع إلى فلكان، فألفاه مستغرقا في صنع شبكة حديدية هائلة، والنار تتلظى في أتونها الكبير، والدخان ينعقد
стр. 8324
في جو المصنع كأنه ينقذف من بركان، والملاقط والمبارد والمخارط متناثرة على الأديم المعفر القذر كأنها أعجاز نخل. . .
- (فلكان!. . .)
- (هلا. . . أبوللو. . ماذا جاء بك في هذه الضحوة. . . وأني غادرت عربتك؟)
- (أثرت أن أطأ ثرى هذه الأرض بقدمي على أن تحملني يوح، وقد تدنس شرف الأولمب بالفضيحة المزرية!. . .)
- (الفضيحة المزرية؟ ماذا وراءك يا أبوللو؟. . .)
- (فلكان! أين زوجتك؟. . . هل أويت إليها الليلة؟)
- (زوجي؟ فضيحة مزرية؟. . . ماذا تعني أيها الأخ؟)
- (أولم تفقه بعد؟. . . ولكن قل لي: ماذا تصنع بكل هذه الأسلاك الغليظة؟)
- (أصنع شبكة كبيرة. . .)
- (ولمة؟)
- (لقد لاحظت النجس مارس يحوم حول حماي. . وأنا لا بد صائده)
- (هلم، هلم. . .)
- (وإلى أين؟. .)
- (تصيده. . ألم تنته من صنعها بعد؟)
بل انتهيت. . . وأين مارس؟. . .)
- (على الحشيش الأخضر، في أول شعاب الغابة، مما يلي الطريق العام)
- (ومع من؟. .)
- (مع. . . . . . . إنه قطعة واحدة مع. . . . فينـ)
- (معها؟. . . يا للهول؟. . . هلم. . . . يا للعرض الأحمر؟. . . .)
واحتمل شبكته العظيمة، وانطلق الإلَهان إلى حيث. . . النائمان الحالمان الآثمان!
لقد كان ملتصقين التصاقا تاما. . حتى ما يكاد ينفذ الماء بينهما ونسى كل إلف شفتيه في شفتي إلفه، فهما جلنارتان تبثان نجوى الهوى إلى جلنارتين!
يا لله!
стр. 8325
ليس هذا فسقا أيها الآلهة، بل هو التمازج الذي سميتموه الزواج!
وانقض فلكان كالمذنب المدمر، فألقى شبكته على الخائنين!
وانتفض مارس وهو يكاد يصعق من الذعر، وانتفضت فينوس وهي تكاد تذوب من الخجل! ولكن! أي ذعر وأي خجل وهذه الشبكة قد أمسكت بهما كسمكتين!!
لقد مضى فلكان، بعد إذ ربط الشبكة بما كسبت في أصل دوحة كبيرة، وعاد بكل الأسرة الأولمبية (لضبط الحادثة!)
وكانت ساعة رهيبة، انصبت فيها لمزات الآلهة الناقمين على رأس فينوس، وراح كل منهم ينتقم لكرامته المهدورة من كبريائها وصلفها، وهي ما تكاد تبين!!
وأطلق فلكان سراحهما؛ أما فينوس فذهبت تنشد عشاقا آخرين!
وأما مارس، فمضى إلى حيث خادمه الأحمق أليكتريون، فألفاه ما يزال يغط في نومه غطيطا مزعجا، فركله ركلة أطارت صوابه، وأخذ بتلابيبه فخضضه تخضيضاً!
ثم إنه أقسم لينتقمن منه انتقاما يكون أحدوثة الآباد وضحكة العباد، فنفث في أذنيه نفثتين، ارتد بهما الخادم المسكين ديكا عجيب الصورة، أرجواني التاج، طويل الجناحين، عظيم الذل!
