Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.
стр. 8506
في الدنيا ما عدا الزجاجة. . . ويختمه بهذه العبارة:
آه لو استطعت أن أجعل كلامي في نفسك ناعماً، ساحراً، مسكراً، مثل كلام الشفة للشفة حين تقبلّها. . .
عند هذا وقع الشيء المنتظر في الفصل الثاني من الرواية، وختم هذا الفصل بأول قبلة على شفتي (الممثلة).
قالت: هذه القبلة كانت (غلطة مطبعية) ومضت تسميها كذلك واستمرت الطبعة تغلط. . . وما علمت إلا من بعد أن ذلك الكتاب الذي استوقدت به غيرتي، إنما كان من عملها ومكرها.
وجاءتني اليوم بآبدة من أوابدها، قالت:
أنت رجعي محافظ على التقاليد، قلت لأني أرى هذه التقاليد كالصباح الذي يتكرر كل يوم وهو في كل يوم ضياء ونور
قالت: أو كالمساء الذي يتكرر وهو في كل يوم ظلام وسواد
قلت: ليس هذا إليّ ولا إليك، بل الحكم فيه للنفع أو الضرر
قالت: بل هو إلى الحياة، والحياة اليوم علمية أوربية، والزمن حثيث في تقدمه، وأصحاب (التقاليد) جامدون في موضعهم قد فاتهم الزمن، ولذلك يسمونهم (متأخرين). أما علمت أن الفضيلة قد أصبحت في أوربا زياً قديماً فأخذ المقص يعمل في تهذيبها، يقطع من هنا ويشق من هنا. .
أسمع أيها (المتأخر) وتأمل هذا الرهان الأوربي العصري أخبرتني صديقتي فلانة حاملة شهادة. . . أنها كانت في القطار بين الإسكندرية والقاهرة وكانت معها فتاة من جيرتها تحمل الشهادة الابتدائية؛ فجمعهما السفر بشاب وسيم ظريف يشارك في الأدب، غير أنه رجعيّ (متأخر). وصديقتي تعرف من كل شيء شيئاً، وتأخذ من كل فن بطرف؛ فجرى الحديث بينهما مجراه، وتركت الصديقة نفسها لدواعيها وانطلقت على سجيّتها الظريفة، ووضعت فن لسانها في الكلام فجعلت فيه روح التقبيل، ولم تبلغ إلى القاهرة حتى كانت قد سحرت ذلك (المتأخر) ووقعت من نفسه ودفعته إلى الزمن الذي هو فيه. فلما همت بوداعه سألهما: أين تذهبان؟
стр. 8507
فأغضت صاحبة الشهادة الابتدائية، وأطرقت حياء ورأت في السؤال تهمة وريبة، فأنّبتها الصديقة وأيقظتها من حيائها، وقالت لها: ألا تزالين شرقية متأخرة. إن لم يسعدنا الحظ أن تكون لنا حرية المرأة الأوربية في المجتمع وفي أنفسنا؛ أفلا يسعنا أن تكون لنا هذه الحرية ولو في أنفسنا؟
ثمّ ردّت على الشاب فأنبأته بمكانها وعنوانها، فأطمعه ردّها فسألها أن تتنزه معه في بعض الحدائق، فأبت صاحبته الابتدائية ولجت عمايتها الشرقية المتأخرة، ورأت في ذلك مسقطة لها، فلوت إلى دارها وتركتهما إنساناً وإنساناً لا فتى وفتاة، وتنزّها معاً، وعرف الشاب الرجعيّ الحب والخمر التي هي تحية الحب
ولم تستطع الفتاة الماكرة أن ترجع إلى دارها وهي سكرى فأوت إلى فندق، وختمت روايتها بأعراض من الشاب أجابت هي عليه بقولها: ألا زلت (متأخراً). . . . .؟
قالت (الطائشة):
نعم يا عزيزي (المتأخر) إن مذهب المرأة الحرة. . . في الفرق بين الزوج وغير الزوج، أن الأول رجل ثابت، والآخر رجل طارئ. والثابت ثابت معها بحقه هو؛ والطارئ طارئ عليها بحقها هي. . . . فإن كانت حرة فلها حقها. . .
قال كاتب الطائشة: وهنا كاد الشيطان يرفع الستار عن فصل ثالث في هذه الرواية، رواية (الطائشة). . .
نقول نحن: وإلى هنا ينتهي نصف الرواية؛ أما النصف الآخر فيكاد يكون قصة أخرى أسمها: (الطائش والطائشة).
(طنطا)
مصطفى صادق الرافعي
стр. 8508
كيمياء الأفكار والعواطف
للأستاذ أحمد أمين
كان القدماء يفهمون من (الكيمياء) الإكسير المنشود، الذي إذا عثر عليه وأضيف إلى الزئبق أو الفضة بكمية محدودة، تحت حرارة معينة، انقلب الزئبق أو الفضة ذهباً إبريزاً، وليس يعنينا هنا أن نبين ما أنفق الناس من جهد في الوصول إليه، ولا ما أنفقوا من مال وزمان في سبيل العثور عليه، ولا ما ملئت به كتب الفلسفة الإسلامية من جدل في إمكان ذلك أو إستحالته، إنما يعنينا هنا أن نقول إن العلماء والأدباء نقلوا استعمال هذه الكلمة إلى المعاني بعد أن كانت قاصرة على المادة، فسمى (الغزالي) كتاباً من كتبه (كيمياء السعادة) يعني بذلك الإكسير الروحي الذي إذا عثر عليه الإنسان حظي بسعادة، وقد استعملها ابن الرومي استعمالاً ظريفاً في معنى قريب من هذا، فقال يهجو أبا الصّقر
عَجبَ الناس ' مِنْ أبي الصّقْ … رِ إذولّي - بعد الإجارة - الديوانا
إنّ للجَدّ كيمياَء إذا مَا … مَسّ كلباً أحاله إنسانا
يفعل الله ما يشاء ' كما شا … ء متى شاء كائناً ما كانا
ثم سار الزمن الذي يغير كل شيء، فغيّر - فيما غيره - مدلول كلمة (الكيمياء) وجعله قسيماً للطبيعة، فكما أن الطبيعة اختصت بالظواهر التي تغير صفات الأشياء ولا تغير جوهرها، اختصت الكيمياء بدراسة الظواهر التي تغير جوهر الأشياء، فاتسع مدلولها، وصار آخر ما تفكر فيه تحويل المعادن إلى ذهب إن كانت تفكر فيه، والذي أريد أن ألفت إليه النظر في مقالي أن هناك كيمياء في الأفكار والعواطف تشبه تلك التي في المادة، إلا أنها أعقد منها، وأصعب حلاً، وأغمض اكتشافاً - وإلى الآن لم توضع كتب - على ما أعلم - في كيمياء المعاني على كثرة ما وضع في كيمياء المادة - وإن كانت كتب علم النفس أحياناً تمس هذا الموضوع مسّاً رفيقاً.
فلكيمياء الأفكار والعواطف فصول وأبواب لا عداد لها، قد ينطبق عليها في كثير من الأحيان فصول الكيمياء المادية وأبوابها، ففي كيمياء المعاني ترشيح وتبخير وذوبان كالتي في كيمياء المادة، وفيها تبلور وتقطير، وفيها عناصر ومركبات ومخاليط، وفيها أحماض وأملاح وقواعد، وفيها جزيئات وذرات لها أوزان وكثافات - ولها رموز وقوانين أدق من
стр. 8509
رموز الكيمياء المادية وقوانينها، ولها معادلات أصعب حلاً وابعد منالاً
هل علمت - مثلا - أن الماء يتكون من غاز الأوكسجين والأيدروجين بنسبة واحد من الأول واثنين من الثاني باعتبار الحجم - فكذلك الشأن في الأفكار والعواطف، فقد يكون لديك فكرة من نوع ما، أو عاطفة من نوع ما، ثم تسمع فكرة من محدث أو تقرأ فكرة في كتاب، وتكون فكرتك من وزن خاص، والفكرة التي سمعتها أو قرأتها من وزن آخر، فتتحد هاتان الفكرتان، وتتولد منها فكرة جديد لا هي من النوع الأول وحده، ولا من النوع الثاني وحده، بل هي نوع خاص، علاقته بالفكرتين كعلاقة الماء بالأوكسجين والأيدروجين
وهل علمت أنك إذا ملأت قارورة ثلثها بالأوكسجين وثلثيها بالهيدروجين ثم قربت فوهتها من لهب تسمع لذلك دوياً هائلاً؟ كذلك الشأن في العواطف، فقد يكون لديك عاطفة من نوع خاص، ثم تسمع خطبة من نوع يناسبها فتنفجر نفسك لهذا الاتحاد انفجاراً هائلاً، وتحس ناراً تملأ نفسك، وتذكى حسك - أو ليس الغضب يحمر وجه صاحبه وتنقدح عيناه، ويجعله يقذف بالكلمات الحادة العنيفة، ولا تهدأ ثائرته حتى ينتقم - ضرباً من ضروب هذا التفاعل الذي يشبه تفاعل الغازين؟ أو ليست الحماسة تدفع الجندي ليرمي بنفسه في خط المار، ولا يقيم للحياة وزناً، أثراً من آثار ما يسمع من كلمات القائد وما يشعر من جو وبيئة؟ أو ليس الحب يذيب النفس، ويرهف الحس، ويملأ القلب أسى حيناً، وفرحاً وغبطة حيناً إلا نوعاً من هذا التفاعل دونه التفاعل المادي، والاتحاد الكيماوي؟
وكل ما تدرك من فرق بين التفاعل المادي والتفاعل الروحي أنا استطعنا أن نخضع المادة لبساطتها فنحلل أجزائها بالكهرباء أو ما أشبهها ونقيس مقدار العنصرين أو العناصر المتحدة، ونعرف مقدار كل منها، ونرصد أثر التفاعل. أما في الأفكار والعواطف فليس الأمر بهذه السهولة، فلكل إنسان آراءه وعواطفه وهي تختلف فيما بينها كل الاختلاف، في جوهرها، وفي قابليتها لأفكار الآخرين وعواطفهم، فقد نلقي الكلمة على عدد محدود من الناس فنشعر بأن أثرها عند كل إنسان يخالف أثرها عند الباقين، كضوء النهار يفتح أعيننا ويغمض عين الخفاش، وقد يقرأ أحد كتاباً فيزعم أنه غيّر مجرى حياته، وقلّب تفكيره رأساً على عقب، وألهمه من المعاني ما استحال بها إنساناً آخر، وأحدث في نفسه ثورة فكرية لم يحدثها أي كتاب غيره، ويقرؤه إنسان آخر فلا يشعر هذا الشعور ولا قريباً منه ولا يحس
стр. 8510
له ميزة ولا يجد له طعماً، وهذا بعينه ما يحدث في الأجسام، تقرب عود ثقاب مشتعل من ورق فيشتعل، وتقربه من ثلج فيذوب، وتقربه من رخام فلا يشتعل ولا يذوب، وأؤكد لك أن الرواية تعرض في السينما أو تمثل في المسرح على عدد كبير من الناس تؤثر في كل راء بمقدار لا يتفق تماماً وأثر الباقين، وأن تأثر المشاهدين متعدد بتعدد رؤوسهم. ذلك [ان الرواية وإن كانت واحدة وممثلوها متحدين فإن هناك عاملاً آخر من عوامل الوزن مختلفاً كل الاختلاف، وهو عواطف الرائي وآراؤه، وأن نتيجة التفاعل تختلف دائماً باختلاف أحد الممزوجين المتفاعلين.
