← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

البريد الأدبي ذكرى العلامة روبرت كوخ احتفل أخيرا في ألمانيا بذكرى روبرت كوخ أحد أقطاب العلم الألماني، وذلك بمناسبة مرور خمسة وعشرين عاما على وفاته؛ وقد خلد كوخ اسمه في عالم الطب بما وفق إليه من الاكتشافات الطبية والبكترلوجية الباهرة؛ ولاسيما في شأن السل والكوليرا؛ وكان مولد هذا العلامة في سنة ١٨٤٣. وفي سنة ١٨٧٦ بدأ اكتشافاته البكترلوجية باكتشاف (البشيل) وطريقة الحقن باللقاح، وفي سنة ١٨٨٢ كان اكتشافه الباهر (لبشيل) السل الذي يفتك بعشرات الملايين، فكان ذلك بدء تلك الجهود الطبية الجاهدة التي تبذل منذ كوخ إلى عصرنا لمكافحة هذا الداء الوبيل؛ وفي العام التالي زار كوخ مصر والهند على رأس بعثة لبحث أسباب الكوليرا، ثم عين أستاذا في جامعة برلين، ومديرا لمعهد الأمراض المعدية. وكان من رأيه أن هناك فارقا بين السل الذي يصيب الإنسان، والسل الذي يصيب الماشية، وأن المرض لا ينتقل من هذا الجنس إلى ذاك، ولكن الجمعية الملكية البريطانية عارضت هذه النظرية بمباحثها وتقاريرها. وفي سنة ١٨٩٦ زار كوخ أفريقية الجنوبية ليدرس طاعون الماشية، وفي العام التالي زار أفريقية الشرقية الألمانية ليدرس خواص الملاريا ومرض النوم. وله عدة مؤلفات عن السل والملاريا والتيفوس تعتبر حجة في موضوعها، وكانت وفاة كوخ في ١٩١٠. وقد احتفل العلم الألماني بتكريم ذكرى هذا العلامة في احتفال رسمي أشيد فيه بعبقرية كوخ وفضله على الإنسانية كلها بما وفق إليه من الاكتشافات العظيمة التي مازالت أساساً لبحوث الطب في عصرنا؛ وأعلن بهذه المناسبة أن الحكومة الألمانية قررت إنشاء (معهد كوخ) الذي تقرر إنشاؤه قبل الحرب لتخليد ذكرى كوخ ثم حالت الحرب دون إنشائه؛ ثم رأى العلم الألماني أن ينتهز فرصة هذه الذكرى ليعمل بمعونة الحكومة الألمانية على تحقيق هذا المشروع الإنساني الجليل. موسم الكتب في فرنسا يعاني الأدب وتعاني الكتب في مختلف الفنون أزمة ظهرت آثارها واضحة في كثير من الأمم الأوربية؛ ولهذه الأزمة أسباب كثيرة أهمها الإذاعة اللاسلكية والسينما وطغيان

стр. 8332

الترجمة الرخيصة على الأدب المحلي، ومنافسة الصحافة للكتب بما تخرجه من الصحف العلمية والأدبية والفنية وغيرها وتعرضه بأبخس الأثمان؛ وقد نشطت السلطات والهيئات المختصة في فرنسا لمحاربة هذا الركود الفكري، وبث الدعاية لنشر الكتب بمختلف الوسائل المرغبة؛ فأقامت نقابة الناشرين وغرفة المكاتب معرضا كبيرا في حي سان جرمان أطلق عليه (عشرة أعوام من الطباعة الفرنسية)، وعرضت فيه الكتب في سائر العلوم والفنون من أرخص الطبعات إلى أغلاها وأثمنها، بطريقة تبين تطور الطباعة وأساليب النشر في عشرة الأعوام الأخيرة؛ وصفت كتب الفلسفة والدين والعلوم والآداب والمباحث الروحية والقصص كلها جنبا إلى جنب. وأقيم في بهو خاص منصة فخمة خصصت للجوائز الأدبية التي منحت منذ سنة ١٩٢٥، وأسماء الفائزين وأنواع الجوائز؛ وقد أم هذا المعرض الحافل جماهير غفيرة من الزوار، وأحدثت أقامته حركة كبيرة في اقتناء الكتب. وفي الوقت نفسه أقامت نقابة الناشرين مظاهرتها السنوية التي تعرف (بيوم الكتاب) وهي مناسبة تتخذها المكاتب كل عام لتعرض في واجهتها أكداسا من الكتب الجديدة الخلابة بأثمان معتدلة، وقد أصبح يوم الكتاب (أسبوعا) كاملا يجرى فيه هذا العرض في جميع مكاتب باريس الشهيرة ومكاتب المدن الكبيرة، وتقدم فيه بهذه المناسبة فرص حسنة للشراء، وفي كل عام تصدر نقابة الناشرين مؤلفا نفيسا يهدى إلى من يشتري كتبا قيمتها عشرون فرنكاً. وأسبوع الكتب يعتبر من المواسم الأدبية الحافلة، التي تدر الخير على الناشرين والمؤلفين. فمتى نفكر في مصر في تنظيم مثل هذه الحركات والمعارض المفيدة، ومتى نفكر في محاربة ذلك الركود الأدبي الذي يكاد يشل عندنا كل تقدم فكري وأدبي؟ بلسودسكي الشاعر والكاتب لم يكن المارشال بلسودسكي بطل بولونيا القومي الذي توفى منذ أسابيع قلائل جنديا وسياسيا عظيما فقط، ولكنه كان كذلك شاعرا وكاتبا له آثار في الشعر والنثر، والمعروف عن المارشال أنه تربى وتكون في معترك الصحافة، وكان في شبابه يحرر جريدة ثورية سرية، كان ضبطها سببا في الحكم عليه بالنفي إلى سيبيريا؛ ولما قبضت القيادة الألمانية

стр. 8333

على بلسودسكي أثناء الحرب الكبرى حينما ارتابت في حركاته وخشيت من نفوذه على الجيش البولوني، وزجته في قلعة مجدبرج لم يجد المارشال وسيلة لتخفيف آلام الأسر سوى الكتابة، فوضع كتابا سماه (معاركي الأولى)، وصف فيه ما خاضه من المعارك الثورية ضد جنود القيصر، ثم المعارك الأولى التي خاضها عند نشوب الحرب الكبرى بأسلوب بليغ ينم عن مقدرته الكتابية، وأصدر بعد الإفراج عنه كتابا آخر عنوانه (سنة ١٩٢٠) وصف فيه الحرب الروسية البولونية، وكان المارشال ينظم الشعر، ويشغف بقراءة دواوين أكابر الشعراء الفرنسيين، مثل لامرتين وهوجو وبودلير، وفيريلين ومالارميه. ومما يؤثر عنه قوله: (إن الشعراء هم أقرب الناس إلى رجال العمل!). مركز هوجو في النثر مازالت الصحف الأدبية الفرنسية فيض في الحديث عن فيكتور هوجو، وعن نظمه ونثره ورفيع منزلته في الأدب الفرنسي، وذلك لمناسبة الاحتفال بالذكرى الخمسينية لوفاته حسبما أشرنا بالعدد الماضي، وليس بين النقدة خلاف في المنزلة الرفيعة التي تبوأها في الشعر؛ بيد أن هنالك من يقول بأن هوجو يتبوأ في النثر أرفع من هذه المنزلة. وقد شهد لهوجو بالعظمة في النثر كتاب عظام مثل بلزاك صديقه ومعاصره، ثم جاء موريس باريس بعد ذلك فقال: (إن هوجو أعظم ناثر في القرن التاسع عشر). وقد وصفه أخيرا كاتب كبير في إحدى المجلات الأدبية، فقال: إن هوجو الناثر يتفوق في تحليل أشد عواطف الروح وأحوالها تعقيدا، وأعمق أزمات الضمير، ومعارك الإنسان والقدر. ولمناسبة الاحتفال بذكرى الشاعر الكبير أصدرت إحدى دور النشر الباريسية الكبرى طبعة كاملة من جميع مؤلفاته تقع في ٨٢ مجلدا.

стр. 8334

الكتب ضحى الإسلام الجزء الثاني تأليف الأستاذ أحمد أمين للأستاذ عبد الوهاب حمودة لقد أخرج للناس الأستاذ الجليل (أحمد أمين) كتابه ضحى الإسلام، الجزء الثاني منه، فقرأته قراءة ناقد متفحص؛ فألفيته قد هوى جهدا محمودا، ونهج منهجا جديدا. استقصى الأستاذ فأحسن الاستقصاء، وقرأ فأجاد القراءة، وفهم فأتقن الفهم، واستنبط فوفق إلى الصواب، في حسن ترتيب، وجمال تصوير، وقدرة على الإحاطة، وصبر على التفصيل. وصف الأستاذ في الفصل الأول من (الضحى) قوانين الرقي العقلي، ثم طبقها على الفكر العربي، وتدرج من ذلك إلى انقسام العلوم عند العرب في العصر العباسي، ثم ختم هذا الفصل بالكلام على حرية الرأي في ذلك العصر، فكان الأستاذ في هذا نسيج وحده، مبتكرا لمنهج جديد في البحث، وأسلوب طريف في التعليل. وفي الفصل الثاني والثالث تكلم الأستاذ على معاهد التعليم ودرجات التدريس، وعلى المكتبات والمناهج، ثم انتقل بعد إلى الحديث عن مراكز الحياة العقلية، فأبدى في مطاوي هذا البحث عن شخصية قوية، ورأي مستقل. وقد وفق الأستاذ التوفيق كله في المقابلة بين الروايات المختلفة عن (بيت الحكمة) وفي الاطمئنان إلى نتيجة معقولة حسنة، ولاسيما عند استخدام الأستاذ في تحقيقه (فقه اللغة) وتاريخ الألفاظ. فهو طرافة في التفكير، وجدة في الأساليب. وما أجمل الأستاذ وهو يعلل ضعف الفن في الحجاز في عصر الدولة العباسية تعليلا متواضعا مقنعا. أما كلامه عن (المربد) في هذا الفصل، فكلام المستقصي الدارس. ولست مغاليا إذا قلت إن باحثا لم يسبق الأستاذ في إلقاء نور وضاء قوي على هذا (المربد) وبيان أثره في الحياة العقلية عامة، واللغوية خاصة، بل كان المؤلفون يمسونه مسا رقيقا، ويمرون به في أبحاثهم مرا رفيقا. وجاء الأستاذ أيضاً في هذا الصدد بنظرية العصبية للقطر، ثم للبلد، ثم تدرج بعد ذلك إلى نشوء مدارس النحو المختلفة حتى وقف بمصر فإذا بالشعور القومي الخالص يملك على

