Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.
стр. 8611
غايات العلم الصحيح يعرج على ما يناسبه من مهن وأعمال
فمبدأ الانتخاب، مبدأ الاعتراف بالتفاوت بين الأفراد والطبقات، مبدأ اختيار الأصلح، الذي هو المبدأ الطبيعي، هو المبدأ الذي به تصلح نظم التربية عندنا وتبرأ من عللها الكثيرة؛ أما مبدأ الديمقراطية المطلقة، مبدأ فرض المساواة التامة بين الجميع في كل شيء، مبدأ إفساح المجال لكل من هب ودب، فهو مبعث آفات التعليم، وهو الذي أدى إلى حشد التلاميذ في المدارس ذلك الحشد الذي عزا إليه تقرير معالي وزير المعارف معظم مساوئ التعليم في مدارسنا
فخري أبو السعود المدرس بالعباسية الثانوية
стр. 8612
إبليس يتوب. . .!
للأستاذ محمد سعيد العريان
(ليس أسمج من الرذيلة تكون وجدها في الأرض، إلا الفضيلة
تكون وحدها. . .!)
الرافعي
اطلع إبليس ذات مساء على الأرض؛ يستروح من نسمات الليل والدنيا نائمة - روح الفردوس الذي طردته الكبرياء من رحمته. وانبث زبانيته ينفثون الشر عن أمره في أوكار الظلام؛ ففي كل منعطف شيطان صغير يتربص، وبين كل اثنين ثالث لا يريانه. . .
وسمع إبليس في هدأة الليل عابداً يتهجد، ما يبدأ ولا ينتهي من سجدة إلا لعن الشيطان. . .!
وأحس إبليس لعنات الشيخ العابد تنصب عليه كما ينهال التراب على نار تتلهب، أو ينصب الماء على جمرة تؤجج
وصرت أسنان الشيطان من الغيظ، وانقدح من حجاجيه شرار كاللهب، أن عجز وعجزت زبانيته معه عن فتنة مثل هذا الشيخ الزاهد وإرادته على أن يتعلق بحظه من الدنيا وشهوات النفس، على حين لم يعجز الشيطان أن يطرد أباه من الجنة!
أفكان يعصم الشيطان من اللعنات أن يسلط على الناس جميعاً شهواتهم ويغري بهم أنفسهم؟ فكيف وإن عباده من أهل الغواية والمعصية ليذكرونه باللعنة على مقدار ما ييسر لهم شهواتهم ويضاعف لهم من مسراتها؛ وإنهم ليسرعون إلى لعنته إسراعهم إلى طاعته. . .؟
وهبّت نسمة السحر تعطر الدنيا بأنفاس الجنة، فاستروح منها إبليس روح الماضي يذكره أيامه كلها منذ بدء الخليقة ويلقي التاريخ بين يديه. وتغشه الذكرى وعاد الزمان القهقري أمام عينيه؛ فإذا هو ملك بين الملائكة يسبحون بحمد ربهم حافين من حول العرش؛ ثم إذا هو يفسق عن أمر ربه أبياً مستكبراً أن يسجد لبشر من طين؛ وإذا هو من بعد مطرود من رحمة الله، مذموم مدحور يلعنه الفضاء ويسبُّه الأبد؛ ثم ينفث نفثته في صدر حواء فينزلها وزوجها عن الجنة فيخرجهما مما كانا فيه، ويتعقب أبناءهما من بعدهما على الأرض
стр. 8613
يصنع منهم حطب جهنم، فما بشر من الناس إلا شيطانه يسعى بين يديه. . .
ثم هو في موقفه ذاك تتناثر من حوله لعنات الناس سواء منهم طائعه وعاصيه. وتصك أذنيه من مكان سحيق زفرات عباده في نار جهنم تكوى جباههم وجنوبهم بما أغواهم الشيطان وأضلهم سواء السبيل!
ولأول مرة استشعر إبليس لذع الندم فدمعت عيناه. . .!
يا لها من سخرية. . . إبليس يتوب. . .! لقد كفاه ما اقترف منذ هبط من السماء انتقاماً لكبريائه التي زعمها ديست يوم أمر أن يسجد لصلصال من حمأ مسنون!
أكانت توبة نصوحاً، أم مبالغة في الانتقام، أم هو يشتهي أن يعيش بشراً بين البشر عمراً من عمره، ليذوق بعض لذّات البشرية، ويرى بعيني حسه كيف يفتتن بها الناس جميعاً منذ كانوا فتسرع بهم شهواتهم إلى طاعة الشيطان. . .؟
وطلع إبليس على الأرض فتى وسيماً يمشي على قدمين مشي الناس. وشعر لأول ما لبسته البشرية أنه جائع، فعاجَ على ندى ساهر له به عهد، لأنه هو الذي أنشأه وأقامه حجراً على حجر، وطالما قضى الليالي ذوات العدد من حيث لا يراه الناس؛ ينفث الشر، ويبذر بذور الخطيئة، ويفتن في وسائل الإغواء. . .
كانت مصابيح الندى ترمي أضوائها إلى بعيد، وتمد من أشعتها شركاً بصيد الناس ويأخذ عليهم طريقهم؛ وكان كل ما ينبعث منه يشعر أن هناك حركة وعملاً يغريان من يلتمس إرضاء شهواته. . .
ولكن. . . ولكن ها هو ذا إبليس يصعد الدرج في أناة ورفق، ويدفع الباب في هدوء وخفة، ويخطو إلى البهو في سكون وحذر، فيرى، ولكنه يرى أجساداً لا تكاد تتحرك، ويسمع، ولكنه لا يسمع إلا مثل أنفاس النائمين؛ ويشهد، ولكنه لا يشهد إلا عيوناً محدقة في الفضاء تتأمل. لم يكونوا سكارى ولا مغيبين، ولكن فكرة واحدة كانت تسيطر عليهم جميعاً، فكرة بين السخط والرضى، وبين الندم والاستغفار!
وجلس الشيطان إلى مائدة وحده وطلب طعاماً، وراح يدير عينيه فيما حوله ومن حوله، ويتسمع نجوى الضمائر الخفية تهمس في أعماق أصحابها
ورأى مائدة خضراء مبسوطة، قد تناثر عليها هنا وهاهنا نقد وورق، ورأى كؤوساً فارغة
стр. 8614
وممتلئة، ورجالاً ونساء قد تحلقوا حول المائدة، ذراعاً إلى ذراع، وامرأة بين كل رجلين. . . ولكن يداً واحدة لا تمتد إلى شيء، وفماً واحداً لا ينبس بكلمة. . .
وأبصر رجلاً يهتز في موضعه هزة خفية وهو يتحدث إلى نفسه: كيف يصنع وقد فقد كل ما كان معه من نقد، إنه ليرى ماله أمامه على المائدة ولكنه ليس من حقه، لأن حظه في اللعب قضى به لغيره، وهو قضاء غير مشروع ولكنه حكم العرف فما عليه إلا الطاعة؛ وقالت له نفسه: ما أنت والقمار؟ شد ما نهيتك فلم تنته! الآن فذُق ألم الحرمان مما تملك، فلعلك من بعد ألا تستمع إلى إغواء الشيطان. . .
واختلج إبليس حين ذكر أسمه اختلاجه كادت تنم عليه؛ وهمّ أن ينهض، لولا أن أقبل النادل عليه بالطعام
وشُغل إبليس لحظة بالأكل، يزدرد اللقمة بعد اللقمة يكاد لا يحرّك بها فكيه؛ وعرف لأوّل ما ذاق الطعام - لماذا كانت شهوة البطن أول هم الإنسان. . .!
وعاد ينظر إلى وجوه الناس وضمائرهم، فما راعه إلا هذا المقامر الرابح محدقاً في الفضاء يتفكر، وإن وجهه لتتعاقب عليه شتى ألوان الندم والخزي والحياء. . . ثم لم يلبث أن نهض يجمع المال على المائدة فيفرقه في سماره وهو يقول: معذرة يا صحابتي، فإنما هو مالكم ليس لي حق منه في شيء، وما لعبت لأسلبكم ما تملكون، إنما أردت السلوة وإزجاء الفراغ. وعضّ على شفته واحمر وجهه، إذ كان يعلم أنه يكذب في اعتذاره؛ فما كان ليقامر إلا مؤملاً أن يربح، وما كان ليربح مرة إلا وهو يعلم أنه يأخذ ما لا يملك؛ وقد ربح الليلة، ولكنه حين ضمّ يديه على المال أحسّ كأنه يقبض على جمر؛ ورفت به سانحة من الخير، فتعفف أن يأكل مال الناس فخرج عنه لأهله. . .!
ونظر الرجل إلى يمين، فإذا صاحبته مطرقة قد تغرغرت عيناها، فمال عليها وهو يهمس:
(أيكون قد أغضبك ما فعلت يا سيدتي؟)
قالت المرأة: (عفواً ليس لي شأن بذاك، ولكن أمراً يقتضيني أن أعود مسرعة إلى الدار. . .!)
وهبت واقفة، فقال الرجل: (خير. . . .! أتأذنين لي أن أصحبك؟)
قالت: (شكراً. . .!)
стр. 8615
وسارت في طريقها فما ألح الرجل ولا تعوقت المرأة، ومالت إلى غرفة في الندى تأخذ زينتها في المرآة فأدركتها صديقة، ونظرت كل منهما في وجه صاحبتها فأطالت النظر ثم أطرقتا. .
منذ بعيد تقارف هاتان المرأتان الإثم في غير حذر ولا تذمم؛ أما إحداهما فضحية شاب غوى أغراها حتى نال منها ثم اختفى من وجهها وخلّف بين أحشائها بضعة منه، ففرّت بجريمتها من قانون الجماعة إلى حيث تشفي قلبها بالانتقام من الرجال
وأما الأخرى فزوج كالأيم، أو هي أيم وإن تك ذات بعل؛ فما شعرت يوماً أن لها حقاً على رجلها، وإنه لذائب التجوال بين البلاد، ولا تستقر به الدار في حضن زوجته أياماً حتى تعرض له الأماني تغريه أن يضرب في الأرض يطلب المجد بالثمن الغالي. . . بشرف زوجته. . .!
لم تحس المرأتان قبل الليلة معنى من معاني الندم؛ فمالها الليلة مطرقتين لا تنبسان؟
أرأيت إلى المجرم إذ يفجَأ وهو يقارف جريمة منكرة، فليس يملك أن ينكر ولا أن يعتذر؟
وعاد نظر المرأتين فالتقيا فإذا هما تتعانقان وقد أجهشتا باكيتين، وأطفأت دموع الاستغفار وقد النار ولذع الندم، فكأنما حلت في جسد كل منهما روح جديدة قد خرجت من الجنة لساعتها لم تتعلق إنما ولم تجترح معصية
وتلفت إبليس فإذا الندى مقفر خالٍ ليس فيه إلا الندل يسعون بين الموائد الخالية، يرفعون الأوراق والأقداح ويصففون الكراسي والمناضد
وتنفّس الصبح فأبدل إبليس ثياباً بثياب، وانطلق تبانه وبرنسه إلى سيف البحر، يستمتع به ما يستمتع البشر، ويملأ عينيه وقلبه من مفاتن دنيا الناس. لقد كان له في البحر معهد يرتاده زبانيته يعلمون الناس السحر وينصبون شرك الفتنة؛ وهو ذا البحر، فأين فتنته وسحره، وأين مباهجه التي كانت؛ أين الأجسام البضة، والأذرع الغضة، والسيقان اللفاء، والصدور النواهد؛ وأين العيون التي ترمي فتصمي، وأين لآلي البحر تغوص وتطفو، وأين الزبد الأبيض يلاطم الزبد الأبيض
لقد خلا البحر من عرائسه، إلا عجوزاً مقرورة مستلقية على الشاطئ، ما يبدو منها إلا عينان كصدفتين ملقاتين في كومة رمل!
