Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8541–8580 · переход к 8546.
стр. 8541
تصوير فنان ماهر، وصوّر لهم كذلك فعل الطاعون الأسود على شواطئ الفلجا، فلما روّعهم وقشعر أجسامهم، ضرب نغمة جديدة سرّت فيهم بالرجاء
وفي هذه الأثناء، في قرية صغيرة في شرق ألمانيا كان طبيب بروسي صغير السن، مدوّر الرأس، حرون، آخذ في ترسم الطريق الذي يؤدي به إلى نفس تلك النبوءات التي تنبأ بها بستور هذا الدكتور الشاب كان يسارق مرضاه الوقت ليفرغ لتجارب يجريها على الفئران، وليستخرج طرائق في معالجة المكروب يتعرف بها شخصية كل نوع فلا تختلط عليه أجناسها، وليأتي بأمر لم يستطع بستور إتيانه على رغم حذقه وعلو كعبه
والآن، فلندع بستور إلى حين، ولنقف عند هذه المرحلة من حياته، ولو إنها مرحلة ستأتي من بعدها تجارب قام بها بستور كانت من أروع ما قام به في حياته، ومناقشات أثارها كانت نم أفكه المناقشات؛ لندع ذلك لنعرج إلى روبرت كوخ لنرى كيف غزا دولة المكروب وقد كانت وقفاً على بستور سنين طوالاً
(يتبع)
أحمد زكي
стр. 8542
محاورات أفلاطون
الحوار الثالث
فيدون أو خلود الروح
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
- حدّثني إذن ما هو الشيء الذي يجعل الجسم حيّاً بحلوله فيه؟
فأجاب: هو الروح
- أهذه هي الحال دائماً؟
فقال: نعم، بالطبع
- إذن فمهما يكن ما تملكه الروح، فإنها إذا تأتيه تحمل إليه الحياة؟
- نعم، يقيناً
- وهل ثمة ضد للحياة؟
فقال: نعم هناك
- وما هو ذاك؟
- الموت
إذن فلن تقبل الروح أبداً، كما اعترفنا، ضد ذلك الذي نسوقه. ثم قال: والآن، بماذا سمّينا ذلك العنصر الذي يقاوم الزوجي؟
- الفردي
- والعنصر الذي يقاوم الموسيقيّ أو العادل؟
فقال: غير الموسيقيّ وغير العادل
- وبماذا نسمّي ذلك العنصر الذي لا يقبل الموت
فقال: الخالد
- وهل تقبل الروح الموت
- كلا
- إذن فالروح خالدة؟
стр. 8543
فقال: نعم
- أيحق لنا القول بأن ذلك قد ثبت بالدليل؟
فأجاب: نعم يا سقراط، لقد ثبت بأدلّة كثيرة
- وإذا فرضنا أن الفرديّ لا يخضع للفناء، أليس يلزم أن ثلاثة غير قابلة للفناء؟
- طبعاً
- وإذا كان الشيء البارد غير قابل للفناء، ثم جاء العنصر الدافئ يهاجم الثلج، أفلا ينبغي أن يتراجع متماسكاً متجمّداً لأنه عندئذ يستحيل عليه أن يفنى كما كان يستحيل عليه أن يبقى مع قبوله للحرارة؟
فقال: حقاً
- وكذلك لو كان العنصر الذي لا يبعث لبرودة، أي الدافئ، مستعصياً على الفناء، لما فنيت النار وما انطفأت حين تغير عليها البرودة، ولكنها تنأى بغير أن تتأثر؟
فقال: يقيناً
- ويمكن أن يقال هذا القول نفسه عن الخالد: لو كان الخالد مستعصياً كذلك على الفناء، لاستحال فناء الروح حين يهاجمها الموت، إذ يدخل البرهان السابق على أن الروح لن تكون قط ميتة، فلن تقبل الموت أكثر مما تقبل ثلاثة أو العدد الفردي الزوجي، أو النار، أو الحرارة التي في النار، البرودة، ومع ذلك فرب أحد يقول: (ولكن على الرغم من أن الفردي لن يصير زوجياً حين يقترب الزوجي منه، فلماذا لا يجوز أن يفنى الفردي وأن يحل مكانه الزوجي؟) ونحن لا نستطيع أن نجيب من يتقدم بهذا الاعتراض بأن العنصر الفردي مستعصياً على الفناء لأن ذلك لم يعترف به بعد، فلو قد اعترف بهذا لما أشكل علينا الزعم بأن العنصر الفردي والعدد ثلاثة يهمان بالرحيل حين يقترب الزوجي، وهذا البرهان بعينه كان يصح عن النار وعن الحرارة وعن أي شيء آخر
- جداً صحيح
- ويجوز هذا القول نفسه عن الخالد: لو كان الخالد مستعصياً كذلك عن الفناء، إذن لكانت الروح مستعصية على الفناء كالخالد سواء بسواء، فإن لم يكن، وجب أن يقام برهان آخر على استحالة فناءها
стр. 8544
فقال: ليس بنا من حاجة إلى برهان آخر، إذ لو كان الخالد - وهو سر مدى - عرضة للفناء، للزم ألا يستحيل الفناء على شيء
فأجاب سقراط: نعم، فكل الناس مسلّون بأن الفناء مستحيل على الله وعلى صورة الحياة الروحية وعلى الخالد بصفة عامة
قال: نعم، كل الناس بذلك مسلمون - هذا صحيح، وأكثر من هذا، فهم مجمعون - إن لم أكن مخطئاً - على أن الآلهة كالناس في ذلك
- وإذن فما دمنا قد رأينا أن الخالد لا يناله التخريب، أفلا يلزم أن تكون الروح مستعصية على الفناء كذلك - ما دامت خالدة؟
بكل تأكيد
- إذن فحين يهاجم الموت إنساناً، فقد يتعرض الجزء الفاني منه للموت، أما الخالد فينأى عن طريق الموت حين يحفظ مصوناً سليماً؟
- حقاً
إذن يا سيبيس فالروح خالدة بغير شك، وهي مستعصية على الفناء، وستحيا أرواحنا حقاً في عالم آخر!
فقال سيبيس: إني مقتنع يا سقراط، وليس لدي بعد ذلك ما اعتراض عليه. فإن كان عند صديقي سمياس، أو عند أحد سواء اعتراض آخر، فيجمل به ألا يلتزم الصمت وأن يعلنه. اللهم إن كان لديه شيء يريد أن يدلي به، أو كان يود لو أدلى به، فلست أرى أن يجود عليه الدهر بأنسب من هذه اللحظة، حتى يجوز له أن يرجئ إليه الحديث
فأجاب سمياس: ولكن ليس عندي ما أقوله بعد ذلك، بل لست أرى مجالا للشك، إلا ما ينشا حتماً عن ضخامة الموضوع وضعف الإنسان، فذلك ما لم يسعني إلا أن أشعر به
فأجاب سقراط: نعم يا سمياس فقد أحسنت قولاً: أضف إلى ذلك أن المبادئ الأولى يجب أن تبسط للبحث الدقيق حتى وإن كانت تبدو يقيناً، فإذا ما استوثقنا منها وثوقاً مرضياً، استطعنا بعدئذ، فيما أضن، في شيء من الإيمان المزعزع بالعقل البشري، أن نتتبّع مجرى البرهان، فإن ألقيناه واضحاً لم يكن بنا بعد ذلك حاجة لسؤال
فقال: ذلك صحيح
стр. 8545
(يتبع)
زكي نجيب محمود
стр. 8546
أبو العباس أحمد المقّري
١٠٤١هـ - ١٦٣١م
بقلم عبد الهادي الشرايبي
تتمة
هذا ولا نثني عنان القلم دون أن نشير إلى تلك القصة الشعرية استعراضية لحوادث الدهر وأيام الأول، وهي طويلة نجتزئ منها ببعض فقرات يقول في فاتحها:
سبحانَ مَن قَسّمَ الحظو … ظ فلا عتابَ ولا ملامه
أعمى وأعشى ثمَّ ذو … بَصَر، وزرقاءُ اليمامه
ومسدد، أو جائر … أو حائر يشكو ظلامه
لولا استقامة مِن هدا … هـ لما تَبَيَّنت العلامه
. . . فالعَيش في الدنيا الدنيّة … غير مَرجو الإدامه
مَن أرضعَته ثَديَها … في سرعَة تبدي فطامه
مَن عزَّ جانبِهِ بها … تنوي على الفورِ اهتضامه
وإذا نظَرت فأين مَن … منعَته أو منحَت مرامه
أينَ الذين قلوبهم … كانت بها ذاتَ استهامه
أينَ الذين تفيئوا … ظلّ السيادَةِ والزعامه
أينَ الملوكِ ذو الريا … سةِ والسياسةِ والصرامه
أم أينَ عنترة الشجاع … وذو الجدا كعب بن منامه
والزاعِمونَ بجهلِهِم … أنّ القبورَ صَدى وهَامه
والمكثِرونَ مِنَ المجو … نِ إذا شَكا الفِكرُ اغتمامه
أينَ الغَريض ' ومعبد … أو أشعب وأبو دلامه
أينَ الألى هاموا بسعدي … أو بثينَة أو أمامه
وبَكوا لفرط جواهم … والليلُ قَد أرخى ظَلامه
وتَتَبّعوا آثارَ مَن … عَشَقوا بِنَجدٍ أو تهامه
стр. 8547
وتَعَلّلوا، والشَوقُ يَغلِبُ … بالأراكةِ والبِشامَه
وسَقاتها المتَلاعِبونَ بلَب … مَن أعطوهُ جامه
مِن كلِّ أهيفٍ يزدري … بالغصنِ إن يَهزز قِوامه
ذي غَرَّةٍ لألاؤها … يمحو عَنِ النادي ظَلامَه
فالشمسُ في أزرارِه … والبدرُ في يَدِهِ قَلامَه
يصمي القلوبُ إذا رَمى … عَن قوسٍ حاجِبَهُ سِهامَه
وَيَروقُ حَسَناً إن رَنا … وَيَفوقُ آراماً بِرامه
ثم يشكو صروف الدهر وفجائعه بفخر الأدب (ذي الوزارتين لسان الدين بن الخطيب):
راعَت صروفُ الدّهرِ دو … لته، وما راعَت ذمامه
حتى ثَوى إثرُ التَوى … في حفرَةٍ نثِرَت عِظامه
مَن زارها في أرض (فا … س) أذهَبَت شَجوا منامه
إذ نَبهَته لِكلّ شَملٍ … شَتّتَ الموتُ التئامه
هذا لِسانُ الدينِ أسكَتَهُ … وأسكَنَهُ رجامه
ومَحا عِبارَتِه فمَن … حَياهُ لَم يردد سَلامه
فَكَأنّهُ ما أمسَكَ ال … قَلَم المطاع ولا حسامه
وَكَأنّه لَم يعلُ مَت … ن مطهم باري النَعامَه
وَكَأنّهُ لَم يرق غا … رب الاعتزاز ولا سنامه
. . . مذ فارَقَ الدنيا وقَو … م ض عن مَنازِلَها خِيامه
أمسى بِقَبر مفرَداً … والتربُ قَد جَمَعَت عِظامه
مِن بَعدِ تَثنِية الوزا … رة، جاده صَوبُ الغَمامه
لَم يَبقَ إلا ذِكرُهُ … كالزهرِ مفتَرِ الكمامه
- ٤ -
وله في الشعر المنثور رسائل بليغة، ومساجلات أدبية رائقة؛ ويكفي أن نلقي نظرة على كتابه الحافل (نفح الطيب) الذي هو سجل لألوان الأدب الأندلسي، وديوان لأخبارهم وطرائفهم، والذي تدين له العروبة والتاريخ والأدب والفن بأكبر الفضل في جمع أشتاتها،
стр. 8548
ونظم متناثرها، فخلد بعمله ذاك صوراً حية من الحضارة الأندلسية، ومدنية العرب في أوربا (من مطلع فجرها حتى مغرب شمسها)!. . .
