← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.

стр. 8401

القصص من أساطير الإغريق هيرو وليلندز المأساة الغرامية المؤلمة للأستاذ دريني خشبة أرسلوها إلى الدير، طفلة بريئة النفس، طاهرة القلب، بسامة الثغر، وضاحة الجبين؛ كلما وضعت إبهامها في فمها تمصه، تمثلت فيها سذاجة الطفولة وجمالها ودعتها ونذروها لفينوس، فكانت ربة الحب تنسرق في القمراء الصافية لترعى طفلها، ولتنفث فيها من رقى السحر ما تعدها به لمستقبل غرامي ملئ. وكان الكهنة يتفرسون في شفتي هذه الوديعة الصغيرة ألغازاً لا يدركون لها كنها، وأسراراً لا يفقهون لها معنى، إلا كنه الصبابة الحمراء تنثال فوق الثنايا الأربع البراقة، وإلا معنى القبل الناضجة يختلسونها كلما افترنا عن ابتسامة، أو انفرجتا لدغدغة أو تخميش وشبت هيرو وتفتح الورد في خديها الناعمين، واستيقظ النرجس في عينيها الناعستين، وضحكت فينوس في شفتيها الحمراوين، ونبت الخمل الحريري يطري صباها الغض، وشبابها الفينان! وعينت راهبة لفينوس في سيستوس، المدينة الخالدة، التي تربض على شاطئ الهلسنت الأوربي، قبالة أبيدوس، مدينة الأحلام، على الشاطئ الأسيوي ولبثت الراهبة الرائعة تؤدي الطقوس والشعائر الدينية لربة الجمال والحب، في برج مشيد مشرف على البحر في قصر أبيها، ولبثت الشهرة تذيع محاسنها في المدينة الكبيرة، والصيت الرنان يتحدث عن جمالها بين الأهلين كما يتحدث الشذى عن ورده، والأرج عن رنده، حتى أصبح اسمها أغنية كل فم، وهتاف كل لسان وسمع لياندر، فتى أبيدوس وأشجع شبابها، والذائد عنها في كل حومة، بهبرو الراهبة، فعجب أن تكون حقيقة كما يصفها الناس، وحسب أن المبالغة هي التي نفخت في شهرة هيرو، فلم يهتم لما سمع عن مفاتنها، وصرف ذهنه الشاب الفتى عن هذه الطوبى التي

стр. 8402

سلبت ألباب الفتيان، وغدت حلماً ذهبياً لكل مدله ولهان ولكنه كان يزداد تذكراً للفتاة كلما بالغ في نسيانها أو تناسيها، وإذا صح أن الأذن تعشق قبل العين أحياناً، فلقد كانت أذن لينادر عاشقة وامقة، وما برحت تلح على قلب صاحبها بالعشق والمقة، وما برح يعرض عنها ولا يصغي لها، حتى أعلن في سيستوس عن حفل ضخم يقام في هيكلها تكريماً لفينوس وتقديساً، وأن الشباب من الجنسين مدعوون للمشاركة في الاحتفال بربة الجمال والحب، وليس أولى من الشباب بتكريم الجمال والحب! وترامى خبر الاحتفال حتى بلغ الشاطئ الأسيوي في أبيدوس وحتى سمع به لياندر، فابتسم، وشعر في سويدائه بأول قبس من نار الحب، فألهب إحساسه وأشتعل قلبه، وملأ ضالعه شوقاً إلى هيرو وتحنانا واعتزم المشاركة في الاحتفال، لا تقديساً لفينوس، ولكن لينظر إلى الراهبة الحبيبة التي ملأت خياله، وأصبحت مثله الأعلى الذي ينجذب دائماً إليه، مدفوعاً بالقوة الخفية الخارقة، خاضعاً للسحر المطوي العميق وإذ كان اليوم المنشود، ارتدى الفتى أبهى ملابسه، وانطلق يحدث نفسه أماني الحب، ويتغنى أغرودة الجمال، وظل يحلم في طريقه إلى سيستوس بهذا الأمل اللماح، الذي يشبه في تحجبه في ثنايا المستقبل، قمر ليلة مكفهرة قمطرير، ما يفتأ يتخايل في تضاعيف السحب! وعبر الهلسبنت في زورق أبيض جميل، مخسر ما بين العدوتين في ساعة كانت في فؤاد العاشق المشتاق أطول من أحقاب وأحقاب! وقصد إلى الهيكل، وطفق يدافع الجماعات، ويزاحم الجماهير، حتى كان بين يدي هيرو وكانت باقات الورد تتناثر من هنا وهناك تحت قدمي الراهبة الصغيرة التي استوت على منصة ترتفع قليلاً عن مقاعد المدعوين، مشرقة مؤنقة، كأنها زنبقة، ملتفعة بردها الحريري الأبيض، مكتثة بذراعها اللدنة الجميلة على سنادة المنصة، مقلبة عينيها الدعجاوين في الجماهير المتكببة حولها تلتمس البركات. . . وكانت فينوس قد أقبلت من مملكة الأولمب تشهد المهرجان الحاشد، وتشبع خيلاءها باستملاء الشباب الهاتف باسمها، المترنم بعبادتها؛ وكان معها أبناؤها الغر الميامين، وفيهم

стр. 8403

كيوبيد وهرمونيا، فاختبأ في أبراج الهيكل، ولبثوا ينظرون إلى الملأ ويعجبون. وأرسلت فينوس عينها الفاحصة في الملأ، فرأت لياندر العاشق يرنو إلى هيرو الراهبة، وتكاد عيناه تلتهمانها التهاماً؛ ولاحظت أن هيرو منصرفة عن الفتى المسكين لا تكاد تعيره نظرة، ولا تمنحه التفاتة، وهو مع ذاك مشرئب إليها، ينظر نظرات كلها عبادة وعيناه مغروقتان بدموع تكاد تنهمر وتحرك حنان الحب في فؤاد ربة الحب، وأقسمت لتعاونني في هذا المشروع الغرامي العظيم!! وذلك أن فينوس لم تكن تجيد الحب لنفسها فقط، بل كان يثلجها ويملؤها غبطةً أن ترى إلى عبرات المحبين، وتسمع إلى رنين القُبل في شفاه العاشقين؛ فأشارت إلى ولدها كيوبيد - رب الحب، وصاحب السهام الذهبية والقوس ذات الوتر العُرد - فأقبل عندها، وألقت إليه أوامرها. . . فوتر كيزبيد قوسه، وتخيّر واحداً من سهامه، وأنتهز فرصةً من هيرو كان نظرها متجهاً فيها إلى لياندر، وأرسل إلى قلبها السهم الذي يحمل رسالة الحب، فدخله غير مستأذن، وملأه لوعةً وصبابة. . . وجُنَّت للحظتها بالفتى. . . وتخبر كيوبيد سهماً آخر، وأرسله هدية حارةً، دامية، إلى فؤاد لياندر. وما كاد يستقر فيه، حتى أحس الفتى أنه لم يغد واحداً من هذه الأجسام الفانية الهالكة بعد، بل هو قد صار طيفاً نورانياً؛ وأحس مع ذاك بحب غمرٍ لم يكن له به عهد من قبل، جعله يفنى فناءً تاماً في هيرو الراهبة، التي نظر فألفاها تلتهمه هي الأخرى بعينيها وقلبها التهاماً!!. . . لله يا حب ما أجملك، وما أبر فينوس بعبادتك!. . . ودلف لياندر نحو المنصة، وتمتم بكلماتٍ خافتةٍ، (كأنما هي بَثُّ الورد للمطر!) يفهمها المحبون وحدهم، حين يتكلمون بأطراف الشفاء والعيون؛ فعلمت هيرو أن حبيبها يُقرئها حبه، ويسرُّها هيامه، ويرجو منها أن تمنحه ميعاداً يلقاها فيه على حدة، ويعبدها خلاله على انفراد. وارتبكت هيرو، وتصارع في نفسها الخوف والحب؛ الخوف من أن يلحظ أحد راهبة فينوس تصبو، وبذلك يهوى احترامها إلى حضيض السخرية، والحب الذي تكتمه في

стр. 8404

صميمها للياندر، والذي أثاره فيها سهم كيوبيد، ولم إلا أن تنهر العاشق الملّح لينصرف، ولكنه ما يزداد إلا تعلقاً بها، وتشبثاً بما طلب إليها، ورجاها فيه، وتكون هيرو قد بلغت حالةً بين الهيام والإشفاق لا تحتمل، فتهمس إليه أن ينتظر حتى ينصرف الناس؛ فإذا انصرفوا، خلت إليه، وحدثته حديثاً موشى بالورد، مبللاً بدموع الحب، يختلط فيه أنين الآهات برنين الموسيقى. وتذكر له أن اتصالهما سيظل حباً في حب، وبكاءً في بكاء، ولوعةً في إثر لوعة، وزورة مختلسة تعقبها زورة مختلسة: (لأني راهبة كما تعلم، وأنا خادمة هذا لهيكل الفينوسي المقدس، وسأظل عذراء أبد الدهر، فلن ينتهي حبنا إلى هذا الزواج الذي أوثره وأتشهاه. فإذا كان الغسق يا حبيبي، وتألق النجم في كبد السماء يردد أنَّاتنا، فاقصد إلى شاطئ البحر عند أبيدوس، وأخلع ملابسك، ثم خض عباب الهلسبنت حين أعطيك إشارة من مصباحي، حيث أكون في برج قصرنا المشرف على البحر عند أقصى حدود سيستوس. فإذا وصلت، وستصل سالماً في رعاية فينوس، فهلم إليَّ فير البرج نلتذ آلام الحب، ونتغنّ أشجان الهوى، واضعة رأسي على صدرك أو واضعاً رأسك على صدري، شاكيين إلى الآلهة ما بنا من برحٍ حتى يطلع الفجر فنفترق، وتعود أدراجك إلى الشاطئ الأسيوي سابحاً، فإذا كان غد، عدت إليَّ لأفني فيك وأغمرك بالقُبل ولأ قرأ نفسك، وتقرأ في نفسي، كتاب الحب وآي الطهر. . . وبوركت فينوس!). ولقد آثرت هيرو خطة الحذر في صلتها الغرامية بلياندر، لأن شطئان الهلسبنت كانت حرماً على السفائن والزوارق وسائر الجواري بعد ساعة من غروب الشمس، فلو قدر كب زورقاً وعبر به البوغاز، لعرَّض نفسه لأخطار جسام من بينهما عقوبة الإعدام دون محاكمة! لذلك لم يكن بد من أن يقطع البحر سابحاً كما رسمت له هيرو (معبودتي! سأخوض العباب في سبيلك) (وأطوي بحار الجحيم لو أنها تحجزني عنك) (فلا الموج جياشاً باللهب، ولا الأعماق تقذف باللحم) (ولا الفزع الأكبر في الأرض أو في السماء؛ ولا هذا ولا) (ذاك يحول دون لقائنا يا معبودتي!) فلما كان غد، وتوارت الشمس بالحجاب، وأقبل ليل العاشقين بشكواه ونجواه، يم لياندر