стр. 8616
وهذه فتاة تمشي على استحياء مستندة إلى ذراع أخيها، فما تعرت من برنسها إلا ليسترها الماء. وهذا رأس رجل يبدو سابحاً من بعيد، ما يكاد يرى الفتاة حتى يتنكّب عن الطريق لئلا تتأذى منه الحسناء السبوح
وأحس إبليس أول آلام البشرية في الوحدة والفراغ والضجر، فمضى على وجهه ممتلئ النفس فارغ الفؤاد. لقد ودّع عالمه الموحش تحت الرغام ليظفر بالأنس في عالم البشرية، فما ظفر إلا بالوحشة وألم الشعور بالحرمان؛ وخلع عنه شيطانيته تائباً ليهب للناس الاستقرار والسلام، فما لقي هو في بشريته إلا الاضطراب والألم
واطمأنت الحياة بالناس، فاجتمعوا على الرضى والطاعة في حالٍ شر منها السخط والعصيان؛ إذ لم يكن ثمَّت عدوان يدعو إلى المقاومة، أو تربُّص ينبه إلى الحذر، أو كيد يستتبع الحرص واليقظة؛ وعاد كل فرد أمة وحده، يعيش في رضى وقناعة على أكمل ما يكون الإنسان صلاحاً وحباً في الخير، ولكن الجماعة لم تجد ما يشد وحدتها ويربطها آصرة إلى آصرة. ودب النعاس إلى أجفان الحياة: فمات الطموح لأنه باب من التكبر؛ وخمد النشاط، لأنه جهاد في غير عدو؛ واستنام الناس إلى القدر، لأن التمني ضرب من الأثرة؛ وعاش نصف الناس عيالاً على نصف الناس؛ فليس ثمت عمل للشرطة والجيش ورجال الحكم؛ وأنى لهم أن يعملوا ما دام لا سرقة ولا قتال ولا عدوان؟
وكسدت سوق القفال والزراد والصيقل والرماح؛ وما حاجة الناس إلى الأقفال والدروع والسيوف والرماح؟
وقال فتى لصاحبه: تعال نلتمس نزهة في غير ساحة (المولد)؛ فما لنا ولهذه المهرجانات التي لا تجتمع إلا على شر ولا تحشد الناس إلا لمعصية؛ حسبي أن أعمر قلبي بذكر الله وأتخذ أولياءه قدوتي وإمامي. . .
وأمن صاحبه على قوله؛ ولكن البدال، والبقال، والبزاز، وبائع الحمص، وصانع الحلوى، ومدير الملهى - لم يعرفوا لماذا هجر الناس المولد؛ فمضى الموسم ما باعوا ولا اشتروا ولا تعوضوا، وقوض كل منهم خيمته ومضى غير مأجور على جهاده!
وقال بعضهم لبعض: (أترون الناس قد نسوا أولياءهم فتمردوا على ما اعتادوا؟)
فأجاب شيخ كبير: (ذلك من عمل الشيطان. . .!)
стр. 8617
وأراق الخمار أحمره وأصفره وهو يقول: (ليت خمري كانت خلاً. . . .!)
وجلس قاضيان يداولان بينهما الرأي:
(أيهما خير: أن تعيش الفضيلة وحدها على الأرض، أو أن تنبت بين أشواك الرذيلة والمنكر والشر، فيكون للإنسانية منها أفراح ثلاثة: فرح النفس المؤمنة بها، وفرحها بالصبر على المجاهدة لها، وفرحها بالظفر بعد مشقة الجهاد. . .؟)
ونظر الشيخ الزاهد في صحيفة أعماله، فإذا هي بيضاء أو كالبيضاء؛ فليس يضاعف الأجر إلا المقاومة. ولو أن عابداً قضى الدهر كله راكعاً ساجداً، ما عدل أجر عبادته كلها ثواب ساعة لشاب تتجاذبه شهوات الدنيا، كلما هفت نفسه إلى معصية رده عنها الأيمان والتقى، فهو أبداً في مجاهدة لا يهدأ، وهو أبداً مأجور أجراً لا ينتهي!
وإنما يقظة الحياة في الجهاد والمقاومة وتوقع ما يأتي به الند على شتى ألوانه؛ فإذا عدم الجهاد، وفقدت دواعي المقاومة، وعاش الإنسان لساعته التي هو فيها - أعمى أو كالأعمى لا يبصر ما أمام - فقدت الحياة معناها الأسمى، وعاش الناس في هدى أشبه بالضلال، وفي فضيلة شر من الإثم والفسوق والعصيان!
ليتك تدري أيها الزاري على القدر. . .! هل تستوقد النار إلا بالحطب؟ فمن أين لك ما دمت تشفق على الغصن اليابس والهشيم الجاف!
وهل يعلم الفسّاق والعصاة من بني آدم، أنهم قبل أن يكونوا في أخراهم حطب جهنم ـ كانوا في دنياهم سلم البشرية إلى مثلها الأعلى. . .؟
وتثاءب الشيطان وتمطى إذ أدركه النعاس الذي ضرب على عيون البشر؛ وإذا هو وقد خضع لناموس البشرية قد ناله ما ينال الناس من الضيق والملل وتقلب الرأي؛ إذا تقلقلت دنياه طلب الاستقرار، فإذا استقر عاد ينشد الحركة ويتبرم بالسكون. . .!
وقلب وجهه في السماء كاسفاً محزوناً، ثم أسند رأسه إلى راحته وجلس يتفكر. . .
أي خير كان يقدم هو للجماعة البشرية على حين كان لا ينبغي إلا الكيد والانتقام؟ هذه الدنيا تنام بعد يقظة، وتسكن بعد حركة، وتسترخي بعد نشاط، لأنه هو قد بطل سحره، وإذ لم يعد في الدنيا شر، مات في الجماعة روح الانبعاث إلى الخير. .!
أيها الخالق العظيم، ما أعجب تدبيرك وأدق حكمتك! خلقت الشر والخير يصطرعان في
стр. 8618
هذا العالم لتوجد منهما الخير الأعظم، وأنا - أنا الشيطان المشئوم - حسبتني يوماً أكبر مما أنا، حين ذهبت أهدم ما تبني، وأعصي ما تأمر، وأدعو إلى ما تنهي، فلما آذنت أن تذل كبريائي، أريتني نفسي إلى جانب عظمتك، فإذا أنا، أنا الذي زين له الغرور يوماً أنه أكبر من أمرك، إذا أنا أعصى عصياني في طاعتك، وأفسد إفسادي لإصلاح عبادك على قدر منك وتدبير حكيم. . . .!
وشعر الشيطان بالخيبة تلاحقه في كل مكان، فلا هو هناك - في عالمه الشيطاني - كان موفقاً فيما يحاول الانتقام من بني آدم، ولا هو هنا. . .
وعاودته نزعة شيطانية لم يلبث أن قمعها في صدره وانطلق في سبيله
وانتهى إلى البستان المعشوشب المخضل وقد نال منه الإعياء فارتمى على العشب الرطب يستريح في ظل وارفة لفاء، وطلع له من بين ملتف الحدائق حسناء وضاءة، تمشي كما يهتز الغصن وترنو كما يبتسم الزهر
وأحس إبليس مرة أخرى أن قانون البشرية يعمل في دمه وأعصابه، وأطال النظر إلى الحسناء الفاتنة ثم أطبق عينيه وهو يتنهد، كأنما قد توهم أنه قد احتوتها أجفانه، وشعر بمس الحب في قلبه فأشرق وجهه بابتسامة فيها لمحة من السرور وغير قليل من الألم
وجلست الحسناء جلستها على العشب غير بعيد، وضمت إليها أطراف ثوبها يستر شيئاً ويكشف عن شيء، مستأمنة مطمئنة
وخطا إبليس خطوتين إلى حيث جلست يسألها شيئاً، فاستحيت حواء الصغيرة وأرخت فضل ثوبها على الوجه الفاتن، ووقف إبليس ينشد قصيدة غزل طويلة، وعتها حواء كلمة كلمة ومعنى معنى، ولكنها لم تنبس، ومد إليها يداً يستنهضها فما نهضت وازورت عنه معرضة، وسكت ولكن عينيه ظلتا تتحدثان حديثهما
وأربد وجه المرأة من غضب، فما رأى إبليس غضبتها إلا فناً جديداً من فنون جمالها، فقالت وقد ضاقت به: (إليك عني يا فتى وخل سبيلي. . . .!)
وضاق صدر الشيطان بهذه الإنسانة العنيدة، وثقل عليه أن يعجز عن نيلها وهو هو!
كم فتاة وامرأة قبل صاحبته تلك كانت من عباده وأتباعه ما تأبت واحدة منهم على ما أراد لها؛ على أنه اليوم يريدها لنفسه هو، فليس به اليوم حاجة لأن يسعى لغيره وقد خلع شيطا
стр. 8619
نيته!
ماذا. . .! أيعيش هذه الآلاف من سنيه الماضية يتحكم في البشرية كلها، وعلى إرادته، ويسعى بين الناس، ويصل بين الأحباب، ويقدم الثمرة لكل من يشتهيها؛ حتى إذا اشتهى هو أن يذوق تلك الثمرة أعجزه أن ينالها. . .؟
وللمرة الثانية منذ خلق شعر أن كبرياءه جريح. . .!
لقد أبى أن يسجد لأبي البشرية كلها وفسق عن أمر ربه، أفتفسق عن إرادته امرأة؟ وما هو إن لم ينلها؟ وما هي حتى تتأبى عليه كل هذا الإباء؟
وعاود احتياله يستجدي الحسناء بعض الرضى، فولّت عنه معرضة مستكبرة، ومضت تدوس بقدميها الصغيرتين قلب إبليس. . .!
وعاد إلى نفسه يستلهمها الحيلة فما أمدته بشيء، وبدا إبليس في بشريته إنساناً ضعيفاً قليل الحول، لا قدرة له على التصرف ولا طاقة له بالاحتمال. . .
ووجدت له شغلاً من فراغ. . . وعدا خلف المرأة يحاول أن يدركها ما يبالي نظرات الناس؛ فإذا زوجها يلقاها على الطريق فيصحبها إلى الدار يداً في يد وجنباً إلى جنب!
وأحس إبليس فوق ألم الحب الذي يجد ألماً جديداً من آلام البشرية، وقذف منظر الزوجين المتحابين في قلبه الحسد. . .!
وآده العجز والشعور بالحرمان، فعاودته شيطانيته ثائرة محنقة. على أنه وقد ذاق بعض لذات البشرية في آلامها لم يكن يريد أن يرتد إلى عالمه، إنما كان حسبه أن يستمد الحيلة من طبيعته الأولى بمن يحب وهو باق في بشريته!
ولكنه - وا أسفاه! - لم يستطع أن يكون شيطاناً ورجلاً في وقت معاً؛ وحين ألهمته طبيعته الأزلية بالرأي فقذف بالفكرة المحرمة في قلب المرأة - كان خلقاً آخر ليس من البشرية ولاحظ له من المرأة. ونظرت الحسناء إلى وراء تفتقد عاشقها المد نف فما رأته، وما كان لها أن تراه وقد عاد شيطاناً لا يخضع لنواميس هذا العالم؛ ورآها هو تنظر متلهفة مشتاقة، فما نالته نظرتها ولا مسّت قلبه؛ لأن إحساس البشرية ونوازعها كانت قد فارقته حين لبس جناحي شيطان. . .!
وكتب في تاريخ الأرض، أن إبليس قد تاب مرة، ولكن ردته إلى شيطا نيته امرأة. . . .!