إن أردت التوسع في تطبيق هذه النظرية وجدت القول ذا سعة، فالبائع الناجح في المتجر ليس هو الذي يكثر الكلام أو يقل الكلام، وليس هو الخفيف الحركة، ولا هو المهندم الثياب، وإنما هو الذي يعرف شيئاً واحداً ويتقنه وهو (قانون التفاعل) ينظر إلى المشتري نظرة نافذة فيعلم نفسه، ويعلم نواحيها، ويعرف المواضع الحساسة منه، ويعرف في مهارة نقط التأثر عنده، ومقدار الأثر، ثم يستعمل في هذا العرض والكلام وما يتفق وما درسه من نفس المشتري، وإذا بما يصدر من البائع منسب لنفس المشتري ومنفعل معها على نحو خاص، وإذا الصفقة قد تمت في سهولة ويسر، على حين إن زميله ومن بجواره لا يبيع مثل بيعه لأنه يخطأ في فهم نفسية المشتري فيتفاعل تصرفه تفاعلاً عكسياً مع نفسية المشتري، فينتج من ذلك نوع من الغضب أو نوع من الكراهية أو نوع من الغضاضة ينتهي عادة بالأعراض عن الشراء، فإن سألت كيف جهل هذا وعلم ذاك، وأين درس أحدهما ولم يدرس الآخر فنجح الدارس وفشل الجاهل؟ قلت إن هذا الدرس لا يتعلم في المدرسة وإنما يتعلم في السوق، ويتعلمه من حسن استعداده الفطري وغريزته الطبيعية، بل إن شئت طبقة هذه النظرية على كل ناجح وفاشل في الحياة، فالمدرس الناجح من استطاع أن يتعرف نواحي تلاميذه ويعرف ما يلقى وما لا يلقى، وما يقال وما لا يقال، ويصدر منه ما يتفاعل وهذه النفوس، فيصدر من ذلك التفاعل عطف وحنان وحب، ورغبة في المعلم، ورغبة في علمه، ورغبة في ما يقول، وتأثر بما يشير إليه.
وما الأسرة السعيدة؟ وما الأسرة الشقية؟ أليست السعيدة من عرفت فيها الزوجة نفسية زوجها والزوج نفسية زوجته وعمل كل منهما على أن يصدر منه ما يتفاعل ونفس الآخر
стр. 8511
حتى ينتج هذا التفاعل تآلفاً، فإذا انحرف أحدهما عن هذا الوجه عن جهل أو عن علم ساء البيت ونشأ تفاعل من جنس آخر نتج عن البغض والكراهية والشقاق. الحق إن هذه كلها معادلات في الكيمياء النفسية تشبه تمام الشبه المعادلات الكيماوية التي تجرب في المعمل، ومع الأسف لم يصل الناس إلى حد بعيد في دراسة هذه الكيمياء النفسية ولم ينشئوا لها المعامل الناجحة نجاح المعامل للكيمياء المادية، والخطأ في النفس كثير الوقوع لصعوبة تعرف الذرّات النفسية وتكوين المعادلات الدقيقة. وإذا أدرك الإنسان هذا التفاعل واختلافه ودقته أدرك خطورته، وخاصة فيمن يتصل مركزه بنفوس كثيرين كالصحفي والأديب، والمعلم والخطيب، والزعيم، فقد يصدر عنه ما ينفعل ونفوس الناس فيكون سماً ناقعاً، وقد ينتج عنه ما يكون دواء ناجعاً.
أحمد أمين
стр. 8512
٢ - النهضة التركية الأخيرة
للدكتور عبد الوهاب عزّام
ويقول آخرون أن الترك احتفظوا بالخلافة ما استطاعت قوتهم، ووسعت ثروتهم. فلما نكبتهم الأحداث بما نكبتهم، وضاقت رقعة دولتهم، عجزوا عن الاضطلاع بهذا العبء الثقيل، والتمسك بهذه الأمانة العظيمة فتركوها كارهين.
وجوابنا أن بعض زعماء الترك أشاروا بأن يدعى المسلمون إلى مؤتمر عام ويقال لهم هاكم خلافتكم قد عجزنا عن حملها، فتشاوروا بينكم، وتبينوا أمركم، وسنّوا للخلافة سنة تلائم زمانكم، وتؤاتي أحوالكم. واتفق رجال الحكومة التركية على هذا وأعلموا به عصمت باشا وهو في لوزان. فلماذا نقض أولو الحول منهم ما أبرموه، وسارعوا فنفضوا أيديهم من المسلمين وخلافتهم وآذنوهم أن لا أخوة بيننا وبينكم؟
المسلمون والتقليد
إذا نقدت أمة أمورها، ونظرت في أحوالها، فنفذت إلى بواطنها جهد النظر الثاقب، والروية والفكر، ثم هداها نظرها إلى أن تستبدل سنة بسنة، وحالاً بحال، فتلك أمة رشيدة حميدة وإن أخطأتا الصواب - وقل أن يخطئها - لأنها بذلت جهد الإنسان في تبين الحق، واجتهدت وسعها في إيثار الرشد، ولم تأل في التريث والتمحيص والنقد المتثبت والنظر الصحيح
وإذا أخذت أمة بأسباب التقليد، وأغرمت بالمحاكاة، كلما لاح لها لألاء من أمة عشت إليه، وكلما سمعت نغمة قوم هامت بها، فتلك أمة ضالة وإن نقلت عن غيرها هدى، مخطئة وإن أخذت عن غيرها صواباً. ذلكم بأنها حقرت عقولها، وأغمضت عيونها، وأسلمت إلى يد غيرها أزمّتها؛ لم تنظر لنفسها فتأخذ وتدع ولم تختر بعقلها فتستحسن وتستقبح، بل خبطت خبط عشواء، وانطلقت كالحاطب في الظلماء. هي في ذلك قد أهدرت إنسانيتها بما ألغت إرادتها واختيارها. وإن استمسكت في ظاهرها بما أخذت من نظام، واعتصمت قي رأي العين بما نسخت عن غيرها من سنن، فذلكم ظاهر ليس وراءه باطن، ورواء ليس وراءه حقيقة. تلكم أمة ممسوخة. وقد سمعنا إن أمماً مسخت فأنكرنا، وقيل إنها مسخت قروداً فعجبنا، ثم رأينا عمل بعض الناس في هذا العصر فصدّقنا
стр. 8513
قد ابتلى كثير من المسلمين في هذا العصر بداء التقليد، وفشا فيهم خلق العبيد، وحرموا النظرة النقّادة، والعزيمة النفّإذة، والهمّة الخلاقة. رأوا سلاحهم أضعف من سلاح أوربا، وعلمهم أقل، ونظامهم أوهن، فجعلوا ذلك تعلّة إلى نبذ ما عندهم من خلق ودين وحضارة لتتحلل النفس من تكاليف الإنسانية، وتنطلق في بحبوحة هذه المدنية. وزيّن لهم الهوى أن يقيسوا الدين والأخلاق على العلوم والصناعات، فمضوا يرون كل شيء عندهم باطلاً، وكل شيء في أوربا حقاً، فاستحسنوا أن ينبذوا كل ما عندهم ويأخذوا كل ما عند الأوربيين، وخافوا أن يؤخذ عليهم الاستمساك بدينهم وأخلاقهم، فتنافسوا في هجرها وتحقيرها، فما يحافظون على رأي أو خلق إلا أن تأتيهم شهادة عليه من عالم أو كاتب أوربي، بل هم مدينون لأهل أوربا بما عندهم من ظن حسن في حضارة الإسلام وتاريخه، ومن زيّن منهم داره بفرش عربية فإنما يسميها (أربسكا) ويحاكي فيها أهل أوربا وهلم جرا، حتى الأزهريون وهم أبعد الناس عن أوربا آثروا أن يسموا الجامع الأزهر جامعة ليترجموا كلمة وسمّوا كل قسم من أقسامه كلية ليوافقوا كلمة
وكم قلت وقال غيري أن المدنية الخلقية والدينية ليست كالمدنية الصناعية، فالصناعات قائمة على علوم طبيعية لا تختلف فيها الأمم، ولا يمتاز فيها الشرق من الغرب؛ ليست مشتقة من نفس الإنسان، ولا صلة لها بقلبه، فتستطيع أمة أن تأخذ عن غيرها علوم الطبيعة والكيمياء والحساب والفلك ونتائج هذه العلوم في الصناعات دون أن تغير دينها أو تبدل أخلاقها؛ ويستطيع زنجي من السنغال أن يذهب إلى فرنسا فيتعلم الطيران أو يدخل في زمرة الجند فيصير عما قليل في البصر بآلات الطائرات، والدربة على نظام الجيش كالفرنسي، ولكنه لا يستطيع أن يغير أخلاقه وعاداته ويكون فرنسياً في خمسين سنة؛ والحضارة النفسية هي الإنسانية حقاً، والمدنية في صميمها وهي مشتقة من نفوس الأمة تفسد بفسادها وتصلح بصلاحها ذلكم ما ينبغي أن نفكر فيه، ونتوفر على درسه، فإن الأمم لا تصلح على الفوضى، ولا تسيّر بالأهواء والشهوات؛ ذلكم ما يجب أن يعنى به أولو الرأي من المسلمين ليأخذوا بحجز أممهم أن تتهافت في هذا التقليد، وتتردّى في هذه المهالك؛ ذلكم ما يجب أن ينهض به الشعراء والكتّاب، ليضروا في النفوس الذليلة عزة تمنعها المحاكاة العمياء، وكرامة تعصمها أن تسير كالعجماء. من لي في المسلمين بعشرين
стр. 8514
رجلاً من كبار النفوس عظماء الهمم، البصيرين بالمدنية الحاضرة، ظاهرها وباطنها، العالمين بحضارة الإسلام جليّها وخفيها، العارفين بأدواء الأمم وأدويتها، لينيروا الطريق في هذه الضلالات المظلمة، والفتن المدلهمة؟ من لي فيهم بعشرين رجلاً كهذا العالم الكبير والشاعر المبدع الذي تنفخ أنفاسه الروح في الأجسام الهامدة، والأمل في القلوب اليائسة، الرجل المبارك محمد إقبال الذي انبعث صوته في الشرق بالحياة والهدى والعزة والكرامة، والطموح إلى العلياء، والسمو بالنفس إلى أعلى درجاتها، تلك النفس الكريمة التي تسيل في شعرها حسرات، وتتطاير في كلماتها زفرات، فما تزال تقدح قلبها لتبعث شرارة بعد أخرى تنير الطريق الحالكة، وتشعل النفوس الخامدة، ذلك الرجل الحر الذي وقف من حضارة أوربا وفلسفتها موقف الناقد البصير، يكشف عن زيوفها ويبين عن بهرجها
كم رأينا فينا علماء وأدباء وشعراء ومتفلسفين، ولكن أكثرهم لا يفكرون ولا ينطقون إلا بما سمعوا وما قرءوا، وهم لا يسمعون ولا يقرأون إلا عن أوربا. ليس فيهم رجل حر يفجر في قلبه من الحياة ينبوعاً، أو يضرم فيه من الغيرة ناراً، ليلقي على كل قلب نضحة من هذا الماء، وفي كل نفس جذوة من هذه النار، إيه يا ضلال التقليد! وعبّاد الأصنام في القرن العشرين!
إن عند المسلمين كنوزاً سفت عليها أعاصير الزمان فترت هممهم، وانطفأت نار الغيرة في نفوسهم، فآثروا الدعة حتى يأتي أهل أوربا يدلونهم عليها ويستخرجونها لهم! وإن عندهم لنفائس تنادي هممهم وعزائمهم، ولكنهم يؤثرون أن يتلقوا عن أوربا أشياء مهيأة في علب مذهّبة! ومن ركن إلى الدعة ذلّ، ومن آثر اليسير من الأمور وأشفق من لقاء المصاعب فهو حيّ أشبه بميت؛ وإليكم مثلاً من مئات:
لنا شريعة جاء بها القرآن والسنة وعملت فيها قرائح المسلمين بحثاً واستنباطاً ثلاثة عشر قرناً. فما بقيت واقعة إنسانية إلا اشتق لها حكم يلائم الزمان والمكان، فصارت هذه الشريعة جماع تجارب الأمم في عصور مختلفة وبلاد كثيرة. فلما أراد المصريّون أن ينظموا القضاء عجزوا عن النظر في هذه الكنوز المدخرة، وأشفقوا من الاضطلاع بهذا العبء الثقيل، فأجلسوا نفراً يترجمون لهم قانون نابليون، فتهيأ لنا قانون مختصر مرتب مفصل، وأصبحنا نجاري فرنسا في نظامها، فقد طوينا مسألة القرون في أشهر قليلة. وماذا علينا
стр. 8515
بعد ذلك أن يكون هذا القانون في دين الأمة نكراً، وفي أخلاقها شذوذاً، وفي أفكارها أعجوبة، وفي جسمها شللاً، وفي نفسها موتاً؟ لا ضير فقد أخذنا قانون نابليون وناهيك بذلك فخراً وتمدناً. . .
لو أن في المسلمين أناسّ يستوحون عقولهم ويستفتون قلوبهم لخلقوا لأنفسهم نظاماً، وشرعوا لأنفسهم من دينهم قانوناً، لو أنهم أصحاب همم لسلطوا هممهم على الزمان فأسرته، ثم صرفته طوع المشيئة، ورهن الإرادة، ولما لبثوا يتعللون بالعصر ومقتضياته والزمان وفرائضه، فإن الرجل الحر سيد الزمان والمكان يسخرهما ولا يذل لهما. أين العزائم التي تلقي الزمان بملء خطوبه هيبة، وترد أحداثه بأشد منها صولة؟ آمين ثم آمين. . .
