Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.
стр. 8646
الخاصة وذوي الشاعر الرفيعة؛ ذلك لأنه يثير بروعة بيانه ورقة أسلوبه شجناً لا تملك مغالبته، وقد بدأ بيير لوئيس حياته الأدبية بإنشاء مجلة صغيرة اسمها (لاكونك) في مارس سنة ١٨٩١، وكان يطبع منها مائة عدد فقط، ويعاونه في تحريرها كتاب تملأ اليوم أسماؤهم فرنسا، مثل أندريه جيد وبول فاليري وهنري دي رينيه
وكان أول من لفت الأنظار إلى بيير لوئيس ودفعه إلى طريق المجد، القصصي الشاعر الكبير فرانسوا كوبيه؛ ففي مارس سنة ١٨٩٣ ظهرت قصة لوئيس المسماة (افروديت)، فلم تمض أسابيع قلائل حتى تناولها كوبيه بالنقد في جريدة (الجورنال) وكان مما قاله يومئذ ما يأتي: (انه لم يكتب مثلها في النثر الفرنسي منذ (قصة المومياء) و (سلامبو). ثم قال: إنها قصة خليعة جداً، فهو يوصي بقراءتها للفنانين، وللفنانين وحدهم، وكان ذلك كافياً لأن تلقى (افروديت) ذيوعاً عظيماً، وأن ينحدر بيير لوئيس بسرعة إلى طريق المجد
وما فعله فرانسوا كوبيه مع لوئيس، فعله لوئيس فيما بعد مع كلود فارير؛ فقد أصدر فارير كتابه (المتمدنون) سنة ١٩٠٥، وتقدم لينال به جائزة جونكور؛ وكان بيير لوئيس أحد العشرة الذين يؤلفون المجلس، فأذاع بعد قراءتها في كل مكان أنها لا تقل في الروعة والإبداع عن قطع (مبرميه)؛ وهكذا نال فارير جائزة جونكور، وأضحى بفضل لوئيس علماً ذائع الصيت، ولم ينس فارير لبيير لوئيس هذا الفضل، فلبث طوال حياته يرعاه بحبه ورفيع تقديره
عناصر الحركة الهتلرية
ألقى المسيو هنري بيجه، وهو من أعضاء مجلس الدولة الفرنسي، في (أكاديمية العلوم الأخلاقية) محاضرة عنوانها (الدولة الألمانية الثالثة والنظريات الاشتراكية الوطنية)، وهي خلاصة بحث دقيق قام به لدرس خواص النظام الهتلري؛ وخلاصة رأي مسيو بيجه أن الحركة الهتلرية إنما هي ظفر حزب وظفر نظرية قاما على (تفاعل عناصر اليأس وعناصر الخرافة)؛ وأما مثل هذه الحركة فتنحصر في ثلاثة أشياء: نظرية الجنس أو الوحدة الشعبية ونظرية الزعيم ونظرية الاشتراك وتقوم الحركة من الوجهة النظامية على المزج بين الدولة والحزب والشعب واعتبارها أسماء ثلاثة لمسمى واحد؛ متعارضة بذلك كل التعارض مع النظام الديموقراطي الحر الذي يقوم على فكرة الفرد والدولة، ويفرق
стр. 8647
بينهما أتم تفريق. ويرى مسيو بيجه أن الحركة الهتلرية رغم قوتها الحاضرة، تحمل عناصر فنائها، وأن هذا الفناء ليس بعيد الحدوث
كتاب جديد عن الملكة فكتوريا
صدر أخيراً بالإنكليزية كتاب عن الملكة فيكتوريا بقلم الكاتب الإنكليزي أ. بنسون. ومع أنه يقع في مجلد واحد، فقد ألم بحياة الملكة العظيمة إلماماً قوياً، ويستند مستر بنسون في معظم آرائه على خطابات الملكة ذاتها، ولا سيما في أعوامها الأخيرة. وهو لا يعنى بتحري الصور الشائقة أو المثيرة، ولكنه يسير في بحثه بهدوء واتزان، يحلل أخلاق الملكة وموقفها من الشخصيات الكبيرة التي كانت تعمل معها، ومما يدلل عليه مستر بنسون أن الملكة فيكتوريا أبدت مواهبها العظيمة في عصر متقدم جداً، فرسائلها وهي في الثالثة عشرة لا تختلف كثيراً عن رسائلها وهي في الخمسين من حيث القوة والاتزان وحسن التدليل، ومما هو جدير بالذكر ما يعرضه مستر بنسون عن معركة الملكة فكتوريا مع وزيرها الشهير جلاد ستون، فقد كانت ثمة بين الشخصيتين العظيمتين معركة ملأت أيام الملكة الأخيرة، وكان الحق فيها في جانب الوزير، ولكن الملكة صمدت فيها إلى النهاية
стр. 8648
من روائع الشرق والغرب
المنصور
للشاعر الألماني هاينرخ هاينه
نقلها عن الألمانية الدكتور زكي محمد حسن الأمين العلمي
لدار الآثار العربية
هاينرخ هاينه شاعر غنائي وكاتب ألماني ولد من أبوين يهوديين بدسلدورف سنة ١٧٩٧ ودرس الحقوق ولكنه هجرها إلى الأدب وذاع صيته فيه سنة ١٨٢٦ وسنة ١٨٢٧ حين ظهر كتابه (صور رحلة) عن طوافه في ألمانيا، وما لبث أن نشر أحسن شعره في ديوان سماه كتاب الأغاني قابله القراء في ألمانيا بحماسة تفوق الوصف
واعتنق هاينه الدين المسيحي سنة ١٨٢٥، ولكنه كان في الحقيقة متشككاً في كل شيء، إباحياً جد الإباحة، مستهتراً كل الاستهتار. وفي سنة ١٨٣٠ هاجر هاينه إلى باريس فاستوطنها واشتهر في أنديتها حتى توفي سنة ١٨٥١ بعد أن أقعده الشلل في أواخر حياته
وظل الألمان يعدونه من أكابر كتابهم وشعرائهم حتى كان الانقلاب الأخير، فنعى الهتلريون عليه أصله اليهودي فانقلبوا على ذكراه وهدموا ما أقيم له في ألمانيا من أنصاب وتماثيل
وامتاز هاينه بأسلوبه التهكمي اللاذع ووصفه الدقيق المشرق، بيد أن أهم ما خلّد ذكراه حتى الآن وسوف يخلدها طويلاً إنما هي أغانيه في ديوانه الذي أشرنا إليه؛ وآنا ننقل منه إلى العربية القصيدة الآتية التي يعجب الألمان بها كثيراً على الرغم من تعريضه فيها بالمسيحية قال:
في الكنيسة الكبيرة بقرطبة
تقف أعمدةٌ ثلثمائة وألف،
ثلثمائة وألف من الأعمدة الشاهقة تحمل القبة العظيمة الضخمة
وعلى الأعمدة والقبة والجدران تجري وتنحدر في كل اتجاه
آيات القرآن العربية في حروف مشبكة مزهرة مزخرفة
قديماً بنى الملوك العرب هذا البيت تمجيداً لذكر الله،
стр. 8649
بيد أن أشياء كثيرة قد تغيرت في هذا الدهر ذي الأحداث المظلمة!
فعلى المنارة حيث كان المؤذن يدعو الناس إلى الصلاة،
ترسل الآن أجراس المسيحية رنين دقاتها الحزينة
وعلى المنبر حيث كان المؤمنون يرتلون كلام النبي،
يعرض الآن القسس الصغار الصلع أعاجيب قداسهم المضجر!
وهناك دوران والتفاف، حول نساء كالعرائس المنقوشة
بالألوان المختلفة، وهناك ثغاء وتبخر وأصوات نواقيس،
بينما الشموع الغبية ترسل أضواءها
في الكنيسة الكبيرة بقرطبة، يقف المنصور بن عبد الله
يتأمل الأعمدة في سكون، ويغمغم بالكلمات الآتية:
إيه أيتها الأعمدة القوية الجبارة
التي ازَّينتْ ذات يوم تعظيماً لله
هاأنت ذي الآن مضطرة إلى أن تقدمي للمسيحية المشنوءة
فروض الطاعة في ذلة وخنوع
أنت على ممر العصور ترضين وتقنعين،
وأنت تحملين العبء بصبر واستسلام،
فكان جديراً بمن هو أضعف منك أن يكون أسهل انقياداً
وأسرع خضوعاً
ثم يطأطئ المنصور بن عبد الله رأسه ذا الوجه الطلق فوق
حوض المعمودية المزخرف في الكنيسة الكبيرة بقرطبة!
وهرول المنصور من الكنيسة مسرعاً،
فامتطى جواداً عتيقاً جموحاً انطلق به،
حتى صارت خصلات شعره المبللة
وريش قبعته تهتز في الريح
في الطريق إلى القليعة على ضفة الوادي الكبير
стр. 8650
حيث تزهر شجيرات اللوز وشجيرات البرتقال ذات
الرائحة الزكية
هناك يسير الفارس المرح وهو يصفر ويغني ويضحك
والطيور تشاركه في شدوه
وخرير النهر يتابعه في طربه
وفي قصر القليعة تقطن (كلارا دي الفارس)
وولدها يحارب في نافار،
فهي تتمتع بحرية أوسع وأمَنة أوفر
ويسمع المنصور على بعد أصوات الدفوف والطبول،
ويرى أضواء القصر تتلألأ بين الأشجار والحقول
في قصر القليعة ترقص أثنتا عشرة سيدة بثيابهن المزركشة،
ويرقص اثنا عشر فارساً بحللهم المطرزة
ولكن أجملهم رقصاً وسمتا هو المنصور بن عبد الله!
كأن له جناحين من البهجة والسرور!
فهو يرفرف في القاعة هنا وهناك!
وهو يعرف كيف يقول لكل حسناء،
عبارات الملق والغزل والإطراء
فيدا (إيزابلاّ) الجميلتان يقبلهما بشغف، ثم يقفز مسرعاً
ويجلس إزاء (الفيرا) فيقبل عليها بوجهه الفرح
وهو يسأل (ليونورا) ضاحكاً:
هل كانت تحبه اليوم؟
وهو يريها الصليب الذهبي المطرّز في معطفه!
وهو يؤكد لكل سيدة أن صورتها مرسومة في قلبه
مقسماً ثلاثين مرة في تلك الليلة (ما أنا مسيحي!)
