← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.

стр. 8471

حضر إلا في طريق الحج، وكان يجري عليه في كل سنة خمسين ألف درهم، فلما قدم الرشيد الرقة لبس أبي الصوف وتزهد، وترك حضور المنادمة، والقول في الغزل وأمر الرشيد بحبسه، فلم يزل يكتب إليه الشعر يستعطفه حتى كتب إليه: وكلفتَني ما حلت بيني وبينه … وقلت سابغي ما تريد وما تهْوى فلو كان لي قلبان كلفت واحدا … هواكَ وكلفت الخليَّ لما يهوى وروي مرة ثالثة عن محمد بن أبي العتاهية قال: لبس أبو العتاهية كساء صوف ودراعة، وإلى على نفسه أن لا يقول شعراً في الغزل، وأمر الرشيد بحبسه والتضييق عليه فقال: يابن عم النبي سمعاً وطاعة … قد خلعنا الكساء والدُّرّاعة ورجعنا إلى الصناعة لما … كان سخط الأمام ترك الصناعة فلم يزل الرشيد متوانياً في إخراجه إلى أن قال: أما والله إن الظلم لومُ … وما زال المسيء هو الظَّلوم إلى ديان يوم الدين نمضي … وعند الله تجتمع الخصوم لأمر ما تصرفت الليالي … وأمر ما توليت النجوم تموت غداً وأنت قريرُ عين … من الغفلات في لجج تعوم تنام ولم تنم عنك المنايا … تنبه للمنية يا نَؤوم سل الأيام عن أمم تقضت … ستخبرك المعالم والرُّسوم تروم الخلد في دار المنايا … وكم قد رام غيرك ما تروم ألا يا أيها الملك المرجيّ … لميه نواهض الدنيا تحوم أقلني زَلةً لم اجر منها … إلى لوم وما مثلي مَلوم وخلَّصني تُخلَّص يوم بعث … إذا للناس بُرَّزّتِ الجحيم وسنستوفي فيما بقي من هذه الروايات في هذا الشأن الجديد الذي صار إليه مع الرشيد، ونعمل على التوفيق بينهما، ونرد هذه الحال الجديدة في أبي العتاهية إلى أسبابها الحقيقية عبد المتعال الصعيدي

стр. 8472

قبر الغريبة للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي قالها على لسان أحدهم يخاطب قبر حبيبته التي ماتت غريبة قبرَ الغريبة لا باكٍ ولا ناع … سوى محبٍّ من حزنه داع قبر الغريبة لا ماء ولا زَهَرُ … إلاّ دموعي وأشعاري وأسجاعي والشعر من عنصر الراديوم جوهرُه … فليس ينفكّ ذا ومضٍ وإشعاع ماتت وصورتها في العين ماثلة … أخِلَّتي لم تمت أم لستُ بالواعي كأنها من شقوق القبر ناظرة … إليّ نظرةً مُلتاعٍ لملتاع نزيلةَ القبر قولي: لستُ ميّتةً … وقد تنبهت أرنو بعد تهجاع أم ليس ما أنا راء في حقيقته … سوى خيالٍ لمن أراه خدَاع فأنت ميّتة أودعتُها بيدي … قبراً وبالرغم عني كان إبداعي حزني شديد وأوجاعي مبرّحة … ماذا يخفف أحزاني وأوجاعي؟ دع الدفينة تحت القاع راقدة … فالقاع ليس لما فيه بمضياع تحفّ بالميت أشياع لتدفنه … أمّا الغريب فلا يحظى بأشياع ما كان حادث هذا الموت في بلدي … لغير قلبيَ في صدري بصدّاع في كل عمريَ قد أحببتُ واحدة … وهذه ارتاحت في آخر الساع أَلمعت للركب استبقيه ملتمساً … فلم يردّ إليَ الركبَ إلماعي ما الأرض وهي لنا أمُّ بمشفقة … فطالما أوقعت بي شر إيقاعي ولم اكن هابطاً منها لأودية … ولم اكن لثناياها بطلاَّع ما كنت احسب أن الدهر يفجعني … بمن أحَبَّ فؤادي شر أفجاع والدهر مازال منّاعاَ لنائله … عن بعضهم ولبعضٍ غير منّاع كانت محاسنها اللائي فُتِنتُ بها … يملأن قلبي وأبصاري وأسماعي كنت السعيد بماضٍ كان يجمعنا … معاً لو أن إليه جاز إرجاعي في الحب تُسطاع أشياء وان عسرت … إلاّ السلوّ فهذا غير مسطاع ما أن ذكرتكِ في سري وفي علني … إلاّ توثَّب قلبي تحت أضلاعي

стр. 8473

أحِسّ في حين طرفي لا يراكِ إلى … جنبي بوخزٍ كحرّ النارِ لذّاع لهفي على أعين وقّادة طفِئت … بعاصفٍ هبّ يسفي الموتَّ زعزاع قد كنتِ يوم اجتماع الغيد مفردةً … ككوكبٍ في سماء الحسن لمّاع سمراء فاتنة العينين خالقُها … قد أبدع الحسنَ فيها أيّ إبداع ما قيمة العيش في معزولة شطنت … ما إن بها لنفوسٍ أوذيت راع أتأذنين بدفني إن هلكتُ إلى … جوار قبركِ في جوفٍ من القاع فتلتقي في الثرى منا الجسومُ وإن … كنا ولا أحدٌ منا به واع إن انتظارك فيه لا يطول فبي … تدنو إلى القبر أدوائي وأوجاعي أما دنوّيَ من حتفي فيُفرحني … كأنما أنا من نفسي له ساع موتُ الحبيبة في دنياي زهّدني … فلستُ إلاّ إلى حَيني بنزّاع بكِ التحاقي أكيدٌ لا ارتياب به … فلا يضيركِ إبطائي وإسراعي وسوف نسبح في هذا الفضاء معاً … وقد نطوف بشمس ذات أتباع لا يُفزعنّكِ بحرٌ للأثير طمى … وما هنالك من موجٍ ودفَّاع (بغداد) جميل صدقي الزهاوي

стр. 8474

نشيد المجد بقلم إلياس قنصل من ديوان (السهام) الذي يصدر قريباً إلى المجد سرْ، واغنم أكاليل غاه … بهمّةِ جبارٍ له الخلد مأربُ وكن قوةً يَعنو الجلالُ لبأسها … ويسبقها من سؤدد الفضل موكب وإن ناصبتْك الحربَ دنياك كلها … وحفَّكَ من ليل الحوادث غيهب فلا تشكُ فالشكوى احتضارُ مخيّبِ … ولن يستحقّ النور شاكٍ مخيبُ بل استلّ من عالي أباك مهنّدا … تغلغل فيه من مضائك كهرب وكافحْ به صرف الزمان وقل له … سأبعث فيك الرعب من حيث تهرب أورِ زناد الكدّ واخلق أشعةً … من الحزمِ لا ينتابُها الدهر مُغرب وشقّ بها درباً إلى كل غايةٍ … سناها على عطر الثنا يتغلَّب وإن بتَّ مهضومَ الحقوق ولم تثرْ … فلستَ بذي نفسٍ إلى الله تُنسب براها، ورقاها لتغدو على الثرى … خليفتَه - وهْو العزيز المغلَّوب - وما الموت إلا الضعف والجبن والونى … وما العيش إلا نيل ما أنت ترغب وما النفس إلاَّ عزة وكرامة … يظلَّها من طارف النبل مذهبُ عاصمة الأرجنتين إلياس قنصل

стр. 8475

ذكرى محمد في عيد ميلاده للأستاذ محمود غنيم هو عيدُ ميلادِ ابنِ منافِ … لا عيدُ مخترعٍ ولا كشافِ أكبرتُ قدرَك يا ابنَ عبدِ الِله عن … تأليف أوزانٍ ونحتِ قواف ما أنت إلا عيلمٌ لم يُكتشف … يَطغَي بلجَّته على الوصَّاف بحرٌ خضمَّ غير أن جُمانَه … مازال سرَّاً داخل الأصداف لولاك لانقطع الزمان فلم تكن … حلقاتُه موصولةَ الأطراف دجت القرونُ فقام دينُك حارساً … يحمي ذمار حضارِة الأسلاف هزَّ الوجودَ في بكفَّه في مهده … طفلٌ يتيمٌ من كنانةَ عاف جادت به الفلواتُ أصفى طينةً … وطويةً من جوَّهنَّ الصَّافي وأشدَّ من هَضَبَاتِهِنَّ صلابةً … وأهبَّ من إِعصارهن السَّافي فإذا الأكاسرُ خاضعون لحكمه … وإذا القياصرُ مرغمو الأناف فتحت مبادئُه الحصونَ أمامَه … قبل الصوارم والقَنَا الرعَّاف غزت القلوب بسحرها فكأنها … قد لامست منهنَّ كل شِغاف أين الذي يغزو القلوبَ من الذي … يغزو الرقاب بحدَّة الأسياف؟ تلك المبادئُ - وهي شتى - جمعت … في مبدأين: الحقَّ والإنصاف آخَى ابنُ عبدِ اللهِ بين معاشرٍ … يتناحرون تناحرَ الأخْيَاف لانت قناتُهمو لدعوته وما … لانت قناتُهمو لغمزِ ثِقاف ولقد يروض الأسَد رائضُها ولا … يتغيَّر الطبعُ الغليظُ الجافي هذا هو الأعجازُ لا بحرُ ولا … بدرٌ قد انشقَّا إلى أنصاف آيٌ من الذكر الحكيم أتى بها … فإذا القلوب تلين بعد جَفاف ولو أن ألفَيْ دوحةٍ سجداً له … ما كان ذلك بالدليل الكافي عجباً! أجاء محمد بالسحر في … آياته أم شابها بسلاف؟ أم كان تنويماً خضوعهمو له … ما ذلك السر العويصُ الخافي؟ أسرت قريشٌ مسلماً في غزوة … فمضى بلا وجل إلى السياف

стр. 8476

سألوه هل يرضيك أنك سالم … ولك النبي فدًى من الإتلاف فأجاب كلا لا سلمت من الردى … ويُصابَ أنفُ محمدٍ برعاف أقسمتُ ما كان النبي محمدٌ … بمشَعْوِذٍ كلا ولا عرَّاف ليس النبي بساحرٍ يتلو الرُّقى … ويُخيف بالأشباحِ والأطياف لكنه الأيمان من يظفْر به … يَلْقَ المفاوزَ سهلة الاكْناف لو آمن الجبلُ ارتقى فوق السُّهى … بقوادمٍ من ريشة وخواف هذا الذي جعل النبيَّ ورهطَه … إن حاربوا انتصروا على الأضْعَاف يزداد في ساح الوغى إيمانُهم … فيقابلون الموت باستخفاف يُسْتَضْعَفُون لقلَّة لكنهم … بوثوقهم في الله غيرُ ضعاف فإذا دُعُوا للحرب هُّبوا أو دُعُوا … للمال عفُّوا عنه أيَّ عفاف قم سائل الأعرابَ أيةَ دولة … نهضوا بها حملاً على الأكتاف بزَّت أثينا في الحضارة أمة … لم تأوِ غيرَ مضارِبٍ وفياف شُغلوا بفلسفةٍ وعلم بعدما … شُغلوا بوصف منازلٍ وأثاف تخذوا القصور مساكناً وتسربلوا … بالخز لا الأوبار والأصواف فإذا الجزيرة بعد جَدْب جنةٌ … مياسةٌ مهتزةُ الأعطاف يا رُبَّ أسطولٍ بنَوْهَ كأنه … بحرٌ خضمٌّ فوق آخَرَ طاف السُّوقةُ الأجلافُ قد حكموا الورى … أنْعم بحكم السوقة الأجلاف ما شئت من عدل وتسوية ومن … شورى فيا لثلاثة الأحْلاف يا شرق يا مهدَ الشرائع رحمةً … لك، ما لأهلك فيك كالأضياف؟ يا شرق أنت لكل شمس مطلعٌ … ما بال أفقك حالك الأسْداف أعْزِزْ علينا أن نراك تئنٌّ من … تقييد أقدام وشدِّ كِتَاف بدأت من الشرق الحضارةُ سيرها … أفما لرحلتها من استئناف؟ محمود غنيم