ومما أخذ فيه المسلمون بتقليد أوربا غلوهم في النعرات القومية، والتكاثر بالمفاخر التاريخية، واعتزاز كل فريق بمآثره الجاهلية، كأنهم لم يكونوا على الأحداث أعواناً، ولم يلبثوا أربعة عشر قرناً إخواناً!! قيل للمصريين: أنتم أبناء الفراعين فارجعوا إلى حضارة المصريين القدماء، واعبدوا العجل لتكونوا بذلك شهداء. وقيل لأهل الشام: وأنتم يا بني الفينيقيين تمسكوا بتاريخ الأقدمين، وائتوا بآبائكم إن كنتم صادقين! وقيل للفرس: يا بني الأكاسرة لقد فتح العرب بلادكم، وأزالوا ملككم، وفرضوا دينهم عليكم فانقضوا أيديكم من أخونهم، وردّوا إليهم دينهم، وارجعوا إلى زردشت وإن لم تعرفوه، واقرءوا كتابه وإن لم تفهموه، فالباطل الإيراني خير من الحق العربي! وقيل للترك! وأنتم يا سلالة جنكيز المقدس، وعبدة الذئب الأطلس، قد كانت لكم في سيبريه حضارة، ثم كانت لكم في قره قروم دولة، فارتدوا إلى حضارتكم الأولى، وانزعوا إلى وثنياتكم القدامى، ودعوا مجدكم في الإسلام، واكفروا بمآثره عليكم، ومآثر آبائكم في تاريخه
دعيت كل أمة إلى جاهليتها، فذهب المسلمون ينبشون القبور ليعتزوا بحجر قديم وعظم رميم، ويفخروا بعلامة من حضارة، أو آثارة من مدنية، وغفلوا عن مجدهم في الإسلام يرجف به المشرق والمغرب، وتضيء به الشمس والقمر. وليس أمة إسلامية ذات مجد في الجاهلية إلا مجدها في الإسلام أبهى وأبهر، وأعلى وأعظم، ولكنها عصبيات الجاهلية، والفتن الأوربية، تركس الإنسان في بهيميّته، وتردّه إلى وحشيته
стр. 8516
بينما يجهد عقلاء المسلمون لإيقاظهم من رقدتهم، ويحرقون أنفسهم لإشعال الحياة فيهم، إذا (النهضة التركية الأخيرة) فقلنا حياة في المسلمين جديدة، ويقظة لا تلبث أن تصير شاملة. قلنا أولئك إخواننا زعماء المسلمين ينفخون في الصور، ليبعثوهم من القبور؛ لعل هذه النفوس الكبيرة تخلق أمة جديدة، أو تخترع لنا سنّة رشيدة، تصل عزة الماضي بمجد المستقبل وتذهب بذل الحاضر؛ إن يخلقوا فالرجل الحر خلاق، وإن يسبقوا فالكريم إلى المعالي سباق - لا ريب إننا سنرى فيهم عمر بن الخطاب، وهارون الرشيد، وعبد الرحمن الناصر، وصلاح الدين الأيوبي، وسليمان القانوني، ولكن في القرن العشرين يفتحون صدورهم لعلومه، ويتوسلون بوسائله إلى الغايات الشريفة والمثل العليا التي سعى إليها المسلمون من قبل. ثم نظرنا فإذا نفخة الصور، لا تدعوا إلى النشور، وإذا الهمم العالية تسف، والعزائم الماضية تهن، وإذا حياة تجفل من نفسها وتعتز بغيرها، وإذا نهضة من المحاكاة عليلة، وخطة من التقليد ذليلة، قصاراها: (اقطع كل من يربطك بالإسلام وأممه، وأحكم كل ما يصلك بأوربا وسننها) فانظر ماذا صنعوا إنفاذاً لهذه الخطة:
(له بقية)
عبد الوهاب عزام
стр. 8517
١ - شمس الدين السخاوي
حياته وتراثه
للأستاذ محمد عبد الله عنان
أتيحت لي في الأعوام الأخيرة فرصة لدراسة شخصية بارزة تتبوأ مكانة رفيعة في آداب مصر الإسلامية، وفي الآداب العربية بوجه عام، وتمثل وحدها مدرسة فكرية زاهرة، وتمتد عبقريتها الشاملة إلى عدة نواح وفنون مختلفة، وما زال تراثها إلى اليوم يكون مجموعة قوية حافلة في تراث الأدب العربي والتفكير الإسلامي
أريد بتلك الشخصية، شمس الدين السخاوي الذي تملأ شخصيته الحركة الأدبية المصرية زهاء نصف قرن
كان السخاوي إحدى هذه العبقريات الأدبية التي تفتحت بمصر في القرن التاسع الهجري (القرن الخامس عشر الميلادي) واختتمت بها مصر الإسلامية حياة أدبية باهرة سطعت مدى قرنين؛ وكان ظهوره في النصف الأخير من هذا القرن، حينما أخذت عوامل الانحلال تفت في هذا الصرح الباذخ الذي شادته دول السلاطين بمصر، وأخذت الحركة الأدبية التي كانت في النصف الأول من القرن التاسع في أوج عنفها وازدهارها، تميل إلى الضعف والسقم، وتستبدل ألوانها القوية الساطعة بألوان سطحية باهتة؛ فكان ظهور السخاوي وتلميذه ومنافسه السيوطي في أواخر هذا القرن نفثة أخيرة من نفثات هذه الحركة القوية التي لم تلبث أن خبت بعد ذلك وانهارت أمام الفتح العثماني
- ١ -
ومن حسن الطالع إننا نستطيع أن ندرس شخصية السخاوي على ضوء حسن؛ فلدينا أولاً معظم آثاره نقرأ فيها خواص تفكيره وأدبه؛ ولدينا ترجمته لنفسه وعدة أخرى من التراجم المعاصرة، نتتبع فيها حوادث حياته وظروف تكوينه
ولد السخاوي، كما يحدثنا في ترجمته لنفسه، بمدينة القاهرة، بحارة بهاء الدين، في ربيع الأول سنة٨٣١ هـ (١٤٢٨م) في أسرة أصلها من بلدة سخا من أعمال الغربية، واستقرت في القاهرة قبل ذلك بجيلين. وهو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان،
стр. 8518
شمس الدين أبو الخير السخاوي؛ ولما بلغ الرابعة من عمره تحولت أسرته إلى منزل جديد في نفس الحي اشتراه أبوه؛ وكان موقعه بجوار دار علامة العصر الحافظ ابن حجر العسقلاني؛ وكان لهذا الجوار أكبر أثر في حياة السخاوي، كما سنرى. وأنفق السخاوي بضعة أعوام في المكتب وحفظ القرآن؛ ثم أخذ يطوف بأشياخ العصر يتلقى عنهم مختلف العلوم والفنون؛ ودرس النحو والعروض واللغة والفقه والحساب والميقات والأصول والبيان والتفسير والمنطق؛ وهنا يعدد لنا السخاوي ثبت أساتذته وما أخذه عن كل منهم، وما درسه من مختلف الكتب؛ وتجلت مواهبه ومقدرته بسرعة مدهشة؛ وأجاز له الكثيرون من شيوخه، بل أجازوا له الإفتاء ولما يبلغ العشرين بعد
وقد كان ابن حجر في مقدمة أساتذته؛ وكان ذلك الجوار الذي رتبته ظروف الحياة مبعث هذه الصلة الوثيقة التي استمرت مدى الحياة بين الأستاذ وتلميذه، والتي بثت غير بعيد إلى نفس الفتى نوعاً من العبادة الروحية لهذا الذي كان يعتبر يومئذ إمام الأئمة وقطب العلماء والباحثين. والواقع إن ابن حجر كان يتبوأ يومئذ مركز الزاعمة العلمية في مصر الإسلامية، وكان في ذروة نضجه ومجده، وقد انتهت إليه الرياسة في معظم علوم العصر، ولا سيما الحديث والشريعة. وكان بدء اتصال السخاوي بأستاذه في سنة ٨٣٨هـ، أعني وهو طفل لم يجاوز الثامنة؛ وكان يذهب مع أبيه ليلاً إلى مجالس الشيخ فيستمع إلى دروسه في الحديث. ويصف لنا السخاوي علاقته بأستاذه في عبارات مؤثرة تنم عما كان لهذه العلاقة من عظيم الأثر في تكوينه فيقول متحدثاً عن نفسه: (وقبل ذلك كله سمع مع والده ليلاً الكثير من الحديث على شيخه إمام الأئمة الشهاب ابن حجر، فكان أول ما وقف عليه من ذلك في سنة ثمان وثلاثين، وأوقع الله في قلبه محبته، فلازم مجلسه، وعادت عليه بركته في هذا الشأن. وأقبل عليه بكليته إقبالاً يزيد على الوصف بحيث تقلل ما عداه. . . وداوم الملازمة لشيخه حتى حمل عنه علماً جماً، واختص به كثيراً بحيث كان من أكثر الآخذين عنه؛ وأعانه على ذلك قرب منزله منه، فكان لا يفوته مما يقرأ عليه إلا النادر. . . وينفرد عن سائر الجماعة بأشياء. وعلم شدّة حرصه على ذلك فكان يرسل خلفه أحياناً بعض خدمه لمنزله؛ يأمره للمجيء للقراءة)
وهنا يفيض السخاوي في ذكر الكتب والمتون التي قرأها ودرسها على شيخه ابن حجر،
стр. 8519
سواء من تصنيفه أو تصنيف غيره، ومعظمها في الحديث، ودرس عليه أيضاً التاريخ والتراجم؛ ودرس في الوقت نفسه على كثير من شيوخ العصر؛ ويعدد لنا السخاوي كثيراً من شيوخه ويقول لنا انهم بلغوا أكثر من أربعمائة؛ بيد أن ابن حجر كان دائماً إمامه وشيخه المفضل، وقد أذن له غير بعيد في الإقراء والإفادة والتصنيف؛ ويقول لنا السخاوي إنه لم ينفك عن ملازمة أستاذه، ولا عدل له بملازمة غيره من علماء الفنون خوفاً على نقده، ولا ارتحل إلى الأماكن النائية بل ولا حج إلا بعد وفاته؛ لكنه حمل عن شيوخ مصر الواردين إليها كثيراً، وفي الأوقات التي لا تعارض وأوقاته سيما حين اشتغاله بالقضاء وتوابعه). وقد لبثت هذه العلاقة الوثيقة بين التلميذ وشيخه حتى توفى ابن حجر في أواخر سنة ٨٥٢هـ
وهنا تبدأ المرحلة الثانية في حياة السخاوي؛ وهي مرحلة درس وتحصيل أيضاً ولكن خارج مصر. وكان السخاوي يومئذ في الثانية والعشرين من عمره؛ ولكنه كان رغم حداثته قد برز في كثير من العلوم التي تلقاها؛ وكان قد استأثر في هذه الأعوام الطويلة التي قضاها إلى جانب ابن حجر بكثير من علمه ومعارفه، وتأثر أعظم تأثير بأساليبه ومناهجه؛ بل نستطيع أن نقول أن السخاوي كان بعد ابن حجر، مستودع علمه وتراثه، وكان أشد تلاميذه تمثيلاً لمدرسته؛ بل كان بعد شيخه زعيم هذه المدرسة وأستاذها القوي يرفع لواءها ويحمل مناهجها حتى خاتمة القرن التاسع؛ وقد أشار ابن حجر نفسه في أواخر أيامه إلى تلك الحقيقة، وكثيرا ما وصف السخاوي بأنه (أمثل جماعته) أو (ممثل جماعته)
وسافر السخاوي عقب وفاة أستاذه إلى دمياط ودرس على شيوخها حيناً؛ ثم سافر مع والدته بحراً إلى مكة ليؤدّي فريضة الحج؛ وانتهز هذه الفرصة فدرس على شيوخ مكة والمدينة، وطاف بالبقاع والمشاهد المقدسة كلها؛ ثم عاد إلى مصر، وسافر إلى الإسكندرية وقرأ بها مدى حين؛ وزار معظم عواصم الوجه البحري وقرأ على شيوخها الأعلام جميعاً، وحصل كثيراً من الفوائد والمعارف. ثم رأى أن يقوم برحلة إلى الشام ليزور معاهدها، ويتعرف بشيوخها؛ فسافر إلى فلسطين وطاف بيت المقدس والخليل ونابلس؛ ثم قصد إلى الشام، وزار دمشق وحمص وحماه، ثم استقر حيناً في حلب؛ كل ذلك وهو يدرس ويقرأ على أعلام هذه العواصم؛ ويقول لنا إنه (اجتمع له في هذه الرحلة من الروايات بالسماع
стр. 8520
والقراءة ما يفوق الوصف)؛ ويبدو من تعداده للكتب التي درسها وقرأها في هذا الطواف، إنه كان يعنى بدراسة الحديث والقراءة والنحو والفقه وعلوم البلاغة والتصوّف. ولم يعين السخاوي لنا تواريخ تنقلاته في هذه الرحلة، ولكن الظاهر إنها استغرقت بضعة أعوام.
