Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8681–8720 · переход к 8686.
стр. 8681
اللبنانية في إحراز شهادة البكلوريا؛ هذا وبيروت مدينة المدارس، ومنها ما يرد عهد تأسسه إلى ستين أو سبعين سنة. وبلغ مجموع ما في مدارس البنين والبنات في بيروت في سنة ١٩٣٤ - ٣١٣٠ طالباً وطالبة؛ وللجمعية عناية فائقة بمدارس رياض الأطفال
ساهم المسلمون على اختلاف درجاتهم في الثروة في قيام هذه المدارس، يمدونها بما تصل إليه أيديهم من المال كل سنة، وكانت مدارسهم في هذه الأزمة الخانقة أقل دور العلم تأثراً بالحالة الاقتصادية والمالية، ذلك لأن مدارس الجمعية تدار بأيدٍ رشيدة، لا يسرف في مالها أيام الرخاء، ويراعى في الإنفاق العام الحاضر كما تراعى الأعوام المقبلة
ولما رأت الجمعية أن التبشير يسري بسرعة في القرى الإسلامية من عمل بيروت هبت لجنة من أعضائها وغيرهم بمعاونة الجمعية نفسها، وكونت لها رأس مال وبدأت بإنشاء المدارس في القرى في سنة ١٣٤٠هـ فكان لها منها الآن ثنتان وأربعون مدرسة فيها ما يربو على الألفي طالب وطالبة يتلقون التعليم الابتدائي الصحيح على منهاج التعليم في الجمعية
ولم تكتف جمعية المقاصد بما أتت، بل عمرت لها في بيروت مستشفى ذا طبقتين يحتوي على اثنتين وثلاثين غرفة، منها ما هو بمساحة مائة وعشرين ذراعاً مربعاً، وجهزته بستة وسبعين سريراً، وبلغ ما أنفق على بنائه ٢ , ٣١١ , ١٥٩ غرشاً سورياً أو نحو أربعة آلاف ومائتي جنيه عثماني ذهباً، ونشطت المدارس الأهلية الأخرى وعاونتها، وتولت برجالها مراقبتها وإرشادها، ورممت بعض المساجد في الحاضرة والضاحية، ومنحت معاونات لمن يريد التخصص في مدارس الشرق أو مدارس الغرب، وعاونت حفظة القرآن وسهلت سبل إتقان حفظه، كما بسطت يد معونتها للمولعين بالفنون الجميلة إلى غير ذلك
هذه الأعمال الجليلة قامت بقروش قليلة جمعت من أهل البر والخير جمعها الغُيُر على أبناء دينهم، فتألف منها رأس مال لا يستهان به؛ وبهذه الصورة يكافح البيروتيون الأمية، ويرجعون إلى حظيرة الدين من كانوا على وشك أن ينسلخوا منه، وكل ذلك بمعاونة المستنيرين من المسلمين وفضل رئيس الجمعية عميد بيروت وعين أعيانها عمر بك الداعوق الذي كانت طريقته وطريقة أعوانه أن يعملوا ولا يقولون، ويبذلون مالهم ووقتهم ولا يمنون ولا يتبجحون
стр. 8682
قرت العيون بهذا العمل الخطير الذي كان سداه الإخلاص، ولحمته حب الدين والمدينة، فدفعت جمعية المقاصد الخيرية أبناء أمتها خطوة إلى الأمام، وغدا الأمل بالمستقبل أعظم من الماضي، في محيط تنفق فيه مدارس التبشير للأميركان والفرنسيين وغيرهم عن سعة؛ وقل في الشرق الأدنى بلد ظهر فيه نشاط المبشرين ظهوره في هذه القطعة الصغيرة من الديار الشامية؛ وقل أن كتب لبلد قاوم المبشرين بمثل سلاحهم كمدينة بيروت. ونعود فنؤكد لو أن كل بلدة حذت حذو النابهين من أبناء بيروت لقضى مع الزمن على الأمية في المسلمين. وجوهر كل نهضة في عقول الرجال، ولا نجاح في الأعمال لغير المخلصين المثابرين
دمشق
محمد كرد علي
стр. 8683
دولة المماليك في حكم التاريخ
للأستاذ ظافر الدجاني
لعل تاريخ الشرق الأدنى في عهد الحكومة الإسلامية أحفل التواريخ بما يملك على النفس جوانب الفكر والخيال، ويوحي إليها أبلغ ضروب الحكمة والموعظة، لأنه كان مسرحاً لظهور بعض الدويلات الإسلامية الغريبة في نشوئها ومظاهر حكمها ومبلغ تأثيرها في مجرى تاريخه العام ولعل أغرب هذه الدويلات، دولة المماليك في مصر، التي اختلست من الدهر ما يزيد على خمسين ومائتي سنة، كان المملوك فيها مالكاً والمغلوب غالباً، فكان يتخللها من المؤامرات والدس وأهوال الاستبداد ما لا نظير له في تاريخ المجتمع البشري. على أنها والحق يقال ليست أول محاولات هذه الطائفة البشرية لاغتصاب الحكم والاستبداد به والانتقام من الجنس الإنساني عامة لما ألحقه بها من ضروب الفظاعة والقساوة، فقد شهد تاريخ رومة الخالد، قبل ظهور النصرانية، كثيراُ من هذه المحاولات الجامحة التي باءت جميعها بالفشل والخذلان بعد أن روعت العالم وضربت له مثلاً صارماً فيما يستطيعه أبناء المماليك، بل أبناء كل طائفة مظلومة، في ميدان التمرد والانتقاض ومقايضة الجور والأذى الصاع منهما بصاعين. ولعل هذه الدولة كانت أكبر انتصار أحرزته هذه الطائفة، بل لعلها أروع مظهر لجموح أخلاقها، وتعدد الخوالج التي كانت تتجاذب نفوسها وتتنازعها إلى مسالك الخير والرجولة وجلائل الأعمال ومفاوز الشر والجريمة والآثام!
ففي الحق أن هذه الدولة لعبت دوراً خطيراً على مرسح الحياة السياسية العمرانية في الشرق الأدنى حتى ليعزى إليها أكبر الفضل في صد هجمة التتر المنبعثة من أعماق المشرق؛ قال ابن خلدون: (حتى إذا استغرقت الدولة في الحضارة والترف، ولبست أثواب البلاء والعجز، ورميت الدولة بكفرة التتر الذين أزالوا كرسي الخلافة وطمسوا رونق البلاد، وأدالوا بالكفر عن الإيمان بما أخذ أهلها عند الاستغراق في التنعم والتشاغل في اللذات والاسترسال في الترف من تكاسل الهمم، والقعود عن المفاخرة، والانسلاخ من جلدة البأس وشعار الرجولة؛ فكان من لطف الله سبحانه أن تدارك الإيمان بإحياء رمقه وتلافي شمل المسلمين بالديار المصرية بحفظ نظامه وحماية سياجه بأن بعث لهم من هذه الطائفة التركية وقبائلها العزيزة المتوافرة أمراء حامية وأنصاراً متوافية يجلبون من دار الحرب
стр. 8684
إلى دار الإسلام في حقارة الرق) فكانت تنقضي أيام هذه الطائفة في التنقل من ميدان إلى ميدان، ومن حصن إلى حصن، في مختلف أنحاء سوريا وفلسطين، وقد اندحر التتر في أكثر من واقعة واحدة؛ كواقعة (عين الجالوت) التي كان النصر فيها حليف المسلمين، فهلك كتبوغا زعيم التتر، ومزقت جموعه كل ممزق كما هلك خليفته أيضاً وجموعه من بعده، عند ما حاربهم الملك الظاهر بيبرس، وردهم على أعقابهم خاسرين متعثرين في أذيال الهزيمة، وكانت سوريا في خلال ذلك ميداناً لجهاد هؤلاء المماليك العنيف ضد الحملات الصليبية فامتلأت بجيوشهم وزهرة فرسانهم، وما زالوا يذرعون أرضها صعوداً وصدوداً، متكاتفين متكالبين حتى انتزعوا السلطة من أيدي الصليبيين، واستخلصوا منهم القلاع والحصون، فافتتح الملك الظاهر بيبرس حصن صعذ وسيس، وسيس هذه كانت كعبة المجاهدين من أبناء المماليك لأنها مدينة نصرانية، فكان أهلها يظاهرون الأرض على جيوش المسلمين
وكان العلويون والحشاشون، وهم من الباطنية، أصحاب سلطة ونفوذ، وكان قد دوخهم هولاكو في حملته المشهورة، ودمر حصونهم وقلاعهم فاستأصل أبناء المماليك شأفتهم، وحرروا سوريا من ربقة مظالمهم في عهد الملك الظاهر بيبرس المذكور. وكان الملك الظاهر بيبرس هذا قد استقدم ابن الخليفة الظاهر بأمر الله آخر خلفاء الدولة العباسية في بغداد، فأكرمه وقلده الخلافة ولقبه (المستنصر بالله)، فأصبحت القاهرة مركز الخلافة الإسلامية بعد أن كان مركزها بغداد. وبقيت هنالك حتى مقدم العثمانيين. ولكن الواقع أن سلطة هؤلاء الخلفاء كانت مقيدة لا تعدو أمور الدين والزعامة الدينية. وإنما أكد حاجة المماليك إلى هذه الخلافة الوهمية رغبتهم في وسم حكومتهم بطابع ديني شرعي حتى تنهض حجتهم ويستقيم أمرهم بين جماعات المسلمين
وأخيراً لا ينبغي أن ننسى أن هؤلاء المماليك قد خلفوا كثيراً من الآثار والأبنية التي تشهد لهم بالتقدم في فن العمارة وفي الري والعمران، فقد شيدوا المساجد والمدارس والقصور والمستشفيات، وعمروا القناطر والترع، وحفروا الخلجان، ووسعوا الأوقاف من كل ناحية. وكانوا يتبارون في ذلك حتى عمر القطر المصري والبلدان المجاورة التي خضعت لحكم المماليك بجليل الآثار. فعمر الملك الظاهر الحرم النبوي، وقبة الصخرة، وقناطر شبرامنت
стр. 8685
بالجيزة، وقلعة دمشق، وعمر المدرسة بين القصرين بالقاهرة، وحفر خليج الإسكندرية، وبنى قرية الظاهرية. وشيد الملك الناصر القصر الكبير الأبلق، وعمر الديوان الكبير والجامع الكبير الذي بالقلعة، وعمر المجراة وأجراها من بحر النيل إلى القلعة، وحفر الخليج الناصري، وعمر قناطر أم دينار
على أنه مهما قيل في حسنات هؤلاء المماليك فثمت ما يقال في سيئاتهم وفيما خلفوه من آثار البطش والجور والإرهاق، لخبث سيرتهم وعظيم جورهم، وغلبة القسوة وشهوة الاستبداد على طبائعهم، أولئك الذين كانوا في الأمس عبيداً أرقاء! فكان السلطان منهم مستبداً في أمره لا وازع يكفه عن عمل الموبقات؛ وكانوا فوق ذلك لا يعرفون (مبدأ الوراثة) في الحكم، فكان القوي منهم ينتهز الفرص للتفرد بالحكم والاستبداد بالضعيف، فكان ذلك الوقت وقت تشاغل وفرص، بل وقت مؤامرات تحاك في الخفاء، فلا يسلم منها الشعب، ويصيبه من جرائها كثير من الجور والإرهاق. وكانت الضرائب غير مقيدة بقانون أو وازع ديني أو إنساني، وإنما كانت تتفاوت في الزيادة والنقصان حسب الظروف والأحوال ومشيئة السلطان
ولم تكن مصر مع ما ذكرنا بأسوأ حالاً من سورية وفلسطين، ولا سيما وأن الأخيرتين كانتا ميداناً للحروب والمناحرات. وهكذا ضج الناس وعم الفقر، وانتشر الجهل والبلاء. وكان المجد العربي والعزة العربية والخلق العربي قد أمحت جميعها من أذهان العامة، فأصبح الناس لا يبالون بمن يولونه قيادهم، ويسلمون له زمام أمورهم، وإنما يطلبون العدل والإنصاف!