стр. 8335

الأستاذ عواطفه، وإذا بالوطنية الصادقة تأسر عليه مشاعره، فيأبى إلا أن يجلي مصر في مضمار النهضة العلمية تجلية مشرقة، فينصفها في البحث وإن لم ينصفها الدهر في الحظ، في غير محابة ولا تحيز، شأن العالم الورع، والمحقق العادل. أما في الفصل الرابع والخامس فقد تكلم الأستاذ عن الحديث والتفسير والتشريع. ومن أجدر من الأستاذ (أحمد أمين) بتوفيه هذه البحوث والقيام بواجب تحقيق هذه المسائل، فهو ابن بجدتها، وأبو عذرتها. ولا يرضيني في الكشف عن محاسن هذين الفصلين إلا أن أشير على القارئ الكريم بقراءتهما، وأرغب إليه في دراستهما حتى يتذوق جمال حقائقهما بنفسه؛ ويقف على بديع تنسيقهما بدرسه. إذ هما يقعان فيما يقرب من مائة وخمسين صفحة من الكتاب. فجزى الله الأستاذ عن الحديث والقرآن خير الجزاء. أما في الفصل السادس من الكتاب، وهو الفصل الذي يمت إلى الأدب في صميمه، ويرتبط في اللغة في أصولها. فقد بحث فيه الأستاذ اللغة والأدب والنحو، فتراه في هذا الفصل أمينا محافظا على طبيعة هذه العلوم من الوقوف عند النقل والاقتصاد في الرأي والنقد في غير ما سرف ولا إفراط. أما الفصل السابع وهو الأخير في الكتاب فكان الكلام فيه عن التاريخ والمؤرخين. أتى فيه الأستاذ بتقسيم جميل لأنواع التاريخ، من تاريخ في السيرة، وتاريخ للحوادث، وتاريخ للأنساب، وتاريخ للرجال، وأخبار وقصص. فكان موفقا جد التوفيق في تحليله لمغازي ابن اسحق تحليل المنصف الدارس في بصيرة نافذة ورأي حر طليق. ثم ختم الأستاذ هذا الفصل بالكلام على عيوب المؤرخين الإسلاميين ومزاياهم فأنصفهم ووفاهم حقهم. وبعد، فسأذكر ما أخالف الأستاذ فيه من الرأي، وهي مخالفة يسيرة واختلاف هين. وقد عودنا الأستاذ تقبل ذلك بما عهدناه فيه من سمو في الخلق ونبل في القصد. أولا: أحصى الأستاذ في ص (١٧٣) المذاهب الفقهية التي ظهرت في العصر العباسي سوى المذاهب الأربعة، ولكنه أغفل مذاهب الشيعة. مع أنها مذاهب لها قوتها ولا يزال بعضها منتشرا كمذهب الزيدية في اليمن والإمامية في العراق وإيران. فلهذا المذهب أئمة ومؤلفون وكتب فقهية تطبع وتدرس. إلا إذا كان الأستاذ قد رأى تأخير ذلك إلى الكلام على عقائد الشيعة في الجزء الآتي بعد من

стр. 8336

الضحى. ثانيا: ذكر الأستاذ في ص (٢٤٥) أن من نتائج الاختلاف بين القبائل كثرة المترادفات في اللغة العربية ثم ساق مثلا لذلك فقال (إن السُّكّر اسمه المِبرَت بلغة اليمن). ولي على هذا اعتراضان: الاعتراض الأول أن لفظ السكر ليس بعربي بل هو تعريب للفظ شكَر الفارسية وهي قريبة جدا في نطقها من لفظها في اللغة الإنجليزية (راجع ص ٩٢ من كتاب الألفاظ الفارسية المعربة للسيد أدّي شير. وص ٨ و١٠٥ من شفاء الغليل للخفاجي. والقاموس للفيروز أبادي وص ٣٢٦ من مجلة مجمع اللغة العربية الملكي. وجـ ٦ من اللسان وص ١٦٦ جـ١ من المزهر لليسوطي). والاعتراض الثاني هو أنني كنت أود أن يذكر الأستاذ من آثار ذلك الاختلاف بين القبائل، المشترك من الألفاظ بقسميه لأن هذا النوع له أثر واضح في اختلاف المذاهب في التشريع كلفظ القروء في قوله تعالى (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء). ثالثا: ذكر الأستاذ في ص (٢٤٨) أن استعمال الكلمات المعربة كثر بعد الإسلام والفتح، ثم أخذ يسرد أمثلة للألفاظ التي تغلغلت في اللغة إثر الفتح. واعتراضي أن بعض تلك الألفاظ التي ساقها الأستاذ كان قد دخل اللغة العربية وعُرّب منذ عصر الجاهلية فلم يكن دخوله إذن نتيجة للفتح الإسلامي. مثال ذلك لفظة (الفلفل) قال امرؤ القيس في معلقته: ترى بعر الآرام في عرصاتها … وقيعانها كأنه حب فلفل وقال أيضاً: كأن مَكاكِيَّ الجواء غُدَيّةٌ … صبحن سلافا من رحيق مفلفل وجاء في اللسان خمر مفلفل ألقى فيه الفلفل. مثل آخر لفظة (الورد) فقد جاء في اللسان ص (٤٧٠) من الجزء الرابع (الورد ببلاد العرب كثير ريفية وبرية وجبلية. قال الزجاج في قوله تعالى: فكانت وردة كالدهان: أي صارت كلون الورد). وقد جاء في القاموس أن أم طرفة سميت بوردة. ومثل ثالث وهو لفظة (مسك) ويكفي في إثبات جاهليتها في التعريب ورودها في القرآن

стр. 8337

الكريم قال تعالى (ختامه مسك). رابعا: لقد استقصى الأستاذ الكبير الفروق في اللغة والنحو بين مدرسة البصرة والكوفة. وودِدتُ لو أنه أعقب ذلك بذكر خصائص المدرسة البغدادية في النحو أيضاً. وهو قد ألمع إلى هذه المدرسة في ص (٨٣) حيث قال: ثم تظهر في النحو مدرسة بغدادية لها طابعها الخاص ولها لونها ولها متعصبوها. ومهما يكن من شيء فهذه هنات يسيرة لا خطر لها ولا أثر في حسن الكتاب وقيمته. وإني أشهد مع الدكتور طه بحق أن الأستاذ (أحمد أمين) قد وفق في هذا الكتاب إلى الإجادة العلمية والفنية، وكشف عن الحياة العقلية الإسلامية كشفا، ثم عرضه عرضا هو أبعد شيء عن جفاء العلم وجفوته، وأدنى شيء إلى جمال الفن وعذوبته. فلينعم القراء بفصول هذا الكتاب ولينعم المؤلف بما ينعم به الظافر الموفق. عبد الوهاب حمودة

стр. 8338

الدسائس والدماء أو علي بك الكبير كتاب للأستاذ خيري سعيد للأستاذ محمود تيمور إنها لصفحة مروعة تلك التي قرأناها في هذا الكتاب. صفحة الدسائس والدماء حقا. صفحة تصور لك في أسلوب روائي أخاذ ذلك العصر الدامي الفاجر الذي عاشت فيه مصر حقبة من الزمن، وهي ترى بعيون ذاهلة وقلب ينبض حسرة وألما، ونفس صابرة هذه المشاهد الجهنمية التي تمثل على مسرحها. ذلك هو عصر المماليك الذي أحياه أمامنا في لباقة صديقنا القصصي الأستاذ خيري سعيد، فاستطعنا ونحن نقرأ كتابه أن نحيا في ذلك العصر نعاشر أهله ونصاحب حكامه ونشهد مواقعه المتلاحقة، ونحضر حفلاته الرائعة - حفلات الانتصار والاندحار - استطعنا أن نعيش في ذلك الجو الغريب نشم فيه رائحة البخور ممزوجة في الدم، ونصغي فيه إلى صوت المؤذن يطغي على أنات المحتضرين وصليل السيوف، وهي تهوى على الرقاب. أجل لقد استطاع الأستاذ خيري بأوصافه الدقيقة وخياله الواسع أن ينقلنا إلى ذلك العصر ويتركنا فيه برهة من الزمن، شعرنا أثنائها أننا رجعنا القهقري إلى القرون الوسطى، وأن الدنيا غيرها بالأمس، فلا كهرباء ولا قهوات ولا ولا. . فإذا أردنا أن ننتقل فعلى الدواب ذات السرج المفضضة والبراذع المنقوشة تخترق بنا الحارات الضيقة. نذهب بها في نزهة إلى الخليج. أو في مهمة إلى بركة الفيل حيث قصور الأمراء. أو في أمر بيع وشراء إلى ساحل بولاق، ذلك المرفأ النيلي العظيم المزدحم بخيرات البلد. . وإذا أردنا أن نعلم شيئا مما هو جار من الحوادث تسقطناه لماما من أفواه الناس. فهناك فتنة تختمر، أو مجزرة تستعر، أو حرب على الحدود تدور رحاها. وإذا أردنا أن نريح أعصابنا ورغبنا في الترويح عن أنفسنا قصدنا إلى دور أصدقائنا العلماء فنحظى بجلسة هادئة نشرب فيها القهوة الفاخرة، ونتناول العشاء السخي، ونستمع إلى مسامرتهم الجميلة أو إلى أناشيد المنشدين. . أجل لقد عشنا حقا في مصر في ذلك العهد القاسي المضطرب. رأينا الأمة منقسمة إلى طبقات لا يتعدى أهل الواحدة على الأخرى. فهناك طائفة الفلاحين تعمل طيلة العام لتمون الكُشاف والسَّناجِق (الأمراء المماليك) إذ أن الحكم حكم إقطاع. الفلاح آلة نشطة طيعة ليس لها إلا أن تعطى. ولكنها كانت في الوقت

стр. 8339

نفسه آلة ماكرة تعلمت الخبث من هؤلاء السادة الطغاة فاستطاعت أن تراوغهم هازئة بهم. ترشو هذا لتبعد ذاك، وتعطي جزءا لتحتفظ لنفسها بأجزاء. ثم هناك الطبقة الحاكمة وهي المماليك، تلك الطائفة الغريبة التي امتهنت الحكم ورضيت بما يحفه من خطر دائم. طائفة كانوا يشترونها في الأسواق أطفالا أرقاء يأتون بهم من مواطنهم في بلاد الشركس وأواسط آسيا، وينشئونهم نشأة حربية، فإذا ما نما المملوك واكتمل أصبح فارسا يجيد الحرب كما يجيد الحكم. وهو في الحالتين غدرا خبيث يعمل بقول القائل: الغاية تبرر الواسطة. يعيشون طول حياتهم والسيف لا يهمد لحظة في يدهم. وانك لترى على ملابسهم المزركشة المقصبة المحملة بالخناجر والسيوف بقعا من الدم كأنها أوسمة فخار. . وإذا ما دخلت دورهم عثرت قدمك برأس أو بضعة رؤوس بشرية تعترض طريقك. فإذا ما أغضيت النظر وتابعت سيرك دوى في أذنك صراخ مستغيث، فإذا بهارب يهوي أمامك متخبطا في دمه. . هؤلاء المماليك وعلى رأسهم شيخ البلد كانوا حكام مصر الحقيقيين في تلك الحقبة الرهيبة التي زعم العثمانيون أن البلد فيها إيالة تركية لا أكثر ولا أقل. ولكن أين مظهر تلك التبعية؟ أفي الباشا الوالي ذلك الحاكم المسكين الذي كان يوليه السلطان حكم مصر فلا يتعدى حكمه دائرة القلعة المسجون فيها؟ وليته كان يُترك سعيدا بحكم هذه المنطقة الصغيرة. إنه كان فيها أشبه بالطرطور يلبسه شيخ البلد. ليس عليه إلا أن يصدر الفرمانات التي يطلبها منه هذا الشيخ، فإذا عصى فإلى العزل أو الحبس أو القتل!! أم في تلك الحامية التركية الضعيفة التي نقص أفرادها على توالي الزمن فاستعيض عنهم بنفر من أهل البلد؟. . وهناك غير هاتين الطائفتين طائفة قوية تحتكم في ثروة البلد هي طائفة التجار، تلك التي كانت كلها من أبناء البلد والتي عاشت بالرغم مما انتابها من عسف كان يهد في ثروتها، عاشت في شيء من الرخاء والهدوء؛ وبجانب هذه الطائفة كانت طبقة العلماء - شيوخ الأزهر - تلك التي كانت تسيطر على البلاد بقوتها الروحية. وكانت الأمة كلها وحكامها على رأسها تضمر لها الاحترام وتعمل بنصائحها. ولكن هذا لم يكن يمنع عنها في بعض الأحيان بطش هؤلاء الحكام وغدرهم. . . . أجل لقد استطاع الأستاذ خيري سعيد أن ينقلنا إلى ذلك الجو وكأنه أركبنا طيارة وطار بنا على صعيد مصر كلها فإذا بنا نرى النار تشتعل في كل مكان: حكام القاهرة