стр. 8405

شطر البحر، ووقف فوق رمال الشاطئ كأنه يعدها، ولبث يرقب البرج على العدوة الأخرى، وفي قلبه أمل مضطرب، وفي نفسه قلق مستمر، وملء يديه منى تملأ العالم بأسره! وظل يذرع الشاطئ جيئة وذهوباً، وهو حين يروح أو حين ينثني، يحملق في البرج المشيد لا تريه عيناه عنه. وكانت الرياح تدمدم في جنبات الآكام الممتدة على الساحلين، والموج يزخر في غيران طوروس الشامخة، والبحر يقذف سراطينه على الكثبان البعيدة النائية، والسحب تتجمع وتتفرق كأنها موج الظلماء في خضم السماء. . . وفجأة لمح لياندر بصيص النور في كُوى البرج الشاهق، فانفلت من ثيابه كأن الشعاعة تجذبه، ولم يعنه أن يمزق هذا الكم ويشق ذاك الجيب، ولم يبال أن يقذف بالقميص هنا وبالبرد هناك؛ ثم ينقذف في الماء ويأخذ في سباحته، ترفعه موجه حتى يحسب أنه يمسك النجم ويلمس السماء، وتخفضه موجة حتى ليخال البحر ينشطر بحرين، وهو في أعماق يؤانس التريتون، ويجالس الأوسايند!! وكانت فينوس تنظر من علياء الأولمب وتلهو. . . وما برح يصارع البحر والبحر يصرعه، وما برح يتقدم إلى أمام ويسحبه التيار إلى الوراء، وكلما خانته قواه نظر إلى البرج يتزود من بدره قوة، ومن القُبل الحارة التي تنتظره ثمة دفئاً ونشاطاً مجدداً! وبلغ الشاطئ. . . ووجد هيرو تنتظره كأنه الأمل المرتقب، والمُنية المرتجاة، فهرعت إليه استقرت في حضنه، ولبثت تتسمَّع إلى دقات قلبه الواجف الذي يخفق لأول مرة بموسيقى الحب!. . . (وأمتد فم الفراشة المرتجف، يرشف رحيق القُبلة الأولى من الثغر الحبيب الذي تفتحت عنه جلنارة الحب) وتمزقت السحب وتكشفت السماء، وأطلت النجوم ترنو إلى العاشقين المدلهين يتباثان ويتشاكيان، ويأخذان في لذة الهوى الطاهر، ونعيم الحب البريء. . . وكانت فينوس تنظر من علياء الأولمب وتلهو. . . ونسمت في الأفق الشرقي أنفاس الفجر، فنهض الحبيبان يودع أحدهما الآخر، ويتزودان

стр. 8406

للنهار الطويل من زاد الهوى نظرات وقبلات!! وفصل لياندر، وأطلت هيرو من الكوَّة الصغيرة تنظر إليه وهو يداعب الموج والموج يداعبه، والزبد يلبسه ويخلعه. . وفينوس تنظر وتلهو. . . أشرقت الشمس وتوارت، وأقبل الليل وتنفس الفجر؛ وعصفت الريح أو هبت رُخاءً، والتمعت الشعلة تضيء للعاشق ظلمات العباب. . . واطمأن البحر إلى صاحبه حتى خاله أيسر من ظهر الأرض، فكان يطويه إلى مُنية نفسه وهويَّة قلبه في كلُّ موعد منتظر، ثم يؤوب على متنه حين ينصدع عمود الظلماء، وكأنه يمتطي من ظهور الموج الصافنات الجياد. . . وكان فجراً شاتياً يكاد سنا برقه يخطف الأبصار، وزمزمة رعوده تهد جوانب الأفق، وكان البحر يتقلب ويرتعد كأنه زلزلة تأخذه من أعماقه، فأوجست هيرو خيفة على حبيبها، وتعلقت به، وراحت تغمره بالقُبل متوسلة ضارعة، ترجو منه أن يبقى بجانبها ولا يجازف بحياته في هذا اليم المصطخب، وهي تدبر له مخبأ يأويه ذلك اليوم، حتى تسكن العاصفة، وينام الماء. . . وثارت النخوة في نفس لياندر، وشاعت الكبرياء في جسمه القوي المفتول، وأنف أن يجبن أما الطبيعة الساخطة الضبى، فطمأن هيرو واحتملها كالحمامة في يديه الجبارتين، وطبع على شفتيها المرتعشتين قبلة تجمعت فيها روحه كلها؛ ثم انفتل من بين ذراعيها الضعيفتين، وهرع إلى البحر فخوض فيه، ملتفتاً بين برهة وأخرى البدر الصغير المشرف عليه من الشاطئ. . وفينوس البارة تنظر من الأولمب وتلهو. . . وأحس في منتصف الطريق برعشة وإعياء، ولكنه كان يهتف باسم هيرو مرة، وباسم فينوس أخرى، فتنشط الثمالات القليلة الباقية من قوته الفانية. . . ورثت لحالة ربة الحب، فنفخت في ذراعيه المجهودتين حتى وصل إلى شاطئ ابيدوس مهدوداً محطماً. . . وتهالك على نفسه، فوصل إلى منزلة، وأوى إلى فراشه ليحلم بالموت المحقق الذي نجا منه منذ ساعة. . .

стр. 8407

وغابت الشمس؛ ولكن العاصفة ما برحت تزداد شدة وعنفواناً، والبرق ما فتئ يطوي السماء، وكان كلُّ شيء ينذر لياندر بسوء المنقلب؛ ومع ذاك فقد نهض غير مستيئس، وقصد الهلسبنت فوقف بشاطئه يبتسم للأهوال التي يضطرب بها بطنه، ثم لمح الضوء ينبعث من كوى الكوخ. . . فخلع ملابسه، وبدأ رحلته. . . وكانت فينوس لا تنظر ولا تلهو. . . لأنها كانت عند حبيبها أدونيس الراعي الجميل تستمتع به، بعد إذ فضحها أبوللو في حبيبها مارس. ولم يبل لياندر من البحر ما بلا هذه الليلة. . . فلقد كان الموج كأنه ألواح من الثلج تتكسر على ظهر الفتى المسكين، وتصدع ذراعيه، وترتطم برأسه. . . ولقد كان الماء هذه الليلة كأن شيئاً من الصبر قد ذاب فيه؛ بعد إذ كانت ملوحته تستحيل شهداً في فمه، وعسلاً مصفى! ولقد كان البرد ينهمل من السحب القاتمة والصقيع يساقط كندف القطن الأبيض، فيعلق بشعره لياندر، وينسج فوقه قلنسوة - ولا نقول تاجاً؟. . - من برودة الموت. . . وجاهد العاشق. . . وسبح باسم هيرو بين موج كالجبال، وليل كله ظلمات وا أسفاه!! لقد نظر المسكين إلى البرج يتزود من نوره، ولكنه لم يرَ الشعاعة تتألق كما عوَّدته. . . لقد أطفأنها الرياح الهوج فأطفأت في قلبه بصيص الأمل. . واستولى عليه خور الفجر السابق، ودهاه القنوط في عضلاته، فيئس منها جميعاً. . . وضاعف النكبة شرقة بالماء حين أراد أن يهتف باسم هيرو. . . فغاص!. . . ولفظه أيم جثةً هامدة. . . ثم ابتلعه ثم لفظه. . . ثم انتصف الليل، وهيرو المشوقة حاملةٌ مصباحها الخافت، بعد إذ أشعلته ثانية، ولكن الساعات تمضي. . . ولا يصل لياندر. . . وتنفس الصبح، فسارعت الراهبة الهيمانة إلى البحر، وحملقت في الماء. . . فأبصرت الجثة الحبيبة ترتطم بأصل البرج، كأنه حنين الجسم إلى أحلام الروح. . .

стр. 8408

وصعقت هيرو. . . ودارت بها الأرض، وانطفأت في عينيها مباهج الحياة بانطفاء أملها المشرق وبدرها البسام! فألقت بنفسها في الأعماق. وما هي إلا لحظة، حتى كان الحبيبان مسجَّيين على سرير الماءُ مُلفَّفين في حرير الزبد!! دريني خشبة

стр. 8409

من الأدب الإيطالي الليالي العشر ترجمة اليوزباشي الأديب أحمد الطاهر ٢ قصة حب سيمون وأيفيجينا قال: سمعت من القصص شيئاً كثيراً وكان أحبها إلى نفسي قصة الحب التي ستسمعون. هي قصة تريكم متا للحب من قوة وبأس بالغين الغاية في العجب، موفيين على النهاية في الغرابة كان يسكن جزيرة قبرص في الزمن الخالي رجل عظيم القدر بين الرجال، واسع الثراء بين أصحاب المال، وكان أسمه (استيبوس)؛ غير أن الرجل لم يكن مكتمل الحظ من السعادة، فقد كان له ابن طويل القامة وسيم الطلعة، ولكنه ضعيف الإدراك سقيم الفهم مطبق الغباء. ولم يكن في وسع أبرع الأساتذة والمهذبين أن يوقظوا غفلته، أو يصقلوا طبيعته أو يهذبوا غلظته، فلم يجد الوالد بداً من أن يقصى هذا الفتى المنكود عن مرآه، ويبعده عن موطنه. فأرسله إلى منزل له في الريف يعيش فيه بين الأتباع والعبيد. ولقد كان الفتى أميل إلى طباع أولئك وأقرب: ففيه خشونتهم وجفاؤهم وغلظة طباعهم - كان الفتى يوماً يمشي في المزرعة وقد أسند عصاه إلى كتفيه، واعتمد على طرفيها بذراعيه، فلقي فتاة بارعة الجمال مستغرقة في نوم عميق، قد اطمأنت إلى الحشائش الخضراء فراشاً وثيراً، ونام عند قدميها امرأتان وخادم. لم يكن لسيمون - وهذا أسم الفتى - عهد بوجوه النساء فاتكأ على عصاه، وحدق ببصره في وجه الفتاة، أن كانت بارعة الجمال في نومها، ساحرة الحسن في غمضها، هاج مرآها من نفسه شعوراً وإحساساً لا عهد له بهما ولا بأقل منهما، وكلما أمعن في النظر أزداد هذا الشعور وأسرف عليه هذا الأحساس، وإنهما ليغريانه بإطالة الوقوف وإمعان النظر فهو لا يريم، وينفرج جفنا الفتاة

стр. 8410

عن عينين يقرأ فيهما هذا الغبي في طلاقه وسهولة معاني الجمال، ومن معانيه الحلاوة والرفق والبشر. ثم هذا فمها الصغير ينفرج عن كلمات يدرك الفتى الأبله ما صيغت فيه من جمال في اللفظ وعذوبة في الجرس: - (لم ترمقني هكذا؟ أرجو أن تنصرف عني. يفزعني مرآك) - قال الفتى: (لا أتنحى، بل لا أستطيع) ودار بينهما حوار أنتهي عند الفتى فلم يغادرها حتى أبلغها دارها. ثم أرتد إلى أبيه وقد فهم اليوم معنى من أدق معاني الحياة. ولم يكن قبل اليوم يفهم أن للحياة معنى. قال: (يا أبتِ إنني أود أن أحيا حياة الرجل المهذب، ولقد برمت بحياة المتأبدين) كان عجباً للوالد أن رأى أبنه يفكر ويصيب في التفكير، ويريد ويحسن الإرادة، ويتكلم ويجيد التعبير، في صوت رقيق، ولفظ رفيع وألبسه ثياباً تليق بقدر أسرته ومكانتها وبعث به إلى المعلمين والمهذبين فقضى بينهم أربعة أعوام كان الحب فيها قوام تهذيبه وعنصره المستساغ، فما أوفى الفتى على نهاية الأعوام الأربعة حتى كان أكمل فتيان الجزيرة أدباً وأحسنهم خلقاً وخطب الفتاة إلى أبيها وكانت تدعى (ايفيجينا) ولكن أباها أعتذر أن كانت الفتاة مخطوبة إلى الفتى (باسيمونداس) من أشرف أسر رودس وأعرقها مجداً وإنهما نجز الزفاف. وجم الفتى وضاق الكون في عينيه، وأصرها في نفسه ليصرحن للفتاة بحبه، وليشهدنها على هذا الحب وفعله في نفسه، وليطعنها على ما خلق الحب منه من خلق جديد، وما يستشرف إليه من سعادة ترفعه إلى مقام الآلهة وعظمتهم إذا نعم منها بالزواج؛. . (إما أن تكون الفتاة لي أو أكون من الهالكين) وسار إلى أترابه من الفتيان الأشراف الأوفياء وائتمر معهم على أن يصنعوا سفينة قد استكملت عدتها من آلات الحرب والقتال، وتربص بها للسفينة التي تقل الفتاة إلى رودس مع زوجها باسيمونداس. فما أشرفت هذه عليها حتى رمى عليها مجذاباً ضمها إلى سفينته، وكان أول من ألقى بنفسه بين أعدائه وساقهم إلى الحرب ورداً حتى ألقوا سلاحهم واستسلموا خاضعين. قال لهم الفتى: (ما قصدت إليكم أبغي سلابكم ولكن لأنال هذه الفتاة