стр. 8620
(طنطا)
محمد سعيد العريان
стр. 8621
٦ - شاعرنا العالمي
أبو العتاهية
للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
وروى مخارق أن أبا العتاهية جاءه فقال: قد عزمت على أن أتزود منك يوماً تهبه، لي فمتى تنشط؟ فقلت متى شئت! فقال: يكون ذلك في غد؛ فجئته فأدخلني بيتاً له نظيفاً، ودعا بطعام وفاكهة فأكلنا، ودعا بألوان من الأنبذة فقال اختر ما يصلح لك منها، فاخترت وشربت، ثم صب قدحاً وقال: غنني في قولي:
أحمدٌ قال لي ولم يَدرِ ما بي … أتحب الغداة عُتبَةَ حقاً
فغنيته، فشرب قدحاً وهو يبكي أحر بكاء، ثم قال: غنني في قولي:
ليس لمن ليست له حيلةٌ … موجودةٌ خيرٌ من الصّبر
فغنيته وهو يبكي وينشج، ثم شرب قدحاً آخر، ثم قال: غنني فديتك في قولي:
خليلي ما لي لا تزال مضرتي … تكون مع الأقدار حتماً من الحتم
فغنيته إياه؛ وما زال يقترح على كل صوت غنى به في شعره، فأغنيه ويشرب ويبكي، حتى صارت العتمة، فقال أحب أن تصبر حتى ترى ما أصنع، فجلست، فأمر ابنه وغلامه فكسرا كل ما بين يدينا من النبيذ وآلته والملاهي، ثم نزع ثيابه واغتسل، ثم لبس ثياباً بيضاء من صوف، ثم عانقني وبكى، ثم قال: السلام عليك يا حبيبي وفرحي من الناس كلهم، سلام الفراق الذي لا لقاء بعده؛ وجعل يبكي، فانصرفت وما لقيته زماناً
وروى أبو سلمة الغنوي أنه قال لأبي العتاهية: ما الذي صرفك عن قول الغزل إلى قول الزهد؟ فقال: إذن والله أخبرك، إني لما قلت:
الله بيني وبين مولاتي … أهدتْ لي الصد والْملَالَاتِ
منحتها مهجتي وخالصتي … فكان هجرانها مكافأتي
هَيَّمني حبها وصَيّرني … أحدوثة في جميع جاراتي
رأيت في المنام في تلك الليلة كأن آتياً أتاني فقال: ما أصبت أحداً تدخله بينك وبين عتبة يحكم لك عليها بالمعصية إلا الله تعالى، فانتبهت مذعوراً، وتبت إلى الله تعالى من ساعتي من قول الغزل
стр. 8622
فإذا كانت هذه الروايات كلها في حادثة واحدة فهي متضاربة متدافعة ينقض بعضها بعضاً؛ وإذا كان الرشيد هو الذي كان يأخذ على أبي نؤاس اندفاعه في اللهو ويحاسبه على ذلك في شعره، ويحبسه عليه مرة بعد مرة ويزج به في سجنه، فكيف يتفق هذا مع ذلك المسلك الذي كان يسلكه مع أبي العتاهية، وهو لم يكن أرق غزلاً من أبي نؤاس ولا غيره من جمهور الشعراء الذين كانوا يلتفون بالرشيد، وكان لهم من رقيق الغزل ما يغنيه عن غزل أبي العتاهية؟ وليس هذا وذاك كل ما يعنينا من هذه الروايات، بل يعنينا منها أيضاً أنها لا تصل بنا إلى غور نفس أبي العتاهية وصلتها بتلك النزعة الصوفية التي صارت أليها، وقد كان في ظاهر أمره أبعد الناس منها، فلا تبين لنا تلك الروايات إلا أنها حالة طرأت عليه في بغداد، ولا تتصل إلى سابق أمره بصلة، وتردها الرواية الأخيرة إلى تلك الرؤيا المنامية السابقة، وهي إذا صحت لا تكفي وحدها في الأخذ به إلى كل ما أخذ به من ذلك الغلو في أمره؛ فإذا أمكننا أن نصل إلى هذه النواحي الغامضة من أمر أبي العتاهية أمكننا أن نفهم من أمره ما لم يفهمه الناس منه إلى الآن. وسنجلو من أمر ذلك ما نحتاج إليه هنا، ونترك ما بقي من ذلك إلى موضعه من هذه الدراسة لأبي العتاهية، ليكون لنا منها دراسة منظمة لا يسبق شيء منها على موضعه ولا يتأخر عنه
وإنه ليهمنا في الأول أن ننفي ما يفيده ظاهر تلك الروايات من أن تلك النزعة الصوفية في أبي العتاهية كانت نزعة طارئة عليه في بغداد، والحقيقة أنها كانت نزعة قديمة عنده، وأن أمرها يرجع إلى مبدأ أمره بالكوفة، وأنه كان يخفي ذلك في نفسه ليظهر به في الفرصة التي يكون له فيها أثره في الناس جميعاً، لا في نفسه وحده. ودليلنا في هذا هذه الرواية التي تنطق بأن القول في الزهد كان أول ما أخذ به في شعره
روى محمد بن عبد الجبار الفزاري أن أبا العتاهية اجتاز في أول أمره وعلى ظهره قفص فيه فخار يدور به في الكوفة ويبيع منه، فمر بفتيان جلوس يتذاكرون الشعر ويتناشد ونه، فسلم ووضع القفص على ظهره، ثم قال: يا فتيان! أراكم تذاكرون الشعر، فأقول شيئاً منه فتجيزونه، فإن فعلتم فلكم عشرة دراهم، وإن لم تفعلوا فعليكم عشرة دراهم، فهزئوا به وسخروا منه، وقالوا نعم، قال: لا بد أن يشتري بأحد القمرين رطب يؤكل، فانه قمر حاصل، وجعل رهنه تحت يد أحدهم، ففعلوا، فقال أجيزوا:
стр. 8623
(ساكني الأجداث أنتم)
وجعل بينه وبينهم وقتاً في ذلك الموضع إذا بلغته الشمس، ولما لم يجيزوا البيت غرموا الخطر، وجعل يهزأ بهم وتممه:
ساكني الأجداث أنتم … مثلنا بالأمس كنتم
لين شعري ما صنعتم … أربحتم أم خسرتم
وهي قصيدة طويلة في شعره
فهذه نزعة أبي العتاهية في الزهد والتصوف ظاهرة فيه تمام الظهور من أول أمره، ولا شك أنه رأى بعد هذا أن يتصل بشعراء الكوفة ليظهر بينهم أمره في الشعر، وأنه في سبيل هذه الغاية أخفى هذه النزعة في نفسه، وأخذ يسلك في اللهو والشعر مسلك هؤلاء الشعراء، ثم تركهم إلى بغداد عاصمة المملكة العباسية لينال من ظهور الشأن بالاتصال ببني العباس ما لا يناله لو بقي بالكوفة، فنال من ذلك بغيته وأكثر من بغيته، وأخذت نفسه تنازعه ميلها إلى الزهد، والى الظهور بمظهره الحقيقي الذي يريد أن يعكر فيه صفو هؤلاء الملوك، ويطلع الرعية على إسرافهم في الحياة، وغفلتهم عن الآخرة، وانصرافهم عن مناهج الخلفاء الراشدين، وسبل الملوك الصالحين، ويخدم في ذلك بمهارة فائقة أغراضاً سياسية له، سنبينها بعد في موضعها أيضا
ولا غرابة بعد هذا في أن يهتم الرشيد بأمر أبي العتاهية في هذه الحال الجديدة، ويعرف سوء أثر شعره في الزهد وما إليه في نفوس الرعية بالنسبة إليهم، وقد كان يشاهد افتتان الناس بأبي العتاهية وشغفهم بشعره الذي قرب إليهم ألفاظه ومعانيه، وفتح لهم من أبوابه ما أغلقه الشعراء السابقون، فصار يلهج به العابد في خلوته، والراهب في صومعته، والملاح في سفينته، والفلاح في حقله، والراعي في غدوه ورواحه، والعامل في شغله وفراغه، حتى صار شاعر الشعب بحق، ولسان الرعية الناطق بالصدق. وأنا نسوق من ذلك ما يدل على مقدار تعلق الناس بشعر أبي العتاهية وافتتانهم به:
قال يحيى بن سعيد الأنصاري: مات شيخ لنا ببغداد، فلما دفناه أقبل الناس على أخيه يعزونه، فجاء أبو العتاهية إليه وبه جزع شديد فعزاه ثم أنشده:
لا تأمن الدهر والبَس … لكل حين لباساً
стр. 8624
لَيَدْفِنَنَّا أناس … كما دفنا أناساً
وانصرف الناس وما حفظوا غير قول أبي العتاهية
وقال محمد بن صالح العلوي أخبرني أبو العتاهية قال: كان الرشيد مما يعجبه غناء الفلاحين في الزلالات إذا ركبها، وكان يتأذى بفساد كلامهم ولحنهم، فقال قولوا لمن معنا من الشعراء يعملوا لهؤلاء شعراً يغنون فيه، فقيل ليس أحد أقدر على هذا من أبي العتاهية، وهو في الحبس، قال فوجه إليّ الرشيد: قل شعراً حتى أسمعه منهم، ولم يأمر بإطلاقي، فغاظني ذلك فقلت: والله لأقولن شعراً يحزنه ولا يسره، فعملت شعراً ودفعته إلى من حفظه من الملاحين، فلما ركب الحراقة سمعه وهو:
خانك الطَّرْفُ الطَّموحُ … أيها القلبُ الجُموحُ
لدواعي الخير والش … ر دُنُوٌّ ونُرُوح
هل لمطلوب بذنب … توبة منه نَصُوح
كيف إصلاحُ قلوب … إنما هُنّ قُرُوح
أحسن الله بنا أ … ن الخطايا لا تفوح
فإذا المستور منا … بين ثوبيه فُضُوح
كم رأينا من عزيز … طُوِيتْ عنه الكُشوح
صاح منه برحيل … صائحُ الدهر الصّدُوح
موتُ بعض الناس في الأر … ض على قوم فُتُوح
سيصير المرء يوماً … جسداً ما فيه روح
بين عيني كل حيٍّ … عَلَمُ الموت يلوح
كلنا في غفلة وال … موتُ يغدو ويروح
لبني الدنيا من الدن … يا غبوق وصَبُوح
رُحْنَ في الوشى وأصبح … ن عليهن المُسُوح
كل نَطَّاحٍ من الده … ر له يوم نَطوح
نُحْ على نفسك يا مس … كين إن كنت تنوح
لَتَمُوتَنّ وإن عُمَّ … رْتَ ما عُمَّرَ نُوح
стр. 8625
فلما سمع الرشيد ذلك جعل يبكي وينتحب، وكان الرشيد من أغزر الناس دموعاً وقت الموعظة، وأشدهم عسفاً في وقت الغضب والغلظة؛ فلما رأى الفضل بن الربيع كثرة بكائه أومأ إلى الملاحين أن يسكتوا
وقد اختار أبو العتاهية عهد الرشيد لإظهار ما كان يخفيه في نفسه من ذلك لأنه كان أقل غلظة من أبيه المهدي، وأخيه الهادي، وأخف منهما عسفاً وبطشاً. وقد ذكر ابن خلكان أنه أراد أن يظهر بذلك في عهد المهدي، فأمر المهدي بحبسه في سجن الجرائم، فلما دخله دهش ورأى منظراً هاله، فطلب موضعاً يأوي فيه، فإذا هو بكهل حسن البزة والوجه، عليه سيما الخير، فقصده وجلس من غير سلام عليه، لما هو فيه من الجزع والحيرة والفكر، فمكث كذلك ملياً وإذا بالرجل ينشد:
تعودتُ مسّ الضر حتى ألفته … وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر
وصيرني يأسي من الناس واثقاً … بحسن صنيع الله من حيث لا أدري
فاستحسن أبو العتاهية البيتين وثاب إليه عقله، فقال له: تفضل أعزك الله عليّ بإعادتهما، فقال: يا إسماعيل ويحك! ما أسوأ أدبك وأقل عقلك ومروءتك! دخلت فلم تسلم عليّ تسليم المسلم على المسلم، ولا سألتني الوارد على المقيم! فقال له: اعذرني متفضلاً! فدون ما أنا فيه يدهش! قال: وفيم أنت تركت الشعر الذي هو جاهك عندهم، وسببك إليهم؟ ولا بد أن تقوله فتطلق، وأنا يدعى الساعة بي فأطلب بعيسى بن زيد بن رسول الله ﷺ ، فإن دللت عليه لقيت الله تعالى بدمه، وإلا قتلت، فأنا أولى بالحيرة منك؛ ثم دعى بهما فطولب الرجل بأن يدل على عيسى بن زيد فأبى، فأمر المهدي بضرب عنقه. ثم قال لأبي العتاهية: أتقول الشعر أو ألحقك به؟ قال بل أقول، فأمر به فأطلق
