← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8436–8475 · переход к 8441.

стр. 8436

فيها من صنوف الفحش المثير ما ارتكب وما أشرنا إليه فيما تقدم؛ ويتحدث بوجه عام عن حالة المجتمع الروماني في ذلك الحين وما بثه إليه آل بورجيا من صنوف الفساد والآثم والروع؛ كل ذلك في إفاضة ومنطق قوي يدل على تمكن الكاتب من الشؤون التي يتناولها وقد ترجم هذا الخطاب الذي يعرف بخطاب (سافيللي) إلى معظم اللغات الأوربية ونشر في سنة ١٥٠٢ في جميع العواصم، وكان له وقع هائل في إيطاليا، وفي أوربا كلها؛ وسجلته أيضا جميع التواريخ والروايات المعاصرة ويرى المؤرخ الألماني جريجوروفيوس في كتابه (تاريخ رومة في العصور الوسطى) في هذا الخطاب وثيقة حقيقية تمثل صورة رومة في عصر آل بورجيا، وأنه لا تفضلها وثيقة أخرى في تصوير سياستهم الفاجرة، وما بثوه من الروع في المدينة على يد أعوانهم وجواسيسهم وترى هذه التهم ماثلة لا في الروايات المعاصرة فقط، ولكن في كثير من الكتب والرسائل السياسية المعاصرة، وفي شعر بعض أكابر الشعراء المعاصرين ومازالت سيرة آل بورجيا، وسيرة لوكريسيا، بما يتخللها من تلك الصور المروعة المثيرة، حتى العصر الحديث مستقى القصص والشعر؛ وقلما يخترع القصص أو الشعر فيها شيئاً لم تدونه الروايات المعاصرة؛ ومع ذلك فإن هذه القطع القصصية أو الشعرية تقوم على كثير من الوقائع الغرقة أو الخيالية المحضة التي لا يستطيع المؤرخ أن يقف بها مثال ذلك ما كتبه اسكندر ديما عن (آل بورجيا) في كتابه (الجرائم الشهيرة)، فقد تناول سيرة آل بورجيا ولوكريسيا في فصل طويل فياض بالوقائع والصور المدهشة، وقدم لنا اسكندر السادس، وابنه شيزارى، وابنته لوكريسيا في أروع الصور وأسفلها: طغمة من الأبالسة، تسحق الحياة البشرية تحت أقدامها، وتبث الدمار والموت في أرجاء المدينة الخالدة، بالسم والخنجر وكل وسيلة آثمة؛ وقدم ألينا لوكريسيا في صورة بغي سافلة، تعاشر آباها وأخويها، وجمعاً كبيراً من الصحب والخلان ووضع فكتور هو جر قطعته المسرحية الخالدة (لوكريسيا بورجيا) فجاءت خلاصة من تلك الروايات المغرقة المعاصرة، ولا بأس من أن نقدم خلاصتها ليرى القارئ كيف أن الشاعر لم يلحظ في مادته إلا أن تكون مثار السحر والروع:

стр. 8437

هي قطعة نثرية في ثلاثة فصول، خلاصتها أن عدة سفراء فتيان من فلورنس شهدوا في مدينة البندقية (فينزيا) مرقصاً محجباً، كانت تمثل فيه لوكريسيا بورجيا محجبة؛ وكان معهم فتى يدعى جنارو، وهو فتى مجهول النشأة لا يعرف له أماً ولا أباً. وجلس الفتية الفلرنسيون يتحدثون عن آل بورجيا ويرددون ما يذاع عنهم من قصص القتل والأثام الشنيعة؛ وجلس جنارو إلى جانبهم وقد أخذته سنة من النوم؛ وبعد هنيهة قدمت امرأة محجبة، وهوت على جنارو تقبله فاستيقظ من نومه. من هي؟ هي لوكريسيا، وهي أمه، وهو ولدها الطبيعي؛ ولم تستطع حين رؤيته أن تقاوم هذه اللذة. ورفعت لوكريسيا قناعها خلسة؛ ولكن الفتية الفلرنسيين رأوها وعرفوها، وظنوها خليلته، واعتزموا زيارتها معه في فيرارا مقامها. وظن زوجها (دوق فيرارا) أن جنارو صاحبها، فأمر بالقبض عليه، وأراد أن يرغم لوكريسيا على إعدامه بيديها بحجة أنه أهان اسم آل بورجيا وذلك بإزالة بعض حروفه المنقوشة على شرفة القصر؛ ونفذ الدوق مشروعه فعلاً، فأرغم لوكريسيا على أن تضع السم في كأس جنارو، وان تقدمه أليه. ولما شرب الفتى الكأس المسمومة، تركهما الدوق؛ فبادرت لوكريسيا إلى إنقاذ جنارو، وقدمت له الترياق؛ فتردد الفتى لأنه كان يعتبرها اشد أجراما من الدوق، ولكنه شرب الترياق أخيرا ونجا من الموت أرادت لوكريسيا أن تنتقم من الفتيان الفلرنسيين الذين عرفوها وأذاعوا اسمها، فاحتالت لدعوتهم إلى العشاء عند إحدى صاحباتها، وبينما هم في ارق لحظات المرح، إذا بهم يسمعون أناشيد الحزن، ومن ورائهم صف من الرهبان والنعوش، فاعتقد الفتيان أنها مزحة مدبرة، ولكنها كانت الحقيقة الرائعة؛ ذلك أنهم تناولوا السم في الطعام والشراب، ولم يبق بينهم وبين الموت سوى لحظات، ولكن شاء نكد الطالع أن يكون بينهم جنارو! فتقدم إلى لوكريسيا يطلب نعشه؛ فذهلت لوكريسيا، وحاولت أن تبادر إلى إنقاذه، ولكنه لم يقبل، ولم يمهلها حتى اخرج خنجره، وما كاد يطعنها حتى صاحت: (إني أمك!) هذه هي خلاصة قطعة هوجر المسرحية الخالدة التي مازالت منذ قرن تسحر ملايين النظارة، وهي كما ترى قطعة من الخيال المغرق لم يراع الشاعر فيها شيئاً من التاريخ الحق ومع ذلك فإن ما كتبه اسكندر ديما وهو جر إنما هو أنموذج فقط لمئات السير والقصص

стр. 8438

التي كتبت عن لوكريسيا بمختلف اللغات، وكلها نماذج للخيال المغرق والقصص المثيرة بيد أننا نرى في عصرنا مؤرخاً بارعاً هو العلامة الفرنسي فرانز فونك برنتانو، يحاول في كتابه الذي أشرنا إليه من قبل اكثر من مرة أن ينتزع شخصية لوكريسيا بورجيا من تلك الغمر المروعة التي أحاطت بسيرتها، وان يمحص تلك الروايات المغرقة التي امتزجت بحياتها، وان يرد كثيراً من التهم التي نسبت إليها وفي رأي هذا المؤرخ البارع، الذي يدعم عرضه في معظم الأحيان بمنطق خلاب، أن التاريخ قد ظلم لوكريسيا أشنع ظلم، وان هذه الفتاة التي صورتها الروايات المعاصرة بغياً فاجرة، لم تكن سوى ضحية وأداة ذلول في يد أبيها وأخيها، وأنها كانت تدفع دفعاً إلى مشاطرة هذه الحياة المثيرة التي كانت تنتظم في قصر الفاتيكان، ولكنه يرد عنها تهم الفجور الشنيعة التي نسبت إليها؛ ولاسيما تهمة عشرة أبيها وأخيها، ويرتاب في أقوال بور كارت وغيره من الرواة المعاصرين، ويرى أن هذه التهم ترجع في الأصل إلى الحملة القاذفة التي شهرها جان سفورزا زوج لوكريسيا الأول عليها انتقاماً لفصله منها، والى الحملات القاذفة التي دبرت أيضا ضدها وضد آلها في بلاط نابل على اثر مقتل زوجها الثاني الفونسو الأرجوني، وهي حملات ظهر أثرها في نظم الشعراء المعاصرين الذين يغذيهم بلاط نابل ويصور لنا برنتانو لوكريسيا فتاة ناعمة وافرة السحر والرقة، وافرة الذكاء والحزم، ويصورها لنا في فيرارا أميرة رفيعة الخلال تحمي الأدب والفنون، ويكاد يصورها لنا في أعوامها الأخيرة قديسة فياضة الورع والتقوى وكتاب برنتانو قطعة بديعة من التدليل التاريخي، وقد يدفع بدقة منطقه كثيراً من التهم التي نسبت إلى ابنة اسكندر السادس؛ ولكنه مع ذلك لم يستطع أن يهدم كثيراً من العناصر الأساسية التي تمثل في هذا الاتهام ومع إننا بالرغم من محاولة برنتانو البديعة، مازلنا نؤثر ناحية الاتهام في سيرة لوكريسيا بورجيا، فأنا نميل مع برنتانو إلى الاعتقاد بأن كثيراً من الإغراق والمبالغة يشوب تلك الصور المروعة الآثمة التي تركتها لنا سير العصر، عن تلك الشخصية الباهرة المظلمة معاً

стр. 8439

(تم البحث) محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 8440

التربية الخلقية والاجتماعية في المدرسة للأستاذ فخري أبو السعود في كلمة سابقة بهذا العنوان ذكرت أن الوسيلة الوحيدة لتحقيق مدارسنا الغرض الأسمى من التربية - وهو التربية الخلقية الاجتماعية - هي خلق مجتمع راق في المدرسة يساهم فيه الطالب ويكتسب فيه من محمود الصفات الخلقية ومقتضيات الحياة الاجتماعية ما تخرجه إلى المجتمع عارفاً بمطالبه، مزوداً بالمؤهلات التي تساعده على الاندماج فيه والنجاح في معتركه وأعود الآن إلى بيان مزايا هذا المجتمع الواجب خلقه في المدرسة، فمزاياه لا تقتصر على اختلاط الطلاب بعضهم ببعض لحميد الأغراض، بل تشمل أيضا اختلاطهم بالمعلمين، وهو أمر لازم للتربية الصحيحة؛ إذ من طبيعة الناشئين الاقتداء بمن اكبر منهم واخبر، ومن طبيعة المواهب الإنسانية العقلية والخلقية ألا تنمو وتسمو إلا بتقليد أولئك الذين ينظر إليهم الناشئ نظرة إكبار، ويحسن فيهم الاعتقاد، وتنزع نفسه إلى التشبه بهم وهذا الاختلاط الجم المزايا بين الطلاب ومعلمهم سائد في معاهد إنجلترا من المدارس الصغيرة إلى الجامعات الكبيرة، وأثره في تربية الناشئة الإنجليزية اعظم من اثر كل ما يلقى في حجرات الدراسة من معلومات؛ فالمعلمون يعاملون طلابهم معاملة الزملاء الصغار أو الأقرباء الناشئين، وبهذه الروح يناقشونهم في أوقات الدراسة، ويشاركونهم ألعابهم وحفلاتهم، ويكن المعلمين لطلابهم العطف، ويكن الطلاب لمعلميهم الاحترام، وتسود معاملة الفريقين البساطة التامة، واعظم بما لذلك من اثر في تربية الرجولة والصراحة والاعتداد بالنفس بين الناشئين.! أما في مدارسنا فالهوة بين المعلمين والطلاب سحيقة، والنفرة شديدة: لا يفهم المعلم من نفسية كل طالب شيئاً كثيراً، ولا يعطف ألا النادر منهم، ولا يعلم الطلاب عن معلمهم غير ما يثرثره عليهم من معلومات لا تنتهي إلا بانتهاء السنة المدرسية، ولا يضمرون له حباً ولا ميلاً، بل يستحكم العداء بين الفريقين أحيانا إذا كان الطلاب ضعفاء في مواد الدراسة، أو كان المدرس شديدا ملتزماً للجد، وقد استحال أن يسود الود الذي هو اجدر أن يسود بين المربي والمتربي، فمن معلمينا من يأبى من التبسط مع طلابه، ومنهم من يود لو فعل فيرده علمه بما يجر إليه ذلك من فساد درسه، إذ يندفع الطلاب وراء الهزل ويسيئون المسلك