стр. 8411

النبيلة التي أحبها حباً لا يعادله حب ولا يتطاول إليه محب. فإن أسلمتموها إليَّ ألقيت إليكم السلم، وما لي عليكم سبيل، وإلاّ فلن تجدوا عن الهلاك محيصاً) فتقدمت إليه الفتاة وفي مآقيها دموع. قال: (لا تبكي يا فتاتي، فلقد ساقني إليك حبي ومناك. ولن يعدل هذا الحب ما يسوقه إليك باسيمونداس من أعز ما يساق إلى الأزواج). وفصلت عن وجه الفتاة ابتسامة شقت طريقها إلى قلب الفتى من بين الدموع. وأخذ بيدها إلى سفينته واتخذ سبيله في البحر سرباً، حتى أشرف على جزيرة كريت أن كان له فيها أخوان وخلان، ولكن تنكرت له الأقدار ولم ينعم بهذا النصر طويلاً. فما أقبل الليل حتى أقبلت معه عاصفة نكباء، ترسل حسباناً من السماء، وطوحت بالسفينة بين شطى اليأس والرجاء، حتى ألقت بها في أحضان خليج صغير ينفرج عنه جزء من ساحل رودس على مرمى قوس من مستقر السفينة الرودسية، وما كادوا يستقرون حتى قدم باسيمونداس في فئة من أصحابه وفي أيديهم السلاح وهاجموا الفتى سيمون ومن معه وساقوهم أسرى إلى قاضي القضاة في رودس وحوكم الفتى على ما أقترف فحكم عليه قاضي القضاة بالسجن خالداً فيه أبداً وقيد إلى السجن ذليلاً حسيراً هنا فتانا تبرح به الآلام، وتمزق جلده الأغلال، وهناك باسيمونداس غارق في بحار الآمال ينعم بتحقيق المنى، ويعد العدة لزفافه إلى ايفيجينا. ولنترك الخصمين الآن، أحدهما يشقى بآلامه، والآخر ينعم بآماله وكان لباسيمونداس أخ أصغر منه (هرمسداس) وكان يعلل النفس بالزواج من فتاة موفورة الحظ من الجمال أسمها (كسندار) أغرم بحبها وأخذت بشغاف قلبه. وكان ينازعه في الحب قاضي القضاة قضى على فتى هذه القصة يسجن أبداً. ولقد حسب الأخوان أن سينعمان بزفافهما إلى عروسيهما في ليلة واحدة، وأعد العدة في ثقة واطمئنان لهذا الغرض. ولكن قاضي القضاة لا يهدأ له بال، ولا يزال يحتال للأمر من كلُّ وجوهه وقد عقد العزم صادقاً على أن يحظى بالفتاة دون هذا الفتى (هرمسداس). ولكن كيف السبيل؟ أيختطفها؟ وهو قاضي القضاة؟ هذه عزة منصبه، وهذا شرف مكانته، يأبيان عليه هذه الفعلة النكراء، أم يقهر في نفسه سلطان الحب ويكظم الغيظ ويصبر على الكمد؟ إن سلطان الحب لقوي، وإن

стр. 8412

بأسه لشديد، وإنه لغالب، وانتهى به التفكير إلى حيث لم يعصمه الشرف المغلوب من سرف الهوى الغالب، ومضى ينفذ عزمه باختطاف الفتاة ولم يعوزه النصراء في هذه الفعلة الهوجاء، إذ ظهر سيمون مرة أخرى على مسرح القصة. وليس أيسر على القاضي من أن يصطنعه بإخلاء سبيله وفك إساره لينال غرضه على ساعديه القويين فيختطف الفتاة، وليس أحب من ذلك إلى نفس سيمون فهو سينال حريته المسلوبة - لا شك في ذلك ولا مراء - وهو سينتقم لنفسه بنفسه من قرنه العنيد وخصمه المناجز بفجيعة أخيه في محبوبته واختطافها من بين أحضانه وجيء إلى قاضي القضاة بسيمون وأصدقائه فوضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، وزودهم بالسلاح وآلات الكفاح وأخفاهم في مسكنه حتى تحين ساعة العمل وأقبل يوم الزفاف: زفاف باسيمونداس إلى ايفيجينا وزفاف هرمسداس إلى كاسندار وأقبلت معه ساعة الانتقام وإشباع الشهوة: انتقام سيمون من باسيمونداس خصمه ومزاحمه، وإشباع شهوة قاضي القضاة من الفتك بهرمسداس مناوئه ومناجزه وأحكم قاضي القضاة التدبير: فقسم أعوانه إلى فئات ثلاث: فئة اتخذت سبيلها إلى الشاطئ واجتسرت البحر بسفينة، وثانية كمنت عند باسيمونداس، وثالثة كانت تحت إمرة سيمون وقاضي القضاة اندفعت إلى مقصورتي العريسيين الأخوين فقتلتهما واختطفت الفتاتين وولت بهما الفرار وكانت الفتاتان تبكيان، ولكنه كان بكاءً لا يدل على الأسى ولا على الحسرة فعيونهما كانت تنم عن رغبة ورضى وسار الجماعة منتصرين مهللين إلى كريت وتزوج قاضي القضاة بفتاته كاسندار، وتزوج سيمون بمحبوته ايفيجينا، وأقبل عليهم أصحابهم وأوفيائهم يهنئون وعاد سيمون بفتاته المحبوبة إلى قبرس، وحمل قاضي القضاة فتاته إلى رودس، وعاشوا في نعيم ورخاء، حتى أدركهم الفناء (عن الإنجليزية) اليوزباشي أحمد الطاهر

стр. 8413

البريد الأدبي نابغة عربي المرحوم حسن كامل الصباح في أول يوم من هذا الشهر احتفل في بيروت باستقبال جثمان الشاب العالم العربي النابغ حسن كامل الصباح، وقد علقته المنون بمدينة مالون بالولايات المتحدة يوم ٣١ مارس سنة ١٩٣٥ في حادث طيارة. كان قد أشترها ليرحل بها إلى البلاد العربية. فكان فقده خسارة للعلم والاختراع وفجيعة للعرب الذين يرجون بمثل هذا النبوغ البارع أن يثبتوا للناس أن حيويتهم لا تزال فاعلة، وأن خصائصهم لا تزال كاملة، وأن مكانهم من المدينة الحديثة لا بد أن يشغلوه: ولد الفقيد بالنبطية من جبل عامل في ١٦ أغسطس ١٨٩٤ من أسرة تمت بنسبها لابن الصباح أمير الكويت، وشب مولعاً بالحساب والشعر والفلك، فدرس الجبر والهندسة بنفسه وهو في اليفاعة من سنه. ثم دخل المدرسة السلطانية ببيروت ثم الجامعة الأمريكية بها ولم يتم دراسته فيها لأنه دخل الجندية ونقل إلى الآستانة فعمل في قسم اللاسلكي تحت قيادة ضابط ألماني درس عليه الألمانية، وكان قد درس من قبل الفرنسية والإنكليزية، وظل يتبع دروس الرياضة في تلك اللغات حتى انتهت الحرب فعاد إلى دمشق وعين معلماً للرياضيات في المدرسة السلطانية، وفي عام ١٩٢١ تولى تدريس الحساب في الجامعة الأمريكية ببيروت، ثم بد له أن يهاجر إلى الولايات المتحدة فالتحق بمؤسسة (ماساتشوستس) الفنية وهي من أرقى مدارس الهندسة في العالم، ثم أنتقل إلى جامعة (النيويس)، ثم خرج إلى الحياة العاملة فعين في شركة الكهرباء العامة في (سكسنكندي) نيويورك، وهنالك أثمر نبوغه وأنتجت عبقريته، فأخذ يدهش الفنيين بابتكاره وإبداعه، فخصصت له الشركة مختبراً ومكتباً وجعلت تحت يده مهندسين يعملون بإرادته، وإرشاده، وتوالت عليه - حين دوى ذكر اختراعاته في المقامات العلمية والشركات الكهربائية - شهادات العلماء وتهاني العظماء كرئيس المؤسسة الكهربائية في بوسطون، والأستاذ كاستلو فرانش أستاذ الكهرباء بجامعة ميلان، والأستاذ موريس لبلان العالم الفرنسي الكبير، والمستر هوفر رئيس الولايات المتحدة السابق؛ وسجلت شركة الكهرباء العامة جدول

стр. 8414

اختراعاته في دائرة السجلات في واشنطن، وقد بلغ ما سجل منها ثلاثة وأربعون اختراعاً أنفقت الشركة في تسجيلها مائة ألف ريال، أنفقت على اختراع واحد من تلك الاختراعات ربع مليون ريال، وهو اختراع في التلفزة يحول أشعة الشمس إلى نار وقوة كهربائية، وكان يطمع بهذا الاختراع أن يسخر أشعة الشمس المحرقة في الصحراء العربية لإنارة المدن والقرى، وفي سبيل ذلك اشترى الطيارة كانت من أسباب وفاته. ومن اختراعاته المسجلة: ١ - طريقة لضبط القوة الصادرة من المقوم الكهربائي رقم الباتنت ١٦٦٩٥٠٢ ٢ - حوافظ وضوابط لحماية المقومات الكهربائية رقم الباتنت ١٧٧٦١٨٩ ٣ - طريقة لمنع حدوث هزات عالية في القوة الكهربائية في المقومات الزئبقية ١٨١٧٣١٢ ٤ - ملتقط حديث لمنع حدوث انفجار كهربائي منعكس محول للعزائم الكهربائية العظيمة رقم الباتنت ١٨٥٢٢٠٥ ٥ - جهاز للتلفزة يحول أشعة الشمس لنار وقوة كهربائية هائلة ١٧٤٩٦٢ ٦ - جهاز للتلفزة يستخدم الكهارب المنعكسة بفعل النور رقم الباتنت ١٦٩٤٦٦ ٧ - جهاز للتلفزة يستخدم النور كضابط للتيار الكهربائي رقم الباتنت ١٧٠٦١٦٥ الخ ومما ذكره مدير شركة جنرال الكتريك في رسالته إلى والد الفقيد الجملة الآتية: (لقد برهن الأستاذ كامل الصباح أثناء خدمته لشركتنا على أنه من أعظم المفكرين الرياضيين في البلاد الأمريكية، وأن وفاته خسارة كبيرة لعالم الاختراع) وقد صرح جهابذة الفن الكهربائي الذين كانوا يلقبونه بأديسون الصغير أنه أو نسأ الله لعُد من أعظم المخترعين كتاب عن ستالين ستالين طاغية روسيا السوفيتية من أعظم وأغمض الشخصيات المعاصرة، إن لم يكن أعظمها وأغمضها جميعاً؛ فهو يمثل في شخصه أمة عظيمة وجيلاً بأسره، ورسالة اجتماعية جديدة. وقد صدر أخيراً كتاب عن ستالين بقلم الكاتب الفرنسي هنري باربيس، وهنري باربيس كاتب ثوري، بل من زعماء كتاب الثورة الاشتراكية، ومن أعرف الناس