وفي وسعنا المضي في هذا السبيل القاتم، ولكننا نخشى ألا يكون في ذاك فائدة بعد أن دللنا بالقليل على الكثير، وهذه كتب التاريخ حفلة بمظاهر الجور بل بمشاهد الفقر والذل التي سادت الشرق العربي في ظل حكم المماليك
يافه
ظافر الدجاني
أ. ع
стр. 8686
من مشاهير الشرق
١ - طائفة البهرا في الهند ومجالسهم في عدن
بقلم محمد نزيه
منذ عنيت الصحافة المصرية بأنباء الهند، وهي تذكر عن مكاتبيها في تلك البلاد النائية جماعة البهرا وشيخ البهرا بكثير من الإجلال والعناية، ولقد طالما رأيت مذ شهدت الشيخ ومسست حياة جماعته أيام رحلتي في الهند أنهما حقيقان بعدة فصول تجمع إلى طرافتها فائدة التعريف بجماعة من جماعات الإسلام لها خطرها في الهند، على الرغم من أنها قليلة العدد لا يكاد أفرادها يجاوزون الثلثمائة ألف هندي مسلم، إلا أن التماسهم أرقى وسائل التعاون وأجدى أسباب الارتباط قد أغناهم عما يراد بالكثرة من قوة وعتاد
والبهرا طائفة من طوائف الشيعة يطلق عليها في العربية اسم (الشيعة الداوودية) نسبة إلى رئيسها الأول، وقد كان باليمن ثم انتهى به العزم إلى الهند، فحط الرحال في صحبة من أتباعه بمدينة كجرات، على ساعات بالقطار من (بمبي)، منذ نيف ومائة سنة، وبمبي إذ ذاك في عالم الغيب
وإذا كانت جماعات الشيعة قد عرفت بأوضاعها الخاصة وتقاليدها المستقلة في الدين والاجتماع، فإن شيعة البهرا أو شيعة الداوودية قد عرفت في جماعات الشيعة نفسها بعقائد وتقاليد تدير حولها سياجاً يفصلها عن غيرها فصلاً تاماً؛ فهي تعتقد أن المهدي المنتظر سيكون من سلالة سيدنا محمد ﵊، وتذهب إلى تخصيص فرع معين من فروع الدوحة النبوية، على أن المهدي سيكون من ثمره، أو على أن نبوة المهدي تكمن فيه، وهي إذ كانت لا تعرف موعد ظهور الرسول الجديد، لا تفتأ تنتظره دون تعجل ولا ملالة، وتتمثله في واحد من الأحياء الذين ينتظمهم هذا الفرع المعين، فإذا حان حينه فقد استخلف على رسالة المهدي وريثاً من أبنائه، وما تزال أمانة النبوة تتنقل في صندوقها المقفل من وريث إلى وريث، ومن عصر إلى عصر، حتى يتهيأ الزمن لاستقبال هذه النبوة الجديدة، وحتى يرى الله أن قد استفحل الضلال فلا مناص من إنقاذ الدنيا، فيأمر فإذا بصاحب الصندوق قد فتحه وأصاب فيه عدة النبوة وخاتمها، وإذ ذاك يظهر المهدي المنتظر. أما هذا الذي تكمن فيه نبوة المهدي، فيظل نكرة لا يعرف سره من الناس إلا الشيخ الأعلى لجماعة
стр. 8687
البهرا، يجتمع به كل ليلة في خلوة مهيئة بالمسجد الخاص، وما يزال هذا أمره حتى يقبل اليوم الذي يسفر فيه الناس
وشيخ البهرا هو همزة الوصل بين المهدي المنتظر وأتباعه، وهو مستودع سره ومثار نجواه، يستشيره ويستلهمه ويخرج بتعاليمه على الناس؛ وأما الطائفة فتنشر الدعوة إلى المهدي المنتظر، وتنشرها بأن تزين مبادئها للناس، وما تزال ماضية في مهمتها حثيثة السير حيناً ووئيدته حيناُ حتى يدخل المسلمون جميعاً في طائفة البهرا، يقدسون مذهبها، ولا يحيدون عن عقائدها
وشيخ البهرا في العالم هو اليوم مولانا طاهر سيف الدين، وهو الذي يقيم على جماعاتها في كل بلد توجد بها شيخاً من قبله يأتمرون بأمره وينتهون بنواهيه - وقد رأيت أول من رأيت من أولئك الشيوخ، في عدن، بعد أن علمت أنه من أجل أهل الإقليم مقاماً، ومن أرفعهم شأناً، فإذا رجل يحف به الوقار، ويتهلل وجهه الذي استتر نصفه خلف لحيته البيضاء، بالبشاشة والأنس، حديد البصر، أخضر الأحداق، أبيض اللون، نحيل الجسم بعض النحول، يستر رأسه بعمامة بيضاء ويبتسم عن سنين أو ثلاث في فمه، فقد بلغ بالستين مبلغ الشيوخ - ولعل أبرز ما في الشيخ لحيته الطويلة ولسانه لعربي المبين: أما لحيته فكأنها قطن منقى، يتفرق على صدره خصلاً رقيقة منفوشة، إن تكلم اهتزت أطرافها، واتبعت في اهتزازها حركات فمه، كأن بين لسانه ولحيته صلة من فضل ومن وقار. وكأنما عاهد الشيخ نفسه على ألا ينطق بغير العربية الفصحى، فما سمعه الناس متكلماً إلا بها، وقد حاسب نفسه على الضمة والفتحة حساباً عسيراً
ولقد كنت في جملة من دعاهم الشيخ إلى مأدبة عشاء أقامها في دار البهرا بعدن، وهي من أفخم دور المدينة وأكثرها أناقة، تجمع بين منزل الشيخ والمسجد الخاص الذي لا يصلي فيه غير البهرا، ولا تصح صلواتهم في سواه. والشرفة الفسيحة التي يستقبل الشيخ فيها زواره، تحف بها حجرات كثيرة أعدت لشؤون الطائفة، وقد بنيت هذه الدار على نفقة (البهريين) المقيمين في عدن، وعددهم لا يجاوز الألف، كلهم ملتحون
كانت الشرفة الرحيبة التي هيئت ليستقبل الشيخ فيها ضيفه مفروشة بالحصير، وفي صدرها صفت الوسائد إلى الجدار، واتكأ على أوسطها صاحب الدار، ويطلق عليه في
стр. 8688
أساليب (البهرا) اسم (الداعي) لأنه أحد هؤلاء الدعاة العديدين الذين يكل الشيخ الأكبر إلى نشاطهم البارع، وذكائهم الخلاب أمر الدعوة إلى اعتناق هذا المذهب من مذاهب الشيعة في جهات كثيرة من أنحاء العالم، فكان الرجل لا ينهض من مجلسه إلا ليستقبل المدعوين من غير جماعة (البهرا) بينما يقبل المدعوون من هذه الجماعة وفيهم من يدخلون في وجوه عدن وخير تجارها، فيقدمون على الشيخ وهو مستو في مجلسه، حتى إذا صار كل منهم قيد خطوة منه انحنى كانحناء المصلي، وكاد يلمس الأرض بيمينه، ثم رفعها إلى مفرقه، وتراجع إثر ذلك إلى مجلسه من المكان
وطفق الشيخ يتحدث إلى خاصة مدعويه وأقربهم إلى مجلسه، وهو لا يفتر عن رعاية المدعوين جميعاً، يقسم بينهم بشاشة محياه، ويلقي عليهم من نظرات عينيه أشعة تحمل في حرارتها معاني الشكر والترحيب والرعاية، وإنك لتنظر إلى هاتين العينين فتلمح في إشراقهما عواطف الحدب والرفق والإشفاق
اكتمل المدعوون عداً في أربعة صفوف طوال ثم دار اثنان أو ثلاثة من البهرا بأباريق الماء بين الصفوف يصبون منها على الأيدي، وفي إثرهم حملة المناشف، وفي دقائق معدودة غسلت الأيدي جميعاً، وتهيأ القوم لاستقبال الطعام. وما هي إلا برهة يسيرة حتى مد المتطوعون للعمل من أبناء الطائفة سُمطاً طويلة من قماش أبيض على أديم المكان، ثم صفوا فوقها أطباقاً رحيبة من الليف، وثبتوا على كل طبق قاعدة أسطوانية جوفاء ترفع أخونة الطعام
انتظم المدعوون حول الموائد، وكنت في مائدة الشيخ، فلم نلبث أن توسط خواننا إناء صغير من البلور فيه ملح مجروش يضرب إلى الاحمرار، ولقد ماثلت جميع الأخونة خواننا فيما عليه، ولم يعسر على أن أدرك أن لابد للتقاليد البهرية من يصيب فيما يحتوي عليه هذا الإناء، ولم أتبين أنه الملح، وحرك الفضول يدي فتناولت أصابعي حصوات منه، فلم تكد تبلغ فمي حتى أحسست كأنما مسني عقرب
وقال الشيخ في صوت جهير بعد البدء بسم الله الرحمن الرحيم، وهو يضع سبابة يمناه وإبهامها في الإناء: (ليكن الملح فاتحة طعامنا حتى يكون بيننا) فإذا الجمع كله يذوقه. . . وجيء بجفان الأرز فكانت تقلب في الخوان جفنة تلو جفنة حتى اكتظ على سعته، ثم
стр. 8689
حملت صحاف الأطعمة إلى الشيخ، فكان يتناولها ويضعها بين يديه تحت المائدة، ثم يتولى سكب ما فيها على الأرز واحدة بعد واحدة، بين برهة وبرهة، وهو لا يفتأ يذكر الله ويذكر باسمه كلما فعل، فأما حرصه على أن يضع الطعام بيديه بين أيدي الطاعمين فلعل سببه أن أبناء طائفته يلتمسون في ذلك خيراً وبركة. . . بل لقد خيل إلي أنني أجد ما يلتمسون كلما رأيت الشيخ يخرج مما بينه وبين المائدة صحافاً من الطعام كان يشغلني ما أنا فيه، وربما شغل غيري عن رؤيته وهو يتناولها من الخدم المتطوعين. . . وكأنما كانت بسملته المرتفعة الرهيبة التي تصاحب يديه كلما ارتفعتا وبينهما لون من ألوان الطعام في طريقه إلى الأرز، توحي إلى الناس أنه يستنبته مما بينه وبين المائدة، وكان الطاعمون جميعاً يتناولون الأرز بأصابعهم إلا من طلب الملعقة من خاصة الضيوف