وركله مارس ركلة ثانية، وقال له: (اذهب إذن فلن تذوق عيناك غفوة الفجر أبد الآبدين، ودهر الداهرين، وستصحو قبل كل الخليقة لتصيح في النائمين:
ويحكم أيها الغفاة، هبوا فقد كاد أبوللو يقطر مركبة الشمس!. . .
وما يزال أليكتريون، ديكنا المحبوب، يوقظنا قبل الشروق إلى اليوم!. . .
دريني خشبة
стр. 8326
من الأدب الإيطالي
الليالي العشر
ترجمة اليوزباشي الأديب احمد طاهر
يعد جيوفاني بوكاشيو زعيم النثر الإيطالي غير منازع في زعامته، وكانت رسائله نبراسا يستضيء به الكتاب من بعده، ونذكر منهم بترارك، شوسر، دريدن، كيتس، تنيسون. أولئك وغيرهم كانوا فيما يخرجون للناس من كتب يغترفون من بحر بوكاشيو ويستلهمون وحيه ويتقفون أثره.
ولد في قرية سرتالدو التي تبعد عشرين ميلا عن فلورنسا ونشأ بها. ولما جاوز الحول السادس والعشرين رحل إلى نابولي وكانت مهد غرامه ومهبط وحي الحب على قلبه، فشغف بحب (ماريا داكوينو) فبدأت من حياته صفحة جديدة فياضة بالخير سيالة بالنفع. فلقد كان حبها حبا كريما: بسط على نفس الفتى فضله فلقي فيه ما لقي المحبون من سعادة ونعيم، وفاض على نفوس الناس أجمعين بما أوحى إلى الفتى، فتلقوا منه نثرا هو أبدع ما أخرج للناس من أقلام الكاتبين، فيه دقة، وفيه روعة، وفيه جمال، على نحو ما خلقت الفتاة من دقة وروعة وجمال. حتى لقد زعم الناس أن هذا البيان إن هو إلا وحي يوحي من الفتاة إلى هذا المحب المختار، ثم اصبح زعمهم يقينا فأغمضوا العين عن تلك الصلة الوشيجة بين المحبين، وانصرفوا إلى فضل الفتاة على رسائله، فما يذكرونها إلا برسائله وما يذكرون رسائله إلا بها، وغالوا فيما انصرفوا إليه فسموا الفتاة (صاحبة رسائل بوكاشيو).!!
وعاد الفتى إلى فلورنسا عام ١٣٥٠ وكان قد انتهى من كتابة الليالي العشر أو كاد، وأخرجها إلى الناس عام ١٣٥٣م. ولقد دفعه إلى كتابتها عاملان ألحا عليه: رغبته في إخراج شيء بديع قيم يزجيه إلى محبوبته، ولا أبدع لدى الكاتب من ثمرات قلمه، والزلفى إلى ملكة نابولي، وكانت تشتهي أن تقرأ للفتى خير ما ينتجه يراعه.
وكانت عودته إلى فلورنسا في الوقت الذي أفلتت فيه المدينة من براثن الطاعون، ونضت عنها قميص قيصر بعد أن لم يترك فيها موضعا بغير قرح، ولا عضو بغير جرح. وكان
стр. 8327
هذا الوباء على ما روى لنا الكتاب حديث الناس في تلك السنين العجاف، فما كان عجبا أن يصدر بوكاشيو كتابه بوصف هذه المحنة التي تزلت بالبلاد. ولقد وصفها في بيان فصيح، وأسلوب صريح، ثم تخلص من وصف الوباء إلى سرد قصصه المائة في الليالي العشر التي قدر لها أن تكون من اكبر كتب العالم مدى الدهر
الفتيات السبع
هذه إحدى قصص الليالي العشر، أو هي مقدمة قصص الليالي نوردها في اختصار وتلخيص، لا نحاول أن نتسامى إلى منزلة الكاتب في براعة الأسلوب، ولا ندعي القدرة على مجاراته في ميدان البلاغة، ولكن حسبنا الأمانة في النقل والدقة في التعبير عما أراده الكاتب مما كتب، أمانة ودقة لا ينقص منهما ما يقتضيه الأسلوب العربي من أحكام وأوضاع.