في قصر القليعة انتهى المرح وساد السكون
стр. 8651
واختفى الرجال والنساء، وانطفأت الأنوار
وبقيت دونا كلارا والمنصور وحيدين في القاعة الكبرى
بينما كان آخر مصباح يبعث بضوئه في عزلة وانفراد
فعلى المقعد الكبير تجلس السيدة،
وعلى الكرسي الخشبي يجلس الفارس
ورأسه الذي أضناه التعب
يستريح على ركبتي حبيبته
وتصب دونا كلارا باحتراس وهي تفكر
عطراً من قنينة ذهبية فوق خصلات شعره الأسمر
وهو يتنهد من أعماق قلبه
وتطبع وهي غارقة في لجة التفكير قبلة حلوة من فم رقيق
على خصلات شعره الأسمر
فتعلو السحب جبهته
عبرات من عيون مضيئة
تسكبها الحسناء وهي تفكر
على خصلات شعره الأسمر
فيقبض سريعاً على شفتيه
ويحلم المنصور كأنه يقف ثانية مطأطئ الرأس والجبين
في كنيسة قرطبة الكبيرة
يسمع كثيراً من الأصوات العميقة
وكل الأعمدة الشاهقة يسمعها تتمتم محتجة متضجرة
فهي لا تريد أن تحتمل أكثر من هذا
وهي تميل وترتعد
وهي تتهدم مزمجرة، ويكفهر الشعب والقسس
وتهوى القبة في صوت عظيم
стр. 8652
وتولول آلهة المسيحية
زكي محمد حسن
стр. 8653
الكتب
١ - حياة محمد: للدكتور محمد حسين هيكل
٢ - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث
للأستاذ جمال الدين القاسمي
للأستاذ محمد بك كرد علي
عضو مجمع اللغة العربية الملكي
عضو مجمع اللغة العربية الملكي
- ١ -
مؤلف (حياة محمد) أشهر من أن يعرف، برع في تصوير الرجال وآخر ما كتبه سيرة أعظم رجل قام في الأرض، سيدنا محمد ﵊. وقد وضع الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي مقدمة الكتاب وأبدع؛ وكاد الإجماع يتم على استحسان ما كتب المؤلف الذي قال إنه توخى الأسلوب العلمي الجديد، وما خلا كلامه من خطابيات تكررت معانيها، فخرج السفر عن الرسم الذي وضعه له صانعه أحياناً. ووقع له غير مرة أن مثل لبعض الظواهر في التاريخ المحمدي بحوادث عصرية لا دخل لها في الموضوع، فقد مثل في قصة زينب بنت جحش بمدام ركامبيه (ص٢٩١) ولا معنى لهذا الاستطراد
وأحسن المؤلف في تعليل بعض حوادث السيرة مما كان يتخذ منه من لا يقول بالإسلام سلاحاً يحاربه به على غير هدى، على حين اختلف أحبار الأمة في توجيهه، ومن ذلك مسألة تعدد زوجات الرسول. ووقع له (ص١٦٦) في الكلام على بيعة العقبة أن وجه صيغة بيعة النساء إلى الرجال، والآية الكريمة صريحة في أن الخطاب للنساء، ولذلك سميت بيعة النساء (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم)، وعن ابن عباس رضى الله عنهما في قوله تعالى (ولا يعصينك في معروف) قال إنما هو شرط شرطه الله
стр. 8654
تعالى للنساء، ومعنى لا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن أي بولد ملقوط ينسبنه إلى الزوج فإن الأم إذا وضعت الولد سقط بين يديها ورجليها
وقد تابع بعض المؤرخين في دعوى أن الرسول اجتمع ببحيرا الراهب في بُصرى (ص٧٦) وأنه ﵇ اتصل في رحلته الثانية إلى الشام (بنصرانية الشام وتحدث إلى رهبانها وأحبارها وتحدث إليه الراهب نسطور وسمع منه)، وهذه الرواية في اجتماع الرسول ببحيرا ونسطور لا تستند إلى أصل تاريخي صحيح، ولذلك أوردها ابن كثير في البداية والنهاية بصيغة الشك فقال: (زعموا) ولم يرد ذكر لبحيرا في كتب السريان؛ ومعنى بحيرا بالآرامية (المختار)، والذي يعنينا أن بحيرا اختلف الناس فيه: ومن قائل على ما في الروض الأنف أنه كان حبراً من يهود تيماء، ومن قائل على ما ورد في المسعودي أنه كان من عبد القيس واسمه سرجيس؛ وفي سيرة ابن هشام أن بحيرا كان إليه علم أهل النصرانية؛ ويقول ابن الجوزي في عيون التاريخ والسير إن أبا طالب لما ارتحل بالرسول تاجراً قَبِل الشام نزل تيماء فرآه حبر من اليهود، ويقال إنه بحيرا الراهب، فقال: من هذا الغلام معك؟ قال: هو ابن أخي، قال: أشفيق عليه أنت؟ قال: نعم، قال: فو الله لئن قدمت به الشام ليقتلنه اليهود. ويقول ابن كثير إن الذي يظهر من سياق قصة الراهب أنه كان راهباً نصرانياً. ويقول الزهري إنه كان حبراً من أحبار اليهود. واختلفوا في عمر الرسول يومئذ، منهم من قال إنه كان في الرحلة الأولى ابن سبع سنين، ومنهم من ادعى أنه كان لبن اثنتي عشرة سنة لما وافى بصرى في رواية، أو تيماء في أخرى. ويقول ابن سعد في الطبقات إن بحيرا قال لأبي طالب: احتفظ بهذا الغلام ولا تذهب به إلى الشام، إن اليهود حسد وإني أخشاهم عليه. وتناقض هذه الروايات في دين الراهب بحيرا أكان نصرانياً أم يهودياً، وتناقض الرواية في محل هذا الاجتماع: هل كان في تيماء أو في بصرى من أرض الشام يوقع الشك في أمرها، وكذلك الحال في الرحلة الثانية واجتماع الرسول بنسطور. والجواب لمن يريدون أن يتخذوا من هذه الرواية سنداً ليقولوا إن الرهبان كانوا يعرفون أنه سيظهر من العرب رسول تختم به الرسل ويدعو الناس إلى التوحيد؛ الجواب إن ذلك لا يتعلق به أمر كبير في إثبات نبوة الرسول؛ والجواب على أعداء دين الرسول من أنه أخذ عن هذه الرهابين أن ابن سبع سنين أو اثنتي عشرة وهو عابر سبيل مع أهله
стр. 8655
لا يعرف الأخذ عن أحد، والرحلة الثانية إلى الشام لم تتجاوز مدتها الشهرين في أصح الروايات جيئةً وذهاباً، ونسطور هذا مجهول الهوية والمكان
وأهم ما فات المؤلف كونه لم يذكر أن المسلمين قوي أمرهم أول الإسلام بإسلام عمر بن الخطاب، وأنهم أخذوا يدعون إلى دينهم جهرة وكانوا يدعون إليه على تقية، ويصلون في دار الأرقم خائفين يترقبون أعدائهم من قريش، فأصبحوا يطوفون في الكعبة ظاهرين
- ٢ -
يقول صاحب كشف الظنون إن التأليف على سبعة أقسام لا يؤلف عالم عاقل إلا فيها، وهي: إما شيء لم يسبق إليه فيخترعه، أو شيء ناقص يتممه، أو شيء مغلق يشرحه، أو شيء طويل يختصره، دون أن يخل بشيء من معانيه، أو شيء متفرق يجمعه، أو شيء مختلط يرتبه، أو شيء أخطأ فيه مصنفه فيصلحه. قال: وينبغي لكل مؤلف كتاب في فن قد سبق إليه ألا يخلو كتابه من خمس فوائد: استنباط شيء كان معضلاً، أو جمعه إن كان مفرقاً، أو شرحه إن كان غامضاً، أو حسن نظم وتأليف، أو إسقاط حشو وتطويل أهـ
وكتاب قواعد التحديث بأسلوبه في التأليف ينطبق عليه شرط الجمع فقط، جمعه مؤلفه من مظان كثيرة لعلماء ثقات في علوم الحديث ونسقه وجوّد النقل، ولا يكاد يثبت له فكراً ولا يرجح قولاً. فقد نقل في أول كتابه نحو مائة صفحة (الكتاب في أربعمائة صفحة) من أقوال القدماء، ثم أثبت له رأياً واحداً سُبق إليه (ص١٠١) رجح فيه رأي الجلال الدوّاني على رأي الشهاب الخفاجي في عدم التسامح بالأحاديث الضعيفة ولو كانت في شيء من الترغيب والفضائل
قدم الناشر للكتاب أربع مقدمات، ثلاثة لثلاثة من الأساتذة المعاصرين ورابعة للمؤلف، استغرقت كلها أكثر من عشرين صفحة، وما خرج الكلام في بعضها عن الدعابة والتمجيد. قلنا إن المؤلف اقتصر على نقل كلام غيره من أول الكتاب إلى آخره، ينقل عمن يروقه كلامهم من المحدثين وغيرهم، كما أخذ عن بعض المتصوفة ومَجّدَهم، وربما استشهد ببعض أقوال المعاصرين ونقل عن مجلات غاضاً عن ذكر أسمائها ترفعاً على ما يظهر
وكأن هذا السفر كان مجموعة من مفكرات يريد واضعها أن يضع كتاباً في هذا الفن ويقتبس أقوال المؤلفين الذين درجوا ثم بدا لبعضهم نشر هذه المفكرات في صورة مؤلف.
стр. 8656
وكانت طريقة التأليف في عهود الاتقاء العلمي أن يأتي كلام المؤلف أكثر من شواهده، ولما ضعفت ملكة التأليف بعد عهد السيوطي أصبحت التأليفات عبارة عن نسخ أقوال من سلف، وقل أن تجد فيها جديداً للمؤلف، وربما كان الشيخ القاسمي ﵀، وهو من العلماء المنورين المكثرين من التأليف على هذه الطريقة في الجمع والنقل آخر من جرى على تلك الطريقة فاكتفى في أكثر تأليفه ببسط آراء غيره
أما طريقة التأليف اليوم فلإيجاز من دون إخلال بالمعاني، وإدماج آراء المتقدمين خلال تقرير المسائل، وإذا وقع للمؤلف بعض آراء متشابهة أشار إليها جملة واحدة، حتى لا يضيع على القارئ وقته وتملأ صفحات بلا داع. وعلى هذه الطريقة جرى المعاصرون من المصريين وغيرهم ممن كتبوا في موضوعات إسلامية أو عربية، تمثلوا ما وضعوه من المباحث أولاً ثم كتبوه في صحف لتنشر، مقتصرين على لباب ما قرأوا في موضوعهم، عازين ما لابد من عزوه لأصحابه تدعماً لأقوالهم من كتب القدماء أو المحدثين بأسلوب سهل سائغ خالٍ من الخطابيات والسجع، فجاءت مصنفاتهم كالسبيكة الذهبية، لا خلل في تضاعيفها ولا شقوق؛ وهم إذا اقتبسوا اقتصروا على محل الشاهد، وأعرضوا عن باقي ما قال المقتبس منه، لأن الكتاب ليس بكثرة أوراقه، بل بما حوى بين دفتيه؛ وكم من كتب للسلف وفت ورقاتها المعدودة بأكثر مما تفي المجلدات. وقد رأينا الكتب المنقحة عاشت أكثر من الكتب المطولة المنتشرة ولكل عصر ذوقه وطريقته
محمد كرد علي
стр. 8657
العدد ١٠٥ - بتاريخ: ٠٨ - ٠٧ - ١٩٣٥
стр. 8658
الميت الذي لا يموت
الشيخ محمد عبده
بمناسبة ذكراه الثلاثين
(عجب عجيب!! شيخ يلبس حلة مقطوعة الكم، ضيقة الردن، مبنقة الجيب، ويعتم على طربوش كطرابيش الأفندية، وينتعل حذاء كأحذية الفرنجة، ثم يتكلم الفرنسية ويصاحب الخواجات، ويغشي بلاد الكفر، ويترجم كتب أوربا ويأخذ عن جمال الدين، ويدرس المنطق على رغم ابن الصلاح، ويريد أن يدخل في الأزهر علوم المدارس، ويشتغل بالأدب، وينشئ المقالات للصحف؛ ثم يحرم (الدوسة) وينكر الوسيلة ويحلل الموقوذة، ويسوغ لبس القبعة، ويجيز الربا في صناديق التوفير، ويحاول الاجتهاد، ويفسر القران على غير طريق السلف. . .!!
