Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.
стр. 8576
المنفيين في يوم ٢ ديسمبر ومسيو جورد باسم نقابة الصحافة الباريسية، وهنري دي بورنييه باسم كتاب المسرح وبعض الأجانب باسم بعض المعاهد العلمية الأجنبية
ثم عزفت الموسيقى لحن فيكتور هوجو الذي وضعه مسيو سان ساينس، وعلى أنغامه أودع التابوت في مثواه الأخير إلى جانب توابيت فولتير وروسو وغيرهم من العظماء الخالدين
واستمر تعاقب الوفود حتى مغيب الشمس، وانتهى فيكتور هوجو إلى أن يرقد هادئاً في عالم الخلود
стр. 8577
العدد ١٠٤ - بتاريخ: ٠١ - ٠٧ - ١٩٣٥
стр. 8578
كلكم حواريون
فمن يهوذا؟
لا تسمع من أي إنسان في أي مكان إلا تذمراً على حال المجتمع،
وتضجراً من نظام العيش، وتضوراً من فساد الحكم، وتحسراً على
أخلاق الناس! فما من سياسي تلقاه إلا رأيته لهيف الجوانح، ذاهب
القلب، لا يملك عينه من الدمع، ولا قلبه من الوجد، ولا لسانه من هذه
الشكاة: أضاعوا استقلال البلاد، ووأدوا دستور الأمة، ونشروا بخطلهم
على الشعب سوء النبأ! فقد كان لنا بجانب (الاحتلال) مكان، ومع (دار
الاستشارة) رأي، وقبل نفاذ الأمور كلمة، وفوق كل اعتبار كرامة؛
وكان لهذا كله على ضآلته وهزاله ثمن فادح مرهق، أديناه ضحايا برة
من أرواح الشباب في ساحة الجهاد، وملايين تسعة من أموال الأمة في
(قانون التضمينات)، ثم أصبحنا وإذا المكان خلاء، والإشارة أمر،
والكلمة رجاء، والكرامة ضراعة!!
أجل! يقول كل سياسي هذا الكلام، ويلوم هذا الملام، حتى أولئك الذين قتلوا بأيديهم الدستور أمس، يبكون عليه اليوم بأربعة آماق، لأن الإنجليز أكرموه فدفنوه!!
وما من موظف تراه إلا حدثك والهم يعتلج في صدره، والأسى يتلضى على وجهه، كيف تحكمت المحاباة في دوائر الحكم، وفشا التواكل في دوواين الحكومة! (فالشهادة العالية) في التعيين زور مع التوصية، والكفاية البارعة في الترقية خرق مع الهوى، وحسن العمل في سبيل الحظوة جناية مع سوء الحظ؛ ثم ترى (الأقلام) غاصة بالكتبة، والمكاتب مكتضة بالأضابير، والوزارات مزدحمة بالسائلين، والمستعجلين، والأوراق الحائرة تنتقل من يد إلى يد، وتخرج من مكتب إلى مكتب، وترحل من بلد إلى بلد، لأن (التواكل) الماهر قضى على كل كاتب أو حاسب أن يزيح همها عن نفسه، ويخرج حكمها من اختصاصه، فتلبث
стр. 8579
على هذه الحال بين الحال والترحال شهوراً وسنين، وهي مع الجد لا تستغرق تفكير لحظة وعمل ساعة!
يقول كل موظف هذا الكلام، ويتهم هذا الاتهام، حتى أولئك الطفيليون الذين عينوا لقبض المرتب، وظلوا على الشيوع من غير عمل ولا مكتب!!
وما من أديب تخلوا إليه إلا نثر عليك دموع الخنساء، ونظم في مسمعيك تشاؤم أبى العلاء، وسألك وهو متبلد من الحيرة، متلدد من الدهش: متى كان البذاء من الأدب، والهجاء من النقد، والإدعاء من الفن، والتقليد البهيم من العبقرية، والكيد اللئيم من الصحافة؟؟
كان الأدب سبيلاً بين الله والنفس، وسلاماً بين الروح والجسم، ولساناً بين الجمال والحس، ودليلاً بين الهوى والخير، ونسباً بين القرابة والبعد، فأصبح كما ترى سبباً من أسباب العداوة، وسبيلاً من سبل الفرقة، وبوقاً من أبواق الفتنة، ومظهراً من مظاهر الجهالة!
يقول كل أديب هذا الكلام، ويلقي عليك هذا الاستفهام، حتى أولئك السفهاء الذين يلبسون ظلماً مسوح الأدب، ثم يلتمسون الظهور بالوقيعة في كل من كتب!!
وما من رجل من رجال الدين تجلس إليه إلا قال لك ودموع الحسنين تنهل على ردنه العريض انهلال القطر: لم يبق للدين في هذه الدنيا سلطان، ولا للخلق في هذه الفوضى مكان، ولا للفضيلة في هذه المادية قيمة! ولقد استشرى فساد العصر حتى نال من تقوى العلماء فأصبحوا يأنفون من الورع، وينفرون من البساطة، ويتأبهون عن العامة، ويمدون أعينهم لشهوة الحياة، ويذهبون أنفسهم على فتنة الحكم، ويتخلون عن الدعوة إلى سبيل الله إلى الدعوة إلى أهواء الفرد!!
يقول كل عالم هذا الكلام، ويهتم هذا الاهتمام، حتى أولئك الضعفاء الذين اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، وجعلوا من نفوسهم إلى الباطل سبيلا ودليلا!
وما من تاجر تعامله، أو صانع تقاوله، إلا ابتدرك بالزراية على الذين نفقوا على الغش، وآثروا على الخداع، وسلبوا ثقة الشعب باسم الاخوة، وسرقوا مال الجمهور باسم الوطن، حتى جعلوا التجارة والصناعة فيما بينهم وبين الناس معنى من معاني النهب، وحيلة من حيل الشطارة؛ فأنت تدخل المتجر أو المصنع وفي حسك لا محالة انك مغبون في السعر، أو مخدوع في النوع، أو مظلوم في التقدير!
стр. 8580
يقول ذلك كل تاجر وكل صانع حتى أولئك الذين قضى عليهم موت الضمير أن يصدقوك في البيع ويكذبوك في التسليم، ويعاهدوك على نوع فيغيروه ولا يزيد رجعهم من غشه على مليم!
وهكذا تسمع هذا السخط الحاقد والنقد اللاذع والتعريض الممضّ والزراية الساخرة من كل لسان في أي طبقة، وفي كل حديث في أي مجلس، فتقف موقف المشدوه بين العجب والغضب وتسأل:
إذا كنتم يا قوم جميعاً حواريين، فمن الذي خان الوطن بدوانقه الثلاثين؟؟ كلكم يلوم فمن الملوم؟ وكلكم يتهم فمن المجرم؟ وعظ مالك بن دينار عظةً تقاطرت عليها دموع أصحابه، ثم افتقد مصحفه! فنظر إليهم وكلهم من اثر كلامه لا يملك عينه! وقال ويحكم! كلكم يبكي فمن سرق المصحف؟؟
أحمد حسن الزيات
стр. 8581
دموع
من رسائل (الطائشة)
للأستاذ مصطفي صادق الرافعي
ورسائل هذه الطائشة إلى صاحبها، تقرأ في ظاهرها على أنها رسائل حب، قد كتبت في الفنون التي يترسل بها العشاق؛ ولكن وراء كلامها كلاماً آخر، تقرأ به على أنها تاريخ نفس ملتاعة لا تزال شعلة النار فيها تتنمى وترتفع؛ وقد فدحتها الحياة إذ حصرتها في فن واحد لا يتغير، وأوقعتها تحت شرط واحد لا يتحقق، وصرفتها بفكرة واحدة لا تزال تخيب
وأشدّ سجون الحياة فكرة خائبة يسجن الحي فيها، لا هو مستطيع أن يدعها، ولا هو قادر أن يحققها؛ فهذا يمتد شقاؤه ما يمتد ولا يزال كأنه على أوله لا يتقدم إلى نهاية؛ ويتألم ما يتألم ولا تزال تشعره الحياة أن كل ما فات من العذاب إنما هو بدأ العذاب
والسعادة في جملتها وتفصيلها أن يكون لك فكر غير مقيد بمعنى تتألم منه، ولا بمعنى تخاف منه، ولا بمعنى تحذر منه. والشقاء في تفصيله وجملته انحباس الفكر في معاني الألم والخوف والاضطراب
وقد اخترنا من رسائل (الطائشة) هذه الرسالة المصورة التي يبرق شعاعها وتكاد تقوم بازاء نفسها كالمرآة بازاء الوجه. وهي فيها عذبة الكلام من أنها مرّة الشعور، متسقة الفكر من أنها مختلة القلب، مسددة النطق من أنها طائشة النفس. وتلك إحدى عجائب الحب؛ كلما كان قفراً ممحلاً اخضرت في البلاغة وتفننت والتفت، وعلى قلة المتعة من لذاته تزيد فيه المتعة من أوصافه. ولكأن هذا الحب طبيعة تروى بالنار فتخصب عليها وتتفتق بمعانيها، كما تروى الأرض بالماء فتخصب وتتغطى بنباتها؛ فإن روى الحب من لذاته وبرد عليها، لم ينبت من البلاغة إلا أخفها وزناً وأقلها معاني، كأول ما يبدو النبات حين يتفطر الثرى عنه؛ تراه فتحسبه على الأرض مسحة لون أخضر؛ أو لم ينبت إلا القليل القليل كالتعاشيب في الأرض السبخة
إن قصة الحب كالرواية التمثيلية، أبلغ ما فيها وأحسنه وأعجبه ما كان قبل (العقدة) فإذا انحلت هذه العقدة فأنت في بقايا مفسرة مشروحة تريد أن تنتهي، ولا تحتمل من الفن إلا ذلك القليل الذي بينها وبين النهاية
стр. 8582
وهذه هي رسالة الطائشة إلى صاحبها:
. . .
ماذا أكتب لك غير ألفاظ حقيقتي وحقيقتك؟
يخيل إلى أن ألفاظ خضوعي وتضرعي متى انتهت إليك انقلبت إلى ألفاظ شجار ونزاع!
أي عدل أن تلمسك حياتي لمسة الزهرة الناعمة بأطراف البنان، وتقذفني أنت قذف الحجر بملء اليد الصلبة متمطية فيها قوة الجسم؟
جعلتني في الحب كآلة خاضعة تدار فتدور، ثم عبثت بها فصارت متمردة توقف ولا تقف؛ والنهاية - لا ريب فيها - اختلال أو تحطيم!
وجعلت لي عالماً، أما ليله فأنت والظلام والبكاء، وأما نهاره فأنت والضياء والأمل الخائب. هذا هو عالمي: أنت أنت. . .! سمائي كأنها رقعة أطبقت عليها كل غيوم السماء، وأرضى كأنها بقعة اجتمعت فيها كل زلازل الأرض! لأنك غيمة في حياتي، وزلزلة في أيامي
يا بعد ما بين الدنيا التي حولي وبين الدنيا التي في قلبي!
ما يجمل منك أن تلزمني لوم خطأ أنت المخطئ فيه
سلني عن حبي أجبك عن نكبتي، وسلني عن نكبتي أجبك عن حبي
كان ينبغي أن تكون لي الكبرياء في الحب، ولكن ماذا أصنع وأنت منصرف عني؟ ويلاه من هذا الانصراف الذي يجعل كبريائي رضى مني بأن تنسى!
ليس لي من وسيلة تعطفك إلا هذا الحب الشديد الذي هو يصدك، فكأن الأسباب مقلوبة معي منذ انقلبت أنت
ويخيل إلي من طغيان آلامي أن كل ذي حزن فعندي أنا تمام حزنه!
ويخيل إلي أني أفصح من نطق بآه!
عذابي عذاب الصادق الذي لا يعرف الكذب، بالكاذب الذي لا يعرف الصدق
كم يقول الرجال في النساء، وكم يصفونهن بالكيد والغدر والمكر؛ فهل جئت أنت لتعاقب الجنس كله فيّ أنا وحدي. . .
