← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

إلى الأستاذ توفيق الحكيم من الدكتور طه حسين سيدي الأستاذ لست أدري أيعنيني حقا ويعني أصحابي، أن نعرف رأي الجيل الجديد في جهدنا الأدبي وما أحدثنا من أثر في حياتنا الأدبية الجديدة. لأن العلم الصحيح برأي المعاصرين لا سبيل له، أو لا تكاد توجد السبيل التي توصل إليه. أو قل أن هذا الجيل الجديد نفسه قد يشق عليه جدا أن يصور لنفسه فينا رأياً صحيحاً مستقيماً بريئاً من هذه العواطف الحادة الجامحة التي تسيطر على نفوس الشباب، وتؤثر أشد التأثير فيما يكونون لأنفسهم من آراء في الكتاب والشعراء المعاصرين. فهم بين معجب يدفعه الإعجاب إلى الإغراق في الثناء، وبين ساخط يدفعه السخطإلى الإغراق في الذم. وأكاد أعتقد أن ليس من اليسير لكاتب أو شاعر أن يعرف رأي الناس فيه حقا، لأن هذا الرأي لا يظهرواضحا جليا بريئا من تأثير العواطف والأهواء والظروف، إلاحين يصبح الكاتب أو الشاعر وديعة في ذمة التاريخ. ومع ذلك فأنا أشكر لك أجمل الشكر رأيك في أصحابي وفيّ، وثناءك على أصحابي وعليّ ويسرهم كما يسرني أن يكون رأيك فينا صحيحاً، وأن يكون ثناؤك علينا خالصاً من الإسراف في الحب الذي يدعو إلى الإسراف في التقدير. لقد قرأت كتابك الممتع فترك في نفسي آثارا مختلفة، ولكن أظهرها الإعجاب بهذا التفكير المستقيم العميق، وهذا الاطلاع الواسع الغني، وهذا الاتجاه الخصب إلى تعرف الروح الأدبي لمصر في حياتها الماضية والحاضرة والمستقبلة. وقد دفعني إعجابي بكتابك القيّم إلى ألاّ

стр. 877

أختص به نفسي فآثرت به قرّاء الرسالة وأذعته فيهم. وأنا واثق بأنهم قد رأوا فيه مثل ما رأيت وحمدوا منه مثل ما حمدت، وأثنوا عليك بمثل ما أثنيت، وهموا أن يناقشوا بعض ما جاء فيه من الآراء كما أريد أنا الآن أن أناقشها. ولست أدري أيقف أمر كتابك هذا عند إذاعته في الرسالة وردي عليه، أو يتجاوزهما إلى مناقشة طويلة عريضة، يشترك فيها كتاب مختلفون ونقاد كثيرون. فكتابك خليق بهذه المناقشة لأن أسلوب التفكير فيه جديد قيّم، ومهما أفعل فلن أستطيع أن أتناول كل ما أشعر بالحاجة إلى تناوله بالنقد والتمحيص من آرائك الكثيرة المتباينة التي أفعمت بها كتابك إفعاماً. ولكني أقف عند طائفة قليلة من هذه الآراء، لا أستطيع أن أدعها تمضي من غير نقد ولا تعليق. وأول ما أقف عنده من هذه الآراء رأيك فيما تسميه شؤون الفكر في مصر، قبل الجيل الذي نشأنا فيه، فقد ترى أن هذه الشؤون كانت كلها محاكاة وتقليداً وتأثراً للعرب، واحتذاءً خالصا لمثلهم الأدبية، حتى جاء الأستاذ لطفي السيد ففتح لنا طريق الاستقلال الأدبي. وفي رأيك هذا شيء من الحق، لكن فيه شيئا من الإسراف غير قليل، فلست أعتقد أن الشخصية المصرية محيت من الأدب المصري محواً تاماً في يوم من الأيام، ولست أعتقد أن كلمة أنا لم يكن لها مدلول في لغة المصريين، ولست أعتقد أن المصريين كانوا في شبه إغماء حتى أقبل هذا الجيل الذي تتحدث عنه، فرد عليهم الحياة والنشاط. كل ما يمكن أن يصح لك هو أن الشخصية المصرية في الأدب كانت ذاوية ذابلة إلى حد بعيد في وقت من الأوقات لعلّه يبتدئ بآخر عصر المماليك. ولكن هذه الشخصية على ذبولها وفتورها لم تمت ولم تمح، بل ظلت حية تتردد أشعتها الضئيلة في آثار الكتاب والشعراء والعلماء، إلى أن كان العصر الحديث. ويكفي أن تقرأ الأدب المصري في أيام المماليك وقبل أيام المماليك، لتعلم أنّ شخصيتنا الأدبية كانت قوية منتجة، وكانت جذابة خلاّبة في كل فرع من فروع حياتنا

стр. 878

المعنوية. كانت في الشعر بنوع خاص أقوى منها في هذه الأيام، وأقرأ ديوان البهاء زهير فستجد صورتك فيه واضحة، وستجد نفسك فيه ظاهرة، وستجد عواطفك فيه ممثلة، وستجد هذا كله أشد جلاء وقوة عند هذا الشاعر القديم منه عند شعرائنا المعاصرين. والأمر ليس مقصورا على هذا الشاعر، بل هو شائع في شعرائنا جميعا قبل فتح الترك لمصر. وهو كذلك شائع في كتّابنا وعلمائنا، ولو قد كانت شخصيتنا ضعيفة فانية وفاترة واهية، لما أتيح لنا أن نؤدي الحضارة الإسلامية ونحفظها من الضياع حين أخذ التتار والأوروبيون عليها أقطار الشرق والغرب. ولم تكن هذه الشخصية في عصور الضعف والوهن خفية ولا غامضة، فأنت تجدها واضحة في شعر هؤلاء الشعراء المتأخرين الذين عاشوا في أول القرن الماضي وفي أثنائه، والذين لا نحب شعرهم ولا نطيل النظر فيه، والذين يخيل إلينا انهم كانوا يقلّدون فيسرفون في التقليد، ولكنهم برغم هذا التقليد الشديد لم يستطيعوا أن يمحوا مصريتهم ولا أن يخفوها. ولست أستطيع أن أضرب لك الأمثال هنا فذلك شيء لا ينتهي، ولكني أؤكد لك أن حكمك على هذه الشخصية المصرية في الأدب محتاج إلى التصحيح، وأنت قادر على هذا التصحيح، إن قرأت أدبنا المصري كما تقرأ الأدب الغربي وكما تقرأ الأدب العربي القديم، ستجد فيه تقليداً، وستجد فيه بديعاً كثيراً، ولكنك ستجد فيه نزعة مصرية واضحة تحسّها حيثما ذهبت، وأينما وجهت من أرض مصر، وتجدها عند المصريين المعاصرين الذين لم تخرّجهم الثقافة الأوروبية عن أطوارهم المألوفة، في الشعور والتفكير وفي النظر إلى الحياة والتأثر بها والحكم عليها. هذه النزعة صوفية بعض الشيء، فيها مزاج معتدل من الإذعان للقضاء والابتسام للحوادث، وفيها مزاج معتدل من حزن ليس شديد الظلمة، ولا مسرفاً في العمق، ومن سخرية ليست عنيفة ولا شديدة اللذع ولكنها على ذلك بالغة مقنعة، تمضي في كثير من الأحيان، ولعلك تجد هذه النزعة نفسها قريبا جداً منك. لعلك تجدها في أهل الكهف. فجيلنا إذن لم يحدث شخصية مصرية لم تكن، وإنما جلا هذه الشخصية وأزال عنها الحجب والأستار، وجيلنا لم يمنحها الحياة، وإنما منحها النشاط، وزاد حظها من الاستقلال وغيّر وجهتها، فلفتها إلى الأمام بعد أن كانت تصر على الالتفات إلى وراء، وليس هذا بالشيء القليل. وأنا معجب بآرائك في الفن المصري، وفي الفن الإغريقي، ولكني لا أحب لك هذا الإسراع إلى استخلاص الأحكام

стр. 879

العامة، وإقامة القواعد التي لا تثبت للنقد والتمحيص. وآية ذلك أنك أنت نفسك قد أحسست بعض هذا الإسراع فأصلحته حين قضيت على اليونان في أول الكتاب ثم قضيت لهم في آخره. وستر أنك أسرعت في الأولى وأسرعت في الثانية، وكنت خليقا أن تصطنع الأناة فيهما جميعا. فليس من الحق أن اليونان كانوا أصحاب مادة ليس غير، وليس من الحق أن روحية اليونان هذه التي أنكرتها في أول الكتاب، وعرفتها في آخره قد جاءتهم من إلههم ديونيزوس وحده. فحظ اليونان من الروحية قديم تجده بيّنا في شعرهم القصصي في الإلياذة والأوديسا قبل أن تظهر فيهم الآثار العنيفة لدين ديونيزوس، وأنت تعلم أن ظهور هذا الإله عند اليونان متأخر العصر، وأنه في أكبر الظن اله أجنبي جاءهم من تراقيا، وأنه لم يعطهم هذه الحياة الروحية العليا، التي نجدها عند سقراط وعند تلاميذه، وعند أفلاطون بنوع خاص، وإنما أعطاهم حياة روحية أخرى كلّها تصوف وكلّها طموح إلى عالم مجهول مختلط تحيط به الأسرار والألغاز، وتعبّر عنه الرموز والكنايات. وكان هذا النوع من الروحية ذا مظهرين مختلفين، أحدهما شائع مشترك، يساهم فيه الشعب كله، وأهل الريف منهم خاصة، والآخر مقصور على طائفة معينة، هي هذه التي تتعلم الأسرار وتشترك في إقامتها وإحيائها. فكان دين ديونيزوس أشبه شيء بطرق الصوفية عندنا، علمها الصحيح مقصور على خاصة المتصوفة، ونشاطها العملي الغليظ شائع في أفراد الشعب جميعاً. وقد كان أثر ديونيزوس في الأدب اليوناني قوياً عميقاً. وحسبك إنه إله التمثيل، ولكن روحية اليونان الخصبة حقاً، الممتازة حقاً، التي أزعم معتذراً إليك إنك لا تستطيع أن تجد لها شبيهاً ولا مقارباً في مصر الروحية. هذه الروحية اليونانية تجدها واضحة جلية، عذبة ساحرة عند فلاسفة اليونان من تلاميذ سقراط، وعند أفلاطون بنوع خاص. ستقول كما قال كثيرون من قبل: إن أفلاطون قد زار مصر، وأخذ منها. ولست أنكر روحية مصر، ولكني لا أعرف عنها شيئاً كثيراً، ولعلي مدين لليونان بما أعرفه من الروحية المصرية. ومهما يكن من شئ فأنت توافقني على أن اليونان لم يكونوا أصحاب مادة فحسب، ولم تأتهم روحيتهم من ديونيزوس وحده، وإنما اليونان مزاج معتدل من المادة والروح. هم الذين يحققون مثلك الأعلى من المزاوجة بين المادة والروح، والملائمة بين الحركة والسكون، وبين القلق والاضطراب، ولذلك كان اليونان هم الذين أخرجوا للإنسانية في العصر القديم

стр. 880

أرقى تراث في الأدب والفن والفلسفة. قلت إني لا أنكر روحية المصريين. وأقول أيضا إني مؤمن بروحية الهنود، ومعترف بتأثير الروحية المصرية والهندية في حياة اليونان. ولكني لا أعرف من روحية المصريين شيئاً كثيراً لأننا لا نعرف للمصريين فناً ناطقاً، لا نعرف لهم أدباً بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة. وأنت ترى معي أن الأدب هو أوضح مصور لحياة العقول والقلوب، لأنه يحقق مقداراً مشتركاً يمكن الاتفاق عليه، ويصعب الاختلاف فيه. فنحن إذا قرأنا الشعر أو النثر معاً، فهمنا فهماً واحداً أو فهمين متقاربين، ولكن الفن الصامت فن البحث والتصوير وما إليهما يثير في نفوس الناس معانٍ مهما تكن متقاربة متشابهة، فهي تختلف باختلاف الأشخاص والبيئات والعصور، ها أنت ذا تفهم من الفن المصري ما تفهم، ويشاركك فيه كثير من المثقفين ثقافة أوربية، ولكن أواثق أنت حقاً بأن قدماء المصريين كانوا يرون تماثيلهم وعماراتهم كما تراها، ويفهمونها كما تفهمها، ويستلهمونها كما تستلهمها؟ أرأيتك لو سألت مصرياً معاصراً لرمسيس عن رأيه في تمثال من التماثيل، أو عمارة من العمارات، أيقول فيهما مثل ما تقول؟ ومثل هذا يقال في الفن اليوناني، وفي كل الفنون الصامتة، فليس من الخير أن نعتمد عليها وحدها في تشخيص عقلية الأمم وروحيتها، إنما المشخص الصحيح للعقول والقلوب والأرواح هو الكلام، والكلام الجميل الذي نسميه الأدب ونقسمه شعراً ونثراً. فإلى أن يكشف لنا علماء الآثار المصرية عن أدب مصري قديم خليق بهذا الاسم أرجو أن تأذن لي في أن أشك في كثير جداً من هذه الأحكام التي يرسلها الأدباء والشعراء وأصحاب الفن على عقلية المصريين القدماء وروحيتهم، وبعدهم عن المادة، وقربهم من الروح. كل هذه عندي أحكام يتعجل بها أصحابها، ويرسلونها على غير تحقيق، وإذن فقد يكون من الإسراف أن تتخذ هذه الروحية المصرية الغامضة التي يسرع إليها الشك، والتي تعجز عن أن تثبت للبحث، والتي توشك إن تكون خيالاً تخيلته أنت وتخيله أصحابك من الأدباء ورجال الفن أساساً لأدبنا المصري الحديث. فمن يدري لعل البحث عن آثار مصر أن يكشف لنا بعد زمن طويل أو قصير عن حياة مصرية قديمة تغاير كل المغايرةهذا الخيال الذي تحبونه تطمئنون إليه، ويخيل إليكم أن الفن المصري القديم يوحيه ويمليه وينطق به.