стр. 8441

وينسون الدرس، لان ناشئتنا من الجهل بآداب الاجتماع بحيث لا يعلمون معنى القصد في الأمور، ولا يقنعون إذا تركوا وشأنهم بما دون الإمعان في العبث ونتيجة هذه الحال السائد في مدارسنا أن معظم الطلاب - سواء متقد موهم في العلوم ومتخلفوهم - يغادرون المدارس وهم مزيج من الخجل والتبجح والغرور والنفاق، إذا انفرد أحدهم رايته على جانب كبير من الخجل والعجز والحصر، وإذا اجتمعت فئة منهم ارتد خجلهم تبجحاً وحصرهم صخباً وعجزهم جرأة على الفساد؛ وبينما تؤدي العلاقة بين المعلم والمتعلم في إنجلترا إلى صداقة مثمرة في مستقبل الحياة تنبت الصلة بين المعلم والطالب عندنا بانتهاء العام الدراسي، حتى لقد يتقابل الاثنان فيتغاضى الطالب عن معلمه، أو يخاطبه في لهجة جريئة متطاولة، وفي كلتا الحالين لا يأسي المرء ألا على ما بهذا المسلك من دلالة على فشل التربية وعبث المجهود المنفق فيها. والعلة في هذا ترجع إلى نظام مدارسنا التي تجعل ملء الرؤوس بالمعلومات الغاية الكبرى بل الوحيدة من التعليم، فتشغل كل أوقات المدرسة بها، فيرى المدرس - المرهق ببرنامج حافل - وقته أضيق من أن يصرف جانباً منه في مباسطة طلابه ومناقشتهم في شتى الشؤون العامة التي تمت إلى الحياة وتشغل بال كل ذي حظ من الإنسانية ونصيب من الثقافة، فتنقطع الصلة الإنسانية بين المعلم والطالب، ويترك الطلبة وأنفسهم يشبعون تلك الرغبة الفطرية في التنافس وتبادل الأفكار بثرثرتهم في أوقات الفراغ - وأوقات الدروس إن استطاعوا - ولما كانوا قد عدموا إرشاد المدرس بفكره الذي هو أرقى وشخصيته التي هي أقوى من شخصياتهم وأفكارهم فإنهم يتجهون عادة إلى السفساف من الأمور، ويألفون الثرثرة الفارغة التي لا نهاية لها ولا غاية، ويختارون قدواتهم في الحياة من خارج المدرسة أخذيها عن شخصيات قد لا تكون جديرة بالإعجاب أو محمودة التقليد أما مخالطة الطلاب لمعلميهم فأنها - فضلاً عن صقلها لآداب المعاملة وحسن الذوق بينهم وعما تنميه فيهم من صفات الرجولة - تفتق أذهانهم وتسمو بهم إلى درجات من التفكير عالية، وتلقي ضوءاً على مواهب كل منهم وميوله، وتفسح أمامهم المطامع، وتبعث فيهم شتى الغايات يجعلونها نصب أعينهم في الحياة، على حين لا تتجاوز مطامع ألا كثرين منهم اليوم اجتياز الامتحان ونيل الشهادة

стр. 8442

ولقد عهد في السنوات الأخيرة إلى المعلمين بمدارسنا بمراقبة الجمعيات المدرسية، ولكن هذه الجمعيات أنشئت دون أن يفسح لها موضع من أوقات الطلاب والمدرسين المغلولي الأيدي في المناهج الطويلة، فلم تجتذب من الطلاب إلا القليلين، وزهد في رقابها المدرسون لأنها جاءت زيادة على أعمالهم المتراكمة، فلم تؤدي تلك الجمعيات الأغراض المنشودة، ولم تكن غير إرهاق على إرهاق، وستظل كذلك ما لم تزحزح المواد الدراسية عن مكانها القدسي الذي تتبوأه في مدارسنا هذا، وليس أن يطلب من المدرس أن يكون مثلاً أعلى في الإنسانية، أو بحراً في العلم، أو نصف آله، لكي يؤدي مهمته في تربية الطلاب الخلقية والاجتماعية، بل يكفي لينهج بهم النهج القويم أن يكون مستقيم السيرة متنور الذهن مخلصاً في عمله، وهذا هو الغالب بين مدرسينا، وما يحتاج الأمر ألا إلى رفع عبء المواد الدراسية التي تثقل كواهل المعلمين والمتعلمين وتشغل كل أوقاتهم، وإفساح المكان لمجتمع في المدرسة يكون صورة صغيرة للمجتمع العام خارجها إن إيجاد هذا المجتمع الحي الراقي بين جدران المدرسة هو الوسيلة الوحيدة لنجاح مهمتها، وإعداد الناشئين للمجتمع الأكبر خارجها، وترقية ذلك المجتمع الخارجي جيلاً بعد جيل، ولن تؤدي مدرسة مهمة التربية حتى يحيا الطلاب فيها حياة اجتماعية، ولن يؤدي المعلم واجبه حتى يمنح الفرصة لمخالطة طلابه مخالطة الإنسان المستنير للإنسان المستنير، ويحل هذا محل العلاقة الإلية الجافة القائمة بينهما اليوم، وبهذه الحياة الاجتماعية المدرسية يؤدي المدرس وظيفته (الروحية) التي أشار أليها تقرير معالي وزير المعارف فخري أبو السعود المدرس بالعباسية الثانوية

стр. 8443

المنسوجات الإسلامية المصرية ومعرض جوبلان بباريس للدكتور زكي محمد حسن الأمين العلمي لدار الآثار العربية افتتح صاحب الفخامة رئيس الجمهورية الفرنسية في ١٧ من مايو معرضاً للمنسوجات الإسلامية المصرية أقامته متاحف جوبلان للقطع الأثرية التي بعثت بها إلى باريس دار الآثار العربية من مجموعتها النفسية، وزاد المعرض نجاحاً أن صاحب الجلالة مولانا الملك كان قد تفضل فأذن لجناب المسيو (فييت) أن يأخذ لهذا المعرض سبع عشرة قطعة من المجموعة الملكية الفاخرة، فأتيح للجمهور الباريسي أن يعجب ببدائع منتجات الفن الإسلامي، وان يرى من آيات صناعة النسج الإسلامية قطعاً منقطعة النظير ويعرف القراء أن صناعة النسيج كانت زاهرة على ضفاف النيل منذ العصور الأولى، وأنها سارت في سبيل التقدم بخطى واسعة، حتى جاء العصر القبطي فتأثرت بتيارين من المؤثرات البيزنطينية والساسانية ثم فتح العرب مصر، واعتمدوا في أول الأمر على الصناع والفنانين الوطنيين، وأدى ذلك إلى خلق فن إسلامي جميل كان له ازدهار، وكانت له حياة طويلة على عكس التعاون بين الرومان ورعاياهم، ذلك التعاون الذي سار بالفن الهللنستي في طريق السقوط والاضمحلال وظهر في صناعة النسج الإسلامية في مصر تطور منتظم بدا بالاستغناء شيئاً فشيئاً عن الرسوم الحيوانية والآدمية التي كان الكلف بها عظيماً في العصر القبطي، وأخذت الكتابة والزخرفة النباتية والهندسية تلعبان دوراً هاماً في تزيين الأقمشة الإسلامية على أن فن النسج لم يطبع في مصر بطابع إسلامي ظاهر ألا ابتداء من العصر الفاطمي، وفي المتاحف الكبيرة والمجموعات الأثرية كثير من القطع التي ترجع زخرفتها إلى عصر الانتقال من الطراز القطبي إلى الطراز الفاطمي، والتي قد يصعب في بعض الأحيان تمييزها من القطع القبطية. أما القطع التي عليها زخارف طولونية بحتة فإن وجودها نادر، وعلى عكس ذلك القطع التي ترجع إلى عصور الفاطميين والأيوبيين والمماليك

стр. 8444

وصناعة النسج في مصر الإسلامية كانت على نوعين: صناعة ملكية في مصانع حكومية تسمى طرازاً، وصناعة أهلية عليها رقابة حكومية شديدة أما المصانع الحكومية أو الطراز فإن وجودها منذ العصر العباسي يثبته ما وصل ألينا من مصنوعاتها. والمعروف أنه كان هناك نوعان من هذه المصانع الحكومية: الأول طراز الخاصة، وكان لا ينتج ألا للخليفة ورجال بلاطه وخاصته، والثاني طراز العامة، وكان بالرغم من تبعيته لبيت مال الدولة ينتج للتجارة العامة، فضلاً عن إنتاجه لبلاط الخليفة أو الأمير أن دعت الحال. ولفظ طراز مشتق من الفارسية (ترازيدن) بمعنى التطريز وعمل المدبج؛ واصبح بعد ذلك يدل على الملابس الملكية وما يشبه (ملابس التشريفة)، ولاسيما إذا كان يحليها شيء من التطريز أو أشرطة من الكتابة. وما لبث مدلول هذا اللفظ إن اتسع حتى انتهى في العربية والفارسية إلى الدلالة على المصنع والمكان الذي تنسج فيه مثل هذه الأقمشة واحتكار الحكومات لصناعة النسج قديم لسنا نعرف أوليته، ولسنا نستطيع أن نحدد تماماً أين بدأ نظام الطراز على النحو الذي نعرفه في الفنون الإسلامية. فالعلماء مختلفون في اصله، فريق يذهب إلى أنه نشا في بيزنطية، وفريق يظنه أيراني الأصل، كما يحسبه آخرون بابلياً آشوريا على أن مصر عرفت في عهد الفراعنة شيئاً من احتكار صناعة النسج، فقد كانت المصانع ملحقة بالمعابد، وكانت منتجاتها مشهورة في الشرق الأدنى كله، وكانت تدر على المعابد أرباحا وافرة كان الفراعنة يستولون على جزء منها ويحتفظ كهنة المعابد بما يبقى على أن نظام الطراز ما لبث أن انتشر في كافة الأقطار الإسلامية، كسورية والعراق وإيران واسيا الصغرى، وأسبانيا وجزيرة صقلية وكان طراز الخاصة يعمل في نسج الأقمشة اللازمة للخليفة ولكبار رجال الدولة، وحاجة الخلفاء والأمراء إلى الكثير من تلك الأقمشة ناشئة من العادة القديمة التي اتخذوها في الخلع على رجال حاشيتهم وعلى غيرهم من أفراد الرعية مكافأة لهم وإظهارا لرضاهم عنهم وفضلاً عن ذلك كان الخلفاء والأمراء يتبارون في إرسال الكسوة السنوية إلى الكعبة الشريفة من المنسوجات النفيسة التي كانت تصنع عادة في طراز الخاصة بمصر

стр. 8445

لذلك لم يكن غريباً أن يعنى الخلفاء والأمراء بكتابة أسمائهم على هذه الأقمشة الثمينة بلحمة من الذهب أو الفضة أو الخطوط المتعددة الألوان تخليداً لذكراهم ووثيقة لمن خلعت عليه إظهارا لرضاء الأمير، أو على تولي إحدى الوظائف الكبرى في الدولة وكانت الكتابة على الأقمشة تشمل اسم الخليفة وألقابه وبعض عبارات الأدعية، وكثيراً ما كان يذكر فيها اسم المدينة التي فيها الطراز، واسم الوزير، وصاحب الخراج، وناظر الطراز، ومثل ذلك ما كتب على قطعة نسجت للخليفة الأمين محفوظة الآن بدار الآثار العربية ونصه (باسم الله بركة من الله لعبد الله الآمين محمد أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، مما أمر بصنعته في الطراز العامة بمصر على يدي الفضل بن الربيع مولى أمير المؤمنين) أما الصناعة الأهلية فكانت تحمل ضرائب فادحة وتعاني رقابة الحكومة في مراحلها المختلفة، فكان لزاماً أن تختم الأقمشة بالخاتم الرسمي، ولم يكن يتولى البيع أو التجارة ألا تجار تعينهم الحكومة، وعليهم تقييد ما يبيعونه في سجلات رسمية، كما كان لف الأقمشة وحزمها وربطها وشحنها يقوم به عمال حكوميون يتناول كل منهم ضريبة معينة وقد لوحظ أن المراكز الرئيسية لصناعة النسج في مصر كانت في اكثر الأحيان الجهات التي يكثر فيها الأقباط؛ وكان القطن والكتان ينسجان في البلاد المصرية المختلفة ولاسيما في الدلتا يتنيس والإسكندرية وشطا ودمياط ودابيق والفرما، كما اشتهرت أيضا بنسجها مدينة البهنسا أما الأقمشة الحريرية فكانت تنسج في الإسكندرية وفي دابيق؛ وكانت هناك أيضا مصانع للنسج في مدينتي اخميم وأسيوط اللتين كانتا مركزين هامين لصناعة النسج في العصر القبطي، وكانتا تصدران إلى بيزنطة والى بابوات روما كثيراً من الأقمشة النفيسة التي كان يوهب جزء كبير منها إلى الكنائس والأديرة وأما الحرير الصافي فالظاهر أن المصانع المصرية لم تشتغل بنسجه قبل عصر المماليك وقد كان متحف فكتوريا والبرت بلندن، والقسم الإسلامي من متاحف برلين، يفتخران بامتلاكهما اكبر مجموعتين من الأقمشة الإسلامية النفيسة، حتى كشفت دار الآثار العربية في السنين الأخيرة عددا كبيرا جدا من القطع في المقبرة القديمة بين عين الصيرة