стр. 8415

بشؤون روسيا السوفيتية وزعيمها ستالين؛ منذ أكثر من عشرة أعوام لينين منشئ روسيا السوفيتية، واستمر يقودها حتى ذلك الوقت، ولكن شتان بين القائدين، فأن لينين ذهن غربي درس الماركسية (الاشتراكية) كمبدأ وعقيدة، وتلقاها في أجواء غريبة؛ ولكن ستالين أسيوي محض، فهو من بلاد الكرج، ولم يعرف الثورة ولا الاشتراكية قبل الحرب، ثم أن لينين ذهن المبادئ والمنطق؛ ولكن ستالين ذهن عملي خشن فقد تلقى تراث لينين وعمل على حمايته واستمراره بحماسة؛ ولكنه لم ير بدا من مسايرة الظروف؛ فارتد إلى النظم (البرجوازية). (غير الاشتراكية) يأخذ منها يروق له وما يعتقد أنه معين له على توطيد النظم القائمة. وقد كان ستالين في حياة لينين يمثل الجانب العملي للتجربة الجديدة، وكان لينين يعجب بآرائه العملية على الرغم معارضتها لمبادئه؛ ولما توفي لينين واستأثر ستالين بالأمر ثارت بينه وبين أقران لينين وحملت تراثه أمثال تروتسكي وزينوفييف وغيرهما معركة شديدة؛ ولم يستطع ستالين أن يبطش بهؤلاء الخصوم الذين ينعون عليه سياسته العملية بادئ بدء، ولكنه استطاع بعد عامين أو ثلاثة أن يضع يده عليهم، وأن يشتتهم، وأن يباعد بينهم وبين الثورة. ويصف لنا ميسو باربيس هذه المراحل في كتابه، ويدرس خلال شخصية ستالين تاريخ روسيا السوفيتية، وأطوار الثورة الاشتراكية؛ وهو يرى أن ستالين بعد لينين هو الشخصية التي تتمثل فيها روسيا السوفيتية؛ ويذيل عنوان كتابه العبارة: (عالم جديد يدرس في شخص رجل). جائزة الرينصانص اختتم موسم الجوائز الأدبية الكبرى في فرنسا بتخصيص جائزة (الرينصانص) لمسيو فرنان فليريه الكاتب الشاعر النرماندي؛ وفليريه من طبقة الكتَّاب والشعراء الكهول، وأصله من نورماندي، من ذلك الجيل الأدبي الخشن الذي يمتاز بقوة في أدبه؛ وقد ظهر قبل الحرب بكتاب اشترك في وضعه مع الشاعر (الكولس) ولوي برسو، عنوانه (جحيم المكتبة الوطنية) وفيه يدلل على اطلاع شاسع. بيد أنه مال إلى القريض بعد ذلك، وأخرج عدة قصائد ومنظومات قوية ساذجة تدل على تأثره بروح وطنه. ثم عالج القصة بعد ذلك فكتب منها: (ثلاث أقاصيص تاريخية)، (في عصر الحبيب)، (الملاذ الأخير)، (جيم كليك). بيد

стр. 8416

أن أعظم قصصه هي (قصة السعيدة راتون، الفتاة الطروب)، وهي قصة فتاة زلت، صورت بقوة ومهارة. وعنى فرنان فليريه أيضاً بالمسرح، وكتب له؛ فاشترك مع (روجيه ألار) في وضع (سلسلتين) و (مدرسة الأساتذة) ومع أمادوليجا في إخراج (كارافا كا، فنان ومصور)، وغيرها من القطع المسرحية؛ واشترك أيضاً لوي برسو في كتابه عدة قصص أخرى؛ ونشر في مجلة (مركير ده فرانس) عدة فصول وصور نقدية قوية؛ وقد روعي في منحه جائزة (الرينصانص) عمله الأدبي كله، ولم يمنحوه إياها من أجل كتاب معين

стр. 8417

الكتب أبو بكر الصديق تأليف الأستاذ علي الطنطاوي نشرته المكتبة العربية بدمشق في ٣٦٠ صفحة من القطع المتوسط الأستاذ علي الطنطاوي، أو الشيخ علي الطنطاوي كما يجب أن يُدعى، ثمرة ناضجة من ثمار الثقافة العربية الحديثة: ثقف علوم الدين وعلوم اللسان ثقافة محيطة، ثم درس القانون دراسة فقهيه عميقة، وشارك في إيقاظ النهضة الفكرية والدينية والاجتماعية في سوريا مشاركة منتجة؛ فله في قيادة الشباب محل، وفي توجيه الآداب طريقه، وفي سياسة الإصلاح مذهب؛ وهو نفر من صحابته يمثلون في سورية الناهضة الحلقة الواصلة بين عقيدة التنكر القديم، وعقلية تنكر التجدد. وليس الأستاذ الطنطاوي مجهولاً لدى قراء الرسالة، فهو يطالعهم الحين بعد الحين بالفصول الممتعة في الأدب والتاريخ والقصص، ينقله عن فكر خصب، واطلاع واسع، ومنطق سليم، وإيمان صادق، وعاطفة نبيلة رغب إليه أصحاب المكتبة العربية بدمشق أن يكتب تاريخ الخليفة الأول أبي بكر الصديق ﵁، فتوفر على قراءة مائة كتاب في موضوعه بين مطبوع ومخطوط أثبت أسماءها في ثبت المصادر، ثم جمع منها أخبار هذا البطل العربي، وعارض بعض هذه الأخبار ببعض، ثم جمع ما صح عنده من الروايات الكثيرة وجعلها كالحديث الواحد منبهاً إلى مصدر كلُّ رواية ودرجة كلُّ حديث. وتلك هي الطريقة السلفية التي تعتمد على الحشد والرواية، أكثر مما تعتمد على التحليل والرأي، فهي تعطيك أسباباً من غير حكم ومادة من غير صورة، وقد ركب الأستاذ هذه الطريقة الوعرة على قصد وعلم، فهو يقول: (وكان عليَّ أن أسألك في هذا الكتاب سبيل الدراسة التحليلية فأصف الحياة العقلية والاجتماعية والسياسية للعصر الذي عاش فيه أبو بكر ﵁ والبيئة التي نشأ فيها، وما كان لذلك من الأثر فيه، وأدرس أخلاقه وسجاياه، وأبحث العوامل التي عملت في تكوينها، وأبين أثر الإسلام فيها، وأثرها في التاريخ الإسلامي، وما إلى ذلك من عناصر الدراسة

стр. 8418

التحليلية. ولكن (المكتبة العربية) ترى أن هذا الأسلوب لا يمثل إلا رأي صاحبه، وأن الرأي قد يخطئ الحقيقة وقد يصيبها، وهي لا تحب أن تخرج للناس (درساً) فيه الخطأ وفيه الصواب، بل تاريخاً صحيح السند مضبوط الرواية. . . . . (وقد كرهت بادي الرأي هذا الأسلوب. . . فكيف أجوز أصعب الشقتين، فأجمع المواد وأفحصها وأنقحها وأسكبها وأؤلف بينها، ثم أثبتها في الكتاب كما هي فيأتي (آخر. . .) فيأخذها هينة لينة، فينشئ منها كتاباً تحليلياً تكون فاتحته انتقاصي وذمي بأني لم أنشأ منها كتاباً تحليلياً. . . (ثم بدا لي فقلت لا بأس، فأنه مهما يكن للأسلوب التحليلي من المزايا، ومهما يكن للأسلوب العربي من العيوب (عند بعضهم) فأن الصحة ليس بغير الأسلوب العربي، وليس لأمة من الأمم ما للأمة العربية من الضبط في الرواية والتحقيق فيها والتثبت منها؛ ولا يدري أكثر من نعرف من الشبان من أمر هذه الراوية شيئاً، بل إنهم لا يجهلونها لمرة واحدة وينبزونها حماقة وجهلاً (بالكتب الصفراء) لما وضعوا في نفوسهم من أن الخير لا يكون خيراً لذاته، ولكن للطابع الغربي الذي يشترط أن يكون عليه. . . وإن الشر لا يكون شراً لذاته، ولكن للسمة الشرقية التي يتسم بها. . . وذكرت أن أتباع الأسلوب العربي - على ما سينالنا من لوم على اتباعه - خير لشبابنا (وهم جمهرة القراء) وأجدى عليهم، وأنه في طوق كثير من الشبان أن يكتبوا التاريخ التحليلي لأبي بكر إذا وجدوا الصحيح من أخباره مجموعاً في كتاب واحد، ولكنه يعجز الكثير منهم أن يجمعوا هذه الروايات ويفحصوها ويرتبوها. . .) ولا ريب أن الأستاذ قد بلغ أقصى ما أراد في الجهة التي اختارها أو أختارها له الناشر، فقد أستوعب كتابه كلُّ ما أتصل بحياة الخليفة العظيم من الآيات والأحاديث والأخبار في سياق مطرد وترتيب محكم وأسلوب جذاب. ولكن من يقرأ تصدير الكتاب ويقف على أسلوب الكاتب في حسن التعليل، وصدق الوصف، وبراعة العرض، يتمنى لو أن الأستاذ كان قد وفق بين الطريقتين، فيجمع بين المزيتين، ويسلم من نقد القارئ المتعقب، واستغلال الكاتب الجحود

стр. 8419

الشاطئ المجهول نظم الشاعر سيد قطب للأستاذ محمود الخفيف في ذهني، عن شعراء الشباب عندنا فكرة عامة، تزداد وضوحاً، وأزداد بها تعلقاً كلما نشر أحدهم مجموعة شعره، ولقد أتيح لي أن أقرأ عدداً من تلك المجموعات في الأيام الأخيرة، فزادتني يقيناً بأن الشعر في مصر يسير الآن لي غير قصد، أو بعبارة أخرى لم تنشأ بعد عندنا في الشعر (مدرسة) لها لونها، ولها غايتها، ولها سبلها المختلفة، التي تنتهي بها إلى تلك الغاية. وعلة ذلك أن شعراءنا إلا أقلهم مقلدون، وقل أن تلمح لأحدهم أصالة أو تتبين له جهة، وكأني بالشاب منهم يتناول القلم والورق، ويجلس لينظم، لا لأن قلبه يخفق بمعنى يريد أن يفصح عنه، بل لأن شهوة النشر تملك زمامه، والرغبة في المحاكاة تصرفه في ذلك عن الصواب، ففي نفسه بقية مما قرأ ولم يحسن فهمه من المسائل، فهو يتطلع إلى التجديد والغموض والرمز والبحث عن المجهول والتشاؤم وما سوى ذلك من معانِ يرددها دون أن يدري كنهها أو المقصود منها، وليت شعري، كيف نسمي إنتاجاً كهذا شعراً؟ وهل كان الشعر إلا الإحساس القوي ثم الإفصاح عنه في صورة تلائم الفن وترضي الذوق؟ وانك لتلتمس الدليل على ما أقول في هذا الديوان المسمى بالشاطئ المجهول، فأني على الرغم من عثوري فيه على بعض قطع أبهجتني قراءتها، قد عجزت تماماً عن استجلاء ما يريد الشاعر بما جاء في قسمه الأول الذي من أجله سماه بهذا الاسم بيد أني أحب أن أبدأ الكلام عن هذا الديوان من الناحية الشكلية، فقد استوقفتني فيه ظاهرة أمضتني بقدر ما تولاني منها الدهش، ذلك أن الشاعر (سيد قطب)، قد مهد لديوانه بمقدمة نقدية بقلم الناقد (سيد قطب)، وراح في هذه المقدمة يمدح نفسه، ويطنب في هذا المدح في صورة يعروني لمجرد الإشارة إليها كثير من الخجل والحياء! ففي الديوان نظريات علمية وفلسفية، والشاعر ملم بها. والشاعر متصل بالعوالم المجهولة، تربط قواه الروحية بالوحدة الكونية الكبرى. وللشاعر إحساس متيقظ بالزمن ومروره، ويملأ الشغف بكشف المجهول والحديث عن السر حيزاً كبيراً من ديوانه، والشاعر في هذا الديوان يقف موقف المصور في كثير من القصائد وفي الديوان ظاهرة تستحق التسجيل، وذلك أن لوناً من ألوان