стр. 881

نحن إذاً أمام أمرين أحدهما عرضة للشك الشديد، لا نكاد نعرف منه شيئاً، والآخر لا سبيل إلى الشك فيه؛ أحدهما حياة مصر القديمة وحضارتها العقلية - إن صح هذا التعبير - والآخر حياة العرب وحضارتهم. فإلى أي الأمرين نفزع لنقيم عليه بناء أدبنا الجديد؟ أإلى الشك أم إلى اليقين؟ وهنا يظهر الخلاف بينك وبيني شديداً حقاً، فقد أصلحت أنت رأيك في اليونان، ولا أستطيع مناقشتك في أحكامك على المصريين لأنها أثر الإلهام الفني، ولكن رأيك في العرب وآثارهم في حاجة شديدة جداً إلى التقويم. فقد كنّا نرى أن ابن خلدون جار على العرب فإذا أنت أشد منه جوراً وأقل منه عذراً. فقد يسّر الله لك من أسباب العلم بالتاريخ القديم، وتاريخ القرون الوسطى وتاريخ الحياة الأدبية والفنية والعقلية لمختلف الأمم والشعوب ما لم ييسّره لابن خلدون. فإذا قبل من هذا المؤرخ الفيلسوف أن يتورّط في الخطأ لأن عقله الواسع لم يحط من أمور اليونان والرومان والهند والفرس والمصريين القدماء بما نستطيع نحن الآن أن نحيط به أو نمعن فيه. فليس يقبل منك أنت هذا الخطأ وليس يقبل من المعاصرين بوجه عام. وقد ذهب إلى مثل ما ذهبت إليه جماعة من المستشرقين منهم دوزي ورينان، وأحسبكم جميعاً تظلمون العرب ظلماً شديداً وتقضون في أمرهم بغير الحق. فلو أنكم ذهبتم تقارنون بين العرب وبين الهنود والفرس، والمصريين القدماء لما كان من حقكم أن تقدموا هذه الأمم في الأدب على الأمة العربية بحال من الأحوال، لأننا لا نكاد نعرف من آداب هذه الأمم في تاريخها القديم شيئاً يقاس إلى ما بين أيدينا من الأدب العربي. فإلى أن يستكشف أدب هذه الأمم إن كان لها أدب أكثر من هذا الذي نعرفه، يجب أن نؤمن للعرب بالتفوق عليها في الشعر والنثر جميعاً. للمصريين فنهم، وللهنود قصصهم وفلسفتهم، ولكن للعرب شعرهم ونثرهم ودينهم، ولهم قصصهم أيضاً. فإذا أردت أن تقارن بين العرب والرومان فأظنك توافقني على أن الأدب العربي الخالص أرقى جداً من الأدب الروماني الخالص، أيأن الأدب الروماني إنما ارتقى حقاً حين أثّر فيه الأدب اليوناني، فالرومان تلاميذ اليونان في الأدب والفن والفلسفة، والعرب يشبهونهم في ذلك. ولكن العرب كان لهم أدب ممتاز قبل أن يتأثّروا بالحضارة اليونانية، ولم يكن للرومان من هذا الأدب الروماني الممتاز الخالص حظ يذكر. وقد تفوق الرومان في الفقه، ولكنهم لم يسبقوا العرب في هذه الناحية من نواحي الإنتاج، ولعل الأمة الوحيدة التي يمكن أن تشبه

стр. 882

بالرومان في الفقه إنما هي الأمة العربية. لم يبق إذن إلاّ أدب اليونان، هو الذي يمكن أن يقال فيه انه متفوق على الأدب العربي حقا، ولكن من الذي يقيس رقي الأدب في أمة من الأمم برقي الأدب في أمة أخرى؟ فإذا كانت ظروف الحياة العربية مخالفة أشد المخالفة لظروف الحياة اليونانية، فطبيعي أن تختلف الآداب عند الأمتين. وليس من شك في أن الأدب العربي قد صوّر حياة العرب تصويرا صادقا فأدى واجبه أحسن الأداء، وكل ما يؤخذ به الأدب العربي القديم هو أنّه لا يصوّر حياتنا نحن الآن، ولكن أواثق أنت بأن الأدب اليوناني القديم قادر على أن يصور الحياة الحديثة تصويراً يرضي أهلها؟! أمّا أنا فلا أتردد في الجواب على مثل هذا السؤال، فالأدب اليوناني القديم خصب غني ممتع من غير شك، ولكنه كالأدب العربي قد صوّر حياة القدماء، وهو قادر على أن يلهم المحدثين لا أكثر ولا أقل. وأراك تذكر الفن العربي فتعيبه وتغض منه، وقد تكون موفقا في ذلك، ولكن أليس من الظلم أن تحمل هذا الفن على العرب وإنّما هو فن إسلامي ساهمت فيه الأمم الإسلامية المختلفة واستمدت أكثره من البيزنطيين. فإذا كان لك أن تعيب هذا الفن أو تحمده، فأحب أن تقتصد في إضافته إلى العرب، والخير أن تضيفه إلى الأمم الإسلامية. وأمر العرب بالقياس إلى الفن والأدب والعلم والفلسفة بعد العصر العباسي الأول، كأمر اليونان بالقياس إلى هذه الأشياء كلها بعد غارة الاسكندر على الشرق. كانوا ملهمين باعثين للنشاط دافعين إلى الإنتاج، مقدمين لغتهم وعاء لما تنتجه العقول والملكات على اختلافها، وقد يكون من الحق أن كل مقامة من مقامات الحريري أشبه بباب من أبواب جامع المؤيد، ولكن من الحق أيضا أن الآثار الأدبية التي تشبه مقامات الحريري والآثار الفنية التي تشبه أبواب جامع المؤيد كثيرة جدا عند اليونان في العصر المتأخر، وعند البيزنطيين، ولعل هذه الآثار اليونانية البيزنطية هي التي أحدثت عند المسلمين مقامات الحريري وأبواب جامع المؤيد. وأنت تميز اليونان بالحركة، وتميز العرب بالسرعة، وتستنبط من هذه السرعة ظلماً كثيراً للعرب، كما فعل أبن خلدون من قبل، وليس من شك في أن العرب يشاركون اليونان في الحركة، ولكن ليس من شك أيضاً في انك تغلو غلواً شديداً في وصفهم بالسرعة. إنما أسرع العرب في الخروج من باديتهم، ولكنهم حين بلغوا الأمصار استقرّوا فيها، وطال بهم

стр. 883

المقام، فأثروا في أهلها وتأثروا بهم، وكانوا في القرون الوسطى أشبهالأمم باليونان في العصر القديم. ورأيك في الموسيقى العربية واليونانية في حاجة إلى التصحيح أيضا، فنحن نعلم من الموسيقى اليونانية شيئاً يسيراً غير مضبوط، ولا نعلم من الموسيقى العربية شيئاً، ولست أدري إلى أي أمة أو إلى أي جيل نستطيع أن نرد هذه الموسيقى، وهذا الغناء اللذين نتحدث عنهما. ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أن من العسير جداً أن نردهما إلى العرب القدماء. وكل شئ يدل على أن الموسيقى والغناء العربي كما كان يعرفهما العرب أيام الأمويين والعباسيين وفي الأندلس كانا متأثرين أشد التأثر بالموسيقى البيزنطية والغناء البيزنطي. فإذا أردت أن تعيبهما فلا تنس أن تعيب أصلهما اليوناني القديم. وأريد الآن أن أدع هذه المناقشات التي تمس أموراً جزئية وأن أخلص إلى جوهر الموضوع الذي تريد أن تعرف رأيي فيه، وهو: الروح المصري الذي ينبغي أن يقوم عليه الأدب الحديث ما هو؟ وما العناصر التي تؤلفه؟ وأنا استأذنك في أن أكون يسيراً سهلاً، لا متعمقاً ولا متكلّفاً، ولا باحثاً عن الظهر في الساعة الرابعة عشرة (كما يقول الفرنسيون) فالأمر أيسر جداً من هذا كله. عناصر ثلاثة تكون منها الروح الأدبي المصري، منذ استعربت مصر، أولها العنصر المصري الخالص الذي ورثناه عن المصريين القدماء على اتصال الأزمان بهم، وعلى تأثرهم بالمؤثرات المختلفة التي خضعت لها حياتهم، والذي نستمده دائماً من أرض مصر وسمائها، ومن نيل مصر وصحرائها. وهذا العنصر موجود دائما في الأدب المصري الخالص، قد حاولت تشخيصه بعض الشيء في أول هذا الفصل، فيه شيء من التصوف، وفيه شيء من الحزن، وفيه شيء من السماحة، وفيه شيء من السخرية. والعنصر الآخر هو العنصر العربي الذي يأتينا من اللغة ومن الدين ومن الحضارة، والذي مهما نفعل فلن نستطيع أن نخلص منه، ولا أن نضعفه ولا أن نخفف تأثيره في حياتنا، لأنه قد امتزج بهذه الحياة امتزاجاً مكوناً لها مقوماً لشخصيتها، فكل إفساد له إفساد لهذه الحياة ومحو لهذه الشخصية، ولا تقل انه عنصر أجنبي، فليس أجنبياً هذا العنصر الذي تمصر منذ قرون وقرون، وتأثر بكل المؤثرات التي تتأثر بها الأشياء في مصر من خصائص الإقليم المصري، فليست اللغة العربية فينا لغة أجنبية، وإنما هي لغتنا وهي أقرب إلينا ألف مرّة ومرّة من لغة المصريين القدماء. وقل مثل ذلك في الدين، وقل

стр. 884

مثله في الأدب. أما العنصر الثالث، فهو هذا العنصر الأجنبي الذي اثّر في الحياة المصرية دائماً، والذي سيؤثّر فيها دائماً، والذي لا سبيل لمصر إلى أن تخلص منه، ولا خير لها في أن تخلص منه، لأن طبيعتها الجغرافية تقتضيه، وهو هذا الذي يأتيها من اتصالها بالأمم المتحضّرة في الشرق والغرب. جاءها من اليونان والرومان واليهود والفينيقيين في العصر القديم، وجاءها من العرب والترك والفرنجة في القرون الوسطى، ويجيئها من أوربا وأميركا في العصر الحديث. فخذ الآن أي أثر أدبي مصري فحلله إلى عناصره التي يتكون منها، فستجد فيه هذه العناصر الثلاثة دائما. ولكنك ستجد بعضها أقوى من بعض بمقدار حظ المؤلف أو المنشئ من هذه الثقافات الثلاث المختلفة. بعض هذه الآثار يغلب فيه العنصر العربي، وبعضها يغلب فيه العنصر الأوربي، وقليل جدا منها يظهر فيه العنصر المصري القديم. فإذا لم يكن بد من أن أصور المثل الأعلى لروحنا المصري في أدبنا الحديث، فأني أحب أن يقوم التعليم المصري على شيء واضح من الملاءمة بين هذه العناصر الثلاثة فتشتد عنايته جدا بالتاريخ المصري، والفن المصري، والأدب المصري على اختلاف العصور. وتشتد عنايته جداً بالأدب العربي، والتاريخ العربي، والدين الإسلامي. ثم تشتد عنايته بالثقافة الحديثة. وأخوف ما أخافه على هذا الروح المصري شيئان: أحدهما أن تلهينا الثقافة الأوربية عن الثقافة المصرية والعربية، وكل شيء يغرينا بها ويغريها بنا فهي ضرورة من ضرورات الحياة، فمن الحق علينا أن لا نضيع حظنا منها، ولكن من الحق علينا ألاّ نفني أنفسنا فيها. الثاني أن نؤثر ثقافة أوربية على ثقافة أوربية فنؤثر الثقافة الإنكليزية (كما يريد قوم وكما تريد سياسة الدولة) أو نؤثر الثقافة اللاتينية (كما يريد قوم آخرون، وكما كانت تريد سياسة الدولة من قبل) هذا خطر لأنه يجعل الروح المصري الناشئ وجها لوجه أمام روح أوربية أقوى منه وأشد بأسا. فيوشك أن يخضع له ويفنى فيه، فلو قد فتحنا أبوابنا للثقافات الأجنبية على اختلافها، لانتفعنا بها كلها ولأضعف بعضها بعضا، وحال بعضها دون بعض أن يفنينا أو يسيطر علينا. لذلك تمنيت وما زلت أتمنى لو لم تفرض على مصر لغة بعينها من لغات الأوربيين، بل جعلت اللغات الحية الراقية كلها مباحة للطلاب يأخذون منها ما يشاءون.