стр. 8477

القصص من أساطير الإغريق هرقل مولده. نشأته. قوته الخرافية. مجازفاته للأستاذ دريني خشبة كان قلب الإله الأكبر شيوعية في دولة الحب. . . ولم يكن يقصر هواه على ربات الأولمب فحسب، بل كان يفتتن بكل حسناء من بنات حواء وطالما وصل أسبابه بأسباب الغيد الأماليد من ظباء دار الفناء. . هذه الحياة الدنيا. . . ولقد كانت زوجه حيرا تقعد له بالمرصاد، لما تعرف من تصابيه، ولقلة ثقتها فيه، فلما علق الفتاة الفاتنة، ألكمين، إحدى أميرات هيلاس، كان يبالغ في الحذر حتى لا تفجأه زوجه معها كما فجأته مع الحسناء يو من قبل ونعم الحبيبان بحياة راضية، ووضعت ألكمين طفلها العاتية الجبار هرقل، وما كاد النبأ يذيع في دولة الأولمب حتى ثارت ثائرة حيرا واسقط في يدها. . . لأنها لم تعد تستطيع الانتقام لكبريائها من منافستها في قلب زوجها (زيوس) تلك المنافسة التي ارتفعت إلى مرتبة الآلهة بعد إذ وضعت غلامها ابناً لسيد أرباب الأولمب ولكنها، وهي المجبولة على الشر دائماً، آلت إلا أن يرتد نور الحياة المتلألئ ظلاماً في عيني ألام، وذلك بالفتك بوليدها المحبوب، فأمرت حيتين رقطاوين من أبالستها أن تسعيا إلى مهد الطفل، وان تندسا فيه، حتى إذا سنحت لهما فرصة أودتا بحياته، وعادتا بإثارة منه تشهد على إنفاذ ما أمرتا به وسعت الحيتان حتى استقرتا في المهاد الوثير، وانتهزتا غفلة من الخدم فانقضتا على الفريسة الصغيرة، وأوشكتا أن تظفرا بها. . . ولكن هرقل الصغير الهادئ، افتر عن ثغر شتيت مشرق، وقبض بأصابيعه الصغيرة الدودية على راس كل من الحيتين، وبضغطتين هائلتين حطم عظامهما جميعاً. وكان الخدم قد اقبلوا، فلما شهدوا الأفعوانين صرخوا وأعولوا، بيد أنهم بهتوا وطار الصواب من

стр. 8478

أدمغتهم حينما رأوا أن الصغير، المنبطح على ظهره يضرب بظهره ها هنا وها هنا، قد قضى على الحيتين العظيمتين وألقاهما ضحيتين غير مباركتين على مذبح قوته الخرافية!! وقدمت الكمين إلى صدرها الهائل! فرحة مستبشرة، وطبعت على جبينه الضاحك قبلة حملت أسمى معاني الأمومة وذهلت حيرة عندما سمعت بما صنع الغلام بشيطانيها، وأيقنت ألا سبيل إلى القضاء عليه، ولكنها لم تيأس، وأقسمت أن تنثر الشوك في مستقبله القريب، وثبت العراقيل في حياته الجائية وشب هرقل. . . ونشأه مؤدبه، شيرون، زعيم السنتور، تنشئة حربية حافلة، ولقنه كل ما تحتاج إليه حياة الفرسان من تقشف وخشيشان؛ فمهر هرقل في زمن قصير في استعمال الأسلحة بأنواعها، ونبغ في جميع صنوف الرياضة والعاب الفروسية والقوى وكان شيرون نفسه يعجب بهذا الجسم الحديدي، يمسكه العضل البارز، ويزينه الكيان المفتول. . . وكان إذا أراد تدريبه على المصارعة والعاب القوة، آثر أن يشركه في نزال مع الثيران والعجول، والضخم ذو الأيد من بهيمة الأرض. وكان هرقل لا يخشى شيئاً من خصومه العجماوات، بل كان يقبل على مصارعتها بثغر بسام وقلب طروب، فلا يدعها معفرة بالتراب! وخشيته الحيوانات جميعاً، فكانت تجفل من طريقه كلما رأته مقبلاً نحوها، لطول ما جربت من بطشه وشديد بلائه! وكان الفتى كلما ازداد قوة، وذاب الحديد في عضلاته، ازدادت حيرا تغيضاً وهاجت في فؤادها الأحقاد! ولم تعد تطيق صبراً على هذا الخصم العنيد، ومادت بها الأرض، وأصبحت كأن يعاسيب العداوة تظن في رأسها تغريها بهرقل، ومن يلوذ بهرقل، فانطلقت إلى زوجها ولم تزل به حتى اصدر إرادة أولمبية تقضي أن يصبح هرقل خادماً لابن عمه، النذل الخسيس، يوريذوس أمير ارجوس، وأن يظل في خدمته بضع سنين. . . وانتهى هرقل من تلمذته على شيرون وانطلق يكابد كفن قاس ملئ بالرغائب، مفعم بالمجازفات. فبينما كان يعبر طريقاً معروشاً بفروع السنديان، بين غابتين عظيمتين، إذا

стр. 8479

غانيتان جميلتان تعترضانه وتأخذان على سبيله. . . فأشاح عنهما، يحسبهما من المسكينات ملفوظات البغاء، أو من أولئك اللائى يتخذن الفسوق حرفة قذرة إلى عيش وضيع. ولكن الفتاتين تشبثا به، وأبتا إلى أن يقف معهما هنيهة، يتخير منهما واحدة تكون رائدته في هذه الحياة، تهديه وترشده وتأخذ بيده في سبلها المتشعبة وكانت إحدى الفتاتين، (كاكيا)، شيطان الأثم، وإبليس الفجور في هذه الأرض. فتقدمت إليه متبرجة متهتكة، تغمز بهذا الطرف، وتبسم بذاك الثغر، وتهز ما سكن من الجيد، وتمط ما أشرب من العنق، وتحسر عن الساقين، وتكشف عن الذراعين، ثم هي تقرقع بضحكات مخنثة تثير الاشتهاء في نفس الشاب، وتستولي بها على مشاعره: (أنا، حبيبتك كاكيا، أجمل غادات هيلاس ومفتحة الورود في خدود العذارى، أضع قلبي وجسمي بين قدميك يا هرقل العزيز، مطية إلى الفردوس التي تجد فيها ما شئت من نعيم وما تمنيت من لذة. . . فاتبعني اجعل الدنيا كلها من حولك سعادة، وأصير طريقك أني ذهبت في الحياة منضورة بالورد، زاهرة بالرياحين. . . هلم ألي نحي حياة كالحلم، بعيدين من عناء العالم، نائمين عن شقاء الدنيا، لانفتح عينينا إلا متعة، ولا نرهف سمعينا إلا لموسيقى، ولا نغلق قلبينا إلا على نعيم. . . مالك ولشد اربداد وجه الحياة يا حبيبي هرقل؟ إن الدنيا فرصة سانحة فانتهزها، وان العمر قصير ألا تلق به بخوراً في نار البأساء، وأن الأيام لتخب بنا دون أن نشعر بها، فلم نحاول أن نلبسها بالجد فيها هذا اللبوس الأسود الحزين القاتم؟ ولم لا نرسلها في وشي وافواف، لم لا نسمع دائماً لما توحيه ألينا قلوبنا ونفوسنا ما دامت الدنيا مخلوقة لها؟ لم تطرق هكذا يا حبيبي؟ أمتعب أنت؟ هات رأسك إذن، ودعه ملقى على صدري الجميل الخصب. . .) ولكن الفتى نفر نفرة بادية، وأرسل نظرة فاحصة إلى (اريتيه)، الفتاة الأخرى، التي كانت تقف عن كثب، مصغية إلى حديث كاكيا، مشفقة على الشاب المسكين. أما اريتيه هذه فربة الفضيلة، ونفحة السماء، وهادية البشر ومنقذتهم من شرور كاكيا. . . وسألها هرقل: (وأنت أيتها الفتاة، بم تشيرين؟) وقالت اريتيه، وهي تكفكف عبرة غالية: (انا؟ لا أشير عليك بشيء أيها الصديق إلا بالحذر من هذه الغادة! أنها توشك أنا تظلك وترديك!) فغضبت كاكيا وأخذها الحنق، وأجابت في غلظة ومخاشنة: (أضله وأرديه؟

стр. 8480

هاها. . . وأنت أتسلكين به سبيل الفضيلة الذي زرعت أرضه قتاداً، وبرزت فيها أنياب الذئاب؟ اسمع يا هرقل، أصغ ألي يا حبيبي، دعك من هذه الفتاة المحتشمة. . إليك عنها. . . إنها تغطش حياتك لو تبعتها. . .) وتبتسم اريتيه ابتسامة هادئة وتقول: (أن الآلهة يا هرقل قد زودتك بهذه القوة الكامنة في بنيانك لغرض أسمى من جميع الأغراض الحيوانية، وقد كان أجدى للخير العام أن تخلق ثوراً ذا خوار من أن تودع كل هذا الحديد في عضلاتك، لو لم تكن قد أعدتك لفعال جسام لن يؤديها غيرك. اجل! أن طريقي لا ينمو بها غير الشوك، وأنها تدمي الأقدام وتجهد السائرين، ولن ترى فيها زهرة ولا ريحانة، بل لن تسمع بها عصفوراً يغني ولا بلبلاً يغرد، وبالعكس، قد تقتتل فيها مع السباع والضواري والثعابين، ولكنك في أخر كل نصر، وعقبى كل ظفر، ترى جنة من الرضى تحفك بالزهر، وترقص بين يديك بالغواني والقيان. أما هذه. أما ما تغريك به هذه الأنثى الهلوك، ففيه حتفك، فحذاري. وليس احب إليك كرجل كان له الشرف أن يكون ابن إله من أن تثبت للإله انك جدير بما انتدبتك له) وسكتت اريتية ولكن كاكيا لبثت تدل وتتيه وتتبرج تحاول الفوز بهذا القنص العزيز. غير أن نخوة الرجولة ثارت في قلب هرقل فانتهر الغانية الغاوية واغلظ لها ثم تقدم إلى اريتية فتناول يدها الصغير الحلوة وطبع عليها قبلة تفيض وقاراً واحتراماً ثم قال لها بصوت متهدج خافت: (هلمي بنا يا فتاة فلن أخشى في سبيلك بأساً ولا رهقا) وانطلقا. . . وغابا في ظلام الغابة. . . ولم يبرح هرقل معينا للضعفاء مغيثاً للملهوفين إذا رأى مظلوماً انتصف له من ظالمه وإذا لقي جائعاً نزل له عن زاده؛ ولم يبرح ينصر الفضيلة أنى سار، ولم تبرح الفضيلة تمشي في أثره أيان، ولى حتى ضاقت الدنيا بحيرا ولم تعد تحتمل هذا الغار من المجد يكلل هامة خصمها العظيم، ولاسيما بعد أن اتصل بالملك كريون ملك طيبة وزواجه من ابنته الجميلة ميجارا لقد أحب هرقل زوجته حباً جما وأحبته هي كذلك وأخلصت له وكانا يذهبان إلى الغابة القريبة يتناجيان نجوى الحب ويرشفان كؤوس الهوى ويعودان مع الأصيل فيسامران الملك الشيخ ويدبران معه أمور المملكة. ثم مكرت حيرا مكرها!. . .