стр. 8340

يريدون أن يسيطروا على الأرياف، وحكام الأرياف يريدون أن يحتفظوا باستقلالهم الإداري يستمتعون بما جنوه من أموال وخيرات، وبين هؤلاء الحكام وبعضهم حروب لا يخمد لها لهيب، والناس لا تعرف من الأمن إلا اسمه. فإذا ما سار التاجر بأسطوله النيلي المحمل بخيرات البلد من منطقة إلى أخرى وجب عليه دفع الإتاوة إلى شيوخ قطاع الطرق - طائفة أخرى مستقلة عن كل الطوائف امتهنت السلب وتفننت فيه وأثرت منه - وإلا أصاب أسطوله النهب والتحطيم. في ذلك الجو الخانق ظهر علي بك الكبير. وكان كبقية المماليك. عاش منذ نعومة أظافره بين مؤامرات الخيانة تطيح برؤوس الأمراء. عاش مملوكا طيلة حياته تتمثل في سياسته أساليب القسوة والغدر. ولكنه كان مملوكا أكثر ذكاء وأشد صلابة وأكبر أطماعا من غيره. تمثلت فيه صفات الملك فاستطاع أن يستخلص لنفسه حكم مصر فاستغنى عن الباشا الوالي وأخضع سائر المماليك لحكمه وضرب على أيدي قطاع الطرق. فاستمتعت البلاد في عهده بالأمن وبشيء من الطمأنينة لم تستمتع بهما في عهد غيره. وأحست بنوع من الكرامة الوطنية تذكو في فؤادها. فقد رأت حاكمها العظيم يقطع صلته بالدولة العثمانية ويجعل لمصر مركزا ممتازا بين الدول. . . ولكن هذا العهد لم يدم طويلا، فقد تألب المماليك المدحورون برياسة محمد بك أبي الذهب مملوك علي بك وساعده الأيمن فيما مضى - وشقت عليه عصا المطاعة وقاتلته حتى دحرته، ومن ثم أرجعت الباشا الوالي إلى عرشه الواهي المتآكل. . . وعادت الحياة كما كانت قبل أن يحكمها ذلك العاهل الكبير. صور عنيفة جبارة، يعرضها أمامك المؤلف في دقة غريبة وتنسيق جميل في كتابه الدسائس والدماء، وإنك لتعجب وأنت قرأ هذه الصحائف الممتعة كيف استطاع الكاتب أن يجمع لك في كتاب لا يتعدى المائة والخمسين صفحة، هذه الحوادث الجسيمة والشخصيات المعقدة في شبه ملحمة لم تدع كبيرة ولا صغيرة عن هذا العهد إلا سجلته. ولعلك تعجب أيضاً إذا علمت أن كل فصل من فصول هذا الكتاب يصح أن يكون قصة مستقلة يستطيع مؤلفها أن يملأ بها عشرات الصفحات. . . فإلى صديقي خيري تهنئتي الخالصة وتقديري الكبير. محمود تيمور

стр. 8341

العدد ١٠١ - بتاريخ: ١٠ - ٠٦ - ١٩٣٥

стр. 8342

ذكرى المولد ذكرى مولد الرسول هي ذكرى قيامة الروح وولادة الحرية ونشور الخلق؛ فكأن مولده كان البعث الأول الذي طهر النفس وعمر الدنيا وقرر الحق للإنسان، كما أن البعث الأخير سيخلص الروح ويبتدئ الآخرة ويعلن الملك لله كان العالم يومئذ يضطرب في رق المادة، وعبودية الشهوة، وسلطان القوة، فلم يكن للمثل الأعلى وجود في ذهنه، ولا للغرض النبيل أثر في سعيه، ولا للشعور الإنساني مجرى في حسه، ولا للسمو الإلهي معنى في نفسه؛ إنما كان حيواناً شهوته الغلب، مادياً غايته اللذة، أنانياً شريعته الهوى؛ ثم أسرف في البهيمية حتى جعل كل أنثى مباحة لكل ذكر، وفي المادية حيث اتخذ إلهه من خشب أو حجر، وفي الأنانية حتى قتل أولاده خشية الإملاق والضرر. فلما أتى النبي العربي فتح في غار حراء، باباً إلى السماء، تنزلت منه الملائكة والروح على هذا الهيكل المنحل والجسد المعتل، فنفخت فيه سر الحياة ومعنى الخلود وحقيقة الله. وحينئذ شعر سليل الأرض أن له أسباباً إلى السماوات رثت على طول غفلته، وأن له حياة خيراً من هذه الحياة استسّر علمها في جهالته؛ فتشوف إلى الأفق البعيد، واستشرق إلى السمت العالي، وأرسل نظره وراء النظر النبوي من فوق الجبل، في صمت حراء المفكر، وفي سكون الوادي الملهم، وفي غيابة الفضاء الرهيب، يفكر في الملكوت الدائم، ويسبح للجلال القائم، ويفنى في الوجود المطلق كانت العقيدة قبل محمد أن تموت الروح أو يموت الجسم، وأن يحكم الله أو يحكم الإنسان، وأن يظهر الدين أو تظهر الدنيا، أما تقرير الصلة بين المعنى والذات، وبين المصباح والمشكاة، وبين الحياة الأولى والحياة الأخرى، وبين الإرادة السفلى والإرادة العليا، فذلك هو القصد الإلهي من رسالة محمد، والتنفيذ المحمدي لإرادة الله وكان العالم قبل يوم محمد يرسف في عبودية عقلية تقتل التفكير، وعبودية جسمية تعقل التصرف؛ فلم يكن للأسرة نظام، ولا للقبيلة قانون، ولا للأمة دستور، ولا للعقيدة شريعة؛ إنما هو طغيان عاسف يتحكم في الفرد ويسيطر على الجماعة: فالأب يملك على بنيه الموت والحياة بحكم الطبيعة، والشيخ يفرض على عشيرته الأمر والنهي بمقتضى العرف، والملك يخضع نفوس الشعب باسم الدين، والكاهن ينسخ عقول الناس بقوة الجهل، والناس أجمعون عدا هؤلاء الأربعة أتباع وأوزاع وهمل

стр. 8343

فلما بعث الرسول الكريم رحمة للعالمين بعث الحرية من قبرها، وأطلق العقول من أسرها، وجعل التنافس في الخير، والتعاون على البر، والتفاضل بالتقوى، ثم وصل بين القلوب بالمؤاخاة، وعدل بين الحقوق بالمساواة، ودخل بين النفوس بالمحبة، حتى شعر الضعيف أن جند الله قوته، والفقير أن بيت المال ثروته، والوحيد أن المؤمنين جميعاً اخوته؛ ثم محا الفروق بين أجناس الإنسان، وأزال الحدود بين مختلف الأوطان، فأصبحت الأرض كلها وطناً مشاعاً، والعالم كله أسرة متحدة، لا يهيمن على علائقها إلا الحب، ولا يقوم على مرافقها إلا الإنصاف، وليس فيها بين المرء وخليفته حجاب، ولا بين العبد وربه واسطة يا رعى الله ذكراك المقدسة يا غار (ثور)! لقد كنت مبعث الحرية، كما كان غار (حراء) مبعث الروح! فأنت في جبل الخلاص وهو في جبل التجلي!! وكان العالم قبل مولد محمد يعاني تفكك الخلق وتحلل الرجولة وتقلب الأثرة وتحكم السفاهة؛ فسطوة اليد تسرف على العدل، وعصبية الدم تبغي على الحق، وسلطان المال يجني على الإنسانية، وسورة الترف تتعدى على المروءة؛ فالتجارة بخس وتطفيف، والعهود نقض وتسويف، والناس يعيشون عيش الوحش، تنافر وتدابر واحتيال واغتيال وشهوة!! فلما ظهر البطل العظيم والإنسان الكامل كانت شمائله وأفعاله رسالة أخرى في الخلق: كان تطبيقاً لقوانين الدين بالمثل، وتعليماً لآداب النفس بالعمل، وتنظيماً لغرائز الحياة بالقدوة؛ ثم فعلت شخصيته ودعوته في نفوس رويت بالدماء، ونغلت بالعداء، وعاشت على الفرقة، فألفهم على المودة، وجمعهم على الوحدة، ثم جعل لهم من كتاب الله نوراً، ومن سنته دستوراً، ورمى بهم فساد الدنيا فأصلحوا الأرض، ومدنوا العالم، وهذبوا الناس ذلك ما تلقيه ذكرى مولد الرسول في روع المؤمن العقول الذاكر! فليت شعري ماذا يجد في نفسه وفي قومه من روح محمد وحرية محمد وخلق محمد! ألسنا نعيش اليوم صوراً كقطع الشطرنج، وأتباعاً كعبيد الأرض، وهمجاً كهمج الجاهلية؟ وهل كان ذلك يكون لو أننا اتخذنا من أحكام الله منهاجاً، ومن كلام رسوله علاجاً، ومن حياة السابقين الأولين قدوة؟ إن ذكرى مولد الرسول ذكرى انطلاق الإنسانية من أسر الأوهام، وطغيان الحكام، وسلطان الجهالة، فما أجدر القلوب الواعية الحرة على اختلاف منازعها ومشارعها أن تخشع إجلالاً

стр. 8344

لذكرى رسول التوحيد والوحدة، ونبي الحرية والديمقراطية، وداعية السلام والوئام والمحبة! أحمد حسن الزيات

стр. 8345

ورقة ورد للأستاذ مصطفى صادق الرافعي (وضعنا كتابنا (أوراق الورد) في نوع من الترسل لم يكن منه شيء في الأدب العربي على الطريقة التي كتبناها بها في المعاني التي أفردناه لها، وهو رسائل غرامية تطارحها شاعر فيلسوف وشاعرة فيلسوفة على ما بيناه في مقدمة الكتاب. وكانت قد ضاعت (ورقة ورد)، وهي رسالة كتبها ذلك العاشق إلى صديق له، يصف من أمره وأمر صاحبته، ويصور له فيها سحر الحب كما لمسه وكما تركه. وقد عثرنا عليها بعد طبع الكتاب فرأينا ألا تنفرد بها، وهي هذه:) . . . كانت لها نفس شاعرة، من هذه النفوس العجيبة التي تأخذ الضدين بمعنى واحد أحياناً؛ فيسرها مرة أن تحزنها وتستدعي غضبها، ويحزنها مرة أن تسرها وتبلغ رضاها، كأن ليس في السرور ولا في الحزن معان من الأشياء ولكن من نفسها ومشيئتها وكان خيالها مشبوباً، يلقي في كل شيء لمعان النور وانطفاءه؛ فالدنيا في خيالها كالسماء التي ألبسها الليل، ملئت بأشيائها مبعثرة مضيئة خافتةً كالنجوم ولها شعور دقيق، يجعلها أحياناً من بلاغة حسها وإرهافه كأن فيها أكثر من عقلها؛ ويجعلها في بعض الأحيان من دقة هذا الحس واهتياجه كأنها بغير عقل وهي ترى أسمى الفكر في بعض أحوالها ألا يكون لها فكر ألبته؛ فتترك من أمورها أشياء للمصادفة، كأنها واثقة أن الحظ بعض عشاقها. على أن لها ثلاثة أنواع من الذكاء، في عقلها وروحها وجسمها: فالذكاء في عقلها فهم، وفي روحها فتنة، وفي جسمها. . . خلاعة وكنت أراها مرحة مستطارة مما تطرب وتتفاءل، حتى لأحسبها تود أن يخرج الكون من قوانينه ويطيش. . .؛ ثم أراها بعد متضورة مهمومة تحزن وتتشاءم، حتى لأظنها ستزيد الكون هماً ليس فيه! وكانت على كل أحوالها المتنافرة - جميلة ظريفة، قد تمت لها الصورة التي تخلق الحب، والأسرار التي تبعث الفتنة، والسحر الذي يميز روحها بشخصيتها الفاتنة كما تتميز هي بوجهها الفاتن وكان حبي إياها حريقاً من الحب. فمثّل لعينيك جسماً تناول جلده مس من لهب، فتسلّخ هذا