ولما عاد السخاوي إلى مصر، عكف على التدريس، ولا سيما تدريس الحديث، أحياناً بمنزله، وأحياناً بخانقاه (معهد) الصوفية المعروف بسعيد السعداء؛ وكذا انتدب في أوقات مختلفة للتدريس في أعظم مدارس القاهرة كدار الحديث الكاملية والصرغتمشية، والظاهرية، والبرقوقية، والفاضلية وغيرها، وذاع صيته وأقبل عليه الطلاب من كل صوب. وفي سنة ٨٧٠ هـ - سافر مع أسرته - وكان قد تزوج يومئذ ورزق بعض الأولاد كما يفهم ذلك من إشارته إلى مولد ولده أحمد - ومع والده وأكبر أخويه إلى الحج للمرة الثانية؛ وصحبه أيضاً في تلك الرحلة صديقه وأستاذه والنجم بن فهد الهاشمي - وكان من أعلام العصر. ودرس بمكة مدى حين، وقرأ بالمسجد الحرام بعض تصانيفه وتصانيف غيره. ولما عاد إلى القاهرة استأنف دروسه وإملاءاته؛ وتبوأ مركز الزعامة يومئذ في علم الحديث، وشغل فيه نفس المركز الذي كان يشغله فيه أستاذه ابن حجر قبل ذلك بثلاثين عاماً
ثم حج السخاوي للمرة الثالثة في سنة ٨٨٥هـ، وقضى بمكة عاماً في التدريس والدرس؛ ثم حج سنة ٨٧ وقضى ثمة حين في الدرس والإقراء؛ وحج للمرة الخامسة في سنة ٩٢هـ وقضى ثمة عاماً آخر في الدرس والإقراء؛ ثمّ حج في سنة ٩٤، وقرأ الكثير من دروسه وتصانيفه، وغدت مكة وطناً ثانياً له؛ وكتب بها كثيراً من مؤلفاته كما سنرى
ولما عاد إلى القاهرة في سنة ثمان وتسعين (٨٩٨هـ) استقر بمنزله، وأبى الدرس والإقراء في المعاهد والحلقات العامة (ترفعاً عن مزاحمة الأدعياء) حسب قوله، وترك الإفتاء أيضاً واكتفى بالإقراء في منزله لخاصة تلاميذه؛ وكان السخاوي قد اشرف يومئذ على السبعين من عمره، ولكنه استمر منكباً على الدرس والتأليف؛ وكانت قد انتهت إليه الرياسة يومئذ في معظم علوم عصره، ولا سيما الحديث، حتى قيل أنه فاق شيخه ابن حجر في ميدانه، وانتهى إليه فن الجرح والتعذيب، حتى قيل لم يبلغ أحد مكانته فيه منذ الحافظ الذهبي؛ وكانت شهرته قد تعدت حدود مصر منذ بعيد وذاعت في أنحاء العالم الإسلامي،
стр. 8521
ولا سيما في الشام والحجاز حيث تلقى عليه مئات العلماء والطلاب؛ ولبث السخاوي رغم مكانته العلمية الرفيعة ونفوذه القوي بعيداً عن ميدان السياسة ودسائس البلاط والمناصب الرسمية؛ واقترح عليه صديقه الأمير يشبك الداوادار أن يقرأ التاريخ بمجلس السلطان الظاهر خشقدم فأبى؛ ثم عرض عليه أن يتولّى القضاء بعد ذلك، فاعتذر وأشار بتعيين خصمه ومنافسه السيوطي رغم ما كان بينهما من الخصومات الأدبية الشهيرة
وأقام السخاوي حيناً في القاهرة؛ ثم سافر إلى مكة ليحج للمرة السابعة؛ وعكف بعد أداء الفريضة على الإقراء والدرس، وتردد حيناً بين مكة والمدينة؛ ثم استقر أخيراً بالمدينة؛ واستمر في الإقراء بها حتى توفّى في ١٣ذي القعدة سنة ٩٠٢هـ (١٤٩٧م) في الحادية والسبعين من عمره.
(للبحث بقية)
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 8522
مكتبتي
للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
مكتبتي شيء عظيم جدا ً - ولست أعني إنها كبيرة ضخمة، وإن في خزاناتي آلافاً مؤلفة من المطبوع والمخطوط، فما عندي مخطوط واحد، ولا ولوع لي بجمع هذا الضرب من الكتب، وما يمكن أن تبلغ كتبي الآلاف بعد أن احتجت أن أبيع منها مرات، وإني لمجنون بالكتب، ولكن جنوني بما فيها لا بأشكالها وألوانها على رفوفها. وقد اعتدت ألا أبالي أن يبقى الكتاب عندي بعد أن أقرأه أو أن يذهب، ولم أكن كذلك، ولكن المرء مما تعود. على أنه سيان أن أتحفظ بالكتاب وأن أبيعه كما اشتريته، أو أهبه، فما إلى الوصول إليه سبيل في هذه الخزانات، ولأهون عليّ أن أشتري منه نسخة أخرى من أن أهتدي إلى موضعه وأعرف أين اختبأ. ومتى كان هذا هكذا، فما حرصي على كتاب يحاورني ويهرب مني وأنا أدور بعيني على الرفوف؟؟ وليس أثقل عليّ، ولا أشقّ على نفسي من الإقامة في بيت واحد زمناً طويلاً، ولو وكل الأمر لاختياري لاتخذت كل يوم بيتاً، ولكن الكتب راضتني على السكون وردتني على مكروهي، فأنا الآن كالمقعد لا أكاد أتحول، إلا أن أحمل على انتقالي حملاً؛ ذلك إني كلما سكنت بيتاً أروح أتخير للكتب أوسع الحجرات وأكثرها شمساً وهواء، ثم أقول دعوا الصناديق والغرارات حتى افتحها وأخرج ما فيها وأرتبه بنفسي، فتترك شهوراً، تنقلب الحجرة في خلالها مزبلة، فيتبرم أهلي ويلحون عليّ على أن أفرغ الصناديق،
فأقول: (لا بأس. موافق)
فتسألني زوجتي: (ومتى تفعل؟)
فأعدها خيراً، فتلح عليّ، فأؤكد لها إني فاعل ذلك غداً إن شاء الله
فتقول: (إن شاء الله معناها عندك إنك لن تفعل أبداً)
فأقول: (أستغفر الله يا امرأة! إن شاء الله يعني إن شاء الله، أليس كذلك؟)
فتقول: (ولكني أريد تنظيف الغرفة! ألا ترى هذا التراب؟)
فأقول: (صحيح! كثير) لأني أحب أن أقرأ بالحق وأكره المكابرة، فتهمل الثناء على ذلك وتقول: (وهذه الصراصير؟ والفئران؟ لا. لم يعد هذا بيتاً يسكن)
стр. 8523
فأقول: (ألا أقول لك وأريحك؟)
فتقبل عليّ مسرورة وتسألني: (ماذا؟)
فأقول: (أفرغي أنت الصناديق، ورصي الكتب على الرفوف - عليّ أي ترتيب - وارفعي التراب، واقتلي الصراصير، وطاردي الفيران - وعلى الجملة نظفي الغرفة - هيه؟ ما قولك؟)
فتوافق، وأعود من عملي فألقي المكان نظيفاً، فلا فيران ولا صراصير ولا تراب، ولا صناديق، ولكني أحتاج إلى أن أرجع إلى كتاب، فأفتح خزانة بعد أخرى وأنظر إلى ما تكدّس على رفوفها فأرتد يائساً وأصيح بزوجتي: (يا امرأة! أين وضعت ابن الرومي؟) مثلاً!
فتقول: (عندك بالطرد) فأسألها: (أواثقة أنت أنك لم تضعيه في المطبخ؟)
فتقول محتجّة: (المطبخ؟ كيف تقول هذا؟ أهذا جزاءي على تعبي؟)
فأقول: (معذرة، ولكني لا أراه هنا) فتقول: (ابحث عنه) فأبحث - أعني إني أروح أخرج من الخزانة صفاً بعد صف، وأضع ما أخرج على الأرض هنا وههنا، حتى تخور قواي، وينفذ صبري، ويهي جلدي، وأنظر إلى ما فرشت به الأرض فأجزع، وأغافلها - أعني زوجتي - وأتسلل خارجاً، وأرد الباب ورائي حتى لا ترى شيئاً وأعود في الليل، وفي ظنّي إنها نائمة، وفي عزمي أن أعيد الكتب إلى الرفوف، فأفتح الباب برفق، فإذا الكتب قد وثبت بقدرة ربك، وصفت نفسها على الرفوف، وتزاحمت، ودخل بعضها في بعض - خوفاً من الفئران ولا شك! فأتنفس الصعداء وأفرك كفّي، وأقول: (الحمد لله! يا ما أكرمك يا رب!)
وإذا بزوجتي تقول: (وأخرتها معاك! ألا يمكن أن تعيد كتاباً إلى موضعه بعد إخراجه؟ ألا بدء أن ينشف ريقي كل يوم بسبب هذه الكتب؟ شيء غريب والله! كيف ومتى يمكن أن أفرغ للبيت إذا كانت هذه الغرفة همّاً لا ينقضي؟ وأحب مرة أخرى أن أقرأ في كتاب، فأدخل الغرفة، فتدخل ورائي تجري، وتتناول ذراعي وتشدني فأستغرب وأسالها (ماذا؟)
فتقول بحدة (ماذا أنت؟) فيزيد عجبي وقول: (ماذا أنا؟ ألا تعرفين ماذا أنا؟ سيدك يا ستي!)
فتقول وهي تجاهد أن تعبّس، والضحك يغالبها: (دع المزاح الآن! ماذا تريد أن تصنع؟)
стр. 8524
فأقول: (شيء جميل! وكيف يعنيك هذا يا امرأة؟)
فتقول: (يعنيني مصير الغرفة - هذا ما يعنيني يا سيدي - ولست أنوي أن أدعك تقلبها مزبلة فقد ورمت كفاي من العمل فيها)
فأقول: (وماذا تصنع هذه العجوز؟ تأكل وتشرب فقط وتقبض أجرها آخر الشهر؛ وهذه الفتاة الخفيفة لماذا لا أراها تعمل شيئاً غير اللعب مع الأولاد؟ وتلك الثالثة. . . أهو بيت أم دكّان مخدم؟ أريد أن أعرف هذا أولاً)
فتقول: (لا تحاور. إن الكتب لا يمسّها غيري، فإني أخاف عليها التمزيق. .) فأشكرها،
فتقول: (العفو! ولكني أخاف منك على الغرفة فاصنع معروفاً وارجع عنها)
فأسألها: (ولكن كيف أرجع وأنا أريد كتاباً؟)
فتقول: (لا تتعبني. . . من فضلك. . . أرجوك) فأشعر لها برقّة وأقول: (يا امرأة! هل استطعت قط أن أرفض لك رجاء!؟) وأتبعها، وأنصرف عن الكتب والقراءة، وأعزي نفسي بأني كنت سأنصرف لا محال عن ذلك مرغماً، فما أطمع أن أجد كتاباً أطلبه من هنا صار المعقول إني إذا اشتهيت أن أقرأ كتاباً أو أرد أن أراجعه، أن أشتريه، وقد أشتريه، وأضعه على المكتب إلى المساء، فتراه زوجتي فتفتح خزانة وتدسه في صف، وأعرف ما صنعت به، فأشتري نسخة أخرى، ومن أجل هذا أيضاً صار عندي من بعض الكتب ثلاث نسخ أو أكثر.