стр. 8446

والبساتين، إذ كانت الجثث في المقبرة المذكورة ملفوفة في أقمشة على بعضها أسماء خلفاء عباسيين أو فاطميين، وأصبحت دار الآثار العربية بعد هذه الاكتشافات أغنى متاحف العالم في الأقمشة الإسلامية، كما كانت أغناها في الخشب وفي مشكوات المساجد المموهة بالمينا واكبر الظن أن اكثر ما وجد في الحفريات المصرية من منسوجات قد صنع في مصر نفسها؛ ولسنا نجهل أن الاتصال كان كبيراً بين سورية ومصر في العصور القديمة، وان هذا الاتصال لم يضعف في العصر الإسلامي ألا في فترات قصيرة، وان مقادير كبيرة من الزجاج المموه بالمينا ومن الأواني النحاسية المكفتة بالفضة نقلت إلى مصر، وأنه من المحتمل أن يكون ذلك قد قدر لبعض المنسوجات، لان مصر نفسها كانت من اكبر المراكز لصناعة المنسوجات في الشرق الأدنى وكانت كذلك صقلية خاضعة للخلفاء الفاطميين في شمال أفريقية، ثم ضم الفاطميون إلى ملكهم مصر وسورية، وكانت صناعة النسج زاهرة في جزيرة صقلية حين حكمها العرب، حتى لقد يصعب كثيراً التمييز بين الأقمشة المنسوجة في مصانعها والأقمشة المنسوجة في مصر وسورية. وان صح ما ذكره المقريزي من أن ابنة المعز لدين الله تركت ثلاثين آلف قطعة من نسج صقلية فإن ذلك يدل على كثرة ما كانت تنتجه المصانع الصقلية، ويثبت أن مصر كانت تستورد منها بعض الأقمشة النفيسة، ولكنا نستبعد أن تكون الواردات من الأقمشة الأجنبية إلى مصر قد بلغت شيئاً كثيراً ومهما يكن من شيء فإن تطور صناعة النسج المصرية كان بطيئاً في القرون الثلاثة الأولى من الهجرة، وظلت الزخارف والتقاليد الفنية القبطية غالبة في العصر الإسلامي، فترة قطعاً كثيرة من الصوف أو الكتان ذات زخارف متعددة الألوان أكثرها طيور أو حيوانات أو أشكال آدمية صغيرة في جامات بيضيه الشكل أو متعددة الأضلاع وفيها أشكال هندسية أولية وخطوط متقاطعة ودوائر متماسة، وقد يكون على بعضها صور طيور متقابلة، أو يولي كل منها الأخر ظهره، وكل هذه القطع عليها مسحة قبطية ظاهرة، أكثرها منسوج بطريق (التابستري) - التي لا مجال هنا لشرح تفاصيلها الفنية وتظهر الكتابة على المنسوجات في القرن التاسع، بل هي تظهر في القرن الثامن، وان لم يكن لدينا من دليل يؤيد ذلك ألا القطعة المحفوظة بمتحف فكتوريا والبرت والتي عليها اسم (مرون أمير المو. .) وفي اعتقادنا أن المقصود هنا

стр. 8447

مروان بن محمد أخر خلفاء بني أمية وقد أحصى الأستاذ فييت ما نعرفه في المتاحف والمجموعات الأثرية من قطع المنسوجات التي عليها أسماء الخلفاء العباسيين، فوجد أن هناك واحدة باسم مروان، وواحدة باسم هارون الرشيد، وواحدة باسم الآمين، واثنتين باسم المأمون، وواحدة باسم الواثق، واثنتين باسم المتوكل، واثنتين باسم المستعين، وواحدة باسم المعتز، وواحدة باسم المهتدي، وتسع عشرة قطعة باسم المعتمد، وإحدى وعشرين للمعتضد، وخمس عشرة للمكتفي، وتسعاً وثمانين ومائة للمقتدر، وإحدى عشرة للقاهر، وأربعا وخمسين للراضي، وسبعاً وعشرين للمتقي، أربع قطع للمستكفي، وخمساً وأربعين ومائة للمطيع وفي العصر الطولوني كانت التقاليد الزخرفية القديمة والقبطية لا تزال تسود صناعة النسج. على أن هناك بعض أقمشة عليها زخارف طولونية ظاهرة على النحو الذي نعرفه في زخارف الجامع الطولوني، والأخشاب التي ترجع إلى هذا العهد، وأوضح ما تكون هذه الزخارف على المنسوجات في قطعة بمتحف برلين نشرها الدكتور رسومها بما يسمونه الطراز الأول من زخارف سامرا، وبالزخارف الجصية في المنزل الذي كشف في حفريات دار الآثار العربية منذ ثلاث سنين. وليست هذه القطعة في حالة جيدة من الحفظ، فإن زخرفتها قد سقطت في بعض أجزائها، ولكن من حسن الحظ أن متحف ليزج يمتلك قطعة أخرى من القماش نفسه، زخرفتها احسن حفظاً، واكثر ظهوراً وفي دار الآثار العربية قطع عليها رسوم شديدة الشبه بالزخارف الطولونية مما يجعلنا نرجع أنها ترجع إلى هذا العهد. واجمل هذه القطع معروض الآن في متحف جوبلان وتشمل مجموعة دار الآثار العربية عدداً من قطع النسج بأسماء الأمراء الطولونيين. والمعروف أن الجزية التي كانت ترسلها مصر إلى الخليفة العباسي، ثم الهدايا التي أرسلها ابن طولون إلى الخليفة المعتمد، والتي أرسلها خمارويه من بعده إلى المعتضد، كان فيها شيء كثير من المنسوجات النفيسة؛ ومن هذه القطع واحدة باسم الخليفة المعتمد تاريخها سنة ٢٧٨هـ (٨٩١ م) وتشبه قطعة أخرى باسم المعتمد أيضا وجدتها البعثة الألمانية في سامرا وهي محفوظة الآن بالقسم الإسلامي من متاحف برلين. وهناك قطعة أخرى باسم الخليفة المكتفي بالله، والأمير الطولوني هارون بن خمار يه سنة ٢٩١هـ (٩٠٤ م) وهي

стр. 8448

السنة السابقة لسقوط الدولة الطولونية وظل الخلفاء العباسيين في عهد الإخشيديين يستمدون من مصر اكثر ما يلزمهم من المنسوجات النفيسة المحلاة بكتابات كوفية فيها العبارات والأدعية المعروفة، بيد أن أسماء الوزراء لم تعد تظهر في تلك الكتابات أما في عصر الدولة الفاطمية فقد عظم اهتمام الخلفاء بصناعة النسج، ويروي المقريزي أن دار يعقوب بن كلس وزير الخليفة العزيز بالله نزار حولت بعده إلى مصنع للنسج، وصارت تعرف باسم دار الديباج، وان وظيفة صاحب الطراز كان لا يتولاها ألا أعيان المستخدمين من أرباب العمائم والسيوف، وكانت تحت أمرته معاونون كثيرون ودار للضيافة تسمى (منظرة الغزالة) لا ينزل ألا فيها إذا ترك مقامه بدمياط أو يتنيس وقدم إلى القاهرة، (فتجري عليه الضيافة كالغرباء الواردين على الدولة فيتمثل بين يدي الخليفة بعد حمل الأسفاط المشدودة على تلك الكساوي العظيمة ويعرض جميع ما معه وهو ينبه على شيء فشيء. . . وله في بعض الأوقات التي لا يتسع له الانفصال نائب يصل عنه بذلك غير غريب منه، ولا يمكن أن يكون إلا ولداً أو أخا فإن الرتبة عظيمة. . .) (خطط المقريزي جزء أول ص ٤٦٩ - ٧٠) وقصارى القول أن نظام الطراز بلغ من الجودة والدقة في العصر الفاطمي مبلغاً زاد كثيراً في كمية منتجاته وفي نفاسة نوعها. وقد كانت هناك أصناف من الأقمشة الغالية المشغولة بالحرير لا تنسج إلا للخليفة نفسه، ولكن أفراد الرعية كانوا يحصلون على قطع أخرى نفيسة جداً، فكانت الجلابيب والأقمصة والعمائم والأحزمة تصنع من أقمشة غالية تزينها أشرطة مشغولة بالحرير، اخذ حجمها في الزيادة حتى صارت في القرن الثاني عشر تغطي اكثر الأرضية الكتانية في الأقمشة وكثيراً ما أمر الخلفاء بصناعة منسوجات فاخرة لإهدائها إلى الأمراء والملوك الذين كانوا يخطبون ودهم أو تربطهم بهم علاقات الصداقة وحسن الجوار وقد بدأت بشائر العصر الفاطمي تظهر في صناعة المنسوجات الإسلامية في القرن العاشر، فاخذ الميل يزداد إلى الرقة في الزخارف والإبداع في تنسيقها، وسارت الألوان تزداد تدريجياً في الهدوء والتناسق، واصبح في الكتابة كثير من الرشاقة كما كبر حجم

стр. 8449

الحروف وصارت سيقانها تتصل ببعضها وينتهي كثير منها في أعلاه بزخارف صغيرة على شكل وريقات شجر تقليدية وقد زار ناصري خسرو الرحالة الفارسي مصر حوالي سنة ١٠٤٠ ميلادية واعجب بما ينسج في تنيس من قصب ملون تصنع منه ثياب النساء، وكذلك العمائم والقلنسوات وقال: إن مثل هذا القصب الجميل لا يصنع في أي مكان أخر، وأنه سمع أن أمير إقليم فارس من بلاد إيران أرسل عشرين ألف دينار إلى تنيس ليشتري بها النسج الملكي، ولكن وكلاءه أقاموا في مصر سنين عديدة دون أن يحصلوا على بغيتهم - وروى ناصري خسرو أن مصانع تنيس كانت تنتج نوعاً من القماش يسمى البوقلمون يتغير لونه باختلاف ساعات النهار ويصدره المصريون إلى بلاد المشرق والمغرب وفي المتاحف والمجموعات الأثرية كثير من الأقمشة بأسماء الخلفاء الفاطميين وخاصة العزيز والظاهر والمستنصر. ولعل أبدعها من مجموعة صاحب الجلالة مولانا الملك باسم الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله: الأولى من شاش اسود وعليها كتابة كوفية بحروف كبيرة في سطرين متوازيين مقلوب أحدهما. ونص العلوي منهما (بسم الله الرحمن الرحيم نصر من الله لعبد. . .) والسفلي (الحاكم بالله أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعا. . .) وتحت الكتابة شريط من حرير اصفر فيه رسم ازرق مكرر لطائرين متقابلين (شكل١) والثانية من شاش اسود أيضا وعليها كتابة نصها في كل من السطرين (الله الرحمن الرحيم نصر من الله لعبد الله ووليه المنصور أبى علي الأمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين) وفوق الكتابة شريط من حرير اصفر فيه أيضا رسم ازرق مكرر لطائرين أنظر (شكل٢) ومما يلفت النظر في هاتين الطرفتين الملكيتين ما في كتابتهما من الأخطاء بالرغم من إبداع صناعتهما ومن اكثر المنسوجات الفاطمية ذيوعاً ثلاثة أنواع أقدمها قوامة أشرطة من الطيور أو الحيوانات وسط جامات بيضة الشكل قد يتداخل بعضها في بعض والنوع الثاني عظم الشغف به في القرن الحادي عشر، وألوانه باهتة ويسود أرضيته لون ذهبي، وتزينه أشرطة وجامات متداخلة قد يكثر عددها، وفيها أيضا رسوم حيوانات أو طيور تقليدية أو أشكال آدمية، أنظر (شكلي٣، ٤)