وقد كان الرشيد أشفق بكثير مع أبي العتاهية في ذلك من أبيه. والذي أراه أن الرشيد كان يحبسه في ذلك ثم يعفو عنه، وأن ذلك تكرر منهما بقدر ما حدثتنا به تلك الروايات السابقة
عبد المتعال الصعيدي
стр. 8626
٢٧ - محاورات أفلاطون
الحوار الثالث
فيدون أو خلود الروح
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
قال: أما إن كانت الروح يا أصدقائي خالدة حقاً، فما أوجب العناية بها، ليس في حدود هذه الفترة من الزمن التي تسمى بالحياة وكفى، بل في حدود الأبدية! وما أهول الخطر الذي ينجم عن إهمالها بناء على هذه الوجهة من النظر. لو كان الموت خاتمة كل شيء، لكانت صفقة الأشقياء في الموت راجحة، لأنهم سيغتبطون بخلاصهم، لا من أجسادهم فحسب، بل من شرهم ومن أرواحهم معاً. أما وقد اتضح في جلاء أن الروح خالدة، فليس من الشر نجاة أو خلاص إلا بالحصول على الفضيلة السامية والحكمة العليا، لأن الروح لا تستصحب معها شيئاً في ارتقائها إلى العالم السفلي، اللهم إلا التهذيب والتثقيف، اللذين يقال عنهما بحق إنهما ينفعان الراحل أكبر النفع أو يؤذيانه أكبر الأذى، إذا ما بدأ حجته إلى العالم الآخر
فبعد الموت، كما يقولون، يقود كل امرئ شيطانه الذي كان تابعاً له في الحياة، إلى مكان معين يتلاقى فيه الموتى جميعاً للحساب، ومن ثم يأخذون سمتهم نحو العالم السفلي، يقودهم دليل نيطت به قيادتهم من هذا العالم إلى العالم الآخر، فإذا ما لقوا هناك جزاءهم ولبثوا أجلهم، رجع بهم ثانية بعد كر الدهور المتعاقبة دليل آخر، وليست هذه الرحلة للعالم الآخر، كما يقول اسكيلوس في (التلفوس) طريقاً واحدة مستقيمة، وإلا لما احتاج الأمر إلى دليل، فلم يكن أحد ليضل في طريق واحدة، ولكن الطريق كثيرة الشعب والحنايا، وإني لأستنتج ذلك مما يقدم إلى آلهة العالم السفلي من الشعائر والقرابين، في أمكنة من الأرض تتلاقى عندها سبل ثلاث. فالروح الحكيمة المنظمة تكون عالمة بموقفها وتسير في سبيلها على هدى، أما الروح الراغبة في الجسد، والتي لبثت أمداً طويلاً - كما سبق لي القول - ترفرف حول الهيكل الذي لا حياة فيه، وحول عالم الرؤية، فيحملها شيطانها الملازم لها في عنف وعسر، وبعد عراك متصل وعناء كثير، حتى تبلغ ذلك المكان الذي تجتمع فيه سائر
стр. 8627
الأرواح. فإن كانت روحاً دنسة، خبيثة الصنيع بأن انغمست في الفتك المنكر، وفي أخوات الفتك من الجرائم الأخرى، وتلوثت بهذه السلسلة من الآثام - فإن كل إنسان يفر من تلك الروح وينصرف عنها، فلن يكون أحد لها رفيقاً أو دليلاً، بل تظل تخبط وحدها في أرذل الشر، حتى ينقضي أجل معلوم، فإذا ما انقضى ذاك الأجل، حملت خانعة إلى مستقرها الملائم؛ كذلك لكل روح طاهرة مستقيمة، مضت في حياتها مرافقة للآلهة مترسمة خطوهم، مقامها الخاص
هذا وإن في الأرض لربوعاً مختلفة عجيبة، تختلف في حقيقة أمرها - كما اعتقد معتمداً على رأي ثقة لن أذكر اسمه - تمام الاختلاف عن آراء الجغرافيين من حيث طبيعتها ومداها. فقال سمياس: ماذا تعني يا سقراط؟ لقد سمعت للأرض أوصافاً كثيرة ولست أدري مع أيها تذهب، وأحب أن أعلم ذلك
فأجاب سقراط: حسناً يا سمياس، لا أظن أن حكاية تروى تستلزم لروايتها فن جلوكس ولست أرى أن فن جلوكس يستطيع أن يقيم الدليل على صدق حكايتي، التي أنا عاجز تمام العجز عن إثباتها بالدليل، وحتى لو استطعت ذلك، لخشيت يا سمياس أن أختتم حياتي قبل أن يكمل الدليل، ومع ذلك فقد أستطيع أن أصف لك صورة الأرض وربوعها كما أتصورها!
قال سمياس: حسبي منك ذلك
قال: حسناً، إذن فيقيني أن الأرض جسم مستدير، وهو من السماوات في مركزها. لهذا لم يكن بها حاجة إلى الهواء أو ما إلى الهواء من قوة أخرى، ليكون لها عماداً، بل هي قائمة هنالك، تحول موازنة السماء المحيطة بها، وتوازنها هي نفسها، بينها وبين السقوط أو الانحراف في أية ناحية، ذلك لأن الشيء الذي يكون في مركز شيء آخر منتشر انتشاراً متوازناً، ويكون هو نفسه متزناً، لن ينحرف بأية درجة في أي اتجاه، بل سيظل ملازماً لحالة بعينها دون أن يحيد. ذلك هو أول رأي لي
فقال سمياس: وهو بغير شك رأي صحيح
- كذلك أعتقد أن الأرض فسيحة جداً؛ وإننا، نحن الذين نقيم في المنطقة التي تمتد من نهر فاسيس إلى أعمدة هرقليس وبمحاذاة البحر، إنما نشبه النمل أو الضفادع احتشدت حول
стр. 8628
مستنقع، فلسنا نأهل إلا جزءاً ضئيلاً، وأعتقد أن كثيراً من الناس يقيمون في أمكنة كثيرة كهذه. فلا بد من القول بأن هنالك فجوات في أنحاء الأرض جميعاً، مختلفاً أشكالها وحجومها، يتجمع فيها الماء والضباب والهواء، وأن الأرض الحقيقية أرض نقية تقيم في السماء النقية حيث سائر النجوم - تلك هي السماء التي يجري عنها الحديث عادة بأنها أثير، وليس الأثير منها إلا أر سابا يتجمع في فجواتها، وأما نحن الذين نقيم في هذه الفجوات، فنظن مخدوعين بأننا إنما نقيم على سطح الأرض، كما يخيل للكائن الذي في قاع البحر بأنه على سطح الماء، وبأن البحر هو السماء التي يرى خلالها الشمس وسائر النجوم - فهو لم يطف على سطح الماء قط لوهنه وفتوره، ولم يرفع رأسه ليرى، ولا سمع دهره ممن شهد تلك المنطقة الثانية، وهي أشد نقاء وجمالاً من منطقتنا. والآن، فتلك حالنا تماماً: فنحن مقيمون من الأرض في فجوة، ونخيل لأنفسنا أننا على السطح، ونطلق على الهواء اسم السماء ثم نتوهم أن النجوم سابحة في تلك السماء. ولكن ذلك أيضاً يرجع لما بنا من ضعف وفتور، فهما اللذان يحولان بيننا وبين الصعود إلى سطح الهواء: فلو استطاع إنسان أن يبلغ الحد الخارجي، أو أن يستعير جناحي طائر ليطير بهما صُعُداً، فيكون كالسمكة التي تطل برأسها لتشهد هذا العالم، إذن لرأى عالماً قاصياً، ولاعترف الإنسان، إذا ما شحذت طبيعته من بصره، بأن ذلك هو مكان السماء الحق والضوء الحق والنجوم الحق، لأن هذه التربة وهذه الصخور، بل وكل هذه المنطقة التي تحيط بنا قد فسدت وتآكلت كما يتآكل ما في البحر من أشياء بفعل الأجاج. فيندر في البحر أن ينمو شيء نمواً رفيعاً كاملاً، فكل ما فيه شقوق ورمال وحمأة لا نهاية لها من الطين، لا بل يجوز أن نقرن البر بما في ذلك العالم من مناظر هي أروع في جمالها، فالعالم الآخر أسمى بدرجة عظيمة جداً. والآن أستطيع أن أقص عليك يا سمياس حكاية رائعة عن تلك الأرض العليا التي تحت السماء، وهي جد جديرة بالإنصات
فأجاب سمياس ونحن يا سقراط يسرنا أن نصغي
(يتبع)
زكي نجيب محمود
стр. 8629
الكاظمي
للأستاذ معروف الرصافي
// ليس من غاية الحياة البقاء … فإذا خاب في الخلود الرجاء
غير أن الحياة بالعز عند الرَّ … جُل الحر غاية غراء
أي فخر للناعمين بعيش … لم تجلله عزة قعساء
حسب من رام في الحياة خلوداً … أنه بعد موته علواء
وكفى المرء بعد موت حياةً … أن ذكراه حلوة حسناء
قد قضى الكاظمي وهو جدير … أن تعزى في موته الشعراء
عاش منسيَّ عارفيه ولما … مات فاضت بنعيه الأنباء
ذكرته نعاته بنعوت … قبله حاز مثلها العظماء
فلئن كان ما يقولون حقاً … إنهم بالذي نسوا لؤماء
كيف ينسون في الحياة أديباً … عبقرياً عَنَتْ له الأدباء
أَفَيُنْسى حياً ويُذْكر ميتاً … إن هذا ما تنكر العقلاء
إن هذا أمر يتيه ضلالاً … في بوادي تفسيره الحكماء
ضحكوا منه في الحياة ومذ ما … ت تعالى نحيبهم والبكاء
أيها النادبون غيريَ غُروا … بَرَح اليوم للبيب الخفاء
يُكرم الميت بالثناء وتحيا … عندكم في المهانة الأحياء
كل من يخبر الأناسِيَّ خُبْرِي … لا يبالي أأحسنوا أم أساؤا
أنا جربتهم إلى أن تساوى الْ … يَوم عندي سبابهم والثناء
قد تمادى في القائلين غلوٌّ … وتوالى في الفاعلين رياء
أيها الكاظمي نم مستريحاً … حيث لا مبغض ولا إيذاء
عشت في مصر باحترام يؤدي … هـ إليك الأماثل الفضلاء
إن للنيل من جرائك شكراً … ستؤديه دجلة اللْسناء
لم تعش عيشة الرفاه ولكن … لك في العيش عزة وعلاء
أي حرفي الشرق عاش سعيداً … لم تشب صفو عيشه الأقذاء
стр. 8630
وهنيئاً إِن لم تعش في العراقيي … ن مضاعاً تنتابك الأرزاء
من شقاء العراق إن ذوي النعْ … مة فيه أجانب غرباء
إن جَفَتنا بلادنا فهي حب … ومن الحب يستلذ الجفاء
لم نحل عن عهودها مذ جفتنا … بل لها الود عندنا والوفاء
قد بكينا شجواً عليها ومنها … وعناناً سقامها والشفاء
كم أردنا سخطاً عليها ولكن … غلب السخطَ في القلوب الرضاء
إنما هذه المواطن أُمٌّ … مستحق لها علينا الولاء
إن خدمنا فلا نريد جزاءً … ومن الأم هل يراد جزاء؟
إنما نحن مصلحون وما إنْ … غاية المصلحين إلا الرفاء
نحن كالشمع حين ذاب اشتعالاً … فهدى الظالمين منه الضياء
بغداد
معروف الرصافي
стр. 8631
البقاء
بقلم الياس قنصل
أزهدُ الناسِ في الحياةِ يُمنّي … نفسه بالبقاءِ رغم شكاتِهْ
والذي أفنت الليالي صباه … ورماه زمانُه بأذاتِهْ
يطلب الموتَ وهو أمّا أَتاه … ردَّه عنه ملغياً كلماته