فلورنسا اجمل مدائن إيطاليا، وأبهاها، وأغناها، تصبح ما بين عشية وضحاها أفقر البلاد واشدها بؤسا وفاقة بما أصابها من كارثة الوباء التي نزلت بها عام ١٣٤٨م. لقد كان هذا الوباء مرضا ملحا جبارا لم تفلح فيه عقاقير الأطباء ولا اعتصام الناس بالعزلة والفرار. وماذا تعني العزلة وماذا يفيد الفرار؟ والوباء ينساب بين الناس انسيابا تحمله أنفاسهم حين يتحدث بعضهم إلى بعض، ويسري بينهم إذا لمس السليم ثياب الموبوء. حتى إذا بدت على الجسم علامات حمر كانت نذيرا بالموت لا مفر منه، ودليلا على انقضاء الاجل، وتصرم أسباب الأمل، إن هي إلا أيام ثلاثة ثم ينتهي كل شيء إلى ما تنتهي إليه كل الأشياء.
وغشي الناس من هول الكارثة فزع وجزع. وإذا فزع الناس فما ايسر خروجهم على القوانين الوضعية، وإذا خلت قلوبهم من طمأنينة الثقة فما أيسر خروجهم على الشرائع السماوية، فإن تحرروا من هذه وتلك فليفعل كل امرئ ما شاء. وإنهم لواجدين في هذه الفوضى متسعا لإشباع الشهوات، ورضاء النزوات، ومتى لم يكن من الموت بد ففي رأيهم أن من الخرق أن تموت عابسا كئيبا، وهذه قصور الأغنياء وخدور الغانيات فلنقتحمها وردا، ولننعم فيها قبل الموت بما حرمنا منه في الحياة، ولنمت وعلى وجوهنا ابتسامة اللذة ومخاييل السرور!! كذلك كانوا يقولون. على أن بعض الناس أقام بينه وبين الناس سدا وحسب أن الحمية تعصمه من فتك المرض وظن بعضهم أن في الاعتصام بالجبال والتأبد
стр. 8328
في الخلاء، منجاة من الوباء، ففروا تاركين وراءهم حطام الدنيا ومتاع الحياة، وما يغني متاع الحياة وحطام الدنيا إذا فر الأخ من أخيه، وفصلت الزوجة عن زوجها، وأفزع الآباء والأمهات عن فلذات الأكباد؟ هذه جثث الموتى متناثرة في الطرق رأيتها بعيني ورأيت الكلاب تدس أنوفها في الأجساد فيسري إليها الداء، فتخر صريعة على الأرض وتقعد مكانها بين ضحايا الوباء.
في خمسة اشهر من العام بين مارس ويوليو فتك الطاعون بمائة ألف من الأنفس، وما كنا نحسب أن في فلورنسا هذا العدد من الناس.
ولكن! مالي اردد ذكرى هذه الفاجعة، ولقد برمت بها وبذكراها! أليس الخير كل الخير في أن يجتنب المرء ذكر ما تسوئه ذكراه، وينسى ما يجد السبيل إلى أن ينساه؟
فلأذكر إذا أنه عندما أصبحت فلورنسا قفرا من الأهل والسكان جمعت البأساء بين فتيات سبع لهن من الجمال حظ وافر، وعليهن من الثياب سواد، واجتمعن يوم الثلاثاء في كنيسة سنت ماري، ولم تحو الكنيسة غيرهن من شهود الصلاة. وكانت تربطهن فوق رابطة البأساء صلة القرابة الوشيجة، وصلة أوثق من هذه وتلك هي صلة الصداقة والوفاء. شهدن الصلاة ثم انتبذن ناحية من الكنيسة خلصن فيها نجيا يتدبرن فيما يجمل بهن أن يتخذن من سبيل في الحياة وقد تخلين عن متاع الدنيا وتخلى عنهن الأهل والخلان. قالت كبراهن - يامبينيا: (الرأي عندي أن نرحل عن فلورنسا فننجو بأنفسنا من خطرها المحدق وشرها المحيق، وأي خطر اشد من الطاعون، وأي شر أسوء من أولئك المارقين يجوسون الطرق ويقتحمون الدور؟ هيا إلى الريف نجد فيه مراغماً، وهواء طلقا، وحياة وادعة، في كنف التلال الخضراء والمزارع تموج فيها الحنطة كموج البحر، ولا يرى البصر إلا نعيماً، مالنا ولهذه المدينة الخاوية على عروشها تبعث في النفس أمض الذكريات وأقساها؟).
