Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.
стр. 8366
فمه ليتكلم فما خرج لسانه على شفتيه، فأومض بيديه كأنه يريد أن يسأل العامدة عن رفاقها ففطنت إلى أمره وقالت له:
- هذه الصغيرة التي ترى هي ابنتي وقد أسميتها (مارية) تحبباً إلى مريم والدة السيد المسيح، ولقد تسألني عن أبيها، ألا فاعلم يا مولاي أن أباها هو هذا الرجل الذي سألت نفسه على حوائط الكنيسة في هذه الليلة القمراء! واسمه هراقليوس ومكانه في قصر (الشالسيه) عند شاطئ البحر الأزرق في القسطنطينية! فانطلق لسانه ساعة رن في سمعه اسم مارية وأثنى صائحاً:
- ابنتي! ابنتي! فقالت العمياء:
- ابنتك وابنتي معاً!. . . فقال:
- وهذا؟ فصاحت العمياء:
تقدم أيها السيد نفتالي وقل له أي رجل أنت، واحسر له عن أمر هذه الفتاة التي هي ابنتك، فتقدم ذو القروح من قيصر وكشف عن صدره سائحاً:
لعلك أيها المولى الذي تفيأ أعلام الحرب، واستمع لأناشيد النصر من شواطئ أفريقيا إلى شواطئ البحر الزاخر في بيزنطية، لم تنس ذلك الرجل السري الذي كان يجوب شطآن البحر الأحمر باسمك، ثم يفيء إلى دار ملكك وقد ملأ سفنه بطيوب الهند ونفائس عدن
كان الناس يعيدون ذكرى ليلة الميلاد، وكنت في جملة الذين آمالهم التقى والورع إلى الصلاة، وكان الناس يرون في (نفتالي) وذلكم هو اسمي البغيض الكريه، سيد بلاد الجليل في ثرائه وترفه، فحسدني الجميع، وأخذتهم الغيرة من ذيوع أمري، فلما صليت مع المصلين راحت عيناي تنظران إلى صورة للسيد الناصري، فالتقيت إليها بنجوى القلب، وسألت الرجل الذي طربت جبال الجليل لصوته أن يباركني، ثم رجعت إلى منزلي لأمضي ليلة العيد حيال طفلتي وامرأتي، وفي الصباح أحاط الجند بمنزلي وتبارى الناس في سبي ولعني، ثم خرج بي الجند إلى الميادين، وقرئ علي أمر قيصر بإحراقي، لأنني نظرت في صلاتي إلى صورة السيد، ولان هذه الصورة وجدت مطروحة على أديم المعبد، ثم استبدل قيصر التحريق بالتغريب، وألقى بي رجاله في القفرة النائية بجوار البحر الميت، وماتت امرأتي من الألم والغم، وعاشت ابنتي عيشة لا تشرف حياتها!. . . هذا هو
стр. 8367
كل أمري فما أظنك نسيت نفتالي، ولا أراك نسيت (بنيامينا) ابنته التعسة
لقد جئت هذا المكان الطاهر من مكاني السحيق البعيد، لأرى إليك وأسمعك دعاء وعيته وحفظته، ثم علمته ابنتي لتجهر به أمام السيد الذي رد إلى المحزونين والماحلين وما هم في حاجة إليه من شباب وعافية، وطلاقة وبشر. انظر يا مولاي إلى ابنتي! لقد كانت في عفافها ونقائها كهذه الصورة التي تمثل السيد في طفولته، فعبث بها رجالك، هؤلاء الذين جابوا العالم كله باسم النصرانية، فلما رجعوا إلى مهدها رجعت إليهم سلائق الوثنية فقتلوا البريء واضطهدوا البريئات!
ولما سكت (نفتالي)، قالت (بليتزا): (لقد حرمني الألم والنفي والسهد ضياء عيني فما نعمت بالنظر إلى محيا الطفولة التي انبثقت من دمي، وعشت في (عين كارم) عيشة راعبة لا تليق بمن كانت ابنة لتيوفان البطل! وكانت آلامي تنمو بجانب نمو ابنتي حتى كرهت الحياة ومللت مقامي بين الأحياء، ولكن صوت الطفلة التي أحببت جنبني موتاً ما كنت أجد في غيره راحة لنفسي، ثم نذرت لأمضين إلى المسيح في مهده فاسمعه بثى، فإذا لم يسمع انطلقت إلى لحده وأيقظت رفاته
وكنت عالمة بوصولك الوشيك إلى الشام فرجعت أسأل عنك فإذا قيل لي أنك بلغت في زحفك شواطئ الفرات، حلق وهمي في فضاء النهر الزاخر، وطغت هواجسي، فلعنتك وأسرفت في اللعن، وإذا قيل لي أن قيصر وطئ البوادي سرب خيالي على الرمال وقذف فمي البغض والحقد وإني لأقسم لك أن بغضي في احتدامه وثورته مقتبس من سموم الرياح الهوج ساعة ترتمي على الرمل فتذروه في كل فضاء! فإذا قيل لي انك نزلت في منازل عدوك عند المدن الوارفة الظل نزل بي شعوري حيث أنت ورفعت صورتي لأمنعك من غناء جندك الظافر، وهكذا كنت اتبع ظلك وأترسم خطوك وأنا في القرية المتواضعة فالحق بك إلى الأنهار والرمال وإلى المدن حتى اطل شبحك على المدينة المقدسة وسمعت عزيف أبواقك ولم يفتني صليل سلاحك فجفوت مكاني في (عين كارم) وجئت (بيت لحم) فدعوت عليك ورافقت موكبك إلى الكنيسة (القبر المقدس)، وما زلت ارقب خطوك حتى خلت الكنيسة من المصلين والزائرين، وحتى رأيتك تنحدر إلى محراب القديسة هيلانة فسبقتك إليه ووقفت مع رفاقي في الألم والعذاب انظر بعيني قلبي إلى نفسك السائلة على الحوائط
стр. 8368
والجدر! هراقيليوس! هراقيليوس! كيف أنت؟ كأننا لم نفترق وكأن الأيام لم تفصل بيني وبينك وكأن تلك الحجرة التي ازدانت بتصاوير الصالحين والرسل، وما زالت تحتوينا معاً! ولكن مصاير الناس تعاورها الحذف والتبديل فقد كنت لسنين خلت ذلك الرجل المزهو بانتصاراته، وكانت (بليتزا) التي فزعت إلى الناصري في الليلة الليلاء تنظر في كثير من الزهو إلى مصرع ذكائك!. . هراقيليوس! ناشدتك الله أن تقول لي كيف أنت؟
لم يكن في ميسور هراقليوس أن يرفع عينيه إلى هذه الأطياف فلقد برح الرعب به تبريحاً أليماً، وأيما بأسه وشجونه خيال بليتزا، وخيال ابنتها واستجاش جواه ذلك الصدر القريح الذي حسر نفتالي عنه، فتقاصر وتصاغر وراح جاثياً على قدمي العمياء مستغفراً تائباً، فسمعت مارية ابنته صلاته الهامسة، فدلفت إليه وقالت: أبي! أبي! فما سمع ندائها الرفيق الشجي، بل ظل يتخافت بصوته، بينما كان نفتالي وبنيامينا يصليان في زاوية المعبد صلاة لم يخالطها كثير أو يسير من البغض، وبينا ماريا الصغيرة تنظر إلى أبيها الدميع بعينين رحيمتين بريئتين
وكان ضياء القمر لا يزال يتسرب من صدوع في القبة إلى أرض المحراب، فينير الصور التي على الحوائط والجدر. ثم ينثر أشعته الخفيفة على وجوه الأربعة الذين أتموا نذورهم في الليلة الرهيبة التي أرادها هراقيليوس خاتمة صومه وحجه!
رزح قيصر تحت وقر هذه الصور القائمة، فأغفى على الحجارة، وسبحت نفسه في عالم قصي بعيد، فلما استوثق نفتالي من إغفاءته تلفت إلى بليتزا وقال لها: (لنذهب يا سيدتي قبل أن يستفيق، فلقد قضينا نذورنا ولم يبق لنا ما نعمله في الأماكن الطاهرة! فقالت بليتزا: (أترجع إلى البحر الميت أيها السيد نفتالي، قال: نعم سأرجع إلى منفاي مع ابنتي، قالت: فإذا أبصرك الحرس فماذا تقول؟ فقال: لن يبصرنا الحرس يا سيدتي، لأننا سنخرج من باب خفي، وما اكثر الأبواب الخفية في هذه المحاريب! فقلت: افعل ما تريد فعله حماك الله ورعاك! ثم نظرت إلى هراقيليوس النائم نظرة راثية وألقت بنفسها بين ذراعي ابنتها هامسة: لقد عفوت!. . .) فبرقت أسارير الصغيرة من الفرح وقالت:
- إن الله قد عفا يا أماه!
ولم يشأ نفتالي أن يكون في معزل عن هذه الرحمة التي خالجت قلبي الأم والبنت، فاخذ
стр. 8369
بذراع ابنته وقال لبيتزا:
- لقد عفوت يا سيدتي وعفت ابنتي!
وفي خفة البرق صعد الأربعة سلم المحراب فاستقبلتهم جميعاً سدفة فاحمة تغشى الكنيسة الكبرى!