وما إن فرغنا من الطعام حتى عاد الناس إلى مجالسهم صفوفاً وطيف عليهم بأباريق الماء فغسلوا أيديهم، ثم بالمناشف فجففوها، ومرت دقائق معدودة، ثم أقبل الخدم يمرون بين الصفوف ينثرون عليها ماء الورد، ويبدون بعده زجاجات من عطر عربي فياح، فتمتد الأيدي، وتنال كل كف حظها منه، وفي إثر هذا وذاك يمضي حملة البخور في طريقهم وهم يديرون أوانيها حول الرؤوس ثم يدخلونها تحت الأثواب، فيتصاعد بخار المسك والعود من فتحاتها. . . وثم شيء اسمه (التمْبُل) وهو ورقة شجرة هندية تعرف بهذا الاسم، تطوى على مزيج من توابل مرة المذاق جميلة الرائحة، يقال إن بينها نوعاً مخدراً، يمر بهذا التمْبُل بين الصفوف رجال من البهرا، فيحبون كل مدعو بواحدة إلا من رفض، فما إن يطبق المرء عليها فكيه حتى تروعه منها مرارة بالغة، ولقد روعتني أكثر مما روعتني ملوحة الملح، فتلفت أبحث عن وسيلة للخلاص منها، ولما لم أجد حثثت أسناني على مضغها حتى أستطيع ازدرادها، وإن هي إلا دقيقة أو بعضها حتى خفت وطأتها على لساني، وما فتئت تخف حتى زالت، وهي تزدرد بعد ذلك فتتعطر بها روائح الأفواه، وتطيب أنفاسها. وغادرنا دار الشيخ وفي أثوابنا شذى المسك، والعود، وفي وجوهنا عبير ماء الورد، وفي أكفنا نفح الطيب، بل وفي أفواهنا أريج القرنفل. . . فكأنما لمسنا نسيماً رفيفاً من نسائم الجنة، يمضي في طريقه فيهمس في آذان أهل الأرض بما ينقله عن أهل السماء
стр. 8690
ولقد كان لي مع الشيخ بعد ذلك في مجالس أخر حوار لعله لم يسغه، ولم يقبل على الاشتراك فيه راضياً؛ فقد كنت أتبين رغبته عنه في صعوبة خلال أدبه الجم. . . ولكن طالب العلم من السفر حريص على أن يطل بعقله على كل ما عسى أن تراه عيناه
القاهرة
محمد نزيه
стр. 8691
من ذكريات مصر
ساعات مع الكاظمي
للأستاذ كمال إبراهيم
مات الكاظمي! فطويت بموته للعبقرية صفحة زاهرة، كانت سامية المثال، علوية الروح، عراقية النشأة؛ نمت نبتتها متسقة الأصول على دجلة المبارك، وعلت دوحتها مبسوطة الأفانين على ضفاف النيل السعيد؛ وما زالت تصوب إلى السماء صعداً حتى اجتاحها للمنية إعصار شديد، فجالدها أعواماً، وغالبها أياماً، حتى هوى بها من باسق الذرى إلى الأرض، حيث النهاية التي لا تراغم، والقدر غير المدفوع
مات الكاظمي! فسكت لسان عربي مبين، كان فخر لغة الضاد، وحادي الأبناء إلى المجد، وباعث العزائم في الخطوب السود؛ وكان لسان العروبة الناطق بحقها في حياتها، ومخذمها المذرب عند الخصام، فكم ذاد عن الحسب الكريم، ونافح عن الحق الهضيم، وتغنى بالمجد القديم، يوم لم نكن نجد في هذه الأمة إلا الخافر لذمتها، والمنتهك لحرمتها، والكافر بنعمتها، والمظاهر لأعدائها عليها
وا لهفتا على العروبة الهضيمة! لقد أخرس الردى شاعرها الصيداح، فاشتملت بالأسى أباطح الحجاز، وصوحت أزاهير اليمن الخصراء، وحالت ربى حائل والرياض، وجلل السواد سواد العراق، وفاضت عيون النيل، وجرت باكية معولة عيون الشام ومحاجر لبنان، ترجع أنغامها الحزينة بنات الهديل بين لفائف الأغصان. .
كان الشعر العربي قد بلغ من الإسفاف الحضيض، فعدت به عن مجاراة الحياة أثقال تلك الصناعة الممقوتة التي حملها إياه شعراء الفترة المظلمة، وضيقت عليه الخناق تلك القيود المحكمة من زخارف اللفظ وبهارج البديع وأفانين الصناعة، حتى أخرجته عن طبيعته، وزاغت به عن سمته، فجاء متكلفاً نابياُ، وغثاً بالياً وجامداً بغير روح، لولا ذماء ضعيف يشعر ببقية الحياة. كان الشعر كذلك، وكانت البيئة الأدبية في العراق متأثرة كل التأثر بشعر (الأخرس، وصالح التميمي، والشاوي، والحبوبي، وأضرابهم) حتى أتاح القدر للشعر من نفخ فيه من روحه؛ فأطلقه من عقاله، وأنهضه من كبوته، وسما به صعداً إلى السماء يرف بجناحين من نور، بعد أن كاد يحثى عليه التراب في حفير مظلم عميق، وكفى
стр. 8692
الكاظمي سبقاً أنه بذ المتأخرين ومعظم المتقدمين في ارتجال الشعر من غير كلفة في أي غرض، تستقيد له شوارد القوافي بديهة حاضرة، وذاكرة نادرة، وحافظة وعيت من شعر الأولين عيونه، وما أجدر شاعرنا أن يكون لسان حاله ما قال (ابن هانئ الأندلسي) عن نفسه:
ما ضرني إن لم أجئ متقدماً … السبق يعرف آخر المضمار
وإذا اغتدى ربع البلاغة بلقعاُ … فلرب كنز في أساس جدار
وكما كان الكاظمي السابق في حلبة البيان، كان كذلك علو كعب في ميدان الجهاد والإصلاح. عرفت منه هذه النزعة وهو طرير لم يكتهل، وغرير لم يعجم حوادث الزمان، فكان صوته في الإصلاح يرن في مجتمعات بغداد، ولكنه كان قليل العائدة، حتى قدم الزوراء إذ ذاك رجل الإصلاح المشهور (الشيخ جمال الدين الأفغاني) فوجد شاعرنا فيه ضالته، فكان من أشياعه، فضاقت عليه البلاد بما رحبت، وقذفت به نوى شطون، شرق فيها وغرب، حتى احتضنته (مصر)؛ فألقى بها عصاه
وبوادي النيل الجميل حيث القوة تصارع الحق، والظلم يناهض العدل، والحرية تنتحب، يأبى الكاظمي إلا الصدع بالحق، فيقارع الاستعمار، ويتغنى بالحرية، ويشيد بمجد العرب الضائع، حافزاً للأبناء على استرداد ذلك المجد؛ وخلصت له في مصر صفوة ممتازة من أعلام البيان وقادة الفكر وزعماء الأمة، عرفوا له فضله، فصدقوه الولاء، وأحلوه السويداء. واستوثقت الصلات بينه وبين (الوفد المصري) فكانا لساناً من ألسنته مشرعاً لا ضد حزب من الأحزاب، ولكن ضد سياسة الاستعمار فحسب. . .
عرفت الشيخ الكاظمي أول هبوطي مصر (عام ١٩٢٩) فكنت أسأل عنه من أتعرف إليهم، حتى أرشدني (محرر بالأهرام) إلى داره في (مصر الجديدة) فذهبت إليه في لمة من الإخوان، جئنا إليه من بلده، ومسقط رأسه. فما كان أشد ابتهاجه بنا، وطربه بمقدمنا، لقد استعاد بتلك الزيارة ذكريات ماضيه حلوة في العراق. فكان ﵀ يحدثنا عن أيامه تلك بشوق وإقبال ليس فوقهما مزيد
وقد كانت داره مصاقبة لدار أستاذنا المرحوم (الشيخ عبد المطلب) وكانت بينهما صلة وثيقة، وصداقة قل أن تعرف بين الأصدقاء، فكنت أقصد (مصر الجديدة) في الغالب لزيارة
стр. 8693
الشيخين وتجديد العهد بهما؛ فأقضي ساعات هي أمتع ما تكون للنفس، وأشهى ما يلذ للعقل، ويقرأ عليّ شاعرنا ما استجد له من شعر
ما أنس لا أنس تلك الأيام السعيدة التي كنت أخرج فيها مولياً وجهي شطر (هليوبوليس) يحدوني الشوق إلى تلك العبقرية الفياضة، والصفحة النادرة، والشخصية الفذة، فأجلس إلى الشاعر، أتلقف من حكمته، والتقط من درر فوائده وجواهر فرائده، وشاعرنا محدث كما هو شاعر، يهدر كالسيل إن أفاض في الحديث، يصله ببعضه، ويزن مجلسه بطرائف الأخبار، وروائع الحكم، وأوابد الملح والمفاكهات؛ فلا تكاد تسأم له لهجة، ولا تمل منه لغة. وكان ﵀ حريصاً على أن يكشف لنا عن صفحات القضية العربية في عهدها الأخير ويجردها بغير طلاء، ويجلو لنا حقائق التاريخ ناصعة غير مموهة، ويبعث فينا من روحه لمواصلة العمل والجهاد. . .
لقد كان شاعرنا ذخراً لأمته، ولكنه كان مضاعاً تنكر له وطنه الأول كما تنكر له دهره، وظل وفياً لهذا الوطن يلاحي عنه بمهجته، على حين لم يجد منه طوال حياته غير الجفاء ونكران الجميل، ظل وفياً له حتى قضى نحبه. فلما قضى نحبه جئنا بعده نذرف الدمع عليه نادمين. . .
فاذهب كما ذهب الوفاء فإنه … عصفت به ريحاً صبا ودبور
(بغداد)
كمال إبراهيم
خريج دار العلوم
стр. 8694
دراسات في الأدب الإنجليزي
المذهب الواقعي وفن الدرامة
بقلم محمد رشاد رشدي
في المسرح الأغريقي:
أول ما يتبادر إلى ذهن الباحث في هذا الموضوع أن ينقب عن الواقعية في عناصر الدرامة الثلاثة: في الموضوع والأشخاص والأسلوب. غير أن نسبة الواقعية في كل من هذه الأجزاء قد تختلف نظرياً - أي فيما يكتبه نقاد العصر عن الفن المسرحي - عما يباشر عملياً فوق مسرح العصر. ولذلك رأينا من الأوفق في معالجة هذا الموضوع أن نلقي نظرة سريعة على النقد المسرحي نتبعها بمطابقة هذا النقد للمسرح نفسه. والناقد الوحيد الذي نستطيع الاعتماد عليه في حديثنا عن المسرح الإغريقي هو أرسطو. .