стр. 885

هذا الروح المصري الذي يتكون من هذه العناصر الثلاثة، هو الذي نشهده الآن عندك وعند كثير من أمثالك المثقفين، وهو الذي نجد في نشره وإذاعته بين المصريين جميعا، وهو الذي سيطبع أدبنا المصري الحديث بطابعه القوي سواء أردنا أم لم نرد. فشخصيتنا المصرية العربية أقوى بحمد الله من أن تمحى أو تزول، والحضارة الأوربية أقوى وألزم من أن نعرض عنها، أو نقصر في الأخذ بحظنا منها. ستسألني: ولكن الأديب؛ من أين يستمد خواطره، ويستلهم وحيه؟ فأجيبك: من هذه العناصر كلها، أو من أي من هذه العناصر شاء، سيكون منّا الأديب الذي يستلهم العنصر المصري القديم؛ أليس بين الفرنسيين من يستلهم اليونان؟ وسيكون منّا الأديب الذي يستلهم العنصر العربي؛ أليس من الفرنسيين من يستلهم الرومان؟ وسيكون منّا أن يستلهم العنصر الأوربي، أليس من الفرنسيين من يستلهم السكسونيين؟ بل من يستلهم الشرق الأقصى، أو الشرق الأوسط، أو الشرق القريب، بلى. والأمر كذلك عند الإنجليز وعند الألمان، وعند غيرهم من الأمم الحية. فأنت ترى أن أمر هذا الروح المصري أيسر من أن يدعو إلى الخوف أو يضطر إلى الحيرة وأكبر الظن أنّ مصدر هذه الحيرة وذلك الخوف إنّما هو اضطراب سياسة التعليم في مصر وقيامها على غير أساس، وسيرها في غير طريق، ولو قد وضحت هذه السياسة واستقامت منذ زمن بعيد لما تساءلنا الآن عن الروح المصري، ولا عن الأدب المصري من أين يستمد الحياة. أمّا بعد؛ فقد كنت أريد أن أقتصد وأؤثر الإيجاز، ولكن الحديث معك أغراني بالإطالة وحببها إليّ، وأرجو أن لا أكون عليك ولا على غيرك من القرّاء، وأرجو أن تقبل تحيتي الخالصة.

стр. 886

أدب اللفظ وأدب المعنى للأستاذ أحمد أمين من قديم اختلف علماء البلاغة، أهي في اللفظ أم في المعنى، وقد عقد عبد القادر الجرجاني فصلاً ممتعاً في آخر كتابه دلائل الأعجاز ذكر فيه حجج الفريقين، وقد كان فريق يرى أن المعاني مطروحة أمام الناس، والبليغ من استطاع أن يصوغها صوغاً جميلا، وإنّما يتفاضل الأدباء بجودة السبك وحسن الصياغة، ويرى الفريق الآخر أن المعاني هي مقياس التفاضل، وإنّ الأديب يفضل الأديب بغزارة معانيه، وجدة أفكاره، وأظن أن الزمان فصل في هذه القضية، إذ أصبح واضحاً أن حسن الصياغة، وجودة المعاني، عنصران أساسيان لابد منهما للأديب، وان من تجرد من أحدهما لا يسمى أديباً بحال، وان المثل الأعلى للأديب معان غزيرة سامية، وصياغة جيدة محكمة. غير أنّ هناك - ولا شك - مواضع تراعى فيها المعاني أكثر مما يراعى فيها اللفظ وصياغته، كفصول النقد الأدبي، والمقالاتالعلمية الأدبية والمقالات التاريخية الأدبية؛ وتراجم الأشخاص ونحوها، فالغاية من هذه الموضوعات ليست اللذة الفنية، وإنّما الغرض الأول هو المعاني والحقائق، فيجب أن تكون غزيرة فياضة، وكل ما نتطلبه فيها من اللفظ أن يعبّر عن هذه المعاني في دقة ووضوح، أمّا القصد إلى محسنات البديع ومجملات الصناعة فلا داعي له، وربما كان إفراط الكاتب في هذه المحسنات حجباً للمعاني عن الأنظار، ومضلة للعقول عن الوصول إلى حقيقة المعاني، وهي أقوم ما في هذه الموضوعات. وهناك ضرب آخر من الأدب كالشعر والقصص فيه مراعاة اللفظ وحسن السبك في المنزلة الأولى، ولست أعني أن الحقائق والمعاني فيهما مجرّدة من القيمة بل هي كذلك من مقدماتهما، والشاعر الذي يجيد السبك ولا يجيد المعنى ليس من شعراء الطبقة الأولى، وخير الشعراء من صح حكمه، واتسعت تجاربه في الحياة. وكان له علم عميق في كثير من الأشياء التي حوله ثم صاغ ذلك كله صياغة جميلة، وهذا الأدب الصرف كالشعر والقصص والقطع الفنية الأدبية، ليس الغرض الأولى منه نقل المعاني كما في الصنف الأول، وإنّما الغرض منه إثارة عواطف القارئ والسامع.

стр. 887

والألفاظ - كما يظهر لي - لم توضع لنقل العواطف، وإنما وضعت لنقل المعاني، والألفاظ أعجز ما تكون عن نقل عاطفة الأديب إلى القارئ. فكيف أنقل إعجابي بالطبيعة أو أنقل حباً ملأ جوانحي، أو غضباً استفزّني، أو رحمة ملكت مشاعري؟ لم توضع الألفاظ لشيء من ذلك، إنما وضعت لنقل مقدمات ونتائج منطقية، ولكن ما حيلتنا وقد خلقنا عاجزين لم نمنح لغة العواطف، ولابد لنا من التعبير عنها ونقلها إلى قارئتا وسامعنا، لذلك استخدمنا لغة العقل مرغمين، وأردنا أن نكمل هذا العجز بضروب من الفن، كموسيقى الشعر من وزن وقافية، وكالسجع، وكل ضروب البديع، وليس القصد منها إلاّ أن تكمل نقص الألفاظ في أداء العواطف. في هذا النوع من الأدب ليس من الضروري أن تكون معانيه جديدة، وربما يستطيع الأديب أن يجعل من المعنى المطروق قصيدة رائعة، أو قصة ممتعة، وكل ما فيها من جديد صياغتها الجديدة، وخيالها المبتكر، وليست وظيفة الأديب فيها أن يعلم الحقائق، إنما وظيفته أن يثير مشاعر الناس بها، ويعبر عمّا لا يحسنون التعبير عنه، وان كانت المعاني في نفوسهم، وبين سمعهم وبصرهم. كل إنسان يشعر بجمال الوردة، ولكن الأديب يملأ مشاعرك بجمالها، ويوحي إليك بمعان ترتبط بها، مثل اقتران تفتحها بتفتح الشباب ونشوة الأمل، أو ما تبعث من شجن. وجودة الأسلوب وحسن النظم قد يرقيان بالمعاني المألوفة فيخرجانها في شكل جذاب ولكن لا يمكن الأديب على كل حال أن يتبوأ مكاناً عالياً إذا أعتمد على الأسلوب وحده وكان مصاباً بالفقر العقلي. في أدب كل أمة نرى أدب اللفظ وأدب المعنى، وفي الأدب العربي أمثلة واضحة لذلك، فمقامات الحريري والبديع أدب لفظ لا معنى، قلّ أن تعثر فيهما على معنى جديد، أو خيال رائع، وهما من الناحية القصصية في أدنى درجات الفن، ولكنهما تؤديان غرضا جليلا من الناحية اللفظية، ففيهما ثروة من الألفاظ والتعبيرات لا تقدر، ويظهر أن مؤلفيهما قصدا إلى تعليم اللغة وإمداد المتعلم بثروة كبيرة من الألفاظ والأمثال والتعبير، وتحايلا على ذلك بهذا الوضع الجذاب، فان كانا قد قصدا إلى ذلك فقد نجحا نجاحاً تاماً وان كان قصدهما غير ذلك فلا. وشعراء القرون المظلمة بعد سقوط بغداد وكتابها أدباء ألفاظ: رواء في العين، ولا شيء في

стр. 888

اليدين، بل إن أدب كثير منهم لا هو أدب لفظ ولا هو أدب معنى، يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، والمعري في لزومياته أديب معنى لا أديب لفظ، غزرت معانيه وقصرت ألفاظه، حاول أن يدخل المحسنات البديعية في شدة ففشل، قد التزم ما لايلزم فأضاع ما يلزم، والمتنبي - على الجملة - أديب لفظ ومعنى قد وقع من معاني الحياة على ما لم يقع عليه من قبله، ثم صاغه صياغة قوية حببته إلى النفس. وبعد فيظهر لي أن الزمن سائر إلى تقويم المعاني أكثر من تقويم الألفاظ، وشأن الناس في تقويم الأدب شأنهم في تقويم الجمال في سائر الفنون، فمن لم يصلوا إلى درجة راقية من المدنية يعجبهم من الألوان اللون الزاهي كالأحمر القاني والأصفر الفاقع، ويعجبهم من الأجسام السمين القوي في ملامحه، ومن الأصوات الطبل والمزمار، فإذا بلغوا مبلغا كبيرا في الحضارة أعجبتهم الألوان المتناسقة والألوان الخفيفة، كما تعجبهم وحدة الفكرة التي تنسق الألوان المختلفة والمظاهر المتعددة، وأعجبهم من جمال الإنسان الرشاقة وخفة الروح، وأعجبوا بجمال الحركة، وقوّموا جمال المعاني أكثر مما يقومون جمال الملامح، ونظروا إلى جمال الروح أكثر مما ينظرون إلى جمال الجسم، حتى في جمال الجسم يقومون وحدة التناسق والنسبة بين الأعضاء أكثر مما يقومون جمال الوجه وحده، وفي الموسيقى تعجبهم النغمات الهادئة، والنغمات المتناسقة، والنغمات التي تمثل المعاني. كذلك شأنهم في الأدب يكرهون السجع الدائم، والكتابة التي اختفت معانيها أو ضاعت وراء الزينة المفرطة والزخرف الكثير، والقافية الطويلة على وتيرة واحدة، وتعجبهم البساطة في القول والزينة بقدر، والألفاظ كوسيلة لا غاية، يكرهون النكت كلها لعب بالألفاظ، والنكت تلذغلذغا صريحا، وتعجبهم النكتة أسست على معنى، والنكتة تلذع في إيماء ورقّه. إن الأديب إذا رزق حظوة في السبك، وأصيب بفقر في المعنى كانت شهرته وقتية وقيمته محدودة الزمن، ولا يلبث الناس أن يدركوا ضعفه وفقره فينبذوه، والأديب الخالد من زاد في معارفنا ومشاعرنا بما في قوله من معنى وقوة. أديب اللفظ فارغ الرأس قليل العلم بما حوله، قريب الغور، قد ستر كل هذا بزخرف القول كما تستر الشوهاء عيبها بالأصباغ، رخصت بضاعته فبالغ في التجمل في عرضها ولفت الأنظار إليها. وشعر إنها مزيفة فغضب لنقدها والتلويح بامتحانها. والأمة في طفولتها

стр. 889

وشيخوختها يعجبها هذا النوع من الأدب، لأن خفة رأسها من خفة رأس أدبائها. ولأن العقول السخيفة يعجبها السحر والشعوذة وألعاب البهلوان، والأدب اللفظي المحظ نوع من هذا اللعب. فإذا نضج عقلها تغير ميزاتها ونفذ نظرها إلى أعماق الشيء، لتعرف ما وراء الظواهر. وإذ ذاك تقدر المعاني أكثر ممّا تقدر الألفاظ، ترى الألفاظ جسما والمعنى روحه. وترى المعني غاية واللفظ وسيلة. وتستحسن اللفظ لا لذاته، ولكن لأنه لفق المعنى. تزين معانيه ألفاظه … وألفاظ زائنات المعاني ما أحوج أدبنا العربي الحديث إلى المعنى القوي الغزير في اللفظ الجميل البسيط!