دمشق
معروف الارناءوط
стр. 8370
تطور الحبشة
لكاتب مطلع
الحبشة بلد المتناقضات إلى أقصى حد، فهي تجمع بين مناخ المنطقة الاستوائية ومناخ جبال الألب، وبين الخشونة والرقة؛ وهي أفريقية الموقع، ولكنها وليدة التقاليد العريقة التي تعاونت على إيجاد أوربا. والإمبراطور يحمل فوق رأسه تاج سليمان ويحكم أقواماً حربيين يعيدون ذكرى رجال الإقطاع في العصور الوسطى، وفوق ذلك كانت الحبشة موطن قبائل الجالا أثناء حكم الأسرة الثامنة عشرة الفرعونية، كما أنها غزت مصر قبل المسيح بثمانية قرون
ولقد ساعد اختلاف الجو وتراوح ارتفاع الأرض عن سطح البحر بين ٤٠٠٠ , ٩٠٠ متر على اختلاف الأجناس. ولعل هذا الاختلاف في الأجناس كان السبب في إطلاق العرب على هذه البلاد لفظ الحبشة، ويعنون به (تعدد الأقوام)، فإن الواقع أنك تجد كل أنواع الأجناس البشرية فوق هذه الهضبة العالية المنفصلة عن العالم بأسوار شامخة وصحار سحيقة. والأحباش يتكونون في الأصل من قبائل الجالا والصومال، ثم كان نتيجة اكتظاظ القصور بالجواري السود أن نشأ جنس ضارب إلى السواد. أما قبائل الوالوس فهم يهود يدعون أنهم من نسل أصحاب ملكة سبأ ومن التجار الذين كانوا يتاجرون أيام سليمان. وكل هؤلاء الأقوام يتكلمون لغات مختلفة تقرب من ستين لغة فصيحة ومائتي لغة دارجة. على أن أكثر اللغات تداولاً هي اللغة الأمهاريكية وهي لغة اليهود الأولى بعد اللغة العربية، واللغة التيجربة المسماة (لغة المسيحيين)، أما اللغة الجيزية فهي اللغة الأدبية التي ترجمت إليها التوراة. على أن من يحسنها من أبناء الشعب لا يتعدى عدداً يسيراً. ويجب أن نفهم من هذا الاختلاف الظاهر تاريخ هذه الأمة التي استطاعت حتى الآن أن تحافظ على استقلالها بفضل استعدادها الحربي والمنافسات القائمة بين أعدائها
إن الأحباش على رغم اختلافهم يشتركون جميعاً في الاستعداد الحربي الذي هم مدينون به لطبيعة بلادهم. فالجبل يخلق أجناساً أقوياء البنية، ولقد روى مسيو مونفريد أنه كثيراً ما أرسل سعاة يحملون رسائل إلى دير داؤوا حيث كان يسكن تشرشر، وكانت المسافة ثمانين كيلو متراً خلال الجبل والوديان المحرقة (فكان الرجل يرحل عند الصباح حاملاً خطابه في
стр. 8371
عصا مشقوقة، ويعود بالجواب في مساء اليوم التالي، فكأنه قطع مسافة ١٦٠ كيلو متراً في ست وثلاثين ساعة. وفي المرة الأولى كنت عظيم الدهشة والحيرة، إذ بينما كنت أنتظر من الرجل أن يلهث أمامي من الإعياء إذا بي أراه بعد ساعة يشترك في الرقص دون أن تظهر عليه دلائل التعب. ومما يبعث على العجب أن أولئك الرجال يقومون بهذه الرحلات الشاقة وطعامهم حفنة من القمح وسيقان من الذرة يقتلعونها أثناء الطريق ويأكلونها أثناء جريهم، أما نساء بعض الأقاليم فهن يقطعن كل يومين مسافة ٣٥ أو ٤٠ كيلو متراً تقريباً حاملات على ظهورهن حملاً يبلغ خمسين كيلو، وذلك لقاء ثمانية أو عشرة قروش، أو ما يعادل فرنكين وخمسين سنتاً تقريباً، وعندما يعرض عليهن في منتصف الطريق شراء ما يحملن بالثمن الذي سيبعن به في دير الداؤوا يرفضن خشية أن يفقدن بذلك نصف قرش. وأولئك التاجرات اللواتي لا يتعبن هن اللواتي يصحبن الجنود في غزواتهم، فالجيش تمده ذخيرة من النساء فيسهلن له أكلاف الحياة الضرورية، ويحملن أدوات المنازل المتنقلة. وحالة الجيش المعنوية تكون دائماً على جانب عظيم من القوة، والجندي لا يعرف نظام المعسكرات، وهو يحيا حياة كاملة الحرية، فينزل في أي مكان كأنه في داره الخاصة؛ والإنجليز والطليان يعرفون بالتجربة القيمة الحربية للشعب الحبشي: يعرفها الإنجليز منذ الاستيلاء على مجدلة وإخلائها عام ١٨٦٨، ويعرفها الطليان منذ هزيمتهم في دوجالي عام ١٨٨٧، وفي عدوه عام ١٨٩٦)
وعواطف هذا الشعب من نوع شجاعته أثناء العمل وأثناء القتال، وهي ترجع إلى تمسكه الشديد بالعوائد والمعتقدات، وقد دخلت البلاد مع الديانة المسيحية منذ القرن الرابع. ويروي أن القس فيليب الذي كان من أوائل المبشرين المسيحيين هو الذي نصر رئيس خدم أميرة حبشية (ففتح بذلك في الحبشة السبيل للديانة المسيحية). ومن المعلوم أن القرن الخامس كان شديد الاضطراب بسبب المسائل الدينية، إذ قامت المناقشات حول مريم إن كانت أم الله أو أم المسيح فقط. كما أن مجلس إفيز الديني طرد نسطورياس الذي دامت هرطقته وانتشرت حتى يومنا هذا. وفي نفس ذلك الوقت أعلنت عدة مجالس دينية على التوالي إيمانها أو إنكارها لطبيعة السيد المسيح الواحدة أو المزدوجة. وقد أعلن مجلس ال٤٥١ عداوته لفكرة طبيعة السيد المسيح الواحدة، واستند المعلنون في قرارهم إلى الكنيسة
стр. 8372
المسيحية في مصر التي استطاعت خلال القرون أن تحافظ على استقلالها تحت اسم الكنيسة القبطية. والعلاقات بين مصر والحبشة ترجع إلى زمن بعيد مما كان سبباً في أن تصبح الكنيسة الحبشية فرعاً من الكنيسة القبطية في مصر، فرئيس الكنيسة المسيحية في الحبشة الملقب بالأب (أب السلام) إنما يعينه بطريق الإسكندرية الذي يقيم في القاهرة؛ ولقد فشلت محاولة البابوية ضم كنيسة الحبشة إليها. وقد تمكن البرتغاليون في أوائل القرن السادس عشر أثناء كفاحهم مع المسلمين في سبيل السيادة على طريق الهند من إرسال بعثة كاثوليكية، ولكن سيطرة الجزويت لم تدم، واستعادت الكنيسة القبطية في الحبشة علاقاتها مع بطريق الإسكندرية عام ١٦٣٣. على أن حوادث جديدة قامت فدلت على أن السياسة لا تترك مطلقاً الفرصة لاستغلال العواطف الدينية مما أحدث تغييراً في أفكار البلاد الحبشية. إذ في ٢ يونيو من عام ١٩٢٩ استطاع أخيراً بطريق الإسكندرية بعد إجازة دامت ثلاثين شهراً أن يرسم الأب كيرول سيداروس، وكان عليه في الوقت نفسه بالرغم منه أن يرسم خمسة أساقفة حبشيين، فكان في هذا الحادث الذي لم يسبق له مثيل تحديد لتقدم الاتجاه القومي في الحبشة، فتوترت العلاقات بين النجاشي والبطريق، وكان الدليل على ذلك تلك الرحلة التي قام بها الأب إلى الإسكندرية في مارس من عام ١٩٣١، وقيل يومئذ إنها التمضية مدة النقاهة بعد الإبلال من مرضه. وهناك حادث آخر عظيم الخطر هو زيادة نفوذ الفاتيكان، فقد قامت محاولات منذ سنين طويلة لفصل إرتريا عن الكنيسة القبطية الحبشية. وبطريق الإسكندرية يواصل رسم القسس في هذه البلاد، على الرغم من أن قسس إرتريا يستمدون الأوامر الدينية من رومة لا من أديس أبابا. ولا شك أن الدعاية الدينية تصحب التقدم الاقتصادي وتقوية
وللقس حق التزويج مرة واحدة. وهم على العموم على جانب عظيم من الجهل. ومعلوماتهم لا تكاد تتعدى أمور العبادة، وللقسيسين والرهبان سلطان عظيم على الجماهير الجاهلة التي كان يحتم عليها سلطانها المدني الذي نالته منذ القرن الثالث عشر الدفاع عن حقوقها ومصالحها. ولقد أصبح رئيس الأديرة الأكبر - وكانت مهمته في البداية التفتيش على الأديرة - الرئيس الحكومي للأب والكنيسة. والأب يكون دائماً أجنبياً يعينه بطريق الاسكندرية، ورئيس الأديرة الأكبر يكون دائماً حبشياً تعينه السلطة المدنية. وسلطان رجال
стр. 8373
الدين شديد النفوذ عظيم القوة، حتى أنهم يمتلكون جزءاً كبيراً من الأرض المزروعة وقرى بأكملها، وعلى حسب العرف الجاري في البلاد ينال المالك خمس محصول الأرض، ومن ذلك يستطيع المرء أن يتصور المعارضة التي يصادفها مشروع يرمي إلى تغيير نظام مضت عليه أجيال طويلة. وكل حياة الأحباش تقوم على الأيمان بالمعجزات وتقديس القديسين والملائكة وعلى الفرائض الدينية: كالاعتراف بالخطايا والصيام القاسي والغفران، والحج إلى بيت المقدس واجب يكفر عن الذنوب. وقد أخذت الديانتان المسيحية والوثنية يؤثر تدريجياً بعضهما في بعض، فديانة قبائل الجالا الأفريقية الأصل قد تأثرت بالمسيحية. ومع ذلك فقد تأثرت أيضاً الديانة المسيحية القبطية بالخرافات والسحر، وقد امتزج الإيمان بآله إبراهيم والمسيح بضروب الإيمان التي كانت شائعة قبل التاريخ، كتعظيم الماء والأمواج والغابات والأشجار المقدسة والشمس، وفي الوقت الحاضر يتقدم الدين الإسلامي في الحبشة كما يتقدم في كثير من البلاد الأفريقية
وهكذا نرى الحبشة تبدو حكومة من حكومات القرون الوسطى التي كان يحكمها الكهنة نيابة عن الله. فهناك لا يمكن أن يحدث شيء لا يريده رجال الدين، والحاكم الذي يأمل في السلطة العليا يجب أن يتأكد قبلا من تأييدهم ومعونتهم. على أن الدهماء ورجال الدين الجهلاء يستفيدون من تلك المدينة القديمة التي يمكن أن يقال إنها بدائية وفي نفس الوقت مهذبة. فمبدأ الصدقة المسيحية قد تغلغل في أعماق الغشاء الكثيف الذي يغشى القلوب. حتى أن فضيلة إعطاء الصدقات التي كانت واجباً أضحت غريزة. وهذه المدينة الدينية القديمة تنتج رجالاً أكفاء. ولقد روى مسيو دو مونفريد فقال: (عندما بلغنا قمة الهضبة قدم إلينا رجل حبشي تغطى رأسه عمامة بيضاء كالتي يلبسها الرهبان. كان وجهه دقيق التقاطيع عليه مخايل المهابة والهدوء. وكان هذا الوجه طويلاً مسنوناً تطفر منه نظرة تائهة شاردة. وقد تناول يدي بحركة لا شعورية كأنه أحد أصدقائي. لقد كان ذلك الرجل هو الراهب حنا ممثل الكنيسة والحارس للأمير المخلوع. وكانت عباءته من الكتان الغليظ، وكان عاري القدمين، لكن يده كانت ناعمة رقيقة. وكان يتكلم بصوت منخفض لكنه مؤثر. ونظراً لأني أعرف إلى أي حد يتمتع رجال الدين الأحباش بقوة تختفي وراء ما للأباطرة من مظهر السلطان، فقد دهشت دهشة عظيمة لذلك المظهر المتواضع الذي يبدو به ذلك الرجل
стр. 8374
الضئيل ذو العمامة البيضاء المصنوعة من القطن. ولم يكن يتبعه حاشية ولا حرس خاص، إذ لم يكن في حاجة لذلك، لأنه أينما ذهب انحنى أمامه كل من صادفه مظهراً الإجلال والاحترام. وجاء في ذلك الوقت ددجاز جوبانا يرى الأعمال الجارية. وكان راكباً بلغته السوداء الموشاة بالفضة، وكان يحف من حوله خمسون جندياً، وهو رافع بندقيته على كتفه. حقاً لقد كان منظره رهيباً وهو ينظر نظرة النسر ملتحفاً بردائه الرمادي. ها قد اجتمع الراهب وقائد الحرب. وقد يقول قائل: قد اجتمع عدوان في مكان واحد. على أن رجل الكنيسة هو أعظم الاثنين رهبة وأشدهما خطراً. وهو نفسه يشعر بذلك، فكان يبتسم ابتسامة هادئة. ومستقبل الحبشة يقف على هذين الرجلين، وشقاؤها يرجع إلى أن كلا منهما يستخدم الآخر ويستعين به. فرجل الحرب يستعين برجل الدين على الاستيلاء على عرش ملك الملوك، ورجل الدين يستعين برجل الحرب على الاحتفاظ بسيطرته على النفوس وبثروته العقارية. على أن وحدة البلاد المعنوية أثناء ذلك تتفكك. والأجنبي رابض أمام جميع أبواب البلاد
وتاريخ الحبشة السياسي يكاد ينحصر في حروب دائمة بين كبار رجال الإقطاع في سبيل الفوز بتاج سليمان. وفي اللحظة التي تقاسمت فيها أوربا القارة الأفريقية، وجدت الحبشة في مينليك الرجل الذي استطاع صد أول هجمة على البلاد. ولقد عرف ذلك الإمبراطور العظيم كيف يفرض سلطته على الجميع بفضل نشاطه الحربي وحنكته السياسية وكان أول همه تأييد سلطته في الداخل وإغلاق أبواب البلاد في وجه الغزاة. على أنه وقف عند ذلك الأمر ولم يتعده. إذ كان من الواجب الاستفادة من الانتصار المزدوج لينظم البلاد على الطريق الحديثة في الإنتاج والتبادل. ولكن الإمبراطور العظيم لم يستطع أو لم يرد ذلك. وقد يكون الموت عاجله قبل أن يتم ما أراد. ولقد حدثت قريباً حوادث عدة تبين أن النجاشي ليست له على بعض الأقاليم البعيدة إلا سلطة اسمية، وأن هناك كثيراً ممن يدعون الحق في عرش ملك الملوك. ويقال إن النجاشي يفهم تماماً حقيقة الموقف ويعرف ما يجب أن يفعله. على أن هناك عقبات تقف في طريقه، ذلك أن من الواجب اليوم أن يبذل جزءاً من قواه في سبيل المحافظة على سلطته، وأن يطلب مساعدة كل أولئك الذين يشلون حركته في كل مشروع إصلاحي، وذلك في الساعة التي تهدد فيها مملكته بغزوة استعمارية جديدة.