كتب (أرسطو) في رسالته عن الشعر يتحدث عن الواقعية في الموضوع قال: (يتضح مما سبق أن مهمة الشاعر هي أن يصف - لا الشيء الذي حدث - بل الشيء الذي من المحتمل وقوعه - أي مال قد يكون ممكناً أو ضرورياً). وعلى هذا فوحدة الموضوع إنما تنشأ من مبادئ الواقعية الأساسية؛ فحوادث القصة يجب أن يتصل بعضها ببعض اتصالاً ممكناً أو ضرورياً تحتمه ظروف القصة نفسها وجوها الخاص بها. وكتب هذا الناقد عن أسلوب القصة المسرحية، قال: (يمكننا الآن أن نرى أن على الكاتب أن يخفي نفسه حتى يستطيع أن يتحدث طبيعياً لا صناعياً). ومن الجدير بالذكر هنا أن الأثر الذي يحدثه أسلوب (شكسبير) على المسرح لا يختلف واقعياً عن الأثر الذي يحدثه أسلوب (أوسكار وايلد) - أو (كونجريف) أو (شريدان) أو (برنادشو). أما عن شخصيات الدرامة فقد قال أرسطو: (من البدهي أن أشخاص القصة إما أن يكونوا أشخاصاً صالحين أو طالحين - ويتبع هذا أن بطل القصة إما أن يكون فوق مستوانا الخلقي والاجتماعي، أو تحت هذا المستوى - أو في نفس المستوى ومثلنا تماماً - غير أن من يتأمل الدراسة الإغريقية لا يجد فيها متسعاً لهذا الصنف الثالث من الشخصيات التي هي في مستوانا ومثلنا تماماً - على أن ذلك لا يمنع أن يكون للدرامة الإغريقية الحظ الأوفر من الواقعية، وان تكون بعيدة
стр. 8695
بعداً شاسعاً عن كل ما هو رمزي أو مثالي. وقد يبدو هذا مخالفاً للمألوف - غريباً - غير أننا سنحاول بسطه وتفصيله
(فالتراجيدية) الإغريقية تعالج في مجموعها ماضي الإغريق واساطيرهم؛ وهي لذلك يمكن أن تعد في القصة التاريخية - ويتضح قولنا هذا أن استطعنا تصور جماعة المتفرجين في مسرح أثينا، عند ازدهار الدرامة وانتشارها. فقد كان هؤلاء القوم على قسط من البداوة يسمح لهم بان يعدوا كل ما نظمه الشعراء من قصص الآلهة وأنصاف الآلهة تاريخاً قومياً لبلدهم وشعبهم؛ وان ما نراه نحن اليوم غريباً خرافياً في شعر أولئك الشعراء مثل ظهور الآلهة على المسرح، أو انبعاث الأشباح من قبورها، لم يكن هكذا غريباً أو خرافياً عند الإغريق الأوائل، بل كانت حقيقة تروى وتاريخاً يقص - نسبة إلى دينهم وحياتهم وقوة خيالهم الطفل - أما أن الدرامة التاريخية هي اقرب أنواع هذا الفن إلى الواقع والحياة فهذا مما لا ريب فيه - وقد كتب الناقد الإنجليزي (كولريدج) يقول (لأجل أن تكون الدراسة حقيقة تاريخية يجب أن يعالج موضوعها تاريخ القوم الذين تمثل لهم وتقص عليهم، - ونحن إذا أنعمنا النظر قليلاً وجدنا أن من الصعب أو من المستحيل أن تنشأ لشعب عاطفة وطنية ما لم يكن هذا الشعب على علم - ولو خاطئاً - بتاريخه وتاريخ بله - ومن هذا ينتج أنه في الدرامة التاريخية تكون العلاقة بين حوادث القصة على المسرح وبين المتفرج على مقعده قوية متصلة أقوى منها في أي نوع آخر من الأدب المسرحي. ومن المشاهد أن الكاتب المسرحي يتوخى ذكر هزائم التاريخ وسقطات الأبطال وفشلهم، فان هو ذكرها فإنما يذكرها معكوسة فلا توحي إلى نفس المتفرج يائساً ولا خيبة، ولكن تشعلها حماسة ووطنية، وإنا لنذكر حظ الشاعر الأثيني البائس الذي بنى قصته على فشل (أثينا) البحري في حربها مع (إسبرطة)، فكانت النتيجة أن الزمه قومه بدفع قسط من المال كبير عقاباً له وتأديباً وظهاراً لاحتجاجهم وسخطهم. فخلال هذا الشعور الذي تتاجج به نفس المشاهد، وخلال إحساسه بوحدة بلده وقوميته واتصال ماضيه بحاضره تقوي حوادث القصة التاريخية على المسرح إحساسه هو بنفسه وكيانه كما يقوي وجوده هو حقيقة القصة وصحتها ولونها الواقعي. ومهما يكن في المسرحية التاريخية من شذوذ أو بعد عن الإمكانية فان لونها الواقعي يظل أقوى الألوان جميعاً مادام التاريخ يكسوها ويظللها بظله
стр. 8696
غير أن هناك مأخذاً واحداً، هو أن أبطال تلك المسرحية هم دائماً أبداً فوق المستوى الاجتماعي العادي
الدرامة الرومانية:
لم تتقدم (التراجيدية) عند الرومان عما كانت عليه عند أسلافهم الإغريق - إن لم تكن قد انحطت وضعفت؛ أما في (الكوميدية) فقد كتب الناقد اللاتيني (دوناتس) ما يدهش له أقطاب المذهب الواقعي الحديث، قال: (الكوميدى هي مرآة الحياة البشرية) - وهو يذكر في موضع آخر أن (الكوميدية) تصف أشخاصاً معينين تتكون حياتهم من حوادث بسيطة عادية، في حين أن (التراجيدية) تختار لمسرحها قاعات الملوك الذين تتكون حياتهم من حوادث جسام ذات أثر خطير. وقد أصبحت مطابقة (الكوميدية) الرومانية للحياة والواقع أمراً مشهوراً عند كل من قرأها، فأسلوب كاتبيها (ترنس) و (بلوتس) هو أقرب أساليب الآداب القديمة إلى اللغة اليومية، كما أن جل أبطالها هم من الطبقة الوسطى، وحوادثها بسيطة عادية قد تقع كثيراً للقارئ أو للمشاهد في حياته الخاصة
إلى هذا الحد كانت (الكوميدية) الرومانية تطابق الواقع، غير أنا نشاهد فيها اتجاهاً غريباً يتنافى مع صبغتها الواقعية - وأعني به (تصنيف الشخصيات) - وينحو هذا الاتجاه نحو اختيار مثل خاص لكل شخصية من الشخصيات. فللابن مثل خاص معروف به لدى كل كتاب المسرح ورواده - كذلك لكل من العبد والأب والعاهر وكل شخصية يتكون منها المسرح مثل خاص؛ فلكل منهم أحاديث خاصة، وملابس خاصة، وصفات خاصة يعترف بها الجميع، حتى أن لونهم الإنساني وصبغتهم الواقعية تكاد تكون معدومة على المسرح
الدرامة الإنجليزية في عصر شكسبير:
ازدهرت الدرامة في هذا العصر بأنواعها الثلاثة: التاريخية والبيتية والشعرية أو الغرامية. أما النوع الأول فقد سبق أن تحدثنا عنه وسنتحدث الآن عن اللون الواقعي في كل من النوعين الآخرين
يحسب الكثير من الناس أن الشعر يتعارض مع الحياة والواقع، وأن القصة الشعرية يجب أن تكون بعيدة كل البعد عن الحياة، وخالية كل الخلو من اللون الواقعي؛ غير أن هذا الظن
стр. 8697
- في رأيي - خاطئ كل الخطأ
وإن أوضح تعريف للشعر أن نقول أنه ترتيب تجارب الشاعر في الحياة ترتيباً خيالياً عكس كل ترتيب لآخر فكري أو فلسفي. والشعر على العموم يأخذ شكلاً من تعبيرين: فهو إما أن يأخذ شكل الأسطورة، أو شكل المجاز والصورة، أو شكل الأسطورة والمجاز معاً. فشعر (ملتون) مثلاً يأخذ شكل الأسطورة، وشعر (دن) يأخذ شكل المجاز والصورة. أما في مسرحيات (شكسبير) العظمى فالشعر في القصة نفسها - في الموضوع - قبل أن يكون في الكلام والصورة - ونحن إن قصرنا الشعر على الكلام والألفاظ وجردنا منه موضوع القصة فاخترناه موضوعاً نثرياً مما قد يقع كل ساعة وكل يوم كان الأثر الذي لابد أن تحدثه القصة أثراً ضعيفاً بعيداً عن الواقع والحقيقة؛ وليس معنى الواقعية أن تكون القصة خالية من الشعر، فوجود الشعر لا يمنع وجود هذا اللون، بل هو يقوه ويزيده نضرة ووضوحاً؛ ويكفي أن يفكر المشاهد في نفسه أنه لو حدث له مثل ما يرى في القصة أمامه، ولو كانت له من الصفات مثل ما للبطل نفسه فسيحدث الحادث بنفس الطريقة، ومثلما حدث للبطل تماماً. . .
وقد يعترض البعض بأن اللغة الشعرية تجرد الكلام من لونه الواقعي - ولكن من منا قد دهش لروميو يتحدث شعراً، أو (لهاملت) يناجي نفسه ويحدثها حديثاً؛ لو أن (شكسبير) صاغه صياغة غير الشعر لجاء باهتاً، وضعيفاً، لا يؤدي معنى، ولا يحمل صورة. وإن من يقرأ قصة شكسبير (أنطونيو وكيلوباتره) ثم يقرأ بعدها قصة شو (قيصر وكليوباترة)، والأولى شعر والثانية نثر - ليرى إلى أي حد استطاع شكسبير أن يكسو القصة بشعره لوناً واقعياُ قوياً، في حين أنه لا يتمالك نفسه من الضحك أو ذوقه من النفور عندما يسمع (كليوباتره) تودع قيصر قائلة: ,
فلأجل أن يكون الشاعر واقعياً يجب أن يكون الشعر في عناصر قصته الثلاثة: في موضوعها وأبطالها وأسلوبها؛ وإن من يتأمل (شكسبير) من كل نواحيه يتضح له أن الشاعر الكبير كان إمام الواقعيين وسيدهم، فهو يسمعك شعراً ولكنه شعر يصف الحياة أدق وصف - حياة الجسم وحياة الروح - وأنت تحس وأنت تقرأه أن (ياجو) ما كان ليستطيع أن يقول غير ما قاله، أو يفعل (هملت) غير ما فعله
стр. 8698
ولقد قرأت قصة (مكبث) مراراً، فكنت في كل مرة أقف مبهوتاً أمام هذه السطور يحادث بها (مكبث) نفسه بعد أن منته الساحرات أمانيهن الخلابة، فأصبح في حيرة من أمره وأضحى خياله ملتهباً، وعقله مشتتاً:
(المخاوف الحاضرة أقل عناء من التخيلات الواسعة البعيدة، وإن عقلي الذي لم يقتل بعد كل القتل - يعصف هكذا بكياني كله - حتى لقد قبر الفكر في الحلم والتخيل، ولم يبق كائناً أمامي غير كل ما هو ليس بكائن). أقول إن شاعراً غير (شكسبير) ما كان يستطيع أن يعطينا وصفاً أدق من هذا، وأكثر مطابقة للواقع والحقيقة، لو استطعنا تأمل حالة (مكبث) الذهنية وهو يلفظ تلك الكلمات - و (شكسبير) دائم الجهد في أن يصبغ قصصه باللون الواقعي، فتراه في أعظم قصصه (التراجيدية) يدخل فصولاً وأشخاصاً مضحكة خفيفة، تقرب ما بين جو القصة وبين جو الحياة العادية - والأثر الواقعي الذي ينشأ من هذا لا ينتج من أن المضحك والمبكي يسيران جنباً إلى جنب في حياتنا، بل لأن اللون الواقعي في الشخصية المضحكة أشد وأظهر منه في شخصيات (التراجيدية)