стр. 8346

الجلد هنا وهناك من سلخ النار، وظهر فيه من آثار الحروق لهب يابس احمر كأنه عروق من الجمر انتشرت في هذا الجسم. إنك إن تمثلت هذا الوصف ثم نقلته من الجلد إلى الدم - كان هو حريق ذلك الحب في دمي! والحب - إن كان حباً - لم يكن إلا عذاباً؛ فما هو إلا تقديم البرهان من العاشق على قوة فعل الحقيقة التي في المعشوق، ليس حال منه في عذابه، إلا وهي دليل على شيء منها في جبروتها ولقد أيقنت أن الغرام إنما هو جنون شخصية المحب بشخصية محبوبه، فيسقط العالم وأحكامه ومذاهبه مما بين الشخصيتين، وينتفي الواقع الذي يجري الناس عليه، وتعود الحقائق لا تأتي من شيء في هذه الدنيا إلا بعد أن تمر على المحبوب لتجيء منه، ويصبح هذا الكون العظيم كأنه إطار في عين مجنون لا يحمل شيئاً إلا الصورة التي جنّ بها! وتالله لكأن قانون الطبيعة يقضي ألا تحب المرأة رجلاً يسمى رجلاً، وألا تكون جديرة بمحبها، إلا إذا جرت بينهما أهوال من الغرام تتركها معه كأنها مأخوذة في الحرب. . . تلك الأهوال يمثلها الحيوان المتوحش عملاً جسمياً بالقتال على الأنثى، ثم ترق في الإنسان المتحضر فيمثلها عملاً قلبياً بالحب أحببتها جهد الهوى حتى لا مزيد فيه ولا مطمع في مزيد، ولكن أسرار فتنتها استمرت تتعدد فتدفعني أن يكون حبي أشد من هذا؛ ولا أعرف كيف يمكن في الحب أشد من هذا؟ ولقد كنت في استغاثتي بها من الحب كالذي رأى نفسه في طريق السيل ففر إلى ربوة عالية في رأسها عقل لهذا السيل الأحمق، أو كالذي فاجأه البركان بجنونه وغلظته فهرب في رقة الماء وحلمه؛ ولا سيل ولا بركان إلا حرقتي بالهوى وارتماضي من الحب أما والله إنه ليس العاشق هو العاشق، ولكن هي الطبيعة، هي الطبيعة في العاشق هي الطبيعة، بجبروتها، وعسفها، وتعنتها. إذا استراح الناس جميعاً قالت للعاشق: إلا أنت. . .! إذا عقل الناس جميعاً قالت في العاشق: إلا هذا. . .! إذا برأت جراح الحياة كلها قالت: إلا جرح الحب. . .! إذا تشابهت الهموم كالدمعة والدمعة، قالت: إلا هم العشق. . .!

стр. 8347

إذا تغير الناس في الحالة بعد الحالة، قالت في الحبيب: إلا هو. . .! إذا انكشف سر كل شيء، قالت: إلا المعشوق؛ إلا هذا المحجب بأسرار القلب. . .! ولما رأيتها أول مرة ولمسني الحب لمسة ساحر، جلست إليها أتأملها وأحتسي من جمالها ذلك الضياء المسكر الذي تعربد له الروح عربدة كلها وقار ظاهر. . . فرأيتني يومئذ في حالة كغشية الوحي، فوقها الآدمية ساكنة، وتحتها تيار الملائكة يعّب ويجري وكنت ألقي خواطر كثيرة، جعلت كل شيء منها ومما حولها يتكلم في نفسي، كأن الحياة قد ضاقت وازدحمت في ذلك الموضع الذي تجلس فيه، فما شيء يمر به إلى مسته فجعلته حياً يرتعش، حتى الكلمات وشعرت أول ما شعرت أن الهواء الذي تتنفس فيه يرق رقة نسيم السحر، كأنما انخدع بها فحسب وجهها نور الفجر! وأحسست في المكان قوة عجيبة في قدرتها على الجذب، جعلتني مبعثراً حول هذه الفتانة. كأنها محدودة بي من كل جهة وخيل إلي أن النواميس الطبيعية قد اختلت في جسمي إما بزيادة وإما بنقص؛ فأنا لذلك أعظم أمامها مرة، وأصغر مرة وظننت أن هذه الجميلة إن هي إلا صورة من الوجود النسائي الشاذ، وقع فيها تنقيح إلهي لتظهر للدنيا كيف كان جمال حواء في الجنة ورأيت هذا الحسن الفاتن يشعرني بأنه فوق الحسن، لأنه فيها هي، وأنه فوق الجمال والنضرة والمرح، لأن الله وضعه في هذا السرور الحي المخلوق امرأة والتمست في محاسنها عيباً، فبعد الجهد قلت مع الشاعر: (إذا عبتها شبهتها البدر طالعاً. . .!) ورأيتها تضحك الضحك المستحي؛ فيخرج من فمها الجميل كأنما هو شاعر أنه تجرأ على قانون. . . وتبسم ابتسامات تقول كل منها للجالسين: أنظروها! أنظروها. . .! ويغمرها ضحك العين والوجه والفم، وضحك الجسم أيضاً باهتزازه وترجرحه في حركات كأنما يبسم بعضها ويقهقه بعضها. . .

стр. 8348

وتلقي نظرات جعل الله معها ذلك الإغضاء وذلك الحياء، ليضع شيئاً من الوقاية في هذه القوة النسوية، قوة تدمير القلب وهي على ذلك متسامية في جمالها حتى لا يتكلم جسمها في وساوس النفس كلام اللحم والدم؛ وكأنه جسم ملائكي ليس له إلا الجلال طوعاً أو كرهاً جسم كالمعبد، لا يعرف من جاءه أنه جاءه إلا ليبتهل ويخشع وتطالعك من حيث تأملت فكرة الحياة المنسجمة على هذا الجسم، تطلب منك الفهم وهي لا تفهم أبداً؛ أي تريد الفهم الذي لا ينتهي؛ أي تطلب الحب الذي لا ينقطع وهي أبداً في زينة حسنها كأنها عروس في معرض جلوتها؛ غير أن للعروس ساعة، ولها هي كل ساعة أما ظرفها فيكاد يصيح تحت النظرات: أنا خائف، أنا خائف! ووجهها تتغالب عليه الرزانة والخفة، لتقرأ فيه العين عقلها وقلبها وهي مثل الشعر، تطرب القلب بالألم الذي يوجد في بعض السرور، وبالسرور الذي يحس في بعض الألم وهي مثل الخمر، تحسب الشيطان مترقرقاً فيها بكل إغرائه! وكلما تناولت أمامي شيئاً أو صنعت شيئاً خلقت معه شيئاً؛ أشياؤها لا تزيد بها الطبيعة، ولكن تزيد بها النفس فيا كبداً طارت صدوعاً من الأسى. . .! ورأيتني يومئذ في حالة كغشية الوحي، فوقها الآدمية ساكنة، وتحتها تيار الملائكة يعب ويجري يا سحر الحب! تركتني أرى وجهها من بعد هو الوجه الذي تضحك به الدنيا وتعبس وتتغيظ وتتحامق أيضاً. . . وجعلتني أرى تلك الابتسامة الجميلة هي أقوى حكومة في الأرض. . .! وجعلتني يا سحر الحب؛ وجعلتني يا سحر الحب مجنوناً. . .! (طبق الأصل) طنطا

стр. 8349

مصطفى صادق الرافعي

стр. 8350

في الجبانة للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني قالت لي أمي - رحمها الله - مرة: (ألا تنوي أن تزور أباك في هذا الموسم؟) وكنا قد أوشكنا أن ندخل في رجب، وكانت حريصة على زيارة موتاها في كل موسم، بل في كل خميس وجمعة، لا تهمل منهم أحداً، فتطوف بهم جميعاً وتقرأ لهم الفواتح، ولا تأكل فاكهة جديدة حتى (تفرق) منها على قبورهم، وكان ذلك يثقل علي، ولكني كنت أكلها إلى رأيها فيه، إيثاراً لمرتضاتها فقلت - بلهجة من ضاق صدره: - (كيف أزوره وهو ميت وأنا حي، وهو تحت الأرض وأنا فوقها، فلا يسمع مني ولا يراني ولا يحسني؟) فقالت: (إني أراك مغتراً بالحياة ومعتزاً بها، ولا أستحسن لك هذا) ولم تزد، فأقصرت أنا أيضاً وقد شعرت أني آلمتها بسخافتي وحماقتي، وكرت الأيام، فما يقف الدهر، وماتت - كما يموت كل حي - فكان أوجع لي من موتها أنها ذهبت وهي موقنة أني لن أزور قبرها، وكأنما أردت أن أغالط نفسي فيما تحسه من الوخز والندم، فجعلت أزورها من حين إلى حين، ولكني كنت أتسلل كاللص، وأتخير أوقاتاً غير أوقات الزيارة المألوفة، فلا يعلم بذلك أحد، ولا يراني مخلوق، ثم كففت لأني أنكرت هذا كله من نفسي، وكبر علي أن أذهب إلى المقابر على رجلي، وقلت لنفسي: (إذا كان المراد بالزيارة الذكر، فإنها به أبداً بين العين والقلب، وإذا كان صحيحاً ما يقال من أن الميت يموت مرة أخرى كلما نسيه واحد من الأحياء، فإني لن أجني ميتة جديدة على أمي ما دمت حياً) ولم يفتر ندمي مع ذلك، فظل دائراً في نفسي، فتشددت، وحملت نفسي على مكروهها، ومضيت إلى قبرها في ليلة سوداء - أعني مظلمة - وفتحت الباب ودخلت المقبرة وقلت (السلام عليكم) كأنما أردت أن أونس نفسي بصوتي في هذه الوحشة، فما راعني إلا صوت يقول: (وعليكم السلام! من تراك تكون؟) فذعرت، وهممت بالجري، ولكني استحييت، فما يمكن أن يرد السلام غير حي، ولعله مسكين أوى إلى هذا المكان الموحش من الفاقة، وما أكثر من رأيتهم يفعلون ذلك! فما

стр. 8351

خوفي من رجل يقول: (وعليكم السلام)؟؟ ولو كان امرءاً سوء لاستخفى، فتشجعت وأدرت عيني في المكان فلم تأخذ شيئاً في هذا السواد، فقلت: (من عساك تكون أنت يا صاحبي؟) فقال الصوت: (وما سؤالك هذا؟ لن تعرفني على كل حال. فإني قديم - قديم، ولكن تعال ساعدني واحتقب شكري) فدنوت منه - أعني من مصدر الصوت - وسألت: (على أي شيء تريد أن أساعدك؟) قال: (على حمل هذا الحجر - فقد وهن عظمي جداً) قلت: (ولماذا تريد أن تحمله؟ دعه حيث هو، فإنه من حجارة المقبرة وليس لأحد أن يزحزحها عن مكانها أو ينقلها) قال: (إنك معذور) قلت: (كيف؟ ماذا تعني؟) قال: (هذا قبري. وهذا من سواه - عليه اسمي مكتوباً. . . تستطيع أن تقرأه إذا شئت) فكان من دواعي عجبي بعد ذلك أني لم أذعر ولم أول هارباً، بل أقبلت عليه أسأله وأستخبره فقال: (لقد هجرنا جميعاً هذه المقبرة المهملة - لم يبق لنا فيها مقام. وكيف المقام في قبور متهدمة؟؟ لقد كانت جديدة حسنة البناء يوم جئنا، وكان أهلنا - الباقون منا على قيد الحياة - يعنون بها ويرشون أرضها بالماء ويحملون إليها الزهر والرياحين، فكان نشرها يفوح ويتضوع، فإذا جن الليل خرجنا من القبور مسرورين وأقبلنا عليها نشمها وننعم بشذاها، وكان القراء يتلون على أجداثنا القرآن فيندى على قلوبنا وترف له نفوسنا ونحس أن عظامنا قد طريت. أما الآن. . .!؟ لا يا صاحبي، لم تعد هذه المقبرة صالحة للإقامة! وقد هجرناها، وجمع كل منا كفنه وحمل من له حجر حجره، ورحلنا، وكيف كان يسعنا غير ذلك؟ إنها لم تعد جبانة. . . هذه هي مساكن الأحياء أراها من مكاني هنا. . . فهل هذه مقبرة؟ لقد زحف الناس ببنائهم وغزوا أرضنا وجاروا علينا، وجاورونا، فبالله كيف نطيق جوارهم؟ كيف نحتمل لغطهم وضجاتهم التي لا تنتهي؟ ما عسى صبرنا على حركاتهم التي لا يعقبها سكون؟؟ لكأنا ما متنا ولا استرحنا إذن!؟ وأقول لك الحق لقد بدأنا نأسف على أنّا متنا. . . لا يا صاحبي، لم تبق هذه الأرض للموتى، ولم يعد ثم مفر من