وإليك ما يقول في وصف البحر حين نزوحه عن مسقط رأسه إلى ديار الشرق والحجاز:
(. . . ثم جد بنا السير في البر أياماً، ونأينا عن الأوطان التي أطنبنا في الحديث حبالها وهياماً، وكنا عن تفاعيل فضلها نياماً، إلى أن ركبنا البحر، وحللنا منه بين السحر والنحر، وشاهدنا من أهواله، وتنافي أحوالها، مالا يعبر عنه، ولا يبلغ له كنة. فكم استقبلتنا أمواجه بوجوه بواسر، وطارت إلينا من شراعه عقبان كواسر، قد أزعجتها أكف الرياح من وكرها، كما نبهت اللجج من كسرها، فلم تبق شيئاً من قوتها ومكرها، فسمعنا للجبال صفيراً، وللرياح دوياً عظيماً وزفيراً، وتيقناً أنا لا نجد من ذلك إلا فضل الله مجيراً، وإذا مسّكم الضر في البحر ضلّ ما تدعون إلا إيّاه، وأيّسنا من الحياة لصوت تلك العواصف والمياه، فلا حيا الله ذلك الهول المزعج ولا بياه، والموج يصفق لسماع أصوات الرياح فيطرب بل ويضطرب، فكأنه من كأس الجنون يشرب أو شرب، فيبتعد أو يقترب، وفرقه تلتطم وتصطفق، وتختلف ولا تكاد تتفق، فتخال الجو يأخذ بنواصيها، وتجذبها أيديه من قواصيها، حتى كاد سطح الأرض يكشف من خلالها، وعنان السحب يخطف في استقلالها، وقد أشرفت النفوس على التلف من خوفها واعتلالها، وأذنت الأحوال بعد انتظامها باختلالها، وساءت الظنون، وتراءت في صورها المنون،. . . . ونحن قعود، كدود على عود، ما بين فرادى وأزواج، وقد نبت بنا من القلق أمكنتنا، وخرست من الفرق ألسنتنا، وتوهمنا إنه ليس في الوجود، أغوار ولا نجود، إلا السماء والماء، وذلك السفين، ومن في قبر جوفه دفين، مع ترقب هجوم العدو، في الرواح والغدو، لاجتيازه على عدة من بلاد العدو. . لاسيما مالطا الملعونة، التي يتحقق من خلص من معرتها أنه أمد بتأييد إلهي ومعونة. فقد اعترضت في لهوات البحر الشامي شجا. وقل من ركبه فأفلت من كيدها ونجا،. . . وتشتت أفكارنا فرقا، وذبنا أسى وندماً وفرقا، إذ البحر وحده لا كميّ يقارعه، ولا قويّ يصارعه، ولا شكل يضارعه؛ لا يؤمن على كل حال، ولا يفرق بين عاطل وحال، ولا بين أعزل وشاكي، ومتباكي وباكي، فكيف وقد انظمّ إليه خوف العدو الغادر الخائن، إلى أن قضى الله بالنجاة وكل ما أراد فهو الكائن.) إلى أن يقول: (فترى الأنفاس
стр. 8549
تعثر في زفرة الأشواق، والأجسام قد زرت عليها من التعب الأطواق، وتساوي في السير نهار مشرق، وليل مقمر أو داج. . ثم وصلنا بعد خوض بحار، يدهش فيها الفكر ويحار، وجوب فياف مجاهل، يضل فيها القطا عن المناهل، إلى (مصر) المحروسة فشفينا برؤيتها من الأوجاع، وشاهدنا كثيراً من محاسنها التي تعجز عن وصفها القوافي والأسجاع، وتمثلنا في بدائعها التي لا نستوفيها، بقول ابن ناهض فيها:
شاطئُ مصر جَنّة … ما مِثلها في بَلَد
لا سيما مذ زخرِفَت … بِنَيلِها المطرد
وللرِياحِ فَوقِه … سَوابِغُ من زرد
مَسرودَة ما مَسَّها … داودَها بِمبرد
سائلة، وَهوَ بها … يَرعدُ عاري الجسد
والفلكُ كالأفلاكِ بي … ن حادر ومصعد
- ٥ -
وبعد فلعل هذه الكلمة تكون حافزاً لأدباء العرب إلى دراسة هذا الأديب الكبير والاهتمام بآثاره القيمة، وتوفيها حقها من البحث والاستنتاج، ومن هاتيك الخدمة إعادة طبع كتابيه الكبيرين (نفح الطيب) و (أزهار الرياض) في شكل يلائم قيمتها الأدبية والتاريخية مع مراجعتها على الأصول وتتميم النقص الذي بهما
(فاس)
عبد الهادي الشرايبي
стр. 8550
أجدّ ' وأمزح
اندفاعات
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
أنا ما بَرِحتُ ولا أراني أبرَح … بينَ الضلالةِ والهدى أترَجّح
طوراً بإبليسِ المسوّسِ أقتَدي … طَرِباً وطوراً للإله أُسَبّح
إنّي أرى إن السلامة في التّقى … لَو كانَ شَيطاني بذلكَ يَسمَح
إبليسُ يغويني فإن لم يهدني … رَبّي فإنّ به مَصابي يفدح
وإذا استقرت في الحياة عَقيدَة … يوماً فبالبِرهانِ لا تتزَحزَح
في الشكِّ وَخز واليَقينِ قناعَة … فانظر لأيّ المَسلَكَينِ ترَجّح
لم أطمَئِنّ إلى الحياة فإنها … عبء وتحتَ العِبءِ ناس ترزح
تَبكي اليتامى ثمّ إنّي لا أرى … لِدموعهم مَذروفة مَن يمسَح
سألَ القطيع المالكيه راعياً … فأجيبُ هاكَ الذئبُ فهو الأصلح
إن كانَ في ذِكرِ الحقيقة جَهرةً … قبح فكتمان الحقيقةِ أقبَح
مَن لي بصبحِ أهتدي في ضوئِهِ … فالليلُ داج والكواكبُ جنّح
ما كلُّ أقوالي بَناتُ عقيدَتي … إني لفي شِعري أجد وأمزح
وإذا ذَمَمتُ فلا أذمّ سوى الذي … يأتي من الأفعالِ ما استقبح
إنّا بعهدٍ للعروبةِ حاجة … فيه لإصلاح وأين المصلِح
لم يَكتبُ الله البَقاءُ بأرضهِ … إلا لمن هو للوغى يتسلّح
أمّا الطبيعةُ فهي خَرساء إذا … ساءلتها عن أمرها لا تفصح
ما زالَ هذا الكونُسِرّاً غامِضاً … ولَعَلّ ما هوَ غامِض يتوَضّح
إن الحياةَ رواية قد أحسنوا … تمثيلها والأرضُ نِعمَ المَسرَح
دهري تربّاني ودهري هَدّني … أأذمّ دهري أم لدهري أمدَح
ذهبَ الشبابُ مخلّفاً أغلاطهِ … ووددت لو أن المشيبُ يصَحّح
عمر بمختلف الحوادثِ حافل … وَليّ فما للنفس فيه مَطمح
قد ذقتُ حلوَ العيشِ فيه ومرّه … وخلت يدي حينا وكانت تطفح
стр. 8551
كم بائسٍ يطوي سجلّ حياته … يأساً كما يتطوّح المتطوّح
وأرى الكآبَة للسرورِ ذريعةً … من لا يلاقي غَمّةً لا يفرح
قد كنتُ في عهدٍ مضت أيامهُ … أمسي على ضوءٍ كأني أصبِح
لم امتدحُ عهد الشبابِ وطبيهِ … حتى علتني كبرة لا تمدح
بقيت بنفسي في الحياةِ لبانة … أدنو إليها وهيَ عنّي تنزح
في الصبحِ غرّد يا هزار فإنما … قبل الصباحِ الوردُ لا يتفتّح
وأشممهُ وألثم ثغرهِ قبل الضحى … فالورد إن جاَء الضحى يتصوّح
صاحَ الغرابُ على كراهة صوتِهِ … في الروضِ واختارَ الصّموتَ الصيدح
ودّوا لو إني قد جنحت عنِ الهوى … في كبرتي لكنني لا أجنح
إن كنت ' شيخاً قد كَبرتُ عن الصّبا … فالقلبُ لم يكبرُ وروحي تمرح
شقّوا فؤادي وانزَعوا منه الهوى … ولعلّها عملّية لا تنجح
إني بأوطاني التي أحبَبتها … بالشعرِ للآتي البعيد ألوح
يا حبّذا لو إنّ روحي بعدما … تلقي المنييّة في المجرةِ تسبح
(بغداد)
جميل صدقي الزهاوي
стр. 8552
فصول ملخصة عن الفلسفة الألمانية
١١ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانية
فرديريك نيتشه
للأستاذ خليل هنداوي
- ٢ -
وهنالك علاقته مع المرأة تبدي ناحية من نواحي نفسه، فقد زعم أناس إن نيتشه كان يذهب مع المرأة مذهب معلمه (شوينهاور) كاره المرأة، ويستشهدون على ذلك بقوله: (أيها الذاهب إلى المرأة! لا تنس عصاك وسوطك) ولكن هذا الحكم يسهل نقضه على المدقق في تعاليم نيتشه، فالمرأة التي طعنها نيتشه في الصميم هي المرأة المترجّلة التي تريد أن تزاحم الرجل في علمه وجهاده واقتصاده، أما غير هذه المرأة فهو مقدر لها محترم لفضلها، مقدس لمعنى المرأة فيها؛ ولقد كان له من هنّ صديقات وصاحبات فضليات، وهو - وإن لم يتذوّق من امرأة ذلك الهوى العاصف والحب اللاعج فقد تذوّق عطفها الرقيق وعاطفتها الخالصة. وقد ذكرت شقيقته في مذكراتها (إن أخاها كان يجهل الحب العادي. . . وإنما كان همه الشاغل له التفتيش عن الحقيقة). على إن هذا الفيلسوف السئم (المنطوي على نفسه) الذي لم يستسلم للأهواء المصطخبة والميول الملتهبة، قد تذوّق في أيام نكبته من عطف المرأة ما لم ينعم بمثله إلا قليل. . . فهو صاحب مثل أعلى في الحب كما كان في الصداقة
وهنالك نشأته المدرسية فقد دلّت على طبعه (الأرستقراطي) الذي ينفر من كل شيء مبتذل شائع، ولا يميل إلا إلى كل جميل لامع، وطبعه هذا هو الذي حمله على اعتزال رفاقه الذين يدرسون معه، وذوقه هذا الجانح إلى محبة الأشكال الجميلة هفا به إلى عشق الجمال القديم وحب العبقرية الفرنسية الغابرة والحاضرة. ونفوره هذا من السوقة والعامة جعله ينفر من المسيحية، ويصفها ويصف أصحابها ورسلها وصفاً قاسياً، ويكره كل المبادئ التي تبشّر بها الديمقراطية والإنسانية الاشتراكية. وكل تعاليمه الأخلاقية إنما تؤول إلى هذه الغاية: (هل هذه العاطفة شريفة أو غير شريفة؟) ولعلّ نيتشه كان يمثّل نفسه الجبارة في