نعوذ بالله من شر هذه المحنة وعواقب هذه الفتنة، ونسأله أن يقبضها على منهج السنة وعقيدة الجماعة. . . .)
هكذا كان يقول جمهور (العلماء) في صحن الأزهر حين انبلج نور الإصلاح من جبين محمد عبده، كما كان يقول مشركو قريش في فناء الكعبة حين انبثق نور الهدى من غرة محمد رسول الله! لأن دعوة الدين فجأت الكعبة على دنيا مقلوبة الأوضاع، في الأخلاق والطباع، فقال الناس حين رأوا رجلاً رأسه في السماء ورءوسهم في الأرض: انظروا كيف يريد أن يبدل نظام الكون ويغير خلق الله؟! ولأن دعوة الإصلاح باغتت الأزهر على سكون كذهول البله، وخمود كغشية الموت، واستغراق كخدر الأفيون، من طول ما تنكرت له الأحداث، وطغت عليه البدع، وعثت فيه الجهالة، فارتد إلى مثل تكايا الصوفية، أو صوامع الرهبان، يقطع أهله عن الناس، ويجري بهم إلى الخلف، ويعيش معهم في الماضي، ويجعل المثل الأعلى لرجل الدين أن يتوفر على مسائل الفقه، ويتقيد بآراء السلف، ويتعبد بألفاظ الموتى؛ فلما نبههم الإمام إلى أن الدين للدنيا، والعلم للعمل، والعلماء إنما يخلفون الأنبياء ليظل أثر الدعوة شديداً، وحبل الدين جديداً، وخلافة الله قائمة، فتحوا أعينهم على رجل يخالف سمته سمت البيئة، وزيه زي القوم، ورأيه رأي الحلقة، فاستوحشوا من ناحيته وأنكروه، ثم قالوا معتزلي مبتدع!
стр. 8659
قال الأستاذ الإمام وهو ينفض باسماً ما حثوه على عطفيه من الظنون والتهم: لا صلاح للدين إلا بصلاح الأزهر، ولا قيامة للدنيا إلا بقيامة أهله! ثم استعان على خصومه بالإحسان والنصيحة والصبر حتى آمن من آمن، وهادن من هادن، فوضع يمناه في أيديهم، ويسراه في أيدي أولئك الذين فتنهم الغرب فانغضوا رءوسهم إلى مدينة الإسلام، وذووا وجوههم عن ثقافة العرب، يحاول أن يصل بين الثقافتين، ويوفق بين العقليتين، ويجعل من هؤلاء وهؤلاء وحدة متسقة الفكر، متفقة الهوى، متحدة الغرض، تؤلف بين الدين والعلم، وتقرب بين الشرق والغرب، وتصل بين الماضي والحاضر؛ فنجح على قدر ما ينجح الأنبياء والمصلحون في إبان الدعوة، يهيئون الأرض في رجف من الخصومة، ويبذرون البذر في عصف من المعارضة، ثم ينفثون في اتباعهم القليلين المخلصين أرواحهم الخالقة وقواهم الخارقة، ليكونوا من بعدهم أوصياء على الغراس، وشهوداً على الناس، وأدلاء على المحجة
لا ريب أن الإمام محمداً كان من أولئك الأعلام المصطفين الذين يوضح الله بهم طريق الإنسانية من قرن إلى قرن؛ وأخص ما تميزهم به الطبيعة متانة الخلق، وصلابة الرجولة، وشدة الأسر، وقوة الحيوية، وحدة الذهن، وصفاء الملكة. ورث عن أبيه وثاقة التركيب، وشجاعة القلب، فشب نابياً على الضعف، أبياً على السكون؛ يريد أبوه أن يكون تلميذاً كلداته في المكتب، فيأبى هو إلا أن يكون زارعاً كأخوته في الحقل! ويرسله أبوه إلى المعهد الأحمدي يطلب العلم، فيفر منه إلى مدارج السبل يطلب الفلاحة! لان حفظة القران وحملة الفقه كانوا موضع العطف من القلوب لقلة الكسب وضعف الحيلة؛ وحيويته تأنف الخمود، وحريته تأبى القيود، ورجولته تعاف الشفقة
ثم لجأ إلى الشيخ درويش خال أبيه، وهو صوفي عالم من أهل البحيرة، سار في الأرض حتى بلغ طرابلس الغرب، فأخذ الشريعة والطريقة على السيد محمد المدني؛ والتصوف في المغرب يقوم على ذكر الله بالاستحضار، وتلاوة القران بالاستذكار، ورياضة النفس بالتأمل؛ فأخذ يروض جموح طبعه بالصلاة، ويلطف حميا شبابه بالذكر، ويطفئ غليل قلبه بالدرس، حتى فتح السبيل بين نفسه وبين الوجود الأبدي والكمال المطلق
ثم اتصل بالسيد جمال الدين فتولى عقله يثقفه بالمنطق، ويكلمه بالحكمة ويقويه بالملاحظة؛
стр. 8660
فكان لهؤلاء الثلاثة: أبيه مربي جسمه، وشيخه مربي روحه، وأستاذه مربي عقله، أبلغ الأثر في تكوين صفاته وتوجيه حياته وتبليغ رسالته. . .
(للكلام بقية)
احمد حسن الزيات
стр. 8661
- ٥ - كلمة وكليمة
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
أرادوا مرة امتحان السياسيين في بلاغة السياسة، فطرحوا عليهم هذا الموضوع:
سرقت حقوق أمة ضعيفة، فاكتب كيف تشكرها على هديتها. . .
عندما يشرب الضعفاء من السراب الذي تخيله السياسة لأعينهم - يقدمون لهم المناديل النظيفة ليمسحوا أفواههم. . .
لو سئل السياسي العظيم: أي شيء هو أثقل عليك؟ لقال: إنسانيتي
قد يبطل المنطق كل الحجج إلا اثنتين: حجة السياسي القوي حين يغتصب الضعيف، وأختها حجة اللص الفاتك حين يسأل من أين اشترى؟ فيقول: اشترت يميني من شمالي. . . . .
قالوا. نظم الصقر قصيدة من الغزل في عصفور جميل مصبغ الريش، فكان مطلعها: (ما ألذ) ريشك أيها العصفور! هكذا لغة السياسة
مر فيلسوف برجل مصور بين يديه صورة امرأة قد صورها فاكثر عليها الحلي من الذهب والجوهر، فسأله في ذلك، فقال المصور: لم استطع أن اجعلها حسناء فجعلتها غنية. . . . كذلك أحزاننا السياسية لما عجزت عن حقيقة السياسة جعلتنا أغنى الناس بالكلام الفارغ
من تمام فضيلة الرجل السياسي أن يكون له كلامان: أحدهما سكوته
في الحب والسياسة لا يبدأ الإثم إلا كالفلتة المفردة؛ ولكن متى وقع الشاذ في السياسة والحب، صار هو القاعدة. . . .
إذا رأيت شباب أمة يتنبلون بالثياب والزينة، فاعلم أنها أمة كذب ونفاق: يغطون الحقيقة الرخيصة بالثوب الغالي، ويكذبون حتى على الأعين
فضيلة الملائكة عند الناس أنهم لا يكابدون ولا يحزنون؛ أفلا تكون فضيلة الناس عند الملائكة أنهم يكابدون ويحزنون؟
قالت العشرة للألف: أنت سرقت مني صفرين. . . . هكذا رأيت غرور بعض أدبائنا
يكبر بعض الأدباء من صغر المحيطين بهم؛ قالوا بعرت شاة حول قطعة من حجر، فنطقت بعرة فقالت للحجر: يا ما أعظمك أيها الجبل الشامخ. . .
стр. 8662
يكون في بعض الأدباء في سخافة الحقد ما لا يكون مثله إلا في بعض النساء من دناءة الغيرة: لو ماتت ضرتها لبقى من ذنبها أنها كانت ضرة. . .
من فرض على الناس أن يعرفوه نابغة فقد فرض عليهم أن يعرفوه معتوهاً أو مغروراً
إذا أردت أن تتكلم عن ميت، فضع نفسك في موضعه ثم تكلم
من اكثر الشكوى إلى الناس، علمهم كيف يسمعون كلامه خالياً من الشكوى
إذا صدق الحب كانت بعض اللعنات فيه أحياناً ضرباً من التحايا (غيابياً). . .
كل معشوقة هي أعظم من عاشقها بحاجته إليها، ولو كان ملكاً وكانت خادما؛ فما أحقر العظمة أحيانا ً
علمتني التجربة أنه لا يحسن استعمال البلاغة مع عجائز النساء، فإنهن يحسبنها غزلاً. . . فمن كتب لإحداهن فلا يجعلن كتابه متقدماً في الأدب بل متقدماً في السن. . .
لا تكن صورة المرأة اجمل من الأصل إلا عند اثنين: العاشق، والمصور المكره على التزوير. . .
المرأة التي لا تعرف كيف تجعل كبرياءها وسيلة حب، لا تجعلها إلا وسيلة مقت
إذا أصبت زوجين يتمنى أحدهما موت الآخر، فلن تجد لهذا الآخر عملاً إلا أن يغيض صاحبه كل يوم بأنه لم يمت. .
اعظم الشعراء واعظم الفلاسفة من بلغ درجة الطفل. . . في جعل حكمه على الدنيا من الشعور لا من الفكر
تزول صفة الجمال عن الحبيب إذا لم يره محبه متصفاً بها؛ ولكن المشكلة هي: كيف يستطيع أن يراه غير جميل، وهو كأنما خلق من اجل عينيه خاصة؟
أيهما الذي تحبه المراة؟ الرجل القوي بأنواع القوة يعجبها فتراه سيدها وسيد قلبها، أم الرجل الضعيف أنواع الضعف ترى نفسها سيدته؟
هذا هو جواب طبيعة المرأة على طلب المساواة بين الرجال والنساء
من سخرية الحياة بالنابغة العبقري، أنه حين يؤخر عمله من عجز أو ضعف، يكون هذا هو كلما يستطيعه النابغة العبقري. . . .
لو اجتمع الذين ملأوا الدنيا بشهوتهم لما ملأوا داراً صغيرة؛ كأن منهم ممالك للتاريخ
стр. 8663
كممالك الأرض فلا يتسع إلا. لعدد محدود
لو كنت قاضياً ورفع إلي شاب تجرأ على امرأة فمسها أو احتك بها أو طاردها أو اسمعها، وتحقق عندي أن المرأة كانت سافرة مدهونة مصقولة متعطرة متبرجة - لعاقبت هذه المرأة عقوبتين: إحداهما بأنها اعتدت على عفة الشاب. . .، والثانية بأنها خرقاء كشفت اللحم للهر. . . .
لن يكون الإلحاد من العلم، فأساس العلم هو هذا: ما عرفته فقد عرفته، وما لم تعرفه فلا اقل من أن تقر بأنك لا تعرفه
إذا كنت قائداً عظيماً في أمة ذليلة فقيرة، استطعت أن تكون نبياً فيها بنصب شناقتين؛ وما أسرع ما يعتقدون أن الذي معه عزرائيل كالذي معه جبرائيل. . . .