стр. 8352

الرحيل عنها. . . لقد تعبنا جداً هنا واضطررنا إلى ما لم يكن لنا في حساب. ومن لطف الله بنا أن هذه البلاد قليلة المطر، ومع ذلك كنا إذا أمطرت ينفذ إلينا الماء من سوء حال القبور، وتبتل أكفاننا فنضطر إلى الخروج وننشرها بين أيدينا أو على هذا السور حتى تجف وتعود صالحة للبس. وعلى ذكر ذلك أقول إني لا أدري ماذا جرى للدنيا؟ لقد كانت حفيدة لي مدفونة هنا، وكان عليها كفن من الحرير الغالي، فسرقه لص! تصور هذا؟ ولا أعلم هل سرقه واحد من الأحياء، أو تغفلتها ميتة أخرى وسرقته؟ فإن كان السارق من الموتى فلابد أن يكون من جيراننا فما في أسرتنا هذا السوء. وقد شكت إلي ما صارت إليه من العري، فلم أدر أول الأمر ماذا أصنع؟ وكيف أكسوها؟ وخطر لي أن أنتظر حتى يجيئنا ميت جديد، أو يموت ابنها فآخذ من كفنه لها، فإن الميت الجديد يلف في أكثر مما يحتاج إليه، ولكنه لم يمت مع الأسف، فلم أجد حيلة إلا أن أجعلها دقة بدقة، والبادئ أظلم، فذهبت أرتاد هذه الجبانة حتى رأيت كفناً من الحرير لا أشك في أنه الكفن المسروق، فجئتها بشق منه وتركت شقاً) وضحك - أعني أنه أخرج صوتاً سألته عنه لأني حسبته كلاماً فقال إنه كان يضحك، فسرت في بدني رعدة، واستأذنته في الانصراف فقال: (ألا تعينني؟ إن الحجر ثقيل، وأنا هرم، وقد فتر نشاطي من طول الرقاد) فتناولت الحجر من ناحية، وتناوله من طرفه الآخر، ووضعناه معاً على ظهره، وذهب يخطو، وكانت عظامه تقرقع وهو يمشي، فلما بلغ الباب سألته: (ألم يبق هنا أحد منكم؟) قال: (لا. . . ماذا نصنع هنا؟ كلا ليبن فوقها الأحياء إذا شاءوا) قلت: (وأين ذهبتم، فقد نحب أن نزوركم) قال: (أين ذهبنا؟ وأين تنتظر أن نذهب؟ انتشرنا في فضاء الله، فإن أرضه ما زالت واسعة، ولن نعدم فيها منأى عن مساكن الأحياء. . . وعلى ذكر ذلك أسألك: ألستم تموتون في هذه الأيام؟) قلت: (يا له من سؤال؟ كيف لا نموت؟) قال: لماذا إذن هذا الزحف علينا كأن الدنيا تضيق بكم وكأنكم تزيدون ولا تنقصون؟ لماذا

стр. 8353

لا يكفيكم ما كان يكفينا؟ كل الجبانات المشهورة صارت أحياء عامرة بالسكان فكيف هذا؟) فسألته: (وجلا عنها الموتى؟) قال: (بالطبع! وهل يمكن أن يحتملوا الناس؟ إذن لماذا ماتوا؟) قلت: (هل تفزعكم الحياة إلى هذا الحد؟) قال: (كما يفزعكم الموت - كلا. لا يطيق الحياة من نجا منها. . . والآن عم مساء يا صاحبي! هل لك في مرافقتي؟ لا؟ لا بأس! كل شيء مرهون بوقته. . .) فلم أطلق أكثر من ذلك، وخرجت من الجبانة أعدوا. . . إبراهيم عبد القادر المازني

стр. 8354

٣ - لوكريسيا بورجيا صور من عصر الأحياء للأستاذ محمد عبد الله عنان وينكر بعض الباحثين المحدثين هذه الروايات المثيرة، ولا يرون فيها سوى حديث خرافة أو على الأقل أحاديث مغرقة لا تؤيدها أدلة مقنعة؛ ويستبعدون بالأخص أن تمثل لوكريسيا بورجيا في مثل هذه الحفلات العاصفة الشائنة إلى جانب أبيها وأخيها ولكن الرأي الغالب يميل إلى الاتهام؛ ويرى في أقوال بوركارت ما يؤيد تهمة مخزية أخرى تنسب إلى لوكريسيا هي عشرة المحرم التي أشرنا إليها؛ والتي تزعم أنها كانت خليلة أبيها، خليلة اخوتها وإليك واقعة خطيرة يستشهد بها الاتهام. في أول سبتمبر سنة ١٥٠١، أصدر البابا اسكندر السادس مرسومين مازالا يحفظان حتى اليوم في محفوظات مودينا؛ في أولهما يعلن البابا بأن أبنه شيزاري قد رزق غلاماً غير شرعي يدعى جوفاني في نحو الثالثة من عمره، وأنه يبرئه من عيب هذا المولد غير الشرعي، ويباركه ويعتبره أبناً شرعياً لولده شيزاري، يتمتع بكل حقوق الوراثة الشرعية، وينعم عليه بلقب دوق نيبي؛ وفي المرسوم الثاني يقرر البابا، أنه وإن كان يبرئ هذا الغلام ويرفعه إلى مرتبة الولد الشرعي، فإنه يقرر بأن عيب هذا المولد لا يرجع إلى ولده شيزاري بل يرجع إليه هو (أي البابا) وسيدة حرة (من قيود الزواج)، وإن كان ما يؤول إليه من الحقوق والمزايا طبقاً للمرسوم السابق يؤول إليه أيضاً بصفته ولد البابا وليس ولد ولده شيزاري؛ أو بعبارة أخرى يعترف البابا في هذا المرسوم بأن هذا الطفل هو ولده وثمرة غرامه فمن هي أم هذا الطفل (الروماني)؟ ومن هي هذه السيدة الحرة، حظية البابا أو حظية ولده شيزاري أو حظيتهما معاً؟ يقول المؤرخ الكبير أميل جبهارت في الرد على ذلك: إن مولد هذا الغلام الروماني (جوفاني) الذي تولت لوكريسيا فيما بعد، حين غدت دوقة فيرارا تربيته، باعتباره أخيها، هو اشد ما في حياة اسكندر السادس وحياة شيزاري غموضاً وإيلاماً. والواقع أن لوكريسيا قد وضعت في سنة ١٤٩٨ ولداً يتفق مولده بالضبط مع تفاصيل المرسومين البابويين،

стр. 8355

وتوجد مراسيم أخرى في محفوظات الفاتيكان تنسب هذا الولد إلى شيزاري. يقول جبهارت، فهذا الاعتراف المزدوج بالأبوة، وهذا التناقض، مما يسمح لنا بالإشارة إلى عناصر هذه المسألة المحزنة دون أن نحاول بسطها وبعبارة أخرى يرى جبهارت أن هذا الغلام هو ولد اسكندر السادس من أبنته لوكريسيا، أو ولد شيزاري من أخته؛ وأن ما كان ينسبه جان سفورزا إلى زوجته عندئذ من أنها كانت خليلة أبيها، خليلة أخيها، إنما هو حق صراح بيد أن العلامة فوك برنتانو يعترض على هذا الإيضاح بشدة، ويقول أن بوركارت الذي يعني في مذكراته بكل ما يتصل بالفضائح البابوية وبالأخص بفضائح لوكريسيا لا يشير إلى مولد هذا الغلام بشيء؛ وليس معقولاً أن تعنى لوكريسيا بتربية غلام غير شرعي ينسب إليها في بلاط زوجها دوق فيرارا، وهو أمير رفيع الجلال والكرامة؛ وكيف تفعل ذلك، وقد تركت ولدها الشرعي رودريجو لعناية جده؟ ويرى هذا العلامة أن مصدر الشنائع كلها هم سفراء البندقية لدى الفاتيكان، وقد كانت مهمتهم الحقيقية أن يشهروا بإسكندر السادس وأسرته وكل ما يتصل بها ويرى بعض الرواة المعاصرين أن هذا الغلام إنما هو ولد البابا من خليلته جوليا فارنيسي؛ ويرى آخرون أنه ولد لوكريسيا من وصيف البابا المدعو بيروتو، وقد عاقبه البابا بأن زجه إلى ظلام السجن وعلى أي حال، فإن في هذه الروايات والشواهد كلها، ما يسبغ أشد الريب على خلال لوكريسيا بورجيا؛ تلك الفتاة الطروب الفاتنة، التي كانت تخوض بلا انقطاع حياة فياضة بالفتنة والغواية، والتي كان جمالها الساحر يثير حولها ضراماً من الشهوات الخطرة؛ وما يسبغ اشد الريب على علائقها بأبيها الحبر الفاسق الذي يسحق تحت قدميه كل مبادئ الأخلاق والحشمة، وأخيها الطاغية الذي كانت الجريمة وسيلته الوحيدة إلى كل غاية ننتقل الآن إلى صفحة جديد وفي حياة لوكريسيا بورجيا لم يكد يزهق زوجها الثاني الفونسو دي بزيليا، حتى وضع مشروع جديد بزواجها. وكان المرشح هذه المرة الفونسو ديستي ولد دوق فيرارا وولي عهده؛ وكان الترشيح لنفس البواعث السياسية التي ما زالت تملي على اسكندر السادس وشيزاري تلك المشاريع

стр. 8356

الزوجية المتعاقبة. وقد تردد الدوق وولده في قبول هذه المصاهرة بادئ بدء لما يعلمانه من غدر البابا وولده، وما توصم به لوكريسيا من شنيع التهم؛ ولكن سفراء فيرارا قدموا عن لوكريسيا تقارير حسنة وصفت فيها بالحشمة والتواضع والتحفظ وبأنها ضحوك يغلب عليها المرح. وتمت الصفقة على أن يدفع البابا لابنته مهراً قدره أربعون ألف دوقة، وأن يتنازل لدوق فيرارا عن بعض الحصون والجهات، وأن يخفظ إتاوته للكنيسة إلى أدنى حد. وتم العقد في فيرارا في أول سبتمبر سنة ١٥٠١؛ وفي اليوم الخامس احتفل البابا بإشهار زواج ابنته في كنيسة القديس بطرس احتفالاً شائقاً وفي أواخر ديسمبر قدم وفد حافل من أمراء فيرارا وأعيانها وعلى رأسه فرديناند ديستي أخو الزوج لينوب عنه في استقدام زوجه، وشهدت رومة مدى أيام سلسلة من الحفلات والمأدب الباذخ والليالي الساطعة المرحة؛ وفي السادس من يناير (سنة ١٥٠٢) أجريت مراسيم الوداع؛ وغادرت لوكريسيا رومة في ركب فخم من الأمراء والفرسان إلى وطنها الجديد فيرارا فوصلت إليها في الثاني من فبراير بعد رحلة باهرة، واستقبلت بأعظم مظاهر الفخامة والتكريم وكان مقامها الجديد في قصر قاتم موحش لا يتناسب مع مقامها الفخم في رومة، ولكنها اعتادت حياتها الجديدة بسرعة، وعاشت في هدوء وبساطة، ولم تفقد شيئاً من مرحها وبهجتها؛ وكان هذا المرح الفياض يسحر أهل فيرارا ويجذبهم إليها، وكان زوجها الفونسو ديستي فتى متين الخلق والخلال كثير الخطورة والجد، يؤثر الاهتمام بالشؤون الحربية، ولكن رقيق الشمائل وافر الثقافة، يعشق الفن ويحميه؛ وكانت لوكريسيا تعيش معه في وفاق، يحيط بها حب الأسرة الجديدة واحترامها بيد أن هذه الحياة الهادئة كانت تكدرها عن بعد مشاريع شيزاري وأعماله؛ وكان شيزاري يومئذ يخترق أواسط إيطاليا بجيشه، ويمزق العدو والصديق معاً، ويحاول بتلك الوسائل الدموية الغادرة، التي أثارت إعجاب مكيافيللي وجعلته يعتبر شيزاري مثله الأعلى للأمير البارع - أن ينشئ مملكة رومانية كبرى؛ وكانت لوكريسيا تقاسي في عزلتها من التبعة المعنوية التي تلحقها من جراء هذه المشاريع والأعمال المثيرة ثم نزل بها مصاب فادح، ذلك أن ولدها رودريجو الذي كان يربى في بابل في أسرة أبيه،