стр. 8375
ومنذ عصر مينليك، أي منذ خمسين عاماً، تغيرت في العالم وفي الحبشة نفسها أمور كثيرة. فدخلت أفريقيا كلها في تيارات التجارة العالمية الكبرى، وصحب ذلك كل ما يلزم من الضرورات والآراء الجديدة. فالسيارات والطيارات زادت في طرق المواصلات، ولم تعد هناك قوة إنسانية نستطيع أن تطيل تلك العزلة التي ملكت الحبشة عدة قرون، إذ كان لزاماً عليها أن تستعد لتأخذ مكانها بين سائر الشعوب. وكل ما في المسألة هو معرفة ما إذا كانت تستطيع ذلك بمفردها مستعينة بوسائلها الخاصة، أم هي - نظراً لشدة شبهها بمراكش - في حاجة إلى دولة تحميها
إن استقلال كل دولة من الدول يقف من جهة على الدولة نفسها، ومن جهة أخرى على الدول المجاورة. ولقد كان لينليك الحظ في استطاعته الاستفادة من المنافسات الاستعمارية في الوقت الذي كان يوجد فيه كثير من الأراضي الأفريقية القابلة للاستعمار. والآن انتهى التقسيم. وبدلا من البحث في هذه لم يبق إلا الابتداء في استغلال الحبشة. ويضاف إلى ما سبق أن المنافسات على هذه البلاد يلوح عليها الهدوء، وأن الاتفاق بين الدول المتنافسة محتمل الوقوع. ومن هنا يعظم الخطر على الحبشة
وهذا الخطر الأجنبي يجعل المهمة الواجب القيام بها فيما يتعلق بالسياسة الداخلية تفوق قدرة رجل فرد مهما كان نابغاً. إن من الواجب إزالة الفوارق القائمة بين المدينة البدائية الدينية الساذجة والمدنية الغربية المادية. والواقع أن الحياة في الحبشة قد تطورت، إذ من العسير أن يعيش شعب بأكمله عيشة الزهد والتقشف. ومن المحال إقامة روابط طبيعية دائمة بين الأفراد والجماعات من غير وجود مبادئ مشتركة بين الجميع. من الحق أن المدنية الغربية تتضمن كثيراً من الرياء، فالرق على شكله الذي نراه في الحبشة ليس أفظع من العمل الذليل في الصناعة الكبرى، إلا أن في الحبشة نظماً معينة هي تراث الماضي العتيق يجب أن تختفي من الوجود. وسواء دخلت الحبشة عصبة الأمم أم لا فهي لا تستطيع في العالم الحديث الإبقاء على قانون التعذيب وعلى السطو والنهب والرق. على أن المرء يتساءل: على أية قوة منظمة يستطيع أن يستند ملك عظيم للقيام على خير ما يرام بالإصلاحات الضرورية إذا كان السكان لا يشعرون بالحاجة إليها قبله؟ إن رجال الطبقات العليا الذين يملكون الأرض والسلطة لا يرغبون في تغيير يظنون أنه سيفقدهم كل
стр. 8376
شيء ولا يربحهم شيئاً. ذلك أنهم لا يطلبون إلا أن تزيد ثروتهم يوماً بعد يوم. وليس عند الطبقات العاملة في مختلف الأقاليم فكرة ما عن إمكان تحسين حالهم. واستغلال القوي للضعيف كأنه قانون طبيعي لا يجب أمامه إلا الاستسلام والخضوع. أما رجال الدين والرهبان وهم أصحاب السلطة العليا فأية مصلحة سيجنونها من نظام جديد؟ بقيت الشبيبة المتعلمة القليلة العدد التي تطلب العلم في جامعات أوربا وأمريكا، إنها تعود إلى بلادها خشنة الطباع كارهة للأجانب. على أن الفكرة القومية وحدها لا تكفي، إذ يجب أن تستخدم هذه الفكرة في تحقيق أمر من الأمور أو مبدأ من المبادئ. على أن المظنون إن استخدام هذه الفكرة في سبيل خدمة الحبشة سيكون أقل من استخدامها في سبيل الاحتفاظ بالحالة الراهنة من اقتصادية واجتماعية ودينية. وأمام هذه الحالة، فإن حدوث حرب ولو انتصرت فيها الحبشة، سوف لا ينتج إلا نصراً مؤقتاً. ليس في الحبشة فلاح واحد يقارن بين ما يحدث في أسواق بلاده وطرقاتها وبين الحالة التي يستطيع أن يراها وراء الحدود. أما حال العقيدة الدينية فمن المحقق أن الكنيسة القبطية في مصر تسودها الآراء الحديثة، وأن المعتقدات القديمة تفنى شيئاً فشيئاً تحت تيارات العقل المستنير. ومن المحتمل أن هذه التيارات والاتجاهات ستظهر أخيراً عند مسيحي الحبشة نظراً لموقع البلاد الجغرافي
(لموا)
ترجمة ع. ك
стр. 8377
الأدب العربي في المغرب
أبو العباس أحمد المقري
١٠٤١هـ - ١٦٣١م
بقلم عبد الهادي الشرايبي
- ١ -
إننا نشاهد، بملء الأسف، كثرة مفكرة من شباب المغرب ورجاله، يساور نفوسهم ضعف الثقة وارتياب مؤلم من ماضيهم القومي وتراثهم الجليل. فنجدهم لذلك يتأففون ويضجرون كلما عرضت عليهم صورة من ذلك الماضي الزاهر، ويكيلون للمغرب والمغاربة عواصف من النقد اللاذع والسخط الشديد
ولعل منشأ ذلك، فيما نرى، هو الجهل بما للمغرب في عصوره الغابرة من روعة وسمو يفوقان كثيراً ما يتخيله أولئك في تاريخ المغرب
ولو أنهم عمدوا إلى الوقوف على بعض من تلك الآثار الجليلة، واستعراض النماذج المتناثرة في ثنايا الكتب، لوجدوا في سجل المغرب من الصور الطريفة الرائعة ما يكون غذاء لروحهم المجدبة، ورياً لنفوسهم الظمأى!
ولعلهم إن فعلوا فتذوقوا من ذلك الجمال الحي الخالد، ونهلوا من تلك المتع اللذيذة، فسوف يجدون فيه المرهم الشافي لنفوسهم المريضة بداء اليأس، ويستبدلون بتشاؤمهم القاتل تفاؤلاً
- ٢ -
وها نحن أولاء نجلى لهم اليوم صورة حية من ذلك التراث المجيد، وينتزع لهم من بين الصور الكثيرة مثلاً سامياً لنهضة الأدب العربي في المغرب في القرن الحادي عشر:
شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد المقري التلمساني المالكي الأديب الكبير، الشاعر المؤرخ، ولد في تلمسان، ونشأ بها في بيت علم وأدب، وثقف كثيراً من الفنون على عمه أبي عثمان سعيد المقري الأديب العالم الشهير، وأتقن اللغة العربية وآدابها، وبرع في معرفة أخبار العرب وأنسابها. وكان له ميل شديد واطلاع واسع على الآداب العربية وتاريخها في مختلف العصور، وأولع من لدن نشأته بالمطالعة والتنقيب عن أحوال الدولة
стр. 8378
الإسلامية، واستظهار آثارها، وبصفة خاصة ما كان متعلقاً منها بدولة العرب في الأندلس، والوقوف على سر عظمتها، وتطورها بين صعود ونزول، وكيف عبثت يد الزمان بتلكم الآثار الحافلة التي خلدها العرب في أوربا
شب الفتى، خصب الفكر، متقد الذهن، واسع الذاكرة. يتقلب في فنون من الحديث، ويحلق في جو رائع من الخيال. ينتقل بين قصور قرطبة ومغانيها، ويقلب نظره الحائر في بدائع الحمراء ومجاليها، ثم يعود فيسترحم القدر إشفاقاً على مجالس أدبها الممتعة ونواديها
وقد حدثته نفسه الطموح إلى مشاهدة آثار الفن الأندلسي الجميل بالذهاب إلى (فاس) وريثة الحضارة الأندلسية، ورؤية هذه الآثار عن كثب، إذ هي صورة مصغرة من الحياة الأندلسية، بما فيها من مبان وآثار، ومجالس علمية وأدبية تضم أئمة الأدب وفطاحل العلم. فقصد فاس سنة ١٠٠٩ وملأ بها وطابه، وأخذ عن جلة العلماء كالشيخ القطار، وابن أبي النعيم، وأحمد بابا السوداني التمبكتي وغيرهم؛ وأقام بفاس ميمون الحظ بين مظاهر الإجلال والاحترام إلى أن صار مفتى فاس وخطيب (جامعة القرويين)؛ ثم رحل إلى مصر والشام، وتردد على الحجاز كثيراً، وألف بالقاهرة كتابه (نفح الطيب). وله مطارحات ومساجلات مع أدباء مصر والشام
- ٣ -
آثاره الأدبية: أبو العباس المقري متشعب النواحي كثير المباحث لمن شاء دراسته. له آثار قيمة في الفقه والكلام والأدب والتاريخ، وشعر متناثر في ثنايا كتابيه الجليلين: (نفح الطيب، من غص الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين ابن الخطيب) و (أزهار الرياض، في أخبار القاضي عياض)
وقد قصرنا هذا البحث على الناحية الأدبية، إذ كانت هي البارزة في حياته، فهو (حافظ المغرب وجاحظ البيان) شاعر رقيق العاطفة، يصطبغ شعره بلون الأدب الأندلسي في الرقة والجزالة، والسهولة والامتناع
ولا بدع، إذا وجدنا ذلك الطابع بارزاً في آثاره الأدبية، فقد رأيناه كلفاً بالفن الأندلسي وآثار العرب في الأندلس منذ النشأة إلى حد التوهم أنه كان يعيش في ذلك الوسط الخصب المشبوب العاطفة
стр. 8379
وقد قال في أكثر أغراض الشعر: في الغزل، والشوق، والمدح، والوصف، والحكم، والعتاب، والذكرى المؤلمة، والقصص الشعري
وإذ كان الشطر المهم من حياته قد أمضاه في الشرق بعيداً عن الأهل والوطن، نائياً عن معاهد الصبى ومسارح الطفولة الأولى التي لم يبق في ذهنه منها إلا الذكريات المرة الممضة، فنستطيع أن نكشف كيف كان الشوق والحنين أبرز صفة في شعره؛ ولنسق لك مثلاً من ذلك. فمن قوله وهو في الشام يتشوق إلى بلاد المغرب:
كساها الحيا بُرد الشباب فإنها … بلاد بها عق الشباب تمائمي
ذكرت بها عهد الصبي فكأنما … قدحت بنار الشوق بين الحيازم
ليالي لا ألوي على رشد ناصح … عناني، ولا أثنيه عن غي لائم
أنال سهادي من عيون نواعس … وأجني مرادي من غصون نواعم
وليل لنا بالسد بين معاطف … من النهر ينساب انسياب الأراقم
تمر إلينا، ثم عنا، كأنها … حواسد تمشي بيننا بالنمائم
وبتنا، ولا واش نخاف كأنما … حللنا مكان السر من صدر كاتم
وأسمعه يقول:
شربت حميا البين صرفاً وطالما … جلوت محيا الوصل وهو وسيم
فميعاد دمعي أن تنوح حمامة … وميقات شوقي أن يهب نسيم
ويثور كامن عواطفه كلما سمع ترجيع حمامة بصوتها الشجي، فيصف لك حاله عند سماعها بهذه القطعة الرقيقة:
رُب ورقاء في الدياجي تنادي … إلفها في غصونها المياده
فتثير الهوى بلمس عجيب … يشهد السمع أنها عواده
كلما رجَّعت توجعت حزناً … فكأنا في وجدنا نتبادَه
ثم يحاول أن يطفئ غلة ذلك الشوق المضني بالصبر، ويتخذه شعاراً وسلوة، فيسير على سنن غيره من الشعراء، ولكنه يخفق إذ يجد أن الصبر معناه إلهاب نار الشوق:
وإني لأدري أن في الصبر راحة … ولكن إنفاقي على الصبر من عمري
فلا تُطفِ نار الشوق بالشوق طالباً … سلواً، فإن الجمر يسعر بالجمر
стр. 8380
ويعاوده الأمل في أن يلمس غرة من الدهر، فيلتقي بعد طول البين، ويجتمع بعد أليم الفراق
فنلتقي، وعوادي الدهر غافلة … عما نروم، وعقد البين محلول
والدار آسنة والشمل مجتمع … والطير صادحة والروض مطلول
ولو أنا ذهبنا في هذا الباب نقتطف قطعاً من زهراته المتناثرة، لاقتضى ذلك منا وقتاً أوسع مما افترضناه لهذا البحث من الإيجاز
وفي الوصف نجتزئ بهذه القطعة:
ورياض تختال منها غصون … في برود من زهرها وعقود
فكأن الأدواح فيها غوان … تتبارى زهوا بحسن القدود
وكأن الأطيار فيها قيانٌ … تتغنى في كل عود بعود!