стр. 8481

لقد صممت على أن تسلب هرقل رشده وتتركه يهيم في الأرض ينطح برأسه الصخر كما يفعل الضلال المجانين. فبينما كان غاراً في أحلام السعادة إلى جانب زوجته آمنين مطمئنين إذا حيرا الآثمة تندس في ظلام المخدع وتنفث سحرها الفظيع في أذني هرقل وتمضي لشانها فتختبئ في الحديقة خلف دوحة كبيرة من دوح الشاهبلوط. . . وتنظر ثمة ريثما يصحو الزوج المسكين فتشهد المأساة التي تتفزع من هولها الأرض وتميد الجبال!. . . وأشرقت الشمس! واستيقظ هرقل ونهضت ميجارا ولكن ناراً كانت تقدح الشرر في عيني البطل! وزبداً حاراً كان ينقذف من فمه المخوف! وأصواتا كأصوات الشياطين كانت تدوي في رأسه الضخم. . . والدم!. . . لقد كان ينبثق من كل جارحة في جسمه الأرجواني فيصبغ اللحف والأرائك ويسيل على أديم الغرفة المغطى بالدمقس! وذعرت ميجارا وصرخت صرخات راجفة تدعو أباها. . ولكن هرقل المسحور ينتفض انتفاضة تزلزل أركان القصر وينقض على زوجته التعسة كأنه ضبع: (تعالي يا خائنة! أين كنت طيلة الليلة الفائتة؟ آه! أجل! كنت تتمرغين بين ذراعي عشيقك الجبان! الويل لكما! شرف هرقل تلغ فيه الكلاب!) وبضغطة قوية من يديه الصارمتين على عنق الفتاة المنكودة يتركها جثة هامدة قرباناً لموت في عنفوان الصبا وضحية للردى في ريعان الشباب. . . وانطلق يصرخ في ردهات القصر وهرول يزمجر في حنيات الحديقة ثم أطلق ساقيه للريح. . . وفي قنة جبل تزمزم الأعاصير في جنباته جلس هرقل المسكين ليثوب إليه رشده وليذكر أنه قتل زوجته المحبوبة في نوبة جنونية فينشج ويبكي. . وتكون غمامة فوق رأسه تظله من وهج الشمس فتنشق عن آله كريم هو هرمز رسول السماء، حمل إلى هرقل تلك الإرادة الأولمبية القاسية التي أصدرها زيوس، متأثراً بإلحاح زوجته الآثمة حيرا التي تقضي أن يظل هرقل في خدمة ابن عمه يوريذوس اثني عشر

стр. 8482

شهراً يصدع خلالها بما يؤمر! - (لقد كان عليك أن تظل في خدمته بضع سنين ولكننا ألحفنا على رب الأرباب فقصر المدة وأختزلها إلى ما ترى!) (يختزلها أو لا يختزلها، لقد أصبحت الحياة سجناً بدون ميجارا!) - (عليك بالصبر يا صديقي، فقد تفيدك طاعة الإله. . .) - (الإله التي لا تحسن عملاً غير هذا العبث!) - (صه صه. . هلم إلي يوريذوس، وستكون حراً بعد سنة واحدة. . .) وجن جنون هرقل لهذا القضاء الأولمبي الأعمى، وفر من هرمز في مسارب المياه، ولجأ إلى الوحوش يلتمس لديه الصبر الجميل والقلب الرحيم؛ ولكنه عبثاً حاول الفرار مم كتبت السماء عليه، وهنا، بدت له صديقته ربة الفضيلة أربيته، فنصحته، ولم تزل به حتى أقنعته بخدمة يوريذوس، فذهب إليه كسير القلب مهيض الجناح، وكان جبلاً من الهم والسخط مستقر على رأسه وقال له يوريذوس: - (وأخيراً وصلت إلي آخر الدرب يا هرقل!. . . إن أمامك أموراً فأعد لها عدتك، فما أحسب دموعك على ميجارا بمجدية عليك شيئاً. . . .) وحدجه هرقل بنظرة يشتعل فيها الغضب وقال له: (أجل؛ لقد وصلت أخر الدرب. . ولكن ليس لك شأن بدموع أذرفها من أجل ميجارا. . . ألا فاذكر حاجتك التي أرسلتني الآلهة لأقضيها لك، وأقصر!) وضحك يوريذوس حتى كاد الرعد يخرج من بين شدقيه، وقال: (حاجتي! إن لي لحاجات ما أحسبك تستطيع قضاء واحدة منها. وكيف تصبر مثلاً على سبع نيميا الذي يقطع الطريق إلى غاباتها ذات الكنوز والأذخار؟) وقال هرقل: (سبع نيميا أو ألف سبع كسبع نيميا، عليك أن تكلفني ولو بهدم السماء أفعل ما تكلفني به. . والآن، أإذا جئتك برأس هذا السبع أكون طليقاً؟) - (تكون طليقاً؟ إن أمامك اثنتي عشرة مسألة، رأس سبع نيميا أولها وأيسرها يا هرقل، فهلم إذن، وسنرى. . .) (لها بقية)

стр. 8483

دريني خشبة

стр. 8484

من الأدب الإيطالي الليالي العشر ترجمة الأديب أحمد الطاهر - ٣ - قصة صداقة جيزيبوس وتيتوس قالت فيلو مينا: (لقد سمعتم من بامفيلو قصة رائعة تظهركم على قوة الحب وأثره في النفوس؛ وأنا ذاكرة لكم قصة أخرى تكشف عن قوة الصداقة وفعلها في الناس: وقعت حوادثها في عهد أوكتافيوس قيصر إذ كان حاكماً لروما فصل من روما إلى أثينا شاب يدعى تيتوس ليدرس الفلسفة، وهناك عربي شاباً أثينياً شريفاً أسمه جيزيبوس، واتصلت بين الفتيين أسباب الصداقة والمحبة. ومضت سنون ثلاث تعمل على توثيق هذه الأسباب، والفتيان لا يفترقان في مسكن أو مأكل أو درس وقدر لجيزيبوس الأثيني أن أغرم بفتاة جميلة من بنات جنسه تدعى (سوفرونيا)، وحببت إليه الفتاة، وحبب الفتى إليها، واتفق المحبان على الزواج ورأى جيزيبوس قبل الزواج ببضعة أيام أن يصحب صديقه الروماني تيتوس إلى بيت الفتاة لزيارتها، وهو يعهد فيه نبلاً في الطبع، وشرفاً في النفس لا سبيل إلى الشك فيهما، وما أن رأى تيتوس الفتاة حتى أقصده حبها بسهم مصيب، واشتدت به تباريح الهوى، فما يغمض له جفن، ولا يهنأ له طعام. وما زال الحب يلح عليه حتى أضناه، ويسرف في النيل منه حتى أضواء، وأصبح الفتى سقيما عليلاً لا يرجى شفاؤه، ولا يرحم داؤه، وساءت به الحال، حتى أشفى على الزوال وعز على صاحبه ما أصابه، وذهبت به الظنون كل مذهب في سبب علته، وأخذ يسائله عن مصدر أحزانه، ومبعث أشجانه، والفتى لا يستطيع جواباً بغير الدمع ينهمر من مآقيه، والصمت لا يبرح على فيه؛ ولما أسرف عليه صاحبه في السؤال وألح، قال: (يا صديقي،

стр. 8485

لقد أحسست بخستي ودناءتي؛ فما احسبني بعد اليوم خليقاً بصداقتك، وما أطمع منك إلا في عفوك وصفحك، أما عند الله فسيصيبني بما أجرمت صغار وعذاب شديد، وما يوم القصاص ببعيد. ولا أكتمك أن مبعث علتي، ومصدر شقائي هو حبي لفتاتك سوفرنيا. أعترف لك بهذا الأثم الشنيع الذي فارقت رحضاً لسبة الخيانة، ومعرة الإنكار، واستعداد لقضاء العادل الجبار) وجم صاحبه لحظة، واستولت عليه حيرة، وتزاحمت عليه خواطر شتى: هذا وفاؤه لتيتوس يكبره ويقدسه، ويذود عنه بعقله وحكمته، وهذا حبه لسوفرينا يملك عواطفه ويتحكم في شعوره ويملأ قلبه. فماذا يصنع؟ والى أي العاملين يخضع؟ ثم ليست هي الصداقة وحدها تتراءى له فيقع في حيرة وتردد، بل هو الصديق نفسه قد أشفى على الهلاك والتلف، وتصرمت بينه وبين الحياة أسبابها. أطال جيزيبوس الصمت، وأغرق في التفكير، ثم استقر، ورضى، وطابت نفسه أن ينزل عن سعادته في الحب لينجو صديقه من الموت، وتنجو صداقتهما من أن يعتورها كلل أو فتور ومضت بضعة أيام، وأقبلت سوفرنيا إلى منزل العريس، وقد أعد العدة لليلة الزفاف. وما وافت ساعته حتى انسل إلى مقصورتها، وأطفأ شموعها وقفل راجعاً إلى صديقه تيتوس في حيرة لا قبل له بها، وتزاحم عليه الخجل، والحب، ولرغبة، والأباء، والوفاء: تتنازع هذه النفس المعذبة المحطمة وتتركها شعثاً لا يرجى له اجتماع، وتضطرب في هذا القلب المتداعي حتى ليكاد ينفجر الصدر، وتنقض الأضلاع. ولم يسعه إلا أن يرفض ما عرض عليه جيزيبوس، وألح هذا الصديق الوفي في قبول ما عرض، حتى نزل تيتوس على إرادة صديقه وقبل رجائه، وأسترق الخطى إلى مقصورة العروس، فلما دنا منها تحت غلس الليل قال لها: (أتطيبين نفساً بزواجي؟) فحسبته الفتاة زوجها الموعود جيزيبوس، وأجابت (بنعم). فتناول خاتماً ثميناً ووضعه في إصبعها وقال لها شاكراً (وسأكون زوجك) ولما تنفس الصبح وافتضح التدبير أدركت سوفرونيا أن في الأمر خدعة ودلساً. فتسللت من بيت عرسها وانصرفت إلى أمها وأبيها، تشكو إليهما خدعة وقعت فيها، وذاع الخبر في أثينا، وكان حديثاً تلوكه ألسنة الناس ساخطة على فعلة جيزيبوس وخديعته لفتاة انحدرت من أطهر الأصلاب وأعرق الأنساب، ولكن لا مفر مما وقع، ولا تبديل لحكم القضاء. ولم

стр. 8486

يجد والدا الفتاة حيلة في هذه الكارثة المخزية إلا أن يسترا الفضيحة ويكتما العار. فطلبا إلى تيتوس أن يرحل بالفتاة إلى روما حيث لا يعلم الناس من أمرهما شيئاً. وما كاد الفتى يفصل عن أثينا بزوجته حتى تحركت في نفوس الملأ سورة الغضب والانتقام من جيزيبوس جزاءً بما فعل بهذه الأسرة الكريمة، واشتدوا على الرجل ونكلوا به تنكيلاً، وجردوه من كل ما يملك، وشردوه من أثينا تشريدا أبدياً، فخرج منها مذموماً مدحوراً وركب نعليه إلى روما، ومشى إليها مكباً على وجهه، كاسف البال، عليه من الثياب أسمال، لا رفيق له إلا أحزانه وأشجانه، تبطئ خطاه حيناً، وتسرع أحياناً. ولقى في سفره هذا عناءً ونصباً. وأشرف على المدينة فتلمس دار صديقه الذي لقى ما لقى في سبيل الوفاء له والإبقاء على صداقته فهداه السابلة إلى طريق اتخذ سمته فيه إلى قصر شامخ عليه مظاهر النعيم واليسار، تجري عليه من السعادة أنهار، وإذا هو قصر صاحبه تيتوس. وتنسم أخباره فإذا هو في نعمة سابغة، وسطوة بالغة، وإذا هو في المدينة من ذوي السلطان والحول، والقوة والطول، لا يدفع له أمر، ولا يرد له قول أن كان في المقربين من أمير البلاد أوكتافيوس قيصر من الخاصة الخلصاء. وأختلس الفتى من أعين الحراس موقفاً إلى جوار الباب خفياً، وأسنده ظهره إلى الحائط وأطرق يفكر ملياً وا رحمتاه لهذا البائس المنكود! يسبح في بحار من الأحزان والآلام لو سلطت على هذا القصر لدكته على من فيه دكاً. ترى ما الذي يختلج في هذا الصدر من لوا عج الأسى؟ وما الذي يضطرب في هذه النفس من شتى المشاعر؟. هذا صديقه الذي نزل عن سعادته في الدنيا لينعم بها دونه ولقى في سبيل الوفاء له شر ما يلقى الناس من عنت الدهر، وتجرد له من حطام الدنيا وما ملكت يداه، وأفزع من وطنه شريداً طريداً لينعم بخفض العيش ويستقر في مهاد النعمة. . أإذا خرج ورآه، يعطف عليه ويرق لمرآه؟ أيذكر له سابق فضله ويسبغ عليه من فيئه؟ وكيف السبيل إليه، ودونه من الحراس والحجاب والأبواب ما يصد الناس عن الوصول إليه ولو كانوا من ذوي المكانة. فكيف به وهو على ما نعلم من المذلة والمهانة؟ وبدت في القصر حركة تدل على أن صاحب القصر قد آذن بالخروج، فتحرك الفتى من