стр. 8553
هذه الكلمة التي يرددها (زرادشت) حين يقول: (تسألونني لماذا؟ أنا لست ممن يسألون حين يعملون لماذا؟) وهذه صفة نفس لا تعتمد إلا على إرادتها، تحتمل الألم وتصدمه ثم تهزمه، وتقابل القدر وتعلن سيادتها عليه
أطوار حياته
كان هوى نيتشه الراسخ في صدره هو العثور على الحقيقة، فلننظر أي طريق ركب إليها، وما هي الدوافع التي هيمنت عليه؟
كان نيتشه يمت بنسب قوي إلى أسرة مغرقة في دينها، متشددة متعصبة، مع ميل إلى الدراسة العلمية، قرن والده العلم إلى الدين؛ وما كان لنيتشه أن يبدل هذا السبيل الذي اختاره له والده واختارته طبيعته، وقد عرفه أصدقاء حداثته مغالياً في دينه وفي تقواه، ولا عجب إذا أطلقوا علي - وهو في السادسة من عمره - أسم العابد الصغير؛ حتى إذا ما أتم دراسته الأولى خرج إلى الحياة وهو لا يزال يفكر في ربّه، ولا يفكر بنعمته، ولا يجحد وجوده. وما هي إلا أعوام كرت حتى أخذ يرتاب في الدين الملاصق للعلم، لأن ما في الدين من إيمان لا يلائم في رأيه ما في العلم من حرية وانطلاق! وهو عندما يعمل على درس الطبيعة والتاريخ متوخياً الحقيقة من وراء دراساته يجد في عمله هذا ما يسمح له بأن يكون طليقاً حراً لا يسترقه شيء. ومنذ ذلك الحين بدأ يطمع في الحقيقة العلمية التي يقتفي أثرها فكره الضائع دون أن يفقد الله الساكن في أحناء صدره. ولكن ناشد الحقيقة العلمية لا يتسنى له أن يوفق زمناً طويلاً بين حقيقته المنشودة وبين إيمانه الموروث. فهما حقيقتان متضادتان، إذا تلائمتا في أول الطريق فنزاعهما حقيق في وسطه، وإذا توافقتا في وسطه فالخلاف ناشب في منتهاه. وهاهو ذا نيتشه يفصل الآن بين هاتين الحقيقتين، ويكتب عام ١٨٦٢ تجربة فلسفية على القدر والتاريخ، يحدثنا إنه قاس بعقله (أوقيانوس الأفكار الواسع، وهم بأن يجازف بنفسه في بحر الشك، ولكنه وجد إن مجازفة مثل روحه الضعيفة تجاربها ضرب من الجنون وهي لا تملك عدة، ولا تحمل سلاحاً) ومنذ تلك اللحظة ألقى إن الديانة المسيحية مبنية على افتراضات وهمية. إما وجود الله والخلود والوحي فستبقى جميعها مسائل لا حل لها. (إنني جربت أن أكفر بكل هذا، وما أيسر الهدم! ولكن الهدم يستلزم البناء. . . على إن الهدم والتخريب هما أصعب مما تتمثله عقولنا، فنحن في
стр. 8554
الحقيقة لا نعيش لأنفسنا ولا نملك أنفسنا وقفاً علينا. فهناك أوهام الطفولة وأساطيرها تحتل مكاناً منا، وهناك تعاليم الآباء والمعلمين تؤثر فينا، وكلها عوامل مترابطة متلاحمة لا يسهل على العقل أن يخترق سياجها، ولا يمكن المنطق أن يقوم اعوجاجها.
إن قوة العادة المتوارثة وتسامينا إلى الكمال وانفصالنا عن العالم الحالي، وحل كل عقد المجتمع، والشك في حقائق الوجود، كلها نوازع تتنازعنا وتملك علينا إرادتنا، والنكبات المفجعة، والتجارب المؤلمة، هي التي تسوق قلوبنا إلى الإيمان الذي ولد مع طفولتنا، وصاحب حداثتنا)
وبعد ثلاثة أعوام ألقينا (نيتشة) يخطو خطوته الأخيرة، ويعلن إن الإنسان بين حالتين لا ثالث لهما: فهو إما أن ينتخب الإيمان وما في الإيمان من هدوء ووقار واستقرار، وإما أن يمشي على طريق محفوفة بالأخطار: هي طريق الباحثين عن الحقيقة، الذين لا يتّخذون الهدوء والسكينة مأرباً لهم، وإنما يجدون مأربهم في نجدان الحقيقة. يمشي الباحث منهم وحده مضطرب النفس قلق الضمير، ممزق القلب، نحو ضالّته المقصودة، نحو ما يتجلى له من حق وجمال وخير، وهو إذا غادر طريق الباحثين ورضى لنفسه ذلك الهدوء فقد قتل البطولة في نفسه، وحكم على رجولته بالموت.
انفصل (نيتشه) عن المسيحية التي كان يؤمن بها قبل عهد الانفصال إيمانه بشيء رمزي قائم على قواعد رمزية، شأن الحقائق السامية تكون رموزاً لحقائق أسمى منها وأعلى. وظل يدرك خطر العمل الذي أقدم عليه، ويتكلّم في كل فصوله (عن موت الآلهة) كأن موته - عنده - حادث عظيم في تاريخ البشرية أو عمل نفّذ اليوم أوله والأجيال الآتية ستتممه. ولكن (نيتشه) اعدم هذه الآلهة ليبعث إله الحقيقة. (هذا الإله (الأدبي)، قد مات ليعيش الإله العلمي) وهكذا حمله حنينه الهاجع في أحناء نفسه للدين إلى الإيمان بآلهة الحقيقة. وعندما وجد نفسه يتنازعها إلهان سلطانهما نافذ: الإله الذي ورثه، والإله الذي لقيه، رأى أن يضحي بالأول ويبقى على الثاني. وهذا الإله هو الذي يسيطر وحده على كل تعاليم نيتشه ومبادئه، ولم يعش مع إلهه هذا كما يعيش أولئك مع آلهتهم مستسلمين قانعين بما نزل على قلوبهم من برد اليقين، فهو يهب عاملاً على تحطيم كل عمارة مشيدة على الإيمان بذلك الإله الأول، وهو - الآن - لم يعد يؤمن بنظام الطبيعة ولا بجمالها. ولا يميل إلى
стр. 8555
محاسنها، ولم يعد يرى في صفحات التاريخ ذلك القضاء الإلهي والنظام السماوي الذين يقودان الإنسانية إلى مرابعها التي خلقت لها، ولم يعد يستسلم لذلك القدر الذي يذهب بحياتنا ما يشاء، ولا لتلك الإرادة الإلهية التي تود أن تهدينا إلى سبيل النجاة والسلام.
بحث (نيتشه) جميع الأديان والشرائع منذ العصور الأولى والمذاهب التي نزلت لتخرج الناس من الظلمات إلى النور. وبعد أن شكك في هذه المذاهب وارتاب في حقائقها وأغرق في الإنكار عاد إلى هذه الفكرة التي قالها جازماً، وزعم إنه بهذه الفكرة حلّ مسألة الوجود: (إلا أن الآلهة جميعهم قد ماتوا! والآن نريد أن يحيا الإنسان الكامل. . السوبرمان) وهكذا أضاع نيتشه إلهه ووجد نفس.
بحث الناقدون كثيراً في فكرة نيتشه التي كانت تتطور وتتبدل تبعاً لما يحيط بحياته. وهو قبل بلوغه هذا المرفأ خاض بحاراً كثيرة وجاز شواطئ كثيرة. وقد أدرك بذاته تطور ذاته فشبه نفسه بالأفعى التي تنسلخ من جلدها أو النسر الذي ينسل ريشه. والحياة - عنده - ليست بواجب يلقى ولا بعمل يفرض ولا بوهم يحسب، وإنما هي مادة شأنها شأن المواد التي تقع بين يدي الباحث. وكان ينظر نفسه كالمتنقل بدون انتهاء. همّه النضال تهذبه انكساراته تهذبه كما انتصاراته، أو كالقافز بين الصخور يكاد يذهب بنفسه ضحية على رؤوس الصخور الشاهقة. وهو - بلا كلل ولا فتور - يصعد من عال إلى أعلى، ومن قمّة إلى قمّة، مبدّلاً كل لحظة أفقه عازما على ألا يقف أبداً ولا ينثني أبداً. رداؤه الشجاعة والصرامة، لا يروعه البرد ولا تخيفه الهاوية. ولا يجزع من العزلة التي يتنفس فيها ريح الثلج المنهمر. . . هو دائما في صعود وارتقاء. وهكذا يعتقد نيتشه الذي فهم الحياة إنها تفوق بعضها على بعض؛ يعتقد إن التطور لا غنى عنه، ولا بدّ منه لأنه مادة ضرورية في تحول الحياة. يعتقد نيتشه ذلك ويدأب على أن يوفق بين حياته وإرادته مع هذا المثل الذي اعتقد به، وقد كان توفيقاً كاملاً وكان تلائماً كاملاً، وصارت مسألته في الحياة هذه المسألة: (ما عسى يكون عندي معنى الحياة إذ لم يكن إله؟) ويجيب على هذه المسالة بهذه الكلمة: (إن اللاشخصية ليس لها قيمة على الأرض ولا في السماء. إن الحب الأكبر هو جوهر ضروري وجوده في كل مساء الوجود الكبرى. وهذا الحب وحده جدير بالأرواح القوية النشيطة ذات اليقين الراسخ. هنالك فرق كبير بين المفكر الذي يقابل مسائل الوجود
стр. 8556
بشخصيته، يرى فيها قدره وفاقته كما يرى فيها سعادته، وبين المفكر الذي يتوجه إليها مجرّداً عن شخصيته. لا يعرف أن يلمسها إلا بفكره البارد الغريب. إن هذا المفكر لا يستطيع أن يلمس شيئاً. وهب أن مسائل الوجود قد أمكن لمسها فلن يقدر للضفادع أن تلمسها ولا للدجاج المسترخية أن تحسها. .