وكأن الأزهار في حومة الرو … ض سيوف تُسَلُّ تحت بنود
ويبهره ما يرى في جنة الدنيا (دمشق) ضريبة الأندلس والمغرب في بساتينها، وأنهارها، وجداولها، فتعاوده الذكرى ويقول:
ذكرتني الورقاء أيام أنس … سالفات فبت أذرى الدموعا
ووصلت السهاد شوقاً لحبي … وغراماً، وقد هجرت الهجوعا
كيف يخلو قلبي من الذكر يوما … وعلى حبهم حنيت الضلوعا؟
كلما أولع العذول بعتبي … في هواهم، يزداد قلبي ولوعا!
ثم يقول في وصفها:
محاسن الشام أجلى … من أن تحاط بحد
لولا حمى الشرع قلنا … ولم نقف عند حد:
كأنها معجزات … مقرونة بالتحدي
ويقول:
قال لي ما تقول في الشام حبر … كلما لاح بارق الحسن شامه؟
قلت ماذا أقول في وصف قطر … هو في وجنة المحاسن شامه!
(البقية في العدد القادم)
عبد الهادي الشرابي
стр. 8381
النهضة التركية الأخيرة
للدكتور عبد الوهاب عزام
وجهت أجدى المجلات الكبيرة في مصر إلى بعض الكتاب هذا السؤال: (إلى أي حد يجب الاقتداء بتركيا في نواحي نهضتها الأخيرة)، فحفزني هذا إلى الكتابة في موضوع تجنبته زمناً طويلاً، لا استهانة به فهو جد خطير، ولكن إشفاقاً مما يثور بالنفس حين تعالجه
- ١ -
الترك العثمانيون إخوان لنا، نشأنا على حبهم، ومنحناهم قلوبنا فتمكن بها ولاؤهم، وشببنا نعدهم على المسلمين الخفاف في زمن تنكست فيه أعلامهم، وجيشهم المجاهد على حين تفرقت الأجناد، وتخاذلن الأعضاد. كنا نعد مفاخرهم مفاخرنا، ومثالبهم مثالبنا، ونرى صلاحهم صلاحنا، وفسادهم فسادنا، ونفرح كما فرحوا، ونبتئس كلما ابتئسوا. وكلما نزلت بهم نازلة نصرناهم جهد العاجز بألسنتنا وأموالنا وأيدينا وسع الأيدي المغلولة، والأعضاد المغلوبة. ولا يزال التاريخ الحديث يدوي بحادثات المدرعة (حميدية)، وحروب طرابلس والبلقان، وقدوم الطيارين العثمانيين إلى مصر، وغير هذا مما يشهد بالحب الصادق، والمودة المخلصة
ولقد نشأت على هذا الحب، لا يطربني إلا ما أطرب الترك، ولا يسوؤني إلا ما ساءهم؛ وفيهم تعلمت الشعر فشدوت به في حروب طرابلس والبلقان، وكتبت في الحرب الأخيرة أعطف عليهم القلوب، وأستحث الهمم على الإمداد بالمال. ولست أمن عليهم بذلك فقد كان فرضاً علي وعلى غيري
ولما قذف جنود الترك الأنجاد بجيش اليونان في البحر كاد الناس في مصر وغير مصر يجن جنونهم فرحاً وزهواً
- ٢ -
ثم وقعت هذه الواقعات التي تسمى (النهضة التركية الأخيرة)، فخاجت من الناس الظنون، وتحطمت الآمال وتصدعت القلوب، ووقفوا وقفة من أصيبت آماله في أخ صميم أو صديق حميم، يراه قد ركب رأسه، واشتط في هواه، يقطع أواصر الأخوة، ويصرم حبال المودة،
стр. 8382
لا يستطيع أن يغضي عن سيئاته وهي وخيمة العواقب، ولا تطيب نفسه أن يسمع به ويذيع عيوبه على مسمع من الأعداء
قومي همُ قتلوا أميم أخي … فإذا رميت يصيبني سهمي
فوقف يلومه حيناً، ويجادل عنه حيناً، ويرد مقالة الخصماء، ويحذر شماتة الأعداء، ويلتمس له المعاذير، ويتربص به الأفاقة من غيه، والإياب إلى رشده، ويدعو الله أن يلهمه السداد، ويهديه سبيل الرشاد. وها نحن أولاء ندعوا ونرجوا وننتظر
- ٣ -
وبعد فما هذه الأحداث التي تسمى (النهضة التركية الأخيرة)؟ نستعرض الحادثات لنرى ما هي:
فأما ذود الترك عن حياضهم، ودفعهم عن استقلالهم، وإيثارهم الموت الحر على العيش الذليل فشنشنة أعرفها من أخزم، عرف الترك بها في كل زمان، وامتازوا بها في كل ميدان، وكان لسلفهم فيها غرر مشهورة، وأعمال مأثورة، يدوي بها التاريخ ويشهد بها العدو والصديق. فلا ينبغي أن يعد هذا من (النهضة الأخيرة). فقد كان السلف فيه خيراً من الخلف. كان ميدانهم أوسع، وعدوهم أكثر، وخطبهم أفدح، وعبثهم أثقل. وتلك، على كل حال، محامد ينبغي أن تتقيلها الأمم، ويتنافس فيها أولو الهمم
وأما عكوف الحكومة التركية الحديثة على إصلاح البقعة التي أبقتها الأحداث في أيديها، وتركتها النوائب من الميراث العظيم - عكوفهم على الإصلاح والتعمير والتنظيم فأمر محمود، وسعي مشكور، وفرض تأخر عن وقته، إذ حالت دونه الخطوب الكارثة، والمصائب المتوالية؛ وهم في هذا الإصلاح ليسوا مبتدعين ولا سابقين، فهم يحتذون على مثال الأمم التي سبقتهم في الغرب والشرق. هم في ذلك مأمومون لا أئمة، ومقتدون لا قدوة. والأئمة في ذلك أمم أوربا، عنها أخذوا وبها اقتدوا. وعملهم في هذا التقليد، عمل حميد. والله يهيئ لهم في ذلك رشداً، ويهديهم إلى الخير أبداً
- ٤ -
وبعد ذلك أمور نجمل الكلام فيها واحدة واحدة، ثم نلق عليها نظرة جامعة لنتبين أين مبدؤها
стр. 8383
ومنتهاها، ومصدرها وموردها، ونرى مكانها من الاختراع أو المحاكاة، وسنعترف لهم في هذا بحسناتهم، ونأخذ عليهم سيئاتهم، أخذ الصديق الناصح لا العدو الشامت، آملين أن يزدادوا من الإحسان، وينزعوا عن الإساءة
ونحن إذا خاصمنا القوم في هذه الأمور فليس خصمنا الأمة التركية جميعها بل الحكومة التركية، يشاركنا في رأينا كثير من رجالات الترك الذين حملت كواهلهم أعباء الحرب الأخيرة، ومهدت أعضادهم لهذا النصر المجيد، ويشاركنا كثير من العلماء وأولى الرأي، وكثير من المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً
ونبدأ بمسألة الخلافة، إذ جعلوها فاتحة هذه الأمور، ومفتاح هذه النهضة، قانعين بالقول الموجز واللمحة الدالة في هذا الموضوع الواسع:
مهما يقل القائلون في صحة الخلافة العثمانية وفسادها، وجدواها وضررها، ومهما يفتن المجادلون في تبيان ما جلبت على الدولة من مصائب، ورمتها به من عداوة أوربا، فلا ريب عندي أن الخلافة ما أضرت بالدولة العثمانية قط بل نفعتها أحياناً.
ما حاربت أوربا العثمانيين بما كانوا دولة الخلافة، بل بأنهم دولة مسلمة شرقية. وقد ثارت الحروب منذ نشأت الدولة قبل أن يلقب الخليفة العباسي في مصر بيزيد الأول بلقب (سلطان الروم)، وقبل أن يفتح السلطان سليم مصر ويحمل إلى استنبول الخليفة المتوكل على الله. ولم يكن مكان الترك في الخلافة الإسلامية واضحاً في معظم أطوار حروبهم، بل استقرت لهم الخلافة عند المسلمين ودول أوربا أثناء هذا الجلاد المديد، والحروب المتوالية، إذ اعترف المسلمون أن رأسهم هو هذه الدولة القوية المجاهدة، واعترف الأوربيون في العصور الأخيرة أن للترك أن يتكلموا عن المسلمين كما يتكلم الروس عن المسيحيين. فلم تكن الحروب نتيجة الخلافة، بل كانت الخلافة نتيجة الحروب، وهي على هذا لم تكن واضحة ولا ادعاها العثمانيون صراحة إلا في العصور الأخيرة. . . لو أن أوربا شنت على الدولة العثمانية غاراتها من أجل الخلافة فلماذا قضت على الدولة التيمورية في الهند، ودولة الأشراف السعديين في المغرب وغيرهما؟ ووالت غاراتها على المسلمين في المشرق والمغرب
والحق أن انتحال الخلافة نفع الدولة العثمانية حين ضعفها، وكساها هيبة وجلالاً في الشرق
стр. 8384
والغرب؛ وقد أدرك ذلك السلطان عبد الحميد فاجتهد أن يمكن هذه الخلافة في نفوس المسلمين كافة ليرهب بهم أوربا
وإن يكن المسلمون قصروا في الدفع عن الدولة، وإمدادها بالمال والجند، فماذا عسى أن تستطيع الأمم المغلوبة على أمرها، الذليلة في أسر أعدائها. وقد خاف الأوربيون أثناء الحرب الكبرى أن يلقوا الدولة برعاياهم المسلمين فاحتالوا لذلك حيلاً شتى: كان الفرنسيون يأخذون جنود أفريقيا يوهمونهم أنهم سيدافعون عن الخلافة والإسلام، ولم يستطع الإنكليز، بعد تمرد الرديف المصري وإبائه أن يحارب الترك، أن يرسلوا إلى القتال جندياً من المصريين، فاحتالوا عليهم وأخذوهم عمالاً وراء الجيش. وقد تطوع كثير من المسلمين لنصرة الدولة في الحرب والسياسة، ولو كان أمر المسلمين بأيديهم لكان لهم موقف آخر. وقد سمعنا من كبار الساسة الترك وغيرهم أن إنكلترا أشفقت من أن تقف بجانب اليونان جهرة، وتنصرهم بكل قواها في الحرب الأخيرة، حين ثار المسلمون الهند وطلبوا منها الإبقاء على دولة الخلافة، وأن هؤلاء المسلمين على ضعفهم عاونوا على إنقاذ البقية الباقية من الدولة العثمانية. ولا تنس معاونة أمثال السيد السنوسي وطوافه في الأناضول وكردستان لتأليب الناس وإثارتهم للجهاد. وقد رأيت بعيني صورة الغازي مصطفى كمال باشا في قلعة سنوسية أهداها إليه السيد أحمد فلبسها تبركاً
ثم هذه الخلافة العثمانية على وهنها وغموضها كانت في هذا الزمن العصيب علماً ينظر إليه المسلمون إن لم ينحازوا إليه، وتنضوي إليه آمالهم إن لم تنله أيديهم، وتعتز به نفوسهم وترى في خفقانه ذكرى الماضي العظيم، وتباشير المستقبل العزيز
ولقد كان إلغاء الخلافة في هذه الخطوب المكفهرة كحل رباط حزمة من القصب في ريح عاصف بلغت من المسلمين أسوأ مبلغ، وبلغت أعداءهم أبعد غاية. لا ينكر هذا إلا جاهل بطبائع الأمم أو غبي عن تاريخ المسلمين. وأحسب أن الإنكليز - مثلاً - كان يهون عليهم أن يبذلوا ملايين الجنيهات ليبلغوا الغاية التي بلغهم إياها الكماليون بغير ذل ولا كد
ولا ريب أن الترك حين دفعتهم نشوة الظفر على اليونان إلى إلغاء خلافة الإسلام قد أخروا دولتهم من صف الدول العظيمة إلى صف الدول الصغيرة، فهم اليوم في صف دول البلقان، وإن دول العالم العظيمة كانت تتمنى أن تشتري مكانة الترك بين المسلمين بالجهد
стр. 8385
الطويل، والمال الوفير، طيبة نفوسهم بما بذلوا وما نالوا