ليس المصلح من استطاع أن يفسد عمل التاريخ فهذا سهل ميسر حتى للحمقى؛ ولكن المصلح من لم يستطع التاريخ أن يفسد عمله من بعد
كل أب يضرب أولاده المساكين هو نابليون، ولكنه نابليون داره فقط. . . .
دجاجة القفص امرأة متحجبة في نظر الثعلب؛ وحجابها جهل وحماقة ورجعية وتخلف عن زمن الثعالب. . . .
هنا مسالة اقتصادية: فهذا مسجد واسع مفتوح لا يؤجر بإيجار ينتفع به؛ وهذه كنيسة قائمة لا تستوفي الدولة عليها ضريبة. أفليس الإصلاح أن يحول المسجد دار صناعة مثلاً، وتنقلب الكنيسة مثلاً (خمارة)؟
بلى أيها الحاكم. إن هذا هو إصلاحك الطبيعي ما دام عقلك كيس دراهم، وما دامت بلادك بلاد إفلاس. . . .
(طنطا)
مصطفى صادق الرافعي
стр. 8664
دستور قناة السويس وهل نسخه ميثاق عصبة الأمم؟
للأستاذ محمد عبد الله عنان
منذ يناير الماضي تجوز السفن الإيطالية قناة السويس في كل يوم تقريباً، مشحونة بالجند والسلاح والذخيرة في طريقها إلى الإرترية والسومال؛ ولا تخفي إيطاليا الفاشستية بعد أن حشدت قواتها الزاخرة في شرق أفريقيا إنها مصممة على تنفيذ مشروعها الاستعماري الضخم في المنطقة الحبشية، وأنها لا تقبل ثمناً للعدول عن غزو الحبشة اقل من بسط حمايتها الفعلية عليها؛ إما الحبشة فأنها من جانبها تشهد جلدة متحفزة تلك الأهبة الضخمة التي تنظمها دولة قوية من دول الغرب المتمدين للبطش بها وسحقها من عداد الأمم الحرة، وزجها إلى حظيرة الأمم المستعبدة بعد أن لبثت آماد التاريخ دولة كاملة السيادة والاستقلال
وهذا المنظر الذي نشهده اليوم هو أحد هذه المناظر العديدة التي شهدها كثير من الأمم الشرقية والأفريقية الضعيفة منذ أواخر القرن الماضي، والتي تعرف في لغة الاستعمار الأوربي (بافتتاح أفريقية)؛ منظر الدول الغربية الكبرى تتسابق إلى بسط حمايتها على تلك الأمم، ثم تتقدم استعمارها واستبعادها خطوة فخطوة باسم المدنية والمصالح الاقتصادية والتهذيب الأوربي
ليس من موضوعنا أن نعرض إلى شيء من نواحي ذلك الصراع الذي سينشب في القريب العاجل في شرق أفريقيةوالذي تخوض فيه الحبشة معركة الحياة والموت؛ ولكنا نريد أن نعرض إلى مسالة يثيرها هذا الصراع في الوقت الحاضر، هي مسألة قناة السويس ونظامها الدولي في مثل هذا الظرف، وسنقتصر في بحثنا على الشرح الفقهي والتاريخي المحض
أبدى السير نورمان آنجل الكاتب الإنكليزي الكبير، واحد أقطاب الدعوة إلى السلام، رأيه أخيراً بأنه إذا نشبت الحرب بين إيطاليا والحبشة، فانه لا يجوز أن تبقى قناة السويس مفتوحة في وجه الفريقين المتنازعين، بل يجب أن تغلق دونهما، وإلا تمكن السفن الإيطالية من المرور فيها، كما أنه يجب إلا تمكن الحبشة من استيراد الذخائر عن طريقها؛ ويستند السير آنجل في رأيه إلى أن المعاهدات الدولية التي تكفل حرية الملاحة في القناة أثناء الحرب والسلم معاً قد نسختها نصوص ميثاق عصبة الأمم
стр. 8665
ولبيان ذلك نقول إن النظام الذي تخضع له قناة السويس اليوم هو نظام الحيدة الدولية المطلقة، وهو النظام الذي كفلته معاهدة ٢٩ أكتوبر سنة ١٨٨٨ التي وقعت في استانبول بين الباب العالي، وبريطانيا العظمى، والمانيا، والنمسا والمجر، وفرنسا وإيطاليا، وأسبانيا، وهولنده، وروسيا؛ ونص في ديباجتها على أن الغرض من عقدها هو (الاتفاق الحر على نظام نهائي يكفل في كل الأوقات ولكل الدول حرية الملاحة في قناة السويس). وتحتوي المعاهدة على سبع عشرة مادة تنظم شروط الملاحة في القناة في أوقات السلم وفي أوقات الحرب
وهذه الحيدة المطلقة للقناة وقت الحرب تنص عليها المادة الرابعة من المعاهدة فيما يأتي: (تبقى القناة مفتوحة وقت الحرب. وقد اتفق المتعاقدون أعلاه على أنه لا تفرض أية ضريبة حربية أو يعمل أي عمل من شانه أن يخل بحرية الملاحة في القناة ذاتها أو في موانئ الوصول إليها، أو في قطاع من هذه الموانئ طوله ثلاثة أميال بحرية، وهذا حتى لو كانت الدولة العثمانية هي إحدى الدول المتحاربة). وتنص المادة السادسة من المعاهدة على (أن قناة السويس تبقى مفتوحة في وقت الحرب شأنها وقت السلم، لكل سفينة تجارية أو حربية، لجميع الدول بلا تفريق. . . وتتعهد الدول الموقعة بأنها لا تقوم بأي عمل لعرقلة حرية الانتفاع بالقناة وقت الحرب، مثلما يجب ذلك وقت السلم؛ ويجب ألا تعرض القناة مطلقاً لمزاولة حق الحصار)
على أنه يحظر على سفن الدول المتحاربة المارة بالقناة وقت الحرب، بمقتضى نص المادة الرابعة أيضاً، أن تتزود من المؤن في القنال أو موانيه إلا بالقدر الضروري؛ ويجب عليها أن تخترق القناة بسرعة، وإلا تمكث في موانئ القناة اكثر من أربع وعشرين ساعة؛ ولا يسمح لها بان تنزل جنوداً أو ذخائر إلى البر. ويمكن أن يسمح لسفينتين حربيتين، كلتاهما بالبقاء في ميناء الوصول، ولكن لا يسمح لأي سفينة حربية بالبقاء في مياه القناة)
هذه هي خلاصة النصوص التي يقوم عليها نظام المرور في قناة السويس وقت السلم ووقت الحرب؛ وما تزال معاهدة سنة ١٨٨٨ هي المرجع والحكم في هذا الشأن، وإن كانت بعض نصوصها الأخرى قد ألغيت بفعل الظروف والتطورات الدولية. مثال ذلك أنه قد نص في المعاهدة على أن تقوم الحكومة العثمانية باتخاذ ما يجب لتنفيذ المعاهدة؛ ولكن
стр. 8666
الدولة العثمانية قد ذهبت واختفت من عالم الوجود، وفقدت تركيا كل حقوقها القديمة على مصر بمقتضى نصوص معاهدة الصلح (معاهدة سيفر) أولاً، ثم بمقتضى نصوص معاهدة لوزان (سنة ١٩٢٣)؛ وهي حقوق يقضي المنطق والقانون بأن تؤول إلى مصر؛ ولكن مصر لم يعترف لها بهذا الحق؛ وينص تصريح فبراير سنة ١٩٢٢ الذي تعترف فيه بريطانيا العظمى باستقلال مصر، على أن بريطانيا العظمى تحتفظ ضمن المسائل المعلقة بمقتضى التصريح بمسالة المواصلات الإمبراطورية، أو بعبارة أخرى بمسألة قناة السويس؛ ومن جهة أخرى فقد اختفت بعض الدول الأخرى التي اشتركت في عقد المعاهدة مثل إمبراطورية النمسا والمجر وروسيا القيصرية؛ وفقدت ألمانيا بمقتضى معاهدة الصلح كل حقوقها في مصر وفي جميع المعاهدات التي عقدتها مع مصر؛ وفيما عدا ذلك فنصوص معاهدة سنة ١٨٨٨ ما تزال قائمة، وما تزال إلى اليوم دستور قناة السويس
والآن لنرى إلى أي مدى يمكن أن يتأثر هذا الدستور الذي يقضي بحرية الملاحة في القناة وقت الحرب، بنصوص ميثاق عصبة الأمم. وما يشير إليه السير أنجل من أن هذا الميثاق ينسخ دستور القناة نجده في المادة ٢٠ من ميثاق العصبة؛ وهذا نصها؛ (يعترف أعضاء العصبة بان الميثاق الحالي يلغي كل التعهدات أو الاتفاقات الخاصة التي تتعارض مع نصوصه، وتتعهد بأنها لا تعقد في المستقبل أية معاهدة تتعارض مع هذه النصوص)، ولما كان دستور العصبة يقوم على فكرة السلام العام بين الامم، وعلى مبدأ التفاهم والتحكيم في تسوية المنازعات التي تقع بينهما، فان مثل هذا الدستور الذي وضع لقناة السويس منذ نحو نصف قرن، والذي يقضي بأن تسهل حرية المرور في القناة لسفن الدول المتحاربة، لا يتفق مع الغاية التي تعمل لها عصبة الأمم، وهي توثيق أواصر السلام بين الأمم، بل يغدو بالعكس عاملاً في تشجيع الحرب؛ ومثل هذه النصوص التي تتعارض مع روح ميثاق العصبة يجب أن تعتبر منسوخة لاغية
ولكنا نجد من جهة أخرى في ميثاق العصبة نصاً آخر ربما كان يناقض هذا الراي، فالمادة ٢١ من الميثاق تنص على (أن التعهدات الدولية مثل معاهدات التحكيم والاتفاقات الإقليمية مثل نظرية مونرو، وهي التي يقصد بها توطيد السلم، لا تعتبر متعارضة مع أي نص من نصوص هذا الميثاق). فإذا اعتبرنا معاهدة سنة ١٨٨٨ داخلة في باب التعهدات الدولية أو
стр. 8667
في باب الاتفاقات الإقليمية وهو الأرجح، فان ميثاق العصبة لا يمكن أن يؤثر على نصوص معاهدة سنة ١٨٨٨. ونظرية مونرو كما نعلم هي قاعدة السياسة الأمريكية، وبمقتضاها تعتبر الولايات المتحدة الأمريكتين منطقة نفوذ معنوي خاص، لا يصح أن تمتد إليها يد أية دولة أوربية بالتدخل في شؤونها أو محاولة بسط نفوذها الاستعماري على أي جزء من أجزائها، وألا اعتبرت هذه المحاولة عملاً عدائياً موجهاً إلى الولايات المتحدة ذاتها. وكما أن النص هنا صراحة على استثناء نظرية مونرو الأمريكية قد وضع نزولاً على رغبة السياسة الأمريكية، صاحبة الفكرة الأصلية في إنشاء عصبة الأمم، فكذلك قد يكون النص على استثناء الاتفاقات الإقليمية هنا تحقيقاً لرغبة السياسة البريطانية؛ وهي قد أصرت على اعتبار قناة السويس منطقة إقليمية تعلق عليها أهمية خاصة أولاً في تصريح فبراير سنة ١٩٢٢ حيث احتفظت بمسالة المواصلات الإمبراطورية، وثانياً في التبليغ الذي اقترن بهذا التصريح إلى الدول، وفيه تعتبر أن التدخل في أمر العلائق المصرية الإنكليزية يعتبر عملاً غير ودي بالنسبة لإنكلترا