فالشخصية المضحكة هي في الغالب تحت مستوانا الاجتماعي، ولذلك نميل نحن إلى تصديق صحتها والاعتقاد بوجودها أكثر من ميلنا إلى الاعتقاد بوجود شخصية أو شخصيات فوق مستوانا؛ ومن هذا كان (شكسبير) يستخدم أهل الطبقة الدنيا ليصبغ الكثير من قصصه بلون واقعي؛ خذ مثلاً شخصيتي حافري القبور في (هملت)، والبستاني في (ريبشارد الثاني)، وجماعة الممثلين القرويين في (حلم منتصف ليلة صيف)، وظهور شخصية (فالستاف) الفكهة بعد كل من المعركتين في (هنري الرابع)، وظهور شخصية المهرج (النول) في منظر العاصفة في (الملك لير)؛ والأمثلة غير هذه كثيرة، كما أن (شكسبير) لا ينهي رواية بنهاية حوادث القصة الأساسية، بل يعرض عليك فصلاً، وربما عرض فصولاً لا قيمة لها في القصة، غير أنها تكسبها لوناً واقعياً يدلك على أن الحياة ما زالت كما هي بعد موت بطل الرواية أو بطلتها
محمد رشاد رشدي
بكالوريوس بامتياز في الأدب الإنجليزي
стр. 8699
محاورات أفلاطون
الحوار الثالث
فيدون أو خلود الروح
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
قال: الحكاية يا صديقي هي كما يأتي: فأولاً إذا نظرت إلى الأرض من أعلى رايتها تشبه إحدى هذه الكور التي تكسوها أغشية من الجلد في اثنتي عشر قطعة، وهي مختلفة الألوان، فليس ما يصوره المصورون في هذه الدنيا من الألوان إلا مثال منها، أما هنالك فالأرض كلها مصبوغة بها، وهي اشد لمعاناً ونصاعة من ألواننا، فثم أرجواني عجيب الرونق، وثم ذهب يتألق، والأبيض في أرضها انصح من كل ثلج أو طباشير. تلك الأرض مصبوغة بهذه الألوان وغيرها، وهي اكثر عدداً وأروع جمالاً مما وقعت عليه عين الإنسان، والفجوات نفسها (التي كنت أتحدث عنها) يغمرها الهواء والماء، فتراها كالضوء الوامض بين سائر الألوان، ولها لون خاص بها يخلع على تباين ما في الأرض نوعا من التآلف، وكل شيء مما ينمو في هذه المنطقة الجميلة - أشجار وأزهار وفاكهة - اجمل - بنفس الدرجة - من إضرابه هنا؛ وثم تلال، صخورها اشد صقلاً، واكثر شفافية، واجمل لوناً - بنفس الدرجة - مما نغلو بقدره عندنا من زمرد وعقيق ويصب وسائر الجواهر التي أن هي إلا نثرات منها ضئيلة، فالأحجار كلها هنالك كأحجارنا الكريمة، بل أروع منها جمالاً؛ وعلة ذلك إنها نقية، وإنها لم تفسدها ولم تبرها العناصر الملحة الفاسدة، كما فعلت بأحجارنا الكريمة، تلك العناصر التي خثرت عندنا فتولد منها الدنس والمرض في التراب وفي الصخور على السواء، كما تولدا في الحيوان والنبات، تلك هي جواهر الأرض العليا، وفيها كذلك يسطع الذهب والفضة وما اليهما، وليست تلك الجواهر بخافية عن العين وهي كبيرة وكثيرة، وتوجد في مناطق الأرض جميعاً، فطوبى لمن يراها. ويعيش فوق الأرض ناس وحيوان، منهم من يستوطن إقليما داخلياً، ومنهم من يسكن حول الهواء، كما نسكن نحن حول البحر، ومنهم من يعيش في بلد يتاخم القارة، ويهب حوله الهواء. وجملة الأقول انهم يستخدمون الهواء كما نستخدم نحن الماء والبحر، وللأثير عندهم ما للهواء عندنا؛ هذا
стр. 8700
وحرارة فصولهم هي بحيث لا يعرفون معها مرضاً، فيعمرون أطول بكثير مما نعمر نحن، ولهم بصر وسمع وشم، وسائر الحواس كلها، وهي ابعد كمالاً من حواسنا بنفس الدرجة التي بها الهواء أنقى من الماء، أو الأثير أصفى من الهواء. كذلك لهم معابد وأماكن مقدسة فيها يقيم الإلهة حقاً، فهم يسمعون أصواتهم ويتلقون إجاباتهم، وهو يشعرون بهم ويديرون بينهم وبين أنفسهم أطراف الحديث، وهم يرون الشمس والقمر والنجوم كما هي في حقيقة امرها، وعلى هذا النحو كل ما هم فيه من أسباب النعيم
تلك هي طبيعة الأرض كلها، وما حول الأرض من أشياء وفي الفجوات التي على ظهر الأرض أصقاع متباينة، بعضها اعمق وأوسع من فجوتنا التي نقيم فيها، وأخرى اعمق وأضيق فوهة منها، وبعضا أوسع واقل عمقاً، وتربطها جميعاً بعضها ببعض ثقوب عدة وممرات عريضة وضيقة في باطن الأرض. وهنالك يتدفق فيها ومنها - كما يتدفق في الأحواض - تيار عظيم من الماء، وثم مجار ضخمة لانهار تحت الأرض لا ينقطع جريانها، وينابيع حارة وباردة، ونار عظيمة، وانهار كبيرة من النار، ومجار من طين سائل، منها الرفيع والسميك (كأنهار الطين في صقلية وما يتبعها من مجاري الحمم) فتغمر المناطق التي تتدفق حولها. وهنالك في باطن الأرض نوع من الذبذبة يحرك هذا كله إلى أعلى والى اسفل، والحركة الآن في هذا الاتجاه: وبين الفجوات هوة هي أوسعها جميعا، تنفذ خلال الأرض كلها، وهي التي وصفها هوميروس بهذه الكلمات:
(أن أغور تحت الأرض جد سحيق)
وقد أطلق عليها في مواضع أخرى اسم جهنم، وكذلك فعل كثير غيره من الشعراء. وسبب الذبذبة هو تلك الأنهر التي تتدفق في هذه الهوة ومنها، ولكل منها طبيعة التربة التي تجري فيها، وإنما كانت تلك الأنهار دائمة التدفق دخولاً في الهوة وخروجاً منها لان عنصر الماء ليس له قاع ولا مستقر، وهو يعج ويهتز صعوداً وهبوطاً، وهكذا تفعل الريح والهواء المحيطان به، إذ هما يتبعان الماء في صعوده وهبوطه وفي اندفاعاته فوق الأرض هنا وهناك، مثل ذلك مثل الشهيق والزفير لا ينقطعان حين نتنفس الهواء، وباهتزاز الهواء تبعاً للماء دخولاً وخروجاً نشأت عنها العواصف المروعة القاصفة: فإذا ما تراجعت المياه مندفعة إلى الأجزاء السفلى من الأرض - كما تسمى - انسكبت في تلك المناطق خلال
стр. 8701
الأرض وغمرتها، كما يحدث إذا تحركت مضخة الماء الحركة الثانية، فإذا ما خلفت تلك المناطق وراءها وكرت إلى هنا مندفعة، فأنها تملأ ما هنا من فجوات مرة أخرى، حتى إذا امتلأت هذه، فاضت تحت الأرض في قنوات لتلتمس سبيلها إلى أمكنتها العديدة؛ فتكون بذلك البحار والبحيرات والأنهار والينابيع، ومن ثم تفور في الأرض ثانية، فيدور بعضها دورة طويلة في أراض فسيحة، ويذهب بعضها إلى أمكنة قليلة وإلى المواضع القريبة، ثم تهبط مرة أخرى إلى جهنم، فيبلغ بعضها حداً دون ما كان ارتفع إليه بمقدار كبير، ولا يهبط بعضها الأخر دون ذلك الحد هبوطاً كثيراً، لكنها جميعاً تكون أوطأ من نقطة الانبثاق إلى حد ما، ثم ينهمر بعضها ثانياً في الجانب المقابل، وينهمر بعضها الأخر في الجانب نفسه، ويدور بعضه حول الأرض في ثنية واحدة أو في عدة ثنايا تشبه حنايا الثعبان، وتنزل ما استطاعت النزول، ولكنها دائماً تعود فتصب في البحيرة، إما الأنهار التي على كلا الجانبين فلا تستطيع النزول إلى ابعد من المركز، لان في الجانب المقابل لهذه الأنهار هاوية
(يتبع)
زكي نجيب محمود
стр. 8702
على دار النيابة
للأستاذ فخري أبو السعود
يا دارُ قد عبثتْ بكِ الأقدارُ … وبغى عليك المعشرَ الأشرار
عُطِّلْتِ في رَيْع الشباب وصُدَّ عن … ناديك ظلماً رهطك الأبرار
وخَلَوْتِ حتى صرتِ ربعاً موحشاً … يُشجي النفوسَ حِيَالة التذكار
لم يبقَ منكِ - وَلمْ يَطُلْ بِكِ عَهْدُنا - … يا دارُ إلاَّ الرَّسْمُ والإخبار
غاضتْ بشاشَةُ صفحتَيكِ وإن تكُنْ … حفَّتْ بكِ الأغصانُ والأزهار
وعَلَتْ لِوَاَءكَ ذلةُ وكآبة … ولغَيْرِهِ التبجيلُ والإكبار
مهجورة في مواطنٍ عَمَرتْ به … للظالمين الآثمين ديار
وُئِدَتْ بِكِ الآمالُ في إبَّانها … وخبا ضياءٌ للهُدى ومَنَار
ما كان يبَغيكِ اللئَامُ بِريبةٍ … لو صَدَّ عنكِ الجحفل الجرَّار
للهِ رهطُ فيكِ أمْسِ تَجَمعَّوا … تَرْضى الكنانُة سَعْيَهم، أَخْيارُ
من كلِّ عال النفس أرْوَعَ مالَهُ … في الدَّهر إلاَّ مَجْدَ مِصْرَ شِعَارُ
لا يَطَّبيهِ زَيْفُ جاهٍ كاذبٍ … كلا ولا يغتَّرُّهُ الدينار
خُلصَاءُ مِصْرَ هُمُ وَصَفْوَةُ آلها … والأوفياءُ لِعهدِها الأحرار
فَخَرتْ بِهِمْ مصرٌ وعَزَّتْ في الورى … وبمثلهم تتفاخر الأقطار
رهطٌ من الصِّيِد الكرام إمامهم … سعدُ الرئيسُ القائِدْ المغوار
كم رَنَّ في ناديكِ عالي صوته … بالحقِّ يَستخِذى له الفُجَّار
ما كان أفْخَمَ ذاك مظهَر سُؤْدُدٍ … لَوْ دَامَ منه سُؤْدٌدٌ وفخار
غيظَ العداةُ له وكادوا كيدهم … حتى عَلَاكِ الوهن والإِقْفَار
سَدُّوا الطريق إليك أو بعثوا بمن … لا تترضي مصرٌ ولا تختار
يا دارُ أنت رجاءُ مصرَ وفي سوى … ناديكِ ليستْ تُبْلَغُ الأوْطار
لن يستقيم لآل مصرَ بناؤُهم … يوماً ورُكنُكِ بينهم مُنْهار
مادام ربعُك موحشاً قفراً فلن … يَلْتاَمَ شَمْلٌ أو يعَّز ذمار
يَبقى بغيركِ أَمْرُهم فوضى به … يلهو اللئاَمُ ويعبث الأغرار
стр. 8703
لو يعلمون سَعَوْا إليكِ ومَّسحُوا … إما سَعَى للكعبة الزُّوَّار
حتى يعودَ الحقُّ فيكِ لِحِضْنِهِ … وَيَعِزَّ فيكِ ذمارُهم يا دار
فخري أبو السعود
стр. 8704
فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية
١٣ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا
فرديريك نيتشه
للأستاذ خليل هنداوي
ونظرة واحدة إلى المواد التي شاء أن يلم بها ترينا ما بدل صاحبها من قلبه وعقله في التحليل والاستقراء، معالجاً الأدب اليوناني وتاريخ اليونانية القديمة، والفصاحة اليونانية وتاريخ الفلسفة اليونانية حتى أفلاطون. وبعض نظرات عميقة ينفذ بها إلى بعض فلاسفة أو شعراء. وقد قدر بنفسه أنه منجز خلال سبعة أعوام أو ثمانية درس كل ما يتعلق ببراعة اليونان. واقدم على المفادة بعشر سنوات من عمره ليكمل درس المسألة اليونانية من جميع وجوهها، ولكن - ويا للأسف - ظلت هذه الأفكار صوراً مقتضبة ومقاطيع صغيرة غير كاملة. لان صحته المختلة حالت بينه وبين تقديم ما ينبغي له لمثل هذا الامر، فانثنى عن عمله هذا، ولكن الصور التي تركها تكاد لا تخفى عنا الفكرة العامة التي أراد نيتشه أن يصورها وينشرها
يعتقد نيتشه بما اعتقد به معلمه (شوبنهاور) بان جوهر الوجود هو الإرادة، وهذه الإرادة واحدة عند كل الكائنات، وهي تتجلى بثباتها وقوتها في جثمان الخليفة؛ على أن هذه الإرادة هي شقية تفتقر إلى الرحمة لأنها تثابر على الجهاد والمقاومة في هذا الوجود، وهي موقنة عالمة أن نتيجة المعركة عليها لا لها. (وهل الحياة إلا أن تريد شيئاً بدون سبب، وان تتألم دائماً، ثم لا ينتهي الألم إلا بالموت. . . وهكذا تقابل الحياة الأحياء حتى يتفطر الكون ويعمر فساده). أن الوجود في نظر العقل غير كامل، لان نواقصه كثيرة، وعنصر الألم فيه غالب على السعادة والراحة، وبهذا يقضى على العقل أن يطوي الإرادة على نفسها ويسحقها من وجوده، وإذا أنعدمت الإرادة أنعدم الوجود نفسه، لان الوجود ما هو إلا الإرادة الفعالة، ولكن نيتشه لا يذهب إلى هذه النتيجة التي أدركها (شوبن هاور). فالوجود الذي لا يكمل في نظر العقل - عند (شوبنهاور) - فانه يكمل كأثر فني يحمل إلى صاحبه الغبطة الفنية. وفي مثل هذا الافتراض الذي يفترضه نيتشه يرى من واجب كل إنسان أن يستنفد
стр. 8705
وسعه ويبذل جهده في امتلاك نصيبه من هذا الجمال، باحتوائه على ما في نفسه من معنى الجمال، وبتأمله للوجود ولنفسه بعين الجمال
أننا في ساعة الإبداع الفني نشعر بغبطة لا تحد ولا تحس إذ هي غبطة المبدع. وإذا كان الإنسان في هذه الحياة فرداً قائماً بذاته، يحيا في عالم المادة، فهو فنان بطبيعة خياله المبدع الوثاب. يستطيع أن يبدع إبداع من يخلق ويصور - أن كان فناناً مبدعاً، ويقدر أن يكون مبدعاً في تفكيره في الأثر الفني الذي يبعث في نفسه خياله الباطني، لأنه يشاطر المبدع فنه ويتحد معه في تحليقه. وهو في كلتا الحالتين متخيل صوراً وألوانا جديدة تبعث فيه الغبطة الفنية، ولا يضر هذه الصور أن تكون أخيلة أو أحلاماً، لان أجزاءها مقتبسة من الوجود، ولا ينبغي لهذه الصور أن تكون صوراً ضاحكة تملأ الجو افراحاً، فقد تكون صوراً تملأ الأفئدة ذعراً والنفوس شقاء، وتكون بعد ذلك كله جميلة. . .
هذه الخاصة العاملة على إبداع الصور والأوهام، وتغليب الناحية الخيالية على الناحية الحقيقية يدعوها نيتشه (الخاصة الأبولونية: نسبة إلى (أبولون)، والفن الأبولوني عنده هو النحت والتصوير والشعر القصصي. أن الرجل الأبولوني يستنقذ نفسه من التشاؤم باستسلامه للجمال. يقول للحياة: أنا أريدك، لأن صورتك جميلة، يجدر بها أن تكون مادة للحلم والخيال. . .
ولكن الإنسان ليس بكائن يمكن تحديده بالذاتية، أو بالانفصال، فهو كائن يشعر بنفسه كإرادة متفوقة، ويحس أنه قطعة من هذه الإرادة المتوزعة في الوجود كله، ويدرك أنه متحد مع كل ما يحيا وما يتألم، تام الاتحاد مع الوجود. والإنسان - في حالة ذهول أو سكر ناشئ عن مادة مخدرة، أو إزاء حوادث طبيعية كعودة الربيع - يشعر بان هذا الحاجز الذاتي الذي يفصله عن الوجود قد وهى وزال، ويجد نفسه متحدة مع الطبيعة كلها، وهذا الطور ما يدعوه نيتشه (الطور الديونيزوسي)، نسبة إلى الإلهة (ديونيزوس) ولغة الرجل الديونيزوسي هي الموسيقى التي يعتبرها شوبنهاور لغة الإرادة الخالدة بل صورة الرغبة الدائمة المستترة في باطن الوجود، والإنسان - في هذا الطور - يحس بالألم الشامل والوهم الباطل وشقاء الفردية، فكاد يجنح إلى التشاؤم، ولكنه يهتز قليلاً ويشعر بخلوده ويدرك أن إرادته المفصولة إنما هي جزء من إرادة الوجود، فتراه حيال كل مظهر من
стр. 8706
مظاهر الفناء، أو مصرع بطل من الأبطال، تراه يشعر بان حياة الإرادة الباقية لم تطفأ بموت البطل. إن الرجل الديونونيزوسي ينقذ نفسه من التشاؤم لأنه يبصر خلود الإرادة، والحادثات تمر والتقلبات تستمر؛ هو يقول للحياة: أنا أريدك! لأنك أنت الحياة الخالدة
وبهذين المذهبين يرى نيتشه أن اليونان قد قهروا التشاؤم، وجعلوا الحياة جميلة زاهية؛ ويرى أن التفاؤل اليوناني لم يكن وليد الخفة والعبث، أو تجاهل لما يغمر الوجود من شقاء والم، ولكنه تفاؤل تولد من مثل أعلى وغاية أسمى؛ والمؤرخ الذي يستقرأ هذه التأثيرات في مطلع تاريخهم يتبين له أن القوم عرفوا الألم كما عرفناه؛ وتذوقوا الشقاء كما تذوقناه
سأل ملك (ميدا) الفيلسوف (سيلين) ما عساك تجد خير شيء للإنسان؟ فأجاب الفيلسوف: (يا ذرية التعس والألم، وأبناء المصادفات والمتاعب! لماذا تنقمون علي إذا جئتكم بما لا ترتاح له اذانكم؟ إن الخير الذي لا خير بعده هو إلا تكون - أيها الإنسان - مولوداً، وإلا تكون موجوداً، وإلا تصير شيئاً؛ والخير العاجل لك إن تلقى مصرعك الآن!) فهذا الألم المنبعث من أعماق الروح الشاعرة بالأوجاع والشقاء الغامر الأرض، هو الذي أهاب باليونان ودعاهم إلى أن يكملوا معنى الحياة الناقصة بخلقهم آلهة هي آلهة جبال (أولمباوس)، هذه الإلهة هي نتيجة إبداع الروح (الأبولونية) وانتصارها. أرادوا أن يستنقذوا أرواحهم من حقيقة الوجود المروعة فعمدوا إلى خلق شعب من الإلهة وجملة أوهام طبقوها على الحياة التي يرونها صالحة للظهور؛ وهم مؤمنون بأن هذه الإلهة تعمل معهم على مجابهة التشاؤم. وهكذا لبست الحياة عندهم لباساً جديداً، وظهرت ظهوراً جديداً، وغدت جميلة في عيونهم لان إلهة جميلة تتصرف بها وتقبل بأقدارها؛ وهوميروس هو المثل الأعلى للروح الأبوبونية؛ ومقاطيعه وقصائده هي نشيد انتصار الحضارة اليونانية على سيئات الأجيال الغابرة، وهي التي خلقت هذه الروح التي تغلب اليونان بأوهامها وأخيلتها على كآبة الحياة الحقيقية وقبحها. وإزاء هذه البراعة الأبولونية نشأت البراعة (الديونيزوسية) أو براعة المأساة.
(يتبع)
خليل هنداوي
стр. 8707
القصص
من أساطير الإغريق
نهاية هرقل
للأستاذ دريني خشبة
١٢ - رحلة هرقل إلى الدار الآخرة
لم تكن محفوفة بالمكاره هذه الرحلة إلى الدار الآخرة؛ فقد سلك هرقل سبلاً من قبل كان الموت يجثم له في كل خطوة فوقها، وكانت المنايا تتربص به، ثم تفر منه أخر الامر، كأنما كان هو موتاً للموت، ومنية للمنية، وفناء للفناء
اسقط في يد حيرا حين عاد هرقل بتفاحات هسبريا، واستولى عليها الجزع حين رأت إلى التنين لادون مضرجاً بدمه، فوسوست في صدر يوريذوس أن يأمر البطل فيحضر له سير بيروس من الدار الآخرة!!
وسير بيرسون هو ذلك الكلب الهائل ذو الرؤوس الثلاثة، الذي رأيناه يعدو في اثر بلوتو - إله الموتى - حينما زار هذه الدار الأولى ليخطف برسوفنيه، وهو أبدا يربض عند قدمي سيده الجالس فوق عرش هيدز، يقلب في غيهب السفل أعينه الستة، كأنها انجم تحترق في فحمه ليل بهيم، وهو أيضاً أداة تعذيب في دار الأبدية، ينشب أظفاره في أرواح المجرمين، ولا يفتأ يكرع من دمائهم حتى يروى!
وكانت الحرية تشيع بالآمال في قلب هرقل، وكان هو قد برم بهذا الرق الأسود الذي كتبته عليه السماء؛ فانطلق يعدو إلى دار الموتى، وبين يديه طائفة من الآلهة تهديه وترشده؛ حتى إذا كان قاب قوسين من السدة القاتمة الدجوجية، ووجد سير بيرسو مقعياً يغط في نوم عميق، وإله الموتى مستلقياً يقلب في حضنه القوي برسفونيه الجميلة، انقض على الكلب فخنقه حتى لا يعوي فتعاويه كلاب الجحيم كلها وتكون هنالك الطامة. . .! وانتفتل من دار الظلمات وفي نفسه من الرحمة لهذه الأرواح الهائمة ما أسال دموع الحنان من عينيه الحزينتين!
وانخلع قلب يوريذوس حين لمح الكلب الهائل!
стр. 8708
لقد كانت الظلماء تتدجى في أشداقه فتكسف الشمس الوضاءة، وترد نور النهار المتلألئ ديجورا يلج في ديجور!!
وكان الزبد ينتثر من أفواهه كأنه ندف يساقط من علٍ في ليل عاصف!
وكان ذيله الطويل الضخم يتلوى ويتثنى كأنه ذنب هيدرا أو ذيل لادون!
وكان يعوي وينبح فيقلقل الجبال المجاورة، ويزلزل قصور أرجوس!
وانظر إلى الملك الجبان!
لقد قفز من عرشه مما ألم به من الهلع، وانطلق إلى مخزن الغلال المجاور فاختبأ في خابية عظيمة أغلقها على نفسه حتى كاد يختنق، والى لا يخرج حتى يعود هرقل بسير بيروس إلى هيدز!