يقال إن للثورة آثارها، وللمحنة أعذارها، وما كان إلغاء الخلافة ضرورة اقتضاها الإصلاح، ولكن إفراطاً أدت إليه الثورة. ونحن نقول مهما يكن السبب فذلك شر أصاب المسلمين لا محالة، وإن عجز عن إدراكه الثائرون في غبار الثورة، فقد أدركه البعيدون يقيناً، وبكوا من أجله طويلاً. على أن عمل الكماليين من بعد دل على أن إلغاء الخلافة لم يكن نزوة ثورة، بل كان الحلقة الأولى في سلسلة مصنوعة، والخطوة الأولى في خطة موضوعة. ويعتذر بعض المعتذرين بأنه كان لابد للنهضة الأخيرة من جمهورية، وكان لابد للجمهورية من إلغاء الخلافة، وهذا عذر أشبه بالذنب. ويعتذر آخرون بأن الصلة بين الروس والترك وحاجة هؤلاء إلى معونة أولئك اضطرتهم إلى إلغاء الخلافة، فهل يرضى الكماليون أن يعد عملهم في الخلافة وما بعدها خطة أملاها الروس عليهم؟ ما أحسبهم يرضون من أصدقائهم أن يقفوهم هذا الموقف ليدافعوا عنهم: وهذا بعد لا يخفف المصيبة التي أصابت المسلمين بإلغاء الخلافة
له بقية
عبد الوهاب عزام
стр. 8386
١٥ - قصة المكروب
كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم
بستور
صلة حديثه
وصل الفائت: ذهب بستور إلى شرقي فرنسا يبحث فساد الخمور فأصلحها، ثم ذهب إلى أواسط فرنسا على نداء الخلالين واستغاثتهم فأصلح ما فسد من صناعة الخل. وما كاد يستقر في معمله بباريس حتى جاء القدر يدق بابه، جاءه أستاذه القديم (دوماس) يتطبب لدود القز المريض في جنوب فرنسا
- ٦ -
فأجابه دوماس: (إن إقليم الحرير في الجنوب هو مسقط رأسي، وقد حضرت تواً من هناك. وقد رأيت، ويا هول ما رأيت! رأيت بلدي المسكين، قريتي (ألياس) المنكودة، تلك البلاد التي كانت ثرية بالأمس، زاهية بشجر التوت حتى أسموه الشجر الذهبي، تلك البلاد أصبحت عراء بلقعا، وتلك العراص الخضر أصبحت غبراء ذابلة، وأهملها وهم أهلي أصبحوا لا يجدون القوت). وكان صوت الشيخ فيه حزن وضيق حتى كاد يتندى بالدمغ
وكان بستور يقدر نفسه ويعضها فوق الرجال، وكان قليل التقدير للغير، إلا أنه حفظ في قلبه إجلالاً خاصاً لدوماس. واعتزم أن يبذل المعونة لهذا الأستاذ الشيخ الحزين. ولكن كيف؟ فبستور في هذا الوقت لم يكن يستطيع على الأرجح أن يميز دود القز من دود الأرض. بل لقد حدث بعد ذلك الوقت أنهم أعطوه شرنقة حرير فرفعها إلى أذنه وهزها وصاح: (ما هذا! كأن داخلها شيء!). جهل مطبق بالشرانق والدود
وكره بستور السفر إلى جنوب فرنسا ليفحص مرض هذا الدود، لأنه كره أن يخيب، والخيبة كانت أبغض الأشياء إلى نفسه. ولكن الجميل فيه أنه برغم كبريائه، وبرغم اعتداده المرذول بنفسه، استبقى من صباه حب الطفل واحترامه لعلمه القديم. فقال لدوماس: (أنا ذا
стр. 8387
طوع يديك، فمرني بالذي تريد، وارم بي حيث شئت من الأرض)
وحزم أدواته ومكرسكوباته، وحزم ثلاثة أعوان نشيطين من خلصائه ومريديه، وحزم كذلك أولاده، ومدام بستور - تلك المرأة الصبور التي لم تكن تشكو أبداً - وسافر بهذه الحمولة كلها إلى حيث الوباء يفتك بالملايين من دود القز، ويفقر الألوف من الخلق في جنوب فرنسا. وبلغ (ألياس) فأخذ يتعلم هناك أن دودة الحرير إن هي إلا دودة كالديدان تغزل حول نفسها ثوباً من الحرير يعرف بالشرنقة، وأنها تتحول إلى يرقة داخل الشرنقة، ثم إلى فراشة ترفض ثوبها الحريري فتخرج عنه فتتسلق الشجر وتبيض البيض، وهذا يتفقس في الربيع التالي عن جيل جديد من دود جديد. واستاء رعاة الدود من جهله الفاضح. وذكروا له أن المرض الذي يصيب دودهم يعرف بالندوة، وأنه يتراءى على الدود في صورة بقع صغيرة سوداء كالفلفل. ووجد بستور هناك مئات من النظريات تدعى كلها تفسير هذا المرض، ولم يجد من الحقائق الثابتة غير اثنتين، أولاهما تلك البقع السوداء التي تظهر بظهور المرض، وثانيتهما كريات صغيرة تتكون داخل الدودة، صغرت حتى لا ترى إلا بالمجهر
وقبل أن يستقر في مهبطه الجديد، وقبل أن تستقر أسرته في بيتها الجديد، كشف عن مجهره وأخذ يحدق في باطن هذا الدود المريض، ولا سيما في تلك الكريات، وخرج سريعاً على أن هذه الكريات عرض ثابت من أعراض الداء. وبعد خمسة عشر يوماً من حلوله بـ (ألياس) دعا إليه أعضاء اللجنة الزراعية وقال لهم: (عندما يحين أوان اللقاح، ضعوا كل أنثى وذكر وحدهما، ثم اتركوهما لينسلا وتبيض الأنثى، فإذا خرج البيض فافتحوا بطنيهما وأخرجوا من تحت الجلد شيئاً من شحمه، وانظروا إليه بالمجهر، فإذا هو خلا من تلك الكريات فاعلموا أن هذا الزوج من الدود سليم، وأن بيضه سيفرخ في الربيع المقبل دوداً سليماً
ونظر الريفيون إلي المكرسكوب وهو يلمع وقالوا: (نحن الزراع لا نعرف كيف نعالج مكنة كهذه). وكان في قلوبهم ارتياب وكان فيها قلة إيمان بهذه البدعة الجديدة، فعندئذ تراجع عنهم بستور العالم، وتقدم إليهم بستور الداهية الخبير بأهواء الرجال، فقال لهم: (حسبكم! حسبكم! واخفتوا أصواتكم حتى لا يتناقل الناس هذه الفضيحة عنكم! كيف تعجزون يا
стр. 8388
رجالاً ضخاماً عن استخدام المكرسكوب وعندي في معملي بنت لا يتجاوز عمرها ثماني سنوات تعالجه في لباقة، وتكشف هذه الكريات في سهولة؟!). وقررت اللجنة شراء مكرسكوبات وانصرفوا يعملون بنصائحه
وذهب بستور يبذل من نفسه لحركة لا تعرف السكون، فطاف بالمناطق المصابة بالداء وألقي المحاضرات، ويسأل الأسئلة، ويعلم الفلاحين استخدام المجاهر. ثم يعود في رجعة الطرف إلى معمله يوجه مساعديه ويزودهم بالنصائح في تجارب لم يستطع هو أجراءها حتى ولا ملاحظتها. ثم يملي في المساء على مدام بستور أجوبة كتابات وخطباً ومقالات، ولا يطلع الصباح حتى تراه عاد إلى مناطق الوباء يروح عن الزراع البائسين، ويخطبهم ويبشر فيهم بالفرج القريب
ولكن عاد الربيع بغير الفرج والبشرى. وجاء الوقت الذي يبدأ الدود يصعد فيه إلى أفرع التوت لينسج عليها الشرانق فعجز عن الصعود. وقعت الواقعة وخابت الآمال وأنفقت الجهود في غير طائل! أنفق هؤلاء القوم الطيبون أيامهم على المكرسكوب حتى نال الكلال من عيونهم وأوجع ظهورهم، يطلبون الفراش السالم الصحيح ليخرج لهم البيض الخالي من تلك الكريات اللعينة، فلما حصلوا على هذا البيض السليم، أو الذي حسبوه سليماً، فرخ فخرج منه دود سقيم، قل نماؤه، وضعفت شهيته فقل طعامه، وذهب نشاطه، فأخذ يدور حول عيدان التوت عاجزاً عن تسلق أطرافها، زاهداً في الحياة وفي أطوارها، غير آبه لهوى الغواني الحسان في مفوفات الخز وجوارب الحرير
وا رحمتاه لبستور في تلك الخيبة! جمع المسكين كل همه لتخليص صناعة الخز مما دهاها، فسار ودار وخطب، ولم يبق لنفسه وقتاً يقبع فيه في معمله هادئاً ساكناً يتعرف كنه الداء الذي أصاب الدود. أغراء المجد فخدعه عن العلم، وأغواه الصيت فصرفه عن الحقيقة، والحقيقة لا يفوز بها إلا ساخر بالمجد، عازف عن الصيت، صبور على العمل، جلد على التجربة المسئمة الطويلة
ودفع البأس بعض أصحاب الدود إلى السخرية به والضحك منه، ودفع بعضهم إلى السخط عليه والنيل منه. واسود بياض أيامه، وطلب الخلاص في العمل فزاد انهماكاً فيه، ولكنه كان الغريق ينهمك في العوم يرجو النجاة ويبغي الساحل، ثم يقف هنيهة بعد إجهاد ليحس
стр. 8389
الأرض عله يجد قراراً فلا يجد قراراً. واختلط عليه أمر هذا الدود، فقد كان يقع أحياناً على نسائل تسرع في تسلقها عيدان التوت وتأخذ في نسج شرانق جميلة فيأخذ منها أفراداً للتشريح وينظرها تحت المجهر فيجدها مليئة بتلك الكريات التي كان يحسبها دليل الداء. وأحياناً أخرى كان يقع على نسائل أخرى من الدود سقيمة لا تكاد تهم بالصعود إلى أفرع التوت، حتى يعتريها إسهال غازي ثم تنضمر فتموت، فهذه أخذ منها أفراداً للتشريح ونظرها تحت المجهر فلم يجد فيها من تلك الكريات شيئاً. فأخذ بستور يتشكك في اعتبار هذه الكريات عرضاً من إعراض الوباء. وزاد الطين بلة والحالة سوء أن دخلت الفئران إلى دوده الذي كان يجري عليه تجاربه فاستطعمته فالتهمته، وأخذ أعوانه الثلاثة المساكين (ديكو) و (مايو) و (جرنيه) يسهرون الليل بالتناوب على حراسة الدود واصطياد الفئران. وقد يطلع الصباح فلا يكاد ينصرف كل إلى عمله، حتى تظهر السحب في الغرب قائمة، فيترك كل عمله ويهرول إلى شجر التوت يغطيه من المطر. وكنت ترى مدام بستور في أعقابهم والأطفال في أعقابها. وبستور المتعب المجهود كان لا يستقر في المساء في كرسيه الكبير المريح حتى يأخذ في إجابة رعاة الدود المناكيد الذين خسروا كل شيء باتباعهم طريقته في تصنيف البيض
ومضت أشهر طويلة ثقيلة على هذه الحال، جاءته بعدها غريزته تحضه على التجريب، والقدر يمهد له سبيل الخلاص، قال لنفسه: (أنا على الأقل نجحت في الحصول على بعض نسائل من الدود صحيحة سليمة، فإذا أنا غذيتها على ورق التوت بعد تلويثه بإفرازات الدود المريض، فهل يا ترى تموت هذه النسائل السليمة أم تمرض وتذهب؟!). وفعل هذا فماتت النسائل يقينا. ولكن غاظه أن التجربة لم تأت بكل الذي حسبه، فبدل أن يتغطى الدود بنقط كالفلفل سوداء ويموت بطيئاً في خمسة وعشرين يوماً كما يفعل الدود المريض بهذا الوباء، إذا به يتقوس وينضمر ويقضي في اثنتين وسبعين ساعة. واغتم بستور وناله اليأس فأوقف التجربة، وخاف عليه إخوانه الخلصاء مما هو فيه، وودوا لو أنه يعيد هذه التجربة مرة أخرى
(تبع)
أحمد زكي
стр. 8390
مراجعات
١
السكر والمبرت