- قالت فلومينا (وكيف السبيل إلى هذه الرحلة وليس لنا ساعد من الرجال؟).
- قالت أليزا (وأين الرجال يا أختاه، وكل أترابنا منهم قد تبدد شملهم، وانصدع جمعهم، فمنهم من فتك به الطاعون، ومنهم من ضرب في الأرض لا يعرف له مستقر فهم لا يرجعون).
وفيما هن يقلبن الرأي على وجوهه إذ وفد عليهن ثلاثة فرسان: فتيان في ميعة الصبى
стр. 8329
وروعة الجمال، خرجوا يلتمسون بين الناس فتيات لهم بهن صلة، وما كانوا يبحثون إلا عن (نيفيل) و (يامبينا) و (فيلومينا) من فتياتنا السبع.
صاحت يامبينا (لقد ابتسمت لنا الأقدار فساقت إلينا ثلاثة رجال أكفاء أشداء وأنا زعيمة لكن بأنهم سيلبون دعوتنا إذا دعوناهم) ثم أقبلت على الفرسان تقص عليهم ما كان فيه يتحدثن، وطلبت إليهم في توسل ورجاء أن يكونوا عونا لهن ونصراء، وأن يصحبوهن إلى حيث أردن.
ضحك الفرسان منهن وتندروا على هذا الرأي ما شاء لهم أن يتندروا، ثم أنسوا من الفتيات جدا في الرأي وصلابة في العزم، فأذعنوا راضين، وتقدموا غير هازلين، وافترق الجمع على أن يكون الرحيل عن فلورنسا في صبيحة اليوم التالي.
وذر من الشمس شعاع، فهب الفتيات والفرسان ومعهم الوصفاء وساروا على هدى العزيمة فرسخا ألقوا بعده عصا الترحال، وكان ذلك عند شَرَف من الأرض يشبه التل، تجلل هامته غابة باسقة الرماح، ممتدة الصفاح، يقوم في جوفها صرح شاهق يعجبك رواؤه، ويبهرك بناؤه، قد انبسط تلقاءه سرح فسيح، وتشعبت في أنحائه أبهاء واسعة، وفي مقاصيره من دلائل العز والميسرة، تحف مثورة، وصور مشهورة، وحاطت بالقصر حدائق ذات أشجار وأثمار تقوم على ريها نافورات تقذف بسهام الماء، فكأنما يصب على الأرض من السماء. وكان كل ما في القصر متسقا منضوداً، كأنما أعد لاستقبال الوافدين، واسترواح المتعبين؛ وظل الفتيات والفتيان يمشون في سروحه وارجائه، وأفنيته وأبهائه، ويقطفون من زهوره وأثماره، ويتغنون في هذه الجنان، بأعذب الألحان، حتى حان موعد الغداء فمد سماطه في بهو الولائم. وما انتهوا منه حتى تناول (ديونيو) أحد الفرسان آلة من آلات الموسيقى، وأمسكت (فيامتا) إحدى الفتيات بآلة أخرى، وواءمتا بين نغمتين طرب من مزاجهما الجميع حتى غنى ورقص ما وسعه الجهد.