ما لكلامي يتقطع كأنما هو أيضاً مختنق؟
لشد ما أتمنى أن أشتري انتصاري، ولكن انتصاري، عليك هو عندي أن تنتصر أنت إن
стр. 8583
المرأة تطلب الحرية وتلج في طلبها، ولكن الحياة تنتهي بها إلى يقينٍ لاشك فيه، هو أن ألطف أنواع حريتها في ألطف أنواع استعبادها
حتى في خيالي أرى لك هيئة الآمر الناهي أيها القاسي. لا أحب منك هذا، ولكن لا يعجبني منك إلا هذا. . .!
ويزيدك رفعةً في عيني أنك لم تحاول قط أن تزيد رفعة في عيني
فالمرأة لا تحب الرجل الذي يعمل على أن يلفتها دائماً ليرفع من شأنه عندها
إن الطبيعة قد جعلت الأنوثة في الإنسان هي التي تلفت إلى نفسها بالتصنع والتزيد، وعرض ما فيها وتكلف ما ليس فيها؛ فإن يصنع الرجل صنيعها فما هو في شيء إلا تزيين احتقاره!
التزيد في الأنوثة زيادة في الأنثى عند الرجل، ولكن التزيد في الرجولة نقص في الرجل عند الأنثى!
ارفع صوتك بكلماتي تسمع فيها اثنين: صوتك وقلبي ليست هي كلماتي لديك أكثر مما هي أعمالك لدي وليس هو حبي لك أكبر مما هو ظلمك لي!
ما أشد تعسي إذا كنت أخاطب منك نائماً يسمع أحلامه ولا يسمعني!
ما أتعس من تبكيه الحياة بكائها المفاجئ على ميت لا يرجع، أو بكائها المألوف على حبيب لا ينال!
ولكن فلأصبر ولأصبر على الأيام التي لا طعم لها، لأن فيها الحبيب الذي لا وفاء له!
إن المصاب بالعمى اللوني يرى الأحمر أخضر، والمصاب بعمى الحب يرى الشخص القفر كله أزهار
عمى مركب أن تكون أزهاراً من الأوهام ولها مع ذلك رائحة تعبق
وعمى في الزمن أيضاً أن ينظر إلى الساعة الأولى من ساعة الحب، فيرى الأيام كلها في حكم هذه الساعة
وعمى في الدم، أن يشعر بالحبيب يوماً فلا يزال من بعدها يحي خياله ويغذيه أكثر مما يحي جسم صاحبه
وعمى في العقل، أن يجعل وجه إنسان واحد كوجه النهار على الدنيا، تظهر الأشياء في
стр. 8584
لونه، وبغير لونه تنطفئ الأشياء وعمى في قلبي أنا، هذا الحب الذي في قلبي!
ليس الظلام إلا فقدان النور، وليس الظلم في الناس إلا فقدان المساواة بينهم
وظلم الرجال للنساء عمل فقدان المساواة لا عمل الرجال
كيف تسخر الدنيا من متعلمةٍ مثلي، فتضعها موضعاً من الهوان والضعف بحيث لو سئلت أن تكتب (وظيفتها) على بطاقة، لما كتبت تحت اسمها إلا هذه الكلمة: (عاشقة فلان). . .؟
وحتى في ضعف المرأة لا مساواة بين النساء في الاجتماع، فكل متزوجة وظيفتها الاجتماعية أنها زوجة؛ ولكن ليس لعاشقة أن تقول إن عشقها وظيفتها. . .
وحتى في الكلام عن الحب لا مساواة، فهذه فتاة تحب فتتكلم عن حبها فيقال: فاجرة وطائشة، ولا ذنب غير أنها تكلمت؛ وأخرى تحب وتكتم فيقال: طاهرة وعفيفة، ولا فضيلة فيها إلا أنها سكتت
أول المساواة بين الرجال والنساء أن يتساوى الكل في حرية الكلمة المخبوءة. . .
لا لا، قد رجعت عن هذا الرأي. . .
إن القلق إذا استمر على النفس انتهى بها آخر الأمر إلى الأخذ بالشاذ من قوانين الحياة
والنساء يقلقن الكون الآن مما استقر في نفوسهن من الاضطراب، وسيخربنه أشنع تخريب
ويل للاجتماع من المرأة العصرية التي أنشأها ضعف الرجل! إن الشيطان لو خير في غير شكله لما اختار إلا أن يكون امرأة حرة متعلمة خيالية كاسدة لا تجد الزوج. . .!
ويل للاجتماع من عذراء بائرة خيالية، تريد أن تفر من أنها عذراء! لقد امتلأت الأرض من هذه القنابل. . . ولكن ما من امرأة تفرط في فضيلتها إلا وهي ذنب رجل قد أهمل في واجبه
هل تملك الفتاة عرضها أو لا تملك؟ هذه هي المسألة. . . إن كانت تملك، فلها أن تتصرف وتعطي، أو لا، فلماذا لا يتقدم المالك. . .؟
هذه المدنية ستنقلب إلى الحيوانية بعينها، فالحيوان الذي لا يعرف النسب لا تعرف أنثاه العرض
وهل كان عبثاً أن يفرض الدين في الزواج شروطاً وحقوقاً للرجل والمرأة والنسل؟ ولكن أين الدين؟ وا أسفاه! لقد مدنوه هو أيضا. . .! طالت رسالتي إليك يا عزيزي، بل طاشت،
стр. 8585
فأني حين أجدك أفقد اللغة، وحين أفقدك أجدها.
ولقد تكلمت عن الدين لأني أراك أنت بنصف دين. . .
فلو كنت ذا دين كامل لتزوجت اثنتين. . . . . لا لا، قد رجعت عن هذا الرأي. . .
(طنطا)
طبق الأصل
مصطفى صادق الرافعي
إلى (ب) في دمشق
خير ما أرى لك أن تدع للغد حل مشكلة اليوم، وليس بين اليوم والغد إلا أن تصبر، وأنت كالذي رأى نفسه في غبش الفجر ويزعم أنه أمسى. .
(الرافعي)
стр. 8586
٢ - شمس الدين السخاوي
حياته وتراثه
للأستاذ محمد عبد الله عنان
ولنستعرض الآن تراث السخاوي وآثاره، بعد أن أتينا على حوادث حياته وظروف تكوينه؛ وللسخاوي تراث حافل ينم عن غزير مادته ونشاطه؛ ولقد تلقينا منه الكثير، وتلقينا بالأخص أهمه وأقيمه. ويعني السخاوي في ترجمة نفسه بتعداد رسائله ومؤلفاته؛ ويستغرق تعدادها عدة صفحات من ترجمته؛ ويضم هذا الثبت الحافل كتباً ورسائل في عدة فنون مختلفة؛ ولكنا نستطيع بوجه عام أن نقسم آثاره إلى قسمين: قسم الحديث، وقسم التاريخ
وقد كان السخاوي كما رأينا محدثاً كبيراً، انتهى إليه علم الحديث في عصره؛ بيد أنه كان أيضاً مؤرخاً بارعاً، ونقادة لايجاري؛ والجمع بين الحديث والتاريخ خاصة لكثير من أقطاب المؤرخين المسلمين مثل كتاب السيرة، والطبري، والذهبي؛ وعلم الحديث بما يحتويه من قواعد الإسناد وتمحيص الرواية، والجرح والتعديل، خير معوان للمؤرخ الناقد على تحري الحقائق؛ وهكذا كان السخاوي محدثاً ومؤرخاً؛ وكانت براعته النقدية في التاريخ ترجع في كثير من الوجوه إلى براعته في الجرح والتعديل كمحدث؛ وهذه الصبغة النقدية البارزة هي التي تسبغ على آثاره التاريخية قوتها وطرافتها
ويحدثنا السخاوي في ترجمته بأنه شرع في التأليف (قبل الخمسين)؛ ولكن هنالك ما يدل على أنه وضع بعض التصانيف قبل سنة ٨٧٠هـ، أعني وهو في نحو الأربعين من عمره؛ فهو يحدثنا أنه لما حج للمرة الأولى سنة ٧٠، قرأ بعض تصانيفه في مكة، وإذا فهو قد بدأ التأليف في سن متقدمة؛ بيد أنه أنفق شبابه في استيعاب النصوص والمراجع، ونزل ميدان التأليف مزوداً بمادة غزيرة؛ ولبث مدى الثلاثين عاماً التالية يخرج الكتب والرسائل تباعاً، ولم ينقطع عن الكتابة حتى أعوام حياته الأخيرة
وبدأ السخاوي التأليف في ميدان الحديث، فوضع فيه عدة كتب ورسائل يعنى بتعدادها في ترجمته، ولكنا لم نتلق منها سوى القليل؛ وأشهرها كتاب (المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة)، وهو من كتب الحديث المتداولة، ومنها (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث) و (الغاية في شرح الهداية) و (الأخبار المكللة في الأحاديث المسلسلة) و (شرح الشمائل
стр. 8587
النبوية للترمذي) و (التحفة المنيفة فيما وقع من حديث أبي حنيفة)، وعدة كتب ورسائل أخرى في شرح متون الحديث، وعدة حواش وذيول لبعض كتب الحديث المعتبرة يذكرها كلها في ترجمته، ولا يتسع هذا المقام لذكرها
وكتب السخاوي في هذه الفترة الأولى أيضاً عدة رسائل عن رحلاته المختلفة؛ منها الرحلة السكندرية وتراجمها؛ الرحلة الحلبية وتراجمها؛ الرحلة المكية؛ والثبت المصري؛ وفيها يصف تجواله ودراساته في تلك الأنحاء؛ ووضع كتاباً في تراجم شيوخه وأساتذته اسمه (بغية الراوي فيمن أخذ عنه السخاوي)
على أن أهم ما في تراث السخاوي هو مجهوده التاريخي والأدبي، ففيه يرتفع السخاوي إلى ذروة القوة، وفيه تبدو شخصيته في أبرز خواصها ومواهبها؛ وقد انتهت إلينا نخبة من هذا التراث القيم. ومن الصعب أن نتتبع الترتيب الزمني في استعراض هذه الآثار؛ ولكن يلوح لنا أن السخاوي قد استهل مجهوده التاريخي بوضع كتاب (التبر المسبوك في ذيل السلوك) والسلوك الذي وضع هذا الكتاب ذيلاً له هو كتاب (السلوك في دول الملوك) لتلقي الدين المقريزي، وقد تناول فيه تاريخ دول المماليك المصرية حتى سنة٨٤٤ هـ؛ وتناول السخاوي في كتابه تاريخ مصر الإسلامية من سنة ٨٤٥ - ٨٥٧هـ؛ وكتبه كما يقرر في مقدمته نزولاً على رغبة الداوادار يشبك المهدي وزير السلطان الظاهر خشقدم؛ وعني السخاوي بتدوين حوادث هذه الفترة المعاصرة بإسهاب، وذيل كل عام بوفيات أعيانه، واتبع فيه طريقة الترتيب الزمني؛ وكتب السخاوي أيضاً ذيلاً لكتاب شيخه ابن حجر (رفع الأصر عن قضاة مصر) وهو الذي يتناول فيه تراجم القضاة المصريين حتى عصره، وسماه (ذيل رفع الأصر)، وفيه يتناول تراجم القضاة المصريين حيث وقف شيخه ابن حجر وأعظم آثار السخاوي بلا ريب هو كتابه الضخم (الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع)، وهو موسوعة حافلة تقع في عدة مجلدات وينم عنوانها عن موضوعها، ويبسط لنا السخاوي موضوع كتابه في ديباجته على النحو الآتي: (فهذا كتاب. . . جمعت فيه من علمته من هذا القرن الذي أوله سنة إحدى وثمانمائة، ختم بالحسنى، من سائر العلماء والقضاة والصلحاء والرواة والأدباء والشعراء، والخلفاء والملوك والأمراء، والمباشرين والوزراء، مصرياً كان أو شامياً، حجازياً أو يمنياً، رومياً أو هندياً، مشرقياً أو مغربياً، بل
стр. 8588
وذكرت فيه بعض المذكورين بفضل ونحوه من أهل الذمة. . .) وقد هيأت حياة السخاوي نفسه وتجواله في مصر والشام والحجاز؛ ولقاؤه لمئات العلماء والأدباء في عواصم هذه الأقطار، وما قيده عنهم في مختلف رحلاته، مادة حسنة لكتابة المستقبل. وأنفق السخاوي بلا ريب أعواماً طويلة في إعداد مواده وتنظيمها واستكمالها؛ والظاهر أنه لم يبدأ في كتابة معجمه إلا في أواخر القرن التاسع حوالي ٨٩٠هـ وأستمر في الكتابة فيه حتى سنة ٨٩٧هـ أو ٨٩٨هـ؛ يدل على ذلك أنه يصل في ترجمة نفسه حوادث حياته حتى سنة ٨٩٧هـ، وأنه يذكر ضمن كتبه (كتاب التوبيخ لمن ذم أهل التاريخ) وقد كتبه حسبما يقرر في خاتمته بمكة سنة ٨٩٧هـ؛ هذا فضلاً عن أنه يترجم لكثيرين توفوا سنة ٨٩٧هـ