كتب الأستاذ عبد الوهاب حمودة في العدد (١٠٠) من (الرسالة) كلمة طيبة حقاً عن الجزء الثاني من (ضحى الإسلام) للأستاذ أحمد أمين. ثم أعترض على عبارة وردت في الكتاب. وقد استغلق على فهم الاعتراض فأحببت أن أناقش فيه الأستاذ عبد الوهاب، عله يجلو لنا وجه الصواب
قال: (ذكر الأستاذ - أحمد أمين - في ص٢٤٥ أن من نتائج الاختلاف بين القبائل كثرة المترادفات في اللغة العربية، ثم ساق مثلاً لذلك فقال إن السكر اسمه المبرت بلغة اليمن؛ ولي على هذا اعتراضان: الاعتراض الأول أن لفظ السكر ليس بعربي، بل هو تعريب للفظ شكر الفارسية، وهي قريبة جداً من لفظها في اللغة راجع. . . والاعتراض الثاني هو أنني. . . . الخ) وهذا الثاني ليس في موضوع المناقشة
ولقد رأيت أن الأستاذ أحمد أمين لم يقل أن كلمة سكر عربية، ولا يمكن أن يفوته أنها معربة، ولا سيما وقد سردها في الكلمات التي أخذها العرب الفاتحون من الفرس في ص٢٤٨ من الجزء الثاني من (ضحى الإسلام)
لهذا لم أخرج اعتراض الأستاذ عبد الوهاب إلا على وجه أنه ينكر الترادف في اللغة العربية بين لفظين أحدهما معرب والآخر عربي
وقبل الإفاضة في هذا البحث أرى أن أضع أمام القارئ نص العبارة التي وردت في (ضحى الإسلام)، والتي وجه إليها الاعتراض لتكون على بينة في فهمها وفهم الاعتراض. وها هي ذي: (وكان هذا الاختلاف أيضاً أهم الأسباب في كثرة المترادفات في اللغة العربية، فإحدى القبائل تضع اسماً لشيء، وتضع قبيلة أخرى اسماً آخر، وقد وردت أدلة على ذلك فقالوا: - مثلاً - إن السكر اسمه المبرت بلغة اليمن. . . ولهذا كثرت المترادفات كثرة غريبة، فقالوا إن للعسل ثمانين اسماً و. . . الخ). وعبارة الأستاذ أحمد أمين على هذا الوضع لا تفيد أن السكر لفظ من وضع إحدى القبائل، إنما هي تفيد أن المبرت من وضع أهل اليمن، وأن المبرت والسكر قد أصبحا مترادفين. والترادف على ما عرفه الإمام فجر
стр. 8391
الدين هو الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد، كذا من الجزء الأول من المزهر للسيوطي ص٢٣٨. وهذا ينطبق على سكر ومبرت، فلا خلاف في أن كلمة سكر وإن كانت معربة قد اندمجت في العربية واستقرت بين ألفاظها وجرت في كلام فصحاء العرب (وأصبحت ذات حق بمضي مدة طويلة عليها تجري على أسلات الأقلام، وتجيء في أفصح الكلام، وقد عربها العرب فجرت مع الألفاظ العربية في عنان)
هكذا يقول الأستاذ الجارم في ص ٣٢٦ من مجلة المجمع اللغوي الملكي. وقد ذكر عدة ألفاظ من هذا القبيل من بينها سكر ومبرت. وإن كان الأستاذ الجارم قد عبر عن هذا بأنه ترادف متوهم فقال: (وهناك أسباب دعت إلى توهم الترادف: منها دخول كلمات في العربية من لغات أخرى. . . الخ) إلا أنه عد هذا التوهم من مذهب المتشددين ثم استدرك بما يفيد جواز الترادف فقال: (نعم إن المتشدد لا يعد هذه الكلمات من المترادفات لاختلاف اللغة، ولكن ما الحيلة وقد شاع استعمالها وأصبحت ذات حق بمضي المدة الطويلة. . . الخ) العبارة التي اقتبسناها. وهناك دليل آخر على صحة إطلاق الترادف بين لفظين أحدهما عربي والآخر معرب نجده في كلام الأستاذ الجارم الذي استند إليه الأستاذ عبد الوهاب في اعتراضه. بل هو دليل على صحة إطلاق الترادف بين لفظين أحدهما عربي والآخر أعجمي خالص. ذلك قوله في ص٣١٤ من مجلة المجمع: (والمثل الذي نختاره لذلك هو ما أورده السيوطي في المزهر للعسل من الأسماء؛ وقد وردت على أنها من باب الترادف. . . فمن مرادف العسل الدستفشار - والمستفشار. وهو العسل الذي لم تمسه النار؛ وليست واحدة منهما عربية. . . إلى أن قال. . . ونستطيع مما سقناه من مرادفات العسل أن نقيس عليه غيره). فلعل الأستاذ عبد الوهاب يرى بعد هذا جواز إطلاق الترادف بين لفظين في لغة أحدهما عربي والآخر أعجمي أو على الأقل معرب وللفظ السكر بين المعربات مكان وطيد في العربية
اليوزباشي أحمد الطاهر
٢
التربية الخلقية والاجتماعية في المدرسة
стр. 8392
إلى الأستاذ فخري أبو السعود
قرأت يا سيدي مقالك الذي دبجه براعك تحت هذا العنوان في عدد (الرسالة) السابق، فخطر لي أن أعلق عليه هذا التعليق
كلنا متفق على أن الأخلاق في مدارسنا ليست مما يشرف ولا ينبئ بخير. ولكن الشيء الذي بلبل بالي وشرد خيالي هو طبكم لهذا الداء: هو نصحكم بفصل طبقات الناس في المدرسة، حتى تستقيم أخلاق الطلبة فيها، إذ يقولون في وصف الداء (قبولها - أي المدرسة - الطلاب من جميع الطبقات ووضعها أبناء الطبقة المحترمة بجانب أبناء الطبقة الوضيعة في المدرسة الواحدة بلا تميز) ثم قولكم في مكان آخر تصفون الدواء (فيجب أن تراعى طبقة الطالب الاجتماعية قبل أن يقبل في المدرسة، وأن يكون لهذا شأن في توزيع الطلاب على المدرسة بل الفصول وتخصيص مدارس في البلدان المختلفة لأبناء الطبقات الممتازة والأسر الطيبة)
أين يا سيدي هذه الطبقات الاجتماعية التي تعنيها؟ وعلى أي قاعدة نقسمها؟ أفنتراجع إلى القرون الوسطى نستلهم هذا التقسيم فنضع فواصل ومتاريس بين الأشراف والعامة؟ وإن كان ذلك يا سيدي، فأين طبقة الأشراف هذه أو الطبقة المحترمة كما تسميها؟ وأين طبقة العامة أو الطبقة الوضعية في رأيك؟ كيف نعرفها؟ وبم تميز إحداها من الأخرى؟
أجل أجبتم يا سيدي عن هذا السؤال فقلتم: (الطبقات المحترمة التي تستطيع دفع المصروفات العالية)
إذن يا سيدي كل غني في هذا البلد شريف عالي المكانة سامي الأخلاق، لا يجوز أن يجلس في معهد علمي إلى جانب الفقير الذي يجب أن يكون من (طبقة وضيعة فاسدة تعم فيها رذائل الكذب والغش والقحة وجرأة اللسان)
إذن كل من يستطيع أن يدفع مصروفات عالية يعد من طبقة الأشراف، وكل من يقصر عن ذلك يعد من الطبقة الوضيعة
فأين شرف أكثر الأغنياء في مصر يا أستاذ، ومن الذي يعترف بذلك الشرف؟ أمن الشرف هذه الفضائح الخلقية التي تنتشر عن بعضهم كل يوم؟ أمن الشرف هذه الفضائح المستورة
стр. 8393
بين جدران (الفيلات) التي لا يسكنها إلا الأغنياء، وفي قيعان (الصالات) التي لا يؤمها إلا الأغنياء؟
ما رأيك يا سيدي في أنني ما رأيت أفسد أخلاقاً ممن (يستطيع دفع المصروفات العالية)، وممن يستطيع أن يخرج لك من بطانة ثوبه من المال ما يسيل اللعاب ويغري الأفئدة، ومن يعلن في صوت كالرعد أنه اغتنى غناء لا يجاريه في غناه أحد. . ثم ما رأيك في أن أغلب من (لا يستطيع أن يدفع مصروفات عالية) ومن يطرد من المدرسة كل يوم لعجزه عنها هو المثل الكامل للخلق الكامل. . .؟
ثم أراك يا سيدي تشبهنا في ذلك بالإنجليز. . . ولست بالطبع في درايتكم حتى أتحدث عن إنجلترا حديث عارف، ولكن ترامى إلى علمي أن الإنجليزي كلما زاد غناه عظم خلقه، والأمر هنا على النقيض، فالارتفاع هناك بالخلق، والارتفاع هنا بالمال، حقيقة مرة ولكن لا شك فيها
ولكم أود مع ذلك يا سيدي لو تفصل طبقات الطلاب في المدرسة على هذه القاعدة قاعدة الجاه والغنى حتى يتسنى لكل فقير مؤدب أن يحتفظ بأدبه ويستقيم على خلقه
زكي شنودة جندي
ذكرى سيد الوجود محمد
للأديب محمد البزم
نبيُّ حبَا عدنان فضلاً وسُؤْدَداً … فٌعَّمتْ جميع العالَمينَ مواهبُهْ
أخُو هِمَمٍ لا يُدرِكُ الدهرُ شَأْوَها … ويجهلُها أعداؤُهُ وأقارِبُهْ
رأى الكَوْنَ في تيهٍ من الجهلِ أسفَعٍ … تَشُقُّ عُبَابَ الداجِيَاتِ مراكبُهْ
فأطلَعَ في آفاقِهِ فَرْقَدَ الهدى … إلى أن أصاب الحقَّ في الليلِ حاطِبُهْ
وَقِيدت له الدنيا مَقادَةَ طائعٍٍ … ذَلولٍ فكانت في سواها مآرِبهْ
مُحَمَّدُ إني من مَدِيحِكَ عاجِزٌ … وَشَأْوُ بياَنَي دون ما أنا طالبُهْ
أتَيتَ وقد شاخَ الزمانُ فَرَدَّهْ … نداكَ فَتِيَّا بعد ما ارْبَدَّ حالبُهْ
سطعْتَ وَلَيلُ الغَيّ مُلْقٍ جِرَانَهُ … على الكونٍ تَهْمي بالرزايا سحائبٌهْ
стр. 8394
يؤتيكَ وَحْيٌ لا يُرَام ومنطقٌ … بوادِرُهُ مَحْمُودةٌ وعواقُبهْ
فجِئْتُ بقُرْآنٍ حوى كلَّ حِكْمَةٍ … أنارتْ دياجي الكائناتِ كواكبُهْ
يُنَصُّ فَتُصْمي الظالمينَ حُدُودُهُ … وَيُتْلَى فَتُرْدِى المارقينَ ثَوَاقبُهْ
وَقَوَّمْتَ من زَيغِ الأعارِيبِ فاستَوَوْا … على مَنْهَجٍ لِلْعَدْلِ يَأْمَنُ راكِبُهْ
وَرُضْتَ جِمَاحَ المُستبِدِّينَ راكباً … من الحقِّ متنْاً يُوضِحُ السمْتَ لاحِبُهْ
تلطفتَ بالغاوِي فَطَوْراً تُلِينُهُ … وحيناً تُصَاديهِ وآنًا تُغالبُهْ
َجَلوْتَ عَمَاياتِ القلوبِ فأبَصَرتْ … وزِيحَتْ عنِ الُّلبِّ السليمِ غيَاهبُهْ
ودافَعْتَ عن ذاتِ الإلهِ بِعَزْمَةٍ … متى رامتِ الجبَّارَ صاحت نوأدبهْ
وأوصيتَ خيراً بالكنائِسِ مانعاً … ذَوِيها، وجيْشُ الحقِّ تمضي قَوَاضِيُهْ
صَقَلْتَ حواشي الدهرِ فانْصَاعَ طَيِّعاً … وأذْعَنَ لا تَسْرِى بِشَرٍّ عقارِبُهْ
وَقلَّمتَ أظْفَارَ الزمانِ فأعرَضَتْ … عن الضارِعِ المسكينِ تَنْأَى مصائبُهْ
وذي أَشَرٍ أنَعْمتَ بالخيرِ قَلبَهُ … وقد أُنعمَتْ بالشَّرِّ قَبْلاً تَرَائبُهْ
وذي دُرْبَةٍ رازَ الزمانَ تَركْتَهُ … كَذِي الجهل ما أجدَت عليه تجارِبُهْ
وَغَضْبَةِ حقٍّ في عُلَى العُرْبِ غادرتْ … عدوُّ بني عدنانَ سُفْلا مراتِبُهْ
وَفيْلَقِ ظُلمٍ سَارَ كالبحرِ زاخراً … يَجْرٌّ بهِ ذَيلَ الغوايةِ ساحبُهْ
بَعثت به جيشاً من الرُّعْبِ فارْعَوَى … تضيقُ بهِ أجْوَاؤُهْ وسباسِبٌهْ
يخِفُّ إليك الدارعونَ مخافَةً … وقد أمنَتْ أطفالُهُ وكواعِبُهْ
تحوطُكَ من عُلْيا قُرَيْشٍ عصابةٌ … لها الفَلَكُ الدوَّارُ تعنُو ذوائبُهْ