وظلوا كذلك حتى أدركهم الليل وهم في طربهم ماضون، وأسلمهم التعب إلى نوم عميق، وكانوا قد اتفقوا فيما بينهم على أن ينصبوا (يامبينيا) أميرة عليهم في الغداة، ولها عليهم حق الامر، وعليهم لها واجب الطاعة، على أن تدبر لهم شأن المحافل والجلسات وما يتخللها من الملاهي والمسرات.
стр. 8330
وفي ضحوة اليوم التالي لبوا دعوة الأميرة وانتظموا حولها فحيتهم تحية جميلة، وأخذت عليهم في رفق ولين تكاسلهم عن النهوض مبكرين، وفي نوم الضحى مضرة للأبدان تشفق منها عليهم وتعيذهم من إذا ها. ثم سارت أمامهم إلى واد ذي زرع أخضر تقوم على عطفيه أشجار باسقة، وقالت: (هنا الشمس مشرقة مشرفة، ترسل علينا أشعة حامية محرقة، فليس من الرأي أن نواصل المسير ضنا راحتنا وحرصا على هنائنا، فلنجلس إلى ظل هذا الوادي الوادع تحت أغصان الزيتون، ولتكن جلستنا على نحو دائرة لا يلتقي طرفاها، وليقصص كل واحد وكل واحدة منا قصة شيقة، فإن هدأت الشمس وانكسرت حدتها اتخذنا في اللهو سبيلا آخر؛ ولتكن أنت يا (بامفيلو) أول من يقص علينا قصته:
واستوى الفتى في جلسته وقص القصة الآتية: -
(يتبع)
اليوزباشي احمد الطاهر
стр. 8331
البريد الأدبي
ذكرى العلامة روبرت كوخ
احتفل أخيرا في ألمانيا بذكرى روبرت كوخ أحد أقطاب العلم الألماني، وذلك بمناسبة مرور خمسة وعشرين عاما على وفاته؛ وقد خلد كوخ اسمه في عالم الطب بما وفق إليه من الاكتشافات الطبية والبكترلوجية الباهرة؛ ولاسيما في شأن السل والكوليرا؛ وكان مولد هذا العلامة في سنة ١٨٤٣. وفي سنة ١٨٧٦ بدأ اكتشافاته البكترلوجية باكتشاف (البشيل) وطريقة الحقن باللقاح، وفي سنة ١٨٨٢ كان اكتشافه الباهر (لبشيل) السل الذي يفتك بعشرات الملايين، فكان ذلك بدء تلك الجهود الطبية الجاهدة التي تبذل منذ كوخ إلى عصرنا لمكافحة هذا الداء الوبيل؛ وفي العام التالي زار كوخ مصر والهند على رأس بعثة لبحث أسباب الكوليرا، ثم عين أستاذا في جامعة برلين، ومديرا لمعهد الأمراض المعدية. وكان من رأيه أن هناك فارقا بين السل الذي يصيب الإنسان، والسل الذي يصيب الماشية، وأن المرض لا ينتقل من هذا الجنس إلى ذاك، ولكن الجمعية الملكية البريطانية عارضت هذه النظرية بمباحثها وتقاريرها. وفي سنة ١٨٩٦ زار كوخ أفريقية الجنوبية ليدرس طاعون الماشية، وفي العام التالي زار أفريقية الشرقية الألمانية ليدرس خواص الملاريا ومرض النوم. وله عدة مؤلفات عن السل والملاريا والتيفوس تعتبر حجة في موضوعها، وكانت وفاة كوخ في ١٩١٠.
وقد احتفل العلم الألماني بتكريم ذكرى هذا العلامة في احتفال رسمي أشيد فيه بعبقرية كوخ وفضله على الإنسانية كلها بما وفق إليه من الاكتشافات العظيمة التي مازالت أساساً لبحوث الطب في عصرنا؛ وأعلن بهذه المناسبة أن الحكومة الألمانية قررت إنشاء (معهد كوخ) الذي تقرر إنشاؤه قبل الحرب لتخليد ذكرى كوخ ثم حالت الحرب دون إنشائه؛ ثم رأى العلم الألماني أن ينتهز فرصة هذه الذكرى ليعمل بمعونة الحكومة الألمانية على تحقيق هذا المشروع الإنساني الجليل.