стр. 8487

موضعه، واحتبست أنفاسه، وخرجت من صدره نفثات، ومن عينه عبرات، ومر صاحب القصر به ولم يعن بشأنه ولم يلتفت إليه كأن لم يكن شيئاً موجوداً وأنصرف الفتى يتعثر في أذيال الخيبة ويهيم في الطرقات، لا يقصد غاية، ولا ينتهي إلى نهاية. كأنما وكل بسبل المدينة يذرعها ذرعاً. وأدركه الليل. وبسط عليه جناحين من سواد، فأوى إلى كهف يتخذه اللصوص مثابة فألقى عنده عصا الترحال وأسند رأسه إلى الأرض يلتمس فيها راحة البدن؛ وقد أيأسته راحة النفس، وحاول أن يغمض عينيه، ولم يجد النوم سبيلاً إليهما بين هذه العبرات الحارة المنهمرة انهماراً. ودخل إلى الكهف لصان يحملان أسلاباً، ونزع الشيطان بينهما فاختلفا في قسمة الغنيمة فهم أحدهما وضرب الآخر فأرداه قتيلاً تنفس الصبح وطاف بالكهف بعض العسس فألفوا القتيل مضرجاً بدمائه وفتى القصة راقداً إلى جواره. فاقتادوه إلى دار الشرطة والقضاء ليتبينوا منه الأمر وهنا دفع اليأس فتانا لأن يلتمس مخرجاً من هذه الكوارث فألقى بنفسه إلى التهلكة وترامى في أحضان الموت وقال: (أنا القاتل!) وفي نفسه بارقة من الأمل، ولكنه أمل في الموت وفي أن يخرج من عناء الدنيا إلى راحة الأخرى قال القاضي (ولقد حكمنا عليك بالإعدام صلباً) وكذلك كان يجزى القاتلون وساقت الأقدار تيتوس ذا الحلول والطول إلى ساحة القضاء ليزجى دفاعاً عن أحد الأبرياء، فحانت منه نظرة إلى فتانا جيزيبوس فأنكره، ثم تأمله فتبينه وعرفه، فساءته حاله وأشفق عليه وعقد العزم على أن يخرجه من بأسائه إلى نعيم، وأن يبعث في حواشي هذه النفس الحالكة شعاعً من الأمل لا يخبو. ولم يكن من سبيل إلى هذه الغاية إلا أن يدحض اعتراف جيزيبوس باعتراف آخر، فمثل أمام القاضي وقال: (مهلاً أيها القاضي! أنا القاتل! وهذا الرجل برئ مما يدين به نفسه!) وقع القاضي في حيرة يصعب الخلاص منها، وأدرك تيتوس أن صديقه يسعى لإخراجه من فم الأسد الذي أقحم نفسه بين فكيه. وهو لا يريد الفرار من بؤس الحياة إلى الحياة، وإنما وجد في الموت منجاة من عذاب الحياة. وفصل جيزيبوس من مجلسه إلى القاضي ودفع صاحبه وقال: (لا! بل أنا القاتل يا سيدي ولا ترفع قصاصك إلا عليّ!) قال القاضي في نفسه: (أكان الصلب شرفاً يتزاحم عليه هذان المأفونان؟) وفيما هما

стр. 8488

يتدافعان إلى الردى برز من بين النظارة لص هصور وقال: (لقد رأيت هذين الرجلين يدفع أحدهما الآخر بما وسعه من الجهد عن حياض الردى، فما وجدت خيراً من أن أعترف لك يا سيدي القاضي بكل شيء فأريحك وأنقذ الرجلين وأريح نفسي. ما شأن تيتوس - وهو على ما علمتم من الشرف - وما سدة اللصوص يأوي إليها أو يتخذ إليها السبيل؟ وهذا الرجل ذو الثوب الخلق كان حقاً في إحدى زوايا الكهف نائماً، ودخلنا الكهف أنا وزميل لي ونزغ الشيطان بيننا فاختلفنا في قسمة الأسلاب - واللصوص كما تعلمون تدب بينهم الشحناء لخير العدالة والقضاء، ففضضت النزاع بأن سلت مديتي وأزهقت روح زميلي كما أسل اليوم لساني لأنقذ روحيّ هذين السيدين) هذا خصم ثالث يطالب بنصيبه في الموت كاملاً، فما أشد حيرة القاضي ووجوم النظارة! ورجع القاضي إلى ملاذ القضاة، وهو أوكتافيوس قيصر، أمير البلاد، ودفع إليه بثلاثة الرجال، فألقى السمع إلى حديثهم وعرف ما كان من أمر تيتوس وجيزيبوس منذ جمعت بينهما الصداقة، وفرق بينهما الحب، وجمعتهما الأقدار، إلى أن مثلا في مجلسه فقضى بحكمه العادل ببراءة الصديقين، والعفو عن اللص المعترف إكراما المعترف إكراماً لهذه الصداقة وإكباراً لنفسه الأبية وخلا الصديقان أحدهما إلى الآخر في قصر تيتوس، ولما اطمأن بهما المجلس نزل تيتوس عن نصف ثروته إلى صديقه وزوجه من أخته وكانت فتاة بارعة الحسن نبيلة واقدموا جميعاً في القصر، وزادهم الله بسطة في الرزق، وسعة في العيش. (عن الإنجليزية) يوزباشي أحمد الطاهر

стр. 8489

البريد الأدبي مكتبة لوي بارنو منذ أيام قلائل بيعت في باريس مكتبة لوي بارنو المؤرخ والسياسي الفرنسي الكبير الذي قتل في أكتوبر الماضي إلى جانب الملك اسكندر السربي؛ وكان بارنو من م أعظم هواة المكتب والتحف الأدبية، وقد قضى حياته وأنفق ثروته كلها في اقتناء نفائس التحف والكتب الأدبية، وجمع منها مكتبة عظيمة كانت من أشهر مكاتب فرنسا الخاصة. وقد أوصى بارتو بمكتبته النفيسة قبل وفاته إلى الأكاديمية الفرنسية التي كان عضواً فيها؛ وقررت الأكاديمية أن تعرضها للبيع بالمزاد؛ ووقع هذا البيع أخيراً؛ وكانت أيام البيع من أيام باريس المشهودة لما لهذه المكتبة العظيمة من شهرة ذائعة. وكتبت جميع الصحف الفرنسية عن مكتبة بارتو وعن تبدد هذا التراث البديع الذي أنفق فيه المفكر الكبير حياة بأسرها. ومما احتوته هذه المكتبة الفريدة مجموعات نفيسة من الطبعات الأولى لأشهر الكتب الفرنسية منذ القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر، ومنها مؤلفات لمونتاني ورونسار وبوالو وبوسيويه وفنيلون وموليير وغيرهم؛ ثم مجموعات نفيسة لبلزاك وبودلير، وجوتييه وموسيه وسانت بيف وهوجو وغيرهم. ومن التحف رسائل بخط نابليون بونابرت وتوقيعه، وكتب عديدة عليها شعار الإمبراطور، ونسخة خطية من معاهدة الصلح (فرساي) موقعاً عليها من لويد جورج وفوش وكليمنصو. وقد حققت مكتبة بارنو من البيع مئات الألوف من الفرنكات؛ ومما يذكر أن نسخة من ديوان بولدير المشهور (فلير دي مال) بيعت بمبلغ سبعة وخمسين ألف فرنك، بينما بيعت مخطوطات معاهدة فرساي بواحد وأربعين ألف فرنك، وهكذا بددت مكتبة لوي بارتو بين أيدي الهواة؛ وهذا مصير معظم المجموعات والذخائر الخاصة السياحة على طريقة العصور الوسطى تطورت وسائل الدرس والسياحة في عصرنا، واستطاع العامل أن يسخر البحر والهواء، وغدا الطواف حول العالم أيسر الأمور. ولكن ما زال يوجد من الرحل والباحثين في عصرنا من يفضل الطواف على طريقة السائح الهروي وابن بطوطة وماركوبولو وغيرهم من أكابر الرحلة في العصور الوسطى. فمنذ عامين فكر ضابطان بحريان فرنسيان هما

стр. 8490

الكابتن بيشوف وجوزيف ثاثبويه في جوب بحار العالم في قارب شراعي؛ ونفذا مشروعهما الجريء، وقطعا إلى اليوم زهاء ستة آلاف ميل، وغرقا أكثر من مرة، وسلباهما اللصوص أكثر من مرة، واعتقلا كجاسوسين وعاشا شهوراً طويلة على الحشائش والأسماك، مما يذكرنا برحلات السندباد العجيبة خرج هذان السائحان من ثغر تونجهاي في الهند الصينية في مركب شراعي، وسارا شرقاً في عرض المحيط الهادئ إلى جزائر كارولين، وهناك كسر قاربهما، فعادا إلى الصين، وجهزا سفينة شراعية أخرى؛ وسارا فيها إلى جزيرة فرموزا اليابانية، وهنالك سطا عليهما اللصوص فجرداهما من كل شيء حتى أوراقهما الشخصية، ثم قبضت عليهما سلطات الجزيرة بتهمة التجسس، وأبعدا من فورموزا. ولكنهما لم يعدلا عن مشروعهما؛ فجهزا مركباً ثالثاً؛ وخرجا من ثغر أموي، واخترقا بحر ثيمور قاصدين إلى جنوب استراليا؛ وفي أثناء الطريق هاجمتهما كلاب البحر، ومزقت العواصف شراع المركب، فلبثا عشرة أيام تحت رحمة الموج لا يعرفان لهما مستقراً، حتى لمحا في عرض البحر سفينة نرويجية، فأغاثتهما، وأمدتهما بالمؤن، وأصلحا الشراع؛ واستمروا في رحلتهما حتى وصلا إلى ثغر بروم في استراليا الغربية، ثم عبرا بوغاز توريس حتى بور مورسي، ووصلا إلى شواطئ جزائر بابوازي بعد رحلة مروعة، وهنالك أنكسر قاربهما مرة أخرى؛ فعاشا في تلك الأرض زهاء سبعة أشهر يأكلان قواقع البحر ويشربان ألبان جوز الهند، ويدرسان أحوال هذه الجزر وأحوال أهلها المتوحشين، ولما استطاعا أخيراً أن يصلحا قاربهما، ارتدا إلى البحر كرة أخرى؛ وجاسا خلال جزائر (أوشنيا) القاصية التي اكتشفها الكبتن كوك ثم لقى حتفه فيها، وفي عزمهما بعد طواف المحيط الهادئ أن يرتدا إلى الجنوب، ثم يعبرا المحيط غرباً إلى الأطلانطيق، حيث يزمعان اختراقه إلى فرنسا. ولكن هل يستطيعان تنفيذ هذا المشروع الجريء؟ ذكرى الشاعر تاسوني أحتفل أخيراً في مودينا بإيطاليا بذكرى الشاعر الإيطالي الكبير الساندرو تاسوني، لمناسبة مرور ثلثمائة عام على وفاته؛ وكان تاسوني من أكابر شعراء القرن السادس عشر، ومن ذلك الجيل الذي تأثرت عبقريته بتراث عصر الأحياء؛ وكان مولده بمدينة مودينا سنة