стр. 890

نظرة في نظام بيعة الخلفاء النمو الثاني. للأستاذ محمد فريد أبو حديد - ٢ - هل استطاع التاريخ أن يصدر حكمه في ثورة الفرنسيين؟ إن هذه الثورة قريبة العهد، فحوادثها قريبة الحدوث وأكثرها مدون في وقته، مضبوط التاريخ وحكومة اليوم قائمة على تلك الثورة، ومن أكبر الجرائم في دولتها أن يعمل أحد على مس نظام الجمهورية الذي وضعته تلك الثورة، ومع ذلك فأنّا نجد الأفكار مقسمة مضطربة إذا تناولت ذكرها وحوادثها. فقوم من المؤرخين يتشيعون لها ويتغنون بكل ما كان فيها. وقوم آخرون ينكرون عليها فعالها، ويزوّرون من قاموا بها وآزروها. وهل يستطيع العرب ألاّ أن يكونوا كذلك؟ فأن ثورتهم في مدة الخليفة عثمان لم تكن ثورة من كل الناس، وان اشترك فيها كل العرب بالرأي والقول، وتناولوها بين منكر ومنتصر. ولسنا بسبيل هؤلاء أو أولئك، ولكننّا نرى إنها مثل الثورة الفرنسية، ان اختلفت فيها الآراء فأن الكتّاب جميعا متفقون على انها كانت ظاهرة اجتماعية طبيعية. فلندع الخوف في هل كانت تلك الثورة حقا أم كانت باطلة، وحسبنا من القول أن يقال إنها كانت ثورة طبيعية، وإنها كانت خطوة في سبيل بناء الدستور العربي. وهي وان لم يشترك فيها كل العرب قد كان فيها ممثلون للأنحاء المختلفة من بلادهم، فقد كان فيها جماعة من مصر وجماعة من مصري العراق، كما اشترك فيها الأعراب من أنحاء جزيرة العرب. وقد جمعت جماعة من الزعماء كما ضرب فيها العبيد بسهم فعدد الثائرين كان محدودا، ولكن فكرة الثورة كانت شائعة، وكانت رقعتها كذلك محدودة، ولكن مدى الاشتراك فيها كان يشمل حدود الدولة العربية إذ ذاك. لسنا نقصد أن نقول إن العرب جميعا كانوا يريدون سفك دم الخليفة الشهيد، فقد كان هذا أبعد شيء عنهم، بل أن الفكرة ذاتها لم تكن في نفوسهم من أول الأمر، ولكن الثورة كانت في نفوس الجميع. وكانت ثورة طبيعية لا هي وليدة تدبير ولا هي بنت

стр. 891

حادثة، بل كانت نتيجة فكرة اختمرت في النفوس حتى صارت عقيدة، ثم كان من الأمر ما كان عن عقيدة. كان انتخاب سيدنا عثمان كما سبق القول نتيجة اختيار واسع الرقعة وكان كذلك قائماً على تعهد وبرنامج، ثم جرت حوادث على مرّ الأيام لاحظها العرب وأحصوها في نفوسهم، وإذا قلنا العرب فإنما نقصد جميع العرب سواء في ذلك من كانوا في قلب الجزيرة والحجاز ومن كانوا في الأمصار. وهل كان أهل الأمصار يتركون الأمر يسير كما يشتهي فئة من قريش وهم جنود الدولة الذين يوفرون له الفيء والأموال، ويعودون عليها بالنصر والفتح. ولسنا في حاجة إلى هذا التساؤل فحسبنا أن نتذكر أن اختيار عثمان كان قائما في ناحية منه على رضا جنود الأمصار، فإذا لاحظ هؤلاء الجنود كيف يذهب فيئهم في غير وجوهه انقلبوا ينتقدون رئيس الدولة الذي يسمح بمثل هذا، وإذا رأوا مشيختهم يُعزلون عن البلاد التي فتحوها لكي تسلم القيادة إلى فتية لا غناء لهم ولا تحيط بهم ذكريات المجد والفتح أحاطتها بالزعماء المعزولين نفرت نفوسهم وطفقوا يحصون على الوالي الجديد أعماله ويسيئون تأويلها أو يزيدون تأويلها قبحا. ومنذ بلغ الحال هذا المدى بدأ النقد يتخذ شكل الشكوى. ونطقت الألسنة بما دار في النفوس من التهم. ولسنا نقصد أن نذكر الحوادث أو نسرد ما كان من الخطوات التي أدت إلى الثورة، فذلك معروف متداول، ولكننا نذكر أمرين لا غنى عنهما: الأمر الأول أن رؤساء العرب في المدينة اقتنعوا اقتناعا كبيرا بحق الشاكين ووجوب إزالة ما يشكون منه وبدأت نفوسهم تنحرف عن عثمان عندما رأوه لا يبدي الجد في إحقاق الحق وكان جديرا به أن يكون عند الحق مقيدا. والأمر الثاني أن الذين كانوا يأتون للشكوى لم يكونوا من أهل الفساد والعبث بل كانوا رجالات من الزعماء أتوا وقلوبهم موغرة تملؤها الشكوى، وما كانوا يقصدون سوى أن تزال مواطن تلك الشكوى بعد أن بثوها مرارا. وما كانوا مدفوعين إلاّ بعامل واحد وهو الإصلاح. وكان أبعد شيء عنهم أن يفكروا في قتل الخليفة، ويثيروا بذلك المشكلات والعداوات أو أن ينقضوا بناء الدولة الذي كان لهم الفضل في بنائه فضلاً عن انهم من جنود الدولة الحريصين على الدفاع عنها وبسط سلطانها. وإذا كان لابد من ضرب المثل للتدليل على صدق مذهبنا في هذين الأمرين

стр. 892

فأنّا نذكر القراء بما كان من عبد الرحمن بن عوف وهو كما نعلم صاحب اليد في اختيار عثمان. فأنه غير متهم إذا هو قام يذكر عثمان بما وجب عليه. ولقد بلغ به الأمر أن خاصم عثمان وحلف ألا يكلمه بكلمة حتى يفرق بينهما الموت، وقد بر بقسمه فقد قيل إنه لمّا حضرته الوفاة دخل عليه عثمان عائداً فأدار وجهه إلى الحائط ولم يكلمه. وذلك موقف كان يدعو إلى ترك الخلاف لو لم يكن الأمر قد بلغ حداً لا يرتاح الضمير إلى التساهل فيه. وإذا شئنا أن نكرر الأمثلة التي تدل على انحراف زعماء الصحابة عن عثمان في آخر الأمر لم نضق بالأمر، فقد غضب طلحة حتى كان فيمن يحرض على عثمان تحريضاً شديداً، وغضب عمار بن ياسر وبلغ الأمر بأبي ذر الغفاري أن نفي من المدينة، ولكنه لم يكن راضياً وإن لم يظهر شيئاً من غضبه بأكثر من كلمات قالها لعثمان أو لبعض أهله. ولقد كان علي (رض) في أشد المواقف فأنه كان في حيرة بين واجبه نحو صديق آخى بينهما رسول الله (ص)، وبين واجبه نحو العدل وهو بقية العهد الأول من عهود الإسلام، وهو البطل الذي ما كان يرضى بالحيد عن العدل مهما كان في سبيل ذلك من الأخطار. على انه كان مع ذلك يحاول أن يحمل الخليفة على الإصلاح لكي يتحاشى النكبة التي لاحت في الأفق. وأما الأمر الثاني وهو حسن نية الثوار فليس أدل عليه من أنهم لم يرضوا بترك الأمر فوضى بعد قتل الخليفة، بل كانوا يعرضون الأمر على الزعماء. ويظهرون لهم وضوح حجتهم في ثورتهم، ولم يفكر أحدهم في أن يذهب إلى مصره ليضرم فيه النار، أو أن يهرب إلى بلده قبل أن يستقر الأمر ويتدارك ما كان من الخطب، فلم يكونوا بالمجرمين الذين متى تمت جريمتهم فزعوا هاربين من ضوء الشمس يحاولون أن يدخلوا في غمار الناس حتى لا تنالهم معرة فعلهم. فكانوا أشبه الناس بأصحاب يوليوس قيصر عندما قتلوه وقاموا بين الناس معترفين بما أتوه، وبأنهم إنما فعلوا فعلتهم دفاعاً عن الحق والحرية. قتل الخليفة ولكن قتله كان غير مدبر تدبيراً محكماً نتيجة تفكير طويل، بل جاء عندما فزع الثوار إذ بلغهم أن الجيوش الموالية له تتحرك نحوهم لتبطش بهم من أنحاء الأمصار. وقد ذهب الخليفة ضحية الظروف القاسية التي كانت تخيم على دولة العرب والتي كانت تحتاج إلى رجل له عقلية غير عقلية عثمان. عقلية محضة لا تردد فيها بين العواطف المختلفة،

стр. 893

ولا تنازع فيها بين جانبي العدل والميل الطائفي، فأمّا أن تكون عقلية دنيوية محضة تسير على الميل الطائفي والأثرة ولكنها تسير قُدُماً بغير تردد، وأما أن تكون عقلية عادلة محضة تسير مع العدل قدماً بلا تردد، وأما عثمان فقد كان قلبه مملوءاً بفكرة العدل، ولكنه كان لين العاطفة يصل قرابته، ولا يستطيع إلاّ أن يكون مائلاً نحو من لهم به مساس من رحم. فتردد بين الدافعين المتضادين، وكانت الكارثة من وراء هذا التردد. ولما تم الأمر عاد الثوار إلى أنفسهم وكأنهم يريدون إنقاذ الموقف فقضوا أسبوعاً يبررون فعلهم، ويعرضون الخلافة على الزعماء. وقد أرادوا ألاّ يبعدوا عن السنن التي اختطها السلف وألاّ يحيدوا عمّا سار عليه العرب في بناء دستورهم منذ كانت دولتهم، فرأوا أن يرجعوا إلى آخر خطوة من خطى ذلك الدستور قبل الثورة، ألا وهي خطوة الشورى. ولم يكن الوقت ليسمح لهم بالسير بعد ذلك خطوة أخرى جديدة في سبيل تقدم ذلك الدستور وهي الخطوة التي كانت تنتظر لبلوغ نظام كفيل بتمثيل العرب واختيار أليقهم للخلافة إذ أنّ ذلك كان يستلزم الهدوء والاستقرار. فلمّا لم يستطيعوا السير إلى الأمام عادوا إلى حيث كانوا ورجعوا إلى المرشحين للخلافة بعد مقتل عمر. وكان بعضهم قد لحق بربه مثل عبد الرحمن بن عوف وكان بعضهم بعيدا عن المدينة، وهو الزبير. فعرض الخلافة على طلحة فأبى وكره أن يتقدم في مثل هذا الظرف خوفاً من التهمة، إذ كان ممن ظهر منهم التحريض الصريح على عثمان، وأمّا سعد بن أبي وقاص فقد كان أخرج نفسه منها منذ حادثة الشورى وأبى أن يعاود نفسه في ذلك الأمر، فلم يبق من المرشحين للخلافة من أهل الشورى إلاّ علي (ع). وقد عرض الثوّار الخلافة عليه فلم يرض بادئ الأمر، وأبى كل الإباء أن يقبلها. وكان عليّ عند مقتل عمر (رض) أول المرشحين للخلافة، ولولا أنّه أبى أن يقيد نفسه بغير كتاب الله وسنة نبيّه، ورفض أن يحرم نفسه الاجتهاد على هذين الأساسين فيما يقابله من مسائل الدولة لكان هو الخليفة بعد عمر. ولمّا رأى الثوار أن كل أهل الشورى لا يواتونهم فيما يطلبون عادوا إلى عليّ وغيروا لهجة عرضهم وخاطبوه بما وجد في قلبه موقعا. وذلك أنهم بدءوا يظهرون لهم حال الدولة الإسلامية، وقد مضى عليها أسبوع بغير خليفة، وحدودها ممدودة إلى أعداء كثيرين. وإذا استطال الأمر بها لم يؤمن عليها من