جَرَرْتَ بهم ما بين شَرْقٍ ومغرِبِ … كتائِبَ عزمٍ نائيات رغائبُهْ
إذا مرَّ منْهُمْ موكِبٌ لاحَ موكِبٌ … تمُجُّ زُعَافَ الموتِ صِرْفاً مَقَانبُهْ
بكلِّ َفتى ماضِي العَزَائِمِ لَهْذَمٍ … إذا اعتَزَّ شَأْنُ العُرْبِ يعتَزُّ جانبُهْ
يرُومونَ مَجْداً لا تنى عزَماتُهُمْ … عن المجدِ حتى يدرِكَ المجدِ خاطِبُهْ
دفعتَ بهم في وَجِه كلِّ عظيمةٍ … فخاضوا إليها الموْتَ دُهْماً مسارِبُهْ
فأَسْأَرْتَ للأَقْوَامِ في كل وِجهَةٍ … جَداً لم تَشُبْهُ بالأذَاةِ شَوائبُهْ
وغادرْتَ للإسلام صَرْحاً مَمرِّداً … تُناطحُ أعنانَ السَّماء مناكِبُهْ
стр. 8395
فلا زَالَ مِنْ قُرْقانِكَ البرِّ للوَرَى … مناهِلُ هَدْىٍ صافيات مشارِبٌهْ
دمشق
محمد البزم
стр. 8396
تأبين الكاظمي
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
صدق النعيُّ ومات عبد المحسن … يا شعر أَبّنه ويا نفس احزني
يا شعر أنت ومحسنٌ قد كنتما … عمراً رفيقيْ غربةٍ وتوطّن
قد عشتما في كل منزلة معا … كالفرقدين اللامعين وأحسن
أو زهرتين ولا أراني داريا … أشغفتُ بالنسرِين أم بالسوسن
حتى احتوته يدُ المنايا بغتة … بمخالبٍ معقوفةٍ كالمحجن
لمن الزعامة في القريض ومن لها … بعد الحفيّ الشاعر المتفنّن
ملأت قصائدُه القلوبَ حماسةً … من بعد ما شغلت جميع الألسن
شعرٌ يكاد يسيل منه لفظٌه … مثل الندى من رقةٍ فيهزّني
شعرٌ إليه بفعل مغناطيسه … في السمع تنجذب القلوب وتنحني
العبقريةُ فيه مُعتَرَفٌ بها … من ذا يسئ ظنونه في المحسن؟
شيخ القريض قضى فكان عليه لي=حزنٌ بعيدٌ غورُه قد مضّي
في كل قطر أبّنته عصبةٌ … ما كلٌ من لاقى الردى بمؤبّن
بكت العروبة في الجزيرة محسناً … ما موتٌ شاعرها الكبير بهيّن
فقدت فأوجع قلبَها فقدانٌها … منه فتىً شهماً كريم المعدن
مات الذي كانت به معتزَّةً … يا رب إن الخطب جلّ فهوّن
قد كان في كل المواقف واثقاً … بالنفس شأن الشاعر المتمكن
دفنوه في ملحودة وخياُله … في أعيني فكأنه لم يُدفن
ما كان للآداب إلَا روضةً … ما شَئت من زٍهر حوته تَجتَني
مَن للغريب قضى وكان مولّيا … للطرف عند الموت شطرّ الموطن
قدودّ لو أن المنيّة أمهلت … وإليه عبدَ به قريرَ الأعين
لكنها قد أعجلته بضربةٍ … من كفّها في وثبةٍ من مكمن
الشعرُ أسمع شاجياً خفقانَه … فكأنهّ أنات قلبٍ مٌثْخَن
يا شعر أنت من الفجيعة مؤلَمٌ … وأرى الأسى بجبينك المتغضّن
стр. 8397
بيني وبينك في الحياة وشيجةٌ … وجميعٌ ما هو محزنٌ لك محزني
يا شعر بعد الناثرين دموعَهم … إن كان عندك ما تبثّ فبيّن
ما أكبر الأخلاق في نفس امرئ … إن خاشنته الناسُ لم يخشوشن
قد عاش عيشاً والحياةُ مُلَّحةٌ … ما كان بالمْغنى ولا بالمسمن
من ديدن الشرق احتقار دوى النهى … والشرق ليس مُغّيراً للديدن
الكاظميّ قد اعتني ببلاده … وبلاده بحياته لم يعتن
لو كان يحظى في العراق ببلغةٍ … ما سار يقصد مصرَ عبد المحسن
بلدُ به بخلاف ما في غيره … شبع الدخيلُ وأَسغب ابن الموطن
للمرء في الأرض الفضاء مساكنٌ … أنّي مضى والقبرٌ آخر مسكن
والموت فوق جنادل وصفائح … كالموت حُمَّ على فراشٍ ليّن
لا تسألوني عن مصير مَن انطووا … أنا بالعواقب لستُ بالمتكهّن
قالوا وراء الموت أهوالٌ ولم … أحفل بما قالوا ولم أتيقّن
ولعل هذا الموت مبدأ رحلةٍ … للروح خالدةً وراء الأزمن
تبنى الحياة لها الصروحَ من المنى … والموت يهدم كلّ ما هي تبتني
في الكون هذا كلُ شيء ممكنُ … إلا البقاء فذاك ليس بمكمن
وكأننا صور الخيال لبرهةٍ … نبدو ونخفى عن شعاع الأعين
الكون عن ماضيه لم أك راضياً … والكون عن آتية لستُ بمأمن
فرحُ بجانبه همومُ جمةُ … هذا منيحةُ دهرك المتلوّن
لابد من موتٍ لمن هو عائشُ … فاشجُع إذا قابلَته أو فاجبن
إن المنون لرابضٌ مُتحيّنٌ … ماذا مرادُ الرابض المَتَحيّن
أرَبابُ إن الحزن يقتل أهلَه … أرَبابُ يا ابنة محسنٍ لا تحزني
أرباب صبراً فالحياة فريسة … والموت ذئبٌ إن سطا لا ينثني
يا بلبل الشعراء مالك صامتاً … من بعد تغريد بشعرك مُشجِن
قد سرتَ قبلي للردى متعجِّلاً … ولعّلني بك لاحق ولعلَّني
(بغداد)
стр. 8398
جميل صدقي الزهاوي
стр. 8399
أبو الطيب المتنبي
للأستاذ معروف الرصافي
كان أبو الطيب امرأ قُوَلَهْ … يبتكر الشعر مذكياً شُعَله
صاحب نفس كبيرة شرفت … فشرَّفت حله ومرتحله
كان هو الشاعر الذي انتشرت … أشعاره في البلاد منتقله
أوجد للشعر دولة عظمت … به فعزت من غيره دُوَله
من كل معنى أغر مؤتلق … في لفظه كالعروس في الحجَله
وربما رق لفظه فبدت … في شعره كل كِلْمةٍ ثمله
وربما لم تَبن مقاصده … لأنها فيه غير مبتذله
فسائلن عن قريضة حلبا … كم قطفت منه زهرة خَضِله
خلد ذكراً لسيف دولتها … أيام وشَّى بمدحه خلله
فاعجب لسيف لم تَبْل جدته … وشاعر بالمديح قد صقله
ولو حاز موسى مضاء عزمته … ما تاه في التيه عندما دخله
وهو الذي اجتازه بِعْمُلَةٍ … تحمل منه الهمام لا التُكَلَه
قد بات كافور من جراءتها … على الموامي بمهجة وجله
إذ أعجزته بالسير عن طلب … لا خيله تخشى ولا إِبله
فسل به النيل يوم ناقتُه … تغمرت منه وانتحت جبله
كيف أتى مصر كالعقاب لكي … يبلغ فيها بشعره أمله
وكيف أحيا بالمدح أسودها … ثم وشيكا بهجوه قتله
في شعره حكمة مهذبة … وروعة بالذكاء مشتعلة
ونغمة بالشعور صادحة … وصنعة بالفنون متصله
قدرته في البيان واسعة … يتيه فيها السؤال والسَّأله
إذا المعاني بذهنه ازدحمت … ما ربكت في انتقائها حيله
كم شاعر قد قفا له أثراً … وناقد راح يبتغي زلله
فأخفقوا عاجزين عن درَك … لبعض ما كُلُّلهُ تيسر له
стр. 8400
قل لابن عباد أي منقصة … من أجلها كنت مكثراً عذَله
أطبُعه بالذكاء متقداً … أم نفسه بالإباء مشتملة
أم شعره والعصور ما برحت … تسعى بكل استجادة قِبَله
لكنما رمت من مدائحه … ما لم تكن سالكاً له سبله
طَمَاعة منك غير واعية … وهي لعمري حماقة وبَلَهْ
أكبر من أكبر القريض به … وأكبر القائلين من قتله
يا قاتليه لو تعلمون به … إذن قتلتم نفوسكم بدله
لكنكم تجهلون رتبته … ماذا فعلتم يا أجهل الجهلة
قتلتم الشعر والإجادة والإ … بداع فيه يا الأم القتلة
لستم بذا القتل من بني أسد … بل انتموا فيه من بني ورَله
لم يزل الدهر بعد مقتله … يضرب في الشعر للورى مثله
كان له عند كل بادهة … بدائع في القريض مرتجله
يصطاد في الشعر كل شاردة … من القوافي بفطنة عَجِله
فلا تقسه بغيره أدباً … وهل تقاس العطار بالتفله
كم شاعر يدعى وليس له … من شعره غير منطق الجهلة
إن أنت أنشدت شعره هزؤا … رجعت منه كآكل البصله
ورب شعر إذا لفظت به … من هجنة فيه تأنف السبلة
الشعر معنى ألفاظه حسنت … فنسقت في بلاغة جمله
وكلما قصرت قوالبه … عن حسن معناه أوسعت خلله
حسن المعاني بلفظها شوه … كحسن حسناء ثوبها سمله
من ذاق في الشعر طعم معجزه … فاحمد الشاعر الذي أكله
أي مقام هيجاؤه احتدمت … بالشعر يوماً ولم يكن بطله
كان عزيزاً يأبى الهوان فما … قر عليه يوماً ولا قبله
معروف الرصافي
стр. 8401
القصص
من أساطير الإغريق
هيرو وليلندز
المأساة الغرامية المؤلمة
للأستاذ دريني خشبة
أرسلوها إلى الدير، طفلة بريئة النفس، طاهرة القلب، بسامة الثغر، وضاحة الجبين؛ كلما وضعت إبهامها في فمها تمصه، تمثلت فيها سذاجة الطفولة وجمالها ودعتها
ونذروها لفينوس، فكانت ربة الحب تنسرق في القمراء الصافية لترعى طفلها، ولتنفث فيها من رقى السحر ما تعدها به لمستقبل غرامي ملئ. وكان الكهنة يتفرسون في شفتي هذه الوديعة الصغيرة ألغازاً لا يدركون لها كنها، وأسراراً لا يفقهون لها معنى، إلا كنه الصبابة الحمراء تنثال فوق الثنايا الأربع البراقة، وإلا معنى القبل الناضجة يختلسونها كلما افترنا عن ابتسامة، أو انفرجتا لدغدغة أو تخميش
وشبت هيرو
وتفتح الورد في خديها الناعمين، واستيقظ النرجس في عينيها الناعستين، وضحكت فينوس في شفتيها الحمراوين، ونبت الخمل الحريري يطري صباها الغض، وشبابها الفينان! وعينت راهبة لفينوس في سيستوس، المدينة الخالدة، التي تربض على شاطئ الهلسنت الأوربي، قبالة أبيدوس، مدينة الأحلام، على الشاطئ الأسيوي
ولبثت الراهبة الرائعة تؤدي الطقوس والشعائر الدينية لربة الجمال والحب، في برج مشيد مشرف على البحر في قصر أبيها، ولبثت الشهرة تذيع محاسنها في المدينة الكبيرة، والصيت الرنان يتحدث عن جمالها بين الأهلين كما يتحدث الشذى عن ورده، والأرج عن رنده، حتى أصبح اسمها أغنية كل فم، وهتاف كل لسان
وسمع لياندر، فتى أبيدوس وأشجع شبابها، والذائد عنها في كل حومة، بهبرو الراهبة، فعجب أن تكون حقيقة كما يصفها الناس، وحسب أن المبالغة هي التي نفخت في شهرة هيرو، فلم يهتم لما سمع عن مفاتنها، وصرف ذهنه الشاب الفتى عن هذه الطوبى التي
стр. 8402
سلبت ألباب الفتيان، وغدت حلماً ذهبياً لكل مدله ولهان
ولكنه كان يزداد تذكراً للفتاة كلما بالغ في نسيانها أو تناسيها، وإذا صح أن الأذن تعشق قبل العين أحياناً، فلقد كانت أذن لينادر عاشقة وامقة، وما برحت تلح على قلب صاحبها بالعشق والمقة، وما برح يعرض عنها ولا يصغي لها، حتى أعلن في سيستوس عن حفل ضخم يقام في هيكلها تكريماً لفينوس وتقديساً، وأن الشباب من الجنسين مدعوون للمشاركة في الاحتفال بربة الجمال والحب، وليس أولى من الشباب بتكريم الجمال والحب!