على أن المعاهدات والنصوص وحدها لا تكفي، وهنالك الجانب العملي؛ واحترام هذه النصوص يتوقف دائماً على الظروف والاتجاهات السياسية. فمثلاً حينما قامت الحرب الروسية اليابانية سنة ١٩٠٤، وكانت إنكلترا تميل فيها إلى جانب اليابان، لم تسمح إنكلترا بفتح قناة السويس في وجه الأسطول الروسي المسافر إلى الشرق الاقصى، واضطر هذا الأسطول أن يطوف حول إفريقية، وان يسير إلى الصين من طريق رأس الرجاء الصالح، وكان هذا السفر الطويل من عوامل إنهاكه وهزيمته بعد ذلك في موقعه تسوشيما (سنة ١٩٠٥) وخسران روسيا للحرب، هذا مع أن روسيا إحدى الدول الموقعة على معاهدة سنة ١٨٨٨ كما قدمنا. وفي الحرب الكبرى لم تحترم حيدة القناة ولم تحل المعاهدة الدولية دون تحصينها وإغلاقها في وجه الدول المعادية لإنكلترا ودول الحلفاء؛ وقد استأثرت إنكلترا وحلفاءها أثناء الحرب باستعمال القناة؛ ومن جهة أخرى فان ألمانيا وتركيا لم تحترما من جانبهما حيدة القناة؛ ونظمتا سنة ١٩١٥ أكثر من هجوم محلي على مصر من جهة القناة، وضربت شواطئها بالقنابل المخربة؛ واستمرت طوال الحرب منطقة حربية محضة تستأثر إنكلترا بالإشراف عليها
стр. 8668
وكذلك لا نستطيع في الظروف الحاضرة التي يحلق فيها شبح الحرب في شرق أفريقية أن تقف عند المعاهدات والنصوص في تقدير الدور الذي يمكن أن تؤديه قناة السويس في إذكاء هذه الحرب أو وقفها؛ فإيطاليا تستعمل القناة بملء الحرية لإرسال الجند والذخائر إلى شرق أفريقية؛ فإذا نشبت الحرب بينها وبين الحبشة فماذا يكون شأن القناة؟ هل تظل مفتوحة أثناء الحرب لمرور الإمداد الإيطالية، أو تغلق في وجهها؟ إن معاهدة سنة ١٨٨٨ صريحة كما بينا في وجوب فتح القناة وضمان حرية الملاحة فيها أثناء الحرب بالنسبة للفريقين المتحاربين؛ ولكن النصوص وحدها لا تكفي هنا. وكل شيء يتوقف على ظروف العلائق بين إنكلترا وإيطاليا؛ فإذا كانت هذه العقائد مما يسمح بتأييد السياسة البريطانية لمشروع إيطاليا في غزو الحبشة، فان القناة ستبقى مفتوحة حرة؛ وإذا كان لدى السياسة البريطانية ما يحملها على الوقوف في وجه مشاريع ايطاليا، فقد تغلق القناة بالاستناد إلى ميثاق عصبة الأمم أو غيره من الأسانيد والنصوص.
وعلى أي حال فان المسالة في منتهى التعقيد والدقة، وأمرها مرهون بالظروف والمفآجات التي قد نثيرها الحوادث دون توقع أو تقدير
محمد عبد الله عنان
стр. 8669
مات الشيخ بدر الدين!
للأستاذ على الطنطاوي
اليوم انقطعت رواية الحديث:
قال رسول الله ﷺ :
إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا
أخرجه البخاري ومسلم والترمذي
كان أقل مزايا الشيخ بدر الدين الحسني أنه يحفظ صحيحي البخاري ومسلم بأسانيدهما، وموطأ مالك، ومسند أحمد، وسنن الترمذي وأبي داود والنسائي وأبن ماجة، ويروي لك منها ما تشاء كأنه ينظر في كتاب؛ وأنه يحفظ أسماء رجال الحديث وما قيل فيهم، وسني وفاتهم، ويجيبك عما شئته منها، وأنه يحفظ عشرين ألف بيت من متون العلوم المختلفة كالألفية والزبد والشاطبية والطيبة الخ. . . وأنه ألف نحواً من خمسين مؤلفاً قبل أن يتجاوز عمره الثلاثين؛ وأن له إطلاعاً في كافة العلوم حتى الرضيات العالية فقد أقرأها لطلاب شعبة الرياضيات في المدرسة التجهيزية فأدهشهم وأدهش بإطلاعه معلميهم؛ وأنه ما انقطع عن الدرس والتدريس يوماً واحداً منذ سبعين سنة على زهادة عجيبة، وورع نادر، وترفع عن الدنيا ولذاذاتها مع الغنى الواسع والمال الكثير، وهو على الجملة آخر علماء السلف الصالح ﵃
مر على دمشق في هذه السنين العشرين، من جليل الحوادث وفادح الخطوب، ما لو مر على الشامخات الرواسي لجعلها دكاً، أو وقع على الجلاميد الصم لصيرها هباء. فأعدت له الإيمان الذي لا يزلزله رزء، والثبات الذي لا تزيله مصيبة، وصبرت عليه (صبر العظيم على العظيم). . . . حتى تعودت مس الضر، وألفت قوارع الدهر
(وصارت أن أصابتها) سهام … تكسرت النِّصال على النصال
وغدا أبناؤها لطول ما رأوا من البلاء، وما راضوا نفوسهم عليه من الصبر، لا يألمون لمصيبة، ولا يجزعون لنائبة، ويهتفون بالزمان كلما تعب من مساءتهم، فأقلع عن إيذائهم:
إن كان عندك يا زمان مصيبة … مما تسوء به الكرام فهاتها
стр. 8670
نكبت دمشق الحرب، فقلت الأقوات، حتى أكل الناس العشب. . . وباد الرجال: من لم يمت منهم برصاص الإنكليز والفرنسيين، ومن لم يمت من الجوع، مات على مشانق جمال باشا، حتى لم يبقى في دمشق إلا شيوخ ركع، ونساء جوع، وأطفال رضع. . .
فشيعت دمشق من مات، وحدبت على من بقى، ما خارت ولا جزعت. . . (وصبرت دمشق)!
ثم كانت (ميسلون) فذبح (العمروط الأفاق) رب البيت، واستباح الحمى، وأراد أن يعدو على سليلة الشرف، وبنت الأكرمين، فصدته أروع صد، فأتى على الديار فجعلها حصيداً، كأن لم تغن بالأمس؛ وعادت دمشق من ميسلون، فإذا كل شيء قد انهار، وإذا الدار قواء، كأنما لم يشد فيها ملك، ولم تقم فيها دولة، ولم يكن لها استقلال. . .
فدفنت دمشق بيدها أبناءها، وأقسمت على قبورهم (القسم الأحمر) وما بكت ولا شكت. . . (وصبرت دمشق)!
ثم كانت الثورة فهبت دمشق تعلن في أبنائها بأن قد جاء (الامتحان الأول) فاروني ماذا حفظتم من الدرس. . .
وكان الامتحان في دق الباب
فدقه الأبطال من أبناء دمشق دقاً ضوضى على جوانب السين، فثار الناس فزعون يقولون: ماذا؟
قيل: بردى يشتعل!. . . قالوا: أطفئوه بالنار!
فكانت المعركة بين الماء والنار. . . بين الدم والحديد. . . فرد الفتية العزل الجيش اللجب، فوقف سنتين دون نهر تورا لا يجتازه، وما عرضه بأكثر من (ستة أمتار)
ثم انتهى الامتحان، فدفنت دمشق أبناءها، وقامت دمشق المفجوعة على أنقاض دمشق المحرقة المهدمة فجددت القسم، وكانت ميسلون فصارتا ميسلون والغوطة. . . . . . (وصبرت دمشق)!
ثم كان يوم (٢٠) كانون، فأعلنت دمشق أن قد جاء الامتحان الثاني، وكان الامتحان في فتح الصندوق
فقالت القوة: لا! وقال الحق: نعم!
стр. 8671
فكانت المعركة بين القوة والحق، فانتصرت نعم، وكسر الصندوق، ودفنت دمشق أبناءها، وجددت القسم، وصرن ثلاثة: ميسلون والغوطة والمرجة! (وصبرت دمشق)!
صبرت دمشق، ولم تجزع ولم تضطرب، ولم تقلقها هذه الحادثات ولم تبكها؛ ولكن كلمة واحدة سرت أمس في دمشق، فتقلقلت لها دمشق واضطربت، وخفت منها الأحلام، وضل عنها الصبر، فلم تعد تطيق صبراً، فانفجرت تبكي في نكبة اليوم النكبات كلها!
تلك هي الكلمة الرهيبة: مات الشيخ بدر الدين. . . .
كان الشيخ سر قوة دمشق، تلجأ إليه كلما دهمتها الخطوب، فتفئ منه إلى جنة وارفة الظلال، وتفزع إليه كلما حاق بها اليأس، فتجد عنده الأمل الباسم الذي يشق طريقاً للحياة وسط شعاب الموت، والثقة بالله التي تسمو بصاحبها حتى يجتاز العقبات كلها طائراً بجناحين من الشجاعة والثبات
وكانت كلمات الشيخ كأنما هي السحر، ينصب في أعصاب الشاميين إذ يسمعونها، فيقدمون لا يهابون شيئاً، كذلك الذي شرب ماء الحياة فلا يبالي - وهو لن يموت! - أي أودية الموت سلك!
وكان الشيخ رمز العصور الذهبية الأولى، وصفحة حية من تاريخ المجد الإسلامي، وآية من آيات الله قامت في هذه الأيام المظلمة لتنيرها بنور الصدر الأول، كما ينير البدر الليل الداجي بنور الشمس المشرقة، ولكن ذاك بدر الدنيا، وهذا (بدر الدين)!
وكانت غرفة الشيخ في دار الحديث حمى قد حماه الله بهيبة العلم، وحجبه بجلال الإخلاص، فهي من دمشق الأموية أو العباسية، أو دمشق صلاح الدين، لا من دمشق (القرن العشرين)، وقفت عند عتبتها سطوة جمال باشا، وقوة الانتداب فلم يجتزها منهما شيء؛ وكان يجيبئها أبداً العتاة الجبارون الذين يخشاهم البلد، ويجري حكمهم لا يرده أحد، فكانوا جميعاً من بشاوات وموسيوات. . . يخلعون نعالهم بأيديهم، ثم يدخلون مطأطئي رءوسهم حتى يجلسوا على ركبهم بين يدي الشيخ، خاشعة أبصارهم، ترهقهم ذلة، ثم لا يتكلمون إلا أن يسألهم، أو يأذن لهم بالكلام، وربما أعرض عنهم، وربما وعظهم أو علمهم، ولا يقول لهم إلا كلمة الحق، ولا يكلمهم إلا بلسان عالم من دمشق صلاح الدين!