ويمتاز (الضوء اللامع) بقوة فائقة في التصوير ليس لها نظير في كتب التراجم الإسلامية، ويمتاز بالأخص بروحه النقدية اللاذعة؛ وهنا يبدو السخاوي في أعظم خواصه وكفاياته الأديبة نقاده لا يجارى؛ بيد أن هذه النزعة النقدية تحمله بعيداً في مواطن كثيرة، فينزع عندئذ إلى التجريح والهدم بقسوة، ويطبع نقده تحامل بين؛ وقد ترجم السخاوي كثيراً من أقطاب العصر، ولكن أحداً منهم - إلا شيخه ابن حجر - لم ينج من تجريحه اللاذع؛ وتراجم المقريزي وأبن خلدون وأبن تغري بردى والسيوطي أمثلة واضحة لهذه النزعة الهدامة، ففيها يبدو شغف السخاوي بالتجريح والانتقاص ظاهراً؛ وهو لا يكاد يطيق عبقرية بارزة من عبقريات هذا القرن إلا هاجمها بشدة؛ وهو يبدو في أحيان كثيرة في حملاته قوياً صارم الوطأة، غير أنه يبدو في أحيان أخرى سقيما تعوزه الحجة فينحدر عندئذ إلى ما يشبه القذف المجرد؛ وقد كان السخاوي أشد الناس شعوراً بقوته ومضاء قلمه، وكان كثير الاعتداد بهذه القوة، يشيد بها في مقدمة الضوء اللامع فيما يأتي: (ولكني لم آل في التحري جهداً، ولا عدلت عن الاعتدال فيما أرجو قصداً، ولذا لم يزل الأكابر يتلقون ما أبديه بالتسليم، ويتوقون الاعتراض عما ألقيه والتأثيم، حتى كان العز الحنبلي والبرهان بن ظهيرة المعتلي يقولان، انك منظور إليك فيما تقول، مسطور كلامك المنعش للعقول، وقال غير واحد ممن يعتد بكلامه وتمتد إليه الأعناق في سفره ومقامه، من زكيته فهو العدل، ومن مرضته فالضعيف المعلل. . . بل كان بعض الفضلاء المعتبرين يتمنى الموت في حياتي لا ترجمه بما لعله يخفي عن كثيرين. . .). ويفرد السخاوي لنفسه في كتابه، كما
стр. 8589
رأينا، ترجمة ضافية؛ ويذيلها بنبذ عديدة من أقوال شيوخ العصر وأعلامه في مديحه والإشادة بغزير علمه، والتنويه بنبوءة مركز الرياسة والزعامة في علم الحديث، ومنها ما خصه به بعض خصومه كالبقاعي قبل أن تنشب بينهما الخصومة، ثم يتبع ذلك بإيراد بعض القريض الذي قيل في مديحه وتقديره. وقد كان كتاب (الضوء اللامع) حادثاً أدبياً عظيماً؛ تردد في كثير من مواطنه أصداء تلك المعارك الأدبية الشهيرة التي نشبت مدى حين بين السخاوي وبين بعض أقرانه وتلاميذه ولا سيما البقاعي والسيوطي؛ واتخذت صوراً من العنف لم تعرفها الآداب العربية من قبل؛ وأستمر صداها يدوي مدى حين بعد وفاة السخاوي وخصومه، وكانت من أهم وأغرب الحوادث الأدبية في هذا العصر. وكتب السخاوي إلى جانب الضوء اللامع كتباً أخرى في التراجم منها حسبما يذكر كتاب (الشافي من الألم في وفيات الأمم) وهو ثبت لوفيات الأعيان في القرنين الثامن والتاسع مرتب حسب السنين، وعدة تراجم مطولة لبعض الأئمة؛ بيد أنه لم يصلنا من هذه الكتب سوى ترجمة شيخه ابن حجر في مجلد ضخم أسماه (كتاب الجوهر والدرر)، وقد حصلت دار الكتب أخيراً على نسخة فوتوغرافية لهذا الكتاب، وفي خاتمته ما يفيد أن السخاوي كتبه في مكة سنة ٨٧١هـ؛ وفيه يتحدث بإفاضة عن نشأة أبن حجر، وتربيته، وصفاته، ومواهبه، وعن حلقاته ودروسه وتصانيفه، ثم يورد مختاراته من كلامه وفتاويه، وما قيل في رثائه من نثر ونظم
وهناك عدة مؤلفات تاريخية أخرى يذكر السخاوي أنه كتبها، ولكنها لم تصل إلينا مثل (التاريخ المحيط) الذي يشغل ثلاثمائة رزمة، وتاريخ المدنيين، وتلخيص تاريخ اليمن، ومنتقى تاريخ مكة، ثم طائفة أخرى منوعة منها: ختم السيرة النبوية لأبن هشام، القول النافع في بيان المساجد والجوامع، القول التام في فضل الرمي بالسهام، عمدة المحتج في حكم الشطرنج، الكنز المدخر في فتأوي شيخه أبن حجر، القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع؛ ومن هذا الأخير نسخة بدار الكتب
ونجد أخيراً في تراث السخاوي أثرين من نوع خاص ولهما أهمية خاصة، وقد انتهى كلاهما إلينا؛ أولهما كتاب (تحفة الأحباب، وبغية الطلاب، في الخطط والمزارات والبقاع المباركات) وهو دليل لخطط المشاهد والمزارات والبقاع المقدسة، ولا سيما مصر القاهرة؛
стр. 8590
وفيه وصف لأحياء مصر القاهرة التي تقع فيها هذه المشاهد في أواخر القرن التاسع؛ وذكر لكثير من المشاهد والمدافن التي لم يمن بها المقريزي في خططه، ولا يزال الكثير منها باقياً إلى اليوم؛ ومن ثم كانت أهمية الكتاب في تاريخ الخطط المصرية، إذ نستطيع بالرجوع إلى معالمه أن نحدد كثيراً من مواقع القاهرة القديمة وأحيائها وشوارعها في القرن التاسع الهجري
وأما الثاني، فهو كتاب (الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ) وهو رسالة نقدية قيمة، يعرف السخاوي فيها علم التاريخ ويشيد بفضله؛ ويتناول طائفة كبيرة من المسائل والمباحث النقدية التي تدخل في حيز التاريخ؛ ثم يذيلها ببيانات ضافية لجميع المؤلفات التاريخية الإسلامية التي ظهرت في مختلف أبواب التاريخ وعصوره، مثل كتب السيرة، وكتب التراجم المختلفة، وما ألف في تواريخ الطوائف والجماعات المختلفة، مثل تواريخ القضاة والحفاظ والشعراء واللغويين والأطباء والأشراف والأدباء والعشاق والصوفية وغيرهم؛ فهو بذلك فهرس بديع شامل لأمهات الكتب التي وضعت في هذه النواحي المختلفة، ويتخلل ذلك مواقف نقدية كثيرة تجعل لهذا الأثر قيمة خاصة. هذا هو استعراض موجز لتراث السخاوي وآثاره، ولا ريب أن مجال البحث والقول يتسع لأضعاف هذا العرض الموجز، إذا أردنا أن نفي شخصية السخاوي ونواحيه الأدبية والنقدية المتعددة حقها من التحليل والبحث؛ وقد كان السخاوي بلا ريب من أعظم شخصيات مصر الإسلامية والعالم الإسلامي في القرن التاسع الهجري
(تم البحث)
محمد عبد الله عنان
стр. 8591
٢ - فريزر ودراسة الخرافة
للدكتور إبراهيم بيومي مدكور
ثبتت الخرافة كذلك دعائم الملكية الشخصية وحفظتها، إذ مما لاشك فيه إن هذه الملكية متأخرة في الوجود عن الملكية العامة، فالناس عرفوا متاع الجمعية ومال القبيلة قبل أن يعرفوا مال زيد وعمرو. والملكية العامة نفسها ظهرت في شكلها الأول على صور الملكية المقدسة، فنشأت في أعمال الخرافة وتربت على حسابها. وقد كان التقديس ولا يزال وسيلة من وسائل احترام الملكية والمحافظة عليها. وللخرافة يد أخرى في الدفاع عن الملكية، فقد حاربت السرقة والسراق، وحمت مال الفرد والجماعة، وقضت على عامل كبير من عوامل الاضطراب. وإذا تتبعنا عقائد وتقاليد الأمم الهمجية المعاصرة، وجدنا فيها خير برهان على هذه القضايا
ففي البولينيز أحد أقسام الأقيانوسية، لا يجرؤ أحد على الاعتداء على أملاك الشيوخ والرؤساء والمحاربين لما لها من صفة مقدسة تبعاً لأصحابها، فحرام على أي شخص أن يعدو عليها بالسرقة أو النهب أو التبديد؛ ومن اقترف إثما من ذلك استوجب غضب الآلهة ولعنة الملائكة والناس أجمعين، وجر على قبيلته بوجه خاص السخط والنكال لهذا كان عدوّ الجماعة التي تعمل على محاربته ورد المال المسلوب إلى أهله. يقول براون: (إن كل ما يملكه السيد أو يحيط به مقدس في نظر عبيده من سكان زيلنده الجديدة. لذلك لا يستطيع أحدهم - برغم حبه للتبغ - أن يمس ورقه منه علم أنها من مال السيد. وقد حدث مرة أن أعطى صديق لي حفنة من التبغ إلى عبد لم يكد يمضغها حتى علم أنها أخذت من منزل سيده، فأسقط في يده، وسارع المسكين إلى مولاه يقص عليه القصص، ويسأله المغفرة وإباحة التبغ الذي مضغه، خشية أن يجر عليه صنعه نتائج مهلكة) فبيت السيد إذا حرم آمن لا يستطيع مخلوق أن ينتهك حرمته. وكثيراً ما ترك رؤساء القبائل التي نتحدث عنها أموالهم وأمتعتهم معرضة للجمهور دون أن تصاب بسوء. وإذا أراد فرد عادي أن يحمي ماله، اكتفي بأن يميزه بشارة من الشارات المقدسة. ووسائل التقديس كثيرة: منها أن يقام في الحقل شاخص على هيئة صليب أو سمك نهري خاص أو أن يوضع تحت شجرة الفاكهة صورة فأرة إذا رآها السارق ولى مدبراً، أو أن يربط في عنق الشخص خيط أحمر
стр. 8592
علق فيه رمز لتمساح أو قطة أو وطواط، تلك الحيوانات التي تثير في نفوس القبائل الهمجية عوامل الخوف والرعب، أو التقديس والاحترام، وقد تحمى قرية بأسرها بواسطة عزيمة أو رقية معلقة في رجل دجاجة، فالخرافة حلت محل القوانين والشرائع المختلفة في حماية الملكية الفردية والعامة لدى بعض الشعوب المتوحشة، وربما كان لها على نفوس معتنقيها سلطان لا يعد له سلطان قوانيننا المنظمة. فكثير من البدو تأنف نفوسهم من الإذعان لأمر، اللهم إلا ما أملته تقاليدهم الخرافية أو قيودهم الجمعية. يقول بعض الرحالة: (أنه ما كان يمكن حكم الزيلنديين بمجموعة من القوانين غير تلك التي جاءت بها خرافتهم. ذلك لأن هؤلاء القوم الحربيين يأبون أن يخضعوا اللوائح ومراسيم لم تصدر عن الآلهة، ولا يترددون لحظة في أن يرفضوا في احتقار أي أمر بشري، وفوق هذا فأنه من الخير أن يقاد شعب قيادة هينة بواسطة خرافة يدين بها بدل أن ترغمه القوة الغاشمة إرغاماً). وقد حاربت الخرافة السرقة بشكل يدعو إلى التقدير والإعجاب، فكان مدغشقر يعتقدون أن من سرق بيضة أصيب بالجرب، ومن سرق قطعة من الحديد حلت به عاهة جسمية أخرى. وكي يحمي أهل صيام حقولهم ينصبون فيها راية خافقة، فإذا ما جرؤ لص واعتدى على هذه الحقول أصيب برعدة وأضطرب اضطراب العلم الخافق ولم يقو على الهرب. ويقال أن صياداً كان يفقد كل يوم جزءاً كبيراً من صيده، فرأى أن يحصن شباكه وفخاخه بتلك الراية الآنفة الذكر، فلم يدن اللص منها في الغد إلا وارتعدت فرائصه، ولم يبرح مكانه حتى قبض عليه. وجرت عادة السومطريين (سكان سومطرة) أن يبتهلوا إلى آلهتهم ويستنزلوا لعنات السماء على من سرق شيئاً من أمتعتهم، فلا يلبث السارق أن يعلن عن نفسه وعما سرق. ويروى أنه سرق مره أرز سومطرية، فأخذت تدعو علناً على السارق، وفي الصباح وجدت الأرز المسروق قد وضع خفية أمام بابها. وهاك نموذجاً من هذه الأدعية الغريبة: (شياطين الماء وملوك الأرض والسماء، أسألكم المعونة والثأر لي ممن اعتدى عليّ. فأن كان السارق رجلاً فيخفق في جميع مشروعاته، وليصب بمرض يعذبه عذاباً أليماً دون أن يقتله، ولتخنه زوجه، وليعصه ولده، وإن ذهب إلى الحرب فليقتل، وإن ركب سفينة فليغرق دون أن يعثر له على أثر، وإن قطع شجرة فلتسقط عليه، ولتصب الآلهة عليه جام غضبها فتهلك زرعه ولا تمن عليه بشيء يأكله حتى يضطر أن يتكفف
стр. 8593