وقال لي أخي مرة: (يحسن أن ترتب هذه الكتب)
قلت: (يا أخي، كيف أصنع؟)
قال: (أجيئك ببطاقات، تكتب فيها أسماء الكتب مرتبة على حروف المعجم، فإذا طلبت كتاباً، راجعت البطاقات، فسهل عليك إخراجه)
قلت: (رأي سديد - هات البطاقات) فجاءني ببضع مئات منها، ودفع بها إليّ، فنظرت إليها وشكرته ثم قلت له: (أما البطاقات فجاءت، وأما الكتابة فيها فأحسبها تقتضي أن أخرج الكتب واحداً واحداً، وأقيّد أسماؤها، ثم. . .)
فصاحت زوجتي: (لا لا لا لا! أرجو. . . أرجو ألا تفعل. . .)
فالتفت إليها وقلت: (يا امرأة! كيف ترضين عن هذه الفوضى؟ بل لا بد من الترتيب)
стр. 8525
فقالت: (أنا واثقة أن الكتب لن ترتّب. وكل ما يحصل هو أن تخرجها وتكوّمها على الأرض وتتركها، فيغطّيها التراب، وتجتمع عليها الصراصير، فأعود إلى نفض التراب وطرد الصراصير. . . لا يا سيّدي! لن أسمح بهذا أبداً!) فنظرت إلى أخي وقلت: (أتسمع؟ إنها لا تسمح! فما رأيك؟)
قال: (الحق معها. ولو كنت أنا مكانها. . .) فلم أدعه يتم الجملة وصحت به: (أعوذ بالله!) فشكرني، وقال (إنما أعني. . .) فعدت إلى مقاطعته وقلت: (دع ما تعنيه، من فضلك، وحسبك إنك نغصت على حياتي!) فدهش وقال: (كيف؟)
قلت: (سأرى وجهك بعد الآن كلما نظرت إلى امرأتي. . . أعوذ بالله. . . يا ساتر يا رب. لطفك اللهم!) وقد حرصت على البطاقات، لأقيّد فيها أسماء الكتب مرتّبة على حروف المعجم، فما من هذا مفر، ولكن العقدة إن زوجتي تؤثّر الترتيب الحالي، وقد بلغ من رضاها عنه وخوفها عليه أن يضطرب أو يفسد، إنها أخفت مفاتيح الخزانات لا أدري أين؟ بارك الله فيها - أعني لا الخزانات.
إبراهيم عبد القادر المازني
стр. 8526
ساعة في البقيع
للأستاذ علي الطنطاوي
خرجنا إليه في صفرة الطفل، وقد سكرت الريح، وسجى المساء. وكان اليوم روحاً، فما تجاوزنا أزقّة المدينة الضيّقة الملتوية وبدا لنا سور البقيع الهائل الذي أقاموه في وجه مدينة الموت كيلا تبتلع مدينة الحياة. . . حتى هبّت الرياح لواقح، فأنشأت سحاباً ما لبث أن أكفهر وتطخطخ وعمّ السماء، فأظلمت الأرض واسودّت، وعادت كئيبة تملأ النفس غمّاً. وكنّا قد بلغنا البقيع، فرأيته موحّشاً مظلماً رهيباً: (قاتم الأعماق خاوي المخترق) وشممت منه رائحة الموت، فتهيبت دخوله في هذه الأمسية، وأزمعت العودة، ولكن صاحبي أصرّ عليّ وشجّعني، ثم أخذ بيدي فإذا أنا وراء السور، وإذا ساح فسيحة، ممتدّة الجوانب، مظلمة الأرجاء، ساكنة سكون الموت، ليس فيها بناء ولا قبّة ولا تابوت، كأنما لم يسمح لبشر أن ينصّب في حرم الموت معالم الحياة، أو يدنس دار البقاء بشارات الفناء. . . فأغمضت عيني، وشددت على ذراع صاحبي، وجعلت أدنو منه لما أجد من الوحشة وأحس من الجزع، وما عاهدتني من قبل أعرف الخوف أو أدري ما الجزع، فسار بي يقودني حتى هبط بي غوراّ عميقاً، حال بيني وبين الفضاء، وحجب عنّي السور الذي كنت أراه فأنس برؤيته، وأذكر إنها لا تزال وراءه دنيا حافلة بالنور والجمال والحياة. . . فلم أعد أرى شيئاً، وأمحت من خيالي كل صورة، وطارت من رأسي كل فكرة، إلا فكرة الفناء، وصورة الموت، وأحسست وأنا أهبطه إني هابط إلى القبر! وخيّل إلى إن أشباح الموتى ترقص من حولي، وتدنو مني وتمسّني وتهم بعناقي، فتقف كل شعرة في جسمي، ويزداد قلبي خفقاناً، وتتخاذل ركبتاي حتى أهم بالسقوط، ويطن في أذني صوت رهيب مستطيل يلقى في روعي إنه نشيد الفناء. . . وكان كل ما يحف بي مخيفاً رائعاً، فالقبور، والظلام الشامل، والسكون العميق، والسماء التي لا تطرف فيها من النجم عين، والمكان الذي لا تبلغه نسمة من نسمات الحياة، وجلال الموت، كل أولئك كان يخيفني، ويصب في قلبي الوحشة والفزع. . . ثم صاحت بومة على سور المقبرة. . . فاستمسكت بصاحبي وقلت: عد ويحك!
قال: كيف أعود وقد بدأت الزيارة. . . هذا قبر عثمان! وكأن ذكر عثمان قد رجّع إلي
стр. 8527
نفسي، فنظرت فلم أجد قبراً ولا شيئاً يشبه القبر، وإنما وجدت حجارة صغيرة قد صففت على وجه الأرض، وفرشت من حولها رمال حمراء ناعمة، كحوض أعدّ لزرع فيه الورود، فقلت: أتهزأ بي يا. . .
قال: لا والله. ولكنّي أقول الحق. هذا قبر عثمان
قلت: يا لسخرية القدر! أتحرثون موضع قبر عثمان أمير المؤمنين لتزرعوا فيه الورود؟
قال: أي ورود؟ كل القبور هكذا. . .
قلت: لعلّك أخطأت القبر. اذهب فاقرأ اسمه
قال: قد طمست الأسماء، فما عليه من أسم. ولكن ثق إنه هو. أعرفه من هذه الغضاة!، أشار إلى غضاة قريبة منه لا أدري كيف دخلت حرم الموت فأنست بها. وذكرني الغضى دنيا مليئة بالصور، مترعة بالحياة نفت عني بعض ما أنا فيه من الغربة والجزع، فقلت: وكيف تعرف غيره من القبور؟
قال: ما أعرف إلا قبور آل البيت، وقد كنت أعرف قبر مالك فاختلط على ونبيسته، ولكن يعرفه إذا شئت (العم حمد) خادم المقبرة، وبعض الشيوخ من أهل المدينة. . .
وانقطع الحديث فقد استشرى البرق وائتلق، ورعدت السماء، ثم هطلت بمطر بعاق قشرة وجه الأرض. وجعل فيها بركاً وأنهاراً، فلم نجد شيئاً يعصمنا من الماء نأوي إليه، إلا هذه الغضاة وما تكاد تعصمنا. . . والمطر في الحجاز أعجب شيء رأيته: فبيّنا الشمس طالعة، والأرض متسعرة، واليوم خدر عصب، وإذا السماء قد تلبّدت بالغيوم، ودوت بالرعد، والأمطار قد نزلت كأفواه القرب، واليوم قد عاد قرّاً بارداً، ثم لا تلبث حتى تنجلي السحب، وتصحو السماء، فتنظر فإذا الأرض قد بدّلت غير الأرض، وإذا السيول قد جرفت البيوت، وخرّبت الطرق، وطمّست المعالم، كما يطمس سطر سال عليه ماء. . . ولقد ضنناها سحابة صيف ولكنّها لم تنقشع، ولم تزدد الأمطار إلا شدّة وتهطّلاً، ولم يزدد الرعد إلا قعقعة وقصيفاً، حتى كأن الدنيا مجنونة، عاودتها نوبتها، فهي تصرخ وتقفز وتمزّق ثوبها بيدها، وتشق حنجرتها بصراخها. . . بيد إني لم أكن أحفل بالبرد ولا بالمطر، ولم أكن أذكر الخوف ولا الجزع، ولم أكن أفكر إلا في هؤلاء الأبطال الذين فتحوا الدنيا، وملكوا العالم، ثم ظنّوا عليها بقبر يعرف، أو اسم يقرأ، أفكر في هؤلاء العظماء. . .
стр. 8528
كم انحنت تحت أقدامهم هام الجلاميد الصم حتى وطئوها، كم استكانت لهم هذه الرمال الهائلة حتى قطعوها، كم دانت لهم البادية المهلكة حتى جابوها، ليخرجوا منها فاتحين إلى أرض الرياض والعيون، فيبلغوها رسالة الصحراء، وينشروا فيها دين الصحراء! لقد انتصروا على البادية المهلكة، والشمس المحرقة، والجوع القاتل، والعطش المميت، والعدو الجبار، والجيش الجرار، ثم انتصر عليهم البقيع، فإذا هم مستقرّون في أحشاءه، وإذا هم قد ناموا فيها إلى الأبد، فلن يذهبوا إلى الحرم ليقيموا الصلاة، ولن يمتطوا ظهور جيادهم ليمشوا إلى الجهاد، ولن يحملوا الراية الإسلامية لينصبوها إلى أقصى العالم، ولن تستقبلهم زوجاتهم وأولادهم وإذا عادوا ظافرين، بل هم لا يرون طلعة الشمس ولا يبصرون صفحة القمر، ولا يسيرون على وجه الأرض. . . انتصرت أيّها البقيع؛ فما وفّيت ولا أنصفت. . . جاءك الأبطال الذين فتحوا الدنيا، ونشروا راية العدل على الأرض، وأضاءوا طريق الهدى للناس، ليستريحوا في إرجائك، ويناموا في حماك، فحرمتهم قبراً يعرف لهم، وحجراً تكتب عليه أسماؤهم ما نريد منك أن تنقش على قبورهم آيات التبجيل والثناء. فإن لهم من أسماؤهم الكبيرة، غنيّة عن كل تبجيل وثناء لكنّا نريد ألا تنسى هذه الأسماء
سيموت الشيوخ الذين يعرفون هذه القبور، أف يرضيك أيها البقيع أن يأتي الجيل الجديد، فيفتّش عن هذه القبور فلا يجدها، فيقول: هاتوا المعول، هاتوا الأحجار. . . أبنوا هنا ملعباً! لا نجد في هذه المدينة خيراً من هذه الساحة، إنها لا تترك أرض سدى! ثم بينما هم يتقاذفون الكرة، إذا بهم يخطئون فيتقاذفون واحدة من هذه الجماجم. . . أنسيت أيها البقيع إن كل مسلم يحس إنه يملك في هؤلاء الأبطال ملكاً، وإن هذا الرفات ليس من حقّك وحدك، ولكنه حق لكل مسلم ولد أو يولد إلى يوم القيامة. . . وإنك إن طمست هذه الأسماء، حتى يجهلها المسلمون، أسأت إلى كل المسلمين؟
أنسيت أن أضيافك عظماء البشر، أف تستحق العظمة هذا الإهمال الشائن، وهذا النسيان المخزي، أم ذنبهم إنهم لم يكونوا فرنجة ولا إنكليز؟! أف يكون البانتيون لأبنائه أوفى منك لأبنائك أيّها البقيع؟ إنه لم ينقص من مجدهم إنها لم تشيّد لهم القبور، ولم تنقش أسماؤهم على صفائح الحجر، وحسبهم إنهم شيّدوا مجداً وبنوا أمة وكتبوا تاريخاً، فإذا نسى التأريخ أبطاله ومنشئيه، فقدماً نسى التاريخ الأبطال! وهل ذكر التاريخ أولئك الجنود الذين سقوا
стр. 8529
الأرض بدمائهم حتى أنبتت مجد نابليون فأقتطفه؟. . هل ذكر أولئك القصاص الذين أهدوا إلى شكسبير قصصهم الرائعة فرواها؟ هل ذكر أولئك الملاحين الذين غامروا بأرواحهم حتى أوصلوا كولومب إلى الساحل الجديد وأمسكوا بيده حتى نزل إليه؟. . ماذا كان نابليون وشكسبير وكولومب لولا أولئك الأبطال المجهولون الذين نسيهم التاريخ؟ لا بأس أيها البقيع فإن البطل الحق هو الذي لا يعرفه أحد!