стр. 8450

والنوع الثالث يمثل القرن الثاني عشر، ويسوده اللون الأزرق الغامض، وتبدأ فيه الحروف الكوفية في الاستدارة لتصبح حروفاً نسخية، كما تظهر في الزخارف الفروع النباتية والأرابسك والحروف النسخية التي لا تكون كلمات ذات معنى ومن العبارات التي يكثر ورودها على الأقمشة الفاطمية: (الملك لله)، و (بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي ولي الله)، و (نصر من الله)، و (العز من الله) وأما في العصر الأيوبي فإن الزخارف الحيوانية يقل استعمالها وتكثر الكتابة النسخية المشغولة بالإبرة، وكذلك الأشكال الهندسية من مثلثات ومعينات ودوائر. وفي المنسوجات المعروضة بمتحف جوبلان من مجموعة جلالة الملك ومجموعة دار الآثار العربية قطع قد ترجع إلى العصر الأيوبي وان كان الجزم بصحة ذلك ليس من الحكمة، لان بين المنسوجات الأيوبية والمنسوجات التي صنعت في أخر العصر الفاطمي شبهاً كبيراً يجعل من الصعب التمييز بينها وفي عصر المماليك في القرنين الثالث عشر والرابع عشر قضى على نظام الطراز وضعفت بالقضاء عليه صناعة نسج الكتان، واصبح الأمر يدور حول نسج الحرير وتطريزه؛ وتأثرت الصناعة بمنتجات الشرق الأقصى التي ادخلها عصر المغول في العالم الإسلامي. ولسنا نجهل شهرة الديباج الصيني الذي أشاد ماركوبولو بوصفه في رحلته المعروفة، ووجد بعضه في مصر، كما وجدت أنواع أخرى من الديباج فيها تأثير الصناعة الصينية لدرجة يستحيل معها الجزم بأنها من نسج عمال مصريين، ولاسيما إن تذكرنا ما نعرفه من المصادر التاريخية عن البعثات التي تبودلت بين الصين ومصر لتحمل ما خف حمله وغلا ثمنه من المنسوجات الحريرية النفيسة. ونلاحظ أن الرسوم في النسج المطرز المملوكي تميل إلى استدارة نظراً لأسباب فنية يطول شرحها، وأهمها نوع الغرزة التي يسمونها والتي أخذها الغرب بعد ذلك عن البلاد الإسلامية وكثيراً من الأقمشة المملوكية المعروفة عليها أسماء بعض السلاطين المماليك وبعض عبارات الأدعية نحو (عز لمولانا السلطان الناصر)، أو (السلطان الملك المظفر العالم العامل العادل)، (عز لمولانا السلطان الناصر، ناصر الدنيا والدين محمد بن قلاوون) أو (الشرف للأشراف)

стр. 8451

وهناك شبه جلي بين زخارف هذه الأقمشة المملوكية وبين الكثير من الزخارف التي نراها على قطع الخزف والنحاس التي ترجع إلى العهد نفسه؛ كما أننا نرى في بعض الأقمشة المملوكية رسوماً تتكون من أشرطة قد تتعرج فتنظم بينها جامات بيضيه الشكل فيها صور طيور في مواقف مختلفة (شكلي٦، ٧) بقي أن نشير إلى نوع من الأقمشة رسومه (مطبوعة) وليس منسوجة أو مشغولة في القماش نفسه، وترجع تقاليد هذه الصناعة إلى العصر القبطي، ولكن الظاهر أنها أهملت في العصر الإسلامي حتى أواخر حكم الفاطميين حين عاد القوم إلى استعمالها في الأقمشة الكتانية، وكانت الزخارف المطبوعة ذات لون واحد حتى جاء العهد العثماني فظهرت زخارف مطبوعة ذات لونين. ومهما يكن من شيء فإن صناعة هذه الأقمشة تشهد بدقة فائقة، وقد نقلها الغرب عن الشرق وانتشرت في أوربا ولا سيما في ألمانيا في حوض نهر الرين حيث يظهر تأثير الزخارف الشرقية في المنسوجات (المطبوعة). وفي دار الآثار العربية بعض أقمشة إسلامية مطبوعة، وفي اعتقادنا أنها من احسن الأمثلة المعروفة (شكل ٨) وهكذا يرى القارئ أن ما نفضل جلالة الملك بإعارته وما بعثت به دار الآثار العربية إلى جوبلان لتمثيل تطور صناعة النسج في مصر الإسلامية وسيلة جليلة لنشر الدعوة لمصر، وتعريف الأجانب بفنونها الجميلة زكي محمد حسن

стр. 8452

فريزر ودراسة الخرافة للدكتور إبراهيم بيومي مدكور خطت الدراسات الاجتماعية في الخمسين سنة الأخيرة خطوات فسيحة: فاتسعت سبلها، وتعددت فروعها، وتشعبت مناحيها، واستطاعت أن تثبت أن لها - كسائر العلوم - موضوعاً محدداً، وطرقاً معينة، ومبادئ ثابتة، ولا تكاد توجد مادة برهنت على خصبها برهان هذه المادة؛ كما لا يكاد يوجد علماء خلقوا فناً بأسره في مدى قصير مثل علماء الاجتماع المحدثين. فإن جملة ما كتبه أفلاطون وأرسطو في العصور القديمة، وما دونه المؤرخون وعلماء الجغرافية في القرون الوسطى لا يصح أن يسمى اجتماعاً بالمعنى الصحيح، ولا يحوي أراء علمية ناضجة. ولا ننكر أن عصر النهضة القي شعاعاً من الضوء على العلوم الاجتماعية ولفت الباحثين إلى فلسفة التاريخ ومقارنة الشعوب بعضها ببعض، وقد بدا أثره الواضح في القرن الثامن عشر إذ ظهرت مؤلفات مونتيسكييه وفولتير وروسو. ثم جاءت الثورة الفرنسية التي قلبت النظم المألوفة رأسا على عقب واستبدلت بأساليب الحكم والسياسة العتيقة طرقاً مستحدثة، أنتجت بهذا ثورة أخرى في الأفكار والآراء الاجتماعية كان من أبطالها سان سيمون وأوجست كونت. بيد أن تكوين علم الاجتماع في شكله الحاضر يرجع إلى أخريات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. فمدرسة ميل وسبنسر في إنجلترة، وفونت وفجنر في ألمانيا، ودركيم وليفي بريل في فرنسا، وأعمال السائحين والرحالة من إنجليز وأمريكان وألمان أضافت إلى هذا العلم ثروة طائلة، بل خلقته من عدم لم تقنع هذه المدارس بطريقة واحدة، ولم تقف في بحثها عن حد. فلجا بعضها إلى تاريخ يشرح به ما غمض من أعمال الجمعية وأقوالها، واحساساتها، وعقائدها. واتخذ بعضهم من الإحصاء والتعداد وسيلة لتوضيح الظواهر الاجتماعية واستنتاج القوانين المسيطرة عليها. وأبت طائفة إلا أن تصعد بالاجتماع إلى مستوى العلوم الواقعية فبنته على المشاهدة والملاحظات الدقيقة. لذلك عمدت إلى دراسة الشعوب الهمجية

стр. 8453

المعاصرة وتتبع عوائدها وتقاليدها، وتوصلت من ذلك إلى نتائج سارة وشيقة للغاية. ومن أهم من عنوا بهذه الطريقة اجتماعيان إنجليزيان معاصران، وهما فريزر وتيلور اللذان كتبا في خصائص الشعوب مجموعة أبحاث قيمة يضيق بنا المقام من أن نترجم ترجمة كاملة لفريزر تلميذ جامعة جلسجو، وأستاذ الاجتماع في ليفربول وكمبرج، وأحد رجال القانون والمحاماة في لندن. نشأ هذا العالم متشبعاً - ككل اتباع ميل وسبنسر - بفكرة أن الظواهر الاجتماعية خاضعة لقوانين ثابتة، وزاد على أساتذته أن هذه القوانين ممكنة الصوغ والتحديد إذا درست خصائص الشعوب المختلفة، ولاسيما الهمجي منها. فعلى ضوء هذه الدراسة الموازنة يمكننا أن نبين الأدوار المتتالية التي مرت بها فكرة من أفكار الجمعية، وان نقف على منشأ هذه الفكرة وكيفية تطورها. وقد تخصص فريزر في هذا النوع من البحث، وتناوله من نواح شتى في أسلوب جذاب، وعبارة عذبة، وخيال رائع، ومادة غزيرة تشهد بإطلاع واسع وعمق كبير، لهذا يعد اليوم - في حق - من اكبر العلماء المبرزين في خصائص الشعوب ويدور بحثه بوجه خاص حول الديانات في رسومها وطقوسها لدى الشعوب القديمة والحديثة؛ وله في ذلك مؤلفات عديدة أهمها: التوتيمسم والغصن الذهبي ذلك الكتاب العظيم الذي ترجم كله أو أجزاء منه إلى الألمانية والفرنسية والإيطالية. وغني عن البيان أن أبحاثا كهذه تتصل اتصالاً وثيقاً بالخرافة التي لبست ثوب الدين في كثير من الجمعيات الإنسانية. نستطيع أن نقول - دون أن نخشى أية معارضة - إن فريزر أضحى أستاذاً غير منازع في موضوع الخرافة، درسه في رغبة أكيدة فأجاد درسه، وقلبه على وجوهه العديدة فلم يدع مجالاً لمن جاء بعده. لم يعن بالخرافات المشهورة فحسب، بل تعداها إلى خرافات ثانوية مقصورة على بعض الشعوب؛ فهو إلى جانب دراسته للسحر والشعوذة وصكوك الغفران وما أشبهها، يعرض لبعض الأعمال الخرافية المتصلة بالطعام والشراب. وبالجملة ليس ثمت كتاب من كتبه إلا وفيه تحليل لخرافة من الخرافات وشرح لسلطانها على المجتمع. ولئن كان قد أعلن أعلانا كافياً عن مضار الخرافة وسيئاتها، فهو لم ينس نفعها وحسناتها؛