الناس ولا يجيبون سؤاله فيموت جوعاً. وأن كان السارق امرأة فلتبق عاقراً إلى الأبد، وليسيء زوجها معاملتها، وليهجرها بنوها، ولتصب بأمراض لا شفاء منها.) ويظهر قدماء الإغريق كانوا يلجئون إلى أمثال هذه الأدعية والابتهالات لحفظ أموالهم، فكانوا يكتبونها على ألواح خاصة يضعونها في الأمكنة التي يراد حمايتها، ولا يزال بعض هذه الألواح باقياً إلى اليوم. وقد استخدموا هذه الأدعية كذلك في إرغام السارق على الاعتراف بسرقته، وهذا ضرب من وسائل التحقيق أن عيب بخرافته فهو يمتاز بسهولته. أما الرومان فقد ذهبوا إلى ما هو ابعد من ذلك، واعتقدوا أن هناك آلهاً خاصاً يتولى حراسة الحدود بين الحقول المتجاورة، فكل من اعتدى على جاره كان عرضة لسخط هذا الإله العظيم. ويخيل إلينا أن إله الحدود هذا يفسر ما كان عليه الرومان الأول من عناية بالزراعة وشؤونها. وجملة القول أن الخوف الناشئ عن أسباب خرافية صرف الناس عن السرقة في كثير من الشعوب القديمة ولدى القبائل الهمجية المعاصرة، فنتج عن هذا احترام للملكية الفردية وأمن مكمن المالك من الانتفاع بها. ولا يفوتنا أن نضم إلى الملاحظات السابقة ما نشاهده بيننا من أثر الخرافة في حفظ المال والمتاع. فالعجل إن قيل أنه (للسيد) قضى الليل والنهار في الحقل وخارج الدار دون أن يصاب بأذى، وأن كان من عجول عباد الله الآخرين أضحى عرضة للسرقة والنهب والسم والذبح. وكيف لا (والسيد) الذي جاء بالأسير من بلاده كفيل بأن يحمى ماله غائباً أو شاهداً، حيا أو ميتاً! ولا أضننا نجهل الأحلام المتواترة والقائلة بأن فلاناً رأى (الإمام) مثلاً يطارده طوال الليل، لأنه، فيما يزعمون، لم يوف بنذر نذره له من قبل. وما أشنع هذا الزعم الذي يناقض أصلاً من أصول الدين، ويسمح بالتقرب إلى غير الله، وقد وصل الأمر ببعضهم أن ادعوا أن هذا البلد بلد (الدسوقي)، والآخر ملك (البهنساوي)، والثالث من نصيب (العريان)، ويعنون بذلك أن كل واحد من هذه الأمكنة دخل في حوزة حارس أمين وحام عظيم. فلم يكن بدعاً أن تلجأ طائفة من الناس إلى نقل ملكيتهم - إن صح هذا التعبير - ولو ادعاء إلى بعض الأولياء والمقربين ليحفظ مالهم من الضياع. أما التمائم والرقى فتعمل فيها ما شئت، وحدث عنها ولا حرج: فتارة يقال أن هذه التميمة تحفظ من السرقة والغرق والحرق، وأخرى يظن أن هذه الرقية ما تلبث في دار إلا أمنت كل مكروه، وعل عادة وضع التماسيح على الأبواب تعتمد على خرافة من الخرافات
стр. 8594
التي ترمي إلى حماية المال والمتاع.
إبراهيم بيومي مدكور دكتوراه في الأدب والفلسفة
стр. 8595
التربية عند الإنكليز
التعاون في سبيل تربية الطفل بين المدرسة والمنزل
للأستاذ محمد عطية الأبرشي المفتش بوزارة المعارف
من مظاهر التربية الحديثة أن التعاون في المدرسة يجب أن يحل بالتدريج محل المنافسة، وأن المدرسة والمنزل يجب أن يعملا يداً بيد في سبيل تربية يصلح بها للحياة التي تنتظره، تربية اجتماعية كاملة، بحيث يتعود التعاون مع غيره من الصغر، حتى يستطيع أن يقوم بأعمال جليلة في الكبر. قد لا يستطع الآباء في المنزل أن يروا الغرض من الحياة، أو معنى الحياة، وقد يكونون محبين لأنفسهم، يأخذون ولا يعطون. وهنا تبدو الحاجة إلى المدرسة، فأنها تأخذ وتعطي، وتدرك معنى الحياة، وتستطيع القيام بمساعدة المنزل في تربية الطفل تربية عملية علمية صحية، تتفق والبيئة التي ينسب إليها. وأحسن الوسائل التي بها يستطيع المنزل والمدرسة معاً إعداد الطفل للحياة الكاملة هي: (١) العناية بالدور الأول من الحياة وهو دور الطفولة، فأنه هو الأساس الذي يبنى عليه مستقبل الطفل وحياته. وقد بلغت بالإنجليز العناية بالطفل لدرجة أنهم يفكرون فيه حتى قبل أن يولد بخمسين سنة على الأقل، فالطبقة الراقية منهم تفكر في أثر الوراثة، فلا يتزوج أحد من هذه الطبقة بمن به أو بها مرض من الأمراض العقلية أو العصبية أو الرئوية؛ خوفاً من التسبب في إيجاد طفل معتوه أو مجنون أو مستعد للسل مثلاً
(٢) أن يعطى الطفل حرية كبيرة لتنمية مواهبه وقواه التي تعد هبة للحياة الاجتماعية، ولا نقصد بذلك أن ندع الطفل يفعل كل ما يشاء، بل نعطيه فرصة في أن يعمل ويجرب، ونراقبه عن بعد حتى يظهر خطؤه، وندعه يحاول إصلاحه بنفسه، ونساعده عند الحاجة، ونعمل على أن يعرف نفسه، ويعتاد ضبط شعوره وعواطفه، والصبر، والتجربة والمثابرة، والتفكير في الجماعة، وفي روح الجماعة، بحيث تضحي في سبيله بكل شيء آخر؛ فلا تفكر إلا في الطفل وفي تقويمه وتهذيبه ليكون المثل الأعلى في الحياة
(٣) الاهتمام بالألعاب الرياضية؛ فأنها أحسن وسيلة لتقويم خلق الطفل وتقوية جسمه؛ بها نبث فيه حب العمل والتفكير لا في نفسه بل في الفرقة التي يشترك فيها، وبذلك نميت فيه ذلك المرض النفسي: مرض حب الذات والتفكير في النفس ليس غير
стр. 8596
(٤) الحاجة إلى معرفة أن الطفل يحتاج أحياناً إلى الهدوء والصمت
(٥) العمل على الإصلاح دائماً. والتفاهم بالمحادثة الودية خير طريقة للعلاج والإصلاح. وأن المراقبة في دور البلوغ، والمراهقة واجبة، لان هذا الدور أكثر أدوار الحياة خطراً
(٦) العناية بالفنون والأعمال اليدوية كوسيلة للنمو العقلي والخلقي وكسب المهارة
(٧) يجب أن يتم التعاون بين المدرسة والمنزل، للوصول بالطفل إلى الكمال. فإذا لم يكن هناك تعاون بينهما فمن المحال أن نصل إلى الغرض الأسمى من التربية
وفي الأمم المتدينة، وبخاصة إنجلترا والولايات المتحدة بأمريكا تجد الثقة متبادلة بين المدرسة والمنزل، والرابطة بينهما كبيرة، يتعاون كل منهما على تثقيف الطفل وأفادته، فليست المدرسة في وادٍ والمنزل في آخر نقطة وإني آسف لان أقول أن المدرسة وحدها في مصر هي التي تجاهد منفردة في سبيل تربية الطفل؛ فالمنزل في الغالب منفصل عنها كل الانفصال، وقد يهدم ما تبنيه أحياناً. ولا سبب لذلك إلا انتشار الجهل والأمية وحبذا الأمر لو قامت المدرسة بدعوة المتعلمين من الآباء في وقت معين كل ثلاثة أشهر مثلاً للتفاهم والبحث معهم في الأمور التي تتعلق بشؤون الأطفال، والنظر في أحوال التعليم، ومستقبل التلاميذ، والعمل على رفع مستواهم العلمي والخلقي والصحي والاجتماعي وفي (نيويورك) مثلاً تجد المدرسة تعمل على التقريب بينها وبين المنزل؛ فالآباء في الولايات المتحدة بأمريكا أعضاء عاملون في الحياة المدرسية يذهبون إلى المحاضرات العامة التي تلقى في المدرسة، ويشتركون في مناظراتها، ويساعدون في مقاصفها، ويعاونون في محافلها الاجتماعية وبأمريكا الآن جمعيات للآباء والمدرسين في كل مكان تلقى فيها محاضرات عن: أعمال المدرسة، والغرض من المدرسة، والطفل، ونفسيته، وتربيته، ومعاملته
والكل يفكر في الطفل ثقة بأن طفل اليوم هو رجل الغد، وآثر التربية اليوم يظهر في الغد، وما تزرعه اليوم تجني ثماره غداً. وأن غداً لناظره قريب. والوسيلة الوحيدة لإصلاح الجيل المقبل وترقيته هي العناية بالجيل الحاضر. فإذا عنينا بأطفال اليوم وتربيتهم تربية صالحة في المدرسة والمنزل، والملعب، انتظرنا ثمرة طيبة وشعباً راقياً في المستقبل
وفي مدارس الأطفال في (ونتكا) بأمريكا يشترط لقبول التلاميذ أن يقبل الآباء معاونة
стр. 8597
المدرسة والاشتراك مع موظفيها في العمل، وبغير ذلك لا تقبل الأطفال. وفي إنجلترا قد بذلت جهود كبيرة في السنوات العشر الماضية للتوحيد بين هذين العاملين: المدرسة والمنزل، وتوثيق عرى الرابطة بينهما. ولقد نجحت هذه المجهودات وأصبح الآباء يعنون بأمور التعليم، يسترشدون برأي المدرسة، ويستعيرون من مكتبتها إذا شاءوا، ويدعون للمجتمعات الموسيقية والتمثيلية والرياضية لكي يروا أبنائهم يغنون أو يمثلون أو يلعبون، ويشاهدوهم كرجال يقومون خير القيام بكثير من الأعمال من إدارة مطعم، وتنظيف فصول، وتنظيم حديقة، ومراقبة ألعاب رياضية، وإدارة مكتبات، وتوزيع الأدوات وجمعها بعد الانتهاء منها، وإصلاح كل ما يحتاج إلى الإصلاح في المدرسة. فالطفل عضو عامل في المدرسة يعوّد من صغره الاعتماد على نفسه، والاستعداد للحياة العملية العالمية باشتراكه مع رفقائه في الفصل والمعمل والمصنع والمحفل والملعب الرياضي
وفي المنزل يجد الطفل الإنجليزي مدرسة أخرى صغيرة؛ فالبيئة علمية، والجو علمي؛ أم تعلمه، وأب يرشده، وخادمه تقرأ له. فالكل يفكر فيه صباحاً ومساءً. في الصباح يأتي الطفل إلى أمه بالصحيفة اليومية فتقرأ له الجزء الخاص به من الصحيفة عن الفيل والنمر مثلاً، فيعرف ما تم من أمرهما. ثم تقطع له هذا الجزء فيضعه بين كتبه الخاصة، في حجرته الخاصة بكتبه ولعبه، وفي الساعة السابعة مساءً يتناول كوباً من اللبن أو فنجاناً من المرق بعد الاستحمام، ثم تأخذه إلى فراشه، وتقرأ له بعض الحكايات السارة، وتنشده شعر الطفولة، وتغني له بعض الأغاني بصوت هاديّ جميل حتى ينام، فتتركه إلى الصباح
وترحب المدرسة الإنجليزية بالآباء، وتريهم الأعمال التي يقوم بها أولادهم فيها، وتعمل على إيجاد روح التعاون بينها وبين المنزل
والمدرس الحازم يستطيع أن يساعد الآباء في معرفة أن الحياة لا تقصد طفلاً واحداً، أو أسرة واحدة، أو مدرسة واحدة ليس غير، بل تقصد المجتمع الذي ينسب إليه الفرد، والذي يجب أن يقوم الكل بواجبه نحوه؛ حتى نزول الأثرة التي تظهر في بعض الآباء الذين لا يفكرون إلا في أبنائهم وبناتهم. فالمدرسة تستطيع بمعاضدة المنزل أن تقوم بجلائل الأعمال نحو الأخلاق والإنسانية وتحسين المستوى الصحي والاجتماعي والعلمي والخلقي. ولسنا في حاجة إلى تكرار القول بأن التعاون بين المدرسة والمنزل هو الوسيلة الوحيدة لنجاح
стр. 8598
التعليم. وبالمنتديات يمكن الجمع بين الآباء والمدرسين لاستماع روايات أو مناظرات مثلاً يقوم بها الطلبة والمدرسون، وبهذه الطريقة تتم الرابطة، ويلم الشعث، ويعمل الجميع لإسعاد الطفل وتربيته تربية حسنة
ولقد أوحت روح (بستالونزي) إلى المدرسين بأن يكسبوا تقدير الآباء، فأن هذا التقدير هو العامل الأول لنجاح الإدارة المدرسية، وان كانت المدرسة في حادة فإنها في حاجة إلى مساعدة المنزل؛ فالمدرسة هي التي تتسلم البضاعة التالفة؛ يأتي الطفل إليها يتكلم لغة غير لغتها، ويتخلق بأخلاق سيئة، وحينئذ نجد عمل المدرسة مضاعفاً؛ فتبتدئّ تعلمه لغة جديدة أو لغتين، وبجانب بث الأخلاق الفاضلة فيه تعمل على تقويم المعوج منها
وإني أعتقد أن الطفل يتمنى أن يأخذ والده في إحدى يديه، وأستاذه في يده الأخرى؛ حتى يعمل الكل وحدة (ثلاثية) متينة الاتصال تعمل لشيّ واحد هو رقي المجتمع، والوصول إلى الحياة الكاملة.