وإذا خاضَ قائدهٌ غمرةً ير … سبُ فيها بسيفه وقناته
حدّثَ النفسَ بالرجوع سليماً … وسماتُ النجاح في قسماته
وإذا قامَ رائدٌ يطلبُ المرّ … يخ حيث الحِمام بعض هداته
ودّعَ الأرضَ آمناً مطمئناً … واثقاً من معادِه ونجاته
كلّنا يعشقُ الحياةَ ويهوى الم … عيشَ فوق الثرى على عِلاّته
ربّ ساعٍ إلى الخلود مجدِّ … يغلبُ الناس والقضا بثباته
ليس يسعى وإن يُرَقْ دمُه إِلاّ … ليحيا مكرَّماً في حياتِهْ
عاصمة الأرجنتين
الياس قنصل
стр. 8632
فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية
١٢ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا
فرديريك نيتشه
للأستاذ خليل هنداوي
حاسته الفنية
لم يكن نيتشه مفكراً فحسب، بل كان فناناً ذا حاسة فنية عميقة، يدل على ذلك ميله خلال طفولته الأولى إلى الموسيقى وعشقه لأربابها. وهل كان إلا غرامه بها الذي جعله ينظر إلى (فاجنر) كمثل أعلى لموسيقى عصره؟ وقد انكب على تلقن أصولها ومبادئها في صباه الأول، ودفعته حاسته إلى نظم بعض المقاطيع الموسيقية. وما هي إلا خطوة واحدة لو خطاها نيتشه لأشرف على عالم غير عالمه، ولأشفى على وجود قد يبدل كل أفكاره وكل آرائه. وهو يقول عن نفسه (لو لم ترجح كفة التفكير عندي لكنت الآن موسيقياً!) على أن ذوقه الموسيقي لبث حياً في طوايا نفسه. يرتاح للموسيقى أينما صدحت، ويغيب في عوالمها حيث تفتحت عوالمها. وهو أكثر ما يطمئن لتلك العوالم الفنية المظلمة التي تذهل فيها النفس وتدرج إلى أعماقها حيث يلتقي الفيلسوف والفنان. وقد يؤاخي هذه الحاسة - عنده - حاسته الشعرية. فهو شاعر بالفطرة، يبدي آراءه الفلسفية بطريق الشعر؛ وله في الشعر جولات صادقة تدل على فن عميق وابتكار رائع. وهو وان صدف عن عالم الشعر فإن حاسته الشعرية لم تخمد، بل ظلت تعاوده في كل ما كتب وسطر. وإنشاؤه يغلب عليه الشعر والعاطفة. لا يرى قارئه في تأملاته عقل نيتشه وحده، وإنما هو واجد كل كيانه يفكر ويكتب، يطلع عليك بوجوده كله لا بفكره وحده
الانعتاق
تكاد تكون تفاصيل حياته الشخصية محدودة. فهو قد ولد عام (١٨٤٤) في (روكن، حيث كان أبوه قسيساً. وقد تيتم في الخامسة من عمره. فأتم دروسه الثانوية وتوجه إلى الدروس العالية. وبينما كان يتهيأ للموضوع الذي ينال به (الدكتوراه) في (ليبزيج) دُعي ليكون أستاذاً في جامعة (بال) وقد مُنح (الدكتوراه) بدون أن يعرض موضوعه
стр. 8633
قضى ستة أعوام هادئ النفس في الجامعة يقوم بتدريس اليونانية، وهو خلال هذه الأعوام كالمقيد بصحبة أصدقائه لا يخرج من حلقتهم، وهؤلاء الأصدقاء هم زملاؤه وبعض رفاقه، أضف إلى ذلك بعض زيارات متتالية إلى منزل الفنان (فاجنر). وقد كان يختلس بعض الفرص فيذهب في بعض سياحاته القصيرة إلى البحيرات والجبال، ولم يعكر عليه هذا الهدوء إلا إعلان الحرب السبعينية، فهجر الجامعة وتطوع في الجيش الألماني، ولكن صحته خانته، فاضطر إلى العودة مريضاً، وأعظم ما قام به من الآثار الأدبية خلال هذه الفترة كتابه (نشوء المأساة) ونقده للحضارة الحديثة. في الكتاب الأول يعالج نبوغ اليونان وعبقريتهم المختلفة في الفنون، وفي الكتاب الثاني يعرض (تأملات في غير حينها) وهو ينطوي على أجزاء: في الجزء الأول يحمل على (دافيد ستراوس)، وفي الجزء الثاني يبحث فائدة التاريخ وأخطاره، وفي الجزأين الأخيرين يبسط عبقرية الفيلسوف (شوبنهاور) وعبقرية الفنان (فاجنر) معتقداً أن في إمكان هذين النابغتين أن يقودا الإنسانية إلى مثلها الأعلى
وفي سنة ١٨٧٦ عرا حياته الداخلية ما عرا حياته الخارجية من تطور وتبدل، وأعظم ما نزل به نزاعه مع صديقه (فاجنر) أضف إلى هذا ما حاق بصحته من سوء واعتلال، حتى منحته الجامعة فرصة يقضيها إذا شاء في إيطاليا أو على هضاب سويسرا. وبعد هذه الراحة عاد إلى بذل الجهود برغم أن صحته كانت تنذر ولا تبشر. فجمع سنة ١٨٧٨ كتابه (أشياء إنسانية، إنسانية جداً) وكتاباً آخر يضم (آراء مختلفة) و (المسافر وظله) فزادت صحته ضعفاً حال بينه وبين التعليم، فاعتزل الجامعة لكي يجد المجال الفسيح والقوة الكافية لتتميم رسالته الفلسفية
وها هنا بدل القدر صفحة حياته، ومنحه حياة جديدة يغمرها الاعتزال، وحرية التفكير والانفصال، يكمل تحت ظلها هذه الرسالة التي خُلق لها
لم يكن ميل نيتشه إلى دراسة اللغات القديمة مجرد هوى أو هيجان ابن ساعة ثم ينطفئ. فقد مال نيتشه إلى هذه الدراسة بقلبه وعقله، ذلك لأنه يريد أن يظهر أمره في علم ضيق المساحة ليدرك العلم فضله. وهو أكثر الناس علماً بقيمة العلماء الناقصين الذين يعلمون كل شيء ولا يعلمون شيئاً. وها هو ذا الآن لا يريد أن يعرف كل شيء، وإنما يريد أن يعرف
стр. 8634
شيئاً معرفة متقنة، فبذل ما بذل من صبر وجهد بذل الأمين الراعي لأمانته. مدرعاً بالأناة التي لا غنى عنها للذاهب مذهبه. راضياً بأن يزهق روحه في سبيل العلم وخدمته. ولكنه سالك فيه مسلكاً جديداً لا أثر فيه للتعاليم الدراسة، وللتقاليد التي لا تجدي شيئاً. وهو يمزج هذه الدراسة مع الفلسفة والفن ويجعل من هذا المزج مزجاً جديدا
يعتقد نيتشه بأن المثل (الكلاسيكي) سيبقى خالداً لا يهدده الفناء. فلا العلم ولا الخلق ولا التثقيف بمستطيعة أن تنقذنا من البربرية إذا سلخنا المثل الكلاسيكي، وكفرنا بالبساطة الشريفة التي تتجلى في الفن اليوناني والبراعة اليونانية. وإذا شاء رسل العلم أن يجحدوا هذه البراعة وينكرونها على اليونان، فإنها براعة سائدة خالدة مسيطرة على براعتنا، تدل على أن اليونان كانوا أكثر توفيقاً منا في حل مسائل الوجود
وهكذا تظهر مهنة (دارس علم اللغات) مهنة جميلة سامية هو لا يعنى بإحياء الآثار العافية، والنصوص البالية، ولكنه كادح دائب على إحياء روح اليونان القديمة، يريد أن يتفهم كيف قدر لهذه الروح أن تتسامى وتتعالى في الآثار التي تركتها، والفنون التي أنجبتها، والمؤثرات التي تركت تأثيرهم بادياً في أدبنا وفلسفتنا، فجعلت منهم أساتذة لا يزال الغرب يتلقن عنهم. هذا هو أدب نيتشه يوم دخل جامعة (بال) مدرساً. يقول في إحدى محاضراته (إن دراسة علم اللغات ليست بآلهة شعر ولا بنبية رحمة، لكنها رسولة الآلهة، والآلهة، والآلهة في القديم كانت تهبط على القرويين المحزونين. واليوم تهبط هذه الرسولة على عالمنا القاتم الألوان، المظلم الرسوم، المفعم بالآلام والشقاء الذي لا يشفى، حاملة إلينا بلسم العزاء، عارضة علينا بأحاديثها تلك الوجوه الجميلة المتألقة في قطر خصب أزرق سعيد)
(يتبع)
خليل هنداوي
стр. 8635
القصص
من أساطير الأغر يق
هرقل في سبيل التفاحات الذهبية
للأستاذ دريني خشبة
٧ - خيول ديوميديز
وكان للملك ديوميديز، ملك تراقيه، يقتني مجموعة طيبة من خيول السباق التي لا يشق لها غبار، ولا تباريها خيول في مضمار؛ ولكنها لم تكن كهذه الخيول التي يقتنيها الناس، بل كانت بالوحوش أشبه، والى السباع أقرب، لأنها لم تكن تذوق الحشيش ولا تُسيغ النبات، بل بالعكس، كانت لا تأكل إلا اللحم تنهشه نهشاً. .
وكانت تأبى لحم الحيوان والبهائم، وتستطيب لحم الإنسان وتستلذه، ولم يكن الملك القاسي يبخل عليها به. ولكي يوفر لها هذا الغذاء الغريب، أصدر أمره بالقبض على كل أجنبي تطأ قدماه أرض البلاد بدون إذن من الملك! فلما نمى الخبر إلى يوريدوس، أرسل هرقل لمعاقبة ديوميديز ولتخليص الناس منه ومن خيوله
وشد هرقل رحله إلى أرض تراقيه، ودخلها غير مستأذن ولا مستأنس، فلما سأله ديوميديز في ذلك، انقض عليه كأنه الحتف، واقتلعه من عرشه كأنه نبتة ومضى به إلى خيوله فألقاه إليها. . .
وانقضت الخيول على الملك فمزقته تمزيقاً، واغتذت بلحمه الملكي الفاخر!! وطرب الشعب لتخلصه من حاكمه الظالم، ونثر الورد والريحان تحت قدمي هرقل، ومضى البطل فألجم الخيول كلها، وساقها هدية غير مبرورة إلى يوريذوس!!
٨ - منطقة هيبوليت مليكة الأمازون
وكانت ليوريذوس ابنة ذات كبرياء وذات خيلاء، مشغوفة باقتناء الحلي والجواهر النادرة، تضحي في سبيلها بسلام المملكة وأرواح البرايا، إذا اقتضت الحال حرباً من أجل ياقوتة أو زبرجدة!!
وكان أبوها الأفين يلبي رغباتها ولا يكاد يرفض لها أمراً، فلما وصفت لها منطقة هيبوليت،
стр. 8636
مليكة الأمازون، وما رصّعت به من اللآلئ، ثار في نفسها فضول الذهب، وألم بها مرض الحصول عليه. فانطلقت إلى أبيها تبكي، وتشكو العطل وقلة الحلية، ولو أن خزائنها تحوي نصف ثروة المملكة
وسألها أبوها ما بكاؤها؟ فتاهت قليلاً ودلَّت، ثم ذكرت منطقة هيبوليت!!
وربت الملك على كتفي ابنته، ودعا إليه هرقل، وأمره بالذهاب إلى الأمازون والحصول على منطقة الملكة ولو أدّى دمه ثمناً لها!!
أما الأمازون، فقبيل عظيم من النساء المحاربات، يحيين حياة عسكرية حافلة بضروب من الشجاعة تحيّر الألباب وتذهل العقول. فمنهن فريق يعمل في الحصون ويسهر على قلاع المملكة، وفريق للغزو ومناوشة الأعداء، وثالث يقوم بمهمة الشرطة والعسس، ورابع للعمل في الأسطول الذي يلقي الرعب في الشواطئ. . . . . . لإ
إلخ
ولا يعيش بين شعب الأمازون أحد من الرجال، فإذا جازف رجل، وانسرق بينهن، ترصّده الموت في كل مكان!