وترامى خبر الاحتفال حتى بلغ الشاطئ الأسيوي في أبيدوس وحتى سمع به لياندر، فابتسم، وشعر في سويدائه بأول قبس من نار الحب، فألهب إحساسه وأشتعل قلبه، وملأ ضالعه شوقاً إلى هيرو وتحنانا
واعتزم المشاركة في الاحتفال، لا تقديساً لفينوس، ولكن لينظر إلى الراهبة الحبيبة التي ملأت خياله، وأصبحت مثله الأعلى الذي ينجذب دائماً إليه، مدفوعاً بالقوة الخفية الخارقة، خاضعاً للسحر المطوي العميق
وإذ كان اليوم المنشود، ارتدى الفتى أبهى ملابسه، وانطلق يحدث نفسه أماني الحب، ويتغنى أغرودة الجمال، وظل يحلم في طريقه إلى سيستوس بهذا الأمل اللماح، الذي يشبه في تحجبه في ثنايا المستقبل، قمر ليلة مكفهرة قمطرير، ما يفتأ يتخايل في تضاعيف السحب!
وعبر الهلسبنت في زورق أبيض جميل، مخسر ما بين العدوتين في ساعة كانت في فؤاد العاشق المشتاق أطول من أحقاب وأحقاب!
وقصد إلى الهيكل، وطفق يدافع الجماعات، ويزاحم الجماهير، حتى كان بين يدي هيرو
وكانت باقات الورد تتناثر من هنا وهناك تحت قدمي الراهبة الصغيرة التي استوت على منصة ترتفع قليلاً عن مقاعد المدعوين، مشرقة مؤنقة، كأنها زنبقة، ملتفعة بردها الحريري الأبيض، مكتثة بذراعها اللدنة الجميلة على سنادة المنصة، مقلبة عينيها الدعجاوين في الجماهير المتكببة حولها تلتمس البركات. . .
وكانت فينوس قد أقبلت من مملكة الأولمب تشهد المهرجان الحاشد، وتشبع خيلاءها باستملاء الشباب الهاتف باسمها، المترنم بعبادتها؛ وكان معها أبناؤها الغر الميامين، وفيهم
стр. 8403
كيوبيد وهرمونيا، فاختبأ في أبراج الهيكل، ولبثوا ينظرون إلى الملأ ويعجبون.
وأرسلت فينوس عينها الفاحصة في الملأ، فرأت لياندر العاشق يرنو إلى هيرو الراهبة، وتكاد عيناه تلتهمانها التهاماً؛ ولاحظت أن هيرو منصرفة عن الفتى المسكين لا تكاد تعيره نظرة، ولا تمنحه التفاتة، وهو مع ذاك مشرئب إليها، ينظر نظرات كلها عبادة وعيناه مغروقتان بدموع تكاد تنهمر
وتحرك حنان الحب في فؤاد ربة الحب، وأقسمت لتعاونني في هذا المشروع الغرامي العظيم!!
وذلك أن فينوس لم تكن تجيد الحب لنفسها فقط، بل كان يثلجها ويملؤها غبطةً أن ترى إلى عبرات المحبين، وتسمع إلى رنين القُبل في شفاه العاشقين؛ فأشارت إلى ولدها كيوبيد - رب الحب، وصاحب السهام الذهبية والقوس ذات الوتر العُرد - فأقبل عندها، وألقت إليه أوامرها. . .
فوتر كيزبيد قوسه، وتخيّر واحداً من سهامه، وأنتهز فرصةً من هيرو كان نظرها متجهاً فيها إلى لياندر، وأرسل إلى قلبها السهم الذي يحمل رسالة الحب، فدخله غير مستأذن، وملأه لوعةً وصبابة. . . وجُنَّت للحظتها بالفتى. . .
وتخبر كيوبيد سهماً آخر، وأرسله هدية حارةً، دامية، إلى فؤاد لياندر. وما كاد يستقر فيه، حتى أحس الفتى أنه لم يغد واحداً من هذه الأجسام الفانية الهالكة بعد، بل هو قد صار طيفاً نورانياً؛ وأحس مع ذاك بحب غمرٍ لم يكن له به عهد من قبل، جعله يفنى فناءً تاماً في هيرو الراهبة، التي نظر فألفاها تلتهمه هي الأخرى بعينيها وقلبها التهاماً!!. . .
لله يا حب ما أجملك، وما أبر فينوس بعبادتك!. . .
ودلف لياندر نحو المنصة، وتمتم بكلماتٍ خافتةٍ، (كأنما هي بَثُّ الورد للمطر!) يفهمها المحبون وحدهم، حين يتكلمون بأطراف الشفاء والعيون؛ فعلمت هيرو أن حبيبها يُقرئها حبه، ويسرُّها هيامه، ويرجو منها أن تمنحه ميعاداً يلقاها فيه على حدة، ويعبدها خلاله على انفراد.
وارتبكت هيرو، وتصارع في نفسها الخوف والحب؛ الخوف من أن يلحظ أحد راهبة فينوس تصبو، وبذلك يهوى احترامها إلى حضيض السخرية، والحب الذي تكتمه في
стр. 8404
صميمها للياندر، والذي أثاره فيها سهم كيوبيد، ولم إلا أن تنهر العاشق الملّح لينصرف، ولكنه ما يزداد إلا تعلقاً بها، وتشبثاً بما طلب إليها، ورجاها فيه، وتكون هيرو قد بلغت حالةً بين الهيام والإشفاق لا تحتمل، فتهمس إليه أن ينتظر حتى ينصرف الناس؛ فإذا انصرفوا، خلت إليه، وحدثته حديثاً موشى بالورد، مبللاً بدموع الحب، يختلط فيه أنين الآهات برنين الموسيقى. وتذكر له أن اتصالهما سيظل حباً في حب، وبكاءً في بكاء، ولوعةً في إثر لوعة، وزورة مختلسة تعقبها زورة مختلسة: (لأني راهبة كما تعلم، وأنا خادمة هذا لهيكل الفينوسي المقدس، وسأظل عذراء أبد الدهر، فلن ينتهي حبنا إلى هذا الزواج الذي أوثره وأتشهاه. فإذا كان الغسق يا حبيبي، وتألق النجم في كبد السماء يردد أنَّاتنا، فاقصد إلى شاطئ البحر عند أبيدوس، وأخلع ملابسك، ثم خض عباب الهلسبنت حين أعطيك إشارة من مصباحي، حيث أكون في برج قصرنا المشرف على البحر عند أقصى حدود سيستوس. فإذا وصلت، وستصل سالماً في رعاية فينوس، فهلم إليَّ فير البرج نلتذ آلام الحب، ونتغنّ أشجان الهوى، واضعة رأسي على صدرك أو واضعاً رأسك على صدري، شاكيين إلى الآلهة ما بنا من برحٍ حتى يطلع الفجر فنفترق، وتعود أدراجك إلى الشاطئ الأسيوي سابحاً، فإذا كان غد، عدت إليَّ لأفني فيك وأغمرك بالقُبل ولأ قرأ نفسك، وتقرأ في نفسي، كتاب الحب وآي الطهر. . . وبوركت فينوس!).
ولقد آثرت هيرو خطة الحذر في صلتها الغرامية بلياندر، لأن شطئان الهلسبنت كانت حرماً على السفائن والزوارق وسائر الجواري بعد ساعة من غروب الشمس، فلو قدر كب زورقاً وعبر به البوغاز، لعرَّض نفسه لأخطار جسام من بينهما عقوبة الإعدام دون محاكمة! لذلك لم يكن بد من أن يقطع البحر سابحاً كما رسمت له هيرو
(معبودتي! سأخوض العباب في سبيلك)
(وأطوي بحار الجحيم لو أنها تحجزني عنك)
(فلا الموج جياشاً باللهب، ولا الأعماق تقذف باللحم)
(ولا الفزع الأكبر في الأرض أو في السماء؛ ولا هذا ولا)
(ذاك يحول دون لقائنا يا معبودتي!)
فلما كان غد، وتوارت الشمس بالحجاب، وأقبل ليل العاشقين بشكواه ونجواه، يم لياندر
стр. 8405
شطر البحر، ووقف فوق رمال الشاطئ كأنه يعدها، ولبث يرقب البرج على العدوة الأخرى، وفي قلبه أمل مضطرب، وفي نفسه قلق مستمر، وملء يديه منى تملأ العالم بأسره!
وظل يذرع الشاطئ جيئة وذهوباً، وهو حين يروح أو حين ينثني، يحملق في البرج المشيد لا تريه عيناه عنه. وكانت الرياح تدمدم في جنبات الآكام الممتدة على الساحلين، والموج يزخر في غيران طوروس الشامخة، والبحر يقذف سراطينه على الكثبان البعيدة النائية، والسحب تتجمع وتتفرق كأنها موج الظلماء في خضم السماء. . .
وفجأة لمح لياندر بصيص النور في كُوى البرج الشاهق، فانفلت من ثيابه كأن الشعاعة تجذبه، ولم يعنه أن يمزق هذا الكم ويشق ذاك الجيب، ولم يبال أن يقذف بالقميص هنا وبالبرد هناك؛ ثم ينقذف في الماء ويأخذ في سباحته، ترفعه موجه حتى يحسب أنه يمسك النجم ويلمس السماء، وتخفضه موجة حتى ليخال البحر ينشطر بحرين، وهو في أعماق يؤانس التريتون، ويجالس الأوسايند!!
وكانت فينوس تنظر من علياء الأولمب وتلهو. . .
وما برح يصارع البحر والبحر يصرعه، وما برح يتقدم إلى أمام ويسحبه التيار إلى الوراء، وكلما خانته قواه نظر إلى البرج يتزود من بدره قوة، ومن القُبل الحارة التي تنتظره ثمة دفئاً ونشاطاً مجدداً!
وبلغ الشاطئ. . .
ووجد هيرو تنتظره كأنه الأمل المرتقب، والمُنية المرتجاة، فهرعت إليه استقرت في حضنه، ولبثت تتسمَّع إلى دقات قلبه الواجف الذي يخفق لأول مرة بموسيقى الحب!. . .
(وأمتد فم الفراشة المرتجف، يرشف رحيق القُبلة الأولى من الثغر الحبيب الذي تفتحت عنه جلنارة الحب)
وتمزقت السحب وتكشفت السماء، وأطلت النجوم ترنو إلى العاشقين المدلهين يتباثان ويتشاكيان، ويأخذان في لذة الهوى الطاهر، ونعيم الحب البريء. . .
وكانت فينوس تنظر من علياء الأولمب وتلهو. . .
ونسمت في الأفق الشرقي أنفاس الفجر، فنهض الحبيبان يودع أحدهما الآخر، ويتزودان
следующие страницы →