محمد عطية ألابراشي
стр. 8599
٣ - النهضة التركية الأخيرة
للدكتور عبد الوهاب عزام
شذرات من كلام محمد إقبال
أقفى على ما كتبته في المقال السابق عن موقف المسلمين من تقليد أوربا بشذرات من الفيلسوف الشاعر الهندي محمد إقبال تؤيد ما قلت. وهي شذرات من كتابه جاويدنامه، وهو رحلة خيالية في الأفلاك والجنة تضمنت آراء إقبال في الإسلام والمسلمين، وسأتكلم عنها في مقالات أخرى، وإن تكن هذه الشذرات طويلة فالحق لا يضره الطول. قال على لسان سعيد باشا حليم حينما لقيه في فلك عطارد مخاطباً المسلم: (قم فصوّر بنفسك عالماً آخر، وامزج العشق بالذكاء الباهر. إن شعلة الإفرنج أصابها الماء فهي خامدة، فالعيون ناظرة والقلوب هامدة؛ أصابت سيوفهم منهم المقاتل، فسقطوا كصيدهم في المجاهل. فلا تطلب الحرقة والنشوة من كرومهم، ولا ترجّ عصراً جديداً في أفلاكهم. في نارك أنت حرقة الحياة ونورها، وعليك أنت بعثها ونشورها قال مصطفى وهو يتغنى بالتجديد: (لابد أن كل قديم عتيد.) إن الكعبة لا تجد فيها الحياة، إذا جاءها من أوربا اللات ومناة. وا أسفا ليس في رباب التركي نغمة جديدة، جديدة قديم أوربا الغالبة. لم يكن غير هذا النفس في صدره، ولم يكن سوى هذا العلم في ضميره. فلا جرم سكن إلى العالم الموجود، وذاب كالشمع في حرقة العلم المشهود. وكم في طباع الكائنات من طريف وجديد، ليس في تقويم الحياة هذا التقليد، إن القلب الحي يخلق العصور، وينفر من التقليد أي نفور
إن يكن لك قلب المسلم الولهان، فأنظر في ضميرك والقرآن، كم عالم جديد في آياته. وحسب العصر الحاضر واحد من عوالمه، إن نفذ قلبك إلى بواطنه، إن المؤمن من آيات الله الوهاب، يابس العوالم لبس الثياب. كلما قدم عليه عالم منحه القرآن عالماً آخر. . . الخ
وهذا حديث من الكتاب نفسه بين نادر شاه ملك إيران وزنده رود (محمد إقبال) حينما التقيا في الجنة:
نادر:
مرحباً بالشاعر المشرقيّ، الذي يجدر به اللسان الفارسيّ، إني محرم للأسرار فأفش أسرارك، ماذا عندك عن إيران الوطن المبارك؟
стр. 8600
زنده رود:
فتح عينه على نفسه حيناً، ثم وقع في الشرك سريعاً. هو صريع دلال أوربا الفاتنة هام بها فأتبعها، وفتن بزينتها فقلدها، همّه اليوم الملك والنسب، وذكر سابور وتحقير العرب، أوقاته من الواردات خاليه، يطلب الحياة من القبور البالية. تحدث بالوطن مذهل عن نفسه، وترك حيدراً وهام برستمه! الخ
ويقول على لسان إبدالي ملك الأفغان في القرن الثاني عشر حينما لقيه في الجنة
أبدالي:
ذهل الشرق عن نفسه بما قلد الغرب واتبعه، ولابد للشرق أن ينقد الغرب فيفهمه، ليست قوة الغرب من العود والرباب، ولا من رقص الفتيات بغير حجاب، ولا من سحر ورديات الخدود، ولا من الساق العارية والشعر المجدود. وليست هيبة الغرب من نبذ الدين، ولا بهاؤه من حرف اللاتيني. ما قوة الإفرنج إلا العلوم والفنون، وما ضوء مصباحهم إلا من هذه النار. ما الحكمة صورة من الزي واللباس، وما تمنع العلم والفضل عمامة على الرأس؛ إن للعلم والفن أيها الشاب النافر، سراً وراء هذه الظواهر؛ وإنما يغنى في هذه السبيل العين النظارة، لا هذه العمارة أو تلك العمارة؛ حسبك الفكر النفاذ، وناهيك بالطبع الدرّاك. إن ملك المعنى لم يحجره أحد، ولا يناله إلا الجهاد والجلد، لقد غفل التركي عن نفسه، وسكر من الإفرنج رأسه، فشرب من يدهم السم حلو المذاق، وترك عامداً ترياق العراق، ولست أدعو له إلا بالهداية والسداد. إن عبد الإفرنج قد أولع بالظهور، فأخذ عنهم الغناء والفجور، يضني روحه في اللهو والفتون، ويستصعب الجد فيركن إلى المجون. يؤثر السهل إيثاراً لراحته، ويرى في السهل كفاء لفطرته. وإنما طلب السهل في هذه المحن إيذان بأن الروح قد فارق البدن)
ويقول في خاتمة كتابه خطاباً للجيل الجديد:
(آسيا موطن الشمس ومشرقها ترى غيرها وتحتجب عن نفسها، قلبها محروم من الواردات الجديدة، فهي اليوم لاتزن شعيرة؛ وقتها في معترك هذه الدار جامد ساكن لا يلذ التسيار. هي صيد الشيوخ وقنيص الملوك، وغزال فكرها ظالع منهوك. العقل فيها والدين والعلم والشرف والعار من ربقة السادة الإفرنج في إسار. هجمت على عالم أفكارها، ومزقت
стр. 8601
حجاب أسرارها، وجعلت قلبي في صدري دماً حتى صبغت عالمها لوناً آخر. . . .
شباب عطاش كؤوسهم فارغة، ووجوههم نضرة، ورؤوسهم مضيئة، وأرواحهم مظلمة، ضعاف البصر قد حرموا اليقين والأمل، لم تدرك أعينهم شيئاً في هذا العالم، يكفرون بأنفسهم ويؤمنون بغيرهم؛ إن منكر الحق عند الشيوخ كافر، ومنكر نفسه عندي أكفر)
ثم أعود إلى الكلام فيما فعله الكماليون فيما يسمى (النهضة التركية الأخيرة)، وأقدم قبل الكلام ترجمة البلاغ الذي أذيع على الناس قبل فتح المجلس الكبير بأنقرة ليتبين القارئ أين ابتدأت هذه النهضة وأين انتهت:
نشرت الهيئة التمثيلية التي مهدت لاجتماع مجلس الأمة الكبير بأنقرة هذا البيان قبل فتح المجلس:
١ - بمنة الكريم سيفتح مجلس الأمة الكبير في أنقرة يوم الجمعة الثالث والعشرين من نيسان بعد صلاة الجمعة
٢ - اختير يوم الجمعة لفتح مجلس الأمة الكبير الذي سيؤدي الوظائف الحيوية الخطيرة مثل إنقاذ مقام السلطنة، والخلافة، واستقلال الوطن. ويستفاد من بركة هذا اليوم فتؤدى صلاة الجمعة في جامع الحاج بايرام ويحضرها المبعوثون كلهم، للتيمن بأنوار القرآن والصلاة. وبعد الصلاة يسار باللحية المباركة واللواء الشريف إلى الدائرة المخصوصة
وقبل الدخول إلى الدائرة يتلى دعاء وتذبح الذبائح. وفي هذه المراسم تنظم الفرق العسكرية، من الجامع إلى الدائرة المخصوصة.