стр. 8454

ولا ريب في أنه أول اجتماعي أبان في وضوح اثر الخرافة الصالح في الجمعيات الإنسانية. وقد وضع في هذا - فضلاً عن أبحاث جزئية مختلفة - كتاباً مستقلاً سماه: محامي الشيطان. ' ولهذا الكتاب من اسمه نصيب كبير؛ فإن مؤلفه يبدو فيه المحامي الدرة الذي يدافع عن الخرافة دفاع الأبطال، ويبين مالها من يد في تكوين بعض الأسس الاجتماعية. فرجل الدفاع في محاكم لندن يزج بنفسه في محكمة الآراء والنظريات لينصر فكرة اجمع الناس على شرها وذاقوا منها الأمرين، مهمة شاقة، وموقف دقيق للغاية، وكيف لا وفريزر يشذ عن الرأي السائد، ويخرج عن المألوف المسلم به. غير أنه قد وفق إلى حد كبير فيما حاوله، ونهض بالخرافة من كبوتها، واثبت ما فيها من نواحي الخير. وما ابلغه حين يقول: (نحن مدفوعون إلى اعتبار الخرافة خطأ في ذاتها، وشراً لا خير فيه، وضرراً محقق النتائج. وفي الحق أنها اصل كثير من الآم هذا العالم، فقد بددت ذخائر هائلة، وضحت بأرواح لا حصر لها، أثارت حروباً شعواء، أوقعت الشحناء بين الأصدقاء، وفرقت بين المرء وزوجه، والأب وابنه، مقطعة علاقتهم بحراب حادة، أو بما هو اضر منها، وملأت السجون بالأبرياء، والمستوصفان والملاجئ بالعجزة والمعتوهين، وسحقت قلوباً عديدة، وبلبلت نفوساً مطمئنة. ولما لم تقنع بإيذاء الأحياء جاوزتهم إلى الأموات، فهتكت سترهم، ونبشت قبورهم، وأوقعت بهم من العذاب والنكال ما أدمى قلوب الأبناء والأعقاب؛ صنعت الخرافة كل ذلك واكثر منه، بيد أن في مقدورنا أن نقدمها في صورة أليق، وتحت ضوء انسب. لا ندعي إنا أهل للدفاع عن هذا (الشيطان)، والظهور أمام هذا اللهيب الأزرق والغاز الخانق، وإنما نحاول فقط أن نكون ما يصح أن يسميه الرجال السمحاء دفاعاً مقبولاً عن اكبر الخصوم شبهة، على ترجيح هذه القضية. قامت طائفة من الأنظمة الاجتماعية الصالحة باعتراف الجميع أو اغلب الناس على أساس من الخرافة لدى بعض الشعوب وفي بعض مراحل التاريخ) تخير فريزر بين هذه الأنظمة أربعة من أهمها، وهي الحكومة، والملكية الشخصية، والزواج، واحترام الحياة الإنسانية وبذل غاية الجهد في إثبات أن الخرافة ساعدت على تكوينها ودعمها مستعيناً في كل ذلك بالواقع والتاريخ. فلاحظ في دقة أن مهمة الحكومة ذللت لدى كثير من القبائل الهمجية المعاصرة بسبب الرأي القائل إن الحكام ينتسبون إلى

стр. 8455

طبقات سامية، وينعمون بسلطان سحري خارق للعادة؛ وأذ كانوا كذلك وجب على المحكومين أن يخضعوا لهم دون إبداء آية ملاحظة. فلدى سكان جزائر السود في أفريقية يزعم الناس أن الرؤساء قوى غير طبيعية استمدها من الملائكة والجن المتصلة بهم اتصالاً وثيقاً. وفي هذا سر نفوذهم؛ فمتى ضعفت هذه العقيدة فقد الرئيس كثيراً من سلطانه. ويعتقدون كذلك أن الحاكم أو الوالي يستمر بعد موته في سهره على رعاياه، ويعاقب بالجدب والغرق والصواعق إن أخطئوا ولم يقدموا القرابين لجدثه. ويعتبر الرؤساء السياسيون في زيلندة الجديدة كآلهة أحياء مقدسة في مختلف أجزائها بحيث لا يستطيع أحد الاعتداء عليها، وإذا قدر لمحارب أن يقتل أحد هؤلاء الرؤساء، سارع إلى عينيه فاقتلعهما وابتلعهما ليأمن شر ما يحيط به من أرواح خفية، ذلك لأنه يظن أن هذه القوى تسكن هذين العضوين ويقول بعض الأمراء الزيلندين. . (لتظن أنى رجل وأني من هذا العالم الأرضي، كلا فأنى نزلت من السماء حيث يسكن آبائي الآلهة، وسأعود إليهم يوماً). ويروون إنه بينما زيلندية تتذوق خوخة جميلة انتزعتها من سلة تحملها، علمت إنها نبتت في مكان مقدس، فاسقط في يديها وصاحت بالويل والثبور وأنها لابد هالكة لغضب الآلهة عليها وحكام ذلك المكان المقدس؛ وما اصبح الصباح إلا وقبضت روحها. ويعتقد سكان أفريقية الغربية أن حياتهم وأموالهم ملك لأمرائهم يتصرفون فيها كما يشاءون. وفي مقدور هؤلاء الأمراء أن يكسفوا الشمس ويخسفوا القمر وينزلوا المطر من السماء، لذلك يلجأ الأهلون إليهم إن ضاقت بهم الحال أو أقفرت عليهم الأرض لم يقف أمر هذه العقائد الخرافية عند القبائل البدوية الموجودة في أفريقيا وأستراليا وأمريكا، فقد اعتنقها من قبل الشعوب المتحضرة القديمة. فقدماء المصريين كانوا يقدسون ملوكهم ويصعدون بهم إلى اصل سماوي، وإذا نقصت حاصلاتهم أرجعوا ذلك إلى غضب المليك عليهم. وفي قوانين مانو الهندية كتبت العبارة الآتية (إن الملك بفضل سره الخارق للعادة، نار وهواء، وشمس وقمر). وكان اليونان في عهد هومير يعدون ملوكهم ورؤساءهم آلهة أو كالآلهة. وما لنا نذهب بعيداً وفي التاريخ الحديث ما يؤيد بعض هذه الخرافات؟ فقد كان عامة الإنجليز يستشفون بملوكهم إلى عهد قريب، فإذا لمس الملك مريضهم برئ لساعته، واستمرت هذه الخرافة إلى أخريات القرن الثامن عشر إذ كان يعالج روبير

стр. 8456

الصالح، وإدوارد المعترف، بعض المرضى بهذه الطريقة. ونرى في فرنسا شيئاً من ذلك في فجر الثورة وبعدها بعشرات السنين، فإن لويس الخامس عشر ولويس السادس عشر وشارل العاشر لمسوا آلاف المرضى لشفائهم. هذه الأمثلة القليلة تكفي للبرهنة على أن عدداً من القبائل والشعوب نظروا إلى قادتهم ورؤسائهم وملوكهم نظرهم إلى موجودات ممتازة مزودة بقوى عظيمة ترغم الرعية على اتباعهم والتعلق بأهدابهم، وإذا فقد ساعدت الخرافة، في بعض الشعوب وفي بعض الأزمنة، على احترام الحكومة وخاصة الاستبدادية؛ وفي هذا ما أعان على تثبيت دعائم النظام الجمعي بوجه عام يتبع إبراهيم بيومي مدكور دكتور في الآداب والفلسفة

стр. 8457

أثر خطير كنيس الصالحية للأستاذ عز الدين التنوخي كاتب سر المجمع العلمي العربي دوى في دمشق تلهج به الألسنة ويردده الهواء بين الأحياء، وصدى الدهر يثير من النفوس روائع الدهشة، ويبعث فيها نوازع الاستطلاع، ويعين على تمكين ذلك من النفس التاريخ بابتعاده، والتخيل بامتداده، مئات من السنين، ومئات من الشعوب والقبائل والأجيال تمر وتنطوي على كنيس الصالحية ما بين دير الزور وأبي كمال، وهو (منذ أسس بنيانه سنة ٢٤٤ ب. م) لا يزال قائماً بفارع جدرانه، وماثلاً بروائع ألوانه، يعرب بلسان الزمن عما مر بالبشر من أيام هناء وبلاء، مخبراً عن أمم زالت، ودول دالت، وأحوال حالت، مما يمحص به أبناء العصر الحاضر حقائق الدهر الغابر، فينقلب به ما كان حقيقة وهماً، وما كان وهماً حقيقة كنيس الصالحية، وما أدراك ما كنيس الصالحية، رأيت ألواحه الجبسية المقطوعة بالمنشار متفرقة، وهي أوصاله بل أشلاؤه الممزقة، فراعني - لعمر الحق - منظرها، وأكبرت بعد التأمل الطويل مخبرها، ثم تصورت هذا الكنيس الأثرى النفيس، وقد التأمت بجوار السليمانية غداً أجزاؤه، والتحمت بعد طول الشتات والبلى أشلاؤه، فملك بتصوره القلب قبل الطرف، والهج اللسان بما لا يحيط به الوصف البارع واللسان المبين: ذلك أن صورة تلك الألواح لا ينقصها لأتقنها ألا الأرواح المثيرة والقوة المجيرة، فتغمزك بعيونها، وترمز إليك بشفافها، وتحدثك بأفواهها عن جلية أحوالها، وأخبار رجالها ونسائها وأطفالها، ولو أنها استطاعت ذلك لأغنت المنقبين والمؤرخين عن كثير من التنقيب والاستقراء والأنفاق المستمر الفادح، والعناء المتواصل المنهك اجل، هذه الألواح لا ينقصها ألا الأرواح، فإن لكل منها جهارة رائعة، وشارة جميلة، إلى وجه سامي مسنون، وانف اقنى، وعينين ناطقتين في صورة إنسان سبط القوام، متناسب الأعضاء، تلمح عليه دلائل القوة والفتوة وتلمع في عينيه شواهد النبل والفضل ففي لوح مستطيل منها ترى صورة موسى النبي بيده الألواح وهو بوجه المخروطي الصبيح، يشبه السيد المسيح، تحيط به هالة قاتمة اللون من شعر رأسه الفاحم ولحيته

стр. 8458

السوداء، وكان لآلهة الإغريق لحى تزيد في هيبة الوجوه ووقارها وفي لوح آخر تشاهد صورة السموءل وهو النبي (صموئيل) يمسح بالزيت راس النبي داود الواقف بين اخوته الستة قابضاً بيمناه يسراه كما يقبض المصلى إذا صلى وفي لوح ثالث آخر صورة احشويروش (الملك الأسد) ملك فارس وبابل وزوج استير وقد استوى على عرشه المخمس الدرجات، وعلى يساره الملكة استير منقذة إسرائيل، وهي على عرشها؛ وعلى جانب كل عرش صورة أسد أو نسر من ذهب، وعلى واجهة إحدى الدرجات قد نقش اسم الملك (احشويروش) فإذا أراد الملك الصعود على عرشه وقف على الدرجة السفلى فترتفع به حتى تساوي الثانية التي فوقها، فينتقل أليها فترتفع به إلى الثالثة، والثالثة ترفعه إلى الرابعة، وهذه إلى الخامسة، فيستوي هنالك على عرشه العظيم، وبذلك يشبه هذا الدرج العجيب مصعده (أسانسور) هذا العصر؛ ويقال أن هذا العرش هو عرش سليمان مسلوباً من بيت المقدس، إذ وجد فوقه لوح آخر يمثل سليمان الحكيم على عرش لا يختلف بشيء عن العرش البابلي مما يرجح القول بنقله إلى بابل، وعلى يسار هذا اللوح لوح آخر يمثل ابن عم الملكة استير وهو مردخاي ممتطياً صهوة جواد أشهب مطهم يقوده هامان الوزير قصاصاً له وانتقاماً وهنالك لوح آخر مؤلف من سبع قطع، تمثل إلياس النبي مع أسباط إسرائيل، وهو يدعي الله أن يحي ثلاثة من الموتى فيبعث الله لإنعاشهم أرواحا ثلاثاً، والروح منها ممثلة بشكل امرأة تطير بجناحيها، وتهبط هذه الأرواح على أجسادها فتهب من رقادها، وعلى راس أحدهم يد بمعصمها ترفع الميت المنتشر من وفرة رأسه ومن تلك الألواح ما يمثل موسى ﵇ طفلاً تخرجه من اليم ابنة فرعون وقد ذهبت مع جواريها تغتسل في النيل فوجدته عائماً في سفط يتغلغل بين أوراق البردي، والى جانبها جاريتان تحمل أحدهما صندوقة صغيرة تشتمل من أدوات الطيب على مالا غنى للمغتسل عنها، وهي عادة مصرية قديمة كانت كنائس اليهود قبل عهد هذا الكنيس لا تستوعب اكثر من ٤٥ مصلياً، ولكن قاعة هذا الكنيس المستطيلة تستوعب ضعف هذا العدد، أي نحو مائة من المصلين، فقد كانت أبعادها (١٣. ٥ متراً طولاً في ٧. ٥ عرضاً في ٧. ٥ ارتفاعاً)