وكانت مملكتهن في جزيرة نائية قاصية، ذهب هرقل في البحث عنها كل مذهب، واستعان بأقربائه من الآلهة ليرشدوها إليها
ونصح له أحدهم أن يدع هذه الرحلة القاسية إلى مملكة الأمازون، ولكنه أبى، لأن مجازفاته التي يتعرض بها للهلاك، إن هي إلا ثمن الحرية التي ينشدها ويحلم دائماً بها!
ووصل هرقل إلى المملكة، وتحايل حتى مثل بين يدي الملكة، فلقيته بما هو أهله من التجلة والإكرام، كابن إله عظيم. . وأبدى رغبته في الحصول على المنطقة الغالية التي تزين وسط الملكة، وتحلّي خصرها، ليقدمها ثمناً لحريته الضائعة، للفتاة المزهوة (أدميت) بنت ملك أرجوس. . .
وتبسمت الملكة، ووعدته أن تخلعها عليه، ليصنع بها بعد ذلك ما يشاء. ثم تفضلت فدعته إلى حفلة راقصة، وعشاء فاخر. . .
وهنا تبرز حيرا لتمثل دورها!!
لقد هالها هذا النجاح المطرّد الذي يظفر به خصمها في كل مكان، فتحولت إلى أمازونة
стр. 8637
جميلة، واندست بين رعايا الملكة، وألقت في روعهن أن هرقل هو ألد أعدائهن، وأنه إنما أقبل لسبي الملكة، وليفر بها إلى ملك أرجوس، وأنه اتخذ المنطقة تعِلَّة لذلك جميعاً، فثارت ثائرة الأمازون، وتجمهرن حول الملكة، وصارحنها بما قالت لهن حيرا. فأمرتهن بالحرب. . . ولكن هرقل، البطل الأعزل، انقض كالمنية على الأمازون ففرّق شملهن، وأظفرته شجاعته بهن، ثم هجم على الملكة فاختطف منطقتها، ونظر فرأى حيرا تشهد المعركة فوق رابية قريبة، فأشار إليها قائلاً: (وهنا أيضاً أنتصر عليك، وسأنتصر عليك دائماً!)
٩ -
وطربت ابنة الملك بمنطقة هيبوليت أيما طرب، وكبرت في نفسها منزلة هرقل، فاستوصت به أباها خيراً.
واستجاب يوريذوس لشفاعة ابنته في هرقل، فلم يكلفه هذه المرة شططاً، بل اكتفى أن أمره بالتوجه إلى بحيرة ستيمفالوس ليبيد طيورها ذوات المخالب النحاسية التي تدوم فوق الماء الآسن وتغطس فيه تصيد السمك، ثم تذهب فتأكله قريباً من القرى، فتنتشر بذلك الأمراض والطواعين. ولم يكن أيسر على هرقل من أن يبيد هذه الجوارح ومعه قوسه المرنان، وفي كنانته سهامه التي رويت من دم هيدرا
١٠ - قطعان الجريونز
وكان يأوي إلى سفوح الجبال في مقاطعة أريثيا مارد مخوف مرهوب الجانب يدعى جريونز. وكانت له قطعان كبيرة من الماشية والغنم عرفت في سائر هيلاس بجودة ألبانها ونعومة أوبارها، حتى لكان يضرب بها المثل كلما فاخر الرعاة بقطعانهم
وطمع يوريذوس في نعم جريونز وشائه، فأمر هرقل أن ينصرف إلى أريثيا فلا يعود إلا بها
وأغذّ هرقل السير؛ وألقى المارد مُمداً في كهفه السحيق يغط في نوم عميق، فانقض عليه كأنه الشهاب الراصد، وقبض بيديه الحديديتين على عنقه الغليظ فلم يفلته إلا جثة لا نامة فيها ولا نفس! وساق القطعان، وتولى إلى ملك أرجوس بالثروة الطائلة، والوفر الكثير
وأرخى الليل سدوله، ولما يبلغ هرقل نصف الطريق، فأناخ في منحدر معشوشب، ولعبت
стр. 8638
سنة من النوم بعينيه فغفا، وأسكرته نسمات الربيع فاستسلم لأحلامه الخمرية الحلوة. . .
وكان يأوي إلى هذا الجبل، جبل آفنتين، مارد لص قاطع طريق، يدعى كاكوس، وجد هرقل غاراً في سبات ناعم، فذهب بنصف القطيع أو يزيد. . .
واستيقظ البطل على رُغاءٍ يتجاوب في حدود الأفق، فلما تفقد قطعانه انطلق في أثر اللص حتى لحق به، وحطمه تحطيماً!
وقبيل شروق الشمس، كانت مدينة أرجوس كلها عند الأبواب تستقبل الرزق والغنم، وتهتف باسم البطل الحلاحل الذي بهرها بشجاعته، وخلب ألبابها بما أبدى، وما ينفك يبدي، من ضروب القوة والاستبسال
وأحس يوريذوس بما انطوت عليه قلوب الأهالي من المحبة والافتتان بهرقل، فتسخّط وحنق، وبيَّت الشر المستطير
١١ - تفاهات هسبريا الذهبية
وأدركت حيرا ما ينقم الملك من هرقل، فوسوست إليه أن يأمره بالحصول على تفاحات هسبريا الذهبية، وهيهات هيهات أن يستطيع أحد الحصول عليها!
ولقد أهديت هذه التفاحات إلى حيرا، ليلة زفافها إلى زيوس، رب الأرباب، فيما أهدى إليها من تقدمات وتحف؛ أهدتها إليها (جي) ربة الأرض، فكانت أثمن الهدايا جميعاً وأغلاها. لأنها فضلاً عن أنها من الذهب الخالص، فقد رصعت بأندر اللآلئ، وزينت بصور الآلهة، ونقشت فيها حدائق الأولمب؛ ثم تستقل بميزة ندر أن تكون لحلية مهما غلت: ذلك أنها إذا غابت الشمس، وأقبل الليل بظلامه، شعَّت أضواءً ولآلاء قل أن تصدر إلا عن كواكب درِّي، أو شمس وضاءة، فتنقشع الغياهب وتنجلي الدياجير!
وحسبك أن تعلم أن حيرا نفسها لم تأمن آلهة الأولمب وحُرّاسها الغلاظ على هذه القُنْية النادرة، فأرسلت بها إلى الهسبريد، بنات هسبروس إله الغرب العظيم، ليحرسنها. ولتكون عندهن في مأمنٍ من كل ساربٍ بليلٍ، أو سارقٍ في نهار، وقد عرف الهسبريد لهذه التفاحات قيمتها، فعلَّقها في دوحة باسقةٍ في حديقة قصرهن المنيف، وأقمن على حراستها التنين الهائل لا دون، الذي قيل في صفته إن له سبعين ألف رأس في كل رأس سبعون ألف عين، وسبعون ألف ناب يتدفق السم منها جميعاً. ثم إنه يبلغ ألف ذراع طولاً وخمسين
стр. 8639
سُمكاً، وإن له لأظافر كأن كل واحد منها جراز هرمز، وإن له لفحيحاً تضيع فيه زمزمة الجن، ومُكاءُ الشياطين!!
وانقلب هرقل على وجهه في الأرض حيران!
أين هي تفاحات هسبريا هذه؟
(أفي الأرض أم في السماء؟ لأمضِ! فرب إله دلني إليها. . . .)
وشرّق وغرّب، وذرع الأرض من أقصاها إلى أقصاها، وانسرق إلى الكهوف والغيران، وأوْقل في الجبال، وتحدّر في القيعان، ومر بكل حنيَّة، ووقف عند كل عين، حتى كان لدى نهر أريدانوس، ووقف بشاطئه يتناجى؛ فخرجت من الماء النمير عرائسه، ورُحن يُسرِّين عن هذا اللاجئ الحزين
وإنه ليسائلهن عن تفاحات هسبريا، فيحدثنه ويتلطفن معه، ثم ينصحن له أن يطلق إلى نريوس إله البحر، عسى أن يهديه إلى ما يريد
ويهيم في الأرض محاذياً سيف البحر، حتى يكون آخر الأمر أمام شيخ هرم، وخط الشيب رأسه، وتدلى شعر لحيته الكث فوق صدره العريض ذي النتوء؛ وبرزت أهدابه حتى لكادت تحجب عينين تزدحم فيهما السنون، وتطل من حدقتيهما الأحداث!
وجده جالساً القرفصاء مُقلِّباً ناظريه في مملكة الماء التي تتصل باللانهاية، فألقى عليه تحية هيّنة، رد عليها الشيخ بهذه العبارة:
(أيها الفتى لم قطعت عليّ تأملاتي؟!)
(فقال هرقل: (أستحلفك بسيد الأرباب يا أبتاه إلاّ ما أخبرتني عن حدائق الهسبريد، فتكون لك عليّ يد أذكرها لك أبد الدهر وأشكرها!)
وتجهّم نريوس وقال: (حدائق الهسبريد! أوْه! أنت هرقل إذن!)
فبهت هرقل وأجاب: (أي وحقك أنا هو، فمن ذكرني عندك!؟)
- (ليس هذا من شأنك يا بني، ولكن لعلك تبتغي تفاحاتها الذهبية؟)
- (أي وزيوس يا أبتاه!)
- (بشراك إذن! فلن يحصل عليها إلا أنت، ولكنك لست أنت الذي ستنفذ إلى حدائق الهسبريد! اذهب إذن فالتمس المسكين برومثيوس مكبلاً فوق جبال القوقاز، فأحسن إليه،
стр. 8640
وسله حاجتك، فهو وحده الذي يستطيع إرشادك إلى ما تريد. .!)
وشكره هرقل، وحياه، وأطلق ساقيه يطوي الفيافي إلى القوقاز. وهناك وجد برومثيوس والرخ ينوشه، بحيث يمزق كبده ويهر أه، ويغتذي به؛ فوتر قوسه، وسدد إلى الطير سهماً أصماه، وخلص إلى الإله البائس فأزال أصفاده، واحتمله إلى السفح، وما زال به حتى أقبل الليل والتأمت جراحه، ثم تحدث إليه عن حدائق الهسبريد وتفاحاتها الذهبية. فحدجه برومثيوس بنظرة فاحصة، وقال له: (لكأنك هرقل إذن؟)
- (أجل أنا هرقل يا أبتاه!)
- (وأنت عدو حيرا يا بني؟)
- (عدوها المبين يا أبتاه!)
- (مسكين!!)
ولم يلبث الفتى أن انهمرت عبراته، وطار لونه وهاجت في فؤاده البلابل والأشجان؛ ثم اتصل الحديث، وقال برومثيوس:
- (انطلق يا بني إلى أخي أطلس؛ هناك. . . هناك في إفريقية المظلمة شمالاً بغرب؛ تجده على قمة جبل شامخ يحمل السماء على منكبيه، ويتشح بوشاح من اللازورد يرفرف بين المشرق والمغرب. فأقرئه سلامي، وزُفّ إليه بشرى خلاصي مما أوقع زيوس بي، ثم حدّثه بحاجتك يقضها لك، فهو وحده يعرف أين حدائق الهسبريد، وهو وحده يستطيع أن ينفذ إليها، وهو وحده يستطيع قتل لا دون التنين الهائل الذي يحرس تفاحات هسبريا الذهبية؛ فإذا أتاك بها، فاحذر أن يأخذك بشيء من مكره، فإني علمت أنه بدأ يتململ من حمله الثقيل، ويود لو ينجيه منه أحد، ولو انتثرت الكواكب، وانتقض نظام الكون!)