стр. 894

الضياع والانفراط. وهل كان عليّ يترك دولة الإسلام في مثل هذا المأزق ويتردد في قبول حمله والاضطلاع به؟ لقد كانت المشكلات واضحة لكل ذي عينين، وكان كل من عرضت عليهم الخلافة يرفضونها، وهم يخشون ما وراء قبولها من العقبات والأخطار والمتاعب. فلم يكن الأمر أمر خلافة وسلطة وسيادة بل كان الأمر أمر شقاق، وكان على الخليفة أن يحاول القضاء عليه، وأمر دولة تريد أن تنهار ويجب الاحتفاظ بها وحفظها من الضياع، وأمر شهوات وأغراض يريد أصحابها أن يصلوا إليها متسترين بالثأر، والواجب حماية المجتمع والدولة الإسلامية منها. وقد كان عليّ من بناة الدولة وأول أبطالها الذين تعرضوا للموت مرارا في سبيل بنائها، فلمّا أن جاءه الثوّار من ناحية ما يحيط بها من الأخطار ثار قلبه ونسي كل ما يمكن أن يلقى في سبيل الدفاع عنها، وقبل ما يعرضه الثوّار، وكان عن الخلافة راغبا. وقال عند ذلك كلمته القصيرة الكبيرة الدلالة: (قد أجبتكم لما أرى، وأعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وان تركتموني فإنما أنا كأحدكم، إلاّ أني أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم). على أن هذه الثورة وإن كانت في مظهرها هدماً قد كانت في الحقيقة بناء له خطر عظيم في دستور الدولة العربية. فقد أظهر العرب بعنف أن الخليفة إذا قبل شرط المبايعة كان لزاما عليه أن يفي بما تعهد به، وانّه إن لم يفعل كان للشعب أن يعزله. فإن أبى أن يعتزل أو يعتدل كان للشعب أن يثور عليه. وإذن كان على الخليفة الذي يلي أمر العرب بعد ذلك أن يحتاط ويحترس في السير على منهاجه الذي بايع عليه. وبذلك تم بناء الدستور العربي الأول على أسس واضحة صريحة، فقد كان اختيار الخليفة في ذلك الدستور من حق العرب جميعا، ولكن السنّة التي سار عليها خلفاء العرب الأوائل جعلت اختيار الخليفة محصوراً، فما كان الخليفة ليختار إلاّ من قريش. وكان الخليفة يختار ممن تتوافر فيهم شروط الرجولة التامة والعدل الذي لا يعرف ميلا، وكان أساس الاختيار أن يعمل الخليفة بمقتضى برنامج صريح قائم على أحكام الكتاب والسنة والاستنارة بسنن الخلفاء الماضين. وكانت المبايعة من جانبين: جانب الشعب وجانب الخليفة فإذا خالف الخليفة شروط المبايعة كان للشعب أن ينقده ويطلب إليه الرجوع إلى المنهاج القويم وإلاّ كان له أن يثور عليه. ولم يقف نمو هذا الدستور بعد ذلك لنقص في القوة الحيوية في الشعب العربي. بل قد

стр. 895

تكلّف خلفاء بني أميّة وبني مروان شيئاً كثيراً من العناء وارتكبوا جرائم كثيرة وخاضوا الحروب والمخاطر قبل أن يستطيعوا أن ينقضوا أسس ذلك الدستور.

стр. 896

خواطر في الشعر العربي للأستاذ محمود البشبيشي. المدرّس بدار العلوم للرسالة الغرّاء فضل على الأدب العربي أن أتاحت لقرّائها فرصا كثيرة للإطلاع على آراء ناضجة، وبحوث طريفة في الأدب العربي. ولقد أثار كتابها الفضلاء موضوعات طليّة في هذه الناحية لقيت من قادة الأدب والباحثين فيه عناية كبيرة، تردد صداها على صفحات (الرسالة) وفي أندية الأدب، وإذا كان من حق الرسالة على أدباء العربية أن يشكروا لها حسن مسعاها. فإن من واجبهم أن يبوحوا بما يهتدون إليه من آراء حيال هذه الموضوعات، ليكون للأدب من كتاباتهم وبحوثهم مدد لا ينقطع. أثار الباحث المفضال (الدكتور محمد عوض) مسألة الشعر الذي لا يجري على سنن واحد، وكان موفقاً في تسميته (مجمع البحور) كما كان جدّ موفق في نقده وتجريحه حتى تركه هباءً تذروه الرياح. ولقد كانت صيحة (الدكتور) موفقة، نبّهت رجال العربية إلى خطر داهم ينتظر الشعر العربي من هذه الدعوة الباطلة التي لم تعدم لها أنصارا، ولم تعتمد في قيامها على دليل، لقد طالما صدّعت آذاننا بمثل هذه الدعوة، فمن داع إلى التحرر من القافية، إلى منادٍ بجمود الشعر العربي، إلى طارح لأوزان العروض المأثورة، إلى غير هذه النزعات الطائشة الغامضة، وأخيرا فوجئنا بفكرة التحلل من وحدة البحور، وقرض الشعر على غير نظام والسير فيه على غير هدى، ولقد كنّا نشفق على الشعر ذلك التراث المجيد أن تعبث به المحاولات، ثم يعود إلينا شيء من الطمأنينة، اعتماداً على ما فيه من مناعة تقيه هذه الألاعيب، غير أن دعاة هذه الفوضى الشعرية ما فتئوا يعاودون الكرّة بعد الكرّة يريدون أن يتسللوا في غفلة الرقباء إلى حمى الشعر فيستبيحوه، فإذا تم لهم ذلك لجّوا في طغيانهم، وقضوا على أنصع صفحات الأدب العربي، وأزهى رياضه، وانضر وجوهه، ثم نعبت غربانهم على أطلاله، وقطعوا ما بين حاضر الأمة وماضيها، وبنوا على أطلال ذلك

стр. 897

الماضي المجيد، ما خيله لهم أهواؤهم من أمانيّ وأحلام. لست أدري ماذا ينقم القوم من الشعر؟ وهو الذي ساير الدهر قرونا طوالا، وماشى الحضارات على اختلافها، واتسع للأغراض الشعرية على كثرتها، واستقبل حكمة العرب واليونان بعزة الواثق بنفسه، المعتز بقوته، فما دعاه غرض إلاّ لبّى، وما أهاب به جديد إلاّ استجاب، وما سمعنا أنه قعد عن حكمة المتنبي وأبي تمام، ولا تخاذل دون مباهج الحياة وأغراضها في بغداد والأندلس، ولا قصّر يوم طلب إليه ترجمة (الإلياذة). ولا يوم دعي لنظم (قمبيز) و (كيلوباترا)، بل ما رأيناه نفر ممن حمّلوه ما لم يخلق لأجله فضموا به العلم، وأطالوا به المتون، فالشعر العربي خصب بطبيعته، قابل للتجديد ومسايرة الزمن، ولكن في حدود العقل والمنطق، وفي حدود السليقة العربية، والحضارة العربية. فماذا يريد القوم بعد ذلك؟ وأيّ غرض يرمون إليه؟ ماذا يريدون بمجمع البحور، وهو نوع لاحظ له من النغم الموسيقي، الذي هو روح الشعر، وسر تقدمه على النثر، هو لون من القول يريد أن يخدع الناس عن نفسه فلا يلبثون أن يعرفوا حقيقته، ويدركوا أنّه لا إلى الشعر ولا إلى النثر. لقد أبان لهم (الدكتور الفاضل) أن هذا بدع من القول لم تعهده اللغات الأخرى، ولم ينزل إليه شعراؤها النابهون، أمثال (شكسبير) وصاحب الشاهنامة، وعهدنا بأصحاب هذه الدعاوى، إذا أخذهم الدليل أن يتشبثوا بأهداب التجديد، ويجروا وراء الأدب الغربي، فإذا كانت حجتهم داحضة، وأسبابهم واهية، وإذا كان فحول شعراء اللغات الأخرى لم يسفوا إلى (مجمع البحور) فماذا عساهم يقولون؟ ما أظن الباعث لأكثر هؤلاء إلاّ الطموح إلى الشهرة وذيوع الصيت، يستهينون في سبيله بلغتهم، وهي مناط العظمة، وديوان المفاخر، ومظهر الكرامة والعزّة القومية، هم يحسدون الشعراء على مكانتهم! ويحاولن ألاّ يقصروا في كل مظاهر العظمة، فيتعلّقون بأهداب الشعر، فإذا هو نافر منهم، ويرون معاناة الشعر أمراً عسيراً على طبائعهم، شديداً على نفوسهم، ويدركون أن العقبة الكؤود دون الذي يريدون، قوانين دعت إليها طبيعة الشعر كفن من فنون الموسيقى، وأقواها في نظرهم وحدة الوزن والقصيدة أو ما يعبّر عنه بالبحور، فلا يهدأ لهم بال، ولا يقر لهم قرار حتى ينفّروا الناس من هذه القوانين لعلهم أن يحطموها، فتصير طريق الشعر في زعمهم واضحة معبّدة، وعند

стр. 898

ذلك يستوي الشاعر والمتشاعر، ويندس في زمرة الشعراء الملهمين من لا يمت إلى الشعر بسبب، وقد نسوا أن الشعر كالموسيقى والصوت الحسن لا ينقاد إلاّ لمطبوع عليه. رويدكم أيّها الإخوان! فما أنتم ببالغي هذه الغاية! وإن تراءت لكم قريبة المزار، إنّ شعراً يفقد أهم عناصره وهي وحدة الموسيقى لجدير أن تمجه الآذان، وتنفر منه الطباع، وما كان هذا شأنه. فلن يرقى إلى درجة الشعر الصحيح ولن يجد من النفوس إلا احتقارا، ثم لا يلبث أن يقبر في مهده. وانه لخير مما تريدون أن يسمع الإنسان كلاما منثورا منسجما لا تكلف فيه، ولا تتعب أذنه في التوفيق بين أنغام مختلفة متنافرة، لاحظّ لها من الشعر، ولا روح لها من ألفة موسيقية، وان يوماً يستحيل فيه الشعر إلى ما ذهبتم إليه لهو يوم القضاء على الشعر العربي وجناية هذا على الأجيال المستقبلة أخطر مما تتصورون. ليس يجدي ما تدعون إليه أن يتجلى على الناس في حلّة الشعر وأن يحمل بين يديه قيثارته، فلن تلبث الحلّة الخادعة، أن تبدو مهلهلة شتى الصور والألوان فتقذي بها الأعين، ولن تلبث القيثارة أن تظهر أوتارها المتناثرة فتحجبها الآذان. ولا يلبث ذلك المسمّى شعراً أن يبدو في حلّته عظاماً نخرة، لا تقوى على الهواء فتعود رفاتا سحيقاً، فاعملوا للتجديد إن كنتم صادقين على دعائم ثابتة من القديم، وإذاً يمضي أدبكم العربي المجيد في طريقه قُدُما، ويتسع لما شئتم من جديد نافع.