ونيتشه وجد في المسألة الكبرى شقاءه وسعادته. وقد ناضلها بدون ضعف ولا هوادة، ونازلها جسداً لجسد دون أن ينفذ إلى قلبه الوهن. حتى إذا أصابه الجنون وقضى على شعوره أعلن نشيد الانتصار. أو ليس هذا بعد ذلك كله قدراً جميلاً بين الأقدار؟
(يتبع)
خليل هنداوي
стр. 8557
القصص
من أساطير الأغريق
مجازفات هِرَ قل
للأستاذ دريني خشبة
١ - إلى غابة نيميا
كانت الغابة تثير الرعب في قلوب الجن، وكانت الظلمات تضرب في أنحائها فتجعلها تيهاً يعج بالأفاعي، ويضج بالتنانين
وكان ملكها الضرغامة يربض في المغارة المفزعة، المنشقة كالقبر في أول الطريق المؤدي إليها؛ وكان يخرج في أول الليل فيصول في القرى المجاورة ويجول؛ وكان الأهلون التعساء يلقون من بطشه وشدة أذاه الشيء الكثير؛ فلم يكن يبقى على دابة في الأرض، ولا إنسان في الطريق. ينقض كالقضاء على فريسته فيجندلها، ثم يحتملها إلى كهفه فيلتهم منها، وينبذ الباقي لخدمه وعبيده الكثيرين من سائر السباع
ولم يكن كهذه الأسود الضئيلة التي يتحدث عنها السودان هذه الأيام، بل كان أسداً في جرم الفيل وقوته، ورشاقة النمر وخفته، وخباثة الثعلب وحيلته. . . يثور فينقدح الشرر من مقلتيه، وتمور الأرض وتسجد الجبال بين يديه. وكانت له لبدة نسجتها له الآلهة من أشواك الجحيم، وبطنّها بحمّى المنية!
وكان زئيره يقصف كالرعد فيزلزل شعاف الجبل؛ ويهز جوانب السماء، ويهيج الجنون والفزع في رؤوس الوحوش، فترى إلى الغابة كأنها ترقص على فوهة بركان!!
ولقى هرقل أصدقاءه فنصحوا له ألا يلقى هذا الأسد، وأن يضنّ بشبابه. . . على أنيابه؛ وبماء الحياة المتدفق في بردتيه، على جمر الغضى المتأجج في حدقتيه. . .
ولكنه أبى!! وانطلق كالعاصفة إلى حيث يربض أبو أسامة. . . وإنه لعلى خطوات من الكهف، وإنه لينظر إلى السيف الذي كان إلى هذه اللحظة في يمينه فلا يجده!!
(أين؟ أين سيفي؟. . . آه! ها ها. . . لقد سرقته حيرا!! أرادت الخبيثة أن تجردني من السلاح الذي أنازل به خصمي! خاب فألك يا حيرا!! سأنازله بغير ما سلاح. . . سأحطمه.
стр. 8558
سأشدّ لسانه حتى أنتزعه من غلاصمه. . . إليّ يا سبع نيميا. . . إليّ يا ملك الغابة وسيد وحوشها. . . الساعة ساعتك. . . لا مفر لك يا أبا لبدة!. . . . . . . . .)
وطفق هرقل يرعد كالمجنون؛ وكان سبع نيميا نائماً فاستيقض على هذه الصيحات الداويات، ووثب وثبة هائلة كان بها أمام هرقل، وجهاً لوجه. . .
وبدأت الزوبعة. . .
والتقى الجبل بالجبل، وتصارع الجبّاران ساعة، لا هذا ينال من ذاك، ولا ذاك يصل إلى وطر من هذا. . . وأقبلت وحوش الغابة تشهد المعركة وتتعجب. . . وغضب أبو أسامة، وهالة ألا يقوى على رجل بمفرده يكاد يصرعه. . .
وتعب هرقل. . . ونال منه الجهد، ورأى أن لا بد من آلة، فدار دورة اقترب بها من شجرة باسقة، فانتزعها، وألقى بجذعها في شدقي الأسد، ثم أسرع فقبض على لسانه العظيم فانتزعه، وانقذف الدم يتدفق من هنا وهناك. . . وتسيل به أودية الأرض!!
وكأن نشوة الظفر قد ضاعفت قوة هرقل، فقبض على فكّي الأسد، وشدّ على الرأس الكبير فتحطّمت عظام المخ، وخرّ ملك الغابة يتقلّب في لجة من دمه الغزير!.
وهمهمت الوحوش مشدوهة!
لقد قتل ملكها. . . فلا خوف عليها بعد اليوم! ستكون حرة طليقة، تجيء وتروح، وتقتات لنفسها غير منتظرة ما كان ينبذه لها أبو أسامه!! ونظر هرقل، فرأى سيفه وراء ظهره!!
لقد جاءت به حيرا بعد إذ شهدت من جبروت البطل ما بهرها وتناول السيف باسماً، ثم تقدم إلى الأسد فسلخ جلده الكبير، وأبقى على اللبدة الهائلة، وعاد أدراجه إلى يوريذوس، ملتفعاً دثاره الغريب الذي كان إلى لحظة قريبة يضم جثمان ملك الغابة وسيد وحوشها.
٢ - مع الأفعوان الهائل (هيدرا)
ولقي صديقه يولوس، وتحدث عما كان من أمره مع سبع نيميا، فأخذه العجب، ونذر ليصحبن هرقل في جميع مجازفاته.
ثم فصلا، وما كاد يفعلان حتى قابلهما رسول الملك برسالة تأمر هرقل بالتوجه إلى مستنقعات ليرنا حيث الأفعوان الأرقم هيدرا: (. . . فإذا لقيته ثمّة فعليك به، ولا تعودن إلا برأسه. فقد حدثنا من عرفه إنه لا يبقي على دابة ولا بهيمة، ولا يعفي من القتل أحداً. . .
стр. 8559
ونحن أرفق برعايانا من أن ندعهم فرائس لهذا الأفعوان. . .)
وانطلقا، حتى إذا كانا عند المستنقعات المترامية، شهد هرقل حيواناً ضخم الجثة فضيع المنظر، يتقلب فوق صفحة الماء المغطاة بزهرات اللوتس وأوراقه العريضة النامية. وأيقن إنه هيدرا، فتناول قوسه الكبيرة، وأرسل إلى الوحش سهماً يهيجه به، ليخرج من الماء، وليأخذ معه في نزال وقتال. . . وتم له ما أراد. وخرج هيدرا الفظيع يقلب رؤوسه السبعة.
ويقلب في كل فم لساناً طوله ذراعان، وبرزت أنيابه تنفث سمها الزعاف، وأرسلت العيون الصغيرة البراقة شررها، وشرع الفحيح المرعب يصم أذني هرقل وأذني صاحبه
وبدأت المعركة. . .
وامتشق هرقل سيفه الكبير المرهف، وبضربة قاضية أطاح رأساً من الرؤوس السبعة. . .
ولكن. . . يا للعجب!! لقد نبتت في لحظات قليلة، في مكان الرأس المقطوع، رؤوس سبعة أخرى، أخذت تنمو بسرعة فائقة، حتى أوشكت أن تساوي الرؤوس الكبيرة في حجمها. . .
وريع هرقل، وهتف بصاحبه يولوس قائلاً: (أوقد النار يا صاح، وأجج هذا الجذع فاكو به كل رأس يطيح. . . إنني أخشى أن ينبت لهيدرا ألف رأس!)
ونفخ في النار وأجج الجذع؛ وأخذ كلما طاح رأس كوى مكانه بالنار وحدث ما لم يكن بالحسبان. . . لقد أرسلت حيرا سرطانا بحرياً يعض قدما هرقل وهو يحارب هيدرا، تود بذلك لو تشغله فيستطيع الأفعوان الظفر بخصمها العنيد. . . ولكن هرقل تنبه للسرطان فوطأه، وسحق عظامه سحقاً وانتصر هرقل. . .
وطفق يغمس سهامه في دم الأفعوان ليسممها، حتى إذا أصابت رمية لم تفلتها من الموت. وعاد إلى يوريذوس ثملاً بخمرة النصر
٣ - ظبي سيرينيا
وأسقط في يد يوريذوس حين رأى هرقل يختال في بردة السبع ويتيه، وفي قبضته القوية رؤوس هيدرا هامدة خامدة
وكان في مقاطعة سيرينيا ظبي له قرنان من ذهب، وأيطلان من نحاس، وساقان من معدن ليس له فيما نعرف من المعادن من ضريب. وكان الملوك إذ أرادوا إعجاز أحد من الناس ليقتلوه، كلّفوه باقتفاء ظبي سيرينيا وإمساكه؛ فإن لم يفعل، ولن يستطيع أحد أن يفعل، لشدة
стр. 8560
عدو هذا الظبي، كان جزاءه القتل. وقد أراد ملك أرجوس أن يعجز هرقل هذه المرة، فأمره باقتفاء ظبي سيرينيا: (. . . فإن لم تعد إلينا به، فأنت أعلم بما ينتظرك من الموت الزؤام. . . .)
ولم يستطع هرقل أن يمسك الظبي، لأنه كان يعدو كزوبعة، فما تكاد حوافره تلمس الأرض إلا كما تلمس السماء كف سكران، فلجأ إلى الحيلة؛ واحتفر في طريق الحيوان حفرة عميقة غطّاها بوشائج رقيقة من الثلج، وطارد الظبي حتى ألجأه إلى الحفرة، ووقع فيها، فنزل إليه واحتمله، ومضى به إلى الملك الغاشم
٤ - خنزير أرمنثيا
ثم أمره بقتل خنزير بري مخرب، كان يأوي إلى غابات أرمنثيا، ويقطع الطريق على القبائل الرحل، ويقتل كل من تحدثه نفسه بمحاربته أو الوقوف معه في ميدان. وكان ذلك الخنزير لا يبالي شيئاً في الأرض أو في السماء، وكانت بينه وبين قبائل السنتور مودّة في الشر، وتحالف على إيذاء الناس. فلما اشتبك هرقل وإياه في نزال تشيب من هوله الولدان، وشعر الخنزير إنه مقضي عليه لا محال، خار خواراً عالياً يستنجد حلفاؤه السنتور، ولكنهم لم يصلوا إلى مكان المعركة إلا بعد أن أجهز هرقل على خنزيرهم العزيز، فنشب قتال مروع بينهما، وأخذ هرقل البطل يسدد سهامه التي كان قد غمسها في دم هيدرا، إلى صدور أعدائه حتى كادوا يبيدون جميعاً. وأقبل شيرون - وهو كما علمنا مؤدّب هرقل وأستاذه - ليحسم النزاع بين قبيله وبين تلميذه، ولكن وا أسفاه! لقد أصماه هرقل بسهم مسموم فأراده وهو لا يعرفه! فلما أدرك إنه أستاذه، أقبل عليه، وعنى به، وجمع من الأعشاب الطبية ما حسب إنه ينقذ أستاذه من براثن الموت، ولكن بلا جدوى! ومات شيرون، وأهوى عليه هرقل يقبله، وفي عينيه دموع المحبة والاعزاز
وتعاون هرقل ومن بقي من السنتور فدفنوا القتلى، ثم أقاموا قبراً مشيّداً دفنوا في ثراه شيرون، ومضى كل لطّيته. .