موسم الكتب في فرنسا
يعاني الأدب وتعاني الكتب في مختلف الفنون أزمة ظهرت آثارها واضحة في كثير من الأمم الأوربية؛ ولهذه الأزمة أسباب كثيرة أهمها الإذاعة اللاسلكية والسينما وطغيان
стр. 8332
الترجمة الرخيصة على الأدب المحلي، ومنافسة الصحافة للكتب بما تخرجه من الصحف العلمية والأدبية والفنية وغيرها وتعرضه بأبخس الأثمان؛ وقد نشطت السلطات والهيئات المختصة في فرنسا لمحاربة هذا الركود الفكري، وبث الدعاية لنشر الكتب بمختلف الوسائل المرغبة؛ فأقامت نقابة الناشرين وغرفة المكاتب معرضا كبيرا في حي سان جرمان أطلق عليه (عشرة أعوام من الطباعة الفرنسية)، وعرضت فيه الكتب في سائر العلوم والفنون من أرخص الطبعات إلى أغلاها وأثمنها، بطريقة تبين تطور الطباعة وأساليب النشر في عشرة الأعوام الأخيرة؛ وصفت كتب الفلسفة والدين والعلوم والآداب والمباحث الروحية والقصص كلها جنبا إلى جنب. وأقيم في بهو خاص منصة فخمة خصصت للجوائز الأدبية التي منحت منذ سنة ١٩٢٥، وأسماء الفائزين وأنواع الجوائز؛ وقد أم هذا المعرض الحافل جماهير غفيرة من الزوار، وأحدثت أقامته حركة كبيرة في اقتناء الكتب.
وفي الوقت نفسه أقامت نقابة الناشرين مظاهرتها السنوية التي تعرف (بيوم الكتاب) وهي مناسبة تتخذها المكاتب كل عام لتعرض في واجهتها أكداسا من الكتب الجديدة الخلابة بأثمان معتدلة، وقد أصبح يوم الكتاب (أسبوعا) كاملا يجرى فيه هذا العرض في جميع مكاتب باريس الشهيرة ومكاتب المدن الكبيرة، وتقدم فيه بهذه المناسبة فرص حسنة للشراء، وفي كل عام تصدر نقابة الناشرين مؤلفا نفيسا يهدى إلى من يشتري كتبا قيمتها عشرون فرنكاً. وأسبوع الكتب يعتبر من المواسم الأدبية الحافلة، التي تدر الخير على الناشرين والمؤلفين.
فمتى نفكر في مصر في تنظيم مثل هذه الحركات والمعارض المفيدة، ومتى نفكر في محاربة ذلك الركود الأدبي الذي يكاد يشل عندنا كل تقدم فكري وأدبي؟
بلسودسكي الشاعر والكاتب
لم يكن المارشال بلسودسكي بطل بولونيا القومي الذي توفى منذ أسابيع قلائل جنديا وسياسيا عظيما فقط، ولكنه كان كذلك شاعرا وكاتبا له آثار في الشعر والنثر، والمعروف عن المارشال أنه تربى وتكون في معترك الصحافة، وكان في شبابه يحرر جريدة ثورية سرية، كان ضبطها سببا في الحكم عليه بالنفي إلى سيبيريا؛ ولما قبضت القيادة الألمانية
стр. 8333
على بلسودسكي أثناء الحرب الكبرى حينما ارتابت في حركاته وخشيت من نفوذه على الجيش البولوني، وزجته في قلعة مجدبرج لم يجد المارشال وسيلة لتخفيف آلام الأسر سوى الكتابة، فوضع كتابا سماه (معاركي الأولى)، وصف فيه ما خاضه من المعارك الثورية ضد جنود القيصر، ثم المعارك الأولى التي خاضها عند نشوب الحرب الكبرى بأسلوب بليغ ينم عن مقدرته الكتابية، وأصدر بعد الإفراج عنه كتابا آخر عنوانه (سنة ١٩٢٠) وصف فيه الحرب الروسية البولونية، وكان المارشال ينظم الشعر، ويشغف بقراءة دواوين أكابر الشعراء الفرنسيين، مثل لامرتين وهوجو وبودلير، وفيريلين ومالارميه. ومما يؤثر عنه قوله: (إن الشعراء هم أقرب الناس إلى رجال العمل!).