стр. 899

من أدب الجاحظ للأستاذ توفيق الحكيم أستاذنا الكبير الدكتور طه إني أشكر أهل الكهف الذين قادوني إليك. وإذا كان هذا هو الغرض من بعثهم في كتابي فقد حق البعث نجح. الحقيقة أن رعاية الدكتور طه أثمن ما منحني القدّيسون الثلاثة من كنوز. وأن صداقته التي أطمح إليها يوم أكون خليقاً بها هي مفتاح عملي الأدبي في المستقبل. إنه ليشق علي أن يمضي الأسبوع ولا ألقى الدكتور. فلقد وجدت في حديثه الجميل زاداً روحياً لا غنى لي عنه. تشرفت بلقاء الأستاذ الجليل لطفي بك، ودار بيننا حديث طويل أرويه إن شاء الله عند اللقاء. وبعد فقد كنت أقرأ الجاحظ منذ عامين فألفيت عنده كلاما كالحوار التمثيلي لم أر مثله في الأغاني. وقد بدا لي أن أنقل هذا الحوار على شكل (منظر صغير) دون تغيير في الألفاظ والمعاني. إنما سمحت لنفسي ببعض الحذف وبعض الملائمة بين وضع الحوار الأصلي والوضع المسرحي بغير أن أمس جوهر الموضوع. حتى يبقي الفضل للجاحظ وللأدب العربي، والحق إنه حوار يذكر بألفريد دي موسيه في (كوميدياته وأمثاله) أن عناصر كل نوع من أنواع الأدب والفكر موجودة عند العرب لكنها مجرد عناصر. فلماذا لا نستخرج هذه العناصر ونفصلها ونبوبها؟ لماذا لا نضع مثلا كل حوار من هذا الطراز في الشكل التمثيلي على قدر المستطاع. ونجمعه على انه نماذج تمثيلية من الأدب العربي. أو على أنه القديم بإلباسه حلّة جديدة دون تغيير للب؟ إذا صح هذا فإن مجال العمل في الأدب العربي القديم متسع. ولن تفرغ منه أجيال قادمة برمتها. والدكتور أول من بحث وحفر ونقب في آثار الأدب العربي. وأول من أدخل روح البحث والتنقيب في الجامعة. والجامعات هي ميدان لمثل هذا العمل. إذا كان الدكتور لا يوافقني على أن عناصر القصص التمثيلي موجودة عند العرب. فما تراه يقول في هذا (المنظر) وهو من تأليف الجاحظ: الفراق

стр. 900

المنظر: باب دار كبير، جارية كأنها قضيب يتثنى. يدنو منها شيخ ويسلم عليها فترد السلام بلسان منكسر وقلب حزين. الشيخ: - يا سيدتي! إني شيخ غريب أصابني عطش فأمري لي بشربة من ماء تؤجري. الجارية: إليك عني يا شيخ، فإني مشغولة عن سقي الماء وادخار الأجر! الشيخ: يا سيدتي لأيّة علة؟ الجارية: (بعد تردد) لأني عاشقة من لا ينصفني، وأريد من لا يريدني! الشيخ: (يتأملها) يا سيدتي، هل على بسيط الأرض من تريدينه ولا يريدك الجارية: انه لعمري على ذلك الفضل الذي ركب الله فيه من الجمال والدلال. الشيخ: يا سيدتي، فما وقوفك في الدهليز؟ الجارية: هو طريقه، وهذا أوان اجتيازه. الشيخ: يا سيدتي. هل اجتمعتما في خلوة في وقت من الأوقات أم حب مستحدث؟ الجارية: (تتنفس الصعداء وتسيل دموعها على خديها كطل على ورد وتنشئ تقول): وكنا كغصني بان وسط روضة … نشم جنا اللذات في عيشة رغد فأفرد هذا الغصن من ذاك قاطع … فيا من رأى فردا يحن إلى فرد؟ الشيخ: يا هذه ما بلغ من عشقك هذا الفتى؟ الجارية: أرى الشمس على حائطه أحسن منها على حائط غيره، وربما أراه بغتة فأبهت وتهرب الروح من جسدي، وأبقى الأسبوع والأسبوعين بغير عقل الشيخ: عزيز عليّ؛ وأنت على ما بك من الضنى وشغل القلب بالهوى وانحلال الجسم وضعف القوى، ما أرى بك من صفاء اللون ورقة البشرة. فكيف لو لم يكن بك من الهوى شيء؟ أراك كنت مفتنة في أرض البصرة! الجارية: كنت والله يا شيخ قبل محبتي لهذا الغلام تحفة الدلال والجمال والكمال. ولقد فتنت جميع ملوك البصرة وفتنني هذا الغلام. الشيخ: يا هذه ما لذي فرّق بينكما؟ الجارية: نوائب الدهر وأوابد الحدثان. ولحديثي وحديثه شأن من الشأن. وأنبئك أمري: إني كنت اقتصدت في بعض أيام النيروز، فأمرت فزين لي وله نجلس بأنواع الفرش وأواني

стр. 901

الذهب، ونضدنا الرياحين والشقائق والمنثور وأنواع البهار. وكنت دعوت لحبيبي عدة من متظرفات البصرة فيهن من الجواري جارية شهران وكان شراؤها عليه من مدينة عمان ثمانمائة ألف درهم، وكانت الجارية قد ولعت بي، وكانت أول من أجابت الدعوة وجائتني منهن. فلمّا حصلت عندي رمت بنفسها عليّ تقطعني عضا وقرصا. . . فبينا نحن كذلك إذ دخل عليّ حبيبي. فلمّا نظر إلينا اشمئزّ لذلك، وصدف عني وعنها صدوف المهرة العربية إذا سمعت صلاصل اللجم، وعضّ على أنامله وولّى خارجا. فأنا يا شيخ منذ ثلاث سنين أسلّ سخيمته، وأستعطفه فلا ينظر إليّ بعين، ولا يكتب إليّ بحرف، ولا يكلّم لي رسولا. الشيخ: يا هذه، أفمن العرب هو أم من العجم؟ الجارية: هو من جلّة ملوك البصرة. الشيخ: من أولاد نيابها أو من أولاد تجارها؟ الجارية: من عظيم ملوكها. الشيخ: أشيخ هو أم شاب؟ الجارية: (تنظر إليه شزراً): إنك لأحمق. أقول هو مثل القمر ليلة البدر أمرد أجرد، وطرّة رقعاء كحنك الغراب تعلوه شقرة في بياض. عطر اللباس ضارب بالسيف، طاعن بالرمح، لاعب بالنرد والشطرنج، ضارب بالعود والطنبور، يغني وينقر على أعدل وزن لا يعيبه شيء إلاّ انحرافه عني لا نقصاً لي منه بل حقداً لما رآني عليه. الشيخ: يا هذه وكيف صبرك عنه؟ الجارية: (حالي معه كحال القائل): أمّا النهار فمستهام واله … وجفون عيني ساجفات تدمع والليل قد أرعى النجوم مفكرا … حتى الصباح ومقلتي لا تهجع كيف اصطباري عن غزال شارد … في لحظ عينيه سهام تصرع الشيخ: يا سيدتي، ما أسمه وأين يكون؟ الجارية: تصنع به ماذا؟ الشيخ: أجهد في لقائه وأتعرف الفضل بينكما في الحال. الجارية: على شريطة

стр. 902

الشيخ: وما هي؟ الجارية: تلقانا إذا لقيته وتحمل لنا إليه رقعة. الشيخ: لا أكره ذاك الجارية: هو ضمرة بن المضيرة بن المهلّب بن أبي صفرة. يكنى بأبي شجاع، وقصره في المربد الأعلى. وهو أشهر من أن يخفى. (تصيح في الدار): يا جواري دواة وقرطاسا. . الشيخ: يا سيدتي وجب حقك عليّ. ولزمتك حرمتي لطول وقوفي عليك، وكنت قد سألت شربة ماء. . . الجارية: أستغفر الله! ما فهمنا عنك. (تصيح في الدار): أخرج إلينا شرابا من ماء وغير ماء (تقبل وصيفتان تحملان الدواة والقرطاس وتشمّر الجارية عن ساعدين كأنهما طومارا فضة ثم تحمل القلم وتكتب الرقعة. ثم تقبل ثلاثون وصيفة بأيديهن الكؤوس والجامات والأقداح مملوءة ماء وثلجاً وفقاعا وشرابا فيشرب الشيخ. .) الشيخ: يا سيدتي. مع قدرتك على هذا من استواء الحال وكثرة الخدم والعبيد والجواري، فلم لا تأمرين إحدى الجواري أن تقف مراعية للغلام حتى إذا مرّ أعلمتك فتخرجين إليه.؟. الجارية: لا تغلط يا شيخ.! الشيخ: (يفهم مرادها ويطرق خجلاً من هفوته)! انتهى المنظر. وكان في مقدوري أن أجعل منه فصلاً كبيراً. لكني آثرت أن أبقيه على أصله. لأن المسألة عندي هل نظهر العناصر مع بقائها على شكلها أو نتصرف بها ونستعملها كما نشاء؟ سنتكلم في هذا إذا التقينا في الأسبوع القادم.

стр. 903

ثقافة المرأة للآنسة أسماء فهمي (درجة شرف في الآداب) اتجه خاطري نحو هذا الموضوع بعد قراءة تعليق (الرسالة) على خطاب الآنسة حياة التي تشكو من أن أصحاب (الرسالة) قد حرم المرأة أن يكون لثقافتها مظهر في مجلته بجانب ثقافة الرجل، ورد صاحب الرسالة بأنه لم يرد أن يسمح للرجال بالتحدث عن شؤون النساء الخاصة. ولست أفهم تماماً المقصود بشؤون النساء، أهي أمور الدار وتربية الأطفال، أم المراد مساهمة المرأة في ميدان التحرير وطبع الأدب بطابعها الأنيق الخاص، بصرف النظر عن الموضوعات النسوية البحتة؟ وسواء أكان المقصود الأمر الأول أم الثاني أم الاثنين معاً فأن موضوع ثقافة المرأة العامة، هو ما ينبغي أن يبدأ ببحثه حتى نتبين ما إذا كانت ثقافة المرأة تنحصر في دائرة خاصة، وهل يحسن أن يكون لها تعليم وتهذيب يختلفان عن تعليم الرجل وتهذيبه. وقد لا يكون من غير الملائم لفت الأنظار إلى هذا الموضوع في الوقت الذي تطور فيه تعليم الفتاة في العشر سنين الأخيرة تطوراً عظيماً، فبعد أن كان تعليمها قاصراً على بعض الفنون المنزلية ومبادئ القراءة والكتابة وقشور اللغات الأجنبية، أصبحت تتلقى من العلوم ما يتلقى الفتى في المدارس الابتدائية والثانوية، كما أصبحت تدرس معه جنباً إلى جنب في الجامعات. وبالرغم من أن مصر لم تبتدع ذلك النظام، وإنما نسجت فيه على منوال الأمم الراقية التي تأخذ عنها جل نظم الحضارة والعمران، فأن ذلك الانتقال لم يتقبله الكثيرون قبولاً حسناً بعد، لأنهم يرون فيه ضياعاً لوقت الفتاة التي خلقت لأن تكون أماً، زاعمين أن سيكولوجية المرأة وتركيبها النفسي، ووظيفتها في الحياة تستدعيان أعداداً خاصاً وتعليماً غير تعليم الرجل. ويظهر أن أنصار هذا المبدأ لهم تفسير خاص، لأغراض التعليم ومعنى الثقافة! أما ما يفهم عادة من الثقافة فهو كل ما من شأنه تهذيب النفس وصقل العقل وتقويم العاطفة وتوسيع المدارك وعلى ذلك يدخل تحت الثقافة العلوم بأنواعها والفنون والآداب والأخلاق، وكل ما يكتسب المرء من تجارب وتعليم عملي في الحياة. ولما كان هذا النوع من الغذاء العقلي والروحي لا يستغني عنه الإنسان الذي يصبو إلى الكمال، وكانت المرأة إنساناً لا

стр. 904

تختلف، عن الرجل من هذه الناحية، فلا بد لها من غذاء عقلي ومعنوي أيضاً، ولما كان التكافؤ العقلي بين الجنسين أصبح من الأمور المسلم بها، وجب إذن أن يتغذّى عقل المرأة كما يتغذى عقل الرجل حتى تصل إلى حظ مثل حظه من الثقافة. نعم لا مفر الآن من تثقيف المرأة بالطريقة التي تتبع في تثقيف الرجل، إذ أصبح من الجلي الآن إن الطريقة القديمة لتعليم الفتاة لم تنتج غير مخلوق ناقص من نواح كثيرة، بدليل هجران الرجل لمنزله في كثير من الأوقات، لأن شريكة حياته تعجز عن أن تمده بالنصح والمعونة، كما تعجز عن جعل دارها مهبطاً للجمال والتسلية. أقول هذا القول وأشعر إنني لو قلته في بلد آخر متمدن غير مصر، لنظر الناس إليّ بمنتهى الدهشة، نظرتهم إلى من يخبرهم مثلاً إن النهار في الصيف أطول منه في الشتاء، ظاناً إنه يذكر لهم أمراً طريفاً!. . ولكن مصر التي سارت بخطى واسعة جداً في نواح كثيرة من نواحي التقدم والرقي مازالت تتردد في قبول بعض المبادئ التي تعد أساس الرقي الصحيح وعنوان الحضارة، أعني مساواة المرأة بالرجل في الحقوق وخصوصاً الثقافة. وليس الغرض الرئيسي من تعليم الفتاة كما يظن الكثيرون تأهيلها لمزاولة مهنة من المهن كالمحاماة أو الطب أو الهندسة، وإنما الأهم أن تصل إلى حقها الطبيعي من اعتيادها التفكير المنظموإكسابها خلق الاعتماد على النفس والاعتداد بالكرامة، وذلك لا ينشأ إلا عند تبيّن مبلغ المقدرة الشخصية والاستعداد. ولا ضير إذا هي لم تستخدم تلك المعلومات بالذات في حياتها المنزلية إذ الغرض الأساسي من التعليم كما يقول أفلاطون في (الجمهورية): توجيه الروح إلى النور باعتياد التفكير المنتجوبالابتعاد زمناً ما عن قيود الماديّات. والواقع إننا نحط من شأن التعليم كثيراً إذا نظرنا إليه قبل كل شيء كوسيلة لتحقيق غرض مادي. فالتعليم يجب أن يعتبر غرضا في ذاته قبل أن ينظر إليه بتلك النظرة المادية سواء في حالة تعليم المرأة أو تعليم الرجل. سأل مرة أستاذ في إحدى الجامعات الكبرى تلميذه لماذا يتعلم تعليماً جامعياً ولم اختار التاريخ لفرع تخصصه. فكان جواب الطالب الصريح مما أهاج الأستاذ الذي لم ير مغضباً من قبل. وذلك انه أجاب إنما يتعلم ليحصل على درجة عالية تمكنه من الحصول على وظيفة تضمن له رغد العيش. . . ثار الأستاذ وغضب لأنه شعر أن تلميذه لا يتعلم لوجه العلم، وعلى ذلك فهو يفقد أهم شروط التهذيب الصحيح.