стр. 8357

توفي في الثالثة من عمره (أغسطس سنة ١٥٠٢) فحزنت عليه أيما حزن، وأثر الحزن في هيكلها الدقيق، فلزمت فراشها مدى حين وجداً وأسى؛ ولكنها لقيت من عطف زوجها ووفائه في محنتها ما خفف لوعة وجدها وعاونها على استكمال صحتها وهنا يحمل بعض المؤرخين على لوكريسيا، ويتهمونها بالقسوة والنذالة لأنها لم تعن بتربية ولدها بنفسها في حين أنها عنيت بتربية (الطفل الروماني) الذي أشرنا إلى قصته وكانت لوكريسيا في تلك الفترة تعنى بالقراءة؛ ولم تلق في فيرارا شيئاً من تلك الحفلات المرحة التي كانت كل حياتها في الفاتيكان، بيد أنها كانت قد عافت هذه الدنيا الصاخبة، وارتاحت إلى حياة العزلة والسكينة ولم يمض عام آخر حتى فقدت لوكريسيا أباها اسكندر السادس؛ وكانت وفاته في ١٨ أغسطس سنة ١٥٠٣ في سن الثالثة والسبعين ويصف لنا المؤرخ جيشاردينو وقع وفاته في روما فيما يأتي: (هرعت روما بأسرها، وقد غمرها فرح لا يوصف، إلى كنيسة القديس بطرس، تتأمل ذلك الميت؛ ذلك الشيطان الذي يضطرم طمعاً ويفيض غدراً؛ ذلك الذي سمعت قسوته الوحشية، وفجوره المروع، وجشعه، وجرأته المثيرة في إدارة الشؤون المدنية والدينية، جو العالم كله) ووقع النبأ كالصاعقة على لوكريسيا. ذلك أنها كانت تحب أباها رغم رذائله وآثامه، حباً جما؛ وكانت تشعر بأن هذا الحنان الفياض الذي كان يغدقه عليها دائماً، هو ملاذ حياتها وعزها، فغمرها الحزن مدى حين. ولكن زوجها وأسرته استقبلا النبأ بارتياح؛ ولم تر لوكريسيا أباها مذ غادرت رومة عقب زواجها، لأن زوجها كان يأبى دائماً أن تزور رومة أو يزورها أبوها في فيرارا وقد كانت وفاة اسكندر السادس خاتمة ذلك السلطان إلى تبوأ آل بورجيا في إيطاليا مدة ثلاثة عشر عاماً، وكان نكبة حقه لولده شيزاري. ذلك أن مشاريعه انهارت في الغداة كانهيار قصر أسس على الرمال أن فقد ذلك العضد القوي الذي كان مصدر كل قوته وبطشه؛ فالتجأ إلى جونزالفو دي كردوفا قائد الجيوش الإسبانية في نابل، ولكنه اعتقله وسلمه إلى ملك إسبانيا فردياند الكاثوليكي؛ فزجه إلى السجن معتزماً أن يحاكمه على جرائمه التي أصابت كثيراً من أفراد أسرته؛ ولكن شيزاري استطاع أن يفر من سجنه بعد

стр. 8358

خطوب جمة، وان يلتجئ إلى حمية ملك نافار؛ وهناك جرح في إحدى المعارك، وتوفي في سنة ١٥٠٧؛ واختتمت بذلك حياته المدهشة التي اتخذها الفيلسوف ماكيافيللي مادة لشرح كثير من آرائه من خلال (الأمير) الأمثل في يناير سنة ١٥٠٥ توفي هرقل ديستي دوق فيرارا، فخلفه ابنه الفونسو في الحكم، وغدت لوكريسيا بورجيا دوقة فيرارا وكانت فيرارا تجمع في ذلك العهد طائفة من أكابر الكتاب والشعراء والفنانين بظلهم الدوق برعايته، أسوة بباقي القصور والعواصم الإيطالية الزاهرة؛ وكان ذلك السحر الذي تنفثه لوكريسيا أينما حلت يجذب إليها هذه الصفوة، فتجتمع حولها في ذلك البلاط الزاهر؛ وتشملهم الدوقة المستنيرة النابهة بعطفها وحمايتها وكان من هؤلاء الشاعر الشيخ شتروتسي وولده هرقل شتروتسي وهو شاعر أيضاً، وأنتونيو تبالديو، وكالكانيني؛ ونيكوليو كوريجيو وهو من اعظم شعراء العصر؛ وجاكوبو كافيشيو أسقف فيرارا، وهو كاتب قاص؛ ثم الشاعرين الفتيين لاريوستي وبيتروبمبو وكانت هذه الصفوة المفكرة تتغنى بسحر الدوقة الحسناء وتشيد بخلالها ومواهبها في نثرها وشعرها؛ وتهدي إليها كتبها وقصائدها. ومما يذكر أن شتروتسي الشيخ وصفها في بعض قصائده بأنها (مجمع عجائب الأرض والسماء كلها، وليس يوجد لها نظير في العالم كله) وكانت لوكريسيا تبادلهم القريض أحياناً، وتنظم باللاتينية قصائد ساحرة، فتذكى بذلك إعجابهم وهممهم بيد أن هذا الجو الأدبي الزاهر كانت تكدره سحب الريب والظنون، وكان اشد أولئك الشعراء تأثراً بسحر لوكريسيا بيتروبمبو؛ وكان بمبو من سادة البندقية، فتى جميلاً، بديع الخلال والمواهب، بارعاً في التاريخ والشعر، وكان من شعراء بلاط فيرارا، ومن أخصاء الدوق، يضطرم نحو الدوقة الحسناء إعجاباً وحباً؛ وكان يوجه إليها كثيراً من الرسائل والقصائد في مختلف المناسبات؛ ومن ذلك تلك القصيدة التي نظمها باللاتينية للإشادة بمعبودته إلى لوكريسيا بورجيا (أيتها الحسناء، أنت أجمل من أوربا، أنت ابنة ملك آجنور، ولست مثل هيلانة الإسبارطية

стр. 8359

التي اختطفها باريس التروادي، تسمحين لجمالك أن يطغى على عبقريتك. وإذا قلت الشعر بالإيطالية فأنت ابنة الأرض الإيطالية. وإذا تناولت القلم لتكتبي القريض بنفسك، فإنه لقريض يجدر بوحي الشاعر؛ وإذا راق لك أن تهزي أوتار القيثارة، فإن أمواج نهر بو ترتجف في مجراها سحراً من غنائك، وإذا راق لك أن تستسلمي إلى الرقص بقدمك الطائر، فآه! إني لأخشى أن تلفتي نظر إله ما، فيأتي لاختطافك من قصرك، ويحملك إلى السماء، ويجعل منك أيتها الحسناء الرائعة، إلهة كوكب جديد) كان بمبو يشعر نحو لوكريسيا بأكثر من الإعجاب والحب، كان يشعر نحوها بهيام مبرح؛ وكان هذا الهيام يبدو في قصائده ورسائله مع شيء من التحفظ تمليه عليه الظروف واتقاء الريب. ذلك أن الفونسو ديستي كان أميراً صارماً عنيف الأهواء، وكان يحب زوجه، وإن لم تكن كل شيء في حياته الغرامية؛ وكان يحيط الدوقة بسياج منيع من غيرته وصرامته، ويرد العواطف المتوثبة إلى سحرها وجمالها في مهادها بيد أن الروايات المعاصرة تقول إن لوكريسيا كانت تقابل حب بمبو بمثله، وأن علائقهما الغرامية اتصلت مدى حين أثناء إقامة الشاعر في فيرارا حتى سنة ١٥٠٦؛ وقد كان طبيعياً أن يتفتح قلب لوكريسيا في مثل هذه الظروف؛ فقد كان الفونسو ديستي مشغولاً عن حب زوجه بمشاريعه السياسية والعسكرية، وكانت لوكريسيا تتأثر بجمال الشاعر ورقة شمائله وفيض هيامه؛ وكانت تبادله الرسائل؛ وما زالت رسالة منها تحفظ في مكتبة امبرواز بميلان ومعها خصلة من شعرها، ذلك الشعر الذهبي الأشقر الذي كان يبث من حولها النور والسحر. وقد كانت نفحة الوداع. ذلك أن بمبو رأى أن يغادر فيرارا فجأة (سنة ١٥٠٦) بعد أن أقام بها ثلاثة أعوام؛ وقد كان ذهابه نوعاً من الفرار، ولعله كان اتقاء لريب الدوق وبطشه، وربما رأى المحبان أن الفراق خير وسيلة للسلامة من عواقب غرام خطر ولقد لبث بمبو يكاتب معبودة قلبه من أوربينو مقامه الجديد حتى وفاته في سنة ١٥١٩. وهناك من يرى أن علائق لوكريسيا بالشاعر لم تتعد الصداقة الحميمة، وأن هيامه بها لم يكن سوى نوع من عبادة الجمال والحب الفلسفي ولا ريب أن بمبو كان فتى حريصاً فطناً حين خشي نقمة الدوق. ذلك أن زميله الشاعر الفتى شتروتسي وجد ذات يوم قتيلاً مخضباً بدمائه (يونيه سنة ١٥٠٨). وطارت الإشاعة

стр. 8360

في الحال بأنه ذهب ضحية لغيرة الدوق وبطشه، ذلك أنه كان يهيم بالدوقة، ويشيد بجمالها في شعره دون تحفظ. ولكن رواية أخرى تقول إن لوكريسيا لم يكن لها في تلك المأساة شأن، وأن الدوق كان يهوي فتاة حسناء هي بربارة توريللي، وقد تزوجت من شتروتسي، فقرر الدوق موته لكي يزيله من طريق هواه وعلى أي حال فإن الرواية تقرن اسم لوكريسيا بكثير من مآسي الحب الخفية التي وقعت يومئذ ببلاط فيرارا. للبحث بقية محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 8361

استدراك وتصويب قرأت في العدد ٩٩ من (الرسالة الغراء) مقال الأستاذ المغربي (بين الفقه الإسلامي والروماني) فرأيته تلطف في الرد على الخواجه ميشيل عند قوله: (إن أبا حنيفة لم يعترف إلا بسبعة عشر حديثاً) وهي غلطة ظاهرة لا يسوغ لأحد أن يغتر بها، لأن روايات أبي حنيفة على تشدده في شروط الصحة لم تكن سبعة عشر حديثاً فحسب بل أحاديثه في سبعة عشر جزءاً يسمى كل منها بمسند أبي حنيفة، وقد خرجها جماعة من الحفاظ بأسانيدهم إلى الإمام ما بين مقل منهم ومكثر حسبما بلغ إليهم من الأحاديث التي يرويها، وليس بين تلك الأجزاء جزء أصغر من سنن الإمام الشافعي رواية الطحاوي ولا من مسند الشافعي رواية أبي العباس الأصم اللذين عليهما مدار أحاديث الإمام الشافعي. وقد عنى أهل العلم بتلك المسانيد جمعاً وتلخيصاً وتخريجاً وقراءة وسماعاً ورواية؛ فهذا الشيخ محدث الديار المصرية الحافظ محمد بن يوسف الصالحي صاحب الكتب الجليلة في السير وغيرها يروي تلك المسانيد السبعة عشر عن مشايخه ما بين قراءة وسماع ومشافهة وكتابة بأسانيدهم إلى مخرجيها، وذلك في كتابه (عقد الجمان). وكذا يرويها بطرق كثيرة محدث الديار الشامية الحافظ شمس الدين بن طولون في (الفهرست الأوسط) عن شيوخه سماعاً وقراءة ومشافهة وكتابة بأسانيدهم كذلك إلى مخرجيها، وذانك الحافظان هما زينا القطرين في القرن العاشر الهجري، وكذلك حملة الرواية إلى قرننا هذا ممن لهم عناية بالسنة. وما تلك المسانيد والكتب ببعيدة عن متناول أهل العلم، بل بعضها مطبوع في الهند. . . إلى غير ذلك مما تراه مفصلاً في (شروط الأئمة الخمسة للحازمي المطبوع سنة ١٣٤٦) أبو أسامة هراقليوس في المعبد البطل للأستاذ معروف الارناءوط كاتب (سيد قريش) وصاحب (فتى العرب)