٥ - زرائب أوجياس ملك اليس
كان ملك أوجياس، ملك إليس، يقتني عدداً عظيماً من الماشية والخيل والغنم، تزدحم في
стр. 8561
زرائب متجاورة مع آلاف من الخنازير مؤلفة. وكانت النظافة في هذه الزرائب مهملة إهمالاً تاماً، حتى لكانت الروائح الخبيثة تنتشر منها فتصدم أنف عابر السبيل على فرسخ أو فرسخين، وأنتن الروث فأحدث طاعوناً مروعاً أوشك أن يأتي على جميع الأهلين، وقرر الأطباء أن لا سبيل إلى مقاومته إلا إذا عنى بتنظيف زرائب الملك. . .
وعلم يوريذوس بما شغل بال صديقه ملك إليس، فابتسم ابتسامة صفراء، وقال لهرقل وهو يحدثه حديث السينتور:
(إذن فعليك أن تتوجه إلى صديقي أوجياس، ملك إليس، فتنظّف زرائبه مما بها من خبث، وتكون بذلك قد أديت خمساً من المسائل الاثنتي عشرة، التي كتبتها عليك الآلهة)
وامتعض هرقل في أعماقه وعبس عبوسة كادت تنفجر بالسخط على هذا المالك الغبي؛ ولكنه ذكر نصيحة أريتية، فصدع بالأمر، وذهب من فوره إلى إليس، ليرى كيف ينظف زرائب الملك. . .
وثمة، رأى مجرى عظيماً من الماء، يتدفق من الجبل الشاهق إلى يمين الزرائب وينحدر انحداراً شديداً حتى ينتهي إلى البحر؛ فبدا له أن يغير مجرى الماء؛ بحيث ينصب في الزرائب نفسها، فيكتسح الروث، وينجو الناس من هذا الرهق الشديد وأنقذ هرقل مدينة الملك وثروته وحياة الأهلين!
وحاول ملك إليس أن يستبقيه ليجزيه، ولكن هرقل أبى شاكراً، وقصد إلى يوريذوس يتلقى أوامره
٦ - عجل مينوس
وكان نيتيون إله البحار قد أهدى عجلاً جسداً لصديقه مينوس ملك كريد، كي يقدمه قربانا للآلهة في العيد الأكبر الذي يحتفل فيه بميلاد نيتيون؛ ولكن العجل راق مينوس الملك فانتقى من عجوله أحسنها، وضحّى به مكان هذا العجل الإلهي السمين، واستبقى لنفسه هدية الإله وغضب نيتيون، وأقسم ليكونن هذا العجل نقمة على مينوس وقومه، فسخّر عليه طائفاً من الجنون، فطفق العجل يخرّب ويدمّر، ويقتّل الناس تقتيلا. . .
وعلم يوريذوس بما كان من مصيبة صديقه ملك كريد في عجله، فلما قدم هرقل أرسله ليقتل العجل، أو على الأقل ليقيده فيرتفع عن الناس أذاه. . .
стр. 8562
وأبحر هرقل، ولقيه مينوس فرحاً متهللاً، وذهب من فوره لينازل العجل، فكانت معمعة وكانت حرب عوان! لقد كان هرقل يحمل العجل فيرفعه، فيخبط به الأرض فتندك، مع ذاك ما استطاع أن يقتله! وأخيراً اكتفى بأن صفّده بسلاسل وأغلال، وعاد أدراجه إلى أرجوس، وودعته كريد كلها
(لها بقية)
دريني خشية
стр. 8563
من الأدب الإيطالي
الليالي العشر
ترجمة الأديب أحمد الطاهر
٤
قصة زوجة صبور
جريزلدا
(النساء لا يقمن على العهد، ولا يثبتن على الولاء) ذلك ما يقوله الرجال وما يعتقدون. ولكن هذه القصة التي سأذكر تنقض هذا الرأي وتدل على ولاء المرأة مع غلظة الرجل، وثباتها مع جفوته، وما أحسبكم إلا تشتهون سماع هذه القصة:
جالتيري كان أميراً على دوقية سالوزو، وكان من زعماء الرأي الظالم للمرأة، لا يؤمن بوفائها ولا يثق بإخلاصها. وحال هذا الرأي بينه وبين الزواج، فصد عنه، وانصرف إلى صيد الوحش واقتناص الطير، يجد في ذلك ملهاة ولذة وسلوه. ولكن رعية هذا الأمير كانت مشفقة على البلاد أن يموت أميرها وليس ورائه من يجلس على العرش، وذهب مسعاهم في حمله على الزواج أدراج الرياح، واتخذوا له كل وسيلة فلم يزد إلا صداً ونفوراً
قال الملأ من قومه: (إنا لنراك في وحدة وسأم شديد، وهذه أجمل فتياتنا نقدمها إليك راضين، وإنا لأمرك لمنتظرون) قال:
(لو كانت بي إلى الزواج رغبة لاخترت شريكتي في الحياة لنفسي، لا أكلفكم في ذلك عناء ونصبا، وهذه الفتاة التي تقدمون إليّ مهما يكن من شأنها في أصالة الحسب، وعزة النسب - أرفضها مع احترامي لقدرها، وإجلالي لشرفها؛ وإني لأحذركم عاقبة ما يقع بي من حسرة، وما أجد من غضاضة إذا حملتموني كرهاً على أن أتخذ زوجة لي لا أرضاها ولا أبغي السبيل إليها). وانصرف القوم خائبين نادمين
خرج هذا الأمير يوماً يدور حول قصره، فأبصر إحدى راعيات الغنم: فتاة بهية الطلعة،
стр. 8564
ساحرة الجمال، وكانت تحمل في جرتها ماء إلى منزل أبيها، فسألها: (ما اسمك أيتها الفتاة؟) قالت: (جريزلدا)، قال: (إنني يا فتاتي أبحث عن زوجة تشاطرني النعيم، فهل إذا اتخذتك زوجة لي تعملين على هناءتي ولا تعصين لي أمراً بالغاً ما يبلغ من الشدة دون أن يكون في صدرك حرج مما تؤمرين؟). قالت الفتاة: (نعم يا مولاي) وأرسل الأمير إلى المدينة رسولاً فأحضر للفتاة من الثياب أغلاها ومن الحلل أبهاها؛ وعقد على ناصيتها تاجاً من الزهر، وأركبها جواداً وسار بها إلى قصره، وأقام للزفاف ليلة كانت غرة في جبين الدهر، ودرة في تاج الليالي
وسكن الأمير إلى زوجه الصالحة فوجد في طبعها الهدوء والسكينة، وفي شمائلها العذوبة والطمأنينة، وألفاها رفيعة الحاشية كريمة الأخلاق حتى لقد رأى نفسه في الدنيا أكمل الناس سعادة وأتمهم توفيقاً. ولم يكن الشعب أقل سروراً بهذا الزواج. فقد تجلى حبهم وولاؤهم للأميرة وإكبارهم لأخلاقهم وصفاتها ودانوا لها بالمحبة وعقدوا لها القلوب على الولاء
ومضت الأشهر ثم وضعت الأميرة. ولكن وضعتها أنثى! وعادت إلى الأمير عقيدته العتيقة، ولعبت برأسه الهواجس وركبه الشيطان فصد عن سواء السبيل وقال في نفسه: (ما كان لهذه الفتاة أن تبغي عن سواء السبيل حولاً وهي في نعمة سابغة وهناء مقيم. فلو إنني أسأت إليها وبلوتها بشيء من الشدة والبأساء لبرزت طبيعتها الخبيثة وصدق رأيي في النساء)
واستدعاها إلى مجلسه. فلما مثلت بين يديه قال لها: (إن وضاعت أصلك وخسة منبتك كانتا سبباً لسخط الشعب واستيائه، وزاد هذا السخط إنك وضعت أنثى لا تصلح لأن أستخلفها على العرش)
قالت الأميرة: (مولاي! إني أعلم خسة منبتي وإنني أقل من أحط أوزاع الناس شأناً. وما هذه المنزلة التي رفعتني إليها إلا فضل لا أستحقه ونعمة لم أكن أتسامى إلى التطلع إليها. فاتخذ معي فيما بيني وبينك من شأن ما يزكو بشرفك ويرضى نفسك غير آبه لإحساسي وشعوري، فما أنا من المنزلة بحيث أشغل بال مولاي أو أستحق رعايته) وانصرفت الأميرة المبتئسة وفيما هي مطرقة كاسفة البال إذ دخل عليها أحد وصفاء الأمير قال: (مولاتي: إنني بين أمرين أحدهما مر: إما الموت ينزل بي لا راد له ولا دافع، وإما أن آخذ
стр. 8565
منك ابنتك) وما كاد يتم رسالته حتى أدركت الأميرة أن الملك قد ساقه البغي إلى الأمر يقتل أبنتها. فنهضت إلى مهد الطفلة البريئة وقبلتها قبلة الوداع، وأسلمتها إلى الرسول في رفق وأسى والتياع، وفي العينين عبرات، وفي النفس حسرات، ولكن الأمير بعث بالطفلة إلى بولونيا أن كان له فيها أقرباء يقومون على تربيتها وتنشئتها
ومضت سنون والأميرة تحمل بين جنبيها فؤاداً كليماً ونفساً تتنزى ألماً، ولكنها لا تظهر الأمير على ما تحمل، ثم أدركت أنها أصبحت جفن سلاح فتعزت بعض العزاء، ثم وضعت غلاماً وحسبت أن الأمير ستهدأ ثورته، وتذهب عنه حدّته، وقد وضعت له ذكراً يرث العرش من بعده
ولكنه استدعاها مرة أخرى، وقال لها في غلظة وجفاء: (لقد أصبحت لا أطيق الصبر على ما ألقى بسببك من مذلة ومهانة يصبهما عليّ الشعب صباً. فلقد أثار سخطهم وألّبهم على أن رأوا هذا العرش الذي أجلس عليه وأحكم بسلطانه سيؤول بعدي إلى غلام ينتسب إلى رعاة الأغنام أهون الناس شأناًً وأقلهم مكاناً. ولقد تدبرت الأمر فلم أجد خيراً من أن أريح نفسي من هذا الغلام كما أرحتها من أخته) واقتطع الغلام من قلب أمه كما اقتطعت أخته من قبله
قالت الأميرة: (مولاي! لك الأمر وعلي الطاعة. ولا أحبّ إليّ من أن تعمل ما يشفي صدرك، ويضع الهمّ عن نفسك، ويحمل إليك السعادة بأوفى كيل، فما أجد سعادتي إلا حيث تجدها ولا تطمئن نفسي إلا حيث ترضى، وانكفأت إلى مقصورتها وقد بضع الهمّ من فؤادها بضعة
وبعث الأمير بالغلام إلى حيث كانت أخته
وشاع في الملأ أن الطفلين قد قتلا، واضطربت النفوس بالحقد على هذا الأمير الطاغي الذي غالى في الضلالة، وتبسط في الأثم، والعدوان، وأفعمت القلوب حباً وعطفاً على هذه الأميرة المنكودة التي صبرت حتى ملها الصبر، وبالغت في الرضا بالمذلة والهوان، ووصل صدى النفوس والقلوب إلى سمع الأميرة فأنكرت على الشعب أن يثور على مولاه، ودافعت عن مسلكه ما وسعها الجهد، على أن هذا كله لم يكن ليحمل الأمير على الثقة بولائها ووفائها وأربت سنو العشرة بين الأمير وزوجته على الستة عشر عاماً وهي تصابر القضاء، وتعاني البلاء. وبقدر ما أقامت على الصبر، كان الأمير يمعن في الغدر
стр. 8566
ثم أراد أن يبلوها مرة أخرى:
قال لها: (أيتها الأميرة: لقد عزمت على أن أتخذ لي زوجة غيرك، وسأردك إلى أهلك الذين نشأت بينهم، وإلى كوخك الذي درجت فيه، لتعودي إلى ما كنت فيه من بؤس وفاقة. فما يزكو بمن كان في مكاني من الشرف والعظمة أن تتسامى إلى الاقتران به فتاة وضيعة مثلك، وإني لواجد بين بنات الأشراف والنبلاء من تصلح لهذه المكانة العليا.)