فكان الشاميون حين يرون هذا لا يبالون، وفي دار الحديث هذا الجيش، بما كان في دمشق
стр. 8672
من جيوش ودبابات وطيارات. . أفليس عجيباً أن هذا الشيخ ألهم أبن التسعين، قد:
سدّ الطريق على الزما … ن وقام في وجه الخطوب!
والشيخ لا جرم نسيج وحده في هذا العصر، وهو بقية من المحدثين الأولين الذين ألفوا بسيرهم تاريخ المسلمين العلمي، أجل تاريخ علمي كتب أو يكتب إلى يوم القيامة. فقد لبث سبعين سنة، يشتغل بالدرس والتدريس والتقوى والعبادة، على خطة معروفة، وسنة مألوفة، ما تبدلت يوماً ولا تغيرت، إلا لمرض مقعد، أو أمر قاهر، أو سفر لازم؛ وقد بلغ من ثبات الشيخ وحسن ظنه بالله أنه كان مرة في قطار الحجاز فوقف القطار في عرض البادية لشيء طرأ عليه، (وقد رأينا هذه البادية فإذا هي رمال ملتهبة، وشمس محرقة، ولا شيء سواهما) فنزل بعض القوم يصلون، ونزل الشيخ، فلما أحرموا بالصلاة وكادوا يركعون، صفر القطار، فانفضوا إليه فتعلقوا به وتركوا الشيخ قائماً. وسار القطار؛ (قال الراوي) فنظرت إليه فلا والله ما ألتفت ولا تحرك، فكدت والله أُجَنَّ، وأقبلت على من بيدهم أمر القطار فرجوتهم أن يقفوه فأبوا، فسقطت على قدمي كبيرهم حتى لان فأمر بالقطار فتقهقر حتى وقف على الشيخ فإذا هو جالس لم يسلم، فلما سلم قام فركب، وما يبالي بانقطاعه في البادية، ولا بالموت الذي يحوم حوله، ما دام قائماً بين يدي رب الأرض والسموات، ومن بيده الموت والحياة.
لبث سبعين سنة يفيق إذا عسعس الليل، فيصلي ما شاء الله أن يصلي، فيشعر بلذة العبادة، ويحس حلاوة الإيمان، ويسمو بنفسه عن الدنيا ولذاذتها حتى يحقرها وتهون عليه، فيصبح وهو يطير بنفسه في سموات الجنان والناس يمشون في حضيض الأرض
ثم يمضي إلى الجامع الأموي فيصلي الصبح مع الجماعة، في مكانه الذي لم ينقطع عنه ثلاثة أرباع القرن، وربما ثبت عليه أكثر من ذلك، فقد جاوز ﵀ التسعين، فإذا قضيت الصلاة عاد إلى غرفته، فلبث يقرأ ويقرئ إلى ما بعد العتمة، إلا أن يكون يوم الجمعة فيجلس للدرس العام يحدث الناس تحت قبة النسر من الظهر إلى العصر، لا يسكت ولا يتنحنح ولا يقف؛ يبدأ بحديث فيرويه مسنداً، ويستقري طرقه كلها، ويتحدث عن رواته، ثم يذكر شواهده من الكتاب والسنة، فلا يروي حديثاً إلا رفعه، ولا كلمة إلا عزاها، ثم يذكر ما أخذه منه الفقهاء من الأحكام ويوازن بينها، ويبسط الكلام فيما يتصل بذلك من
стр. 8673
الفلسفة والتصوف والعلوم، وكان الشيخ في الفلسفة الإسلامية منقطع النظير
وطالما حضر هذا الدرس جلة علماء دمشق ومن يزورها من علماء الأقطار، فخرجوا معجبين مُكْبرين؛ وطالما حضره الأطباء والمحامون وأهل الفلسفة والطبيعة، فخرج كل وقد امتلأ وطابه من وسائل الفن الذي يشتغل به، أو العلم الذي انقطع إليه
وكان يمضي الدرسان والثلاثة ولم يتعد الشيخ شرح حديث واحد
ولم يكن يرد سائلاً، أو طالب علم؛ وكان يوليه ما شاء من وقته ووجهه؛ وكان إذا استفتى قال للسائل، أنظر كتاب كذا، وكتاب كذا؛ وربما دله على الصفحة التي يجد فيها المسألة، لا يحب أن يفتيه هو
وكان يصوم الدهر، فإذا كان المساء أكل ما قدم إليه، ولم يعرف عنه في سفر ولا حضر أنه اشتهى طعاماً أو كرهه إلا مرة كان في سفر، فقيل له: ما نطبخ؟ فقال: ما شئتم!
قالوا: عندنا بامياء وفول وعدس. . . .
قال: هل قلتم إن عنكم فولاً؟
ففهموا أنه يشتهيه، ولم يرو عنه في هذا الباب أكثر من هذا. ولم يكن يشتم رجلاً أو يغتابه، ولم يكن يدع أحداً يغتاب في مجلسه وكان غاية تأنيبه إذا غضب أن يقول:
- (يابا - وكانت تلك كلمته - لماذا أنتم هكذا؟)
تواضع لله، فأناله الله رفعة ما أنالها سلطاناً ولا ملكا، وانصرف عن الدنيا فأقبلت عليه الدنيا، ودر عليه المال فما مسه ولا مد إليه يداً، واعتزل الناس ورغب عن الجاه، فأقبل عليه الناس، ورغب فيه الجاه، فما غيره ولا أقام للجاه وزناً، وابتعد عن الحكام، فتزلف إليه الحكام، ووضعوا بين أيديه دنياهم فما حاد عن دينه ولا رزأهم دنيا، ولا كتمهم نصحاً. . .
عاش فكانت حياته أعظم حياة، ومات فكان موته أفخم موت. وكيف لا يكون فخما، وقد كان الشيخ دولة وحده، وقد كان تاريخاً، وقد كان مجموعة كاملة من الفضائل كلها، تأكل وتشرب وتمشي؟
رحمك الله يا أيها الإمام العالم العظيم، ورزق دمشق الصبر على فقدك، وعوض منك المسلمين خيراً. . . .
стр. 8674
فقد كنت تدراً للديانة مشرقاً … وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
علي الطنطاوي
стр. 8675
الشعر الوطني في الأندلس
للأستاذ عبد الله كنون الحسني
كثر الشعر الوطني عند العرب في العصر الحديث كثرة عظيمة حتى طغى على غيره من الأغراض الشعرية، فأصبح لا يكاثره غرض آخر منها. وما ذلك إلا لأن البلاد العربية كلها قد مزق الاستعمار شملها، فأصبح أهلها خاضعين للنير الأجنبي يتشوقون ليوم الحرية تشوق الظمآن للماء البارد؛ فهم تارة يتغنون بالنصر الباهر الذي يكسبونه في موقعة ذلك اليوم، وتارة يستعرضون مواقف المجد والبطولة في تاريخهم الأدبي والحربي، فيثيرون بذلك شعور مواطنيهم للسعي إلى تقريب أمد ذلك اليوم الذي تشرق شمس الحرية فيه على ربوعهم فيعود إليها ما فقدته من العز والعظمة، وتارة ينعون على قومهم تخاذلهم وقعودهم عن حرب العدو المغير على أوطانهم، لافتين أنظارهم إلى ما يسومونهم من الخسف والعذاب، وما يبتزونه من أموالهم وخيرات بلادهم
وأخيراً، وعلى هذا المنوال، تكوَّن الشعر الوطني في العربية، وأصبح في المقام الأول من أغراضه الشعرية، فخلف بذلك المديح الذي كان يحتل هذا المقام من قبل
ونحن إذا رجعنا إلى ما قبل العصر الحديث من العصور المختلفة وقلبنا تطورات الشعر العربي في تلك العصور، لم نجد للشعر الوطني ذكراً ولا أثراً بين أقسام الشعر، ولم نعثر على ما يفيد أن هذه الظاهرة التي غلبت على الشعر العربي اليوم أمكنها في عصر من العصور أو طور من الأطوار أن تظهر، بَلْه أن تغلب على شعر شاعر من العرب أو من غير العرب فيمن نظم بالعربية، فتجرف غيرها من الظواهر وتكون هي المسيطرة على كثرة أشعار الشعراء كما هو الحال اليوم. ولذلك لما قال أبن الرومي أبياته المشهورة في هذا المعنى كانت عنقاءَ مُغرِب الشعر الوطني، فتداولتها الألسنة وأصبحت مثلاً يُضرب في طبيعة حب الناس لأوطانهم، وتلك الأبيات هي:
ولي وطن آليت ألا أبيعه … وألا أرى غيري له الدهرَ مالكا
وحبب أوطانَ الرجال إليهمُ … مآرب قضَّاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكَّرتهمُ … عهود الصبا فيها، فجنوا لذالكا
ولا نعني بالشعر الوطني ما كان من قبيل العواطف المجردة عن المعاني المذكورة كهذا
стр. 8676
الذي يكثر قوله في بلاد الغربة تشوقاً إلى معاهد الأحباب ومواطن الشباب، فإن هذا قد زخرت به العربية قديماً وحديثاً، ولم يخل عصر من أعصارها من لدن الجاهلية إلى الآن عن قوله والمكثرين منه. وما أشعار نجد والحجاز والعقيق ورامة وغيرها إلا بعض من كل، وقُل من جل، مما يتمثل فيه هذا اللون من الشعر العاطفي أحسن مثال. ولكن ما نعني هو الشعر الوطني بمعناه الشائع الذي يصطبغ بالفكرة السياسية التي ألمعنا إليها من قبل؛ وهذا هو الذي يصح القول فيه أنه وليد التجديد الأدبي في العصر الحديث، وأنه لم يكن له وجود في العصور المتقدمة التي ازدهرت فيها الآداب العربية سواء في شبه الجزيرة نفسها، أو فيما اصطنع لغتها من البلدان بعد إشراق نور الإسلام فيها - اللهم إلا هذا القطر الأندلسي الذي عقمت الأيام أن تلد مثله في رقيه وحضارته، فإنه لابد أن يستثنى من العموم
ذلك أن عرب الأندلس الذين تقدموا الزمن بكثير في النضوج العلمي لم يجز أن يتخلفوا عنه في الإحياء الأدبي، فطلعوا على العالم العربي بالتوشيح الذي لم يستطع التجديد العصري حتى الآن أن يأتي بما يشبهه من حيث التأثير البليغ في تحرير الشعر من قيود البحور والقافية الثقيلة، وقد حاول المشارقة أن يأتوا بشيء في هذا الصدد فاستظهروا بالدوبيت، والكان وكان، والقوما وغيرها، ولكنه كان شيئاً غريباً عن الذوق العربي غرابة هذه الكلمات في اللغة العربية، وكذلك قالوا الشعر الوطني وأكثروا منه وتفننوا فيه، فانفردوا به عن سائر الشعوب العربية، وسبقوا إليه الأجيال الحديثة، وكان إحدى مأثراتهم الجليلة في النهوض بالأدب العربي من وجه عام
ولقد كان باعثهم عليه هو نفس ما بعث إخوانهم اليوم من تكالب دول النصرانية عليهم وإذلالها لهم في عقر بلادهم، ولذلك لم يوجد في عهد الفتح وعهد الأمويين إذ أمر العرب مقبلٌ وشملهم جميع، وإنما وُجد بعد أن ضعف لسانهم ودالت دولتهم وصاروا يشهدون سقوط ممالكهم الواحدة بعد الأخرى، وحصون بلادهم في قبضة العدو فلا ترجع إليهم أبداً؛ وعرفوا الغاية التي إليها يسيرون، والمصير الذي منه يقتربون، فاشتد رعبهم وهلعت قلوبهم، فبكوا واشتكوا ونظموا الأشعار الوطنية في تحميس الناس للدفاع عن حقيقتهم والاستماتة في صون كيانهم، معرضين بما يؤول إليه أمرهم هناك من الذل والاستكانة وطمس معالم الحضارة والدين
стр. 8677
ولقائل أن يقول إن مثل هذه الأحوال قد صار في بلاد المشرق ولا سيما في عهود الحروب الصليبية يوم سلبت من الإمبراطورية العربية أثمن درة في تاجها: مصر وبلاد الشام، ومع ذلك فلم تتفق قرائح الشعراء هناك بالشعر الوطني ولم يظهر منهم من جال في ذلك الميدان، فما السبب في ذلك؟ لعل للعجمة التي كانت قد بدأت تعقل اللسان العربي في ذلك العهد من جراء ظهور سلطان الأعجام في بلاد العرب وضعف الإنتاج الأدبي تبعاً لذلك، تأثيراً مباشراً في عدم ظهور هذا النوع من الشعر في بلاد الشرق وإن وجدت البواعث. على أن هذه الأحوال وإن لم تبعث على قول الشعر الوطني كانت السبب في ظهور فن من فنون الأدب لا يقل خطراً عن الشعر مطلقاً وهو فن القصص، فان من المعلوم أن كثيراً من هذه القصص الحماسية كعنترة وسيف بن ذي يزن وغيرها إنما وضعت في هذا العهد الصليبي، وفي مصر بالخصوص، لتضرب للناس أمثلة من الشجاعة العربية يخلق بهم أن يحتذوها في صد هجمات المغيرين من ذئاب الغرب على بلاد الإسلام، وهي وإن كانت عامية التأليف تدل على أن المشرق لم يقف واجماً بازاء تلك الحوادث الكبرى وإن لم يهتد إلى الشعر الوطني كما اهتدت إليه الأندلس!