هرقل يصارع أنتيوس
وفي طريقه إلى أطلس، لقي من الأهوال والخطوب ما تفتأ تتحدث به الأيام إلى زماننا هذا. من ذلك أنه مرّ يقوم من الأقزام ضئال الأجسام قصارها؛ كانوا يؤجرون مارداً عظيم الجسم مفتول العضل: ليحميهم من جيرانهم الأعزّاء الأقوياء، وليدفع عنهم غائلة الغربان النحاسية التي كانت تتلف أعنابهم وتبيد زروعهم كلما تم نضجها في كل عام. وكان ذلك المارد - أنتيوس - ذا حول وذا طول، حتى لكان يخشاه الوحش، ويتخوفه الجن، وترجف
стр. 8641
من صولته أفعوانات البحار، فلما شهد هرقل يخبُّ في أفق البلاد كأنه جبل يتدهدى، أخذ أهبته لمنازلته، ولم تساوره ذرة من الشك أنه منتصر عليه
فلما وصل هرقل، حيا أحسن تحية، ولكن أنتيوس لم يجب، بل إنه سارع فأخذ بتلابيب البطل عابر السبيل!!
- (ماذا بك أيها الأخ! دعني فليست لي عندك حاجة!)
- (لا، لا نجوت إن نجوت! لا أرى إلا أن أصرعك!)
- (ولِمه؟!)
- (هذا ما لا أعرف، ولكن لا بد من أن أصرعك على أية حالة!)
وتصارع الخصمان، وأقبلت الأقزام ترى إلى هذين الجبلين يأخذ أحدهما بعناق الآخر فيلببه تلبيباً!
وكان أنتيوس كلما خانته قواه، وأيقن أن هرقل لا بد صارعه، وقف قليلاً على أديم الأرض يستمد منها قوة، ويستلهم الحول من أمه (جي). . .
فهو ابن جي إذن، ولن يسر ربة الأرض أن يصرع ابنها أحد، إذن فلتمده بكل ما في سرها من قوة ليصرع هرقل!
وخارت قوى البطل! وراح يلهث من شدة النصب؛ بيد أنه تنبه إلى السر آخر الأمر، عندما لحظ أن أنتيوس يزداد قوة كلما مست قدماه الأرض؛ فرفعه رفعة هائلة، ولم يمكنه من الوقوف لحظة على قدميه؛ ثم أخذ يضغط عنقه الغليظ العبل، حتى شهق شهقة كانت هي شهقة الموت. .!
فألقى به. . . ومضى لشأنه!!
وتلفت فرأى عرائس ماء يلعبن على الشاطئ، ويترامين بلآلئ مما يعد لديهن من حصباء البحر؛ فوقف غير بعيد وهتف بهن:
(يا عرائس الماء الجميلات! هل لكن أن تهدينني إلى أطلس الذي يحمل السماء، ويمسك كواكبها أن تقع!؟)
وفزع عرائس الماء وهرعن إلى البحر، ولكن فتاة جريئة وقفت ترقص على رأس موجة وقالت: (امض أيها الرجل حتى إذا لقيت السد الذي يفصل البحر المحيط من مائنا هذا
стр. 8642
(وكان البحر الأبيض)، فإذا استطعت أن تنفذ فانك تكون على فراسخ من أطلس. . .)
وشكرها هرقل، وانطلق. . .
وكان أمام السد؛ ولكنه كان جبلاً شامخاً ذا قُنن وقُلل وأحياد؛ فلما لم يستطع أن يتسلقه؛ ضربه بيمينه ضربة، وبشماله أخرى، ففتح ثغرات كبيرة نفذ منها، وترك الجبل وراءه أعمدة عالية، ما تزال تعرف إلى يومنا هذا بأعمدة هرقل!!
ونظر فما هاله إلا هذا الإله العظيم سامقاً في الأفق، يحمل على كتفيه العريضتين قبة السماء. والنجوم منتشرة حوله كأنها قطرات أمطار في يوم عاصف!
وتقدم هرقل فحيّا الإله الضخم، وحياه الإله الضخم بأحسن مما حيا هرقل، ثم أقرأه هذا تحية برومثيوس، وزف إليه بشرى خلاصه من الصخرة التي ظل مُكبّلاً فوقها أحقاباً وأحقاباً!
وطرب أطلس لهذه البشرى، وأفتر عن ثنايا كأنها قمم الجبال مُغطَّاة بالثلوج، ثم قال:
- (ومن أنقذه من عذابه الطويل يا صاح!)
- (أنا إن كان يسرك ذاك النبأ)
- (أنت؟ أنت من المكرمين إّن! مرحباً بك أيها المخلص الأمين!)
- لقد كدت ألقي بهذا الحمل الذي ترى لأنقذ أخي، ولكني خفت أن يهلك العالم بمن فيه. . . و. . . على ذكر أخي، كيف هؤلاء الناس الذين خلق؟ أبخير هم؟ وهل يخبتون له حقاً؟ إن زيوس مغيظ منهم، وامرأته حيرا محنقة كذلك، أعندك من أخبار هؤلاء شيء؟
- (عندي أشياء يا أبتاه. . أنا ابن زيوس من الكمين، وقد نقمت حيرا على والدتي، فأرادت أن تفجعها فيّ، وقد أغرت رب الأرباب بي، فقضى أن أخدم النذل يوريذوس سنة بتمامها أصدع له خلالها بما يأمر، وقد أرسلني أجوب الآفاق وأذرع الأرض من أجل تفاحات هسبريا الذهبية، وقد ذكر لي أخوك، بعد إذ أطلقته، إنك وحدك تعرف مكان حدائق الهسبريد وإنك وحدك تستطيع الحصول على هذه التفاحات، فهل أسعد بأن تؤدي لي هذه اليد؟ لقد كادت حيرا كيدها هذا، وإلا تنصرفي أكن من الهالكين!)
وشاءت الخيلاء في أعطاف أطلس، وسرت حميّا الزهو في ظهره الشاسع، فقال: (أجل يا صاح، لن يستطيع قتل لا دون غيري، ولن يدخل حدائق الهسبريد سواي، ولكن كيف أترك
стр. 8643
حملي هذا لآتيك بالتفاحات؟)
ونظر هرقل إلى القبة الهائلة نظرة تفيض كبرياء وقال: (أنا أحمل عنك هذه القبة يا أبتاه، حتى تعود بالتفاحات!!)
وما كاد يتم كلمته، حتى تقدم فركز كتفيه تحت السماء، وانطلق أطلس لأول مرة منذ أحقاب وأدهار، يمتّع نفسه بمشية حرة طليقة في حدائق الأرض الغنّاء!!
وغبرت أيام. . .
ثم ذكر تفاحات هسبريا، فذهب إلى حدائق الهسبريد، واقتحم الأسوار، وانقض على التنين لا دون فزلزلت الأرض تحتهما، ولم يدعه يفلت، برغم مرونته في الوثب وسرعته في الالتفاف، حتى خرّ صريعاً
ومد يده إلى الأيكة الذاهبة في السماء فتناول التفاحات المتلألئة الوضاءة، وعاد يزهو ويختال إلى حيث هرقل المجهود المتعب
وما كاد أطلس يلمح الحمل الثقيل الذي يؤود هرقل، حتى ذكر الأدهار السحيقة التي لبث يتململ طوالها تحت عبئه؛ فارتعدت فرائصه لمجرد فكرة العود إلى حمله الشاق. . . وبدا له أن يدع هرقل ويمضي. . . ولكن هرقل المتعب فطن إلى ما وقر في قلب أطلس؛ فناداه: (أبتاه! لعمري أن حملك لأخف من الهواء؛ ولعمري أنني لأستطيع أن أصمد له إلى نهاية الأبد!)
وبهت أطلس وقال: (إذن لتمض في حملك مادام يسرك!)
فأجاب هرقل: (ليس أيسر من هذا! ولكن هل تسمح فتحمل مكاني برهة حتى أضع حوّية فوق كتفيّ، فإني أشعر بنتوء في أديم السماء!!)
وقبل أطلس المغفّل، فنثر التفاحات من يده على الكلأ الأخضر، وتقدم فحل محل هرقل!!
والتقط صاحبنا التفاحات، وانطلق لا يلوى على شيء!!
وبعد رحلة طويلة مضنية، دخل على يوريذوس بالقُتْية الغالية التي خلبت لب فتاته أدميت؛ وخرت مغشياً عليها حين وقع بصرها عليها
(لها بقية)
دريني خشبة
стр. 8644
البريد الأدبي
لورد هيدلي عميد المسلمين الإنكليز
نعت إلينا أنباء لندن الأخيرة عظيماً من عظماء الإنكليز يعرفه المسلمون جيداً في مشارق الأرض ومغاربها هو لورد هيدلي زعيم المسلمين في إنكلترا
توفي لورد هيدلي في الثمانين من عمره بعد حياة حافلة متنوعة الأطوار والأوضاع وبعد أن لبث اسمه يرن في العالم الإسلامي أكثر من خمسة وعشرين عاماً، مذ اعتنق الإسلام، وكان أول من اعتنقه من أشراف إنكلترا
ولورد هيدلي من صميم الأرستقراطية الإنكليزية، ولد في سنة ١٨٥٥؛ وأبوه الشريف النسون ون ابن بارون هيدلي
وتلقى تربية جامعية حسنة في وستمنستر وترنتي وكامبردج؛ وبرع في الرياضة منذ فتوته ولا سيما (البوكس) وألف في هذا الفن رسالة ذاعت في وقتها ذيوعاً كبيراً. ثم اشتغل حيناً بالتدريس، ثم بالصحافة حيث كان يحرر جريدة (سالسبوري)؛ ثم اشتغل بالأعمال الهندسية التي تخصص فيها، وعمل مدى حين سكرتيراً للسير هنت، وسافر بعد ذلك إلى الهند حيث تولى عدة أعمال ومشروعات هندسية هامة، ولا سيما في أعمال المواني، وذاعت شهرته الفنية يومئذ واعتبر من أعلام المهندسين
وفي سنة ١٩١١ غدا ر. ح. النسون لورد هيدلي بعد وفاة عمه البارون هيدلي؛ وفي نفس هذا العام، في مأدبة عقدتها الجمعية الإسلامية بلندن، أعلن هيدلي الجديد أنه اعتنق الإسلام، وأنه لم يقطع علاقته مع ذلك بالكنيسة البروتستانتية التي نشأ في ظلها؛ وكان إسلام اللورد هيدلي حادثاً اجتماعياً عظيماً في إنكلترا، وثار حوله الجدل مدى حين، وحملت بعض الهيئات والصحف على اللورد المسلم حملات شديدة، ولكنه لم يحفل بها واستمر في طريقه يدعو إلى الإسلام ويفاخر باعتناقه
وفي سنة ١٩٢١ تزوج لورد هيدلي للمرة الثانية بعد أن توفيت زوجته الأولى في سنة ١٩١٩؛ وكانت زوجه في هذه المدة مسز بار بارا بانيتون، وكان قد بلغ السادسة والستين من عمره. وفي سنة ١٩٢٣ انتخب اللورد هيدلي رئيساً للجمعية الإسلامية بلندن تنويهاً بخدماته للدعوة الإسلامية، وفي هذا العام سافر إلى مكة وأدى فريضة الحج، وأنعم عليه
стр. 8645
الملك حسين ملك الحجاز يومئذ بوسام النهضة العربية؛ ولُقّب اللورد من ذلك الحين (بالحاج هيدلي) وغلب عليه اللقب الجديد
وفي سنة ١٩٢٩، تزوج الحاج هيدلي للمرة الثالثة بأرملة الماجور باسفورد وكان يومئذ في الخامسة والسبعين
وكان اللورد هيدلي رجلاً وافر النشاط والذكاء يجمع بين مصالح كثيرة مختلفة، ويدير دفة طائفة متنوعة من الأعمال الهامة، ويسير بها جميعاً في طريق التقدم والنجاح
وقد ترك اللورد المتوفى من زوجه الأولى أربعة أولاد؛ وورثه في لقب اللوردية ولده البكر رولاند باترك النسون ون