стр. 905

فبغير هذا الشرط لا يمكن أن يمتزج العلم بالنفس أو بعبارة أخرى لا يمكن أن تحدث الثقافة. وعلى ذلك تكون المرأة امتن ثقافة وأعمق تهذيباً لو تعلمت تعليم الرجل لأنها في الغالب تتعلم العلم فيكون لإنتاجها مظهر جذاب لأنه بعيد عن المؤثرات المادية التي كثيراً ما تعترض تقدم الرجل. إلا أن ثقافة المرأة لا تكمل ولا يصبح لها أثر محسوس إذا علمناها علوم الرجل بينما تحرم مما يستمتع به من حرية وإرادة مستقلة، وتحاط بسياج من التقاليد العتيقة والرقابة الخانقة، فهي في هذه الحال تقول بمرارة: من لي بعيش الأغبياء. . . كما أنه لا يمكن أن يصدر عنها ثقافة عالية، إذ ينقصها بسبب قيودها الشخصية والابتكار والصراحة والنظرة العلمية. . وهكذا تبدو ثقافتها مبتورة وان تناهت في الظرف وتألق فيها الذكاء الباهر. وهنا قد يسأل سائل: وما مبلغ أثر التعليم المنزلي في ثقافة المرأة؟ إني وإن كنت أريد تعليم المرأة تعليماً عالياً ابتغاء وجه العلم، أو استعداداً للعمل فلست ممن ينكرون ما للتعليم المنزلي من أهمية في ثقافة المرأة. وهو لا ينفعها عملياً فحسب، وإنما لهذا التعليم أثر جميل في إنتاجها العقلي أو مظهر ثقافتها. وقد كان يقال عن (جين أوستن) الكاتبة الإنجليزية التي اشتهرت ببراعة الأسلوب وسمو الخيال ودقة التحليل إنها إنما اكتسبت الطلاوة في التعبير، والدقة في التفاصيل، من تدريبها الطويل على استعمال الإبرة والمنسج. والواقع أن مثل هذا التعليم يكسب المرأة المقدرة على مراعاة النسب ودقة الأسلوب ودقة الحساسية، وكل ذلك يبدو واضحاً إلاّ أن ما يعترض عليه بشدة هو تضحية التعليم العام من أجل هذا التعليم المنزلي، بحجة عدم استخدامه عملياً في وظيفتها الخاصة. انه لمنتهى الظلم إلاّ ننظر إلى المرأة كإنسان له حق كامل في الحرية والتعليم قبل أن ننظر إليها كأم أو دمية منزل، بل أن منتهى الاستهتار بمواهب المرأة أن نكتفي منها بالقشور دون اللباب، فلا نحاسبها على عدم تعمقها في التعليم وإنما ننظر إليها نظرة كنظرة أهل العصور الوسطى، الذين كانوا لا يطلبون من المرأة أكثر من اتصافها بالعفة والصيانة. أما الصفات الأخرى كالذكاء وبُعد النظر والشجاعة والصراحة فلم يكن عليها إقبال يذكر؛ وإنما الاستكانة والخشوع كانا من أهم مميزات الكمال النسوي في تلك العصور. ولقد كانت (جرزلدا الصبور) التي تحملت مرارة هجر الزوج وقسوته مثل الفضيلة والأمومة الصالحة

стр. 906

عندهم. . . وأخشى أن تكون (جرزلدا) هذه لا تزال المثل الأعلى للزوجة عند الكثير من الرجال. . . إن التطورات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية التي تبعد الشقة كل يوم بين العصور الوسطى والعصر الحديث، تفرض علينا تغيير الآراء القديمة بالنسبة إلى مركز المرأة وثقافتها. ففي حياتنا الحديثة المتشعبة المسالك الكثيرة المطالب، المملوءة بالصراع والتنافس لم يبق مكان للمرأة الساذجة الضعيفة. وعلى ذلك كان من الخطأ الكبير أن نتعمد إنقاص تثقيف المرأة عن تثقيف الرجل، بل يجب أن يتناسب مقدار الثقافة مع وظيفة تلك التي تهز العالم بيسارها إذا ما هزت المهد بيمينها؛. . ولكن ماذا تكون النتيجة لو تعلمت المرأة كما يتعلم الرجل؟ هل تفقد مميزاتها الخاصة ولا يصبح هناك فرق بين ثقافتها وثقافته؟ الواقع أن الثقافتين لا تختلفان إلاّ شكلاً فقط، فيكون لثقافة المرأة وان اتحدت في الجوهر مع ثقافة الرجل طابعها الخاص، إذ تتجلى فيها ما تمتاز به المرأة من حنان ورقة وتأثر بالعواطف والهام وحدة ذكاء وشدة حساسية. وإنا لنأمل أن نرى أثراً واضحاً لتلك الثقافة النسوية (في الرسالة) التي تعتبر بحق رسالة الروح الحديثة المملوءة قوة وابتكاراً وتجديداً.

стр. 907

إلى الله. .!! للآنسة ناهد محمد فهمي رباه طالما حادثتك في ليل السريرة. . .!! وطالما ناجيتك حزينة ومسرورة. . .!! وكنت عقب صلواتي أسمع صوتك القدوس يدوي، صداه في أركان روحي المادية. .!! عرفتك بالغريزة وأنا طفلة. .!! فكنت أتأدب كلما ذكروا اسمك العظيم. .!! لأني أعتقد دائماً أني في حضرتك. .!! وكنت أضطرب محبة واحتراماً وعبودية، كلما فكرت أنك تراني دائماً. .!! حادثتك وأنا في (الكُتّاب) اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فآمنت بك لرحمتك وحنانك. .!! لأن الرحمة والحنان أول ما يفتقر إليهما الناشئ في هذه الحياة القاسية. .!! عرفتك في (الليالي الممطرة). .!! فكنت أقف ساعات منصتة للرعد، فهو جلجلة همساتك. . .!! وكنت ارقب البرق. . فهو نور ابتسامتك. .!! غفرانك يا رب!! إذا تخيلتك هكذا (بمخيلتي) الإنسانية الضعيفة. .!! عرفتك في الرّبيع. . . حين مرت يداك القادرتان على وجه الأرض. . . فتجلى صنعك البديع في النبات والورود، وعرفت رحمتك في تلك النفحات الربيعية العطرة وصوتك في أهازيج الطبيع ' البهيجة. .!! فأيقنت برحمتك وآمنت بجنتك. . .!! عرفتك في (الصيف). . فاعتقدت بجبروتك وآمنت (بنارك) وفي الخريف فآمنت بالموت والفناء والمرض، وعلمت أنك الباقي ونحن الفانون. . .! عرفتك في النهار عندما ملأت أنوارك عيني وبهرت آياتك لبي. .!! وعرفتك في الليل حينما باحت لي النجوم الزواهر بسرّ عظمتك، وبعث الظلام الحالك في نفسي معنى رهبتك. .!! عرفتك في كل مظهر من مظاهر أكوانك … وناجيتك في كل سورة من سور قرآنك

стр. 908

ولكني بعد هذه المعرفة الطويلة، والمناجاة المتصلة اسمع في جوانب نفسي سائلاً يسأل: هل عرفتك حقيقة يا رب؟

стр. 909

الأدب والحياة للأستاذ زكي نجيب محمود تطغى على العالم موجة مادية تجتاحه أصولاً وفروعا، وتريده على أن يحمل تراث الإنسانية الأدبي، منذ فجرها حتى اليوم الراهن، فيأخذ سمته نحو أليم، فيلقي بذلك التراث في لجة مالها من قرار، ثم يعود وقد أزاح عن كاهله ذلك العبء المضني من دموع الشعراء وأنينهم وهزّات نشوتهم وسرورهم، وغير ذلك من نزوات الطفولة التي لا تدعو إليها ضرورة ولا شبه ضرورة في هذا العصر الحديث، وأن يتوفر على أزيز المعامل ومقارع الآلات، التي لا ينبغي أن يطرب لسواها، أو ينصت لصوت غير صوتها!! وماذا يغني دانتي وشكسبير بجانب علوم الطبيعة والكيمياء، التي على أساسها تعمل المطارق وتدور الأرجاء!! وفي ذلك يقول الكاتب الإنجليزي توماس بيكوك: (الشاعر في عصرنا هذا نصف همجي يعيش في عصر المدنية، لأنه يقيم في الزمن الخالي، ويرجع بخواطره وأفكاره وخوالجه وجوانحه إلى الأطوار الهمجية، والعادات المهجورة، والأساطير الأولى، ويسير بذهنه كالسرطان زحفاً إلى الوراء. . . . . لقد كان الشعر نقرة تنبه الذهن في طفولة الهيئة الاجتماعية، ولكن من المضحك في عصر النضج العقلي أن نعني بألاعيب طفولتنا، ونفسح لها موضعاً من شواغلنا، فإن هذا سخف يشبه سخف الرجل الذي يشتغل بألاعيب الصبيان، ويبكي لينام على رنة الأجراس الفضية). هكذا يقال عن الأدب الآن، كأنه عرض من أعراض الحياة، لا يمسها في الجوهر والصميم، والواقع أننا حين ننزل عن الأدب وسائر الفنون، فأننا إنما ننزل عن نفوسنا، لأن هذه وتلك شيء واحد اختلفت أوضاعه. وللشاعر الفيلسوف طاغور تحليل يبين به موضع الفن من أساس الحياة، وأنه ضرورة لازمة لا مناص منها، ونحن نورد للقارئ خلاصة موجزة لذلك البحث الجليل: من الحقائق البديهية، ان الإنسان مرتبط بهذا العالم بصلات شتى، فهو يعيش في مضطرب الحياة مدفوعاً بطائفة من الحاجات التي يتحتم عليه قضاؤها وهو في تلك المحاولة مضطر إلى أن يتصل بالعالم اتصالاً ليس له عنه منصرف ولا محيد. فالحاجة الجسمية تملي عليه أن يفلح الأرض ويتعهد الزرع حتى يثمر له القوت، وأن

стр. 910

يلتمس من الطبيعة مسكناً وملبساً يدفعان عنه الفقر والهجير. والحاجة العقلية تريده على أن يمعن النظر ويستقصي البحث في مظاهر الكون، لان العقل لا يقنع بالنظر إلى الأشياء الخارجية دون أن يتتبع العلل ويكتشف القوانين العامة التي تنتظم جميع الجزئيات، فهو مطبوععلى هذا البحث ليخفف عن نفسه أعباء الحقائق الكثيرة التي تصادفه في حياته، باختزالها في عدد قليل من القوانين، أو في قانون واحد شامل إن استطاع إلى ذلك سبيلا. وليست حاجة الإنسان تقتصر على العقل والجسد، بل هو يحمل بين جنبيه نفساً لها مطمح تنشده وتسعى إليه، فهي بدورها مضطرة إلى أن تتصل بالكون كي تلتمس عند مظاهره ما تصبو إليه، وهي بحكم وجودها تعالج ضروباً من المشاعر، فهي تموج بالأمل واليأس والسرور والغضب وغير ذلك من ألوان الشعور. ولكن هذه الروابط التي تصل الإنسان بالعالم لا تقتصر عليه دون سائر الحيوان، فهو يشاركه في الحاجة الجسمية ويشاركه في الحاجة العقلية - إن صح إطلاق هذه الكلمة على الحيوان الأعجم - كما يشاركه في مشاعره النفسية كذلك، إلاّ أن أهم ما يرتفع بالإنسان عن مرتبة الحيوان، إن هذا محدود في دائرة ضيقة جداً، لاتسع لأكثر من الضرورات التي يقتضيها استمرار الحياة، فهو يبذل ما يبذله من مجهود لحفظ كيانه، والاحتفاظ بجنسه، ثم لا يزيد على ذلك إلاّ بمقدار ضئيل، أما الإنسان فلا تكلفه الضرورة إلا بقدر محدود ثم يبقي لديه من القوة ما يجول به حرا من الأصفاد والقيود، مثل الحيوان في ذلك، مثل الزارع الذي ينوء بأعباء الدّين الفادحة فهو يكد ويكدح ويعمل ويشقى طول العام، فإذا ما حان الحصاد تسرّب الثمر إلى الدائن، ويخرج صاحبنا من المعركة صفر اليدين، أما الإنسان فهو في هذا التشبيه صاحب ضيعة واسعة النطاق، لا يفقد من دخله إلا جزءاً يسيرا، ثم ينعم بعد ذلك حرا لا يقف دونه سلطان ولا رقيب، أي إن لديه من ثروة الحياة ما يزيد على الحاجة الضرورية بقدر عظيم، وبذلك يتاح له من القوة والفراغ، ما يستطيع معه أن يعالج مختلف الشئون، لا باعتبارها واجباً حتماً تمليه ضرورة الوجود، ولكن على أنها أغراض في نفسها تقصد لذاتها. فللحيوان مقدار من المعرفة ولا ريب، إلا أنها معرفة ضئيلة محدودة، يستخدمها في حفظ