стр. 8459

ومما يدل على أبهة هذا الكنيس النفيس إن محرابه القائم في صدره قد كان يزهو بطنافس فارس الجميلة، وتبصر على جانبه صورة شمعدان من الذهب ذي سبع شعب، في كل شعبة منها شمعة تبدد بعض ظلام الكنيس؟ وكانت مقاعد المصلين مغشاة أيضا بالطنافس كما استدل علماء الآثار على أن سماءه (سقفه) كانت مشيدة بالقرمد المزين المنقوش، وكانت أرضه مفروشة أيضا بنفائس الطنافس هذا ولئن كانت الأمم تقاس برجالها، والرجال توزن بأعمالها، فقد حق علينا أن نختم هذه الكلمة بكلمة أخرى عادلة في شكر من كان سبباً لحفظ هذا الكنيس في بلادنا ولإعادة بناءه في دمشق غداً، وهو صاحب المعالي وزير معارفنا الهمام السيد حسني البرازي، فقد حاولت بعثة الحفر والتنقيب الأمريكية أن تستأثر به وتحرم من الانتفاع به تلك الأمة التي نبش من ترابها، لينبئ عن عمرانها وأحوال أديانها وآدابها، وكادت تفلح لولا جهاده الميمون وحسن مساعيه لدى المفوضية التي حققت بأخرة أمنيته، فخدم بذلك اجل خدمة بلاده أمته: ذلك لان هذا الكنيس المنقطع القرين لم تفتح العين على مثله بعد، ولهذا يقدر بعض علماء الآثار ثمنه بأكثر من مليون جنيه، ويعدونه استثناء اثرياً لقواعد الكنائس اليهودية التي تحرم التصوير، وما كانت صورة هذه المحرمة بعظيمة الخطورة لدارسي تاريخ الشريعة فحسب، إذ هي لدارسي تاريخ الفن اعظم خطراً، وابلغ لعمري آثرا دمشق عز الدين التوخي كاتب سر المجمع العلمي العربي

стр. 8460

١٦ - قصة المكروب كيف كشفه رجاله ترجمة الدكتور احمد زكي وكيل كلية العلوم بستور صلة حديثة وذهب (جرنيه) إلى الشمال يدرس دود القز في مدينة فالنسين فكتب إليه بستور أن يعيد أجراء التجربة الفائتة. سأله هذا ولم يدر لم سأله، وكان جرنيه قد حصل على مجموعة طيبة من الدود السليم، وكان يعتقد على الرغم من تشكك أستاذ هـ أن تلك الكريات في باطن الدود ليست أحياء تتطفل عليه فتقتله. فاخذ أربعين دودة سليمة وغذاها بأوراق من التوت لم يمسها أبداً دود مريض، فخرج من هذه الأربعين سبع وعشرون دودة نسجت سبعاً وعشرين شرنقة. وخرج الفراش من الشانق خلواً من الكريات، فعندئذ عمد إلى فراشات مريضة فسحقها ولوث بسحيقها أوراقا من التوت، وغذى بهذه الأوراق دويدات سليمة صغيرة، عمرها يوم واحد، فلم تلبث هذه الدويدات أن مرضت وهزلت وماتت موتة بطيئة. وتغطى جلدها بالبقع السوداء، وامتلأ جسمها بكريات الداء. وبعد هذا لوث أوراقا أخرى بسحيق الفراش المريض وغذى بها دوداً سليماً نامياً بالغاً كان على وشك أن ينسج الشرانق. فهذا الدود عاش حتى أتم نسج ثوبه الحريري، ولكنه لما استحال إلى فراش خرج هذا الفراش وبجسمه الكريات اللعينة، وباض فكان البيض فاسداً. فسر (جرنيه) وثار، وزاد سروره وزادت ثورته في الليالي التي أكب فيها على مكروسكوبه كلما رأى هذه الكريات تزيد في الدود كلما زاد إضمارا قارب الفناء وأسرع (جرنيه) إلى بستور يصرخ له: (حلت المسالة! فهذه الكريات حية! إنها طفيليات، وهي التي تمرض الدود!) واستغرق بستور ستة اشهر ليقتنع بمقالة (جرنيه). ولكنه لما اقتنع وقع على العمل وقوعاً. وجمع أعضاء اللجنة مرة أخرى وخطب فيهم: (إن الكريات التي بالدود ليست عرضاً من أعراض الداء فحسب، بل هي سببه، وهذه الكريات حية، وهي تتزايد، وهي تسير في

стр. 8461

جسم الفراش المريض اغتصاباً حتى تعم نواحيه. وإنما كان خطانا الأول لأننا طلبنا هذه الكريات في جزء صغير من جسم الفراش فنظرنا تحت جلد البطن وحده، أما الآن فلابد من سحق الفراش كله وفحصه من بعد ذلك، فإذا نظرنا بالمجهر إلى سحيقة فلم نجد به تلك الكريات المجهرية حكمنا بسلامته واتخذنا بيضه للتفريخ في الربيع المقبل) وتفرق رجال اللجنة واتبعوا تعاليم بستور فنجحت التجربة، ودار العام فأفرخ البيض دوداً صحيحاً قوياً نامياً أعطاهم غلة من الحرير وافرة استيقن بستور أن هذه الكريات الطفيلية سبب الداء وأنها لا تنشأ داخل الدود، وإنما تأتيه من الخارج. فطاف في الريف يعلم الناس كيف يمنعون نسل الدود السليم من أن يمس أوراقا مسها دود سقيم، وبينما هو في هذا أصابه نزيف في المخ فكاد يموت. ولكنه سمع أنهم أوقفوا بناء معمله اقتصاداً وفي انتظار موته، فأغضبه ذلك وأصر على أن يعيش. فشل أحد نصفيه شللاً لم يشف منه تماماً في مستقبل أيامه، ولكنه قرأ كتاب الدكتور (سمايلز) في الاعتداد بالنفس، فاعتزم اعتزاماً قوياً أن يعمل بالرغم من عجزه، فبدل أن يرقد في فراشه، أو يستشفي على البحر، نهض في عسر على قدميه، وحجل إلى القطار، وسافر إلى جنوب فرنسا وهو يصيح غاضباً: (إن من الأجرام القعود عن تخليص الدود من الوباء، بينما الكثير من أربابه يطلبون القوت فلا يجدونه) فاعجب به الفرنسيون وأكبروه إلا نفراً قليلاً يحبون الأذى؛ فهؤلاء قالوا: إنما صيحة قصد بها الدعاية لنفسه لا لخير الناس وقضى بستور ست سنوات يجاهد أدواء هذا الدود المسكين، فإنه لم ينته من علاج ندوته حتى ظهر به مرض جديد، ولكن بستور كان قد درب على هذا النوع من البحث فكشف عن مكروب الداء سريعاً، وجاءه دوماس الشيخ يشكره وقد امتلاءت عيناه بالدموع. وتحث عمدة (إلياس) عن إقامة تمثال من الذهب لبستور العظيم - ٧ - وبلغت سنة الخامسة والأربعين، فاخذ ينعم حيناً بالمجد الذي كسبه من تخليص صناعة الحرير مما حاق بها، وذلك بعون الله وعون (جرنيه). ثم رفع عينيه إلى مجد أسمى، وأمل اسنى، وحلم مستحيل براق، حلم من تلك الأحلام التي ارتأتها نفسه الشاعرة، حلم من تلك الأحلام المستحيلة التي لا تضن الأقدار ببعض تحقيقها أحيانا؛ نعم رفع عينه الفنانة من

стр. 8462

أمراض الديدان إلى أحزان الإنسان، ونفخ في البوق نفخة داوية يبشر المرضى البائسين بقرب بلوغ دار الأمان، قال: (إن في مقدور الإنسان أن يمسح عن وجه الأرض كل الأدواء التي يسببها تطفل الأحياء عليه، هذا على فرض أن نظرية باطلة، وأنا واثق من بطلانها) وجاء عام ١٨٧٠ بحصار باريس في ذلك الشتاء القارس، فخرج عنها تاركاً أعماله، تاركاً معامله، وذهب إلى قريته القديمة في جبال (الجورا). ثم ذهب إلى ميدان القتال يبحث بين الأشلاء عن جثة ابنه الصريع، وقد كان جاويشا في الجيش الفرنسي. وعلى هذه الأرض، وبين هذه الدماء، نشأ فيه كره للألمان ولكل شيء ألماني اخذ ينمو فيه ثم ينمو ويفيض حتى تشرب به كل عصب من أعصابه، وبقي معه بقية حياته. واتخذ من اجل ذلك الوطنية صناعة. واخذ يصرخ في الناس: (إن كل مؤلف من مؤلفاتي سيطالعكم عنوانه بكراهة بروسيا، وينشكم الثأر والانتقام.) وبسخافة فاخرة بدأ بحثه الأول فجعله للثأر والانتقام. واعترف أن بيرة فرنسا دون بيرة الألمان، فنهض يبحث ليجعل بيرة فرنسا فوق بيرة الألمان، بل فوق بيرات الأمم جمعاء وقام برحلات كثيرة واسعة المدى إلى مخامر فرنسا الشهيرة، واخذ يلقى الأسئلة على كل من يلقى فيها، من رئيس الخمارين في معمله، إلى غسال الأواني البسيط في مغسلة. وذهب إلى إنجلترا فأسدى النصائح إلى الرجال الفنانين ذوي الوجوه الحمر الذين يحذقون صنع النبيذ الإنجليزي، والى الخمارين الذين يخرجون تلك الجعات القدسية بمدينة برتن وحرر مجهره إلى الألوف من البيرات، ورقب الخمائر وهي تنقسم وتصنع الكحول. وكان يقع أحيانا فيها على هذا الحي اللعين الذي وجده فيها أعواما مضى وأثبت أنه سبب فسادها، وكان ينصح لأصحابها بتسخين البيرة لقتل هذه الحييات، ويؤكد لهم أنهم لو فعلوا إذن لزادت بيرتهم جودة وطابت مذاقا، وإذن لاستطاعوا تسفيرها مسافات بعيدة وهى صالحة. وكان يسال أصحاب المخامر مالاً لمعمله، ويذكر لهم أن ما يجودون به اليوم يعود عليهم بالنفع في الغد إضعافا مضاعفة. وبهذا المال قلب معمله بمدرسة النرمال إلى مصنع صغير للبيرة، لمعت فيه البراميل النحاسية الجميلة، ووهجت الغلايات الصقيلة وبدأ عملاً مجهداً متواصلاً، ولكنه لم يلبث أن سئمه، لأنه كان يكره طعم البيرة كما يكره

стр. 8463

رائحة الطباق. وزاد منه سالماً أنه وجد أن الباحث العالم في البيرة لابد له من أن يكون ذواقاً حكيماً لها. ووجد كذلك البيرة الجيدة تحتاج في صناعتها إلى أمور أخرى غير منع المكروب من دخولها. وكان لعلم الفيزياء أستاذ يدعى برتان كاد يضحك من بستور لكراهيته إياها. كان بستور كلما أراد مذاقها جعد من انفه الأفطس، وغاص بشاربه في كوزها الراغي، وبلغ في عسر وكآبة ما تحتم بلعه من جرعاتها. كره البيرة ما فسد منها وما طاب. أما صديقه الفيزيائي فكان يلعق شفتيه بعد شربها ويصفقهما، ويتهلل وجه بشرا وتمتلئ أساريره خبثاً وهو يضاحك بستور فيها، لأنها بيرة ذاقها بستور وحكم عليها بالفساد. حتى لضحك منه مساعده الشاب، ولكنه لم يجرؤ بالطبع أن يضحك في وجهه. مسكين بستور! كان باحثاً قديراً، ولم يكن فيه جمود، ولم يكن فيه ركود، وكان سريع التحول، سريع التشكل للظروف، سريع الألفة لكل جديد - إلا البيرة. فحب البيرة كأنه يخلق ولا يكتسب. واللسان الذواق للبيرة تجود به الطبيعة على قليل من الناس، كالأذن الموسيقية ليست متاعاً لكل أحد ومع هذا فلست أنكر أن بستور أعان صناعة البيرة الفرنسية إعانة كبيرة، وقد شهد بهذا الخمارون أنفسهم، أما الذي أتشكك فيه فهو الذي يقول به أحبابه ومريدوه وعباده من إنه رفع البيرة الفرنسية فجعلها ند الألمانية. على أني لا أنكر ذلك عليه، ولكني أود لو عرضت هذه الدعوى على لجنة تحكيم من تلك اللجان العادلة الدولية الوقورة، من تلك اللجان الذي كان بستور نفسه يقترح على الدنيا أن تلجأ إليها كلما أزمته خصومة لتقضي له أو لخصمائه اللعينين. . . (يتبع) أحمد زكي