وهكذا أصبح هرقل حراً، وألقيت عن كاهله هذه الربقة التي أذلته طويلاً، وتلفت حوله فوجد الحياة تتبرج كأنها غانية، ووجد كل شيء بساماً ضاحكاً يدعوه إلى اللهو والمرح، والأخذ بنصيب مما تفيض به هذه العاجلة من مباهج ومغريات
وذهب في رهط من أصدقائه والمعجبين به من الإلهة إلى الأولمب ليلقى أباه وليقدم له طاعته، وليرى هل يتوب عليه من غضب لا يستحق منه كثيراً ولا قليلاً. . .
ولقيه أرباب الأولمب هاشين باشين، واخذوا يتندرون بمجازفاته العجيبة التي انتصر فيها على سبع نيميا والأفعوان هيدرا ومحاربات الأمازون. . . . .
واغرقوا في الضحك حين ذكر أطلس وما كان من أمر الحيوية!!. . . . واقترح هرمز على الإلهة أن يصارعوا هرقل ويلاكموه، ويباروه في العدو والسباحة والعاب القوى، لتتم بذلك بهجة لقائه، وليعبروا عما يكنونه له من حب، ويضمرون من إعجاب. فأقيم ملعب الأولمب الفخم، وشيدت على جوانبه المدرجات العجيبة التي تتسع لألف ألف من الإلهة وأنصاف الإلهة وكبار المدعوين من عباد برومثيوس
وتم مهرجان الألعاب، وحاز هرقل قصب السبق في اكثر المباريات؛ وكان هذا هو الأولمبياد الأول الذي اخذ اليونان يحتفلون بمثله كل خمس سنوات
وتتابعت السنون. . .
ومر هرقل بقوم يبكون؛ وقيل له أن أدميتوس ملك تساليا مرض، فتمنى على الإلهة أن
стр. 8709
تمنحه الخلود في هذه الدار الدنيا، فأجيب إلى ما تمنى، بشرط أن يحل محله أحد أهل بيته إذا حضره الموت، وهنا تقدمت زوجه المخلصة ألسستيس فضحت بنفسها كي ينجو بعلها من الموت، وليخلد ما شاء له الخلود. وماتت الزوج الوفية فداء للملك. وينظر أرميتوس إلى ملكه الشاسع فيراه بغيضاً لا خير فيه؛ ويكون في حاشيته فيشعر بوحشة وانقباض كأنه يعيش في صحراء؛ ويقدم إليه الطعام فلا يكاد يسيغه؛ وترقص القيان بين يديه فيثرن في نفسه الاشمئزاز كأنهن جنة تدمدم في ظلام غابة. . .
ويبغض الدنيا. . .
ويود لو كانت زوجه الجميلة المخلصة إلى جانبه لحظة واحدة وتتلاشى الحياة بكل من فيها. .!!
لذلك يبكي الملك، ويبكي حوله شعبه الأمين!
ويذكر هرقل أنه وحده يستطيع أن ينفذ إلى هيدز - دار الموتى - فيستنقذ ألسستيس من براثن الفناء، ويردها معززة مكرمة إلى زوجها المسكين فيهدأ قلبه، ويرقأ دمعه، وتستقر نفسه، ويفيء إلى أمر هذا الشعب الذي تكبكب حوله يعول وينتحب. . .
ونفذ البطل إلى ظلمات الدار الآخرة، وسأل الأرواح الهائمة فدلته على منامة ألسستيس؛ فتغفل حارسها الجبار وخنقه، واختطف الفتاة الناعسة وفر بها دون أن تشعر به زبانية بلوتو
وعادت الطمأنينة إلى قلب الملك، ورفرف السلام على المملكة
هرقل وأومفاليه
وذهب هرقل يذرع الأرض، واشترك في حملة الأرجونوت ضد السنتور، وأنضم إلى الإغريق في حصارهم الأول لطروادة
ولقي رجلاً ذا خيلاء وكبر فقتله ظالماً، وكان زيوس ينظر من علياء الأولمب، فعبث وبسر، وقضى أن يظل هرقل في خدمة أومفاليه ملكة ليديا بضع سنين
وتجهم هرقل، ولكنه لم يكد يبدأ خدماته التافهة للملكة، حتى راعه جمالها، واستهوته مفاتنها، وأحس للمرة الأولى في حياته المشحونة بالمخاطر أن قبساً يتأجج في قلبه يوشك أن يجعله ضارماً
стр. 8710
وحلا في فمه ما مر من الذل، وطاب ما كره من العبودية، وود لو قضى الحياة في ظلال هذا الحب الأول مغموراً برضى الملكة، سعيداً بما أفاء عليه جمالها من هناء ونعيم وبال. ولكن الإلهة لم تقر بهذه السعادة فأرسلت بطلها لمآرب أخرى
زواج هرقل
وطوف هرقل في أقصى الأرض حتى انتهى إلى كاليدون، مملكة أونيوس، ولقي ابنته الناهد الهيفاء تجمع الزهور في خميلة غناء. وكان قلبه قد نهل من خمرة الحب، وكانت عيناه قد ثقفتا نظرات الغزل، وكان لسانه قد انحلت عقدته عن وحي الهوى، فانطلق يلاعب الفتاة ويداعبها، وينمق لها من الورد والرياحين باقات تتكلم بالشذى، وتهتف بالخضرة والحمرة، وتصافح الروح بالعبير الفياح
وأنست ابنته الملك بهرقل واطمأنت إليه، وبثها وبثته، وتشاكيا ما شاء لهما الغرام الروي، والحب الفتي، والدمع المسكوب!
وعلم منها أن أخيلوس، أحد إلهة الأنهار، قد خطبها إلى والدها، وان الملك قد أجابه إلى ما أراد:
(فهل اسعد بان تزيح هذا الكابوس عن قلبي؛)
(وتقف حائلاً بيني وبين الشقاء الذي يتربص بي؛)
(فنكون اهنأ زوجين ينعمان بلذة الحب، ويرفلان)
(في برد السعادة، ويتغنيان مع الطير الحان الهوى)
(والحياة!!. . . . . . . . . . . . . . . . . .)
هكذا بكت ديانيرا إلى هرقل، فهاجت في قلبه نخوة البطولة ونحيزة المغامرة، وأطلقت في كل عظلة من جسمه المكتنز كهرباء الحماسة والاستبسال:
(قري عيناً أيتها الحبيبة، فليس ايسر)
(على هرقل من حرب الإلهة. لقد صرعتهم)
(جميعاً في حفل الأولمب؛ وقد مر بي من المغامرات)
(ما ينخلع من بعضه من قلب أخيلوس. . . . . .)
وستأذن هرقل على الملك، وحيا احسن تحية، ثم طلب يد ديانيرا. . . . وكان أونيوس
стр. 8711
يعرف من بأسس البطل وعظيم قوته ما يعرف كل ملوك هيلاس وأمرائها؛ وكان قد أجاب أخيلوس إلى خطبته وهو يعلم من سخط ابنته على هذا الزواج ما يعلم؛ فلما تقدم إليه هرقل استبشر وقال: (. . . . . . لقد كنت يا بني وعدت أخيلوس أن يبني على ديانيرا، وهو من تعلم في الحول والطول والجبروت، ولكني مع ذاك لا أفضله عليك، بل نجعل لكما يوماً تلتقيان فيه؛ فمن يصرع صاحبه كان كفؤاً لديانيز)
وقبل هرقل، ورضى أخيلوس؛ واجتمع الناس من كل فج يشهدون الصراع العظيم بين الجبارين العنيدين. . . وكان كل واثقاً بنفسه، لا يخامره أدنى شك في أنه فائز على صاحبه. فلما تقابلا، ثار من حولهما النقع، وكانت أنظار الناس كالمتصلة بسواعدهما بأمراس شداد؛ وبعد قليل أخذت الأرض ترجف من تحتهما، وطفق الملعب يهتز بمن فيه من خلق كثير. . . وكانت ديانيرا تشرف من مقصورتها وتكاد تغص بريقها إشفاقاً على هرقل، وكان هو كذلك، كلما خارت قواه، نظر أليها النظرة تتجد بها روحه وتتضاعف مرنه ويمتلئ قلبه بالآمال. . . . . . وكان أخيلوس قد فطن إلى جبروت هرقل، وكان يستطيع أن يتشكل بأي خلق اراد، فجعل يتقلب من ثعبان ضخم الجثة، إلى تنين عظيم الجرم، إلى أسد بادي النواجذ، إلى. . . ما شاء له سحره وقوة حيلته من أشكال وأوضاع. .: ثم انقلب إلى عجل جسد ذي قرنين كبيرين، وشرع ينطح هرقل، وهرقل يتقيه، حتى استطاع البطل أن يأخذ بقرنيه بكلتا قبضتيه، وجعل يخبط برأسه الأرض في عنف وغل، حتى كسر أحد القرنين وفر أخيلوس من الميدان هارباً. . . لا يلوي على شيء. . . ودوى الملعب بالتصفيق، واندلعت الحناجر بالهتاف، وتدفق الناس نحو هرقل يحملونه على الأعناق. . . وتقدمت ديانيرا فحياها البطل بقبلة فردوسية خالدة، ما يزال صداها يرن على شفاه المحبين. . وتم العرس. . . وانطلق هرقل بزوجه يجوب الآفاق. .
وحدث أن اعترضه نهر عظيم لم يستطع أن يعبره ومعه ديانيرا. فبينما كان يعمل فكرته كيف يقتحمه، إذا سنتور عظيم يعرض عليه أن يحمل زوجه فيعبر بها إلى العدوة الثانية سالمة آمنة، ثم يرتد فيحمله إليها كذلك؛ وقبل هرقل، ونسى ما كان بينه وبين السنتور من عداوة وبغضاء، وحرب قديمة تدمى لها قلوبهم، وتقرح نفوسهم، وأعان هرقل زوجه فاستوت على ظهر السنتور، وخاض بها الماء وهو يطفر من الفرح، ويحلم بالمنى
стр. 8712
والآمال. فما كاد يبلغ الشاطئ الأخر حتى عدا عدواً شديداً ليكون بمنجاة من سهام هرقل. ولكن ديانيرا صرخت صرخة داوية نبهت ما غفل من سمع زوجها؛ فلما فطن إلى خيانة السنتور، شد قوسه العظيمة، وأرسل إلى دبر السنتور سهماً مراشاً كان قد شرب من دم هيدرا حتى ارتوى!
وأحس السنتور بسم الموت يخترم حشاشته، وبرودة الفناء تشيع في جسمه البدين، فاقسم ليكدن لهرقل، فيذقه من هذا السم الذي سقى به سهامه ما يودي به. فقال لديانيرا: (أيتها الفتاة! لا تثقي أن حب هرقل دائم لك، بل اكبر الظن أنه منصرف عنك إلى فتاة أخرى تكون أسبى وأصبى. وما أحسبك إلا ذاكرة كيف كان يتفانى في حب أومفاليه. فخذي قميصي هذا فاحفظيه لديك، حتى إذا أحسست من زوجك جفوة، أو رأيت فيه ازوراراً، فابعثي به إليه ليلبسه، والقي في روعه أنه يحفظه من أعدائه. فانه أن فعل، عاد إليك بقلب مفعم بالحب، ونفس ملتاعة كلها شوق وتوق. . .) وخر السنتور ميتاً!
وأخذت ديانيرا القميص المضرج بالدماء المسمومة، وفي نفسها من الهم شيء عظيم! (من أومفاليه هذه؟! كان يحب أومفاليه؟ كان يحب فتاة غيري؟ وحق زيوس لأسألنه! هاهو ذا قد سبح إلى الشاطئ!)