مركز هوجو في النثر
مازالت الصحف الأدبية الفرنسية فيض في الحديث عن فيكتور هوجو، وعن نظمه ونثره ورفيع منزلته في الأدب الفرنسي، وذلك لمناسبة الاحتفال بالذكرى الخمسينية لوفاته حسبما أشرنا بالعدد الماضي، وليس بين النقدة خلاف في المنزلة الرفيعة التي تبوأها في الشعر؛ بيد أن هنالك من يقول بأن هوجو يتبوأ في النثر أرفع من هذه المنزلة. وقد شهد لهوجو بالعظمة في النثر كتاب عظام مثل بلزاك صديقه ومعاصره، ثم جاء موريس باريس بعد ذلك فقال: (إن هوجو أعظم ناثر في القرن التاسع عشر). وقد وصفه أخيرا كاتب كبير في إحدى المجلات الأدبية، فقال: إن هوجو الناثر يتفوق في تحليل أشد عواطف الروح وأحوالها تعقيدا، وأعمق أزمات الضمير، ومعارك الإنسان والقدر. ولمناسبة الاحتفال بذكرى الشاعر الكبير أصدرت إحدى دور النشر الباريسية الكبرى طبعة كاملة من جميع مؤلفاته تقع في ٨٢ مجلدا.
стр. 8334
الكتب
ضحى الإسلام
الجزء الثاني تأليف الأستاذ أحمد أمين
للأستاذ عبد الوهاب حمودة
لقد أخرج للناس الأستاذ الجليل (أحمد أمين) كتابه ضحى الإسلام، الجزء الثاني منه، فقرأته قراءة ناقد متفحص؛ فألفيته قد هوى جهدا محمودا، ونهج منهجا جديدا. استقصى الأستاذ فأحسن الاستقصاء، وقرأ فأجاد القراءة، وفهم فأتقن الفهم، واستنبط فوفق إلى الصواب، في حسن ترتيب، وجمال تصوير، وقدرة على الإحاطة، وصبر على التفصيل.
وصف الأستاذ في الفصل الأول من (الضحى) قوانين الرقي العقلي، ثم طبقها على الفكر العربي، وتدرج من ذلك إلى انقسام العلوم عند العرب في العصر العباسي، ثم ختم هذا الفصل بالكلام على حرية الرأي في ذلك العصر، فكان الأستاذ في هذا نسيج وحده، مبتكرا لمنهج جديد في البحث، وأسلوب طريف في التعليل.
وفي الفصل الثاني والثالث تكلم الأستاذ على معاهد التعليم ودرجات التدريس، وعلى المكتبات والمناهج، ثم انتقل بعد إلى الحديث عن مراكز الحياة العقلية، فأبدى في مطاوي هذا البحث عن شخصية قوية، ورأي مستقل. وقد وفق الأستاذ التوفيق كله في المقابلة بين الروايات المختلفة عن (بيت الحكمة) وفي الاطمئنان إلى نتيجة معقولة حسنة، ولاسيما عند استخدام الأستاذ في تحقيقه (فقه اللغة) وتاريخ الألفاظ. فهو طرافة في التفكير، وجدة في الأساليب. وما أجمل الأستاذ وهو يعلل ضعف الفن في الحجاز في عصر الدولة العباسية تعليلا متواضعا مقنعا. أما كلامه عن (المربد) في هذا الفصل، فكلام المستقصي الدارس. ولست مغاليا إذا قلت إن باحثا لم يسبق الأستاذ في إلقاء نور وضاء قوي على هذا (المربد) وبيان أثره في الحياة العقلية عامة، واللغوية خاصة، بل كان المؤلفون يمسونه مسا رقيقا، ويمرون به في أبحاثهم مرا رفيقا.