ونقفك الآن على نماذج من الشعر الوطني الأندلسي لترى أنه لا يكاد يتميز عن الشعر العصري الوطني في وصف من الأوصاف. ولا ننقل لك شيئاً من قصيدة صالح بن شريف الرندي في رثاء الأندلس، وإنما نشير إليها فأنها شهيرة لا تخفى على تلاميذ المدارس الابتدائية الإسلامية!
فانظر إلى هذه القطعة للأديب أبي عبد الله الفازاني يصف فيها الفوضى الغاشية على بلاد الأندلس وتخاذل أهلها عن الدفاع عنها بل وإعانة الأعيان منهم على خرابها! ويستشف من الغيب المآل الذي تؤول إليه إن دامت على تلك الحال، فيسأل الله تعالى أن يلطف بعباده ويرحمهم:
الرُّوم تضربُ في البلادِ وتغنمُ … والجورُ يأخذُ ما بقى والمغزمُ
والمالُ يورد كله قشتالةً … والجند يسقط والرعيةُ تسْلَمُ
وذوو التعيش ليس فيهمُ مسلمٌ … إلا معين في الفساد مُسَلِّم
أسفي على تلك البلاد وأهلها … الله يلطفُ بالجميع ويرحم
стр. 8678
وانظر إلى هذه القطعة أيضاً لأبي المطرف بن عميرة يقف فيها موقف اليائس البائس يمتنع حتى عن الاستسقاء لبلاده، ويتساءل في حزن وحقد كيف يمكن أن يدوم وداده لهذه الديار، التي ألقت بطاعتها للأغيار:
زدنا عن النائبين عن أوطانهم … وإن اشتركنا في الصبابة والجوى
أَنا وجدناهم قد استسقوا لها … من بعدما شطَّت بهم عنها النوى
ويصدنا عن ذاك في أوطننا … مع حبها، الشِّركُ الذي فيها ثوى
حسناء! طاعتها استقامت بعدنا … لعدونا، أفيستقيم لها الهوى؟
وله أيضاً يشير إلى انتقاله من بلد إلى بلد لاستيلاء العدو على البلاد واحدة فواحدة، من قصيدة طويلة:
كفى حزناً أنَّا كأَهلِ مُحَصَّبٍ … بكل طريق قد نفرنا وننفر
واستمع إلى هذين البيتين اللذين قيلا في أهل بلنسية، وما أكثر انطباقهما علينا اليوم:
لبس الحديدَ إلى الوغى ولبستمُ … حلل الحرير عليكمو ألوانا
ما كان أقبحهم وأحسنكم بها … لو لم يكن ببَصَرْنَهٍ ما كانا!. .
ولابن الأبار من قصيدة طويلة يخاطب بها السلطان أبا زكريا ابن أبي جعفر صاحب أفريقية:
أدرك بِخَيْلك خيلِ الله أندلسا … إن السبيل إلى منجاتها درسا
وهب لها من عزيز النصر ما التمست … فلم يزل منك عز النصر ملتمسا
يا للجزيرة أضحى أهلها جَزراً … للحادثات وأمسى جدّها تعسا
في كل شارقة إلمام بارقة … يعود مأتمها عند العدا عُرُسا
يا للمساجد عادت للعدا بِيَعاً … وللنداء غدا أثناءها جرسا
لهفي عليها إلى استرجاع فائتها … مدارساً للمثاني أصبحت دُرُسا
وقصائد الاستنجاد بملوك العدوة كثيرة، يستدعي إيرادها أو الإشارة إليها فصولاً، ولكن لا بأس بإيراد شيء من قصيدة في هذا المعنى لإبراهيم بن سهل الإسرائيلي، وهي كافية للدلالة على قوة العاطفة الوطنية عند أهل الأندلس، لأن هذا الجنس من الناس ملموزٌ بضعف هذه العاطفة، فصدور هذه القصيدة عن فرد منه دليل على ما قلنا:
стр. 8679
وِرْداً فمضونٌ نجاح المصدرِ … هي عزة الدنيا وفوز المحشر
يا معشر العرب الذين توارثوا … شيم الحميةِ كابراً عن أكبرَ
إن الإله قد اشترى أروحكم … بيعوا! ويهنيكم وفاء المشترى
أنتم أحقُّ بنصر دين نبيكم … وبكم تمهد في قديم الأعصر
أنتم بنيتم ركنه فلتدعموا … ذاك البناء بكل لدن أسمر
لكم عزائم لو ركبتم بعضها … أغنتكم عن كل طرف مضمر
الكفر ممتد المطامع والهدى … متمسك بذناب عيش أغبر
والخيل تضجر في المرابط غيرة … ألاَّ تجوس حريم رهط الأصفر
كم نكروا من معلم، كم دمّروا … من معشر، كم غيروا من مشعر!
كم أبطلوا سنن النبي وعطلوا … من حيلة التوحيد صهوة منبر!
أين الحفائظ مالها لم تنبعث؟ … أين العزائم مالها لا تنبرى؟
أيهز منكم فارس في كفه … سيفاً ودين محمد لم ينصر؟
ونختم هذه الكلمة بتنبيه قومنا إلى تاريخ هذه الفاجعة العظيمة فان فيها عبرة لمن يعتبر
(طنجة)
عبد الله كنون الحسني
стр. 8680
عمل عظيم
للأستاذ محمد بك كرد علي
لو كل بلد إسلامي قام بواجبه قيام المسلمين في مدينة بيروت ثغر الشام، لاضمحلت الأمية علة العلل في هذا المجتمع، ولزاد في بنيه عدد المتعلمين وأرباب الصنائع، وعلى تلك النسبة كانت تزيد الثروة والرخاء، ولنجا المسلمون من مشاكل كثيرة، وبرئوا مما يتهمهم به أعداؤهم من أن دينهم لا يفسح لهم مجالاُ للنور والثقافة
أسس المسلمون في بيروت في سنة ١٢٩٦هـ جمعية دعوها جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، وعنيت مدة بتعليم النشء الجديد يومئذ ثم طرأت عليها طوارئ شلت حركتها، ومن أهمها أن الحكومة العثمانية ما كانت تحب استرسال المسلمين في سبل التعليم، على حين كانت تتغافل عن المسيحيين يتعلمون في مدارسهم الطائفية ومدارس المبشرين ما شاءوا وشاءت دول الاستعمار
ولما انتدبت فرنسا على الديار الشامية بعد الحرب العامة، كان أول ما فكر فيه المسلون إعادة جمعية المقاصد الخيرية الملغاة، خصوصاً وقد رأوا كلمة التبشير تقوى، فهبوا إلى التذرع لإحياء جمعيتهم في سنة ١٣٣٨هـ وأخذوا يجمعون أموالاً، واستوهبوا أرضاً عظيمة من الأوقاف أقاموا عليها مخازن وحوانيت ومقاهي، فكان لهم منها باخرة ريع لا يقل عن عشرة آلاف ليرة عثمانية ذهباً في السنة يدخرون نحو ثلثها مالاً احتياطياً، ولا يفتأون كل عام يجمعون مبلغاً تنتظم به مالية جمعيتهم
وجعل أولئك العاملون هدفهم الأسمى إنشاء مدارس لتربية البنين والبنات، وتثقيفهم بالثقافة الحديثة التي تنطبق على التعاليم الإسلامية، وإعدادهم ليكونوا عاملين منورين أقوياء في عقيدتهم الدينية والقومية؛ وزادوا في مناهج البنات على مناهج البنين - والعلوم النظرية واحدة في جميع مدارسهم - دروساً عملية في تدبير المنزل، تتناول الطبخ، والخياطة على اختلاف أنواعها، والأشغال اليدوية، والرسم، والموسيقى، وتربية الأطفال
أصبح لهذه الجمعية في مدينة بيروت سبع مدارس للذكور والإناث، منها مدرستان ثانويتان، إحداهما للصبيان والثانية للفتيات، أطلق على كل واحدة منهما اسم (كلية). وقد نجح تلاميذها في السنة الغابرة نجاحاً باهراً، وكان فيهم ثلث من نجحوا في الجمهورية
стр. 8681
اللبنانية في إحراز شهادة البكلوريا؛ هذا وبيروت مدينة المدارس، ومنها ما يرد عهد تأسسه إلى ستين أو سبعين سنة. وبلغ مجموع ما في مدارس البنين والبنات في بيروت في سنة ١٩٣٤ - ٣١٣٠ طالباً وطالبة؛ وللجمعية عناية فائقة بمدارس رياض الأطفال
ساهم المسلمون على اختلاف درجاتهم في الثروة في قيام هذه المدارس، يمدونها بما تصل إليه أيديهم من المال كل سنة، وكانت مدارسهم في هذه الأزمة الخانقة أقل دور العلم تأثراً بالحالة الاقتصادية والمالية، ذلك لأن مدارس الجمعية تدار بأيدٍ رشيدة، لا يسرف في مالها أيام الرخاء، ويراعى في الإنفاق العام الحاضر كما تراعى الأعوام المقبلة
ولما رأت الجمعية أن التبشير يسري بسرعة في القرى الإسلامية من عمل بيروت هبت لجنة من أعضائها وغيرهم بمعاونة الجمعية نفسها، وكونت لها رأس مال وبدأت بإنشاء المدارس في القرى في سنة ١٣٤٠هـ فكان لها منها الآن ثنتان وأربعون مدرسة فيها ما يربو على الألفي طالب وطالبة يتلقون التعليم الابتدائي الصحيح على منهاج التعليم في الجمعية
ولم تكتف جمعية المقاصد بما أتت، بل عمرت لها في بيروت مستشفى ذا طبقتين يحتوي على اثنتين وثلاثين غرفة، منها ما هو بمساحة مائة وعشرين ذراعاً مربعاً، وجهزته بستة وسبعين سريراً، وبلغ ما أنفق على بنائه ٢ , ٣١١ , ١٥٩ غرشاً سورياً أو نحو أربعة آلاف ومائتي جنيه عثماني ذهباً، ونشطت المدارس الأهلية الأخرى وعاونتها، وتولت برجالها مراقبتها وإرشادها، ورممت بعض المساجد في الحاضرة والضاحية، ومنحت معاونات لمن يريد التخصص في مدارس الشرق أو مدارس الغرب، وعاونت حفظة القرآن وسهلت سبل إتقان حفظه، كما بسطت يد معونتها للمولعين بالفنون الجميلة إلى غير ذلك