стр. 8420

الموسيقى يتفشى فيه كله، كذلك تبدو في هذا الديوان صورة واضحة للتعبير الدقيق المصور للأفكار إلى ما سوى ذلك مما استحى لذكره من عبارات المدح والإطراء: وتالله لقد ترددت كثيراً أن أصدق أن الشاعر والناقد شخص واحد، واكتفي أن أقول له في احترام: إن مثل هذا أن أجاز في شيء فهو لا يجوز في الأدب وعلى الأخص في الشعر وبعد فهل رأيت في الديوان ما يتفق مع هذه المقدمة؟ الحق أني إذا أردت الأنصاف مضطر إلى أن أخالفه في كثير مما قال بل في معظمه! فالجزء الأول من ديوانه المسمى (ظلال ورموز) عبارة عن سلسلة من الأفكار الغامضة يشملها جميعاً ذلك التعبير الذي شغف بتكراره الشاعر وهو (الوجوم الكئيب) فتلك الكآبة تخيم على معظم قصائده وعلى الأخص (الشعاع الخابي) و (خراب) و (في الصحراء) حيث (يطل الليل كالشيخ الكئيب) و (في خريف الحياة)، و (غريب). وليتنا نخرج بشيء من هذه الكآبة أو نتبين فيها شيئاً من فلسفة الحياة جديراً حقاً بهذا الأسم، ولست أدري لم أضطلع الشاعر هنا ببعض الموضوعات (كالإنسان الأخير) و (الشاعر في وادي الموت)، وهو لم يخرج منها بطائل، بله العجز عن التصور والتعبير في مثل هذه المواقف الغريبة! أما بقية ديوانه فيشتمل على بعض قصائد ريفية، وقصائد غزلية، وقصائد وطنية، هي في الجملة جيدة، تحس أنها صادرة حقاً عن القلب، فليس فيها من تكلف والتعمل والتقليد مثل ما في سابقتها؛ ولقد أعجبني بنوع خاص قصائده (توارد خواطر) و (سر انتصار الحياة) و (المعجزة) و (الليلات المبعوثة) وطربت لها كثيراُ. ولو نظر الشاعر أو الناقد سيد قطب معي نظرة حق لفهم السر في نجاحه في تلك القصائد التي يستحق من أجلها أطيب الثناء، ولولا هنات في بعض تعبيراته لعدت هذه من عيون الشعر والشاعر في قصائده الحديث أقوى على التعبير وأسلس عبارة منه في قصائده القديمة، ولقد لاحظت عليه كجمهرة شعراء الشباب مغرم ببعض الصور الغريبة. لا يتحرج في كثير من تعبيراته، ولا يتوخى فيها البلاغة والسير في مألوف التشبيه والاستعارة، وإلاّ فكيف يتفق مع الذوق مثل قوله (يدوي حوله صمت الفناء) والكون (مفقود القطيم) و (الهول الواجم) و (الرعب الحائم) و (الفناء الجاثم) و (ركام الفناء) و (شخوص الوهم) و (الحياء الوديع) و (الخشوع الوقور) و (العيلم المسجور) و (الصرخة الملتوية) و (الصمت في ظل الوجوم) و

стр. 8421

(وقف الكون شاخصاً في سكون) و (الذهول الشريد) و (القنوط العقيم) و (الدلال الشرود) و (الرشاد الرزين) و (الفتور الشغوف) وغير ذلك من الصور الذهنية الغريبة وهي مع الأسف كثيرة في الديوان هذا إلى أنه قليل العناية بانتقاء اللفظ وتجويد القوافي، وأنا على يقين بأني حين أصارحه بهذا أحسن إليه؛ فواجبنا جميعاً أن نتضافر على رفع مستوى الشعر بعد أن نحدده ونتبين وجهته، ولا سبيل لنا إلى ذلك إلا إذا توخينا الصراحة والصدق والإخلاص في كلُّ ما نقول الخفيف

стр. 8422

العدد ١٠٢ - بتاريخ: ١٧ - ٠٦ - ١٩٣٥

стр. 8423

صيف الأديب زفرت جهنم زفرتها السنوية كما تزعم الأساطير، فعقدت على وجهي (الوادي) غشاء من سموم ودخن؛ فالطبيعة في غلافها الناري مكبوتة، والأرض من حماها الصلب مسبوتة، والناس من إلحاح القيظ متبلدون هامدون يقابلون لفحه بجلد المضطر، ويعالجون برحه بصبر الشهيد! ولكن الجلد ينماع فهو عرق يقطر والصبر يرفض فهو بخار يتصاعد، وبين هذا التقطير وذلك التصعيد نفس تذوب، وجسم يذبل، وعزم يسرق، وفكر يضمحل؛ فليت شعري ماذا عسى أن يعمل من اضطر إلى أن يعمل؟ هذا مكتب الأديب الصحفي يشع الوهج كأتون الفرن، وينفث الضيق كحجرة السجن، ويبعث القلق كغرفة الانتظار؛ وهو مع ذلك مقضي عليه أن يفكر ويعبر، ويرتب ويهذب، ويقابل ويجادل، حتى يهن عصبه، وينقطع سببه، فيعود إلى منزله المعلق في الجو الأغبر على زحمة الشارع وضوضاء العامة، يطلب الهدوء فلا يجده، ويلتمس النوم فلا يناله! ليس له وا أسفاه قصر يبسم بالنعيم، وينسم بالعطر، ويشرق بالجمال، ويموج بالزهر، وتطري بالماء، ويتمطى في الظل، ويتبسط بالسعة، ويسجوا بالخفض، ويغرق في السكون، ويضرب حواليه نطاقاً سحرياً من الأحلام واللذة، فيعود به من وقدة الجو، ويلوذ به من مشقة العمل وليس له وا أسفاه يعبر عليه ثبج البحر، ويرد به مدن الماء، ويبلغ فوقه قرى الجبل، فيسرى عن نفسه بعض عناء العام وبلاء الأيام بما يرى من مفاتن الطبيعة على الربى، ومجالي الفردوس فوق السهول، ومباهج المدنية على الشواطئ وليس له وا أسفاه ما للأديب الموظف من المؤتمرات العلمية، والسياحات التعليمية، يغشاه في منازه أوربا، أو خمائل لبنان، فينال من زهرة الدنيا ومتعة العيش على حساب الدولة وعلى حب العلم الطالب يعود في العطلة إلى الريف، والموظف الصغير يذهب في الإجازة إلى المصيف، والموظف الكبير يجد من مرتبه فضلاً يشتري به السياحة والراحة والبهجة، والموظف الأكبر يجثم نفسه الكبرى (خدمة) للحكومة في (الخارج)، فيؤديها على أتمها نائماً فوق صدور الأماني، حالماً على هدهدة الأغاني، هائماً وراء الخدمة المنشودة في أودية الشعر

стр. 8424

والسحر، ثم لا يكلف الخزينة العامرة إلا بضع مئات لمكافأته، وبضع كلمات لشكره؛ والكبراء الذين يعيشون علينا، ولا ينتسبون ألينا، يجمعون دم الفلاح الغالي في حقاق من ذهب، ويلفون لحمه اللذيذ في حقائب من حرير، ثم يرحلون بها إلى أسواق إبليس، في (مونت كار لو) و (نيس)، فيشترون بهما أبهة أشهر، وعربدة أسابيع، ومخازي عمر! إذن لا يبقى لسعير الصيف إلا الطبقة التي تنسج لهؤلاء جميعاً برد السعادة: طبقة العمل التي لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يجدي على أهله إلا قوت يوم بيوم: طبقة الموظف الأصغر، والصانع المستذل، والعامل المستغل، والفلاح المهمل، والتاجر المدين، والأديب المسكين، فهم يعملون في عطلة الناس - أجرهم على الله - حتى لا تسكن الدنيا، وحتى لا يقف الفلك!! أنشأت الأمة مصا يف لأطفال الفقراء، واعدت الدولة قطار (البحر) وقطار (النزهة) لأنصاف الأغنياء، فماذا أنشأت الأمة أو أعدت الدولة لمساكين الأدباء؟ أليسوا رسل الحق والخير والجمال والمعرفة إلى من زهتهم السطوة فلجوا في الباطل، أعمتهم الشهوة فتدفقوا في الشر، ولوثهم الطمع فطمأنوا إلى القبح، وركبهم الغرور فجنحوا للجهالة؟ أليسوا أحرياء بأن تقيم لهم الحكومة (جبل البرناس) على بقعة من ضفاف النيل، أو على رقعة من شواطئ البحر، يستجمون عليه من الإعياء، ويتصلون فيه بالسماء، وينشدون الأمة من روائع الوحي اجمل مما أنشدته (الموز) التسع الهات الأدب والفنون، على قيثارة إله الشعر والبلاغة أبولون. . . ولكن رويدك يا أشعب!! إن الحكومة التي لا تشترك في مجلة الصحفي إلا بعد طلب ورجاء، ولا تشتري نسخة من كتاب الأديب إلا بعد اخذ وعطاء، يشق عليها أن تقيم (جبل البرناس)، على مثل هذا الأساس! على أن الخيال عالم والحقيقة عالم أخر، والأديب حريص على أن لا يسبح في عالمه غيره، فلماذا يمد عينيه الرغيبتين إلى عالم الناس؟ إن في ليلي القاهرة الساحرة الرخية لرضى للنفس الشاعرة: سماء كصفحة الأمل المشرق تتألق بالأنوار، وفضاء كغيب الله يموج بالأفكار والأسرار، ونسيم كأجنحة الأملاك يذهب عن الأجسام رهق النهار، وجنات الجزيرة، وخلوات الجيزة، ومسرات الجسر، ومسارح النيل، تخلق في الذهن الخصيب والشعور الفتان، مالا تخلقه جنات سويسرا ولا رياض

стр. 8425

لبنان! أحمد حسن الزيات

стр. 8426

الطائشة للأستاذ مصطفى صادق الرافعي قال صاحبها وهو يحدثني من حديثها: كانت فتاة متعلمة حلوة المنظر، حلوة الكلام، رقيقة العاطفة، مرهفة الحس، في لسانها بيان، ولوجهها بيان غير الذي في لسانها تعرف فيه الكلام الذي لا تتكلم به. . . ولها طبع شديد الطرب للحياة، مسترسل في مرحه خفيف طياش، لو أثقلته بجبل لخف بالجبل؛ تحسبها دائماً سكرى تتمايل من طربها، كان أفكارها المرحة هي في رأسها أفكار وفي دمها خمر. . . وكان هذا الطبع السكران شباباً وجمالاً وطرباً - يعمل عملين متناقضين، فهو دلال متراجع منهزم، وهو أيضا جرأة مندفعة متهجمة. وهزيمة الدلال في المرأة إن هي إلا عمل حربي مضمرة فيه الكرة والهجوم؛ وكثيراً ما ترى فيها النظرة ذات المعنيين: نظرة واحدة تؤنبك بها المرأة على جرأتك معها، وتعذلك بها أيضا على انك لست معها أجرأ مما أنت. . .! قلت: ويحك يا هذا! أتعرف ما تقول؟ قال: فمن يعرف ما يقول إذا أنا لم اعرف؟ لقد أحببت خمس عشرة فتاة، بل هن أحببنني وفرغن قلوبهن لي، ما اعتزت علي منهن واحدة، وقد ذهبن بي مذهباً ولكنني ذهبت بهن خمسة عشر! قلت: فلا ريب انك تحمل الوسام الإبليسي الأول من رتبة الجمرة. . فكيف استهام بك خمس عشرة فتاة، أجاهلات هن، أعمياوات هن. . .؟ قال: بل متعلمات مبصرات يرين ويدركن، ولا تخطى واحدة منهن في فهم أن رجلاً وامرأة قصة حب. . . . وما خمس عشرة فتاة؟ وما عشرون وثلاثون من فتيات هذا الزمن البائر، الذي كسد فيه الزواج، ورق فيه الدين، والتهبت العاطفة، وكثرت فنون الأغراء، واصطلح فيه إبليس والعلم يعملان معاً. .؛ وأطلقت الحرية للمرأة، وتوسعت المدارس فيما تقدم للفتيات، وأظهرت من الحفاوة بهن أمرا مفرطاً حتى أخذن ربع العلم. . .؟ قلت: وثلاثة أرباع العلم الباقية؟ قال: يأخذنها من الروايات والسيما. علم المدارس ما علم المدارس؟ أنهن لا يصنعن به شيئاً