стр. 8491

١٥٦٥، يوم أن كانت ما تزال إمارة زاهرة؛ وتلقى تاسوني تربية حسنة، وظهر في الشعر والحياة العامة شاباً؛ وأشتغل منذ سنة ١٥٩٩ سكرتيراً للكردينال اسكانيو كولونا من أقطاب الفاتيكان، وقام وهو في هذا المنصب، بعدة مهام سياسية خطيرة؛ واستمر في منصبه حتى سنة ١٦٠٨. ثم غادر رومة والتحق بخدمة دوق سافوا، واشتغل هنالك أيضاً بالمهام السياسية؛ ولكنه مع ذلك كان يطلق العنان لميوله الأدبية والشعرية؛ ولم ينفك أثناء ذلك عن الكتابة والنظم؛ ومن أشهر آثاره أو (اغتصاب الدلو) وهي قصة شعرية من نوع الخيال المعروف؛ ومجموعة مختلفة بعنوان (أفكار منوعة) وكتاب عن بترارك وشعره عنوانه (تأملات عن بترارك) وله قطع ومجموعات أخرى شعرية ونثرية تكريم مستشرق روسي احتفل المستشرقون الروسيون في ١٤ يونيو بتكريم المستشرق الروسي الأستاذ أغناطيوس كرنشكوفسكي لمرور ثلاثين عاماً قضاها في خدمة اللغة العربية، ألف في أثنائها ما ينيف على ثلثمائة رسالة في تأريخها وآدابها القديمة والحديثة، وهو يشتغل الآن بنشر كتاب أبن المعتز مع شرحه والتعليق عليه باللغة الإنكليزية، وقد أشترك في هذا التكريم المجمع العلمي العربي بدمشق بخطاب أرسله رئيسه ليتلى فيه عيد ألفي لابن سينا في بريد سورية أن الجامعة السورية تفكر في إقامة عيد ألفي لذكرى الطبيب العربي الكبير الرئيس أبن سينا وقد فوضت إلى لجنة من أساتذة المعهد دراسة هذه الفكرة وإعداد الوسائل اللازمة لجعل هذه الذكرى متناسبة مع جلال الخدمة العظيمة التي أداها الرئيس للطب اللغة العربية في جامعة لندن روت جريدة البالستين بوست بالقدس أنه لمناسبة اليوبيل الفضي لجلالة ملك الإنكليز فكر السر دنسن روس أن يؤسس لهذه الذكرى مقعداً جديداً مجانياً لتعليم اللغة العربية في جامعة لندن وقد أختار السر دنسن روس اللغة العربية لهذه الذكرى لأن الإمبراطورية البريطانية تضم

стр. 8492

تحت (جناحيها) أكبر عدد من الشعوب العربية، والمتكلمين باللغة العربية ولا تفوقها في ذلك دولة أوربية أخرى

стр. 8493

الكتب أنظار في كتاب (حياة محمد) بقلم الأستاذ محمد علي النجار قرأت هذا الكتاب الجليل الغني عن التقريظ فمن لي حين قراءته أنظار راجعة إلى ألفاظه وأخرى إلى معانيه، فأحببت أن أدونها بادئاً بالأولى في هذه العجالة، وإني أعلم أن معظمها آت من القائمين بالطبع؛ غير أن حرصي على سلامة ما في الكتاب مع ما قدر له من هذه السيرورة والانتشار في الأقطار بعثني على ما فعلت، وسأنبه بالرقم الأول على الصفحة وبالثاني على السطر منها، والله الموفق للصواب ٢١: ٣٣ كان الذين يعبرونها. . . قليلون. صوابه: قليلين ١٣: ٣٥ صمدت لقسوة الزمان. يريد ثبتت ولم تنل منها عوادي الدهر وصروف الحدثان، وقد تكرر استعمال الصمد في الكتاب بهذا المعنى وأرى أن هذا لا يكون إلا على ضرب من المجاز، فإن الصمد القصد، ولم تذكر المعاجم من معانيه ما أراد المؤلف، والتجوز فيه أن يعتبر الثابت على حوادث الدهر متعرضاً لها، قاصداً مغالبتها، استهانة وعدم مبالاة بها، وأقرب نص لهذا المعنى قول معاذ بن عمرو بن الجموح في قتل أبي جهل: فصمدت له حتى أمكنني منه غرة، فقد قال أبن الأثير في النهاية: أي ثبت له (وفي التاج واللسان: وثبت له) وقصدته وانتظرت غفلته ٣: ٣٥ فحوروا اتجاهه الطبيعي. استعمل التحوير في التغيير، وهو استعمال شائع ولكن لا يوجد هذا المعنى فيما وقفت عليه المناجم، فالتحوير فيها الترجيع والتبييض ففيه تحويل وتبديل فتوسع فيه وأطلق على مطلق التغيير ١٧: ٥٦ قصي بن كلاب هو الجد الخامس للنبي ﷺ : معروف أن قصياً هو الجد الرابع ٢٠: ٥٦ دراجا. صوابه رزاحا: تراجع سيرة أبن هشام والقاموس - ١١: ٧٦ بحيرا (الراهب) ضبط يلفظ المصغر، والصواب: فتح بائه وكسر حائه كما نص عليه المواهب ١٤: ٩٣ فما هذه الكواكب إلا أفلاكاً: تكرر مثل هذا وهو إعمال ما مع انتقاض النفي بالا، والواجب في هذه الحالة رفع الجزأين - ٧: ١٠٣ عبيدة بن الجراح. ظاهر أن هذا خطأ

стр. 8494

مطبعي صوابه: أبو عبيدة، وقد ورد على الصفحة فيما بعد ٥: ١٠٤ إساف منعه من الصرف، ولا وجه فيما أعلم لذلك، فالواجب كتابته إسافاً - ٦: ١٠٩ فوقف باهتاً يقول صاحب القاموس: هو مبهوت، لا باهت ولا بهيت ١: ١٠٩، ٢ لخير له أن يموت مؤمناً. . . على أن يخذله؛ الصواب: من أن يخذله، فإن خيراً هنا أفعل تفضيل وهو إنما يقرن بمن، وقد يكون وجه ما هنا أن يضمن خير معنى مفضّل وهو بعيد - ١٥: ١١٤ بنو عبد المطلب. صوابه بنو المطلب ١٥: ١١٥ وإن كان هذا الذي يأتيك رأياً تراه. صوابه: رئيا كما في السير، وقد قال السهبلي الرئي فعيل بمعنى مفعول، ولا يكون إلا من الجن - ٢٠: ١٢١ نعيم بن عبد الله؛ ضبط بفتح النون وصوابه ضم النون، فأنه نعيم النحام وقد ضبطه النووي في التهذيب كما ذكرت - ٤: ١٣٦ مبيعة. الظاهر ضبطها بفتح الياء على مفعلة وقد ضبطها السهبلي بزنة معيشة ١٤٦: شعاب الجبل. الذي في السير أن الاحتماء كان في شعب بني هاشم، والذي يظهر أنه كان محلة في مكة وفي الزرقاني على المواهب أن الشعب كان لهاشم فقسمه عبد المطلب بين بنيه حين ضعف بصره - ١٢: ١٤٧ أبي النجتري. صوابه: أبو النختري، وفي السطر ١٨ أبي البختري ٣: ١٤٨ يتصالح وقريشاً، نصب قريشاً على أنه مفعول معه ومثل هذا لا يجيزه النحاة، فالواجب يتصالح هو وقريش ٢٠: ١٥١ تحديق ابنا ربيعة. صوابه: أبني ربيعة ٨: ١٦٦ عبد الله بن محمد. كأن هذا سبق قلم، والأصل عبد الله بن أبي وهو أبن سلول - ١٢: ١٦٦ إن نبياً مبعوثاً الأظهر مبعوث بالرفع كما في السير، فإن الأخبار ببعثته مقصود ٣: ١٦٧ وإن غشني. ضبط بفتح الغين والشين المثقلة، والصواب كسر الشين ليكون على زنة ترضى ٨: ١٦٩ مسلموه وخاذلوه. صوابه مسلميه وخاذليه (: ٢٢ إنا بيننا. صوابه: إن بيننا - ٩: ١٧٠ نهكة الأموال. ضبط بالتحريك والذي في القاموس بسكون الهاء وإن كان يجوز فتحها بوجه عام - ١: ١٧٦ برده: ١. صوابه ببرده

стр. 8495

٧: ١٧٨ فإذا عبد الله بن أبي بكر من عندهما إلى مكة. سقط هنا لفظ والأصل: فإذا عبد الله بن أبي بكر غدا من عندهما كما في سيرة أبن هشام - ١٧: ١٧٩ فقد أقبل على قريش رجل. قضية هذا أن الأخبار كان لقريش وأن سراقة كان حاضراً بينهم والذي في السير أن ذلك كان في نادي بني مدلج قوم سراقة ٢٠: ١٨٠ فيه أن بريدة جاء يحييهما، والذي في الزرقاني نقلاً عن البيهقي أن بريدة جاء طامعاً فيما طمع فيه سراقة فانتهى الأمر بإسلامه - ٨: ١٨١ فبلغ نبأهما سعد. الصواب: في الرسم نبؤهما إذ هو فاعل بلغ فهو مرفوع - ١٩: ١٩٦ فخيماً. الذي في المعاجم فخماً - ٢٢: ١٩٧ وهذا هو أقوى من هؤلاء. قد يكون الصواب في هذا الأسلوب: وها هو ذا أقوى من هؤلاء ٧: ٢٠٤ مكان حجيجهم. الحجيج جمع الحاج ولا معنى له هنا فالأول مكان حجهم - ٢١٤: ٤ عمر بن الحضرمي صوابه عمرو - ٢١٥: ٤ الحكم بن كيثان. صوابه كيسان ٤: ٢١٨ تهرق الدماء. صوابه تهريق الدماء ٣: ٢٢١ كشد الجهني: الذي في الإصابة كسد ١٦: ٢٢٢ أبا لهب. صوابه أبو لهب - ٥: ٢٢٣ مرثد ابن مرثد. صوابه مرثد بن أبي مرثد - ٢٢٣: ١٠ عرق الظبية. ضبط بفتح الظاء وفي القاموس: عرق الظبية بالضم ٢: ٢٢٤ المقداد بن عمر. صوابه عمرو ١٣: ٢٢٨ عمراه. الصواب عمراه ٧: ٢٤١ العاص. صوابه أبو العاص ١٣: ٢٥٢ على. صوابه عليّا - ٩: ٢٥٥ أبو كعب. صوابه أبي بن كعب وقد كان من كتاب الرسول ﵊ ١٩: ٢٦٠ يخمش الناس. الرواية يحمس أو يحمش بالحاء المهملة فيهما وإن تبع المؤلف في ذلك طبعة وستنفلد ٨: ٢٧٨ أبا دجانة. صوابه أبو دجانة - ٩: ٢٨٣ يسار قد يكون صوابه ميسرة وهو غلام خديجة عليها الرضوان ١: ٢٨٨ ابنتا وزيريه. صوابه ابنتي وزيريه