هذه الأعمال الجليلة قامت بقروش قليلة جمعت من أهل البر والخير جمعها الغُيُر على أبناء دينهم، فتألف منها رأس مال لا يستهان به؛ وبهذه الصورة يكافح البيروتيون الأمية، ويرجعون إلى حظيرة الدين من كانوا على وشك أن ينسلخوا منه، وكل ذلك بمعاونة المستنيرين من المسلمين وفضل رئيس الجمعية عميد بيروت وعين أعيانها عمر بك الداعوق الذي كانت طريقته وطريقة أعوانه أن يعملوا ولا يقولون، ويبذلون مالهم ووقتهم ولا يمنون ولا يتبجحون
стр. 8682
قرت العيون بهذا العمل الخطير الذي كان سداه الإخلاص، ولحمته حب الدين والمدينة، فدفعت جمعية المقاصد الخيرية أبناء أمتها خطوة إلى الأمام، وغدا الأمل بالمستقبل أعظم من الماضي، في محيط تنفق فيه مدارس التبشير للأميركان والفرنسيين وغيرهم عن سعة؛ وقل في الشرق الأدنى بلد ظهر فيه نشاط المبشرين ظهوره في هذه القطعة الصغيرة من الديار الشامية؛ وقل أن كتب لبلد قاوم المبشرين بمثل سلاحهم كمدينة بيروت. ونعود فنؤكد لو أن كل بلدة حذت حذو النابهين من أبناء بيروت لقضى مع الزمن على الأمية في المسلمين. وجوهر كل نهضة في عقول الرجال، ولا نجاح في الأعمال لغير المخلصين المثابرين
دمشق
محمد كرد علي
стр. 8683
دولة المماليك في حكم التاريخ
للأستاذ ظافر الدجاني
لعل تاريخ الشرق الأدنى في عهد الحكومة الإسلامية أحفل التواريخ بما يملك على النفس جوانب الفكر والخيال، ويوحي إليها أبلغ ضروب الحكمة والموعظة، لأنه كان مسرحاً لظهور بعض الدويلات الإسلامية الغريبة في نشوئها ومظاهر حكمها ومبلغ تأثيرها في مجرى تاريخه العام ولعل أغرب هذه الدويلات، دولة المماليك في مصر، التي اختلست من الدهر ما يزيد على خمسين ومائتي سنة، كان المملوك فيها مالكاً والمغلوب غالباً، فكان يتخللها من المؤامرات والدس وأهوال الاستبداد ما لا نظير له في تاريخ المجتمع البشري. على أنها والحق يقال ليست أول محاولات هذه الطائفة البشرية لاغتصاب الحكم والاستبداد به والانتقام من الجنس الإنساني عامة لما ألحقه بها من ضروب الفظاعة والقساوة، فقد شهد تاريخ رومة الخالد، قبل ظهور النصرانية، كثيراُ من هذه المحاولات الجامحة التي باءت جميعها بالفشل والخذلان بعد أن روعت العالم وضربت له مثلاً صارماً فيما يستطيعه أبناء المماليك، بل أبناء كل طائفة مظلومة، في ميدان التمرد والانتقاض ومقايضة الجور والأذى الصاع منهما بصاعين. ولعل هذه الدولة كانت أكبر انتصار أحرزته هذه الطائفة، بل لعلها أروع مظهر لجموح أخلاقها، وتعدد الخوالج التي كانت تتجاذب نفوسها وتتنازعها إلى مسالك الخير والرجولة وجلائل الأعمال ومفاوز الشر والجريمة والآثام!
ففي الحق أن هذه الدولة لعبت دوراً خطيراً على مرسح الحياة السياسية العمرانية في الشرق الأدنى حتى ليعزى إليها أكبر الفضل في صد هجمة التتر المنبعثة من أعماق المشرق؛ قال ابن خلدون: (حتى إذا استغرقت الدولة في الحضارة والترف، ولبست أثواب البلاء والعجز، ورميت الدولة بكفرة التتر الذين أزالوا كرسي الخلافة وطمسوا رونق البلاد، وأدالوا بالكفر عن الإيمان بما أخذ أهلها عند الاستغراق في التنعم والتشاغل في اللذات والاسترسال في الترف من تكاسل الهمم، والقعود عن المفاخرة، والانسلاخ من جلدة البأس وشعار الرجولة؛ فكان من لطف الله سبحانه أن تدارك الإيمان بإحياء رمقه وتلافي شمل المسلمين بالديار المصرية بحفظ نظامه وحماية سياجه بأن بعث لهم من هذه الطائفة التركية وقبائلها العزيزة المتوافرة أمراء حامية وأنصاراً متوافية يجلبون من دار الحرب
стр. 8684
إلى دار الإسلام في حقارة الرق) فكانت تنقضي أيام هذه الطائفة في التنقل من ميدان إلى ميدان، ومن حصن إلى حصن، في مختلف أنحاء سوريا وفلسطين، وقد اندحر التتر في أكثر من واقعة واحدة؛ كواقعة (عين الجالوت) التي كان النصر فيها حليف المسلمين، فهلك كتبوغا زعيم التتر، ومزقت جموعه كل ممزق كما هلك خليفته أيضاً وجموعه من بعده، عند ما حاربهم الملك الظاهر بيبرس، وردهم على أعقابهم خاسرين متعثرين في أذيال الهزيمة، وكانت سوريا في خلال ذلك ميداناً لجهاد هؤلاء المماليك العنيف ضد الحملات الصليبية فامتلأت بجيوشهم وزهرة فرسانهم، وما زالوا يذرعون أرضها صعوداً وصدوداً، متكاتفين متكالبين حتى انتزعوا السلطة من أيدي الصليبيين، واستخلصوا منهم القلاع والحصون، فافتتح الملك الظاهر بيبرس حصن صعذ وسيس، وسيس هذه كانت كعبة المجاهدين من أبناء المماليك لأنها مدينة نصرانية، فكان أهلها يظاهرون الأرض على جيوش المسلمين
وكان العلويون والحشاشون، وهم من الباطنية، أصحاب سلطة ونفوذ، وكان قد دوخهم هولاكو في حملته المشهورة، ودمر حصونهم وقلاعهم فاستأصل أبناء المماليك شأفتهم، وحرروا سوريا من ربقة مظالمهم في عهد الملك الظاهر بيبرس المذكور. وكان الملك الظاهر بيبرس هذا قد استقدم ابن الخليفة الظاهر بأمر الله آخر خلفاء الدولة العباسية في بغداد، فأكرمه وقلده الخلافة ولقبه (المستنصر بالله)، فأصبحت القاهرة مركز الخلافة الإسلامية بعد أن كان مركزها بغداد. وبقيت هنالك حتى مقدم العثمانيين. ولكن الواقع أن سلطة هؤلاء الخلفاء كانت مقيدة لا تعدو أمور الدين والزعامة الدينية. وإنما أكد حاجة المماليك إلى هذه الخلافة الوهمية رغبتهم في وسم حكومتهم بطابع ديني شرعي حتى تنهض حجتهم ويستقيم أمرهم بين جماعات المسلمين
وأخيراً لا ينبغي أن ننسى أن هؤلاء المماليك قد خلفوا كثيراً من الآثار والأبنية التي تشهد لهم بالتقدم في فن العمارة وفي الري والعمران، فقد شيدوا المساجد والمدارس والقصور والمستشفيات، وعمروا القناطر والترع، وحفروا الخلجان، ووسعوا الأوقاف من كل ناحية. وكانوا يتبارون في ذلك حتى عمر القطر المصري والبلدان المجاورة التي خضعت لحكم المماليك بجليل الآثار. فعمر الملك الظاهر الحرم النبوي، وقبة الصخرة، وقناطر شبرامنت
стр. 8685
بالجيزة، وقلعة دمشق، وعمر المدرسة بين القصرين بالقاهرة، وحفر خليج الإسكندرية، وبنى قرية الظاهرية. وشيد الملك الناصر القصر الكبير الأبلق، وعمر الديوان الكبير والجامع الكبير الذي بالقلعة، وعمر المجراة وأجراها من بحر النيل إلى القلعة، وحفر الخليج الناصري، وعمر قناطر أم دينار
على أنه مهما قيل في حسنات هؤلاء المماليك فثمت ما يقال في سيئاتهم وفيما خلفوه من آثار البطش والجور والإرهاق، لخبث سيرتهم وعظيم جورهم، وغلبة القسوة وشهوة الاستبداد على طبائعهم، أولئك الذين كانوا في الأمس عبيداً أرقاء! فكان السلطان منهم مستبداً في أمره لا وازع يكفه عن عمل الموبقات؛ وكانوا فوق ذلك لا يعرفون (مبدأ الوراثة) في الحكم، فكان القوي منهم ينتهز الفرص للتفرد بالحكم والاستبداد بالضعيف، فكان ذلك الوقت وقت تشاغل وفرص، بل وقت مؤامرات تحاك في الخفاء، فلا يسلم منها الشعب، ويصيبه من جرائها كثير من الجور والإرهاق. وكانت الضرائب غير مقيدة بقانون أو وازع ديني أو إنساني، وإنما كانت تتفاوت في الزيادة والنقصان حسب الظروف والأحوال ومشيئة السلطان
ولم تكن مصر مع ما ذكرنا بأسوأ حالاً من سورية وفلسطين، ولا سيما وأن الأخيرتين كانتا ميداناً للحروب والمناحرات. وهكذا ضج الناس وعم الفقر، وانتشر الجهل والبلاء. وكان المجد العربي والعزة العربية والخلق العربي قد أمحت جميعها من أذهان العامة، فأصبح الناس لا يبالون بمن يولونه قيادهم، ويسلمون له زمام أمورهم، وإنما يطلبون العدل والإنصاف!
وفي وسعنا المضي في هذا السبيل القاتم، ولكننا نخشى ألا يكون في ذاك فائدة بعد أن دللنا بالقليل على الكثير، وهذه كتب التاريخ حفلة بمظاهر الجور بل بمشاهد الفقر والذل التي سادت الشرق العربي في ظل حكم المماليك
يافه
ظافر الدجاني
أ. ع
следующие страницы →