стр. 8427

إلا شهادات هي مكافأة الحفظ وإجازة النسيان من بعد؛ أما علم السيما والروايات فيصنعن به تاريخهن. . ورب منظر يشهده في السيما ألف فتاة بمرة واحدة، فإذا استقر في وعيهن وطافت به الخواطر والأحلام - سلبهن القرار والوقار فمثلنه ألف مرة بألف طريقة في ألف حادثة! يظنون أننا في زمن إزاحة العقبات النسائية واحدة بعد واحدة، من حرية المرأة وعلمها؛ أما أنا فأرى حرية المرأة وعلمها لا يوجدان إلا العقبات النسائية عقبة بعد عقبة. وقد كان عيب الجاهلة المقصورة في دارها أن الرجل يحتال عليها، فصار عيب المتعلمة المفتوح لها الباب أنها هي تحتال على الرجل؛ فمرة بإبداع الحيلة عليه، ومرة بتلقينه الحيلة عليها. والغريب في أمر هذا العلم أنه هو الذي جعل الفتاة تبدأ الطريق المجهول بجهل. . .! قلت: وما الطريق المجهول؟ قال: الطريق المجهول هو الرجل. وإطلاق الحرية للفتاة أطلق ثلاث حريات: حرية الفتاة، وحرية الحب؛ والأخرى حرية الزواج. ولما انطلق ثلاثتهن معاً تغير ثلاثتهن جميعاً إلى فساد واختلال. أما الفتاة فكانت في الأكثر للزواج فعادت للزواج في الأقل، وفي الأكثر للهو والغزل؛ وكان لها في النفوس وقار ألام وحرمة الزوجة، فاجترا عليها الشبان اجتراءهم على الخليعة والساقطة؛ وكانت مقصورة لا تنال بعيب ولا يتوجه عليها ذم، فمشت إلى عيوبها بقدميها، ومشت أليها العيوب بأقدام كثيرة. . . وكانت بحملها امرأة واحدة، فعادت مما ترى وتعرف وتكابد كأن جسمها امرأة، وقلبها امرأة أخرى وأعصابها امرأة ثالثة. . . وأما الحب، فكان حباً تتعزف به الرجولة إلى الأنوثة في قيود وشروط، فلما صار حراً بين الرجولة والأنوثة، انقلب حيلة تغتر بها أحدهما الأخرى؛ ومتى صار الأمر إلى قانون الحيلة فقد خرج من قانون الشرف وعاد هذا الشرف نفسه وليس إلا كلمة يحتال بها وأما الزواج، فلما صار حراً جاء الفتاة بشبه الزوج لا بالزوج، وضعفت منزلته وقل اتفاقه وطال ارتقاب الفتيات له، فضعف أثره في النفس المؤنثة؛ وكانت لفظتا الشاب والزوج شيئاً واحداً عند الفتاة وبمعنى واحد، فأصبحتا كلمتين متميزتين، في أحدهما القوة والكثرة والسهولة، وفي الأخرى الضعف والقلة والتعذر؛ فالكل شبان وقليل منهم الأزواج. وبهذا اصبح تأثير الشاب على الفتاة أقوى من تأثير الشرف، وعاد يقنعها منه أخس براهينه، لا

стр. 8428

بأنه هو مقنع، ولكن بأنها هي مهيأة للاقتناع. . . وفي تلك الأحوال لا يكون الرجل إلا مغفلاً في رأي المرأة إذا هو احبها ولم يكن محتالاً حيلة مثله على مثلها ويظل في رأيها مغفلاً حتى يخدعها ويستزلها، فإذا فعل كان عندها نذلاً لأنه فعل، وهذه حرية رابعة في لغة المرأة الحرة والزواج الحر والحب الحر! وأنظر - بعيشك - ما فعلت الحرية بكلمة (التقاليد)، وكيف أصبحت هذه الكلمة السامية من مبذوء الكلام ومكروهة حتى صارت غير طبيعية في هذه الحضارة، ثم كيف أحالتها فجعلتها في هذا العصر اشهر كلمة في الألسنة يتهكم بها على الدين والشرف وقانون العرف الاجتماعي في خوف المعرة والدنيئة والتصاون من الرذائل والمبالاة بالفضائل؛ فكل ذلك (تقاليد). . وقد أخذت الفتيات المتعلمات هذه الكلمة بمعانيها تلك، واجرينها في اعتبارهن مكروهة وحشية، وأضفن أليها من المعاني حواشي أخرى، حتى ليكاد الأب والأم يكونان عند اكثر المتعلمات من (التقاليد). . أهي كلمة أبدعتها الحرية، أم أبدعها جهل العصر وحماقته وفجوره وإلحاده؛ أهي كلمة تعلقها الفتيات المتعلمات لأنها لغة من اللغة، أم لأنها من لغة ما يحببن. .؟ (تقاليد). . .؟ فما هي المرأة بدون تقاليد؟. . أنها البلاد الجميلة بغير جيش، أنها الكنز المخبوء معرضاً لأعين اللصوص تحوطه الغفلة لا الرقابة. هب الناس جميعاً شرفاء متعففين، فإن معنى كلمة (كنز) متى تركت له الحرية واغفل من تقاليد الحراسة، أوجدت حريته هذه بنفسها معنى كلمة (لص). . قال صاحبنا: أما الفتاة المحررة من (التقاليد). . كما عرفتها فهي هذه التي أقص عليك قصتها، وهي التي جعلتني أعتقد أن لكل فتاة رشدين يثبت أحدهما بالسن ويثبت الآخر بالزواج. ولو أن عانساً ماتت في سن الخمسين أو الستين لوجب أن يقال: إنها ماتت نصف قاصر! ولعل هذا من حكمة الشريعة في اعتبار المرأة نصف الرجل، إذ تمام شرفها الاجتماعي أن يكون الرجل مضموماً إليها في نظام الاجتماع وقوانينه؛ فالزوج على هذا هو تمام رشد الفتاة بالغة ما بلغت أساس المرأة في الطبيعة أساس بدني لا عقلي، ومن هذا كانت هي المصنع الذي تصنع فيه الحياة، وكانت دائماً ناقصة لا تتم ألا بالأخر الذي أساسه في الطبيعة شان عقله وشان قوته.

стр. 8429

واعتبر ذلك بالمرأة تدرس وتتعلم وتنبغ، فلو انك ذهبت تمدحها بوفور عقلها وذكائها، وتقرضها بنبوغها وعبقريتها، ثم رأتك لم تلقي كلمة ولا إشارة ولا نظرة على جسمها ومحاسنها لتحول عندها كل مدحك ذماً وكل ثنائك سخرية، فإن النبوغ هاهنا في أعصاب امرأة تريد أن تعرف مع أسرار الكون أسرار كونها هي، هذا الكون البدني الفاتن أو الذي تزعمه هي فاتنا، أو الذي لا ترضاه ولا ترضى أن تكون صاحبته، ألا إذا وجدت من يزعم لها أنه كون فاتن بديع مزين بشمسه وقمره وطبيعته المتنضرة التي تجعل مسه مس ورق الزهر مثل هذه إنما يكون الثناء عليها ثناء عندها حينما يكون اقله باللسان العلمي ولغته، وأكثره بالنظر الفني ولغته. وهذا على أنها عالمة الجنس ونابغته، ودليل شذوذه العقلي، والواحدة التي تجيء كالفلتة المفردة بين الملايين من النساء؛ فكيف من دونها، وكيف بالنساء فيما هن نساء به؟ دع جماعة من العلماء يمتحنون هذا الذي بينت لك، فيأتون بامرأة جميلة نابغة فيضعونها بين رجال لا تسمع من جميعهم ألا: ما اعقلها، ما اعقلها، ما اعقلها! ولا ترى في عيني كل منهم من أنواع النظر وفنونه إلا نظرة التلميذ لمعلمة في سن جدته. . فهذه لن تكون بعد قريب إلا في حالة من اثنتين: إما أن يخرج عقلها من رأسها، أو. . . أو تخرج في وجهها لحية. . .! (ما أعقلها!) كلمة حسنة عند النساء لا يأبينها ولا يذممنها، غير أن الكلمة البليغة العبقرية الساحرة هي عندهن كلمة أخرى هي: (ما أجملها!)، إن تلك تشبه الخبز القفار لاشيء معه على الخوان، أما هذه فهي المائدة مزينة كاملة بطعامها وشرابها وأزهارها وفكاهتها وضحكها أيضا وكأن العقل الإنساني قد غضب لمهانة كلمته وما عرها به النساء، فأراد أن يثبت أنه عقل فاستطاع بحيلته العجيبة أن يجعل لكلمة (ما أعقلها) كل الشأن والخطر، وكل البلاغة والسحر عند. . . عند الطفلة. . . تفرح الطفلة اشد الفرح، إذا قيل: ما أعقلها. . .! فقلت لمحدثي: كأنك صادق يا فتى! لقد جلست أنا ذات يوم إلى امرأة أديبة لها ظرف

стр. 8430

وجمال، وجاءت كبريائي فجلست معنا. . . وكانت (التقاليد) كالحاشية لي، فعلمت بعد أنها قالت لصاحبة لها: (لا أدري كيف استطاع أن ينسى جسمي وأنا ألي جانبه اذكره أني ألي جانبه! لكأنما كانت لقلبه أبواب يفتح ما شاء منها ويغلق) قال محدثي: فهذا هذا؛ إن إحساس المرأة بالعالم وما فيه من حقائق الجمال والسرور، إنما هو في إحساسها بالرجل الذي اختارته لقلبها، أو تهم أن تختاره، أو تود أن تختاره؛ ثم إحساسها بعد ذلك بالصور الأخرى من رجلها في أولادها. وحياة المرأة لا أسرار فيها البتة حتى إذا دخلها الرجل عرفت بذلك أن فيها أسرارا، وتبينت أن هذا الجسم الأخر هو فلسفة عميقة لجسمها وعقلها قال: وقد جلست مرة مع صاحب القصة، وأنا مغضب أو كالمغضب. . ثم تلاحينا وطال بيننا التلاحي؛ فقالت لي: أنت بجانبي وأنا أسال: أين أنت؟ فإنك لست كلك بجانبي! قال: ومذهبي في الحب، الكبرياء، كما قلت أنت، غير أنها الكبرياء التي تدرك المرأة منها أني قوي لا أنا متكبر، كبرياء الرجل إما مهيب مرح يملك أفراح قلبها، وأما حزين مهيب يملك أحزان هذا القلب. إن المرأة لا تحب إلا رجلا يكون أول الحسن فيه حسن فهمها له، وأول القوة فيه قوة إعجابها به، وأول الكبرياء فيه كبرياءها هي بحبه وكبرياءها بأنه رجل. هذا هو الذي يجتمع فيه للمرأة اثنان: إنسانها الظريف، ووحشها الظريف! قلت: لقد بعدنا عن القصة، فما كان خبر صاحبتك تلك؟ قال: كانت صاحبتي تلك تعلم أني متزوج، ولكن إحدى صديقاتها أنبأتها بكبريائي في الحب، ووصفتني لها صفة الإحساس لا وصف الكلام؛ فكأنما تنبهت فيها طبيعة زهوة الفتاة بأنها فتاة وغريزة افتتان الأنثى بأن تكون فاتنة؛ فرأت في إخضاعي لجمالها عملاً تعمله بجمالها. ومتى كانت الفتاة مستخفة (بالتقاليد) كهذه الأديبة المتعلمة - رأت كلمة (الزوج) لفظاً على رجل كلفظ الحب عليه، فهما سواء عندها في المعنى، ولا يختلفان إلا في (التقاليد). . وعرضت لي كما يعرض المصارع للمصارع؛ إذ كانت من الفتيات المغرورات اللواتي يحسبن أن في قوتهن العلمية تياراً زاخراً لنهرنا الاجتماعي الراكد، فتاة تخرجت في مدرسة أو كلية، أو جاءت من أوربا بالعالمية. . . أفتدري أية معجزة مصرية في هذا تباهي بها مصر؟

стр. 8431

إن المعجزة أن هذه الفتاة صارت مدرسة، أو مفتشة، أو ناظرة في وزارة المعارف؛ أو مؤلفة كتب وروايات، أو محررة في صحيفة من الصحف. ولا يصغرن عندك شأن هذه المعجزة فهي والله معجزة مادام يتحقق بها خروج الفتاة من حكم الطبيعة عليها وبقاؤها في الاجتماع المصري امرأة بلا تأنيث، أو انقلابها فيه رجلا بلا تذكير! وكيف لا يكون من المعجزات أن تأليف رواية قد أغنى عن تأليف أسرة؛ وان فتاة تعيش وتموت ما ولدت للأمة ألا مقالات. . .؟ فقلت: يا صاحبي، دع هؤلاء وخذ الآن في حديث الطائشة الخارجة على التقاليد، وقد قلت إنها عرضت لك كما يعرض المصارع للمصارع. قال: عرضت لي تريد أن تصرفني كيف شاءت، فنبوت في يدها؛ فزادت إلى رغبتها إصرارها على هذه الرغبة، فالتويت عليها؛ فزادت أليهما خشية اليأس والخيبة، فتعسرت معها؛ فزادت إلى هذه كلها ثورة كبريائها، فلم أتسهل؛ فأنهت من كل ذلك بعد الرغبة الخيالية التي هي أول العبث والدلال، إلى الرغبة الحقيقية التي هي أول الحب والهوى: رغبة تعذيبي بها لأنها متعذبة بي. ثم ردتها الطبيعة صاغرة إلى حقائقها السلبية، فإذا الكبرياء فيها إنما كانت خضوعا يتراءى بالعصيان، وإذا الرغبة في تعذيب الرجل إنما كانت التماسا لأن تنعم به، وإذا الإصرار على إخضاع الرجل وإذلاله إنما كان إصرارا على تجرئته ودفعه أن يستبد ويملك. وردتها الطبيعة إلى هذه الحقيقة النسوية الصريحة التي بنيت المرأة عليها شاءت أم أبت وهي أن تعاني وتصبر على ما تعاني! أما أنا فأحببتها حباً عقلياً، وكان هذا يشتد عليها، لأنه إشفاق لا حب؛ وكانت إذا سألتني عن أمر ترتاب فيه قالت: اجبني بلسان الصدق لا بلسان الشفقة. وكانت تقول: إن في عينيها بكاء لا تستطيع أن تذيله مع الدمع، وسيقتلها هذا البكاء الذي لا يبكى، وقد اتخذت لها في دارها خلوة سمتها: محراب الدمع! قالت: لأنها تبكي فيها بكاء صلاة وحب، لا بكاء حب فقط! ثم طاشت الطيشة الكبرى. . .! قلت: وما الطيشة الكبرى؟ قال: إنها كتبت ألي هذه الرسالة: (عزيزي رغم أنفي). . .