стр. 8496

١٢: ٣٠٦ النضري. ضبط بسكون الضاد والصواب فتحها إذ هو نسبة إلى النضير - ١: ٣٣٥ أذن محمد في الناس بالحج. الأولى التعبير في هذا المقام بالعمرة فإن الذي وقع الحرام بالعمرة والعمرة قد تسمى الحج الأصغر ولكن الحج إذا أطلق أنصرف إلى ما يقابلها - ٢: ٣٧٥ هرقلاً. صوابه هرقل لمنعه من الصرف ٩: ٣٧٧ نابت بن أرقم. صوابه أقرم وقد تبع المؤلف نسخة وستنفلد - ١٢: ٣٨٦ إذ. صوابه إذا ٢٢: ٣٨٦ حكيم بن حكيم. صوابه حكيم بن حزام ٢٠: ٣٦٠ سلام بني مشكم. صوابه سلام بن مشكم ١١: ٣٦٣ بازان. يكتب في الكتب العربية باذام ١: ٣٨٧ عسكر. صوابه عسكراً - ١٣: ٣٩٥ قبيساً. صوابه أبا قبيس - ٢٢: ٣٩٥ جذيمة. ضبط بصيغة المصغر والصواب فتح الجيم وكسر الذال كما في الزرقاني على المواهب ٣: ٤٠١ بدأت محمد. صوابه بدأ محمد ٢٢: ٤٠٨ في العلالة. الرواية اللعاعة. وهي في الأصل نبات ناعم في أول ما ينبت - ٤١٠: أسيد والد ضبط مصغراً والصواب ضبطه كأمير - ١٥: ٤١٤ أأتمره. كذا رسم وقد يكون الصواب آتمره على قاعدة الإبدال ٥: ٤٢٤ فيه أن زكاة العشر تدفع من الإبل والأموال وإنما يدفع العشر عن بعض الزروع فأما الإبل فلها مقادير محدودة في الفقه غير العشر - ٢٣: ٤٢٦ ضبط فيها سلمة بفتح اللام والصواب كسرها وهم بطن من الأنصار ٢٠: ٤٣٦ عمان. ضبط بتشديد الميم والذي في الجنوب عمان على زنة غراب، فأما عمّان بتشديد الميم فهي بالبلقاء بأطراف الشام - ٢١: ٤٦٧ زيد. صوابه أسامة بن زيد كما في السطر قبله وإني أختم كتابتي بإعجابي بالكتاب وتحيتي لمؤلفه العظيم محمد علي النجار

стр. 8497

العدد ١٠٣ - بتاريخ: ٢٤ - ٠٦ - ١٩٣٥

стр. 8498

بين والد وولده مثل من الشباب الصالح عرفت منذ أيام فتى غريض الشباب رقيق الإهاب وضيء الطلمة؛ يتكلم فيشع عقله في معانيه، ويشيع ذكاؤه في مراميه، ويسيل شعوره على ألفاظه؛ وهو لا يتكلم إلا عن العمل، ولا يناقش إلا في الواقع، ولا يرمي إلا إلى غرض؛ طموح النفس فلا يحصر أفقه يأس، ولا يحد غايته مطلب؛ بعيد الهمة فلا يضله شارد الخيال، ولا يغره خادع الأمل؛ رفيع الهوى فلا يشوب غرضه سوء، ولا يفسد طموحه أثره. نبت في أكرم المنابت من إقليم الغربية، فأبوه عميد أسرته، وزعيم بلدته، وسريّ نابه من سراة إقليمه؛ رباه في مهد النعيم، ونشأه في ظلال الغنى، وقلبه في أحضان الترف، فكان خليقاً أن يمسه الغباء وهو داء الغنى، وأن يصبه الخمول وهو بلية الترف، ولكنه لقوة الطبع واستعداد الفطرة شب ذكى الفؤاد إلى درجة الحكمة، مشبوب العزم إلى حد المغامرة؛ يذهب نفسه غالباً إلى الاعتداء الواثق، ويميل بحياته أحياناً إلى الجرأة المؤدبة، وينظر إلى غاية الحياة - وهو لا يزال في بدايتها - نظر الكيّس اللبيب المجرب، فيهاجم السياسيين من ناحية استخفافهم بالخلق، والموظفين من ناحية استهانتهم بالواجب، والفلاحين من حيث اعتمادهم في الإنتاج على القديم الرث، وفي العلاج على القدر والمصادفة. على أنه أمام أبيه - وهو قرة عينه - مثال البر ورمز الطاعة، فلا يفند له رأياً، ولا يعصى له أمراً، ولا يخالف له نصيحة. تخرج منذ أسبوع في إحدى المدارس العالية، وكان الثاني في ترتيب الناجحين، وإن شئت فقل الأول، لأن الفرق بينه وبين سابقه لا يقدم لضآلته ولا يؤخر، فالوظيفة بحكم أوليته في النجاح ومعونة أسرته بالنفوذ، تنتظر في كل مكان وتطلبه في كل وزارة، ولكنه زارني منذ يومين فوجدته على غير عادته مشغول القلب منقبض الصدر مشترك الخاطر، لا أثر عليه لنشوة الفوز، ولا للذة الراحة، ولا لفرحة المنصب، كأنما هو آخر الدبلوم أو فقير متقدم من غير وسيلة!! - مالك ساهم الوجه، مكروب النفس يا فهمي؟ هنيئاً لك الدبلوم والأولوية! فقال ولأسى يبين في صوته ولهجته: ليتني لم أنل هذه الدبلوم، ولم أحز خطر هذا السبق؛ فلقد كان في لذة المدارسة، وشهوة المنافسة، وترقب النجاح، وانتظار الحرية، رضىً لنفس الطامحة،

стр. 8499

وكفاية لقلبي الرغيب. أما الآن فالفراغ يثقل حتى يقتل نفسي، والوقت يطول حتى يمك روحي، والأمل يضيق حتى يظلم حياتي! أريد أن أعمل فيمنعني أبي، لأنه يضن بصحتي على مخاطر الفلاحة، وبراحتي على متاعب الفلاحين، وبسعادتي على هموم المسؤولية - إذن ماذا يريد لك أبوك؟ - يريد لي الوظيفة! والوظيفة سجن لنفسي الطليقة، وتعطيل لملكاتي الموهوبة، ومحو لمعارفي المكسوبة، وقتل لآمالي الناشئة، وتوجيه لميولي الطبيعية إلى الغرض الذي لا أحب والقصد الذي لا أريد. إن في مزارعنا الواسعة مجالاً فسيحاً لنشاطي، ومراداً بعيداً لعلمي، ومختبراً صالحاً لتجاربي، ومغرساً كريماً لآمالي فأنا أوثر أن أحمل عبء العمل عن والدي، وأستغل علمي وعملي في تحقيق مقاصدي، فأحافظ بالاستقلال الذاتي على خلقي وحريتي، وأساهم بالعمل المنتج في نفع أمتي وإسعاد أسرتي. ماذا تجدي عليّ الوظيفة؟ عشرة جنيهات في الشهر؟ لقد كان أبي ينفق عليّ خمسة وعشرين وأنا طالب، فكم جنيهاً ينفقها عليّ وأنا موظف؟ إذن سينفق عليّ أضعاف مرتبي لأخدم غيره، وأفارق بيته، وأظل السنين الطوال موظفاً وضيع المكانة، مسلوب الإرادة، محدود الرزق، خامل الحياة! إن شهادتي في فن الزراعة؛ والوظيفة الفنية كالوظيفة العلمية لا تصلح طريقاً إلى السلطان، ولا وسيلة للجاه، ولا أداة للثروة؛ إنما الفن مجده في استقلاله، وخيره في حريته. على أن وظائف الحكومة - بعد أن خفضوا أجرها، وأخسّوا قدرها، وحفوا طريقها بالمكارة، وهددوا معاشها بالنقص، وزعزعوا ضمانها بالكيد، ورعوا أمنها بالسياسة - أصبحت مطلباً لقصار الآمال، ومذهباً لصغار النفوس، وملجأً لضعاف الحيلة. فأما الذي يجد في نفسه شعور القدرة، وفي بيته رأس المال، وفي أرضه مكان العمل، ثم يتشوف إلى قيد الوظيفة وذل التبعية، فلا أدري بما أعتذر له أمام النبّل والرجولة؟ فقلت له وأنا موزع النفس بين الإعجاب به والرثاء له والحدب عليه: كلامك هذا يا بني عنوان عقلك وبرهان فضلك ودليل دعواك. وليت شعري ما حجة أبيك الكريم أمام هذا الخلق العظيم والمنطق الواضح! لعله من أولئك الذين يعتقدون أن الولد إذا دخل المدرسة،

стр. 8500

ثم خرج بالشهادة، ثم لم يوظف، كان ما أنفقه خسارة لا تعوض، وما تعلمه عبثاً لا يفيد فقال: كلا! إن أبي من أرجح الناس عقلاً، وأسدهم رأياً وأعلمهم بمزايا العمل الحر، ولكنها التقاليد الموروثة، والعواطف الغالبة، وسأنتهي آخر الأمر على هواي ومناي إلى رأيه فقلت له إذن دعني على الأقل أنقل عنك هذا الحديث ليكون خطاباً إلى أبيك، ودرساً لإخوانك، وموضوعاً للرسالة! أحمد حسن الزيات

стр. 8501

الطائشة للأستاذ مصطفى صادق الرافعي تتمة وهذا محصّل رواية (الطائشة) نقلناه من خط الكاتب على مساق ما دونه في أوراقه، وعلى سرده الذي قصّ به الخبر. وقد أعطانا من البرهان ما نطمئن إليه أن هذه. (الطائشة) هي من تأليف الحياة لا من تأليفه، وأنه لم يخترع منها حادثة، ولم يأتفك حديثاً، ولم يزدها بفضيلة، ولم ينقصها بمعرّة؛ وأشهد على قوله كتب صاحبته الأديبة المستهترة التي لا تبالي ما قالت ولا ما قيل فيها. وهذه الكتب رسائل منها الموجز ومنها المستفيض، وهي بجملتها تنزل من الرواية منزلة الشروح المفتنة، وتنزل منها الرواية منزلة اللمع المقتضبة؛ وكل ذلك يشبه بعضه بعضاً، فكل ذلك بعضه شاهد على بعض قال كاتب (الطائشة): كنت رجلاً غزلاً ولم أكن فاسقاً، ولست كهؤلاء الشبّان الذين أصيبوا في إيمانهم بالله فأصيبوا بإيمانهم بكل فضيلة، وذهبوا يحققون المدنية فحققوا كل شيء إلا المدنية ترى أحدهم شريفاً يأنف أن يكون لصاً وأن يسمى لصاً، ثم لا يعمل إلا عمل اللص في استلاب العفاف وسرقة الفتيات من تاريخهنّ. وتراه نجداً يستنكف أن يكون في أوصاف قاطع الطريق، ثم لا يأبى إلا أن يقطع الطريق في حياة العذارى وشرف النساء. أكثر أولئك الشبان المتعلمين يعرضون للفتيات المتعلمات بوجوه مصقولة تحتمل شيئين: الحب والصفع. . . ولكن أكثر هؤلاء المتعلمات يضعن القبلة في مكان الصفعة، إذ كان العلم قد حلل الغريزة التي فيهن فعادت بقايا لا تستمسك، وبصّرهنّ بأشياء تزيد قوة الحياة فيهن خطراً وتوحي إليهنّ وحيها من حيث يشعرن ولا يشعرن، وصوّر في أوهامهم صوراً محل الصور التي كانت في عقائدهن، وأخرجهن من السلب الطبيعي الذي حماهن الله به؛ فلهنّ العفة والحياء ولكن ليس لهنّ ذلك العقل الغريزيّ الذي يجيء به الحياء والعفة، وكثيرات منهن يخشين العار وسمته الإجماعية ولكن خشية فقهاء الحيل الشرعية قد أرصدوا لكل وجه من التحريم وجهاً من التحليل، فأصبح امتناع الإثم هو ألا تكون إليه حاجة. . . .