стр. 8464

٢٥ - محاورت أفلاطون الحوار الثالث فيدون أو خلود الروح ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود - كذلك كلما ازدادت البرودة على النار فإما أن تتراجع أو تفنى وإذ أن تكون النار تحت تأثير البرودة، فلن يلبثا ناراً وبرودة، كما كانت الحال من قبل قال: هذا حق - وفي بعض الحالات لا يكون أسم المثال مقصوراً على المثال، بل إن لكل شئ آخر حق المشاركة في الاسم، ما دام موجوداً في صورة المثال، من غير أن يكون هو المثال، وسأسوق إليك مثلاً لعل أوضح هذا القول: أليس يطلق دائماً أسم الفردي على العدد الفردي؟ - جد صحيح - ولكن هل هذا وحده هو الذي يسمى بالفردي؟ أليس ثمت أشياء أخرى لها أسماؤها الخاصة بها، ويطلق عليها رغم ذلك اسم الضروري، لأنها وان كانت ليست هي الفردية ذاتها، غير إنها لا تخلو من الفردية قطعاً؟ - هذا ما أريد أن أستجيب عنه - أليست الأعداد، كرقم ثلاثة مثلاً، من نوع الفردي: وهناك غير هذا كثير من الأمثلة: الست تقول مثلاً أنه يجوز أن يدعى رقم الثلاثة باسمه الأصلي، ثم يطلق كذلك اسم الفردي، وليس الفردي هو الثلاثة ذاتها؟ وليس يقال هذا عن العدد ثلاثة فقط، بل إنه جائز أيضاً على خمسة، وعلى كل الأعداد المتعاقبة - كل منها فردي دون أن يكون هو الفردية؛ وهكذا قل في اثنين وأربعة وسائر سلسلة الأعداد المتعاقبة، كل عدد زوجي دون أن يكون هو الزوجية. هل تسلم بهذا؟ قال: نعم، وهل إلي إنكاره من سبيل؟ - الق بالك إذن إلى الغاية التي انشدها؛ ليست الأضداد المعنوية وحدها هي التي يطرد بعضها بعضاً، بل كذلك الأشياء المجسدة التي ولن لم تكن متضادة في ذاتها إلا أنها تحتوي

стр. 8465

أضدادا؛ وأنا أزعم إن هذه الأشياء أيضا ترفض المثال الذي يكون مضاداً لما تحويه في داخلها، وهي إذا ما تقدم ذلك فأما أن تنسحب أو تفنى. خذ عدد ثلاثة مثلاً، أليس يصبر على التلاشي أو أي شيء آخر، أهون عليه من أن يتحول إلى عدد زوجي مع بقائه ثلاثة؟ فقال سيبس: جد صحيح. قال: ومع ذلك فلا ريب في أن العدد اثنين ليس مضاداً للعدد ثلاثة؟ - إنه لا يضاده - إذن ليست المثل المتضادة وحدها هي التي يقاوم بعضها تقدم بعض، ولكن ثمة أشياء أخرى تقاوم كذلك اقتراب الأضداد؟ - فقال: هذا جد صحيح قال: هبنا نحاول تحديد ماهية هذه (الأشياء) إن أمكن ذلك - لا ريب في هذا - أليست هذه يا سيبيس ترغم الأشياء التي في حوزتها على أن تتخذ شكل بعض الأضداد فضلاً عن شكلها هي؟ - ماذا تعني؟ - أعني، كما كنت أقول تواً، وما ليس بي حاجة لأعادته إليك، إن الأشياء التي يملكها العدد ثلاثة، لا يلزم فقط أن تكون ثلاثة في عددها، بل ينبغي كذلك أن تكون فردية - جد صحيح - ويستحيل على المثال المضاد أن يعتدي على هذه الفردية التي انطبع العدد ثلاثة بطباعها؟ - كلا - وهو إنما استمد هذا الطابع من عنصر الفردي؟ - نعم - والزوجي والفردي ضدان؟ - حقاً - إذن فمثال العدد الزوجي لن يلحق بثلاثة أبدا؟

стр. 8466

- كلا - وإذن فليس لثلاثة في الزوجي من نصيب؟ - كلا - إذن فالثلاثي أو العدد ثلاثة غير زوجي - جد صحيح لا عد إذن إلى ما زعمته من تمييز بين الطبائع التي ليست أضدادا وهي مع ذلك لا تقبل أضدادا: فكما في هذا المثال: على الرغم من أن ثلاثة ليست مضادة للزوجي أبدا، ولكنها دائماً تعرض الضد في الجانب الأخر أو كما أن اثنين لا تتقبل الفردي، أو النار البرودة. ومن هذه الأمثلة (ومنها كثير غير هذا) ربما استطعت أن تصل إلى نتيجة عامة أنه ليست فقط الأضداد هي التي لا تتقبل أضدادا، بل كذلك لاشيء مما يسوق الضد يقبل ضد ما يسوقه فيما سيق إليه. واسمح لي هنا أن ألخص ما سبق من قول - فليس في التكرار من ضرر، لن يقبل العدد خمسة طبيعة الزوجي، اكثر مما تقبل عشرة، وهي ضعف الخمسة، طبيعة الفردي - ولو أن الضعف ليس مضاداً للفردي تضاداً دقيقاً، غير أنه يرفض الفردي أجمالا. ولن تقبل أجزاء النسبة ٢: ٣ فكرة الكل، وكذلك أي كسر يكون فيه نصف، لا بل والذي يكون فيه ثلث، ولو إنها ليست مضادة الكل، هل تسلم بذلك؟ فقال: نعم أنى متفق تماماً، وذاهب معك إلى ذلك قال: أظنني الآن أستطيع أن أبدأ ثانياً، وأني لأرجوكم أن تدلوا إلي عن هذا السؤال الذي أوشك أن ألقيه، بجواب غير الجواب القديم المأمون، وسأقدم لكم لما أريد مثالاً، وعسى أن تجدوا أساسا أخر فيما قيل الساعة تواً يكون مأمونا كذلك، أعني أنه لو سألكم أحد: (ما هو الشيء الذي يجعل الجسم حاراً بحلوله فيه؟) فستجيبون أنه ليس الحرارة (وهذا ما ادعوه بالجواب المأمون) ولكنه النار، وهو جواب يفضل ذلك كثيراً، ونحن الآن مهيئون للإدلاء به. أو لو سألكم أحد: (لماذا يعتل الجسد؟) فلن تقولوا من المرض بل من الحمى، وفي مكان القول بان الفردية هي سبب الأعداد الفردية ستقولون إن الجوهر الفرد هو سببها. وهكذا في الأشياء بصفة عامة. احسب انك ستفهم ذلك فهماً جيداً بغير أن أسوق إليك أمثلة أخري؟

стр. 8467

- فقال: نعم أني افهم ما تقول فهماً جيداً (يتبع) زكي نجيب محمود

стр. 8468

٥ - شاعرنا العالمي أبو العتاهية للأستاذ عبد المتعال الصعيدي وكان أبو العتاهية في عهد المهدي يلازم ابنه هارون، وكان ابنه وولي عهده موسى الهادي يجد على أبي العتاهية لملازمته أخاه، فلما ولي العهد الهادي بعد المهدي أراد أن يقصيه عن أخيه هارون فلم يطعه، ثم أمره أن يخرج معه إلى الري فأبى ذلك، ولكنه لم يلبث أن خافه وتهيب بطشه به، وكانت الملوك في عهده لا تحتمل مثل هذا النوع من المخالفة، والاعتداد بالكرامة النفسية، والمحافظة على العهد في حالتي الأمن والخوف، فقال يستعطفه: ألا شافع عند الخليفة يشفع … فيدفع عنا شر ما يُتَوَقَّعُ وإني على عظم الرجاء لخائف … كأني على راس الأسنة تشرع يرَوَّعني موسى على غير عثرة … ومالي أرى موسى من العفو أوسع وما آمنُ يمسي ويصبح عائداً … بعفو أمير المؤمنين يرَوعُ وإنك لترى أبا العتاهية لا ينزل في هذا الاستعطاف إلى الاستخذاء والخنوع، ونسيان الكرامة وعزة النفس، فلا يقول في ذلك ما قال النابغة الذبياني قبله للنعمان بن المنذر: فإن أك مظلوماً فعبد ظلمتَهُ … وإن تك ذا عتبى فمثلك يُعتِبوا بل يقول له هذا القول (يروعني موسى على غير عثرة)، فينصف نفسه في هذا الموقف الذي تجحد فيه النفوس، ولا يرى حقاً للهادي في ترويعه على غير ذنب جناه، كما يرى النابغة للنعمان أن يظلمه لأنه عبده. وقد روى صاحب الأغاني بعد ذلك أنه ولد الهادي ولد في أول يوم ولي الخلافة، فدخل أبو العتاهية فأنشده: اكثر موسى غيْظَ حساده … وزين الأرض بأولاده وجاءنا من صلبه سيد … أصْيدُ في تقطيع أجداده فاكتست الأرض به بهجة … واستبشر المُلْكُ بميلاده وابتسم المنبر عن فرحة … علت بها ذروة أعواده كأنني بعد قليل به … بين مواليه وقواده

стр. 8469

في مَحفِلٍ تخفق راياته … قد طَبّق الأرض بأجناده فأمر له الهادي بألف دينار، وطيب كثير، وكان سخطاً عليه فرضى عنه فذا صحت هذه الرواية فلابد أنه عاد فسخط عليه حين رآه لم ينقطع عن أخيه هارون، وحين أمر أن يخرج معه إلى الري أبى ذلك، وبهذا تتفق هذه الرواية مع ما قبلها، ولا تكون متنافية معها، وإن كنا نستبعد أن يعنى مثل أبي العتاهية بتهنئة الهادي بذلك المولود في ذلك اليوم، ولا يعنى بتهنئته بهذا الملك الذي صار إليه فيه، فلعل حادثة ذلك المولود كانت بعد يوم ولاية الهادي وبعد رضاه عن أبي العتاهية وقد عاد مع الهادي بعد رضاه عنه إلى مثل ما كان عليه في عهد المهدي، واتصلت فيه مدائحه، واتصلت من الهادي له صلاته وجوائزه. ومما مدحه به على مذهب أبي نواس في بدء المديح بذكر الخمر ووصف محاسنها: لهفي على الزمن القصير … بين الخَوَرْنقِ والسَّدير إذ نحن في غُرفِ الجنا … ن نعوم في بحر السرور في فتية ملكوا عِنَا … ن الدهر أمثال الصُّقُور ما منهم إلا الجسو … ر على الهوى غير الحَصور يتعاورون مُدامة … صهباَء من حلب العصير عذراَء رباها شعا … ع الشمس في حرَّ الهجير لم تَدْنُ من نار ولم … يعلق بها وَضرُ القُدور ومُقرْطقٍ يمشي أما … م القوم كالرشأ الغرير بزجاجة تستخرج الس … ر الدفين من الضمير زهراء مثل الكوكب الدُّ … رَّيَّ في كف المدير تدع الكريم وليس يد … ري ما قَبيلُ من دَبير ومخصّراتٍ زرننا … بعد الهدو من الخدور رياً روادفهن يل … بسن الخواتم في الخصور غُرُّ الوجوه محجبا … ت قاصرات الطرف حور متنعمات في النعي … م مضمخات بالْعَبير