٣ - لأجل تأكيد قدسية اليوم المذكور يبدأ اليوم بتلاوة الختمة الشريفة والبخاري في مركز الولاية بترتيب الوالي، وتؤخر الأجزاء الأخيرة من الختمة الشريفة لتتلى أمام الدائرة يوم الجمعة بعد الصلاة
٤ - لأجل تأكيد قدسية اليوم المذكور يشرع منذ اليوم (في كل الجهات) في قراءة الختمات الشريفة والبخاري، وتقرأ الصلوات الشريفة على المنارات يوم الجمعة قبل الآذان؛ وحينما يذكر أثناء الخطبة الاسم الهمايوني العظيم أسم حضرة صاحب الخلافة سلطاننا يدعى بصاحب الشوكة ولممالكه الشاهانية ولرعاياه بالخلاص والسعادة. وبعد أداء الصلاة يكمل الختم وتلقى المواعظ في تبيين خطر وقداسة المساعي الملية التي يراد بها خلاص مقام
стр. 8602
الخلافة المعلى والسلطنة وأقسام الوطن كلها، وفيما يجب على كل فرد من المؤازرة في تأدية الوظائف الملية التي يقوم بها المجلس الكبير المؤلف من نواب الأمة. ثم يدعى بالخلاص والسلامة والاستقلال لخليفتنا وسلطاننا، وديننا ودولتنا، ووطننا وملتنا، وبعد إيفاء هذه المراسيم الدينية، والخروج من الجامع، يجتمع الناس في مركز الحكومة في كل البلاد العثمانية، للتهنئة بفتح المجلس. ويقرأ المولد الشريف في كل جهة قبل صلاة الجمعة بصورة مناسبة
٥ - وتتخذ كل الوسائل لاذعة هذا البيان، ويبلغ سريعاً إلى أبعد القرى، وأصغر الفرق العسكرية، وكل مؤسسات الدولة، ويعمل في لوحات مخصوصة، ويطبع ويوزع مجاناً حيث ما أمكن ذلك
٦ - نضرع إلى جناب الحق أن يهبنا التوفيق الكامل
باسم الهيئة التمثيلية
مصطفى كمال
ذلك ما أفتتح به الكماليون عملهم؛ فلما أتيح لهم النصر شرع القادة منهم يتنكرون للإسلام. وكان أشدهم إفراطاً في ذلك الغازي مصطفى كمال باشا الذي كان المسلمون جميعهم يعدونه بطل أبطالهم غير مدافع. ولست أدري أيعود الكماليون فيتوسلون بالدين إذا وقعوا في محنة أخرى. ولست أود لهم المحن بل ادعوا لهم بالعافية والهدى. حدثني من أثق به عن الشيخ عبد العزيز جاويش ﵀ أن الغازي قال له مشيراً إلى القرآن الكريم: (لن تفلحوا ما دام هذا الكتاب البالي أمامكم) وحدثني آخر من كبار الرجال أن الغازي رمى بالمصحف ساخراً؛ وكان يأمر فتترجم له بعض آياته ليتخذها هزواً. ألم يكن للنهضة التركية بدّ من هذا؟ لقد سبقنا الأوربيون في كل سبيل وما سمعنا عن ملك من ملوكهم أو زعيم من زعمائهم أنه فعل هذا بالتورات والإنجيل. ولو فعله بعضهم لكان فعلة شنعاء لا يقتدي بها العقلاء. وقد قرأت في إحدى الجرائد الإنكليزية منذ سنين بعدااأن ملك الإنكليز يواظب على قراءة فصول من التورات منذ أربعين سنة لأن أمه أوصته بهذا
وقد كتب الكماليون في دستورهم أول الأمر أن دين الدولة الإسلام، ثم عادوا فمحوا ذلك
стр. 8603
منادين بأن الدولة لا دين لها. ثم عمدوا إلى القوانين المدنية، وهي مستنبطة من الشريعة الإسلامية فنبذوها واستبدلوا بها قانون سويسرا. وليسوا أول من يلام على ذلك، فقد سبقهم المصريون فسنوا للمسلمين هذه السنة السيئة، ولكن الكماليين كانوا بدعاً من الأمم في اختيار قانونهم الجديد. فما كان هذا القانون وليد عاداتهم، ولا نتيجة حاجاتهم، ولا منتهى ما رآه أولو الأمر منهم، بل أتوا بالقانون السويسري مجموعاً مطبوعاً مجلداً، وعرض على المجلس هذا المجلد مطبقاً، وأخذت الآراء فأجمع عليه الأعضاء، فأنتقل قانون سويسرا إلى الأناظول في ساعة، وصار الأناظول سويسرا، وصار أهله سويسريين، وأنجاهم الله من القوانين الإسلامية البالية، إذ أنزل عليهم قانوناً جديداً مطبوعاً مجلداً، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء!
ومما ابتدعه الكماليون التأذين باللغة التركية. وقد ترجموا القرآن من قبل إلى لغتهم فعذرناهم وقلنا لابد للمسلم أن يفهم قرآنه، والتركي لا يستطيع أن يفهم القرآن بالعربية فلا مناص من ترجمته إلى لغته؛ والأمر في الأذان غير هذا، فهو تسع كلمات ممدودات صارت شعاراً للمسلمين في أقطار الأرض كلها يفهمونها على اختلاف لغاتهم؛ ليس في الأرض مسلم لا يعرف معنى الله أكبر ومحمد رسول الله، والصلات والفلاح، وأن يكن في الأرض مسلم لا يفهمها وجب عليه أن يفهمها احتفاظاً بهذا الشعار، واستمساكاً بهذه الكلمات الجامعة بين المسلمين. فما بال الكماليين أصروا على التأذين بالتركية؟ ذلك بأنهم لا يبالون بالرابطة الإسلامية، وما أحسبهم إن استمرت لهم هذه السيرة إلا سيلغون الأذان كله فيستريح السادة المترفون من هذه الضوضاء. ذهبت مرة إلى جامعة أكسفورد فتعشيت في إحدى كلياتها مع الطلبة. فلما جلسنا على الموائد أقبل جماعة من الأساتذة إلى مائدة تسمى المائدة العالية، فوقف الطلبة، وتلا أحد الأساتذة دعاء باللاتينية. ولما انتهى الطعام وقف الطلبة خاشعين فاستمعوا إلى دعاء آخر باللاتينية. وهناك شواهد كثيرة على احتفاظ الأمم في بعض أمورها بكلمات من لغات غير لغاتها احتفاظاً بذكرى تاريخية أو إبقاء على سنة دينية. وأذكر هنا أن في أكسفورد تسع عشرة كلية مع كل واحدة منها كنيسة، والطلبة ملزمون بالتناوب على الصلات في أوقات معينة، فهل منع هذه الإمبراطورية البريطانية من أن تسود العالم؟ أو كان هذا بعض الأسباب التي مكنت لها في الأرض؟
стр. 8604
ولا ننسى هنا أن الجامعة المصرية حينما شيد بناؤها على طراز أوربي لا مصري ولا عربي لم يتم بنائها التقليد ببناء المساجد، ييسر للطالب المصلي تأدية الصلاة، فكأنه أكره على ترك الصلات إكراهاً. وقد تكلمت في هذا فقيل لي أن في تخطيط الجامعة م سجداً. ولست أدري متى يشيّد هذا المسجد المخطط؟ لماذا نؤمن ببعض سنن الأوربيين ونفكر في بعض؟ ولماذا يا قوم نقلدهم في المراقص ولا نقلدهم في بناء المعابد في الجامعات؟ وقد كان لنا مصليات في مدارسنا، وكان لها أئمة يصلون بالطلبة، ولكنا شعرنا بتوغلنا في المدينة وتقدمنا في العلوم والفنون فخجلنا من الإبقاء على هذه السنن القديمة فأهمناها فدرست ونسيت!
ومما فعله الكماليون آخراً تحويل جامع آيا صوفيا كنيسة بمحو ما فيه من آيات قرآنية وأحاديث، والكشف عما ستره المسلمون من صور القديسين والملائكة والصلبان ونحوها من نقوش المسيحية؛ وقد أحتج لهم من يدافع عنهم بالحق وبالباطل بأن بناء المسجد وهي، ولم يبق صالحاً لإقامة الصلوات فجعلوه متحفاً وكشفوا عن هذه الصور الأثرية، فهل معنى هذا أن الكماليون أشفقوا على المصلين أن يخرّ عليهم المسجد فأرادوا أن يفدوهم بروّاد المتاحف لا يبالون أن يسقط عليهم المتحف أو لا يسقط؟ هل بلغ الولع بالآثار القديمة عندهم أن يمحوا الآيات القرآنية ليكشفوا عن الرهبان والصلبان؟ على أن هذه الآيات قد كتبت بخط جميل يجعلها من الفنون الجميلة، ومضت عليها عصور تجعلها من الآثار القديمة
لست أرى في ما صنعه الكماليون بآيا صوفيا إلا إنفاذاً للمنهاج الذي وضعوه. فهذا جامع كان كنيسة معظمة عند النصارى، وقد فتح المسلمون القسطنطينية فجعلوا من آيات الفتح والظفر تحويل الكنيسة إلى جامع فطمسوا نقوش النصرانية فيها، وبنوا لها منارتين، ونصبوا أمامها لوحاَ كتبوا فيه حديثاً مروياً عندهم: (لتفتحن القسطنطينية! ولنعم الجيش جيشها، ونعم الأمير أميرها!) ولا يزال التركي كلما مرّ بهذا الجامع ذكر الفتح والفاتح، وغلبت الإسلام في هذه المدينة ونحو هذا مما لا يلائم (النهضة التركية الأخيرة) ولا يساير المدنية الحديثة، ثم لا يزال هذا الجامع حسرةً في نفوس النصارى، ما نسوه قط، وقد أعربوا عن أملهم في تحويله إلى كنيسة يوم احتل الحلفاء الآستانة في الحرب الكبرى
стр. 8605
فتجمع الروم حول آيا صوفيا ليستولوا عليه فيعود سيرته الأولى. فكان لزاماً أن يمحوا الكماليون هذه الآية من نفوس الترك وغيرهم من المسلمين، لينسوا الماضي وينظروا إلى الحاضر. وليتقربوا إلى أوربا النصرانية التي التزموا محاكاتها في كل شيء. وما بالكم أيها المسلمون تكرهون هذا التسامح في الدين وأنتم تزعمون إن دينكم دين التسامح؟ ستقولون أن أوربا النصرانية لا تتسامح معنا فنجزيها تسامحاً بتسامح، ولا يزال كثير من مساجدنا في الأندلس والبلقان كنائس في أيدي النصرانية. وفاتكم أيها المسلمون أننا أولى بالتسامح منهم فلماذا لا نبدؤهم به!!!