стр. 8432

(لقد أذللتني بشيئين: أحدهما أنك لم تذل لي، وجعلتني على تعليمي اشد جهلاً من الجاهلة. وقد نسيت أن المرأة المتعلمة تعرف ثم تعرف مرتين -: تعرف كيف تخطئ إذا وجب أن تخطئ، أما المعرفة الثانية فتوهمها أنت فكأني قلتها لك. . اعلم (يا عزيزي رغم انفي)، أني إذا لم اكن غريزتك رغم انفك، فسآتي ما يجعلك سلفا ومثلا، وستكتب الصحف عنك أول حادث يقع في مصر عن أول رجل اختطفته فتاة!. وبعد، فقد أرسلت روحي تعانق روحك فهل تشعر بها؟) قال: فوجمت ساعة وتبينت لي خفتها، وظهر لي سفاهها وطيشها، فأسرعت إليها فجئتها فأجدها كالقاضي في محكمته، لا عقل له الأعقل الحكم القانوني الذي لا يتغير، ولا إنسان فيه ألا الإنسان المقيد بمادة كذا إذا حدث كذا، والمادة كذا حين يكون وصف المجرم كذا. . .! فقلت لها أهذا هو العلم الذي تعلمته؟ ألا يكون علم المرأة خليقاً أن يجعل صاحبته ذات عقلين إذا كانت الجاهلة بعقل واحد؟ قالت: العلم؟ قلت: نعم، العلم قالت: يا حبيبي، أن هذا العلم هو الذي وضع المسدس في يد المرأة الأوربية لعاشقها، أو معشوقها! ثم أطرقت قليلاً وتنهدت وقالت: والعلم هو الذي جعل الفتاة هناك تتزوج بإرشاد الرواية التي تقرؤها، ولو انقلب الزواج رواية. . . والعلم هو الذي كشف حجاب الفتاة عن وجهها، ثم عاد فكشف حياء وجهها، وأوجب عليها أن تواجه حقائق الجنس الأخر وتعرفها معرفة علمية. . . . والعلم هو الذي جعل خطأ المرأة الجنسي معفواً عنه مادام في سبيل مواجهة الحقائق لا في سبيل الهرب منها. . . والعلم هو الذي جعل المرأة مساوية للرجل، وأكد لها أن واحداً وواحداً هما واحد وكلاهما أول. . والعلم هو الذي عرى أجسام الرجال والنساء ببرهان أشعة الشمس. . . والعلم يا عزيزي هو العلم الذي محا من العالم لفظة أمس، لا يعرفها وان كانت فيها الأديان والتقاليد. . . قال صاحبها: فقلت لها: كأن العلم إفساد للمرأة! وكأنه تعليم ممراتها ونقائصها، لا تعليم فضائلها ومحاسنها

стр. 8433

قالت: لا، ولكن عقل المرأة هو عقل أنثى دائماً؛ ودائماً عقل أنثى؛ وفي رأسها دائماً جو قلبها، وجو قلبها دائما في رأسها. فإذا لم تكن مدرستها متممة لدارها وما في دارها، تممت فيها الشارع وما في الشارع العلم للمرأة، ولكن بشرط أن يكون الأب وهيبة الأب أمرا مقرراً في العلم، والأخ وطاعة الأخ حقيقة من حقائق العلم، والزوج وسيادة الزوج شيئا ثابتاً في العلم، والاجتماع وزواجره الدينية والاجتماعية قضايا لا ينسخها العلم. بهذا وحده يكون النساء في كل أمة مصانع علمية للفضيلة والكمال والإنسانية، ويبدأ تاريخ الطفل بأسباب الرجولة التامة، لأنه يبدأ من المرأة التامة أما بغير هذا الشرط فالمرأة الفلاحة في حجرها طفل قذر، هي خير للأمة من اكبر أديبة تخرج ذرية من الكتب. . . أنظر - (يا عزيزي رغم أنفي) - هذه الرسالة جاءتني اليوم من صديقتي فلانة الأديبة ال. . . فاسمع قولها: (وأنا أعيش اليوم في الجمال، لأني أعيش في بعض خفايا الحبيب. .) وفي الحياة موت حلو لذيذ؛ عرفت ذلك حينما نسيت نفسي على صدره القوي، وحينما نسيت على صدره القوي صدري. . .) أسمعت يا عزيزي؟ إن كنت لما تعلم أن هذا هو علم اكثر الفتيات المتعلمات حين يكسد الزواج - فاعلمه. ومتى عمى الشعب والحكومة هذا العمى، فإن حرية المرأة لا تكون أبدا إلا حرية الفكرة المحرمة! قلت لصاحبنا: ثم ماذا؟ قال: ثم هذا. . . ودس يده في جيبه فأخرج أوراقاً كتب فيها رواية صغيرة أسماها: (الطائشة) (الرواية في العدد الآتي) (طنطا) مصطفى صادق الرافعي

стр. 8434

لوكريسيا بورجيا صور من عصر الأحياء للأستاذ محمد عبد الله عنان كانت لوكريسيا إلى جانب هذه الرعاية الأدبية التي تبذلها لأقطاب الشعر والأدب، تعاون زوجها في حكم ولايته معاونة قيمة؛ وكانت تتولى إدارة الشؤون العامة أثناء غيابه، وتبدي في تصريفها حزماً وبراعة وكان زواجاً موفقاً في البنين، فقد رزقت لوكريسيا بغلامين أحدهما في سنة ١٥٠٨ ويدعى هرقل، والثاني في العام التالي ويدعى ايبوليت، ورزقت بعد ذلك بعدة أعوام بابنة دعيت ألينور، فغلام ثالث يدعى فرنشيكسو وخاضت إيطاليا مدى حين حروباً أهلية طاحنة، وحملت فيرارا قسطها من هذه المعارك، وتقلبت في صعاب وأزمات شديدة، ولكن لوكريسيا كانت في هذه الأعوام العصيبة مثال الثبات والجلد، وكانت تعمل على تخفيف آلام الشعب ما استطاعت، وكان الشعب يحبها ويعتبرها كالأم الرؤوم وكانت لوكريسيا عندئذ في عقدها الرابع، أماً ناضجة، وكأنما طوت كل مراحل هذه الحياة فتية، وكانت قد اختتمت منذ بعيد هذا العهد الضاحك الذي كان قلبها يشع فيه مرحاً وغبطة، واستقبلت عهداً جديداً تسوده الرزانة والخطورة، ويسوده الزهد والترفع عن متاع هذه الحياة، فكانت في أعوامها الأخيرة في فيرارا تذهب كل صباح إلى (المعترف) أجل، كانت لوكريسيا تقترب بسرعة من الخاتمة المحتومة، ففي ١٤ يونيه سنة ١٥١٩ وضعت لوكريسيا طفلة ميتة، وكانت في اشهر حملها الأخيرة تشكو آلاماً مبرحة؛ وكان الوضع هو الضربة القاضية، إذ اشتدت الآلام والمرض، وشعرت بقضائها يدنو؛ فأملت في يوم ٢٢ يونيه خطاباً وجهته إلى البابا ليون العاشر، وفيه تلتمس من البابا أن يباركها في عبارات بليغة مؤثرة؛ وبعد ذلك بيومين فقط، كان القضاء المحتوم، وصعدت إلى بارئها تلك الروح الوثابة الساطعة، وأغلقت لوكريسيا بورجيا عينيها الساحرتين إلى الأبد، وقد أشرفت فقط على الأربعين من عمرها هكذا كانت حياة تلك التي أثارت في عصرها بشخصيتها الساحرة وحياتها الساطعة كثيراً

стр. 8435

من الحب والعطف، والنقمة والروع؛ ثم غدت سيرتها بعد ذلك على كل العصور مستقى لكثير من القصص الشائق المثير معاً والآن، وقد فرغنا من تتبع هذه الحياة في أدوارها المختلفة، نعود فنحاول أن نتلمس فيها مواطن الحقيقة والخيال هل كانت لوكريسيا بورجيا تلك التي تصفها الرواية المعاصرة شيطاناً للرذيلة والإثم؟ وهل كانت تلك البغي السافلة التي تتقلب بين اذرع أبيها وأخويها؟ أم هل كانت ضحية اتهام شائن تمليه الخصومة والحقد؟ إن هذه التهم الشائنة التي تنسبها الرواية والقصة إلى لوكريسيا بورجيا، والتي أشرنا أليها فيما تقدم ترجع إلى الروايات المعاصرة ذاتها، وهذا ما يسبغ عليها مسحة من القوة؛ وقد رأينا كيف أن بور كارت مدير التشريفات البابوية يثبتها في مذكراته كوقائع حقيقية، وقد كان بور كارت بمركزه واتصاله المستمر باسكندر السادس وأفراد أسرته، ممن يستطيعون الوقوف على الحقائق من مصادرها وقد حذا حذو بور كارت عدة من المؤرخين والرواة المعاصرين مثل جويشارديني المؤرخ والسياسي البارع، وقد كان من أعلام العصر؛ فهو يردد في كتابه (تاريخ إيطاليا) معظم التهم والآثام التي نسبت إلى لوكريسيا وإلى إلهها ومن أدلة الاتهام المعاصر أيضاً وثيقة خطيرة، هي خطاب كتب في سنة ١٥٠١، ووجهه كاتبه إلى سيلفيو سافيللي، وهو أحد النبلاء الإقطاعيين الذين نزع اسكندر السادس أملاكهم؛ وكان ذلك الحين يقيم في بلاط إمبراطور ألمانيا مستجيراً به؛ ولم يعرف كاتب الخطاب، ولكن ذكر في ختامه أنه حرر في تار انتو في المعسكر الملكي (الإسباني) وفي هذا الخطاب يعدد الكاتب آثام اسكندر السادس وآل بورجيا، ويتحدث عن أطماعهم وجرائمهم السياسية والاجتماعية، وعما يرتكبونه من صنوف العيث والفجور والهتك، وعن انتهاكهم لكل الحرمات الدينية والاجتماعية وسحقهم لكل مبادئ الحياة والحشمة؛ ويتحدث بنوع خاص عن شيزاري بورجيا وجرائمه الدموية، وعن لوكريسيا وعلائقها الأثيمة مع أبيها أخويها، وعن الحفلات الخليعة الشائنة التي يقيمها البابا وأبناؤه، ويخص بالذكر حادثة الليلة العارية التي اجتمع فيها خمسون من غانيات رومة عراة أمام البابا وأولاده وارتكب