стр. 8470

يرفلن في حلل المحا … سن والمجاسد والحرير ما إن يرين الشمس إلا … القرط من خَلَل الستور والى أمين الله مه … ربنا من الدهر العثور وإليه أتعبنا المطا … يا بالرّواح وبالبكور صُعر الخدود كأنما … جُنَّحن أجنحة النسور متسربلات بالظلا … م على السهولة والوعور حتى وصلن بنا إلى … ربَّ المدائن والقصور ما زال قبل فطامه … في من مكتهل كبير ثم انتهى عهد الهادي وحال أبى العتاهية معه مستقيمة كحاله مع المهدي؛ فلما جاء عهد هارون الرشيد كان الظنون أن يكون حاله معه اكثر استقامة من حاله مع أبيه وأخيه، لما سبق من ملازمته له، وانقطاعه إليه انقطاعاً كان يحسده الهادي عليه، ولكن حاله في هذا العهد جاءت على خلاف ما كان يقدر لها. وهنا تضطرب الروايات عن أبى العتاهية بقدر اضطراب أمره، وتغير حاله روى صاحب الأغاني أنه لما مات الهادي قال الرشيد لأبي العتاهية: قل شعراً في الغزل، فقال: لا أقول شعراً بعد موسى أبدا، فحبسه وأمر إبراهيم الموصلي أن يغني، فقال لا اغني بعد موسى أبدا - وكان محسناً إليهما - فحبسه. فلما شخص إلى الرقة حفر لهما حفرة واسعة وقطع بينهما بحائط، وقال: كونا بهذا المكان لا تخرجا منه، حتى تشعر أنت ويغني هذا، فصبرا على ذلك مدة حتى قال أبو العتاهية لإبراهيم: إلى كم يا هذا نلاج الخلفاء؟ هلم اقل شعراً وتغني فيه، فقال أبو العتاهية: بأبي من كان في قلبي له … مرة حبُّ قليل فَسُرِقْ يا بني العباس فيكم ملك … شُعَب الإحسان منه تفترق إنما هارون خيرٌ كله … مات كل الشر مذ يوم خلق وغنى فيه إبراهيم، فدعا بهما الرشيد فأنشده أبو العتاهية وغناه إبراهيم، فأعطى كل واحد منهما مائة ألف درهم ومائة ثوب وروي مرة ثانية عن محمد بن أبي العتاهية قال: كان أبي لا يفارق الرشيد في سفر ولا

стр. 8471

حضر إلا في طريق الحج، وكان يجري عليه في كل سنة خمسين ألف درهم، فلما قدم الرشيد الرقة لبس أبي الصوف وتزهد، وترك حضور المنادمة، والقول في الغزل وأمر الرشيد بحبسه، فلم يزل يكتب إليه الشعر يستعطفه حتى كتب إليه: وكلفتَني ما حلت بيني وبينه … وقلت سابغي ما تريد وما تهْوى فلو كان لي قلبان كلفت واحدا … هواكَ وكلفت الخليَّ لما يهوى وروي مرة ثالثة عن محمد بن أبي العتاهية قال: لبس أبو العتاهية كساء صوف ودراعة، وإلى على نفسه أن لا يقول شعراً في الغزل، وأمر الرشيد بحبسه والتضييق عليه فقال: يابن عم النبي سمعاً وطاعة … قد خلعنا الكساء والدُّرّاعة ورجعنا إلى الصناعة لما … كان سخط الأمام ترك الصناعة فلم يزل الرشيد متوانياً في إخراجه إلى أن قال: أما والله إن الظلم لومُ … وما زال المسيء هو الظَّلوم إلى ديان يوم الدين نمضي … وعند الله تجتمع الخصوم لأمر ما تصرفت الليالي … وأمر ما توليت النجوم تموت غداً وأنت قريرُ عين … من الغفلات في لجج تعوم تنام ولم تنم عنك المنايا … تنبه للمنية يا نَؤوم سل الأيام عن أمم تقضت … ستخبرك المعالم والرُّسوم تروم الخلد في دار المنايا … وكم قد رام غيرك ما تروم ألا يا أيها الملك المرجيّ … لميه نواهض الدنيا تحوم أقلني زَلةً لم اجر منها … إلى لوم وما مثلي مَلوم وخلَّصني تُخلَّص يوم بعث … إذا للناس بُرَّزّتِ الجحيم وسنستوفي فيما بقي من هذه الروايات في هذا الشأن الجديد الذي صار إليه مع الرشيد، ونعمل على التوفيق بينهما، ونرد هذه الحال الجديدة في أبي العتاهية إلى أسبابها الحقيقية عبد المتعال الصعيدي

стр. 8472

قبر الغريبة للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي قالها على لسان أحدهم يخاطب قبر حبيبته التي ماتت غريبة قبرَ الغريبة لا باكٍ ولا ناع … سوى محبٍّ من حزنه داع قبر الغريبة لا ماء ولا زَهَرُ … إلاّ دموعي وأشعاري وأسجاعي والشعر من عنصر الراديوم جوهرُه … فليس ينفكّ ذا ومضٍ وإشعاع ماتت وصورتها في العين ماثلة … أخِلَّتي لم تمت أم لستُ بالواعي كأنها من شقوق القبر ناظرة … إليّ نظرةً مُلتاعٍ لملتاع نزيلةَ القبر قولي: لستُ ميّتةً … وقد تنبهت أرنو بعد تهجاع أم ليس ما أنا راء في حقيقته … سوى خيالٍ لمن أراه خدَاع فأنت ميّتة أودعتُها بيدي … قبراً وبالرغم عني كان إبداعي حزني شديد وأوجاعي مبرّحة … ماذا يخفف أحزاني وأوجاعي؟ دع الدفينة تحت القاع راقدة … فالقاع ليس لما فيه بمضياع تحفّ بالميت أشياع لتدفنه … أمّا الغريب فلا يحظى بأشياع ما كان حادث هذا الموت في بلدي … لغير قلبيَ في صدري بصدّاع في كل عمريَ قد أحببتُ واحدة … وهذه ارتاحت في آخر الساع أَلمعت للركب استبقيه ملتمساً … فلم يردّ إليَ الركبَ إلماعي ما الأرض وهي لنا أمُّ بمشفقة … فطالما أوقعت بي شر إيقاعي ولم اكن هابطاً منها لأودية … ولم اكن لثناياها بطلاَّع ما كنت احسب أن الدهر يفجعني … بمن أحَبَّ فؤادي شر أفجاع والدهر مازال منّاعاَ لنائله … عن بعضهم ولبعضٍ غير منّاع كانت محاسنها اللائي فُتِنتُ بها … يملأن قلبي وأبصاري وأسماعي كنت السعيد بماضٍ كان يجمعنا … معاً لو أن إليه جاز إرجاعي في الحب تُسطاع أشياء وان عسرت … إلاّ السلوّ فهذا غير مسطاع ما أن ذكرتكِ في سري وفي علني … إلاّ توثَّب قلبي تحت أضلاعي

стр. 8473

أحِسّ في حين طرفي لا يراكِ إلى … جنبي بوخزٍ كحرّ النارِ لذّاع لهفي على أعين وقّادة طفِئت … بعاصفٍ هبّ يسفي الموتَّ زعزاع قد كنتِ يوم اجتماع الغيد مفردةً … ككوكبٍ في سماء الحسن لمّاع سمراء فاتنة العينين خالقُها … قد أبدع الحسنَ فيها أيّ إبداع ما قيمة العيش في معزولة شطنت … ما إن بها لنفوسٍ أوذيت راع أتأذنين بدفني إن هلكتُ إلى … جوار قبركِ في جوفٍ من القاع فتلتقي في الثرى منا الجسومُ وإن … كنا ولا أحدٌ منا به واع إن انتظارك فيه لا يطول فبي … تدنو إلى القبر أدوائي وأوجاعي أما دنوّيَ من حتفي فيُفرحني … كأنما أنا من نفسي له ساع موتُ الحبيبة في دنياي زهّدني … فلستُ إلاّ إلى حَيني بنزّاع بكِ التحاقي أكيدٌ لا ارتياب به … فلا يضيركِ إبطائي وإسراعي وسوف نسبح في هذا الفضاء معاً … وقد نطوف بشمس ذات أتباع لا يُفزعنّكِ بحرٌ للأثير طمى … وما هنالك من موجٍ ودفَّاع (بغداد) جميل صدقي الزهاوي

стр. 8474

نشيد المجد بقلم إلياس قنصل من ديوان (السهام) الذي يصدر قريباً إلى المجد سرْ، واغنم أكاليل غاه … بهمّةِ جبارٍ له الخلد مأربُ وكن قوةً يَعنو الجلالُ لبأسها … ويسبقها من سؤدد الفضل موكب وإن ناصبتْك الحربَ دنياك كلها … وحفَّكَ من ليل الحوادث غيهب فلا تشكُ فالشكوى احتضارُ مخيّبِ … ولن يستحقّ النور شاكٍ مخيبُ بل استلّ من عالي أباك مهنّدا … تغلغل فيه من مضائك كهرب وكافحْ به صرف الزمان وقل له … سأبعث فيك الرعب من حيث تهرب أورِ زناد الكدّ واخلق أشعةً … من الحزمِ لا ينتابُها الدهر مُغرب وشقّ بها درباً إلى كل غايةٍ … سناها على عطر الثنا يتغلَّب وإن بتَّ مهضومَ الحقوق ولم تثرْ … فلستَ بذي نفسٍ إلى الله تُنسب براها، ورقاها لتغدو على الثرى … خليفتَه - وهْو العزيز المغلَّوب - وما الموت إلا الضعف والجبن والونى … وما العيش إلا نيل ما أنت ترغب وما النفس إلاَّ عزة وكرامة … يظلَّها من طارف النبل مذهبُ عاصمة الأرجنتين إلياس قنصل

стр. 8475

ذكرى محمد في عيد ميلاده للأستاذ محمود غنيم هو عيدُ ميلادِ ابنِ منافِ … لا عيدُ مخترعٍ ولا كشافِ أكبرتُ قدرَك يا ابنَ عبدِ الِله عن … تأليف أوزانٍ ونحتِ قواف ما أنت إلا عيلمٌ لم يُكتشف … يَطغَي بلجَّته على الوصَّاف بحرٌ خضمَّ غير أن جُمانَه … مازال سرَّاً داخل الأصداف لولاك لانقطع الزمان فلم تكن … حلقاتُه موصولةَ الأطراف دجت القرونُ فقام دينُك حارساً … يحمي ذمار حضارِة الأسلاف هزَّ الوجودَ في بكفَّه في مهده … طفلٌ يتيمٌ من كنانةَ عاف جادت به الفلواتُ أصفى طينةً … وطويةً من جوَّهنَّ الصَّافي وأشدَّ من هَضَبَاتِهِنَّ صلابةً … وأهبَّ من إِعصارهن السَّافي فإذا الأكاسرُ خاضعون لحكمه … وإذا القياصرُ مرغمو الأناف فتحت مبادئُه الحصونَ أمامَه … قبل الصوارم والقَنَا الرعَّاف غزت القلوب بسحرها فكأنها … قد لامست منهنَّ كل شِغاف أين الذي يغزو القلوبَ من الذي … يغزو الرقاب بحدَّة الأسياف؟ تلك المبادئُ - وهي شتى - جمعت … في مبدأين: الحقَّ والإنصاف آخَى ابنُ عبدِ اللهِ بين معاشرٍ … يتناحرون تناحرَ الأخْيَاف لانت قناتُهمو لدعوته وما … لانت قناتُهمو لغمزِ ثِقاف ولقد يروض الأسَد رائضُها ولا … يتغيَّر الطبعُ الغليظُ الجافي هذا هو الأعجازُ لا بحرُ ولا … بدرٌ قد انشقَّا إلى أنصاف آيٌ من الذكر الحكيم أتى بها … فإذا القلوب تلين بعد جَفاف ولو أن ألفَيْ دوحةٍ سجداً له … ما كان ذلك بالدليل الكافي عجباً! أجاء محمد بالسحر في … آياته أم شابها بسلاف؟ أم كان تنويماً خضوعهمو له … ما ذلك السر العويصُ الخافي؟ أسرت قريشٌ مسلماً في غزوة … فمضى بلا وجل إلى السياف
следующие страницы →