ونستطيع أن نذكر بهذه المناسبة أن هناك طائفة من مشاهير الإنكليز اعتنقوا الاسم في مختلف العصور، ومن هؤلاء رجل من اكستر يدعى يوسف بتس أسره القرصان المغاربة سنة ١٦٧٨ وأرغم على اعتناق الإسلام، وأدى فريضة الحج مع سيده. ثم فر بعد ذلك إلى أزمير ونشر رسالة عن مغامراته؛ ومنهم توماس كابث الشهير الذي اعتنق الإسلام ووصل إلى منصب (الأغا) في بلاط السلطان باستنا بول، ثم انتهى بأن عين حاكماً للمدينة المنورة. ومن مشاهير الإنكليز الذين أسلموا في عصرنا الحاج عبد الله فيلبي (سنت جون فيلبي) مستشار الملك ابن السعود، واللايدي إيفلين كوبولد صاحبة كتاب (الحج إلى مكة) الذي ترجم أخيراً إلى العربية، ومنهم الدكتور نولان الذي كان مديراً للأمن العام، واعتنق الإسلام ثم سافر إلى تركيا، وهاجر بعدئذ إلى أمريكا، ومنهم كثيرون من المستشرقين الذين أسلموا لأغراض علمية وسياسية
ذكريات عن بيير لوئيس
منذ عشرة أعوام، في يونيه سنة ١٩٢٥ توفي الكاتب والشاعر الفرنسي الكبير بيير لوئيس، في الرابعة والخمسين، بمنزله في شارع بولا نفلييه بباريس؛ وكان يعاني آلام المرض قبل وفاته بأعوام طويلة، والآن يحتفل أصدقاء الكاتب الكبير بذكرى وفاته، وهذه سنة مؤثرة في فرنسا، فقلما يودع هذه الحياة كاتب أو شاعر أو نابغة من نوابغ العلم أو الفن حتى تقوم جمعية من أصدقائه والمعجبين بنبوغه لتعمل على تكريم ذكراه في كل مناسبة، وتذكى في نفوس الخلف حب تراثه، وقد كان لبيير لوئيس مكانة خاصة في نفوس
стр. 8646
الخاصة وذوي الشاعر الرفيعة؛ ذلك لأنه يثير بروعة بيانه ورقة أسلوبه شجناً لا تملك مغالبته، وقد بدأ بيير لوئيس حياته الأدبية بإنشاء مجلة صغيرة اسمها (لاكونك) في مارس سنة ١٨٩١، وكان يطبع منها مائة عدد فقط، ويعاونه في تحريرها كتاب تملأ اليوم أسماؤهم فرنسا، مثل أندريه جيد وبول فاليري وهنري دي رينيه
وكان أول من لفت الأنظار إلى بيير لوئيس ودفعه إلى طريق المجد، القصصي الشاعر الكبير فرانسوا كوبيه؛ ففي مارس سنة ١٨٩٣ ظهرت قصة لوئيس المسماة (افروديت)، فلم تمض أسابيع قلائل حتى تناولها كوبيه بالنقد في جريدة (الجورنال) وكان مما قاله يومئذ ما يأتي: (انه لم يكتب مثلها في النثر الفرنسي منذ (قصة المومياء) و (سلامبو). ثم قال: إنها قصة خليعة جداً، فهو يوصي بقراءتها للفنانين، وللفنانين وحدهم، وكان ذلك كافياً لأن تلقى (افروديت) ذيوعاً عظيماً، وأن ينحدر بيير لوئيس بسرعة إلى طريق المجد
وما فعله فرانسوا كوبيه مع لوئيس، فعله لوئيس فيما بعد مع كلود فارير؛ فقد أصدر فارير كتابه (المتمدنون) سنة ١٩٠٥، وتقدم لينال به جائزة جونكور؛ وكان بيير لوئيس أحد العشرة الذين يؤلفون المجلس، فأذاع بعد قراءتها في كل مكان أنها لا تقل في الروعة والإبداع عن قطع (مبرميه)؛ وهكذا نال فارير جائزة جونكور، وأضحى بفضل لوئيس علماً ذائع الصيت، ولم ينس فارير لبيير لوئيس هذا الفضل، فلبث طوال حياته يرعاه بحبه ورفيع تقديره
عناصر الحركة الهتلرية
ألقى المسيو هنري بيجه، وهو من أعضاء مجلس الدولة الفرنسي، في (أكاديمية العلوم الأخلاقية) محاضرة عنوانها (الدولة الألمانية الثالثة والنظريات الاشتراكية الوطنية)، وهي خلاصة بحث دقيق قام به لدرس خواص النظام الهتلري؛ وخلاصة رأي مسيو بيجه أن الحركة الهتلرية إنما هي ظفر حزب وظفر نظرية قاما على (تفاعل عناصر اليأس وعناصر الخرافة)؛ وأما مثل هذه الحركة فتنحصر في ثلاثة أشياء: نظرية الجنس أو الوحدة الشعبية ونظرية الزعيم ونظرية الاشتراك وتقوم الحركة من الوجهة النظامية على المزج بين الدولة والحزب والشعب واعتبارها أسماء ثلاثة لمسمى واحد؛ متعارضة بذلك كل التعارض مع النظام الديموقراطي الحر الذي يقوم على فكرة الفرد والدولة، ويفرق
стр. 8647
بينهما أتم تفريق. ويرى مسيو بيجه أن الحركة الهتلرية رغم قوتها الحاضرة، تحمل عناصر فنائها، وأن هذا الفناء ليس بعيد الحدوث
كتاب جديد عن الملكة فكتوريا
صدر أخيراً بالإنكليزية كتاب عن الملكة فيكتوريا بقلم الكاتب الإنكليزي أ. بنسون. ومع أنه يقع في مجلد واحد، فقد ألم بحياة الملكة العظيمة إلماماً قوياً، ويستند مستر بنسون في معظم آرائه على خطابات الملكة ذاتها، ولا سيما في أعوامها الأخيرة. وهو لا يعنى بتحري الصور الشائقة أو المثيرة، ولكنه يسير في بحثه بهدوء واتزان، يحلل أخلاق الملكة وموقفها من الشخصيات الكبيرة التي كانت تعمل معها، ومما يدلل عليه مستر بنسون أن الملكة فيكتوريا أبدت مواهبها العظيمة في عصر متقدم جداً، فرسائلها وهي في الثالثة عشرة لا تختلف كثيراً عن رسائلها وهي في الخمسين من حيث القوة والاتزان وحسن التدليل، ومما هو جدير بالذكر ما يعرضه مستر بنسون عن معركة الملكة فكتوريا مع وزيرها الشهير جلاد ستون، فقد كانت ثمة بين الشخصيتين العظيمتين معركة ملأت أيام الملكة الأخيرة، وكان الحق فيها في جانب الوزير، ولكن الملكة صمدت فيها إلى النهاية
стр. 8648
من روائع الشرق والغرب
المنصور
للشاعر الألماني هاينرخ هاينه
نقلها عن الألمانية الدكتور زكي محمد حسن الأمين العلمي
لدار الآثار العربية
هاينرخ هاينه شاعر غنائي وكاتب ألماني ولد من أبوين يهوديين بدسلدورف سنة ١٧٩٧ ودرس الحقوق ولكنه هجرها إلى الأدب وذاع صيته فيه سنة ١٨٢٦ وسنة ١٨٢٧ حين ظهر كتابه (صور رحلة) عن طوافه في ألمانيا، وما لبث أن نشر أحسن شعره في ديوان سماه كتاب الأغاني قابله القراء في ألمانيا بحماسة تفوق الوصف
واعتنق هاينه الدين المسيحي سنة ١٨٢٥، ولكنه كان في الحقيقة متشككاً في كل شيء، إباحياً جد الإباحة، مستهتراً كل الاستهتار. وفي سنة ١٨٣٠ هاجر هاينه إلى باريس فاستوطنها واشتهر في أنديتها حتى توفي سنة ١٨٥١ بعد أن أقعده الشلل في أواخر حياته
وظل الألمان يعدونه من أكابر كتابهم وشعرائهم حتى كان الانقلاب الأخير، فنعى الهتلريون عليه أصله اليهودي فانقلبوا على ذكراه وهدموا ما أقيم له في ألمانيا من أنصاب وتماثيل
وامتاز هاينه بأسلوبه التهكمي اللاذع ووصفه الدقيق المشرق، بيد أن أهم ما خلّد ذكراه حتى الآن وسوف يخلدها طويلاً إنما هي أغانيه في ديوانه الذي أشرنا إليه؛ وآنا ننقل منه إلى العربية القصيدة الآتية التي يعجب الألمان بها كثيراً على الرغم من تعريضه فيها بالمسيحية قال:
في الكنيسة الكبيرة بقرطبة
تقف أعمدةٌ ثلثمائة وألف،
ثلثمائة وألف من الأعمدة الشاهقة تحمل القبة العظيمة الضخمة
وعلى الأعمدة والقبة والجدران تجري وتنحدر في كل اتجاه
آيات القرآن العربية في حروف مشبكة مزهرة مزخرفة
قديماً بنى الملوك العرب هذا البيت تمجيداً لذكر الله،
стр. 8649
بيد أن أشياء كثيرة قد تغيرت في هذا الدهر ذي الأحداث المظلمة!
فعلى المنارة حيث كان المؤذن يدعو الناس إلى الصلاة،
ترسل الآن أجراس المسيحية رنين دقاتها الحزينة
وعلى المنبر حيث كان المؤمنون يرتلون كلام النبي،
يعرض الآن القسس الصغار الصلع أعاجيب قداسهم المضجر!
وهناك دوران والتفاف، حول نساء كالعرائس المنقوشة
بالألوان المختلفة، وهناك ثغاء وتبخر وأصوات نواقيس،
بينما الشموع الغبية ترسل أضواءها
في الكنيسة الكبيرة بقرطبة، يقف المنصور بن عبد الله
يتأمل الأعمدة في سكون، ويغمغم بالكلمات الآتية:
إيه أيتها الأعمدة القوية الجبارة
التي ازَّينتْ ذات يوم تعظيماً لله
هاأنت ذي الآن مضطرة إلى أن تقدمي للمسيحية المشنوءة
فروض الطاعة في ذلة وخنوع
أنت على ممر العصور ترضين وتقنعين،
وأنت تحملين العبء بصبر واستسلام،
فكان جديراً بمن هو أضعف منك أن يكون أسهل انقياداً
وأسرع خضوعاً
ثم يطأطئ المنصور بن عبد الله رأسه ذا الوجه الطلق فوق
حوض المعمودية المزخرف في الكنيسة الكبيرة بقرطبة!
وهرول المنصور من الكنيسة مسرعاً،
فامتطى جواداً عتيقاً جموحاً انطلق به،
حتى صارت خصلات شعره المبللة
وريش قبعته تهتز في الريح
في الطريق إلى القليعة على ضفة الوادي الكبير
стр. 8650
حيث تزهر شجيرات اللوز وشجيرات البرتقال ذات
الرائحة الزكية
هناك يسير الفارس المرح وهو يصفر ويغني ويضحك
والطيور تشاركه في شدوه
وخرير النهر يتابعه في طربه
وفي قصر القليعة تقطن (كلارا دي الفارس)
وولدها يحارب في نافار،
فهي تتمتع بحرية أوسع وأمَنة أوفر
ويسمع المنصور على بعد أصوات الدفوف والطبول،
ويرى أضواء القصر تتلألأ بين الأشجار والحقول
في قصر القليعة ترقص أثنتا عشرة سيدة بثيابهن المزركشة،
ويرقص اثنا عشر فارساً بحللهم المطرزة
ولكن أجملهم رقصاً وسمتا هو المنصور بن عبد الله!
كأن له جناحين من البهجة والسرور!
فهو يرفرف في القاعة هنا وهناك!
وهو يعرف كيف يقول لكل حسناء،
عبارات الملق والغزل والإطراء
فيدا (إيزابلاّ) الجميلتان يقبلهما بشغف، ثم يقفز مسرعاً
ويجلس إزاء (الفيرا) فيقبل عليها بوجهه الفرح
وهو يسأل (ليونورا) ضاحكاً:
هل كانت تحبه اليوم؟
وهو يريها الصليب الذهبي المطرّز في معطفه!
وهو يؤكد لكل سيدة أن صورتها مرسومة في قلبه
مقسماً ثلاثين مرة في تلك الليلة (ما أنا مسيحي!)
في قصر القليعة انتهى المرح وساد السكون
следующие страницы →