قالت الأميرة وهي تكظم الغيظ وتحبس الدمع: (سمعاً وطاعة يا مولاي طبت نفساً ورضيت الطلاق مخرجاً)
ثم جاء الوصفاء وجردوها من فاخر الثياب وسني الحلل وألبسوها من الثياب رديماً قديماً وبعثوا بها إلى كوخ أبيها وأعلن الأمير أنه سيبني بابنة أحد النبلاء
ثم بعث إلى جريزلدا زوجه المشردة من قال لها: (إن الأمير على نجز الزفاف إلى عروسه النبيلة الجديدة، وهو في حاجة إلى فتاة تعد له مقاصير الزفاف والاستقبال، وتقوم على شؤون الوليمة والاحتفال. ولم يجد من هو أبصر منك بهذه الغاية وأقدر على هذا الشأن لسابق خبرتك بالقصر وما فيه، وهو يأمرك أن تعودي إلى القصر كخادم تعمل بضعة أيام تقوم فيها بما يحتاج إليه الزفاف من دعوة المدعوات، فإذا انتهيت من هذا الأمر تعودين إلى كوخ أبيك كما كنت فيه.)
هذه نصال تحز في قلب الفتاة حزاً، وتمزقه تمزيقاً، وهي لا تستطيع للبلاء رداً، ولا للأمر رفضاً. فسمعت وأطاعت وهي تكاد تنشق غيظاً وكمداً. ولم يكن هيناً عليها أن تنزل عن حب زوجها والوفاء له، وقد هان عليها أن تنزل عن النعيم الذي كانت فيه، والترف الذي تقلبت بين أعطافه وحواشيه
مضت إلى القصر في خفة ونشاط وعليها ثيابها البالية، وعملت مع الخدم في تنظيف المقاصير وإعدادها، ثم خلت إلى نفسها وأعدت الدعوات لسيدات البلاد ليشهدن العرس العظيم
وأقبل يوم الزفاف فاستقبلت المدعوات في ثيابها الخشنة، وابتسامتها الناعمة!
ثم مد سماط العشاء وأقبل الأمير وزوجه الجديدة وكانت بارعة الحسن رائعة الجمال. وأقبل عليها الناس رجالاً ونساءً يقدمون إليه وإلى الزوجة ولاؤهم وطاعتهم وإعجابهم، وطوعت
стр. 8567
لهم الزلفى أن يهنئوه على ما وفق إليه من استبدال زوجه الجديدة بزوجه القديمة
ثم نادى الأمير زوجه القديمة جريزلدا وقال لها في غير خجل ولا رعاية لإحساسها: (ماذا تقولين في زوجي الجديدة؟)
قالت: (مولاي! إني لأشعر لها بالحب من أعماق قلبي. وأرجو أن يكون نصيبها من رجحان العقل وسعة الإدراك بقدر نصيبها من الجمال. إذا تتم السعادة لمولاي الذي أتوسّل إليه بكل عزيز لديه ألا يكسر قلبها، وألا يثلم فؤادها، ولا يقرح كبدها، ولا يجرح عزتها، كما كان يفعل بزوجه القديمة. فهذه يا مولاي فتاة صغيرة نبتت في أعطاف النعمة، ودرجت في حواشي العز والترف، وأما أنا فقد تعودت منذ نشأتي شظف العيش وقسوة الدهر ونكد الحياة.)
قال الأمير وقد خلق الليلة خلقاً جديداً: (عفواً أيتها الفتاة وصفحاً جميلاً، لقد بلوتك في البأساء والضراء فما زادك بلائي إلا صبراً على البلاء، واعتصاماً بالولاء؛ ولقد كنت أحسب النساء لا يقمن على العهد ولا يدن بالصبر. وما صدفت عن هذا الرأي إلا بعد أن خبرتك فسلبتك سعادتك وهناءك: دعيني الليلة أرد عليك في لحظة واحدة هذه السعادة التي حرمتك إياها مدى ستة عشر عاماً: هذه الفتاة التي أحببتها الليلة والتي يحسبها الناس جميعاً زوجي الجديدة هي ابنتك وابنتي التي انتزعتها منك منذ كانت في المهد، وهذا الواقف إلى جوارها هو ابننا الذي حرمتك إياه رضيعاً. أقبلي يا زوجتي على ولديك وقبليهما ما وسعك الحب لهما.)
واستوت على الوجوه دهشة شادهة، ووجوم يشبه البله! ثم تقدم النساء إلى جريزلدا وقدنها إلى مقصورة فاخرة وألبسنها ثياباً لم يطل بينها وبينها العهد، وجلسن يحدثها في إكبار لقدرها وإجلال لنفسها
وأقيمت في القصر ليال غر، وشمل الفرح والسرور كافة الشعب، وطابت نفوس وقرت عيون
وبعث الأمير إلى والد جريزلدا وأتم نعمته عليه، فاقطعه من القصر جناحاً يقيم فيه، وعاش الأمير وزوجه الصبور، ووالدها الطيب، وولداها الطاهران في سعادة ونعيم، حتى فرق بينهم الدهر كما يفرق بين كل الأحياء.
стр. 8568
(عن الإنجليزية)
يوزباشي أحمد الطاهر
стр. 8569
البريد الأدبي
كتاب في تاريخ الإسلام: (فرسان الله)
أصدر الكاتبان الفرنسيان الأخوان جيروم وجان ثارو كتاباً بعنوان (فرسان الله) , هو الجزء الأول من كتب ثلاثة يزعمان إصدارها تحت عنوان (ألف يوم ويوم في تاريخ الإسلام)؛ وسيكون عنوان الجزء الثاني (حبوب الرمانة)، والثالث (الشعاع الأخضر). وسيعنى الكاتبان في هذه السلسلة بوصف أولئك الذين يسميانهم (فرسان الله) وهم المسلمون (أتباع محمد)، أولئك الذين حملوا راية الإسلام (إلى بلاد الكفر النائية)، وإلى (بحر الظلمات) (المحيط الأطلانطيقي)
ويحتوي الجزء الأول (فرسان الله) على تاريخ موجز لمكة وقت أن ولد بها (محمد بن عبد الله) (صلعم)، وموجز لتاريخ الدعوة الإسلامية والإسلام حتى قيام ملك الأدارسة بالمغرب الأقصى؛ وقد اظهر الكاتبان على رغم هذا الإيجاز، قوة في الوصف، ولا سيما حين استعرضا الدولة الأموية، ويتخذ هذا العرض صورة القصة. ولم يبرأ الكاتبان من ذلك التحامل الذي نراه مائلاً في كل تاريخ غربي يكتب عن نبي الإسلام
وللمؤلفين عناية خاصة بوصف نفسية الشعوب المغلوبة ولا سيما البربر، وكيف غلب عليهم (ذوق الوثنية) أحقاباً
الأستاذ محمد عبد الله عنان
قرر مجلس الوزراء تعيين صديقنا الكاتب المؤرخ والصحفي البارع الأستاذ محمد عبد الله عنان للعمل في قلم المطبوعات بعد إقراره على النظام الجديد. واختيار الأستاذ لهذا المنصب توفيق من الله يضمن اطراد الإصلاح والنجاح في هذا القلم بعد أن أصبح اختصاصه يتناول الإدارة والسياسة والصحافة والتاريخ. ويكاد الأستاذ عنان يكون بلغاته العربية والإنجليزية والألمانية والفرنسية حركة متصلة للإطلاع والبحث والتأليف والتحرير؛ فقد تخرج في مدرسة الحقوق الملكية سنة ١٩١٨، واشتغل بالمحاماة حيناً من الدهر، ثم عالج منذ سنة ١٩٢٤ التحرير في الصحافة السياسية والأدبية، وتوفر على دراسة التاريخ السياسي والمسائل الدولية، وعكف في أثناء ذلك على فقه التاريخ الإسلامي في مصر وإسبانيا، فألف: ديوان التحقيق والمحاكاة الكبرى؛ ومواقف حاسمة في تاريخ
стр. 8570
الإسلام، ومصر الإسلامية وتاريخ الخطط المصرية، وابن خلدون: حياته وتراثه الفكري، وتاريخ العرب في إسبانيا، وتاريخ الجمعيات السرية، وتاريخ المؤامرات السياسية، ذلك عدا المقالات القيمة والدراسات الممتعة في التاريخ والسياسة والأدب التي نشرها في (الرسالة) وفي غيرها من المجلات؛ وكلها تنم عن صبر شديد، وعقل سديد، وفهم ذكي، وثقافة شاملة. وإنا لنرجو أن يجد الأستاذ في عمله الجديد ما يساعده على المضي في خطته، ومواصلة هذا الجهاد المخلص في نفع أمته
عيد الأكاديمية الفرنسية
في يوم الاثنين ١٧ يونيه بدأ الاحتفال الرسمي الكبير بعيد الأكاديمية الفرنسية الثلاثمائة، وهو العيد الذي تقرر إحياؤه منذ شهر يناير الماضي، واستعدّت الحكومة الفرنسية، والأكاديمية وجميع الهيئات العلمية والأدبية لإحيائه بما يليق به العظمة والفخامة. وقد افتتح هذا الاحتفال بإقامة قدّاس رسمي في كنيسة نوتردام عن روح الكردينال ريشليو وزير لويس الثالث عشر ومؤسس هذه الهيئة الأدبية الخالدة؛ ثم أقيمت في عصر ذلك اليوم حفلة رسمية شائقة حضرها رئيس الجمهورية ورجال الحكومة، وأعضاء الأكاديمية ومائتا مندوب يمثلون مختلف الهيئات والمجامع العلمية في أنحاء العالم، (ومنهم رئيس مجمع اللغة العربية الملكي ممثلاً له)؛ وألقيت الخطب الرسمية المعتادة؛ وأقيمت في الأيام التالية حفلات رسمية أخرى
وقد سبق أن أتينا على تاريخ تلك الهيئة الأدبية الشهيرة التي تضم دائماً أربعين من (الخالدين) صفوة ما تخرجه عبقرية فرنسا الأدبية؛ وبينا كيف نشأت متواضعة جداً منذ ثلثمائة عام في منزل سيد يدعى فالنتان كونراد كان من أمناء لويس الثالث عشر، وكان أديباً يجمع حوله عدة من الأصدقاء الأدباء والشعراء، وكان ذلك في سنة ١٦٢٩؛ ولبث أولئك السادة يجتمعون من آن لآخر مدى خمسة أعوام، ويتجاذبون في اجتماعهم شتى المحادثات الأدبية، حتى علم الكردينال ريشيلو بخبرهم؛ ففكر في إخضاع هذه الجماعة الأدبية لنفوذه، وفي أن ينظمها ويجعل منها (أكاديمية)؛ وانتهى الأمر بأن صدرت الأوامر الملكية بإنشائها في يناير سنة ١٦٣٥، وصودق عليها من البرلمان في يوليو سنة ١٦٣٥
واستمرت (الأكاديمية) تنمو وتترعرع، وتجمع في سلكها أكابر النثر والشعر حتى كانت
стр. 8571
الثورة الفرنسية، فألغيت مع باقي الهيئات العلمية الأخرى في سنة ١٧٩٣، وأنشأ مكانها (المجمع العلمي الوطني)، وفي سنة ١٨٠٣ قسم هذا المجمع إلى أربعة أقسام منها (الأكاديمية الفرنسية) التي استردت اسمها الأصلي بعد ذلك في عهد لويس الثامن عشر (سنة ١٨١٦)، وقامت إلى جانبها (أكاديمية النقوش والآداب) و (أكاديمية العلوم) و (أكاديمية الفنون الجميلة). وفي سنة ١٨٣٢ أنشأت أكاديمية خامسة هي أكاديمية العلوم الأخلاقية