стр. 8502

والعقل الذي به التفكير يكون أحياناً غير العقل الذي به العمل؛ ففي بعض الجاهلات يكون العقل الحياء والعفة والشرف والدين ـ غريزة كغرائز الوحش، هي الفكرة وهي العمل جميعاً، وهي أبداً الفكرة والعمل جميعاً لا تتغير ولا تتبدّل ولا يقع فيها التنقيح الشعريّ ولا الفلسفي. . . . وما غريزة الوحش إلا إيمانه بمن خلقه وحشاً؛ وكذلك غريزة الشرف في الأنثى هي عندي حقيقة إيمانها بمن خلقها أنثى. وشرف المرأة رأس مال للمرأة، ومن ذلك كان له في أوهام العلم اشتراكية بحسبه تنظر فيه نظرها وتزيغ زيغها وتقضي حكمها، وأكثر من عرفت من المتعلمين والمتعلمات قد انتهوا بطبيعتهم العلمية إلى الرضى بهذه الاشتراكية، وإلى التسامح في كثير، وإلى وضع الاعتذار فيما لا يقبل عذراً، ومن هاهنا كان بعض الجاهلات كالحصن المغلق في قمّة الجبل الوعر، وكان بعض المتعلمات دون الحصن، ودون القمّة، ودون الجبل، حتى تنزل إلى السهل فتراهنّ ثمّة. لقد غفلت الحكومات عن معنى الدين وحقيقته، فلو عرفت لعرفت الإنسانية لا تقوم إلا بالدين والعلم كليهما؛ فإن في الرجل إنساناً عاماً ونوعاً خاصاً مذكراً، وفي المرأة إنسان عام كذلك ونوع خاص مؤنث. والدين وحده هو الذي يصلح النوع بتحقيق الفضيلة وتقرير الغاية الأخلاقية، وهو الذي يحاجز بين الغريزتين وهو الذي يضع القوة الروحية في طبيعة المتعلم؛ فإن كانت طبيعة التعليم قوية كانت الروحية زيادة في القوة، وإن كانت ضعيفة كما هي الحال في هذه المدنية لم تجمع على التعلم ضعفين يبتلي كلاهما الآخر ويزيده. فلان وفلان تعلّقا فتاتين جاهلة ومتعلمة؛ وكلتاهما قد صدّت صاحبها وامتنعت منه؛ فأما الجاهلة فيقول (فلانها) إنها كالوحش وإن صدودها ليس صدوداً حسب، بل هو ثورة من فضيلتها وإيمانها، فيها المعنى الحربيّ مجاهداّ ومتحفّزاً للقتل. . . . وأما المتعلمة فيقول (فلانها) إنها ككل امرأة وإن صدودها ثورة ولكن من دلالها ترضى بها أول ما ترضى وآخر ما ترضى كبرياء الجمال فيها لا الإيمان ولا الفضيلة. فكأنها إيحاء للطامع أن يزيد طمعاً أو يزيد احتيالاً وفلان هذا يقول لي: إن ضعفاء الإيمان من الشبان المتعلمين - وأكثرهم ضعفاء الإيمان - لو حققت أمرهم وبلوت سرائرهم، لتبيّنت أنهم جميعاً لا يرون قلب الفتاة المتعلمة إلا كالدار

стр. 8503

الخالية كتب عليها: (للإيجار). . يقول كاتب (الطائشة): أما أنا فقد صحّ عندي أن سياسة أكثر المتعلمات هي سياسة فتح العين حذراً من الشبّان جميعاً وإغماض العين لواحد فقط. . . . وهذا الواحد هو البلاء كله على الفتاة فإنها بطبيعتها تتقيد ولا تنفصل إلا مكرهة، وهو بطبيعته قيده لذّته فيتصل وينفصل، غير أنها لا بد لها من هذا الواحد، ففكرها المتعلم يوحي إليها بالحياة لا يجعل في ذلك للتنكير عندها، والحياة نصف معانيها النفسية في الصديق؛ فالأنوثة بغيره مظلمة في حياتها راكدة في طباعها ثقيلة على نفسها ما دام (الشعاع) لا يلمسها. . والدين يأبى أن يكون ذلك الصديق إلا الزوج في شروطه وعهوده كيلا تتقيد المرأة إلا بمن يتقيد بها، والعلم لا يأبى أن يكون الصديق هو الحب؛ والفن يوجب أن يكون هو الحب، وليس في الحب شروط ولا عهود إلا وسائل تختلق لوقتها وأكثرها من الكذب والنفاق والخديعة. ولفظ الحب نفسه لصّ لغويّ خبيث يسرق المعاني التي ليست له وينفق مما يسرق. وليس من امرأة يخادعها عاشق إلا انكشف لها حبه كما ينكشف اللص. يقول كاتب (الطائشة): تلك فلسفة لا بد منها في التوطئة للكتابة عن (عزيزتي رغم أنفي). ومن كانت مثلها في أفكارها واستدلالها وحججها وطريقتها ـ كان خليقاً بمن يكتب قصتها أن يجعل القصة من أولها مسلحة. . لقد تكارهت على بعض ما أرادت مني ما دام الحب (رغم أنفي)، وما دامت السياسة أن أداريها وأتبع محبتها؛ غير إني صارحتها بكلمة شمسية تلمع تحت الشمس؛ إنها الصداقة لا الحب، وإنما هو اللهو البريء لا غيره، وأن ذلك جهد ما أنا قويّ عليه وفيّ به. قالت: فليكن، ولكن صداقة أعلى قليلاً من الصداقة. . . ولو من هذا الحب المتكبر الذي لا يصدق كيلا يكذب. . . إن هذا النوع من الحب يطيش بعقل المرأة ولكنه هو أول ما يستهيمها ويعجبها ويورثها التياع الحنين. كتبت لي: أنا لا أتألم في هواك بالألم، ولكن بأشياء منك أقلها الألم، ولا أحزن بالحزن،

стр. 8504

ولكن بهموم بعضها الحزن، إنك صنعت لي بكاءً ودموعاً وتنهدات، وجعلت لي ظلاماً منك ونوراً منك، يا نهاري وليلي. ترى ما أسم هذا النوع من الصداقة؟ اسمه الحب؟ لا اسمه الكبرياء؟ لا اسمه الحنان؟ لا اسمه حبك أنت، أنت أيها الغامض المتقلب. ألا ترى ألفاظي تبكي، ألا تسمع قلبي يصرخ، بأيّ عدل لك أو بأيّ عدل للناس تريد أن أحيا في عالم شمسه باردة. . . هذا قتل، هذا قتل فكتبت إليها: إن لم يكن هذا جنوناً إنه لقريب منه فردّت على هذه الرسالة: أتكاتبني بأسلوب التلغراف. . . لو أهديت أليّ عقداً من الزمرد حبّاته بعدد من الكلمات لكنت بخيلاً، فكيف وهي ألفاظه؟ إني لأبكي في غمضة واحدة بدموع أكثر عدداً من كلماتك، وهي دموع من آلامي وأحزاني؛ وتلك ألفاظ من لهوك وعبثك. ما كان ضرّك لو كتبت لي بضعة أسطر من تلغرافات روتر. . . ما دمت تسخر مني أأنت الشباب وأنا الكهولة، فليس لك بالطبيعة إلا الانصراف عني، وليس لي بالطبيعة إلا الحنين إليك؟ لا أدري كيف أحببتها ولا كيف دعتني إليها نفسي، ولكن الذي أعلمه أني تخادعت لها وقلت أن المستحيل هو منع هذا الشر، والممكن هو تخفيفه؛ ثم أقبلت أرثى لها، وأخفف عنها، وأقبلت هي تضاعف لي مكرها وخديعتها، وكان الأمر بيننا كما قالت: في الحب والحرب لا يكون الهجوم هجوماً وفيه رفق أو تراجع. إن المرأة وحدها هي التي تعرف كيف تقاتل بالصبر والأناة؛ ولا يشبهها في ذلك إلا دهاة المستبدّين سألتني أن أهدي إليها رسمي؛ فاعتللت عليها بأن قلت لها: إن هذا الرسم سيكون تحت عينيك أنت رسم حبيب، ولكنه تحت الأعين الأخرى سيكون رسم متهم وظننتني أبلغت في الحجة وقطعتها عني؛ فجاءتني من الغد بالبرد المفحم، جاءتني بإحدى صديقاتها لتظهر في الرسم إلى جانبي كأنني من ذوي قرابتها. . . فيكون الرسم رسم صديقتها، ويكون مهدى

стр. 8505

منها لا مني، وكأنني فيه حاشية جاءت من عمة أو خالة. . . . وأصررت على الإباء، ونافرتني القول في ذلك، تردّ عليّ وأردّ عليها، وتغاضبنا وانكسرت حزناً وذهبت باكية؛ ثم تسببت إلى رضاي فرضيت. حدّثتني أن صديقتها فلانة استطاعت أن تستزير صاحبها فلاناً في مخدعها في دارها بين أهلها منتصف الليل؛ قلت وكيف كان ذلك؟ قالت إنها تحمل شهادة. . . وهي تلتمس عملاً وقد طال عليها؛ فزعمت لذويها أنها عثرت في كتاب كذا رقية من رقي السحر، فتريد أن تتعاطى تجربتها بعد نصف الليل إذا محق القمر؛ وأنها ستطلق البخور وتبقى تحت ضبابته إلى الفجر تهمهم بالأسماء والكلمات، ثم إنها اتّعدت وصاحبها ليوم وأجافت باب دارها ولم تغلقه، وأطلقت البخور في مجمر كبير أثار عاصفة من الدخان المعطّر وجعل مخدعها كمخدع عروس من ملكات التاريخ القديم، وبقي صاحبها تحت الضبابة يهمهم وتهمهم. . ثم خرج في أغباش السحر. هكذا قالت؛ وما أدري أهو خبر عن تلك الصديقة وفلانها أم هو اقتراح عليّ أنا من (فلانة) لأكون لها عفريت الضبابة. . .؟ لم يخف عليها لذعة حبها وقعت في قلبي، وأن صبرها قد غلب كبريائي، وأن كثرة التلاقي بين رجل وامرأة يطمع أحدهما في الآخرـ لا بد أن ينقل روايتهما إلى فصلها الثاني، ويجعل في التأليف شيئاً منتظراً بطبيعة السياق. . . وإلحاح امرأة على رجل قد خلها وجفا عن صلتها، إنما هو تعرضها للتعقيد الذي في طبيعته الإنسانية. فإن هي صابرته وأمعنت فقلّما يدعها هذا التعقيد من حلّ لمعضلتها. وبمثل هذه العجيبة كان تعقيداً وكان غير مفهوم ولا واضح، وقد ينقلب فيه أشد البغض إلى أشد الحب وقد تعمل فيه حالة من حالات النفس ما لا يعمل السحر. وكذلك يقع للرجل إذا أحب المرأة فنبت عن مودته فعرض للتعقيد الذي في طبيعتها وأمعن وثبت. رأت الجمرة الأولى في قلبي فأضمرت فيه الثانية حين جاءتني اليوم بكتاب زعمت أن فلاناً أرسله إليها يطارحها الهوى ويبثها له الحنين والتياع الحب، ويقول لها في هذا الكتاب: أنا لم أشرب خمراً قط ولكني لا أراني أنظر إلى مفاتنك ومحاسنك إلا وفي عينيّ الخمر، وفي عقلي السّكر، وفي قلبي العربدة. جعلت لي نظرة سكّير فيها نسيان الدنيا وما

стр. 8506

في الدنيا ما عدا الزجاجة. . . ويختمه بهذه العبارة: آه لو استطعت أن أجعل كلامي في نفسك ناعماً، ساحراً، مسكراً، مثل كلام الشفة للشفة حين تقبلّها. . . عند هذا وقع الشيء المنتظر في الفصل الثاني من الرواية، وختم هذا الفصل بأول قبلة على شفتي (الممثلة). قالت: هذه القبلة كانت (غلطة مطبعية) ومضت تسميها كذلك واستمرت الطبعة تغلط. . . وما علمت إلا من بعد أن ذلك الكتاب الذي استوقدت به غيرتي، إنما كان من عملها ومكرها. وجاءتني اليوم بآبدة من أوابدها، قالت: أنت رجعي محافظ على التقاليد، قلت لأني أرى هذه التقاليد كالصباح الذي يتكرر كل يوم وهو في كل يوم ضياء ونور قالت: أو كالمساء الذي يتكرر وهو في كل يوم ظلام وسواد قلت: ليس هذا إليّ ولا إليك، بل الحكم فيه للنفع أو الضرر قالت: بل هو إلى الحياة، والحياة اليوم علمية أوربية، والزمن حثيث في تقدمه، وأصحاب (التقاليد) جامدون في موضعهم قد فاتهم الزمن، ولذلك يسمونهم (متأخرين). أما علمت أن الفضيلة قد أصبحت في أوربا زياً قديماً فأخذ المقص يعمل في تهذيبها، يقطع من هنا ويشق من هنا. . أسمع أيها (المتأخر) وتأمل هذا الرهان الأوربي العصري أخبرتني صديقتي فلانة حاملة شهادة. . . أنها كانت في القطار بين الإسكندرية والقاهرة وكانت معها فتاة من جيرتها تحمل الشهادة الابتدائية؛ فجمعهما السفر بشاب وسيم ظريف يشارك في الأدب، غير أنه رجعيّ (متأخر). وصديقتي تعرف من كل شيء شيئاً، وتأخذ من كل فن بطرف؛ فجرى الحديث بينهما مجراه، وتركت الصديقة نفسها لدواعيها وانطلقت على سجيّتها الظريفة، ووضعت فن لسانها في الكلام فجعلت فيه روح التقبيل، ولم تبلغ إلى القاهرة حتى كانت قد سحرت ذلك (المتأخر) ووقعت من نفسه ودفعته إلى الزمن الذي هو فيه. فلما همت بوداعه سألهما: أين تذهبان؟