وازداد الرعد قرقرة وهزيماً، وعقّ البرق وتكلّح، وأغدقت السماء وجادت، وعصفت الريح وأعجّت وجنت الدنيا جنونها، فنظرت فإذا السيل قد جرف قبر عثمان فلم يبق له من اثر. .!
فقلت: أطبقي يا سماء، وتشقّقي يا أرض، وتصدّعي يا جبال. . . إن من ملكوا العالم لا يجدون القبور. . .
علي الطنطاوي
стр. 8530
القاضي النسوي
للأستاذ قدري حافظ طوقان
ما أكثر الذين لم يوفّهم التاريخ حقّهم من البحث والتنقيب وقد أحاط بهم الغموض والإبهام وراحوا ضحية الإهمال فلا ترى لهم اسماً في الكتب التاريخية ولا ذكراً في معاجم الأعلام والعلماء! من هؤلاء الذين كاد يطغى عليهم النسيان أبو الحسن علي أحمد النسوي، فهو من رياضي القرن الخامس للهجرة من بلدة نسا بخرا سان، لم يكتب عنه إلا ما لا يشفي غلة المنقب، وقد أهملته المصادر إهمالاً معيباً، وإذا أطلعت على تاريخ الرياضيات (لسمث) وجدت عنه نبذة لا تتجاوز عشرة كلمات، وهي أن النسوي ألف في الحساب الهندي وشرح بعض المؤلفات لأرشميدس؛ وتجد أيضاً في كتاب آخر يبحث في الأرقام الهندية العربية تأليف سمث وكاربنسكي: إن النسوي من الذين استعملوا كلمة الهندي لتدل على الحساب في القرن الحادي عشر قبل الميلاد. وأما كتاب الآثار الباقية فيقول عن النسوي إنه لم يتمكّن من العثور على شيء عن حياته، ومع ذلك فقد استطاع أن يكتب عنه بصورة أوسع من غيره من المؤلفين معتمداً في ذلك مقدمة كتاب المقنع لصاحب الترجمة. ومن هذه الترجمة يفهم إن النسوي ينتسب لمجد الدولة بن فخر الدولة حاكم العراق الفارسي. ويقال إن مجد الدولة هذا طلب من النسوي أن يؤلّف له كتاباً في اللغة الفارسية يبحث في الحساب الهندي على أن يكون موافقاً لديوان محاسبته يمكن الانتفاع منه، قد كان ما أراد الحاكم وخرج الكتاب إلى الناس فانتفع منه وعنه اخذوا الشيء الكثير لمعاملاتهم؛ وقد اطّلع شرف الدولة أمير بغداد على هذا الكتاب، ويظهر أنه رأى فيه فائدة وانتفاعاً فأمر النسوي بأن يؤلّف له كتاباً باللغة العربية يكون على نمط الكتاب المذكور، وقد كان لشرف الدولة ما أراد، فأخرج النسوي كتاباً سمّاه (المقنع) وقد وفّق فيه كثيراً، فيقول عنه صالح ذكي: (إن المقنع هو نموذج حقيقي يدلّنا على المرتبة التي بلغها الحساب الهندي في العراقيين العربي والفارسي في أوائل القرن الحادي عشر للميلاد. .) ولهذا الكتاب مقدمة ينتقد فيها الذين تقدّموه من المؤلّفين الرياضيين وينتقد فيها أيضاً معاصريه من واضعي كتب الحساب، وينحى باللائمة على كل هؤلاء ويقول إنه وجد تشويشاً وتطويلاً في الكتب الحسابية التي وضعها الكندي والانطاكي، كما أنه وجد في مؤلّفات علي بن أبي نصر في الحساب تفصيلاً
стр. 8531
لا لروم له، وإنه هناك كتباً أخرى (في الحساب) للكلوازي فيها صعوبة وفيها التواء وفيها تعقيداً لا تعود على القارئين بالفائدة المتوخّاة. ويقول أيضاً إنه لا يريد أن يجعل بحوثه في كتابه تدور على موضوع واحد، وإنه لا يريد أيضاً أن يحذو حذو الدينوري الذي ألّف كتاباً عنوانه يدل على إنه كتاب يتناول موضوعات الحساب المختلفة بينما هو في الحقيقة يتناول حساب النجوم فقط وليس فيه تعرّض لأي فرع من فروع علم الحساب، وهذا (على رأيه) ما لا يجيب أن يكون؛ والنسوي لا يريد أيضاً أن يكون في كتابه هذا مثل كوشيار الجبلي الذي وضع كتاباً في الحساب تعب منه الإيجاز وعنوانه لا يدل بحال من الأحوال على ما تضمنه من بحوث حسابية وأعمال رياضية
ولهذا كله (يقول النسوي): فقد رأى الضرورة تدعوه أن يخرج إلى الناس كتاباً يتجنّب فيه الأغلاط التي وقع فيها غيره من إيجاز يجعل المادة صعبة غير واضحة، ومن إطناب يدخل إلى نفوس القارئين السائم والملل. وبالفعل أخرج للناس كتاباً كان فريداً في بابه جمع فيه أحسن ما في كتب المتقدّمين والمعاصرين، وقد أضاف إليه كثيراً نظريّاته ومبتكراته، ووضع كل ذلك في قالب سهل المأخذ لا صعوبة فيه ولا تطويل، يمكن للطالب والتاجر والراصد ولكل من يريد الوقوف على أصول المعاملات المتنوّعة في الأمور الحسابية أن يستفيد منه؛ ولقد جعل النسوي هذا الكتاب في أربع مقالات، تبحث الأولى في الأعمال الصحيحة، والثانية في الكسور، والثالثة في الأعمال الصحيحة مع الكسرية، والرابعة في حساب الدرج والدقائق. فالمقالة الأولى تتناول الموضوعات التالية: أشكال الأرقام وترقيم الأعداد، جمع الأعداد الصحيحة، ميزان جمع الأعداد الصحيحة، تضعيف الأعداد، طرح الأعداد الصحيحة، ميزان طرح الأعداد الصحيحة، تنصيف الأعداد الصحيحة وميزانها، ضرب الأعداد الصحيحة وأنواعه، ميزان ضرب الأعداد الصحيحة، تقسيم الأعداد الصحيحة وأنواعه، ميزان تقسيم الأعداد الصحيحة، استخراج الجذر التربيعي للأعداد الصحيحة، ميزان استخراج الجذر التربيعي للأعداد الصحيحة، استخراج الجذر التكعيبي للأعداد الصحيحة وميزان استخراج الجذر التكعيبي للأعداد الصحيحة. وأما المقالة الثانية فتبحث في الأبواب الآتية: ترقيم الكسور، جمع الكسور، طرح الكسور، ضرب الكسور، تقسيم الكسور، استخراج الجذر التربيعي للكسور واستخراج الجذر التكعيبي للكسور.
стр. 8532
وتتناول المقالة الثالثة البحوث الآتية: الكسور المركّبة وترقيمها، جمع الكسور المركبة وطرحها وضربها وتقسيمها وكيفية استخراج الجذرين التربيعي والتكعيبي لها. وأما الرابعة فتتضمّن ما يلي: أصول ترقيم الكسور الستينية وكيفية جمعها وطرحها وضربها وتقسيمها، واستخراج الجذرين التربيعي والتكعيبي لها. ومن الإطلاع على محتويات هذا الكتاب يتبيّن للقارئ إن الكتاب قيّم وفيه بحوث تفيد الناس على مختلف طبقاتهم في متنوّع معاملاتهم. ومما يدل على طول باع النسوي في الرياضيات وعلو كعبه فيها اعتراف الطوسي بفضله وعلمه، فقد كان يلقّب النسوي بالأستاذ، ولهذا اللقب أهمّيته عند الطوسي، ولا سيما إنه من الذين يعرفون قيمة العلماء ومن الذين لا يخلعون الألقاب على الناس بدون إستحقاق؛ ولا عجب في أن يكون من المعجبين بالنسوي المقدّرين لنبوغه وعبقريّته، فلقد استفاد كثيراً من كتاب (تفسير كتاب المأخوذات لأرشميدس) في مؤلفه (المتوسّطات) وهذا الكتاب أي (كتاب التفسير) من الكتب التي كان لها أهميتها الكبيرة في تاريخ الرياضيات، وقد ترجمها إلى العربية ثبت بن قرة. قال صاحب كشف الظنون في أسامي الكتب والفنون: (مأخوذات أرشميدس مقالة ترجمة منها ثابت بن قرة خمسة عشر شكلاً وقد أضافها المحدثون إلى جملة المتوسّطات التي يلزم قراءتها فيما بين اقليدس والمجسطي. . .) وكان للنسوي فخر تفسيرها وشرحها شرحاً دلّ على مقدرته وقوّة عقله. . .
نابلس
قدري حافظ طوقان
стр. 8533
عرائس المولد النبوي في الأدب الفرنسي
للأستاذ م. هداية
أليس غريباً هذا العنوان؟ أو ليس فيه إشارة لطيفة إلى تقصير أدبائنا؟ هنري تويل أديب فرنسي أقام في مصر ردحاً من الزمن حتى جعلها في أشعاره وطنه الثاني. وقد هام بجمال مصر وتقاليدها، وسجّل كثيراً من أعيادها القومية والدينية، ووصف كثيراً من شوارعها وجوامعها الأثرية أبرع وصف. وله ديوان مطبوع باسم (شرق وأدب) حوى الكثير من الأسرار الساحرة في مصر، أحس بها هو ولم نحس بها نحن! ولست هنا في صدد تعريف هذا الشاعر الثائر أو تحليله، وإنما قصدت أن أنقل إلى القرّاء (الرسالة) جزءاً نم قطعة له كتبها سنة ١٩٢٣ وعلى أثر جولة جالها ليلاً بشارع الموسكي في مولد سيّدنا الحسين - قال:
(. . . وعلى جانبي الجامع كانت الأنوار المنبعثة من دكاكين الحلوى تشع في الليل المتأخر فتجعل منه ظهراً. وكانت هذه الحوانيت متقاربة متلاصقة: اتصل بعضها ببعض اتصالاً لا تقطعه ثغرة، حتى لا ترى من مجموعها سوى نضد واحد ممتد. وقد غطيت كلّها بأنواع شتّى من الحلوى: فمنها (الحمصية) وهي حلاوة رصعت بالحمّص، و (السمسمية) وهي مثلها إلا أنها بالسمسم - وهذه كثيراً ما يتهافت عليها صغار التلاميذ في الأيام العادية، فيقبلون على شرائها من الباعة المتجوّلين كل يوم منجذبين إليها بلذاذة طعمها وبجمال النداءات ذات النغمة الساحرة التي يغنّيها الباعة، مع الملبن الملفوف حول خيوط رفيعة. . . ثم (الجوزية) وهي نوع تتلاشى أمامه (النوجا) الفرنسية وتحسدها عليه مدينة مونتلمار. . . يلي ذلك صفوف طويلة من (العرائس) تكاد تتشابك أذرعتها فتخالها في مجموعها كأنها في موكب!
عرائس جذّابة، عذارى نم الحلوى! أبكار توشك أن تزف إلى عرسها قد صبوها صباً من السكر المذاب! وقد صبغوا لهن. . . خدودهن الصغيرة بشيء من (الأحمر. . .)، وكحّلوا عيونهن بالكحل الشرقي الساحر، ثم ألبسوهن فساتين ساذجة لوّنت بألوان زاهية من أصباغ اليمن. وأما الشعر فقد رصع بأنواع برّاقة من الخرز الفضّي الملوّن، وحجاب رقيق من الشاش المهلهل النسج زيّن أيضاً بفتائل من القصب الوهّاج، وأشرطة من الورق المذهّب،
стр. 8534
قد أسدل بلباقة وكياسة على رأسها، ثم تدلّى بعضه إلى الأمام ليحجب عنك أيها المحب الشغوف وجهها الحلو الباسم، فلن ترى جمال تقاطيعه إلا حين تكشف عنه بيدك - يوم الزفاف!
(كم حدّثتني نفسي في هذه الساعة أن أحمل واحدة من هذه العرائس المصرية الصغيرة فأضمها إلى قلبي، ثم اذهب بها هنالك، في ركن منعزل، نائياً عن أعين الناس، بعيداً عن كل ضوضاء، وفي هدوء وراحة نفس، أسبل عيني ثم أضع شفتي على شفتيها الحمراوين فأتذوّق منهما شيئاً. .!)
هكذا الشاعر يخلق من كل شيء جمالاً
وبينما أنا أمر ليلة المولد بهذه (العرائس) تذكّرت خيال هذا الشاعر فوقفت سابحاً في أحلامي. . .