стр. 8362

تتمة المنشور في العدد الماضي كان معبد القديسة هيلانة غارقاً في الصمت، فليس في نواحيه أثر من صلاة، ولا تنير محارمه ومناسكه هذه الشموع الكثيرة التي تنير أروقة كنيسة القبر المقدس؛ وقد جفاه المرتلون والعازفون، فما يسمع هراقليوس في عزلته صوتاً يحرك في نفسه شعور التقي والورع، بل ليس في هذا الرمس الذي انحدر إليه، قسيس يطمئن إلى لباسه أو يستريح إلى إرشاده ونصحه، ولو كان هنالك تقي لخف إليه وسأله أن يترع نفسه بالعزاء الذي يحبه ويشتاقه ثم عاف هراقليوس الهيكل وأقبل على الجدر يتجسسها ويتفحصها ويستند إليها، وهو يحاول الخروج من المعبد؛ وأنه ليمشي في لين ورفق حذر السقوط إذ صافحت عيناه نزلة أخرى صورة ذلك الأعمى، فوقف ينظر إليها على ذلك النور الضعيف الذي يرسله القمر من صدوع في القبة الفيحاء، فلما حدق إليه ارتد به الخاطر في خفة الوميض إلى الحياة (موريس) التعس الذي سوغ الظالم (فوكاس) قتله مع بنيه في ليلة من ليالي الخريف الحافزة. وقد كان (موريس) قيصر الرومان وسيد هذه الدنيا طولا وعرضا، فألب (فوكاس) عليه الغوغاء وهاجمه وهو نائم في قصره، ففر إلى جزيرة (انتيغون) على الساحل الهادئ في بحر (مرارا) ولحق به بنوه وصحبه، فما تريث الطاغية (فوكاس) في اللحاق به حتى أدركه وقتله شر قتلة بعد أن غمس يده في دماء بنيه الخمسة، ولم يفلت من هذا الموت الكريه غير فتى صغير اسمه (كريستيا)، وغير فتاة صغيرة اسمها: (سافو) ومعهما تلك الإمبراطورة التعسة (تيوفانو)، ثم ثار الشعب على (فوكاس) الذي لبس التاج، وكان (هراقليوس) زعيم هذه الثورة وبطلها، وكان شعاره وشعار الثائرين الذين صحبوه إلى قصر الطاغية اسم الصغير: (كريستيا)، وكان ينبغي لهراقليوس بعد ظفره بالقاتل السفاح أن يضع على رأس الفتى تاج أبيه. فما فعل إرضاءً لمطامعه ونزواته، ثم كان من أمر (كريستيا) أن توارى عن الناس خشية أن يفتك به أنصار هرقليوس، وطويت الأحاديث عنه وما عاد رفاق أبيه يذكرون من أمره وأمر أخته وأمه شيئاً! لقد كانت خيالة الفتى الأعمى في الصورة المائلة تشبه خيالة كريستيا، فهتف هرقليوس

стр. 8363

وهو ينظر إليها: (كريستيا! كريستيا!) ثم وضع يده على عينيه كأنما هو يحاذر أن لا ينظر إلى الصورة نزلة أخرى، ولكن الذكريات المؤلمة التي تعاورت نفسه في المعبد المقدس، ظلت على عنفوانها وعنفها، فما كان يستطيع أن يفلت منها، ثم زحمته هذه الذكر الطاغية وانقلبت به إلى تلك الليلة الصادرة التي ابتعث فيها بعض رجاله على الذهاب إلى (نيكوميديا) تحت الودق المنهمر، فذهبوا وبعد قليل عادوا ومعهم فتاة حسناء احبها قيصر حتى شغفه حبها، ثم جاءوا بضحيتهم إلى القصر والقوا بها إلى سرير في غرفة ينام فيها هراقليوس وعلى حوائطها صور الصالحين والرسل! لقد ناشدته تلك الفتاة انتصاراته لعله يستبقي عفافها فلا يدنسه، فلما لم تنجح في استمالته أو مضت بيدها إلى صور الصالحين والرسل، وسألته بحق هؤلاء ألا يعبث بطهارة فتاة يتيمة كان أبوها من احسن المنافحين الذائدين عن حياض النصرانية، فما أمالته ذكريات انتصاراته عن أهوائه، ولا ثنته صور الصالحين والرسل عن منازعه، فراح يحتبس الفتاة العانية بين ذراعيه المشبوبتين غير ذاكراً فضل أبيها النبيغ البطل في تأثيل انتصاراته وتوثيق غاراته! اسم هذه الفتاة (بليتزا) واسم أبيها الغطريف (تيوفان)، ذكر هراقيليوس هذا كله فيئس وابتأس وترجف ورعد، ورأى إلى كوارث حياته كأنها تجتمع في حضيض البيعة الصغيرة، فأدرك وهو الذكي الألمعي لماذا لم تستقبله الأماكن الطاهرة بمثل تلك الحماسة البالغة التي لقيها في معابد الوثنية، فصاح صيحة أليمة وخرج على شفتيه اسم (بليتزا)، فردد هذا الاسم فضاء المعبد الساكن! وراح الرجل الذي دخل بيت المقدس في حاشية من بطاريق الجيش وبطاريق الكنيسة يغمس يده في صدره، فيمزق ثوبه القيصري ويرمي بدرره وذهبه إلى حضيض المعبد، وشفتاه تتحركان بذلك الاسم الذي ما كان يفكر فيه قبل هذه الليلة: بليتزا، بليتزا! كان هذا الاسم أول ألحان هراقليوس في الأماكن الطاهرة، ولكن هذا اللحن الشجي لم يلبث أن استحال إلى نواح مذيب، فجعل الرجل المنتصر على الوثنية ينشج ويده تتجسس العمد الرخامية، ثم جلس على الأرض ووارى عينيه حتى لا يرى إلى هذه الصور!

стр. 8364

ولما فتح عينه وردد نظراته في الجدار القائم إلى يساره أخذته صورة جديدة لم ينظر إليها من قبل فحدق فيها على زهده في الصور وابتعثته هواجسه الثائرة على الوقوف حيالها وفمه لا يزال ندياً بذلك الاسم الذي ألقى به إلى جوف الكنيسة الكبرى ثم ترعد وترجف وانفلت من صدره صياح اليم وارتد القهقري مسفوعاً عانياً، وأخذت الصورة التي أبصرها قائمة إلى يساره تتحرك وتهتز. ثم جفت الجدار ومشى ناسها في صف واحد إلى ناحية هراقليوس، فكان كلما تراجع أمام أشباحها أخذته هذه الأشباح أخذ عزيز مقتدر ومنعته أن يشق طريقه! فأي صورة هذه؟ وكيف قدر لأشباحها أن تترك مكانها على الحائط لتمشي في حضيض المعبد كما يمشي الناس، وتنظر بعيون فيها من وميض الحياة وإشراقها ما في عيون الأحياء من وميض وإشراق! ولما أوشكت هذه الطيوف الخرساء أن تزحمه حدق فيها عن كثب فإذا هي أربعة أشباح أحدها مشوه الخلقة، محمر الصدر، تضطرب في وجهه عينان غائرتان وإلى جانب هذا الشبح ثلاث نساء، فيهن امرأة عمياء على وجهها الصبيح شيء كثير من النعماء، وكانت العمياء تلبس السواد، وقد سدرت شعرها الأشقر على كتفيها وراحت تستند إلى ذراعي فتاة ما تزال حديثة عهد بالحياة، فما قدر هراقليوس أن يتعرف إلى خيال المرأة الثالثة، فصدف عنه وتهافت على العمياء ينظر إليها في خوف وإشفاق، واخذ فمه يردد اسم (بليتزا) بينما ضياء القمر لا يزال يتسرب من صدوع في القبة إلى الحوائط والجدر، وبينما ملابس الأشباح قد حاكت في حمرتها وصفرتها وزرقتها ألوان الفسيفساء التي أخذت تخطف على العمد والأقواس والقناطر، ولقد خيل إلى هراقليوس أن الصورة التي خرجت من الحائط الشمالي ما عادت تمعن في اللحاق به فسخر من هذا الجنون الذي تولاه، وتضاحك حتى لقد سرى ضحكه إلى أنحاء المعبد وأدرك أن قيصر الرومان قد افرط في مخاوفه، وما ينبغي له أن يفرق من صورة تراءت له على الرخام، ولما اطمأنت نفسه جعل ينظر إلى يده فإذا عليها ذلك الدم الذي تسايل من جبينه، وللمرة الأولى أخذته عزة الزعيم الغطريف، فأزرى بالشعور الذي رافقه في مطافه، وهو شعور يشعر به الدهماء، ولا يشعر به الزعيم تحت اللواء

стр. 8365

وفيم هذا الخوف؟ ولماذا تميد نفسه لذكريات الماضي، وليس في هذه الذكريات ما تنكره السلائق والشيم؟ نعم، لقد احب في مواضي أيامه امرأة اسمها (بليتزا)، وأحب القياصرة من قبل نساءً من الشعب، ثم ماتوا، ولم يقرض نفوسهم المخاوف، وحيث قد احب هراقليوس فتاة من بنات الشعب فأولى له أن يطمئن إلى هذا الحب ثم أولى له أن يطمئن إلى غده، لان (بليتزا) التي احب صارت في الغابرين ولما رفع رأسه شامخاً مستكبراً، وأنحى ناحية الباب يريد الإفلات من هذه الهوة الراعبة، لحق به الأشباح في صف واحد، فما حفل بهذا المشهد، وخيل إليه أن اهتزاز الصورة ما كان غير وليد تصوراته وسبحه، ولكن المرأة العمياء أدركته عند الباب وهتفت باسمه (هراقليوس!) وفي هذه الفينة لم تفته الحقيقة الراعبة فعضض يده من جزع وإشفاق وسرى جرس العمياء إلى نفسه كالصليل، فتلفت فإذا التي تصورها خيالاً تقبض على يده فتناديه: هراقليوس! هراقليوس! انظر إلى وجهي ملياً وقل لي ماذا رأيت عليه؟ وأخذت (بليتزا) تجذبه إلى ناحيتها فشعر بحرارة أنفاسها ينظر إليها مبهوتاً حائراً ثم أطبق عينيه كأنما هو يريد ألا يرى إلى صورتها الشجية، وظلت (بليتزا) تستجيشه وتحركه وتذكر له الماضي حتى أفاق وفتح عينيه على الصورة الجاهمة سائحاً: - بليتزا! بليتزا! قالت: - نعم بليتزا، تلك الفتاة التي جئت بها من حجرتها في (نيكوميديا) إلى حجرتك في القصر ورحت بها إلى سريرك، فتوسلت إليك ألا تعبث بعفافها عن كثب من صور الصالحين والقديسين والرسل! نعم أنا بليتزا، ولست خيالاً كما توهمت، فإذا كنت لا تزال في ريب من أمري، فهاك يدي فجسها، ودونك صدري فاستمع إلى وجيبه، وقل بعد ذلك إذا كنت لا تزال تحلم أم انك تؤمن بهذا الذي ترى! لقد كان البرد الشديد، وهذا الخوف الذي تولاه، وذكريات الماضي التي تجددت في نفسه، وانبعاث بليتزا في المكان النابي المليء بأوجاع النصرانية وآلامها، وهذه الأشباح التي رافقته في مطافه، كان هذا كله مثار أحزان جديدة في نفسه، فما عاد يستطيع أن يجنب عينيه النظر إلى رفاق بليتزا، فرأى إلى (نفتالي) ثم إلى (بنيامينا) ثم إلى (مارية)! وفتح