стр. 8507

فأغضت صاحبة الشهادة الابتدائية، وأطرقت حياء ورأت في السؤال تهمة وريبة، فأنّبتها الصديقة وأيقظتها من حيائها، وقالت لها: ألا تزالين شرقية متأخرة. إن لم يسعدنا الحظ أن تكون لنا حرية المرأة الأوربية في المجتمع وفي أنفسنا؛ أفلا يسعنا أن تكون لنا هذه الحرية ولو في أنفسنا؟ ثمّ ردّت على الشاب فأنبأته بمكانها وعنوانها، فأطمعه ردّها فسألها أن تتنزه معه في بعض الحدائق، فأبت صاحبته الابتدائية ولجت عمايتها الشرقية المتأخرة، ورأت في ذلك مسقطة لها، فلوت إلى دارها وتركتهما إنساناً وإنساناً لا فتى وفتاة، وتنزّها معاً، وعرف الشاب الرجعيّ الحب والخمر التي هي تحية الحب ولم تستطع الفتاة الماكرة أن ترجع إلى دارها وهي سكرى فأوت إلى فندق، وختمت روايتها بأعراض من الشاب أجابت هي عليه بقولها: ألا زلت (متأخراً). . . . .؟ قالت (الطائشة): نعم يا عزيزي (المتأخر) إن مذهب المرأة الحرة. . . في الفرق بين الزوج وغير الزوج، أن الأول رجل ثابت، والآخر رجل طارئ. والثابت ثابت معها بحقه هو؛ والطارئ طارئ عليها بحقها هي. . . . فإن كانت حرة فلها حقها. . . قال كاتب الطائشة: وهنا كاد الشيطان يرفع الستار عن فصل ثالث في هذه الرواية، رواية (الطائشة). . . نقول نحن: وإلى هنا ينتهي نصف الرواية؛ أما النصف الآخر فيكاد يكون قصة أخرى أسمها: (الطائش والطائشة). (طنطا) مصطفى صادق الرافعي

стр. 8508

كيمياء الأفكار والعواطف للأستاذ أحمد أمين كان القدماء يفهمون من (الكيمياء) الإكسير المنشود، الذي إذا عثر عليه وأضيف إلى الزئبق أو الفضة بكمية محدودة، تحت حرارة معينة، انقلب الزئبق أو الفضة ذهباً إبريزاً، وليس يعنينا هنا أن نبين ما أنفق الناس من جهد في الوصول إليه، ولا ما أنفقوا من مال وزمان في سبيل العثور عليه، ولا ما ملئت به كتب الفلسفة الإسلامية من جدل في إمكان ذلك أو إستحالته، إنما يعنينا هنا أن نقول إن العلماء والأدباء نقلوا استعمال هذه الكلمة إلى المعاني بعد أن كانت قاصرة على المادة، فسمى (الغزالي) كتاباً من كتبه (كيمياء السعادة) يعني بذلك الإكسير الروحي الذي إذا عثر عليه الإنسان حظي بسعادة، وقد استعملها ابن الرومي استعمالاً ظريفاً في معنى قريب من هذا، فقال يهجو أبا الصّقر عَجبَ الناس ' مِنْ أبي الصّقْ … رِ إذولّي - بعد الإجارة - الديوانا إنّ للجَدّ كيمياَء إذا مَا … مَسّ كلباً أحاله إنسانا يفعل الله ما يشاء ' كما شا … ء متى شاء كائناً ما كانا ثم سار الزمن الذي يغير كل شيء، فغيّر - فيما غيره - مدلول كلمة (الكيمياء) وجعله قسيماً للطبيعة، فكما أن الطبيعة اختصت بالظواهر التي تغير صفات الأشياء ولا تغير جوهرها، اختصت الكيمياء بدراسة الظواهر التي تغير جوهر الأشياء، فاتسع مدلولها، وصار آخر ما تفكر فيه تحويل المعادن إلى ذهب إن كانت تفكر فيه، والذي أريد أن ألفت إليه النظر في مقالي أن هناك كيمياء في الأفكار والعواطف تشبه تلك التي في المادة، إلا أنها أعقد منها، وأصعب حلاً، وأغمض اكتشافاً - وإلى الآن لم توضع كتب - على ما أعلم - في كيمياء المعاني على كثرة ما وضع في كيمياء المادة - وإن كانت كتب علم النفس أحياناً تمس هذا الموضوع مسّاً رفيقاً. فلكيمياء الأفكار والعواطف فصول وأبواب لا عداد لها، قد ينطبق عليها في كثير من الأحيان فصول الكيمياء المادية وأبوابها، ففي كيمياء المعاني ترشيح وتبخير وذوبان كالتي في كيمياء المادة، وفيها تبلور وتقطير، وفيها عناصر ومركبات ومخاليط، وفيها أحماض وأملاح وقواعد، وفيها جزيئات وذرات لها أوزان وكثافات - ولها رموز وقوانين أدق من

стр. 8509

رموز الكيمياء المادية وقوانينها، ولها معادلات أصعب حلاً وابعد منالاً هل علمت - مثلا - أن الماء يتكون من غاز الأوكسجين والأيدروجين بنسبة واحد من الأول واثنين من الثاني باعتبار الحجم - فكذلك الشأن في الأفكار والعواطف، فقد يكون لديك فكرة من نوع ما، أو عاطفة من نوع ما، ثم تسمع فكرة من محدث أو تقرأ فكرة في كتاب، وتكون فكرتك من وزن خاص، والفكرة التي سمعتها أو قرأتها من وزن آخر، فتتحد هاتان الفكرتان، وتتولد منها فكرة جديد لا هي من النوع الأول وحده، ولا من النوع الثاني وحده، بل هي نوع خاص، علاقته بالفكرتين كعلاقة الماء بالأوكسجين والأيدروجين وهل علمت أنك إذا ملأت قارورة ثلثها بالأوكسجين وثلثيها بالهيدروجين ثم قربت فوهتها من لهب تسمع لذلك دوياً هائلاً؟ كذلك الشأن في العواطف، فقد يكون لديك عاطفة من نوع خاص، ثم تسمع خطبة من نوع يناسبها فتنفجر نفسك لهذا الاتحاد انفجاراً هائلاً، وتحس ناراً تملأ نفسك، وتذكى حسك - أو ليس الغضب يحمر وجه صاحبه وتنقدح عيناه، ويجعله يقذف بالكلمات الحادة العنيفة، ولا تهدأ ثائرته حتى ينتقم - ضرباً من ضروب هذا التفاعل الذي يشبه تفاعل الغازين؟ أو ليست الحماسة تدفع الجندي ليرمي بنفسه في خط المار، ولا يقيم للحياة وزناً، أثراً من آثار ما يسمع من كلمات القائد وما يشعر من جو وبيئة؟ أو ليس الحب يذيب النفس، ويرهف الحس، ويملأ القلب أسى حيناً، وفرحاً وغبطة حيناً إلا نوعاً من هذا التفاعل دونه التفاعل المادي، والاتحاد الكيماوي؟ وكل ما تدرك من فرق بين التفاعل المادي والتفاعل الروحي أنا استطعنا أن نخضع المادة لبساطتها فنحلل أجزائها بالكهرباء أو ما أشبهها ونقيس مقدار العنصرين أو العناصر المتحدة، ونعرف مقدار كل منها، ونرصد أثر التفاعل. أما في الأفكار والعواطف فليس الأمر بهذه السهولة، فلكل إنسان آراءه وعواطفه وهي تختلف فيما بينها كل الاختلاف، في جوهرها، وفي قابليتها لأفكار الآخرين وعواطفهم، فقد نلقي الكلمة على عدد محدود من الناس فنشعر بأن أثرها عند كل إنسان يخالف أثرها عند الباقين، كضوء النهار يفتح أعيننا ويغمض عين الخفاش، وقد يقرأ أحد كتاباً فيزعم أنه غيّر مجرى حياته، وقلّب تفكيره رأساً على عقب، وألهمه من المعاني ما استحال بها إنساناً آخر، وأحدث في نفسه ثورة فكرية لم يحدثها أي كتاب غيره، ويقرؤه إنسان آخر فلا يشعر هذا الشعور ولا قريباً منه ولا يحس

стр. 8510

له ميزة ولا يجد له طعماً، وهذا بعينه ما يحدث في الأجسام، تقرب عود ثقاب مشتعل من ورق فيشتعل، وتقربه من ثلج فيذوب، وتقربه من رخام فلا يشتعل ولا يذوب، وأؤكد لك أن الرواية تعرض في السينما أو تمثل في المسرح على عدد كبير من الناس تؤثر في كل راء بمقدار لا يتفق تماماً وأثر الباقين، وأن تأثر المشاهدين متعدد بتعدد رؤوسهم. ذلك [ان الرواية وإن كانت واحدة وممثلوها متحدين فإن هناك عاملاً آخر من عوامل الوزن مختلفاً كل الاختلاف، وهو عواطف الرائي وآراؤه، وأن نتيجة التفاعل تختلف دائماً باختلاف أحد الممزوجين المتفاعلين. إن أردت التوسع في تطبيق هذه النظرية وجدت القول ذا سعة، فالبائع الناجح في المتجر ليس هو الذي يكثر الكلام أو يقل الكلام، وليس هو الخفيف الحركة، ولا هو المهندم الثياب، وإنما هو الذي يعرف شيئاً واحداً ويتقنه وهو (قانون التفاعل) ينظر إلى المشتري نظرة نافذة فيعلم نفسه، ويعلم نواحيها، ويعرف المواضع الحساسة منه، ويعرف في مهارة نقط التأثر عنده، ومقدار الأثر، ثم يستعمل في هذا العرض والكلام وما يتفق وما درسه من نفس المشتري، وإذا بما يصدر من البائع منسب لنفس المشتري ومنفعل معها على نحو خاص، وإذا الصفقة قد تمت في سهولة ويسر، على حين إن زميله ومن بجواره لا يبيع مثل بيعه لأنه يخطأ في فهم نفسية المشتري فيتفاعل تصرفه تفاعلاً عكسياً مع نفسية المشتري، فينتج من ذلك نوع من الغضب أو نوع من الكراهية أو نوع من الغضاضة ينتهي عادة بالأعراض عن الشراء، فإن سألت كيف جهل هذا وعلم ذاك، وأين درس أحدهما ولم يدرس الآخر فنجح الدارس وفشل الجاهل؟ قلت إن هذا الدرس لا يتعلم في المدرسة وإنما يتعلم في السوق، ويتعلمه من حسن استعداده الفطري وغريزته الطبيعية، بل إن شئت طبقة هذه النظرية على كل ناجح وفاشل في الحياة، فالمدرس الناجح من استطاع أن يتعرف نواحي تلاميذه ويعرف ما يلقى وما لا يلقى، وما يقال وما لا يقال، ويصدر منه ما يتفاعل وهذه النفوس، فيصدر من ذلك التفاعل عطف وحنان وحب، ورغبة في المعلم، ورغبة في علمه، ورغبة في ما يقول، وتأثر بما يشير إليه. وما الأسرة السعيدة؟ وما الأسرة الشقية؟ أليست السعيدة من عرفت فيها الزوجة نفسية زوجها والزوج نفسية زوجته وعمل كل منهما على أن يصدر منه ما يتفاعل ونفس الآخر
следующие страницы →