وهذه هي الفترة الوحيدة التي اعترضت حياة الأكاديمية الفرنسية وما زالت الأكاديمية تقوم خلال هذه القرون الثلاثة بدورها التاريخي في الأشراف على الآداب الفرنسية، وإن كانت مهمتها الأصلية التي حددت في الأوامر الملكية أن تشرف على (تحسين اللغة وتوسيعها)؛ وما زال الظفر بالانخراط في سلكها أسمى ما يطمح إليه كاتب أو شاعر، وما زال الانتماء إليها عنوان (الخلود)
ذكرى شومان أستاذ النقد الموسيقي
احتفلت الدوائر الفنية الألمانية في الثامن من يونيه الجاري بالذكرى الخامسة والعشرين بعد المائة لمولد الموسيقي الألماني الأشهر روبرت شومان، ونظمت لهذه المناسبة حفلات موسيقية عظيمة في أنحاء ألمانية عزفت فيها قطع شومان وأذاعت المحطات اللاسلكية مختارات موسيقية من آثاره في برلين وفينا. ويعرف شومان في عالم الموسيقى بأنه (روح الإبداع الموسيقي). وكان مولد شومان في زفيكاو من أعمال سكسونيا. ودرس الحقوق أولاً، ولكنه رغب عنها إلى دراسة الموسيقى. ودرس العزف على (البيانو) في ليبزج على يد فيكس وهو من أبرع أساتذة العصر؛ ولكنه أصيب بإصابة في يده اضطرته إلى ترك العزف والاشتغال بالتأليف الموسيقي؛ ودرس هذا الفن على دورن أولاً. وفي سنة ١٨٤٣ عيّن أستاذاً في معهد ليبزج، ثم عين بعد ذلك قائداً موسيقياً في دوسلدورف سنة ١٨٥٠، واستمر في هذا المنصب نحو أربعة اعوام، وأنفق شومان معظم حياته يطوف المدن الألمانية مع زوجه كلارا
وبدأ شومان حياته كمؤلف موسيقي في سنة ١٨٣٤ إذ بدأ تحرير (المجلة الموسيقية الجديدة) وكان ينشر فيها فصولاً نقديةً قويةً تلفت الأنظار بحسن أسلوبها وقوة منطقها؛ وقد
стр. 8572
وصل شومان في هذه الناحية النقدية إلى ذروة البراعة حتى اعتبر أستاذ النقد الموسيقي. وكان شوبين وبراهمس وهما يومئذ من أعلام الموسيقى ينوهان بنبوغه وتفوقه في هذا المضمار؛ وأعظم آثاره في التأليف الموسيقي قطعه الخاصة بالمعزف (البيانو) ومنها رباعيات ومقطوعات بديعة للقيثارة. وألف أيضاً قطعة أوبرا عنوانها (جينوفيزا)، وعدة أوبرات موسيقية
وكان لجهود شومان وطرائقه أثر كبير في تطور الموسيقى الألمانية المعاصرة. وقد كتب ترجمة حياته عدة من الكتاب والفنانين الأكابر، ومنهم باترسون وريزمان. وخصص له فاسليفسكي ترجمة كبيرة وكذلك فولر ميثلاند وغيرهما
تخليد ذكرى شاعرة فرنسية
وضعت بلدية مدينة نانت لوحة تذكارية باسم الشاعرة أليزا ماركير التي توفيت منذ مائة عام في الخامسة والعشرين من عمرها، على المنزل الذي كانت تسكنه هذه الشاعرة الفنية التي بلغت رغم حداثتها في الشعر مرتبة كبيرة حتى كان لامرتين يقول عنها (إني أتوقع أن تمحونا هذه الصغيرة جميعاً)
وفاة فكتور هوجو - صورة خبرية واقعية
ما زالت فرنسا تحتفل بالذكرى الخمسينية لوفاة شاعرها الأكبر فيكتور هوجو حسب ما ذكرنا في فرصة سابقة وقد قرأنا أخيراً في إحدى المجلات الفرنسية الكبرى بقلم مسيو (ارمان برافيل) وصفاً بديعاً للظروف التي أحاطت بوفاة الشاعر الكبير صيغت في قالب رواية خبرية، ونحن ننقله لقراء (الرسالة) في ما يلي: باريس في ٢٢ مايو سنة ١٨٨٥
اليوم في الساعة الأولى والدقيقة السابعة والعشرين بعد الظهر توفي المسيو فيكتور هوجو عضو الأكاديمية الفرنسية، متأثراً بالالتهاب الرئوي الذي اشتد عليه منذ أيام وكان يثير في نفس أسرته والمحيطين به انزعاجاً وقلقاً. وقد أشار الدكتور زي وزميله الدكتور فولبيان في تقريرهما هذا الصباح إلى أن (الحالة في منتهى الخطورة). وكان الشاعر الكبير في الثالثة والثمانين من عمره وقد أسلم الشاعر الروح يحيط به حفيداه جان وجورج، ومسيو لوكروي ومسيو فيكتوريان ساردو، ومسيو اسكندر ديماس، وبعض شخصيات أخرى.
стр. 8573
ويروي بعضهم أنه قال حين فاضت روحه: (وداعاً يا جان)، وبعضهم يروي أنه قال: (هاهنا معركة النهار والليل) أو أنه قال: (ليس هذا هو النور، ولكن ليس هو الظل أيضاً).
وعرض المونسنيور جيبر أسقف باريس أن يقوم بالرسوم القدسية الأخيرة للشاعر الأكبر، ولكن أسرته اضطرت إلى الرفض عملاً بوصية فيكتور هوجو نفسه، إذ قال: (إنني أرفض رثاء كل الكنائس، وأطلب صلاة لكل الأرواح).
ومنذ ١٩ مايو كان قد فقد كل أمل في إعادة الصحة والحياة إليه؛ وقد أصابه بالليل إغماء طويل، وبالأمس بدأ النزع الأخير وما ذاع النبأ المحزن حتى هرع الجمهور إلى منزل شارع إيلاو وما زال في ازدياد مستمر، وبدأت الزيارات الرسمية، وكان أول القادمين مسيو بريسون رئيس الوزراء، ولحق به مسيو فلوكيه رئيس مجلس النواب
وبعد بضع دقائق ألقى مسيو لي رواييه رئيس مجلس الشيوخ في المجلس. كلمة مؤثرة حين أعلن وفاة (شيخ) الميسرة المتطرفة وشاعر الجمهورية والديمقراطية الأكبر؛ ولا ريب أن جميع السلطات الكبرى ستشترك في تكريمه؛ وقد طلب مجلس باريس البلدي أن تنقل رفات الشاعر إلى (البانتيون)؛ ومن المحقق إن الجناز سيكون قومياً تحفه أعظم مظاهر الجلال، وسوف يكون مناقضاً لرغبة الميت الذي أوصى بأن يتقل إلى مقره الأخير في نعش الفقراء؛ وهي الرغبة الوحيدة التي ستحترم.
السبت ٢٣ يوليو
حفلت كل الصحف بفصول مؤثرة تذيلها أعظم الأسماء؛ وقد نشرت (الفيجارو) قصيدة لمسيو الكونت دي ليل عنوانها (التحية الأخيرة)، وقد دهش لقرائتها الذين يعرفون خصومة الشاعرين، وما تبادلا قبل من قارس اللفظ؛ بل يرى أن دي ليل قال حينما وقف على مرض هوجو: (لقد شرب المجد وأكله، فعليه الآن أن يهضمه)، فرثاؤه اليوم لا يمكن أن يعتبر بعد هذه الشماتة إلا بطاقة زيارة تودع عند باب الأكاديمية وقد هرع عدد من الكتاب الشبان إلى سرير الميت ليسهروا إلى جانبه، وبين هؤلاء حفيد الشاعر، وليون دوديه، وكاتيل مانديس، وبول آرين، وجان إيكار، وأميل بليمون. وقدم مسيو ليو بولد هوجو في منتصف الليل ليصور عمه في فراش موته
٢٦ مايو
стр. 8574
نشرت الجريدة الرسمية ما يأتي: (سيدفن جثمان فيكتور هوجو في البانتيون، والبانتيون ليس بناءً كنسياً ولا يتبع أية دائرة كنسية، وإنما هو من أملاك الدولة؛ وقد رأت الوزارة أن تحقق رغبة البرلمان في هذا الشأن)
وسوف يحدث هذا المرسوم استياء في الدوائر الكنسية التي ما زالت تعتبر البانتيون من توابعها وأنه في حرم كنسية سانت جنفياف. وسيكون جناز شاعر البؤساء بلونه المدني مقوياً لصفة البانتيون المدنية؛ وسوف يثور هذا الجدل حول تابوت الشاعر وما زالت صفوة فرنسا تنحني أمام الميت العظيم؛ وقد حنطت جثته بمنتهى العناية؛ وما زال كل يعجب برأسه الشاحب الجميل الذي يكاد يضارع بياضه بياض لحيته
الجمعة ٣٠ مايو
وضع المسيو فيكتور هوجو في ناووسه ووضعت إلى جانبه باقة من الورد قدمها فلكييه وبعض تذكارات شخصية، وقد قرر برنامج الجناز وخلاصته أن ينقل الجثمان في نعش يوضع تحت قوس النصر، ويترك هناك يوماً وليلة في حراسة الشعراء، والسلطات المدنية والجيش وشعب باريس، ثم يحمل في حفل ظافر إلى البانتيون، وستلقى بعض الخطب عند مبدأ سير الجناز وعند مقدمه
الأحد أول يونيه
منذ صبيحة الأمس بدأ حفل الشاعر النبيل مؤلف (سير الدهور) و (التأملات)، وسار وراء تابوته إلى (الاتوال) عمد باريس العشرون، والصحفيون، والكتاب، وكلهم بالثوب الرسمي والربطة البيضاء، وحولهم من الجانبين جموع حاشدة لبثت تحيط طول الليل بمنزل الميت؛ وكان قوس النصر قد جلل بغطاء أسود رهيب، وحول إلى محراب يحرسه حرس شرف من الجند والفرسان وطلبة المدارس، والشعراء الشبان، ولم ينقطع سيل الناس طوال اليوم، يحملون الباقات والأزهار؛ وهكذا ظهر أن فيكتور هوجو ما زال يغزو جميع الأرواح والقلوب
الاثنين ٢ يونيه
خصص يوم الأمس كله لظفر فيكتور هوجو؛ ولم يحتفل قبل قط بجناز شاعر لمثل هذا
стр. 8575
الجلال. ولعل كاتباً لم يمثل من قبل قط تطور عصره كما تمثل؛ فقد مثلت في شخصه الديمقراطية التي استطاعت أن تصل إلى الحكم بعد طول النضال؛ وهو شاعرها ولسان حماستها الغنائية، وهو يتنفس آمالها ومخاوفها في كتابه (البؤساء)، ويتنفس غضبها وأحقادها في كتابه (العقوبات) وكان الجو بديعاً فاتراً؛ وفي نحو الساعة التاسعة أتى الموظفون وممثلوا مسيو جرافي رئيس الجمهورية، ومجلس الوزراء بكامل هيئته، وأعضاء الأكاديمية الفرنسية، والجنرال سوسييه حاكم باريس وأركان حربه، واجتمعت الوفود في شارع (الجيش الأكبر) وقد احتلوا شارع نيبي بأكمله
وألقيت طائفة من الخطب منذ الساعة العاشرة؛ منها خطاب مسيو لي روييه باسم مجلس الشيوخ، وفلوكيه باسم مجلس النواب، وجوبليه وزير الداخلية باسم الحكومة، وأميل أوجييه باسم الأكاديمية؛ وكان أروع الخطباء جميعاً ولا سيما حينما صاح بصوت قوي: (ليس هذا دفناً، وإنما هو تقديس).