ولكن جدة تقتاد حفيدين لها قد دفعتني على غير قصد واقتحمت الزحام. وبعد مساومة ليست بالطويلة خرجت تحمل (سريراً) صغيراً زيّن بأستار هفهافة من القماش الملوّن بالأحمر والمذهّب والمفضض، وأبت الطفلة إلا أن تحمل (عروستها) بنفسها، وأما الطفل فقد حمل حصاناً أحمر عليه فارس. . .
وهذا الثالوث المزاحم قد أخرجني من حلم ليدخلني في حلم آخر:
الجدة فخورة لأنها أنجزت تقليداً تعتبره مقدّساً، وهي مسرورة لأنها عاشت واشتركت في ذكرى الرسول للمرة السبعين
أما الطفلة فأي سرور يملأ قلبها! أنظر إليها وهي تجذب جدّتها من ملاءتها لتسرع الخطى. . . فهي تريد أن تصل البيت أسرع ما يمكن لترى أمّها عروستها الجميلة وسريرها البديع، وهي تريد أن تقابل صويحباتها زكية وتفيدة وإحسان لتقنعهنّ بأن عروستها أكبر. . وإنها تملك سريراً. .
وقد بلغ الثلاثة البيت؛ فالجدّة متذمّرة لأنها لم تجد الدكاكين مزدانة بالثريات والبيارق الحمر والخضر والصفر مثل (زمان). . ومحمود الصغير أقتنع مسافة الطريق بأن حصانه لا يستحق الاحتفاظ به طويلاً. . وانه لا يحقق له أملاً واحداً من آماله: هل أستطيع أن أركبه وأضربه بالسوط؟. . إذن. . . وبقضمة واحدة يطير رأس الفارس بأسنانه! ثم أبتدأ في
стр. 8535
رأس الجواد. . . أما فاطمة فعروستها سنحيا عندها طول حياتها، لأنها صورة منها، ولأنها تمثّل أحلامها الحلوة، فهي قطعة من نفسها! أنظر إليها الآن قد عادت فرحة بعد أن قابلت صويحيباتها، أنظر إليها قد جلست في انهماك ترتّب السرير (لعروستها) أستمع إليها الآن وهي تغنّي لها بصوتها العذب الحلو غير الفصيح أنشودة من أناشيد الزفاف!
انهض يا شاعري العزيز وتعال مسرعاً، ثم أنصت في جلال. تعال يا شاعري (فهاهنا سحر وجمال!)
م. هداية
стр. 8536
قصة المكروب
كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم
صلة حديثه
وأخذت حياة بستور تصير إلى غير ما عهد العلماء من حياة قابعة قاسية. وأصبح يجري تجاربه ليجيب بها على ما قام حول نظريته الجرثومية من اعتراضات كثيرة، فكانت إجابات قوية مفحّمة رنّانة دوت أصداؤها في الجماهير، لأنها أجريت لتنقع غلّة الجماهير أكثر مما تنقع غلّة العلم الهادئ والبحث الرزين. ولكن على الرغم من استدراجه العلم إلى الأسواق وسحبه إلى غمار العامة، كانت تجاربه رائعة الصنع محذوفة الأجراء، وكانت كأقباس من نار مسّت خيالات الناس فألهبتها، وآمالهم فأحييتها وجلب على نفسه خصوماً صخابة أقامه بينه وبين رجلين فرنسيين طبيعيين يدعى أحدهما إتريكل دارت حول الخمائر والطريقة التي بها تحيل عصير العنب خمراً. فأقرّ (إفريمي) بأن الخمائر لا بد منها لهذه الإحالة، ولكنه أدّعى إن هذه الخمائر تنشأ من ذات نفسها في باطن العنب، وأقام في الأكاديمية يناقش هذه الدعاوى في جهالة فسخر أعضاؤها منه وضحكوا جميعاً، إلا بستور فكان من المحنقين
(إفريمي يقول إن هذه الخمائر تنشأ داخل العنب من ذات نفسها! إذن فلأصنع له تجربة تقطع لسانه). وأخذ بستور عدّة قوارير مستديرة، ووضع فيها شيئاً من عصير العنب، ثم مطّ رقابها ولواها كأعناق الإوز، ثم أغلاها دقائق وتركها أياماً ثم أسابيع، فلم تظهر في العصير فقاقيع، ولم يعله رغاء، ولم يختمر أصلاً؛ ثم ذهب إلى كرمه فقطف منها بضع عنبات بلغت النضج ولم تعده، وغسل ظاهرها بماء نقي بقلم من الشعر عقّمه بالتسخين قبلاً، وأخذ قطرات من ماء الغسول ونظرها تحت المجهر فوجد بها قليل من كريات الخمائر المعهودة. وعندئذ أخذ عشراً من تلك القبابات الملتوية الأعناق، وبمهارة فائقة لحم في جانبها أنبوبة مستقيمة طويلة، ومن هذه الأنبوبة أسقط قطرات من ماء الغسول ذي
стр. 8537
الخمائر. ولما جاء القبابات بعد أيام وجدها جميعاً مرغية إلى عنقها رغوة تضرب إلى الحمرة دليل اختمار طيب مرضي. وتبقى من ماء الغسول بقية، فأغلاها وأسقط قطرات منها في عشر قبابات أخرى فلن يحدث فيها اختمار لأن الإغلاء قتل الخمائر
قال بستور: (الآن وقد أثبت أن الخمائر توجد على ظاهر العنب، سأثبت لهذا الجاهل إفريمي بتجربة رائعة إن هذه الخمائر لا توجد في باطن العنب)، وأخذ أنبوبة جوفاء رفيعة كان قد أسخنها في النار ليقتل ما قد يكون علق بها من أحياء، ثم سدّ طرفها، وكان رفيعاً حاداً، فرفعه برفق إلى داخل عنبة خارقاً جلدها، ثم كسر هذا الطرف داخل العنبة فاندفع بعض عصيرها في الأنبوبة، وبمهارة ولباقة لا تباري نقل هذا العصير إلى قبابة بها عصير عنب كان قد عقّم بالتسخين. ورجع إليها بعد أيّام فما وقع بصره عليها حتى صاح: (لا حياة لإفريمي بعد اليوم، فعصير العنب بالقبابة لم يختمر، وبطن العنب خلو من الخمائر). ثم أستطرد فنطق بقضية جامعة شاملة؛ قال: (إن المكروبات لا تنشأ من ذات نفسها في بطون الأعناب وديدان الخز وأجسام الحيوانات الصحيحة، وهي لا توجد في دم الحيوان ولا في بوله. فإن هي وجدت في شيء من ذلك فإنما دخلت إليه من الخارج) ولكأني بك تسمعه يتحدّث إلى نفسه: (وستعلم الدنيا قريباً ما تؤدّي إليه هذه التجربة البسيطة من إحداث معجزات بليغة)
- ٨ -
ولم يمضي وقت طويل على هذا حتى ظهر أن أحلام بستور لم تكن أضغاثاً، وإنما خاله من إمحاء الأمراض على ظهر الأرض لم يكن أملاً جامحاً. فجاءه كتاب من الجرّاح الاسكتلندي (لستر) يذكر فيه إعجابه الشديد به وسروره الكثير بأعماله، ويصف له فيه طريقة جديدة لفتح أجسام المرضى وإجراء العمليات الجراحية في نجوى من ذلك الوباء الخفي الذي أعتاد أن يذهب في المستشفيات بحياة ثمانية من كل عشرة من الرجال والنساء. كتب له لستر يقول: (فأنا أستمحيك في أن أشكرك شكراً خالصاً إذ هديتني بأبحاثك المجيدة إلى الحق في أمر هذه الجراثيم التي تسبب التعفّن والفساد، وأثرت لي السبيل إلى النظرية الوحيدة التي لا ينجح تعقيم إلا بها. وإذا أنت تحملت المشقّة فزرتنا في أدنبرة فسوف لا تأسف على هذه الزيارة إن شاء الله، لأنك سترى بعينك في مستشفياتنا
стр. 8538
كثيراً من الخلق المساكين قد استفادوا استفادة كبرى من أعمالك)
ففرح بستور بهذا الخطاب فرح الطفل أنجز تركيب قاطرة فدار بها على إخوانه يريهم ما صنعت يداه. ولم يكتف بهذا بل نشر الكتاب بكل مديحه في المجالات العلمية، وزاد فنشره في كتاب له عن البيرة!! ولم يشاء أن ينقضي هذا الحادث دون أن يلكم إفريمي المسكين لكمة أخيرة، وقد يحسب حاسب أن تجارب بستور كان فيها لإفريمي لكمات مشبعات كافيات. ولم ينل من إفريمي نيلته الأخيرة بذمه، وإنما نالها بمدح نفسه وتمجيد تجاربه والثناء على نظرياته. قال: (إن محك النظريات مقدار أثمارها وكمية نفعها). وصمت إفريمي فلم يحر جواباً
وشغل حديث المكروب أوربا كلها، وعلم بستور إنه هو الذي وجه نظار الناس إلى المكروب وإلى خطورته فلم يعودوا ينظرون إليه نظرتهم إلى اللعبة الغريبة المسلّية، بل عرفوا مقدار نفعه لبني الإنسان واستيقنوا من ذلك، وكانوا على وشك أن يعرفوا مقدار ضرره لبني الإنسان كذلك، وكيف إنه على صغره يعيث فيهم تلصصاً واغتيالاً. وأوّلت فرنسا بستور شرفاً كبيراً إذ نصّبته أول رعاياه. وشرّفته الأمم - حتى بلاد الدانمارك أقام خمارها له التماثيل في معاملهم وأثنوا عليه خيراً ومات فجأة (كلود برنار) فقام أصدقاء هذا الرجل الكبير بنشر مؤلف له لم يبلغ تمامه، وكان مؤلفاً في تخمّر عصير العنب، ختمه برنار بدحض نظرية بستور كلها وعزز دعواه بأسباب عدة، وبلغ بستور الخبر فلم يصدّق أذنيه. برنار يفعل هذه الفعلة! برنار العظيم، جليسه في الأكاديمية ومطريه ومطري أعماله دائماً! برنار الذي سارقه الضحكات وبادله الغمزات وناقله الفكاهات في أكاديمية الطب عن أولئك الأطباء ذوي الثياب الزرقاء، والأزرار النحاسية الصفراء، والأنوف الوارمة والرؤوس الجوفاء، أولئك الأطباء الذين قاموا حجر عثرة في سبيل التجربة الصحيحة إلى الطب والتطبيب! وأخذ بستور يتمم لنفسه: (ناقضني هؤلاء الأطباء الأغبياء، وناهضني أولئك الطبيعيون الحمقى، وكان في هذا من السوء ما فيه. ووازرني العلماء، ومجد إعمالي الكبراء، فما بال برنار يأتي اليوم بالذي أتاه. .؟)
ذهل بستور، ولكن لم يطل به الذهول. وقام يطلب أصول المؤلّف والأوراق ذاتها التي خطّها برنار بيده، فأعطوه إيّاها. فقعد يجمع أشتات فكره لدراستها، فوجد إن ما صنعه
стр. 8539
برنار لم يكن إلا مبادئ تجريبية ومحاولات تقريبية. وسرّه أبهجه أن كشف إن أصدقاء برنار لم ينشروا ما كتبه بنصّه كاملاً، بل زادوا وحذفوا، فأحكموا الحذف وحذقوا الزيادة، كي يستقيم الكتاب ويصح لدى القارئين. وذات يوم قام في الأكاديمية فعرّ أعضاءها، وأساء إلى رجالات فرنسا إذ أنحى باللوم اللاذع القبيح على أصدقاء برنار لتهجّمهم بنشر كتاب يجرؤ على التشكك في نظرياته، وإذ صرخ صرخات عنيفة مرذولة إلى برنار، وبرنار في قبره لا يستطيع دفعاً عن نفسه، وعقّب على هذا بنشر رسالة في نقل أبحاث صديقه القديم، رسالة أعوزها الذوق السليم، رسالة تهتم برنار - وهو رجل عالم من قمّة رأسه إلى أخمصه - باقتباسه الخرافة من كثرة صحبته للأدباء النابهين من أعضاء الأكاديمية، رسالة تحاول أن تثبت أن برنار في آخر أبحاثه كلّ بصره فلم يعد يرى الأشياء، وتهزأ به فتقول احتمالاً إن بصره طال طولاً لم يعد معه يرى الخمائر القريبة. وألحّ بستور في هذا النقد حتى ترك العامة تحسب إن برنار أصابه خرف الشيخوخة في آخر أيامه عندما كتب كتابه هذا. وفقد بستور الحس بالحسن والقبيح، وفقد مقاييس الليباقات، فأخذ في ثروته يدق بقدميه على قبر برنار دقّات ثقيلة كادت تقلق جثّته تحت التراب
وأخيراً ثاب إلى رشده، وسلك في ردّه على برنار السبيل التي يؤثرها كل عاقل على مقالة السوء ولغو الكلام. تلك سبيل التجربة. فأجرى تجارب غاية في الإبداع. وجرى على طريقة الأمريكيين إذ إذا هم أرادوا بناء ناطحة من ناطحات سحابهم في ستة أيام. فهرع إلى مخازن البيع فاشترى قطعاً من الزجاج عظيمة، وهرع إلى النجّارين، وطلب إليهم أن يصنعوا من هذا الزجاج بيوتاً كمرابي النبات يسهل حملها ويستطاع نقلها وتركيبها. وقام على أعوانه يستحثهم في إنجاز قبابات وتجهيز ميكروسكوبات وتعقيم لفّافات من القطن، فنسوا الطعام وعزّهم النوم. وفي وقت بالغ القصر جمع كل هذه الأشياء وسافر بها إلى بيته العتيق في جبال الجورا. ونفض يده في أثناء ذلك من كل عمل، وأشاح بوجهه عن كل اعتبار، واتجه بكل نفسه قدماً إلى إثبات إن نظريته في التخمّر نظرية صحيحة
وما بلغ بلدته أربوا حتى ذهب إلى كرمته، ولم يضع وقتاَ سدى، فقام على بيوت الزجاج التي جاء بها فنصبها على بعض أعنابها فحجبتها عن الهواء الخارج حجباَ محكماً. وأخذ يفكّر: (هذا الصيف قد تنصف، والعنب لا يزال فجّاً، وأنا أعرف إن العنب في هذا الوقت
стр. 8540
لا يحمل على جلده خمائر أصلاً). وأراد أن يزيد وثوقاً من ذلك، فلفّ بعض العناقيد في بيوت الزجاج بلفَات القطن التي كان سخنّها مساعدوه ليقتلوا ما علق بها من الأحياء. وأسرع في العودة إلى باريس واصطبر بها على أحرّ من الجمر حتى ينضج العنب، ونفذ صبره يوماً فجاء أربوا وكله أمل أن يثبت أن برنار كان خاطئاً، ولكنه وجد العنب لا يزال فجّاً فعاد خائباً. ونضج العنب أخيراً، فأخذ يمتحن جلود العنب ببيوت الزجاج تحت المجهر، فلم يجد عليها خميرة واحدة. وقام من على المجهر ثائراً، فأخذ شيئاً من هذا العنب فعصره في قبابات أجاد تسخينها لتعقيمها، وتركها فلم تظهر في عصيرها فقاعة للتخمر واحدة. وعصر عنباً من كرمة خارج بيت الزجاج، فهذا استحال عصيره إلى خمر سريعاً. وما انتهى من هذا حتى جمع بعض تلك العناقيد الطهور الخالصة من الخمائر، واعتزم ليحملنها إلى الأكاديمية ويهدي كل عضو أحب عنقوداً ثم يتحدّاهم أجمعين أن يخرجوا من هذه العناقيد المصونة خمراً. . . وقد أيقن إن هذا محال إلا إذا هم أدخلوا الخمائر إليها. . . وأمل من وراء كل هذا أن يثبت لهم إن برنار خانه الحظ في الذي قال، وركبوا القطار إلى باريس، وظلّت مدام بستور المسكينة في جلستها الطويلة مستقيمة الظهر تحمل أمامها عناقيد العنب حذر أن تسقط لفائف القطن عنها.