стр. 911

الحياة وكفى، فهو ملزم أن يدرس بيئته في شئ كثير من الدقة ليستطيع أن يتخذ لنفسه من أركانها مستقراً يؤويه، وليتمكن من الحصول على طعامه وشرابه في سهولة ويسر، وهو ملزم كذلك أن يعلم بعض خواص الأشياء من حيث اللدونة والصلابة مثلاً، ليبني ما يشاء من أوكار، ويعالج شؤون الحياة الأخرى، وهو لابد أن يعرف للفصول المختلفة علامات تدل على قدومها. حتى يتهيأ لأجوائها المتباينة بالريش أو الفراء، هذه وأشباهها معرفة لا ندحة عنها لكل أنواع الحيوان للذود عن كيانها والاحتفاظ بوجودها. ولكنها لا تزيد على ذلك إلاّ قليلا. والإنسان أيضاً. لديه تلك المعرفة اللازمة لاستمرار الحياة - حياة الفرد والجنس - ولكن معرفته لا تقف عند هذا القدر القليل، بل تفيض معرفته فيضاً غزيراً يطغى على تلك الحدود الضرورية، فهو يحصل جانباً من المعرفة لذاتها، وينشد العلم لأجل العلم، لا يبغي وراء ذلك قصداً ولا غاية. ومن هذا الفيض العلمي تنشأ الفلسفة والعلوم. وللحيوان جانب خلقي غير منكور، فلديه كثير من الإيثار تراه واضحاً في حنان الأم على صغارها أيا كان نوعها ويبدو ذلك الإيثار بارزاً في هذه النحلة العاملة، وتلك النملة المثابرة، فهما تسعيان وتطوفان هنا وهناك، تجمعان القوت، ولكن لماذا؟ لخلية النحلة كلها أو لجماعة النمل بأسرها. وهذا المقدار الضئيل من الأخلاق، إنما أوجدته ضرورة الحياة عند الحيوان، أما الإنسان فقد رسم لنفسه من التشريع الخلقي ما يربي على حاجته الضرورية أضعافاً مضاعفة، فهو يفرض نفسه على الخير لأنه صالح للجماعة أولاً، ولكنّه لا يكتفي بهذا الفرض المتواضع، بل يمعن في ذلك إمعاناً بعيداً، فينشد الخير محضاً ويطلبه لذاته فقط ومن هذا الفيض الخلقي، نشأ علم الأخلاق. وللحيوان شعور يحسه ويعبّر عنه، فهو يبغض ويحب، وهو يسر ويحزن، وهو يأمن ويخاف. ولكنه كذلك لا يعدو في التعبير عن مشاعره ذلك الحد الذي تقتضيه ضرورة الحياة. أما الإنسان، فعواطفه - وان تكن قد نشأت في الأصل لتلك الأغراض التي نشأت من اجلها عواطف الحيوان - إلا إنها قد جاوزت ذلك الحد تجاوزاً، وتركت في الأرض جذورها الأولى التي أخرجتها إلى الوجود، وانبسقت عالية منتشرة بغصونها في سماء اللانهاية، نعم لدى الإنسان من العواطف أضعاف أضعاف ما تتطلبه طبيعة وجوده، وهذا الفيض الغزير العميق من المشاعر التي تضطرم وتحتدم في الصدور لابد أن يجد متنفسا

стр. 912

يتسلل منه، ليعلن عن نفسه في أنحاء الوجود. وقد كانت الثغرة التي تدفق منها ذلك الفيض الشعوري هو الفن الجميل في ضروبه المختلفة من أدب وتصوير ونحت وموسيقى وغيرها. إذ أتخذها الإنسان أداة للتعبير عما يحسه من شعور، وهذا الشعور الذي يلتمس طريقه إلى عالم التعبير في صورة فنية، إنما يكشف عن نفوسنا وما يدور فيها من إحساس. وبعبارة أخرى إن الفنون وسيلة لابراز مشاعر النفس الإنسانية ودون الأشياء المحسة التي تتعلق بها تلك المشاعر، وبذلك أتاحت للإنسان أن يسكب نفسه أمامه، فيراها ويلمسها، وليس له عن ذلك بد بحكم تكوينه، فهو حين ينظم قصيدة من الشعر أو يضرب على أوتار الموسيقى فان ذلك يوازي في قائمة الضرورات الإنسانية - الملبس والطعام -، ومن هنا كان الإنسان هو الحيوان الذي يعرف نفسه ويشعر بوجوده. ولمّا كانت الآداب والفنون هي شخصيتنا تدفقت إلى العالم الخارجي في مختلف الأثواب، كان لا يصلح موضوعا للفن إلا ما يتصل بنفوسنا وينتظم في سلك مشاعرنا، أو تغذوه عواطفنا، فيكتسي الرضى أو السخط أو السرور أو الألم أو غيرها، وعندئذ يصبح جزءاً منا، يصح له أن يبرز في صورة فنية. فعلمنا أن الأرض تبعد عن الشمس كذا ميلا لا يصلح موضوعاً للفن لأنه لا يمس نفوسنا، أما منظر غروب الشمس فهو يثير فينا عاطفة ما (الإعجاب مثلاً) فيمتزج المنظر بنا، ويختلج في نفوسنا، ثم لا يلبث أن يسلك سبيله إلى التعبير. وهكذا كلما اجتمعت مشاعرنا حول شئ معين فإنها تجاهد في الإفصاح عن نفسها مستعينة في ذلك بالفنون، ولما كانت معظم الأشياء التي تصادفنا في الحياة تثير فينا لونا خاصا من العواطف، فالإنسان فنان في الكثير الغالب من نواحي الحياة. فهو يشيد دوراً فخمة لمسكنه وكان يكفيه كوخ خشن ضئيل، وهو يبني المعابد والمساجد الشامخة التي ترسل قبابها ومآذنها في الفضاء، لينفس عن عاطفته الدينية، وكان يكفيه حيز محدود في العراء لأداء فريضته، وهو يخطط المدن وينسق الحدائق ليرضي عاطفته الوطنية وهو يعني بأثاث منزله وجمال ملبسه إلى آخر دقائق الحياة. لماذا؟ لأنها تمس مشاعره فتصبح قطعة من شخصيته لا يسعه إلاّ إبرازهاوالإعلان عنها. من ذلك نرى أن الفنون جميعاً هي الأداة التي يستخدمها الإنسان ليتمكن من صب الوجود نفسه. ثم يعود فيسكبها شخصية تنبض فيها الحياة، وقد اتخذت الفنون قوالب الجمال وسيلة

стр. 913

إلى ذلك التعبير كالتصوير والموسيقى والعبارة الجميلة، فأدى ذلك إلى اقتران الآيات الفنية بمعاني الجمال فالتبس الأمر على بعض المفكرين وذهب بهم الظن إلى أن الجمال هو الغرض المقصود من الفنون. والحقيقة انه أداة فقط، استعملت للوصول إلى الغاية الحقيقية وهي إبراز الشخصية الإنسانية، وقد تبع ذلك جدل ونقاش حول موضوع لم يكن ليحتمل النقاش والجدل وهو أيهما افضل في الأدب؛ المعنى أم المبنى؟ فذهب فريق كبير إلى تفضيل العبارة الجميلة وحجتهم في ذلك أن المعنى أدخل في باب العلوم منه في باب الأدب، أما اللفظ الجميل فهو خالص لأنه قطعة من الجمال والجمال أساس الفنون! وفات هؤلاء أن جمال الأدب لا يتحقق إلاّ بمزج هذين العنصرين مزجاً (كيميائياً) لا يقبل التجزئة والتحليل، فأنت إذا أردت أن تتذوق لونا من ألوان الطعام فلا تعمد إلى تحليله إلى عناصره الأولى لتختبر كل واحد على حدة بل لابد لك أن تتناوله وحدة متماسكة. كذلك الحال في الأدب؛ الكل شئ آخر غير أجزائه. فالمعنى وحده قطعة من العلم واللفظ وحده كذلك جزء من علم البلاغة والنحو والصرف، فإذا مزجت بينهما كان لديك بذلك آية أدبية خالدة. فالفنون ومنها الأدب هي أشخاصنا وأرواحنا في حين أن العلوم (كالأشياء نفسها) جامدة ميتة لا تتصل بنفوسنا ولا تظهر فيها الشخصية الإنسانية. وقد أحسن فكتور هوجو حين قال في كتابه (وليم شكسبير): (ينأى كثير من الناس في أيامنا هذه (ولا سيما المضاربون وفقهاء القانون) إن الشعر قد أدبر زمانه. فما اغرب هذا القول؟! الشعر أدبر زمانه! لكأنّ هؤلاء القوم يقولون؛ أن الورد لن ينبت بعد وان الربيع قد أصعد آخر أنفاسه وان الشمس كفت عن الشروق وانك تجول في مروج الأرض فلا تصادف عندها فراشة طائرة، وان القمر لا يظهر له ضياء بعد اليوم، والبلبل لا يغرد والأسد لا يزأر والنسر لا يحوم في الفضاء، وان قمم الألب والبرانيس قد اندكت، وخلا وجه الأرض من الكواعب الفواتن والأيفاع الحسان. . . لكأنهم يقولون انه لا أحد اليوم يبكي على قبر ولا أم تحب وليدها وأن أنوار السماء قد خمدت وقلب الإنسان قد مات). والخلاصة أن الأدب والفن بوجه عام، ضرورة تحتمها المشاعر الزائدة على حاجة البقاء، وأنها صورة دقيقة لنفوسنا، تربطنا بالعالم برباط الصداقة والرحم، بخلاف العلوم، فإنها

стр. 914

صورة العالم الخارجي ولا دخل للإنسان فيها، فهي من الإنسان بمثابة الزائر الأجنبي الذي لا تصله بنا وشائج القربى. وأحسب أننا لو خيّرنا بين العلم والأدب لما ترددنا لحظة في أن ننبذ العلم نبذاً، ونتمسك بالأدب ونعتز به اعتزازنا بالنفوس.

стр. 915

في الأدب التركي فهل كنت تعلمين؟ اذكري تلك الأيام، تلك الليالي المقمرة، وحذارا أن تنسى سويعات الوصال الهنيئة، وبينا الناس في مضاجعهم نيام يغطّون، كان يصهرني النسيم المنبعث من شفتيك. . . فهل كنت تعلمين؟ كنت تذهبين فأبقى مرتعشاً وآوي إلى فراشي الموحش باكياً منتحباً، أراقب النجوم والشهب المتساقطة كالمأخوذ، كنت مفتوناً بسحرك منذ عرفتك. . . فهل كنت تعلمين؟ ينبثق الفجر فاسمع وقع نعليك على السلالم فيرتج قلبي، وأرقب قدومك متحرّقاً وقد أمضني الليل، فإذا بك تقبلين والكتاب تحت إبطك، فأشعر بمطرقته تحاول كسر ضلوعي بينما أنظر إلى صدرك المجلل بسواد ثوبك الرهيب. فهل كنت تعلمين؟؟؟ حلب: ترجمة يحيى جركس الذكرى ولّى ربيع الحب من بعد ما … ضحّى فؤادي كل ما يملك وكنت أرجو قطف أثماره … إذا بها يا أسفا تهلك تركت عهد الحب في كوخه … وقلت يقضى والأسى بعد حين وعدت أدراجي وكل الذي … خلفته للعيش قلب حزين وخلت في طول النوى سلوة … تغني عن الماضي وتخفي عليه
следующие страницы →