ثم تحرك الموكب بعد نشيد المارسليز، وعزفت موسيقى الجيش لحناً محزناً لشوبان
وإليك ترتيب الموكب: سارت في الطليعة فرقة من الحرس الجمهوري، ثم سرية من الفرسان، ثم حاكم باريس وحاشيته، ثم الموسيقى العسكرية، فطلبة المدارس، فإحدى عشر عربة تحمل أكاليل الزهر، ثم أربعة من عمال الكوميدي فرانسيز، يحملون وسادة عليها أوسمة المتوفي، ثم نعش المتوفى وهو نعش الفقراء، وإلى جانبه أفراد أسرته وخاصة أصدقائه، مثل جورج هوجو، وأوجست فاكيري، وليو بولد هوجو، وبول فويت، وكاميل بيلاتان، والفونس دوديه، واميل زولا وغيرهم، ثم أعضاء المجمع العلمي في أثوابهم الخضر، ثم أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب بشاراتهم المثلثة اللون، ثم أساتذة الجامعة بأثوابهم الرسمية المختلفة، وأعضاء جمعية الكتاب، وسيل لا نهاية له من الوفود المختلفة
وكانت جوانب الطرق تغص بالجماهير الحاشدة، وكانت النوافذ والأشجار والأسطحة حافلة بالنظارة
وبلغ الموكب البانتيون من شارع سوفلو في منتصف الساعة الثالثة، وقد جلله السواد والأعلام القومية، وهنالك ابتدأت الخطب الختامية، فألقى منها إحدى عشرة؛ وكانت بين الخطباء مسيو أوديه باسم مدينة بيزانصون مسقط رأس الشاعر، ومسيو مادييه باسم
стр. 8576
المنفيين في يوم ٢ ديسمبر ومسيو جورد باسم نقابة الصحافة الباريسية، وهنري دي بورنييه باسم كتاب المسرح وبعض الأجانب باسم بعض المعاهد العلمية الأجنبية
ثم عزفت الموسيقى لحن فيكتور هوجو الذي وضعه مسيو سان ساينس، وعلى أنغامه أودع التابوت في مثواه الأخير إلى جانب توابيت فولتير وروسو وغيرهم من العظماء الخالدين
واستمر تعاقب الوفود حتى مغيب الشمس، وانتهى فيكتور هوجو إلى أن يرقد هادئاً في عالم الخلود
стр. 8577
العدد ١٠٤ - بتاريخ: ٠١ - ٠٧ - ١٩٣٥
стр. 8578
كلكم حواريون
فمن يهوذا؟
لا تسمع من أي إنسان في أي مكان إلا تذمراً على حال المجتمع،
وتضجراً من نظام العيش، وتضوراً من فساد الحكم، وتحسراً على
أخلاق الناس! فما من سياسي تلقاه إلا رأيته لهيف الجوانح، ذاهب
القلب، لا يملك عينه من الدمع، ولا قلبه من الوجد، ولا لسانه من هذه
الشكاة: أضاعوا استقلال البلاد، ووأدوا دستور الأمة، ونشروا بخطلهم
على الشعب سوء النبأ! فقد كان لنا بجانب (الاحتلال) مكان، ومع (دار
الاستشارة) رأي، وقبل نفاذ الأمور كلمة، وفوق كل اعتبار كرامة؛
وكان لهذا كله على ضآلته وهزاله ثمن فادح مرهق، أديناه ضحايا برة
من أرواح الشباب في ساحة الجهاد، وملايين تسعة من أموال الأمة في
(قانون التضمينات)، ثم أصبحنا وإذا المكان خلاء، والإشارة أمر،
والكلمة رجاء، والكرامة ضراعة!!
أجل! يقول كل سياسي هذا الكلام، ويلوم هذا الملام، حتى أولئك الذين قتلوا بأيديهم الدستور أمس، يبكون عليه اليوم بأربعة آماق، لأن الإنجليز أكرموه فدفنوه!!
وما من موظف تراه إلا حدثك والهم يعتلج في صدره، والأسى يتلضى على وجهه، كيف تحكمت المحاباة في دوائر الحكم، وفشا التواكل في دوواين الحكومة! (فالشهادة العالية) في التعيين زور مع التوصية، والكفاية البارعة في الترقية خرق مع الهوى، وحسن العمل في سبيل الحظوة جناية مع سوء الحظ؛ ثم ترى (الأقلام) غاصة بالكتبة، والمكاتب مكتضة بالأضابير، والوزارات مزدحمة بالسائلين، والمستعجلين، والأوراق الحائرة تنتقل من يد إلى يد، وتخرج من مكتب إلى مكتب، وترحل من بلد إلى بلد، لأن (التواكل) الماهر قضى على كل كاتب أو حاسب أن يزيح همها عن نفسه، ويخرج حكمها من اختصاصه، فتلبث
стр. 8579
على هذه الحال بين الحال والترحال شهوراً وسنين، وهي مع الجد لا تستغرق تفكير لحظة وعمل ساعة!
يقول كل موظف هذا الكلام، ويتهم هذا الاتهام، حتى أولئك الطفيليون الذين عينوا لقبض المرتب، وظلوا على الشيوع من غير عمل ولا مكتب!!
وما من أديب تخلوا إليه إلا نثر عليك دموع الخنساء، ونظم في مسمعيك تشاؤم أبى العلاء، وسألك وهو متبلد من الحيرة، متلدد من الدهش: متى كان البذاء من الأدب، والهجاء من النقد، والإدعاء من الفن، والتقليد البهيم من العبقرية، والكيد اللئيم من الصحافة؟؟
كان الأدب سبيلاً بين الله والنفس، وسلاماً بين الروح والجسم، ولساناً بين الجمال والحس، ودليلاً بين الهوى والخير، ونسباً بين القرابة والبعد، فأصبح كما ترى سبباً من أسباب العداوة، وسبيلاً من سبل الفرقة، وبوقاً من أبواق الفتنة، ومظهراً من مظاهر الجهالة!
يقول كل أديب هذا الكلام، ويلقي عليك هذا الاستفهام، حتى أولئك السفهاء الذين يلبسون ظلماً مسوح الأدب، ثم يلتمسون الظهور بالوقيعة في كل من كتب!!
وما من رجل من رجال الدين تجلس إليه إلا قال لك ودموع الحسنين تنهل على ردنه العريض انهلال القطر: لم يبق للدين في هذه الدنيا سلطان، ولا للخلق في هذه الفوضى مكان، ولا للفضيلة في هذه المادية قيمة! ولقد استشرى فساد العصر حتى نال من تقوى العلماء فأصبحوا يأنفون من الورع، وينفرون من البساطة، ويتأبهون عن العامة، ويمدون أعينهم لشهوة الحياة، ويذهبون أنفسهم على فتنة الحكم، ويتخلون عن الدعوة إلى سبيل الله إلى الدعوة إلى أهواء الفرد!!
يقول كل عالم هذا الكلام، ويهتم هذا الاهتمام، حتى أولئك الضعفاء الذين اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، وجعلوا من نفوسهم إلى الباطل سبيلا ودليلا!
وما من تاجر تعامله، أو صانع تقاوله، إلا ابتدرك بالزراية على الذين نفقوا على الغش، وآثروا على الخداع، وسلبوا ثقة الشعب باسم الاخوة، وسرقوا مال الجمهور باسم الوطن، حتى جعلوا التجارة والصناعة فيما بينهم وبين الناس معنى من معاني النهب، وحيلة من حيل الشطارة؛ فأنت تدخل المتجر أو المصنع وفي حسك لا محالة انك مغبون في السعر، أو مخدوع في النوع، أو مظلوم في التقدير!
стр. 8580
يقول ذلك كل تاجر وكل صانع حتى أولئك الذين قضى عليهم موت الضمير أن يصدقوك في البيع ويكذبوك في التسليم، ويعاهدوك على نوع فيغيروه ولا يزيد رجعهم من غشه على مليم!
وهكذا تسمع هذا السخط الحاقد والنقد اللاذع والتعريض الممضّ والزراية الساخرة من كل لسان في أي طبقة، وفي كل حديث في أي مجلس، فتقف موقف المشدوه بين العجب والغضب وتسأل:
إذا كنتم يا قوم جميعاً حواريين، فمن الذي خان الوطن بدوانقه الثلاثين؟؟ كلكم يلوم فمن الملوم؟ وكلكم يتهم فمن المجرم؟ وعظ مالك بن دينار عظةً تقاطرت عليها دموع أصحابه، ثم افتقد مصحفه! فنظر إليهم وكلهم من اثر كلامه لا يملك عينه! وقال ويحكم! كلكم يبكي فمن سرق المصحف؟؟
أحمد حسن الزيات
следующие страницы →