وجاء موعد انعقاد الأكاديمية، فقام بستور يصف لرجالها كيف صان عنبه من الخمائر فلم تنلها. وصاح فيهم: (أليس عجيباً إن أرض كرمتي يوم بدأت تجاربي لم تكن بها حصوة إلا استطاعت أن تخمّر عصير العنب! وما يصدّق على كرمتي يصدق على كروم الدنيا الواسعة. ثم أليس عجيباً بعد هذا إن بيوت الزجاج التي نصبتها خلت أرضها من الخمائر فلم تستطيع لعصير العنب تخميراً! ثم أتدرون لماذا؟ لأنّي في الوقت المناسب حجبت هذه الأرض عن الهواء بتلك البيوت من الزجاج!. . .)
وخرج من هذا إلى نبوءات عجيبة، إلا أنها على غرابتها قد تحققت اليوم. نبوءات كالوحي، وخيالات كالشعر، تجعلك تنسى خصومته القبيحة المرذولة التي أثارها على برنار. قال: (أفلا يجوز لنا بعد هذا أن نؤمن بيوم هو لا بد آت يستطيع فيه الإنسان أن يحمي نفسه من الوباء حماية أرض هذه الكرمة من خمائر الهواء). وكانت الحمّى الصفراء أصابت أرليانزة الجديدة فتركت عامرها خراباً، فقام يصوّر لهم تلك النازلة الفادحة
стр. 8541
تصوير فنان ماهر، وصوّر لهم كذلك فعل الطاعون الأسود على شواطئ الفلجا، فلما روّعهم وقشعر أجسامهم، ضرب نغمة جديدة سرّت فيهم بالرجاء
وفي هذه الأثناء، في قرية صغيرة في شرق ألمانيا كان طبيب بروسي صغير السن، مدوّر الرأس، حرون، آخذ في ترسم الطريق الذي يؤدي به إلى نفس تلك النبوءات التي تنبأ بها بستور هذا الدكتور الشاب كان يسارق مرضاه الوقت ليفرغ لتجارب يجريها على الفئران، وليستخرج طرائق في معالجة المكروب يتعرف بها شخصية كل نوع فلا تختلط عليه أجناسها، وليأتي بأمر لم يستطع بستور إتيانه على رغم حذقه وعلو كعبه
والآن، فلندع بستور إلى حين، ولنقف عند هذه المرحلة من حياته، ولو إنها مرحلة ستأتي من بعدها تجارب قام بها بستور كانت من أروع ما قام به في حياته، ومناقشات أثارها كانت نم أفكه المناقشات؛ لندع ذلك لنعرج إلى روبرت كوخ لنرى كيف غزا دولة المكروب وقد كانت وقفاً على بستور سنين طوالاً
(يتبع)
أحمد زكي
стр. 8542
محاورات أفلاطون
الحوار الثالث
فيدون أو خلود الروح
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
- حدّثني إذن ما هو الشيء الذي يجعل الجسم حيّاً بحلوله فيه؟
فأجاب: هو الروح
- أهذه هي الحال دائماً؟
فقال: نعم، بالطبع
- إذن فمهما يكن ما تملكه الروح، فإنها إذا تأتيه تحمل إليه الحياة؟
- نعم، يقيناً
- وهل ثمة ضد للحياة؟
فقال: نعم هناك
- وما هو ذاك؟
- الموت
إذن فلن تقبل الروح أبداً، كما اعترفنا، ضد ذلك الذي نسوقه. ثم قال: والآن، بماذا سمّينا ذلك العنصر الذي يقاوم الزوجي؟
- الفردي
- والعنصر الذي يقاوم الموسيقيّ أو العادل؟
فقال: غير الموسيقيّ وغير العادل
- وبماذا نسمّي ذلك العنصر الذي لا يقبل الموت
فقال: الخالد
- وهل تقبل الروح الموت
- كلا
- إذن فالروح خالدة؟
стр. 8543
فقال: نعم
- أيحق لنا القول بأن ذلك قد ثبت بالدليل؟
فأجاب: نعم يا سقراط، لقد ثبت بأدلّة كثيرة
- وإذا فرضنا أن الفرديّ لا يخضع للفناء، أليس يلزم أن ثلاثة غير قابلة للفناء؟
- طبعاً
- وإذا كان الشيء البارد غير قابل للفناء، ثم جاء العنصر الدافئ يهاجم الثلج، أفلا ينبغي أن يتراجع متماسكاً متجمّداً لأنه عندئذ يستحيل عليه أن يفنى كما كان يستحيل عليه أن يبقى مع قبوله للحرارة؟
فقال: حقاً
- وكذلك لو كان العنصر الذي لا يبعث لبرودة، أي الدافئ، مستعصياً على الفناء، لما فنيت النار وما انطفأت حين تغير عليها البرودة، ولكنها تنأى بغير أن تتأثر؟
فقال: يقيناً
- ويمكن أن يقال هذا القول نفسه عن الخالد: لو كان الخالد مستعصياً كذلك على الفناء، لاستحال فناء الروح حين يهاجمها الموت، إذ يدخل البرهان السابق على أن الروح لن تكون قط ميتة، فلن تقبل الموت أكثر مما تقبل ثلاثة أو العدد الفردي الزوجي، أو النار، أو الحرارة التي في النار، البرودة، ومع ذلك فرب أحد يقول: (ولكن على الرغم من أن الفردي لن يصير زوجياً حين يقترب الزوجي منه، فلماذا لا يجوز أن يفنى الفردي وأن يحل مكانه الزوجي؟) ونحن لا نستطيع أن نجيب من يتقدم بهذا الاعتراض بأن العنصر الفردي مستعصياً على الفناء لأن ذلك لم يعترف به بعد، فلو قد اعترف بهذا لما أشكل علينا الزعم بأن العنصر الفردي والعدد ثلاثة يهمان بالرحيل حين يقترب الزوجي، وهذا البرهان بعينه كان يصح عن النار وعن الحرارة وعن أي شيء آخر
- جداً صحيح
- ويجوز هذا القول نفسه عن الخالد: لو كان الخالد مستعصياً كذلك عن الفناء، إذن لكانت الروح مستعصية على الفناء كالخالد سواء بسواء، فإن لم يكن، وجب أن يقام برهان آخر على استحالة فناءها
стр. 8544
فقال: ليس بنا من حاجة إلى برهان آخر، إذ لو كان الخالد - وهو سر مدى - عرضة للفناء، للزم ألا يستحيل الفناء على شيء
فأجاب سقراط: نعم، فكل الناس مسلّون بأن الفناء مستحيل على الله وعلى صورة الحياة الروحية وعلى الخالد بصفة عامة
قال: نعم، كل الناس بذلك مسلمون - هذا صحيح، وأكثر من هذا، فهم مجمعون - إن لم أكن مخطئاً - على أن الآلهة كالناس في ذلك
- وإذن فما دمنا قد رأينا أن الخالد لا يناله التخريب، أفلا يلزم أن تكون الروح مستعصية على الفناء كذلك - ما دامت خالدة؟
بكل تأكيد
- إذن فحين يهاجم الموت إنساناً، فقد يتعرض الجزء الفاني منه للموت، أما الخالد فينأى عن طريق الموت حين يحفظ مصوناً سليماً؟
- حقاً
إذن يا سيبيس فالروح خالدة بغير شك، وهي مستعصية على الفناء، وستحيا أرواحنا حقاً في عالم آخر!
فقال سيبيس: إني مقتنع يا سقراط، وليس لدي بعد ذلك ما اعتراض عليه. فإن كان عند صديقي سمياس، أو عند أحد سواء اعتراض آخر، فيجمل به ألا يلتزم الصمت وأن يعلنه. اللهم إن كان لديه شيء يريد أن يدلي به، أو كان يود لو أدلى به، فلست أرى أن يجود عليه الدهر بأنسب من هذه اللحظة، حتى يجوز له أن يرجئ إليه الحديث
فأجاب سمياس: ولكن ليس عندي ما أقوله بعد ذلك، بل لست أرى مجالا للشك، إلا ما ينشا حتماً عن ضخامة الموضوع وضعف الإنسان، فذلك ما لم يسعني إلا أن أشعر به
فأجاب سقراط: نعم يا سمياس فقد أحسنت قولاً: أضف إلى ذلك أن المبادئ الأولى يجب أن تبسط للبحث الدقيق حتى وإن كانت تبدو يقيناً، فإذا ما استوثقنا منها وثوقاً مرضياً، استطعنا بعدئذ، فيما أضن، في شيء من الإيمان المزعزع بالعقل البشري، أن نتتبّع مجرى البرهان، فإن ألقيناه واضحاً لم يكن بنا بعد ذلك حاجة لسؤال
فقال: ذلك صحيح
стр. 8545
(يتبع)
زكي نجيب محمود
следующие страницы →