وقلد بلغني أخيراً أن الحكومة التركية هدمة المسجد الجميل مسجد المدرسة البحرية هيبه لي أطه، هذا المسجد الذي كان يشرف على بحر مرمرة يوحي إلى المسلم أن دينه ينبغي أن يعز في البر والبحر، فأن صدق هذا الخبر، ولست على يقين منه، فهو حلقة من هذه السلسلة
(له بقية)
عبد الوهاب عزام)
стр. 8606
الديمقراطية والانتخاب
في التربية
للأستاذ فخري أبو السعود
مبدأ التعليم العام حديث العهد وليد الديمقراطية في نظم الحكم الحديثة، إذا اقتضت الديمقراطية المساواة بين جميع أفراد الأمة في الفرصة التي تتاح لهم لتقويم طباعهم واستثمار مواهبهم؛ ففي نصف القرن الأخير جعلت مرحلة التعليم الأولى في دول الغرب الراقية عامة إجبارية مجانية، لينال كل فرد حظاً من التعليم، وعاونت الحكومات ذوي المواهب من أبناء الطبقة الفقيرة على المضي إلى غايات التعليم دون أن يكون فقرهم عائقاً لهم عن ذلك، وبذا انتشر النور وأطلقت المواهب التي كانت من قبل معقولة
على أن التعليم العام لم يخل انتشاره من مساوئ: من ذاك أن معظم أبناء الطبقة السفلى يغادرون المدرسة تواً عقبة إنهاء مرحلة الدراسة الأولى ويعودون إلى مزاولة مهن آبائهم وينسون ما تعلموه في المدارس إلا النزر اليسير الذي لا يساعدهم إلا على قراءة غث الكتب وفارغ القصص؛ ومن ثم انتشر الأدب الرخيص وطغى على الأدب العالي، وتدلت الصحف، وكثر الكتاب المرتزقون الذين لا يتوخون سوى إرضاء تلك العقلية المنحطة، وقد آذى هذا الأدب المنحط الثقافة الرفيعة: إذ اجتذب غير قليل من المتعلمين تعلماً راقياً، لأن من طبيعة الإنسان أن يؤثر الهين من الأبحاث على الصعب منها، إلا أن يكون له وازع من نفسه شديد يقسره على التسامي عن الفضول؛ وما من وسيلة من وسائل التثقيف الحديثة كالراديو والسينما والمحاضرات إلا أسئ استعمالها كما أسئ استعمال الكتابة إرضاءً لفضول أشباه المتعلمين، وكانت النتيجة أن التعليم العام حين رفع مستوى الطبقة السفلى درجة هبط بعقلية الطبقة العليا مثلها
على أننا إذا فرضنا أن التعليم العام كان خيراً كله في بلاد الغرب التي سبقتنا إليه فهل هو كذلك في مصر؟ لقد أخذنا مبدأ التعليم العام فيما أخذنا عن أمم الغرب؟ وقلنا: ما دمنا نطلب الديمقراطية في السياسة والحكم فلابد من اتباعها في التعليم؟ وما دمنا نريد النهوض ببلادنا فلننشر فيها العلم لننقيها من خرافات الجهل وجموده، وأغرقنا وتسرعنا في تطبيق ذلك المبدأ شأننا في كل ما ننقل عن الغربيين: فأنشأنا عشرات المدارس وزججنا الناشئين من
стр. 8607
كل صوب، وأنفقنا على ذلك الأموال الطائلة، وتخرج من معاهدنا ألوف الشبان، فماذا كانت النتيجة؟ النتيجة فشل لم يكن في الحسبان: فأولئك الشبان يزيدون على حاجة البلاد، وتعليمهم ناقص مشوّه، وأخلاقهم لا تحمد، والتعليم عامة يتقدم في طريق الضعف والانحلال سنة بعد سنة باطراد
ذلك بأننا أخذنا بمبدأ الديمقراطية في التربية مطلقاً غير محدود، وهو مبدأ غير طبيعي ولا يصلح به وحده مجتمع ولا نظام، وإنما المبدأ الساري في الطبيعة هو مبدأ الانتخاب: فالأصلح في الطبيعة هو الذي يرقى ويسود؛ وقد فطن إلى ذلك أول الشعوب أخذاً بالديمقراطية في حياتهم الاجتماعية ونظمهم الحكومية، وهم اليونان: فديمقراطية أثينا لم تكن في الواقع إلا أرستقراطية إذ تذكرنا أنه كانت بها دائماً طبقتان ممتازتان غير متساويتين في الحقوق والواجبات: طبقة الأحرار وطبقة العبيد. ولما بحث فلاسفة اليونان الكبار في النظم الحكومية لم يؤثر واحد منهم الديمقراطية المطلقة، ومالوا إلى الأرستقراطية لأنها هي النظام الطبيعي؛ وحين عالج أفلاطون التربية وضع لها نظاماً أرستقراطيا قائماً على مبدأ انتخاب الأصلح، لا ديمقراطياً على مبدأ المساواة التامة: فجعل التعليم على ثلاثة مراحل يتمتع الجميع بالأولى منها ولا يرتقى إلى الثانية فالثالثة إلا من أظهروا استعداداً طبيعياً لذلك، ومن المرحلة الأولى يتخرج أرباب المهن اليدوية، ومن الثانية يتخرج المقاتلون، ومن الأخيرة الفلاسفة والحكام
فالطبيعة لم تجعل أبناءها متساوين في المواهب، بل هي ترفع بعضهم فوق بعض درجات، ومادام هذا كذلك فسيظل في كل مجتمع في كل عصر طبقات متفاوتة، ولن ترقى أمة إلى أن تعترف ضمناً بالتفاوت بين هذه الطبقات، والغفلة عن هذا التفاوت خطأ قاتل
وأشهر الشعوب بالديمقراطية في العصر الحديث الإنجليز، ولكن من يتأمل في حياتهم يرى أن ديمقراطيتهم أرستقراطية كديمقراطية أثينا: فالفوارق بين طبقات النبلاء والأوساط والسوقة قائمة محددة يشعر بها أفراد كل طبقة، والنبلاء يترفعون على من عداهم ترفعاً شديداً، والآخرون ينظرون إليهم نظرة رهبة وإكبار، حتى لتكاد تكون طبقة النبلاء هذه أمة داخل أمة؛ وهذا الشعور باختلاف الطبقات والتسليم به والاعتراف بالأمر الواقع دليل على نزعة الإنجليز العملية، وهو هو سر صلابة بنيان نظامهم الاجتماعي والحكومي، وخلوّ
стр. 8608
تاريخهم من زعازع التقلبات
وهو أيضاً أكبر أسرار نجاح نظم التربية عندهم: فالنظام الأرستقراطي يتمثل في المدرسة الإنجليزية كما يتمثل في المجتمع الإنجليزي: فالتعليم عام مباح للجميع، ولكن هناك مدارس للخاصة قاصرة على أبناء من يأبون لأبنائهم مخالطة أبناء السوقة، ومعظم أبناء الطبقة السفلى ينقطعون عن المدرسة بمجرد إنهاء المرحلة الإجبارية وينزلون إلى ميدان الحياة العملية، ونظم المدارس من الشدة والدقة وجوهاً من النقاء بحيث لا يسمح بالاستمرار في مراحل التعليم إلا لمن حسنت أخلاقهم ونضجت مداركهم، والحكومة ومجالس الأقاليم والجماعات الخيرية لا تنفق أموالها إلا على النابغين المتفوقين، وهكذا يبدأ التعليم في أول مراحله ديمقراطياً عاماً ثم تتناوله يد الانتخاب بالتهذيب والتنقية فلا يبلغ القمة إلا الأكفاء خلقاً وموهبةً، ولا يصل إلى مراتب الإدارة والحكم وقيادة مصالح البلاد وتوجيه مصايرها إلا صفوة أبنائها، ويظل الأوشاب في أسفل
أما في مصر فأننا لطول لهفتنا إلى الديمقراطية والعلم - بعد أن عصف بنا الاستبداد والجهل أجيالاً - اندفعنا إلى مبدأ التعليم العام اندفاعاً، وأخذنا بمبدأ الديمقراطية وحده، وهو مبدأ كما تقدم غير طبيعي ما لم يماشه جنباً لجنب مبدأ الانتخاب، وما لم يراع معه قيام الفوارق بين الطبقات، فأدى هذا الاندفاع إلى هبوط مستوى التعليم هبوطاً ذريعاً: فكثر عدد المتعلمين ولكن قلت قيمة الواحد منهم بما يحمله من علم وخلق، والجانب الخلقي هو الذي يعنينا هنا أكثر من غيره، وقصارى ما يقال في أخلاق أبناء مدارسنا وخريجيها أن النفس تمتلئ أسى ويأساً من مستقبل قضية الوطن العزيزة حين تذكر أن هؤلاء هم ذخر البلاد لغدها، وما جنى على أخلاق متعلمينا هذه الجناية إلا حشد التلاميذ في المدارس من جميع الطبقات بلا تمييز
في كل أمة في العالم طبقة سفلى، فلا ضير علينا في الاعتراف بوجود هذه الطبقة بيننا، بل يجب علينا ونحن نلتمس موضع الداء ونحاول إصلاح عيوب التربية أن نذكر أن الطبقة الدنيا في بلادنا كبراً يفوق ما بالبلاد الراقية، وأن أخلاق يلك الطبقة في منتهى الضعة، لأنها ما تزال تحمل بين أطوائها آثار عصور الاستبداد والجهل التي أوهنت الأخلاق وبثت الكذب والنفاق والغش والخيانة والخشونة والوقاحة، وما يزال أبناء الطبقة
стр. 8609
الوضيعة عندنا متسمين بهذه الصفات، وهم لا يرون بها بأساً ولا يعدونها إلا إمارات مهارة وحنكة ووسائل اختيال للعيش وانتهاز للفرص
ومن سوء حظ التعليم في مصر أن أبناء تلك الطبقة أقبلوا على التعليم في السنين الأخيرة إقبالاً شديداً، لا لقدرهم العلم قدره ومعرفتهم بفضل الخلق الكريم العالي، بل طمعاً من الآباء في أن يروا أبناءهم يرفلون في أزياء الأفندية والبكوات، ويترشحون لعالي المناصب والمرتبات، فوجد أبناء السائقين والإسكافيين والخدم والبوابين ومن إليهم أبواب المدارس مفتحة لهم على مصايعها فجلسوا على أرائكها بجانب أبناء الأسر الطيبة الذين نشئوا في بيوتهم على حسن الذوق ولطف الخطاب وطهارة الطوية، فبثوا في جو المدرسة خشوتة طبائعهم وجلافة خطابهم، وسفالة أفكارهم، وضعة نفوسهم ولم تكن إلى سنون حتى تسمم جو كل مدارسنا، وصارت تطبع كل من أمها من التلاميذ - سوقهم وراقيهم - على غرار واحد لا يتصف بصفة حميدة واحدة
والذي أراه أن مدارسنا لن تقال من كبوتها، وأخلاق ناشئتنا لن ترفع من حطتها، حتى يصد هذا الذي يحق أن نسميه (غارة السوقة على المدارس) ويفصل بين أبناء السوقة وأبناء الأسرات الطيبة في معاهد العلم، ومادام هذا الزج الذي لا تمييز فيه فستظل أخلاق سوقتنا تطغى على أخلاق عليتنا ونحن نمكن لهذا الطغيان بأيدينا في مدارسنا
في الأمة سوقة وفيها أسرات طيبة، ونحن الذين نريد الرقي ببلادنا نبني الخير للجميع بلا نزاع، ولكن هذا المزج بين الفريقين بدعوى الديمقراطية لا يؤدي إلى غرضنا المنشود، هو يهبط بأخلاق العلية ولا يرفع السفلى، كالذي يمزج قليلاً من الماء النقي بكثير من الماء العكر لن يحصل إلا على ماء عكر، والأجدر بنا ألا نتعجل الأمر فنحاول ترقية الأمة جميعاً وتعليمها وتهذيبها دفعةً واحدة
إن الأجدر بنا أن نصرف عنايتنا أول الأمر إلى أبناء الطبقة المهذبة فنمدهم بالتعليم الذي ينشرونه وهم بمنأى عن مخالطة السوقة والتطبع بطباعهم، فهؤلاء صفوة أبناء الأمة، ومتى خلص لنا تعليمهم وتهذيبهم فقد أهدينا إلى البلاد طبقة من أبنائها الأكفاء ذوي الخلق العظيم القادرين على تدبير أمورها وقيادة نواحي النشاط العام في حياتها، ولنا أن نلتفت بعد ذلك - أو مع ذلك - إلى أبناء السوقة فنفسح لهم في مجال التعليم والتربية بما يؤدي
стр. 8610
إلى ترقية أخلاقهم ورفع مستواهم، ولكن على أن يظلوا بنجوة لا يبثون السموم في بيئة أرفع من بيئتهم، وان رفع مستواهم لأمر يحتاج إلى أجيال، كما أنهم إنما هبطوا إلى دركهم ذاك في أجيال، فجدير بنا أن ننبذ التسرع جانباً
ومن ثم نرى ضرورة إنشاء مدارس منفصلة لأبناء الطبقة المهذبة والأسرات الطيبة كما أشرت إليه في كلمة سابقة، يقبل بها التلاميذ على أساس الانتخاب الخلقي والعقلي لا على أساس الديمقراطية العمياء، فمما لا نزاع فيه أن بالبلاد أسرات طيبة ينشأ أبناؤها في بيوتهم نشأة طيبة، فلننتخب أبناء هذه الطبقات - بخير الطرق المستطاعة - ولنفرد لهم مدارس تمدهم بالثقافة ولا تفسد أخلاقهم بمخالطة الدون
ولا شك أن اليسر المالي من دواعي رقي الأسرة ورقي المجتمع كله. فالأسرة التي تشعر باليسر وترى امتيازها المالي على غيرها تسعى ليكون لها امتياز خلقي أيضاً، فتنزع إلى الحياة المنظمة النظيفة وتتسامى عن الشرور وعن السفساف، وتسود فيها رقة الحاشية وسلامة الذوق، والأخلاق الطيبة تبدأ تطبعاً وتستحيل طبعاً وتبتدئ بالمظهر ثم تأخذ بالجوهر. أما الأسرة السوقية المدقعة فيورثها كفاحها في طلب القوت وضيع الرذائل وقذر العادات، ومن ثم يمكن أن يتخذ اليسر المالي مقياساً لرقي أسرة الطالب وسموها عن أدران السوقية كما تتخذ مهنة والده مقياساً لذلك أيضاً، ويجب بعد أن يقبل الطالب في المدرسة أن تستمر الرقابة المدرسية الصارمة، فمن ثبت عدم استحقاقه للبقاء في بيئتها الراقية فصل على الفور ليظل جو المدرسة دائماً نقياً يسمو بأخلاق أبنائها
كذلك يجب أن تسمو المدارس بالعقول: بأن يرفع مستوى الامتحانات التي يتوقف عليها تقدم الطالب في مراحل العلم - أياً كان نوعها وكيفما أدخلت على أنظمتها الإصلاحات - حتى لا يسمح باجتياز مراحل التعليم المختلفة إلا لمن هيأتهم الطبيعة بالمواهب الصحيحة، فيسمح للجميع بطرق مرحلة التعليم الأولي، ولكن لا ينال الإجازات العلمية إلا من هم جديرون بها
هكذا يطبق مبدأ الانتخاب في التربية بناحيتيها الخلقية والعقلية؛ وبأتباع هذا المبدأ ترقى أخلاق المتعلمين ويرتفع مستوى الحاصلين منهم على الإجازات العلمية ويقل عددهم فلا يزيد على حاجة البلاد ولا يكونون طبقة عاطلة، ومن تخلفت به مواهبه منهم عن أدراك
стр. 8611
غايات العلم الصحيح يعرج على ما يناسبه من مهن وأعمال
فمبدأ الانتخاب، مبدأ الاعتراف بالتفاوت بين الأفراد والطبقات، مبدأ اختيار الأصلح، الذي هو المبدأ الطبيعي، هو المبدأ الذي به تصلح نظم التربية عندنا وتبرأ من عللها الكثيرة؛ أما مبدأ الديمقراطية المطلقة، مبدأ فرض المساواة التامة بين الجميع في كل شيء، مبدأ إفساح المجال لكل من هب ودب، فهو مبعث آفات التعليم، وهو الذي أدى إلى حشد التلاميذ في المدارس ذلك الحشد الذي عزا إليه تقرير معالي وزير المعارف معظم مساوئ التعليم في مدارسنا
فخري أبو السعود المدرس بالعباسية الثانوية
стр. 8612
إبليس يتوب. . .!