стр. 8366

فمه ليتكلم فما خرج لسانه على شفتيه، فأومض بيديه كأنه يريد أن يسأل العامدة عن رفاقها ففطنت إلى أمره وقالت له: - هذه الصغيرة التي ترى هي ابنتي وقد أسميتها (مارية) تحبباً إلى مريم والدة السيد المسيح، ولقد تسألني عن أبيها، ألا فاعلم يا مولاي أن أباها هو هذا الرجل الذي سألت نفسه على حوائط الكنيسة في هذه الليلة القمراء! واسمه هراقليوس ومكانه في قصر (الشالسيه) عند شاطئ البحر الأزرق في القسطنطينية! فانطلق لسانه ساعة رن في سمعه اسم مارية وأثنى صائحاً: - ابنتي! ابنتي! فقالت العمياء: - ابنتك وابنتي معاً!. . . فقال: - وهذا؟ فصاحت العمياء: تقدم أيها السيد نفتالي وقل له أي رجل أنت، واحسر له عن أمر هذه الفتاة التي هي ابنتك، فتقدم ذو القروح من قيصر وكشف عن صدره سائحاً: لعلك أيها المولى الذي تفيأ أعلام الحرب، واستمع لأناشيد النصر من شواطئ أفريقيا إلى شواطئ البحر الزاخر في بيزنطية، لم تنس ذلك الرجل السري الذي كان يجوب شطآن البحر الأحمر باسمك، ثم يفيء إلى دار ملكك وقد ملأ سفنه بطيوب الهند ونفائس عدن كان الناس يعيدون ذكرى ليلة الميلاد، وكنت في جملة الذين آمالهم التقى والورع إلى الصلاة، وكان الناس يرون في (نفتالي) وذلكم هو اسمي البغيض الكريه، سيد بلاد الجليل في ثرائه وترفه، فحسدني الجميع، وأخذتهم الغيرة من ذيوع أمري، فلما صليت مع المصلين راحت عيناي تنظران إلى صورة للسيد الناصري، فالتقيت إليها بنجوى القلب، وسألت الرجل الذي طربت جبال الجليل لصوته أن يباركني، ثم رجعت إلى منزلي لأمضي ليلة العيد حيال طفلتي وامرأتي، وفي الصباح أحاط الجند بمنزلي وتبارى الناس في سبي ولعني، ثم خرج بي الجند إلى الميادين، وقرئ علي أمر قيصر بإحراقي، لأنني نظرت في صلاتي إلى صورة السيد، ولان هذه الصورة وجدت مطروحة على أديم المعبد، ثم استبدل قيصر التحريق بالتغريب، وألقى بي رجاله في القفرة النائية بجوار البحر الميت، وماتت امرأتي من الألم والغم، وعاشت ابنتي عيشة لا تشرف حياتها!. . . هذا هو

стр. 8367

كل أمري فما أظنك نسيت نفتالي، ولا أراك نسيت (بنيامينا) ابنته التعسة لقد جئت هذا المكان الطاهر من مكاني السحيق البعيد، لأرى إليك وأسمعك دعاء وعيته وحفظته، ثم علمته ابنتي لتجهر به أمام السيد الذي رد إلى المحزونين والماحلين وما هم في حاجة إليه من شباب وعافية، وطلاقة وبشر. انظر يا مولاي إلى ابنتي! لقد كانت في عفافها ونقائها كهذه الصورة التي تمثل السيد في طفولته، فعبث بها رجالك، هؤلاء الذين جابوا العالم كله باسم النصرانية، فلما رجعوا إلى مهدها رجعت إليهم سلائق الوثنية فقتلوا البريء واضطهدوا البريئات! ولما سكت (نفتالي)، قالت (بليتزا): (لقد حرمني الألم والنفي والسهد ضياء عيني فما نعمت بالنظر إلى محيا الطفولة التي انبثقت من دمي، وعشت في (عين كارم) عيشة راعبة لا تليق بمن كانت ابنة لتيوفان البطل! وكانت آلامي تنمو بجانب نمو ابنتي حتى كرهت الحياة ومللت مقامي بين الأحياء، ولكن صوت الطفلة التي أحببت جنبني موتاً ما كنت أجد في غيره راحة لنفسي، ثم نذرت لأمضين إلى المسيح في مهده فاسمعه بثى، فإذا لم يسمع انطلقت إلى لحده وأيقظت رفاته وكنت عالمة بوصولك الوشيك إلى الشام فرجعت أسأل عنك فإذا قيل لي أنك بلغت في زحفك شواطئ الفرات، حلق وهمي في فضاء النهر الزاخر، وطغت هواجسي، فلعنتك وأسرفت في اللعن، وإذا قيل لي أن قيصر وطئ البوادي سرب خيالي على الرمال وقذف فمي البغض والحقد وإني لأقسم لك أن بغضي في احتدامه وثورته مقتبس من سموم الرياح الهوج ساعة ترتمي على الرمل فتذروه في كل فضاء! فإذا قيل لي انك نزلت في منازل عدوك عند المدن الوارفة الظل نزل بي شعوري حيث أنت ورفعت صورتي لأمنعك من غناء جندك الظافر، وهكذا كنت اتبع ظلك وأترسم خطوك وأنا في القرية المتواضعة فالحق بك إلى الأنهار والرمال وإلى المدن حتى اطل شبحك على المدينة المقدسة وسمعت عزيف أبواقك ولم يفتني صليل سلاحك فجفوت مكاني في (عين كارم) وجئت (بيت لحم) فدعوت عليك ورافقت موكبك إلى الكنيسة (القبر المقدس)، وما زلت ارقب خطوك حتى خلت الكنيسة من المصلين والزائرين، وحتى رأيتك تنحدر إلى محراب القديسة هيلانة فسبقتك إليه ووقفت مع رفاقي في الألم والعذاب انظر بعيني قلبي إلى نفسك السائلة على الحوائط

стр. 8368

والجدر! هراقيليوس! هراقيليوس! كيف أنت؟ كأننا لم نفترق وكأن الأيام لم تفصل بيني وبينك وكأن تلك الحجرة التي ازدانت بتصاوير الصالحين والرسل، وما زالت تحتوينا معاً! ولكن مصاير الناس تعاورها الحذف والتبديل فقد كنت لسنين خلت ذلك الرجل المزهو بانتصاراته، وكانت (بليتزا) التي فزعت إلى الناصري في الليلة الليلاء تنظر في كثير من الزهو إلى مصرع ذكائك!. . هراقيليوس! ناشدتك الله أن تقول لي كيف أنت؟ لم يكن في ميسور هراقليوس أن يرفع عينيه إلى هذه الأطياف فلقد برح الرعب به تبريحاً أليماً، وأيما بأسه وشجونه خيال بليتزا، وخيال ابنتها واستجاش جواه ذلك الصدر القريح الذي حسر نفتالي عنه، فتقاصر وتصاغر وراح جاثياً على قدمي العمياء مستغفراً تائباً، فسمعت مارية ابنته صلاته الهامسة، فدلفت إليه وقالت: أبي! أبي! فما سمع ندائها الرفيق الشجي، بل ظل يتخافت بصوته، بينما كان نفتالي وبنيامينا يصليان في زاوية المعبد صلاة لم يخالطها كثير أو يسير من البغض، وبينا ماريا الصغيرة تنظر إلى أبيها الدميع بعينين رحيمتين بريئتين وكان ضياء القمر لا يزال يتسرب من صدوع في القبة إلى أرض المحراب، فينير الصور التي على الحوائط والجدر. ثم ينثر أشعته الخفيفة على وجوه الأربعة الذين أتموا نذورهم في الليلة الرهيبة التي أرادها هراقيليوس خاتمة صومه وحجه! رزح قيصر تحت وقر هذه الصور القائمة، فأغفى على الحجارة، وسبحت نفسه في عالم قصي بعيد، فلما استوثق نفتالي من إغفاءته تلفت إلى بليتزا وقال لها: (لنذهب يا سيدتي قبل أن يستفيق، فلقد قضينا نذورنا ولم يبق لنا ما نعمله في الأماكن الطاهرة! فقالت بليتزا: (أترجع إلى البحر الميت أيها السيد نفتالي، قال: نعم سأرجع إلى منفاي مع ابنتي، قالت: فإذا أبصرك الحرس فماذا تقول؟ فقال: لن يبصرنا الحرس يا سيدتي، لأننا سنخرج من باب خفي، وما اكثر الأبواب الخفية في هذه المحاريب! فقلت: افعل ما تريد فعله حماك الله ورعاك! ثم نظرت إلى هراقيليوس النائم نظرة راثية وألقت بنفسها بين ذراعي ابنتها هامسة: لقد عفوت!. . .) فبرقت أسارير الصغيرة من الفرح وقالت: - إن الله قد عفا يا أماه! ولم يشأ نفتالي أن يكون في معزل عن هذه الرحمة التي خالجت قلبي الأم والبنت، فاخذ

стр. 8369

بذراع ابنته وقال لبيتزا: - لقد عفوت يا سيدتي وعفت ابنتي! وفي خفة البرق صعد الأربعة سلم المحراب فاستقبلتهم جميعاً سدفة فاحمة تغشى الكنيسة الكبرى! دمشق معروف الارناءوط

стр. 8370

تطور الحبشة لكاتب مطلع الحبشة بلد المتناقضات إلى أقصى حد، فهي تجمع بين مناخ المنطقة الاستوائية ومناخ جبال الألب، وبين الخشونة والرقة؛ وهي أفريقية الموقع، ولكنها وليدة التقاليد العريقة التي تعاونت على إيجاد أوربا. والإمبراطور يحمل فوق رأسه تاج سليمان ويحكم أقواماً حربيين يعيدون ذكرى رجال الإقطاع في العصور الوسطى، وفوق ذلك كانت الحبشة موطن قبائل الجالا أثناء حكم الأسرة الثامنة عشرة الفرعونية، كما أنها غزت مصر قبل المسيح بثمانية قرون ولقد ساعد اختلاف الجو وتراوح ارتفاع الأرض عن سطح البحر بين ٤٠٠٠ , ٩٠٠ متر على اختلاف الأجناس. ولعل هذا الاختلاف في الأجناس كان السبب في إطلاق العرب على هذه البلاد لفظ الحبشة، ويعنون به (تعدد الأقوام)، فإن الواقع أنك تجد كل أنواع الأجناس البشرية فوق هذه الهضبة العالية المنفصلة عن العالم بأسوار شامخة وصحار سحيقة. والأحباش يتكونون في الأصل من قبائل الجالا والصومال، ثم كان نتيجة اكتظاظ القصور بالجواري السود أن نشأ جنس ضارب إلى السواد. أما قبائل الوالوس فهم يهود يدعون أنهم من نسل أصحاب ملكة سبأ ومن التجار الذين كانوا يتاجرون أيام سليمان. وكل هؤلاء الأقوام يتكلمون لغات مختلفة تقرب من ستين لغة فصيحة ومائتي لغة دارجة. على أن أكثر اللغات تداولاً هي اللغة الأمهاريكية وهي لغة اليهود الأولى بعد اللغة العربية، واللغة التيجربة المسماة (لغة المسيحيين)، أما اللغة الجيزية فهي اللغة الأدبية التي ترجمت إليها التوراة. على أن من يحسنها من أبناء الشعب لا يتعدى عدداً يسيراً. ويجب أن نفهم من هذا الاختلاف الظاهر تاريخ هذه الأمة التي استطاعت حتى الآن أن تحافظ على استقلالها بفضل استعدادها الحربي والمنافسات القائمة بين أعدائها إن الأحباش على رغم اختلافهم يشتركون جميعاً في الاستعداد الحربي الذي هم مدينون به لطبيعة بلادهم. فالجبل يخلق أجناساً أقوياء البنية، ولقد روى مسيو مونفريد أنه كثيراً ما أرسل سعاة يحملون رسائل إلى دير داؤوا حيث كان يسكن تشرشر، وكانت المسافة ثمانين كيلو متراً خلال الجبل والوديان المحرقة (فكان الرجل يرحل عند الصباح حاملاً خطابه في
следующие страницы →