стр. 8436

فيها من صنوف الفحش المثير ما ارتكب وما أشرنا إليه فيما تقدم؛ ويتحدث بوجه عام عن حالة المجتمع الروماني في ذلك الحين وما بثه إليه آل بورجيا من صنوف الفساد والآثم والروع؛ كل ذلك في إفاضة ومنطق قوي يدل على تمكن الكاتب من الشؤون التي يتناولها وقد ترجم هذا الخطاب الذي يعرف بخطاب (سافيللي) إلى معظم اللغات الأوربية ونشر في سنة ١٥٠٢ في جميع العواصم، وكان له وقع هائل في إيطاليا، وفي أوربا كلها؛ وسجلته أيضا جميع التواريخ والروايات المعاصرة ويرى المؤرخ الألماني جريجوروفيوس في كتابه (تاريخ رومة في العصور الوسطى) في هذا الخطاب وثيقة حقيقية تمثل صورة رومة في عصر آل بورجيا، وأنه لا تفضلها وثيقة أخرى في تصوير سياستهم الفاجرة، وما بثوه من الروع في المدينة على يد أعوانهم وجواسيسهم وترى هذه التهم ماثلة لا في الروايات المعاصرة فقط، ولكن في كثير من الكتب والرسائل السياسية المعاصرة، وفي شعر بعض أكابر الشعراء المعاصرين ومازالت سيرة آل بورجيا، وسيرة لوكريسيا، بما يتخللها من تلك الصور المروعة المثيرة، حتى العصر الحديث مستقى القصص والشعر؛ وقلما يخترع القصص أو الشعر فيها شيئاً لم تدونه الروايات المعاصرة؛ ومع ذلك فإن هذه القطع القصصية أو الشعرية تقوم على كثير من الوقائع الغرقة أو الخيالية المحضة التي لا يستطيع المؤرخ أن يقف بها مثال ذلك ما كتبه اسكندر ديما عن (آل بورجيا) في كتابه (الجرائم الشهيرة)، فقد تناول سيرة آل بورجيا ولوكريسيا في فصل طويل فياض بالوقائع والصور المدهشة، وقدم لنا اسكندر السادس، وابنه شيزارى، وابنته لوكريسيا في أروع الصور وأسفلها: طغمة من الأبالسة، تسحق الحياة البشرية تحت أقدامها، وتبث الدمار والموت في أرجاء المدينة الخالدة، بالسم والخنجر وكل وسيلة آثمة؛ وقدم ألينا لوكريسيا في صورة بغي سافلة، تعاشر آباها وأخويها، وجمعاً كبيراً من الصحب والخلان ووضع فكتور هو جر قطعته المسرحية الخالدة (لوكريسيا بورجيا) فجاءت خلاصة من تلك الروايات المغرقة المعاصرة، ولا بأس من أن نقدم خلاصتها ليرى القارئ كيف أن الشاعر لم يلحظ في مادته إلا أن تكون مثار السحر والروع:

стр. 8437

هي قطعة نثرية في ثلاثة فصول، خلاصتها أن عدة سفراء فتيان من فلورنس شهدوا في مدينة البندقية (فينزيا) مرقصاً محجباً، كانت تمثل فيه لوكريسيا بورجيا محجبة؛ وكان معهم فتى يدعى جنارو، وهو فتى مجهول النشأة لا يعرف له أماً ولا أباً. وجلس الفتية الفلرنسيون يتحدثون عن آل بورجيا ويرددون ما يذاع عنهم من قصص القتل والأثام الشنيعة؛ وجلس جنارو إلى جانبهم وقد أخذته سنة من النوم؛ وبعد هنيهة قدمت امرأة محجبة، وهوت على جنارو تقبله فاستيقظ من نومه. من هي؟ هي لوكريسيا، وهي أمه، وهو ولدها الطبيعي؛ ولم تستطع حين رؤيته أن تقاوم هذه اللذة. ورفعت لوكريسيا قناعها خلسة؛ ولكن الفتية الفلرنسيين رأوها وعرفوها، وظنوها خليلته، واعتزموا زيارتها معه في فيرارا مقامها. وظن زوجها (دوق فيرارا) أن جنارو صاحبها، فأمر بالقبض عليه، وأراد أن يرغم لوكريسيا على إعدامه بيديها بحجة أنه أهان اسم آل بورجيا وذلك بإزالة بعض حروفه المنقوشة على شرفة القصر؛ ونفذ الدوق مشروعه فعلاً، فأرغم لوكريسيا على أن تضع السم في كأس جنارو، وان تقدمه أليه. ولما شرب الفتى الكأس المسمومة، تركهما الدوق؛ فبادرت لوكريسيا إلى إنقاذ جنارو، وقدمت له الترياق؛ فتردد الفتى لأنه كان يعتبرها اشد أجراما من الدوق، ولكنه شرب الترياق أخيرا ونجا من الموت أرادت لوكريسيا أن تنتقم من الفتيان الفلرنسيين الذين عرفوها وأذاعوا اسمها، فاحتالت لدعوتهم إلى العشاء عند إحدى صاحباتها، وبينما هم في ارق لحظات المرح، إذا بهم يسمعون أناشيد الحزن، ومن ورائهم صف من الرهبان والنعوش، فاعتقد الفتيان أنها مزحة مدبرة، ولكنها كانت الحقيقة الرائعة؛ ذلك أنهم تناولوا السم في الطعام والشراب، ولم يبق بينهم وبين الموت سوى لحظات، ولكن شاء نكد الطالع أن يكون بينهم جنارو! فتقدم إلى لوكريسيا يطلب نعشه؛ فذهلت لوكريسيا، وحاولت أن تبادر إلى إنقاذه، ولكنه لم يقبل، ولم يمهلها حتى اخرج خنجره، وما كاد يطعنها حتى صاحت: (إني أمك!) هذه هي خلاصة قطعة هوجر المسرحية الخالدة التي مازالت منذ قرن تسحر ملايين النظارة، وهي كما ترى قطعة من الخيال المغرق لم يراع الشاعر فيها شيئاً من التاريخ الحق ومع ذلك فإن ما كتبه اسكندر ديما وهو جر إنما هو أنموذج فقط لمئات السير والقصص

стр. 8438

التي كتبت عن لوكريسيا بمختلف اللغات، وكلها نماذج للخيال المغرق والقصص المثيرة بيد أننا نرى في عصرنا مؤرخاً بارعاً هو العلامة الفرنسي فرانز فونك برنتانو، يحاول في كتابه الذي أشرنا إليه من قبل اكثر من مرة أن ينتزع شخصية لوكريسيا بورجيا من تلك الغمر المروعة التي أحاطت بسيرتها، وان يمحص تلك الروايات المغرقة التي امتزجت بحياتها، وان يرد كثيراً من التهم التي نسبت إليها وفي رأي هذا المؤرخ البارع، الذي يدعم عرضه في معظم الأحيان بمنطق خلاب، أن التاريخ قد ظلم لوكريسيا أشنع ظلم، وان هذه الفتاة التي صورتها الروايات المعاصرة بغياً فاجرة، لم تكن سوى ضحية وأداة ذلول في يد أبيها وأخيها، وأنها كانت تدفع دفعاً إلى مشاطرة هذه الحياة المثيرة التي كانت تنتظم في قصر الفاتيكان، ولكنه يرد عنها تهم الفجور الشنيعة التي نسبت إليها؛ ولاسيما تهمة عشرة أبيها وأخيها، ويرتاب في أقوال بور كارت وغيره من الرواة المعاصرين، ويرى أن هذه التهم ترجع في الأصل إلى الحملة القاذفة التي شهرها جان سفورزا زوج لوكريسيا الأول عليها انتقاماً لفصله منها، والى الحملات القاذفة التي دبرت أيضا ضدها وضد آلها في بلاط نابل على اثر مقتل زوجها الثاني الفونسو الأرجوني، وهي حملات ظهر أثرها في نظم الشعراء المعاصرين الذين يغذيهم بلاط نابل ويصور لنا برنتانو لوكريسيا فتاة ناعمة وافرة السحر والرقة، وافرة الذكاء والحزم، ويصورها لنا في فيرارا أميرة رفيعة الخلال تحمي الأدب والفنون، ويكاد يصورها لنا في أعوامها الأخيرة قديسة فياضة الورع والتقوى وكتاب برنتانو قطعة بديعة من التدليل التاريخي، وقد يدفع بدقة منطقه كثيراً من التهم التي نسبت إلى ابنة اسكندر السادس؛ ولكنه مع ذلك لم يستطع أن يهدم كثيراً من العناصر الأساسية التي تمثل في هذا الاتهام ومع إننا بالرغم من محاولة برنتانو البديعة، مازلنا نؤثر ناحية الاتهام في سيرة لوكريسيا بورجيا، فأنا نميل مع برنتانو إلى الاعتقاد بأن كثيراً من الإغراق والمبالغة يشوب تلك الصور المروعة الآثمة التي تركتها لنا سير العصر، عن تلك الشخصية الباهرة المظلمة معاً

стр. 8439

(تم البحث) محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 8440

التربية الخلقية والاجتماعية في المدرسة للأستاذ فخري أبو السعود في كلمة سابقة بهذا العنوان ذكرت أن الوسيلة الوحيدة لتحقيق مدارسنا الغرض الأسمى من التربية - وهو التربية الخلقية الاجتماعية - هي خلق مجتمع راق في المدرسة يساهم فيه الطالب ويكتسب فيه من محمود الصفات الخلقية ومقتضيات الحياة الاجتماعية ما تخرجه إلى المجتمع عارفاً بمطالبه، مزوداً بالمؤهلات التي تساعده على الاندماج فيه والنجاح في معتركه وأعود الآن إلى بيان مزايا هذا المجتمع الواجب خلقه في المدرسة، فمزاياه لا تقتصر على اختلاط الطلاب بعضهم ببعض لحميد الأغراض، بل تشمل أيضا اختلاطهم بالمعلمين، وهو أمر لازم للتربية الصحيحة؛ إذ من طبيعة الناشئين الاقتداء بمن اكبر منهم واخبر، ومن طبيعة المواهب الإنسانية العقلية والخلقية ألا تنمو وتسمو إلا بتقليد أولئك الذين ينظر إليهم الناشئ نظرة إكبار، ويحسن فيهم الاعتقاد، وتنزع نفسه إلى التشبه بهم وهذا الاختلاط الجم المزايا بين الطلاب ومعلمهم سائد في معاهد إنجلترا من المدارس الصغيرة إلى الجامعات الكبيرة، وأثره في تربية الناشئة الإنجليزية اعظم من اثر كل ما يلقى في حجرات الدراسة من معلومات؛ فالمعلمون يعاملون طلابهم معاملة الزملاء الصغار أو الأقرباء الناشئين، وبهذه الروح يناقشونهم في أوقات الدراسة، ويشاركونهم ألعابهم وحفلاتهم، ويكن المعلمين لطلابهم العطف، ويكن الطلاب لمعلميهم الاحترام، وتسود معاملة الفريقين البساطة التامة، واعظم بما لذلك من اثر في تربية الرجولة والصراحة والاعتداد بالنفس بين الناشئين.! أما في مدارسنا فالهوة بين المعلمين والطلاب سحيقة، والنفرة شديدة: لا يفهم المعلم من نفسية كل طالب شيئاً كثيراً، ولا يعطف ألا النادر منهم، ولا يعلم الطلاب عن معلمهم غير ما يثرثره عليهم من معلومات لا تنتهي إلا بانتهاء السنة المدرسية، ولا يضمرون له حباً ولا ميلاً، بل يستحكم العداء بين الفريقين أحيانا إذا كان الطلاب ضعفاء في مواد الدراسة، أو كان المدرس شديدا ملتزماً للجد، وقد استحال أن يسود الود الذي هو اجدر أن يسود بين المربي والمتربي، فمن معلمينا من يأبى من التبسط مع طلابه، ومنهم من يود لو فعل فيرده علمه بما يجر إليه ذلك من فساد درسه، إذ يندفع الطلاب وراء الهزل ويسيئون المسلك
следующие страницы →