للأستاذ محمد سعيد العريان
(ليس أسمج من الرذيلة تكون وجدها في الأرض، إلا الفضيلة
تكون وحدها. . .!)
الرافعي
اطلع إبليس ذات مساء على الأرض؛ يستروح من نسمات الليل والدنيا نائمة - روح الفردوس الذي طردته الكبرياء من رحمته. وانبث زبانيته ينفثون الشر عن أمره في أوكار الظلام؛ ففي كل منعطف شيطان صغير يتربص، وبين كل اثنين ثالث لا يريانه. . .
وسمع إبليس في هدأة الليل عابداً يتهجد، ما يبدأ ولا ينتهي من سجدة إلا لعن الشيطان. . .!
وأحس إبليس لعنات الشيخ العابد تنصب عليه كما ينهال التراب على نار تتلهب، أو ينصب الماء على جمرة تؤجج
وصرت أسنان الشيطان من الغيظ، وانقدح من حجاجيه شرار كاللهب، أن عجز وعجزت زبانيته معه عن فتنة مثل هذا الشيخ الزاهد وإرادته على أن يتعلق بحظه من الدنيا وشهوات النفس، على حين لم يعجز الشيطان أن يطرد أباه من الجنة!
أفكان يعصم الشيطان من اللعنات أن يسلط على الناس جميعاً شهواتهم ويغري بهم أنفسهم؟ فكيف وإن عباده من أهل الغواية والمعصية ليذكرونه باللعنة على مقدار ما ييسر لهم شهواتهم ويضاعف لهم من مسراتها؛ وإنهم ليسرعون إلى لعنته إسراعهم إلى طاعته. . .؟
وهبّت نسمة السحر تعطر الدنيا بأنفاس الجنة، فاستروح منها إبليس روح الماضي يذكره أيامه كلها منذ بدء الخليقة ويلقي التاريخ بين يديه. وتغشه الذكرى وعاد الزمان القهقري أمام عينيه؛ فإذا هو ملك بين الملائكة يسبحون بحمد ربهم حافين من حول العرش؛ ثم إذا هو يفسق عن أمر ربه أبياً مستكبراً أن يسجد لبشر من طين؛ وإذا هو من بعد مطرود من رحمة الله، مذموم مدحور يلعنه الفضاء ويسبُّه الأبد؛ ثم ينفث نفثته في صدر حواء فينزلها وزوجها عن الجنة فيخرجهما مما كانا فيه، ويتعقب أبناءهما من بعدهما على الأرض
стр. 8613
يصنع منهم حطب جهنم، فما بشر من الناس إلا شيطانه يسعى بين يديه. . .
ثم هو في موقفه ذاك تتناثر من حوله لعنات الناس سواء منهم طائعه وعاصيه. وتصك أذنيه من مكان سحيق زفرات عباده في نار جهنم تكوى جباههم وجنوبهم بما أغواهم الشيطان وأضلهم سواء السبيل!
ولأول مرة استشعر إبليس لذع الندم فدمعت عيناه. . .!
يا لها من سخرية. . . إبليس يتوب. . .! لقد كفاه ما اقترف منذ هبط من السماء انتقاماً لكبريائه التي زعمها ديست يوم أمر أن يسجد لصلصال من حمأ مسنون!
أكانت توبة نصوحاً، أم مبالغة في الانتقام، أم هو يشتهي أن يعيش بشراً بين البشر عمراً من عمره، ليذوق بعض لذّات البشرية، ويرى بعيني حسه كيف يفتتن بها الناس جميعاً منذ كانوا فتسرع بهم شهواتهم إلى طاعة الشيطان. . .؟
وطلع إبليس على الأرض فتى وسيماً يمشي على قدمين مشي الناس. وشعر لأول ما لبسته البشرية أنه جائع، فعاجَ على ندى ساهر له به عهد، لأنه هو الذي أنشأه وأقامه حجراً على حجر، وطالما قضى الليالي ذوات العدد من حيث لا يراه الناس؛ ينفث الشر، ويبذر بذور الخطيئة، ويفتن في وسائل الإغواء. . .
كانت مصابيح الندى ترمي أضوائها إلى بعيد، وتمد من أشعتها شركاً بصيد الناس ويأخذ عليهم طريقهم؛ وكان كل ما ينبعث منه يشعر أن هناك حركة وعملاً يغريان من يلتمس إرضاء شهواته. . .
ولكن. . . ولكن ها هو ذا إبليس يصعد الدرج في أناة ورفق، ويدفع الباب في هدوء وخفة، ويخطو إلى البهو في سكون وحذر، فيرى، ولكنه يرى أجساداً لا تكاد تتحرك، ويسمع، ولكنه لا يسمع إلا مثل أنفاس النائمين؛ ويشهد، ولكنه لا يشهد إلا عيوناً محدقة في الفضاء تتأمل. لم يكونوا سكارى ولا مغيبين، ولكن فكرة واحدة كانت تسيطر عليهم جميعاً، فكرة بين السخط والرضى، وبين الندم والاستغفار!
وجلس الشيطان إلى مائدة وحده وطلب طعاماً، وراح يدير عينيه فيما حوله ومن حوله، ويتسمع نجوى الضمائر الخفية تهمس في أعماق أصحابها
ورأى مائدة خضراء مبسوطة، قد تناثر عليها هنا وهاهنا نقد وورق، ورأى كؤوساً فارغة
стр. 8614
وممتلئة، ورجالاً ونساء قد تحلقوا حول المائدة، ذراعاً إلى ذراع، وامرأة بين كل رجلين. . . ولكن يداً واحدة لا تمتد إلى شيء، وفماً واحداً لا ينبس بكلمة. . .
وأبصر رجلاً يهتز في موضعه هزة خفية وهو يتحدث إلى نفسه: كيف يصنع وقد فقد كل ما كان معه من نقد، إنه ليرى ماله أمامه على المائدة ولكنه ليس من حقه، لأن حظه في اللعب قضى به لغيره، وهو قضاء غير مشروع ولكنه حكم العرف فما عليه إلا الطاعة؛ وقالت له نفسه: ما أنت والقمار؟ شد ما نهيتك فلم تنته! الآن فذُق ألم الحرمان مما تملك، فلعلك من بعد ألا تستمع إلى إغواء الشيطان. . .
واختلج إبليس حين ذكر أسمه اختلاجه كادت تنم عليه؛ وهمّ أن ينهض، لولا أن أقبل النادل عليه بالطعام
وشُغل إبليس لحظة بالأكل، يزدرد اللقمة بعد اللقمة يكاد لا يحرّك بها فكيه؛ وعرف لأوّل ما ذاق الطعام - لماذا كانت شهوة البطن أول هم الإنسان. . .!
وعاد ينظر إلى وجوه الناس وضمائرهم، فما راعه إلا هذا المقامر الرابح محدقاً في الفضاء يتفكر، وإن وجهه لتتعاقب عليه شتى ألوان الندم والخزي والحياء. . . ثم لم يلبث أن نهض يجمع المال على المائدة فيفرقه في سماره وهو يقول: معذرة يا صحابتي، فإنما هو مالكم ليس لي حق منه في شيء، وما لعبت لأسلبكم ما تملكون، إنما أردت السلوة وإزجاء الفراغ. وعضّ على شفته واحمر وجهه، إذ كان يعلم أنه يكذب في اعتذاره؛ فما كان ليقامر إلا مؤملاً أن يربح، وما كان ليربح مرة إلا وهو يعلم أنه يأخذ ما لا يملك؛ وقد ربح الليلة، ولكنه حين ضمّ يديه على المال أحسّ كأنه يقبض على جمر؛ ورفت به سانحة من الخير، فتعفف أن يأكل مال الناس فخرج عنه لأهله. . .!
ونظر الرجل إلى يمين، فإذا صاحبته مطرقة قد تغرغرت عيناها، فمال عليها وهو يهمس:
(أيكون قد أغضبك ما فعلت يا سيدتي؟)
قالت المرأة: (عفواً ليس لي شأن بذاك، ولكن أمراً يقتضيني أن أعود مسرعة إلى الدار. . .!)
وهبت واقفة، فقال الرجل: (خير. . . .! أتأذنين لي أن أصحبك؟)
قالت: (شكراً. . .!)
стр. 8615
وسارت في طريقها فما ألح الرجل ولا تعوقت المرأة، ومالت إلى غرفة في الندى تأخذ زينتها في المرآة فأدركتها صديقة، ونظرت كل منهما في وجه صاحبتها فأطالت النظر ثم أطرقتا. .
منذ بعيد تقارف هاتان المرأتان الإثم في غير حذر ولا تذمم؛ أما إحداهما فضحية شاب غوى أغراها حتى نال منها ثم اختفى من وجهها وخلّف بين أحشائها بضعة منه، ففرّت بجريمتها من قانون الجماعة إلى حيث تشفي قلبها بالانتقام من الرجال
وأما الأخرى فزوج كالأيم، أو هي أيم وإن تك ذات بعل؛ فما شعرت يوماً أن لها حقاً على رجلها، وإنه لذائب التجوال بين البلاد، ولا تستقر به الدار في حضن زوجته أياماً حتى تعرض له الأماني تغريه أن يضرب في الأرض يطلب المجد بالثمن الغالي. . . بشرف زوجته. . .!
لم تحس المرأتان قبل الليلة معنى من معاني الندم؛ فمالها الليلة مطرقتين لا تنبسان؟
أرأيت إلى المجرم إذ يفجَأ وهو يقارف جريمة منكرة، فليس يملك أن ينكر ولا أن يعتذر؟
وعاد نظر المرأتين فالتقيا فإذا هما تتعانقان وقد أجهشتا باكيتين، وأطفأت دموع الاستغفار وقد النار ولذع الندم، فكأنما حلت في جسد كل منهما روح جديدة قد خرجت من الجنة لساعتها لم تتعلق إنما ولم تجترح معصية
وتلفت إبليس فإذا الندى مقفر خالٍ ليس فيه إلا الندل يسعون بين الموائد الخالية، يرفعون الأوراق والأقداح ويصففون الكراسي والمناضد
وتنفّس الصبح فأبدل إبليس ثياباً بثياب، وانطلق تبانه وبرنسه إلى سيف البحر، يستمتع به ما يستمتع البشر، ويملأ عينيه وقلبه من مفاتن دنيا الناس. لقد كان له في البحر معهد يرتاده زبانيته يعلمون الناس السحر وينصبون شرك الفتنة؛ وهو ذا البحر، فأين فتنته وسحره، وأين مباهجه التي كانت؛ أين الأجسام البضة، والأذرع الغضة، والسيقان اللفاء، والصدور النواهد؛ وأين العيون التي ترمي فتصمي، وأين لآلي البحر تغوص وتطفو، وأين الزبد الأبيض يلاطم الزبد الأبيض
لقد خلا البحر من عرائسه، إلا عجوزاً مقرورة مستلقية على الشاطئ، ما يبدو منها إلا عينان كصدفتين ملقاتين في كومة رمل!
следующие страницы →