وجاء الأستاذ أيضاً في هذا الصدد بنظرية العصبية للقطر، ثم للبلد، ثم تدرج بعد ذلك إلى نشوء مدارس النحو المختلفة حتى وقف بمصر فإذا بالشعور القومي الخالص يملك على
стр. 8335
الأستاذ عواطفه، وإذا بالوطنية الصادقة تأسر عليه مشاعره، فيأبى إلا أن يجلي مصر في مضمار النهضة العلمية تجلية مشرقة، فينصفها في البحث وإن لم ينصفها الدهر في الحظ، في غير محابة ولا تحيز، شأن العالم الورع، والمحقق العادل.
أما في الفصل الرابع والخامس فقد تكلم الأستاذ عن الحديث والتفسير والتشريع. ومن أجدر من الأستاذ (أحمد أمين) بتوفيه هذه البحوث والقيام بواجب تحقيق هذه المسائل، فهو ابن بجدتها، وأبو عذرتها. ولا يرضيني في الكشف عن محاسن هذين الفصلين إلا أن أشير على القارئ الكريم بقراءتهما، وأرغب إليه في دراستهما حتى يتذوق جمال حقائقهما بنفسه؛ ويقف على بديع تنسيقهما بدرسه. إذ هما يقعان فيما يقرب من مائة وخمسين صفحة من الكتاب. فجزى الله الأستاذ عن الحديث والقرآن خير الجزاء.
أما في الفصل السادس من الكتاب، وهو الفصل الذي يمت إلى الأدب في صميمه، ويرتبط في اللغة في أصولها. فقد بحث فيه الأستاذ اللغة والأدب والنحو، فتراه في هذا الفصل أمينا محافظا على طبيعة هذه العلوم من الوقوف عند النقل والاقتصاد في الرأي والنقد في غير ما سرف ولا إفراط.
أما الفصل السابع وهو الأخير في الكتاب فكان الكلام فيه عن التاريخ والمؤرخين. أتى فيه الأستاذ بتقسيم جميل لأنواع التاريخ، من تاريخ في السيرة، وتاريخ للحوادث، وتاريخ للأنساب، وتاريخ للرجال، وأخبار وقصص. فكان موفقا جد التوفيق في تحليله لمغازي ابن اسحق تحليل المنصف الدارس في بصيرة نافذة ورأي حر طليق. ثم ختم الأستاذ هذا الفصل بالكلام على عيوب المؤرخين الإسلاميين ومزاياهم فأنصفهم ووفاهم حقهم.
وبعد، فسأذكر ما أخالف الأستاذ فيه من الرأي، وهي مخالفة يسيرة واختلاف هين. وقد عودنا الأستاذ تقبل ذلك بما عهدناه فيه من سمو في الخلق ونبل في القصد.
أولا: أحصى الأستاذ في ص (١٧٣) المذاهب الفقهية التي ظهرت في العصر العباسي سوى المذاهب الأربعة، ولكنه أغفل مذاهب الشيعة. مع أنها مذاهب لها قوتها ولا يزال بعضها منتشرا كمذهب الزيدية في اليمن والإمامية في العراق وإيران. فلهذا المذهب أئمة ومؤلفون وكتب فقهية تطبع وتدرس.
إلا إذا كان الأستاذ قد رأى تأخير ذلك إلى الكلام على عقائد الشيعة في الجزء الآتي بعد من
следующие страницы →