ولقيته فسالته، فاعترف لها بكل شيء، وطمأنها على محبته وإخلاصه. . . . ولكن قلب المرأة لا يعرف هذا الاستسلام المعسول للكلمات الناعمة! فقد ظل الوسواس يدب في نفس ديانيرا، حتى كان هرقل في إحدى جولاته، وكانت هي عند أبيها ملك كاليدون؛ فطالت غيبته، وذهبت بها الظنون من اجل ذلك كل مذهب
وذكرت القميص ورددت عبارات السنتور، فنهضت من توها وأرسلته مع إحدى وصيفاتها إلى هرقل في منآه البعيد. وأوصت الوصيفة أن تذكر له من مآثر القميص ما وسوس به السنتور. فلما لبسه هرقل، التصق به التصاقاً، واخذ السم يشيع في جسمه الحديدي فيذيبه ويفتته. . .
وصرخ البطل بلا جدوى! وكلما حاول انتزاع القميص، كان جلده يتمزق، ولحمه يتهرأ، ويتصبب الدم من فوق ومن تحت. . . ثم أخذت نفسه تساقط أنفساً. . . وطفقت روحه تودع هذا الجثمان الهائل في دموع سخينة وآهات حارة. . .
стр. 8713
ولفظ نفسه الأخيرة وهو يبكي ويقول: (فدى لك نفسي. . . يا. . . ديا. . . نيرا!)
(وهوى إلى الأرض ما كان من الأرض، ورفرفت)
(الروح الكبيرة في جمهرة من أرواح الإلهة التي أقبلت)
(من الأولمب تزف ابن زيوس العظيم. والكل ضاحك)
(مستبشر أن ألقى أخوهم حمله الثقيل، وخرج الأولمب)
(جميعاً يستقبل البطل ويهتف باسمه في عليين!. . .)
وحمل الجثمان الطاهر إلى جبل أوتيا، حيث دفن في إجلال وإعظام، وحيث وقفت ديانيرا ترويه بدمعها العزيز.
دريني خشبة
стр. 8714
قلب فتاة
للآنسة ابنة الشاطئ
لعلها حنقت على حينما تقدمت إليها في لوعة صامتة ثائرة ورجوتها أن تبكي وان تسرف في البكاء؛ ولعلها أنكرت مني أن أفاجئها في وحدتها وقد استنامت إلى أحزانها وأسلمت أفكارها إلى ذلك الفضاء الرحب الواسع الذي نود لو نفر إليه، وان كنا نجهل أين مكانه منا وأين السبيل إليه! لقد كنت اعلم يقيناً أن هذه الكلمات التي اصطلحنا على تسميتها كلمات المواساة، والتي تعود المرء منا أن يلقيها على مسامع المحزون، لا تحمل عن هذه المسكينة شيئاً مما ترزح تحته من أعباء أثقال، وكنت اعتقد أنني إذا كنت لا املك إلا الوقوف بجانبها افرض عليها سماع كلمات المواساة المحفوظة، واحتم عليها أن تزدردها كلما تزدرد قطع الثلج، فخير لها أن تظل هكذا في ذهولها وأطرافها، لعلها واجدة من خداع الخيال ما ينسيها شيئاً من رهبة الحقيقة الواقعة، ولو إلى فترة قصيرة! لكني كنت احبها، وأتألم لها، وكان هذا الحب من القوة والعنف، بحيث ينكر علي أن أظل واجمة وهي تكاد تحترق أمامي في صمت، وان اقف مكتوفة الايدي، بينما أرى ذرات كيانها المضطرب تكاد تتبخر في الفضاء الأثيري المخلخل بعد العاصفة. . . آه! كم كنت أود أن احترم صمتها، وان اتركها في جلستها المفجعة ومكانها المنفرد؛ ولكني خشيت أن يهدمها الحزن المكتوم. وكان لابد لي أن أقول شيئاً، فلم أجد ما أقوله إلا أن اخذ رأسها بين يدي وألح عليها أن تمعن في البكاء
لم تكن هذه الفتاة من أولئك الفتيات اللائى يحملن قلوبهن في اكفهن ويخرجن بها إلى الأسواق للبيع أو الاستئجار، وكان كل من يعرفها لا يكتم إعجابه بذكائها وجاذبيتها وسمو اخلاقها، ولكنها كانت لا تكترث لشيء من هذا إلا كما يكترث الغني ببضعة مليمات! كانت تعلم يقيناً أن اثمن شيء لديها، هو قلبها الحي الكبير، وكانت تعتز به اعتزاز الإنسان باثمن ما يملكه؛ وكلما أثنى الناس على ذكائها أو حسنها، ابتسمت ابتسامة يتجسم فيها عدم الاكتراث، وتساءلت في نفسها: إذا كان هذا هو مقدار احتفال الناس بتلك الظواهر المادية التافهة، فكم يكون مدى احتفالهم بالكنز الذي في صدرها؟! ذلك القلب المليء بالحياة، الشغوف بالتضحية، النزاع إلى المثل العليا، والذي يود لو تتاح له الفرصة لإسعاد
стр. 8715
الآخرين!
ولقد أحبت هذه الفتاة! أحبت بكل ما في طبيعتها من إسراف وغلو، وبكل ما في قلبها من قوة وحياة، وما في نفسها الشعرية من ثورة وحرارة! وكان حباً نبيلاً تسامى شيئاً فشيئاً حتى تخلص من أدران الماديات. . . ولعل الشاب الذي أحبته لم يكن بادئ ذي بدء يفهم معنى ذلك النوع من الحب، ولكنه أدرك على ممر الأيام أنها قدمت إليه قلباً من ذهب، وحباً نبيلاً أشبه بالخيال لغرابته وندرته، فهاله ما قدمت، وصمم على الاحتفاظ بحبها حتى يضمهما اللحد، وعلى أن يمهد لها حياة سعيدة ولو كلفه ذلك حياته. واستبد به بعد ذلك حب قوي غلاب جعله يرى الحياة بدونها جحيماً لا يطاق؛ وكان كلما تسامى إليها وتوغل في فمها ودراستها، اتضحت له قيمة ذلك الحب الذي لا يعرف الأثرة ولا الاستهتار، وغمرته لذة روحية تجعله في شبه ذهول. . . ذهول الحالمين السعداء
عرفته في أكتوبر سنة ١٩٢٩، وكان لا يزال طالباً بالسنة الأولى بإحدى المدارس العليا، وكان تعارفهما طبيعياً ووليد المصادفة البحتة. فقد نزح والداه من الريف إلى القاهرة، ليحميا وحيدهما من بلدة المغامرة واللهو والفساد؛ واتخذت الأسرة مسكناً متواضعاً في بين كانت تسكن به أسرة الفتاة؛ ومرضت الأم مرضاً أقعدها عن مباشرة أعمال أسرتها الصغيرة، فتطوعت الفتاة لمساعدتها، لأنها جبلت على حب الخير؛ ثم كانت ساعة من تلك الساعات التي ينسى المرء فيها نفسه وتقاليده وأرادته، فتقابلت الفتاة المحتجبة الحريصة، بالفتى الشاب المثقف، ولم يكن لأحدهما يد في تلك المقابلة. كان ذلك في مساء ليلة ليلاء من ليالي الشتاء القاسية، وقد آوت الجنوب إلى المضاجع فراراً من ثورة الطبيعة؛ ولاذ الناس بالبيوت ينشدون الدفء في صمت وسكون. وكان هناك شعاع حائل ضئيل، ينبعث من نافذة الأم المريضة، ويفنى بعد قليل في جوف الظلام. وقد رقدت المسكينة حين استبدت بها نوبة قاسية أذهلتها عن كل ما حولها؛ وكان صوت الريح يذهب بأنات الأم العليلة، فلم يكن يسمعها أحد سوى الشبح الأبيض الواقف بجانب سريرها، كأنه ملاك هبط من السماء. كان هذا شبح الفتاة النبيلة الحنون التي قامت بتمريض العليلة. وفتح الباب فجأة، ودخل الابن الشاحب المحزون يصحبه الطبيب، فلم تتمكن الفتاة من الخروج، فقد كان عليها أن تصغي إلى تعليمات الطبيب، وان تشرح له ملاحظاتها عن درجة حرارة
стр. 8716
العليلة، وبصاقها وطعامها، ولم يتمكن الفتى من الخروج، فقد كان الممرض الليلي لامه، وكان عليه أن يصغي لما يقوله الطبيب، عن سير المرض؛ وهكذا جمعهما الحزن المشترك؛ وأنستها رهبة الموقف، وشدة تفجعها للمريضة وابنها، ما درجت عليه من تحفظ واحتجاب
وكان لابد للفتى بعد أن شفيت أمه أن يشكر تلك الإنسانية النبيلة، وكان لابد لها أن ترد على رسالته، لتؤكد له أن ما قامت إلا بواجبها الانساني، ثم اختفت تلك المراسلات الرسمية، لتفسح المجال للتراسل الأخوي والتفاهم الروحي، بين الشاب المعجب بنبل الفتاة، وبين الفتاة الثائرة الحنون؛ ووجد كلاهما لذة مبهمة في ذلك النوع من الإخاء والصداقة، ولذ لهما أن يفرجا عن أنفسهما بالكتابة، وكلاهما يفهم أخاه ويحيا في بيئة تكاد لا تسمح لهما باستنشاق الهواء
لم يكن مرض الأم الذي أصابها في شتاء عام ١٩٢٩ والذي كان سبباً لتعارفهما، إلا نوبة من نوبات مرض صدري يرعى في رئتها ويأتي في مهل على ما احتازته المسكينة من جلد واصطبار، وهاقد تمكنت العلة منها وأصبحت شبحاً هزيلاً يدب إلى القبر، ويهدي أخر أنفاسه إلى حياتنا العاجلة
وقرر الأطباء أن تبادر العليلة إلى مصحة حلوان. . . وإلا عجل إليها الموت؛ ولكن كيف؟ أن الوالد الشيخ لا يملك إلا ما يسد به رمق أسرته الصغيرة، كان يملك بضعة فدادين في مديرية الشرقية، وكانت زوجته تملك شيئاً من الحلي، فبذلا كل ذلك عن طيب خاطر في تعليم وحيدهما، ولكنه نال شهادة التعليم ليعلقها على جدران الحجرة الحقيرة التي استأجروها أخيراً يقيموا بها. ثم قبع في كسر داره بجانب أمه العجوز المريضة، وأبيه الشيخ الفاني! وإلا فهل يجمع الصبيان في الطرق ليلقى عليهم الدروس، ويطبق مبادئ روسو وأراء فريدريك هربرت سبنسر مستعملاً (هدايا) فروبل و (جهاز) مدام منتسورى؟ أم يفتح مدرسة أهلية قد تراكمت المدارس في أحياء البلاد، وهو بعد لا يملك ما يشتري به الدواء لامه المصدورة العليلة؟
كان مرهف الحس مهذب الوجدان، وقد عز عليه أن يفقد أبوه ثروتهما في سبيله، حتى إذا ما بلغ مبلغ الرجال كان حميلة عليهما. كان يشعر بأنه مسئول عن كل ما أصاب ويصيب
стр. 8717
والديه؛ وقد عذبه ذلك الخاطر وأمعن في إيلامه، فاخذ يبحث عن عمل كل يوم، ولكن ما الذي يستطيع حامل دبلوم المعلمين العليا أن يعمله، وهو لا يملك إلا تلك الثروة العلمية المخزونة في دماغه، لا يدري كيف يستغلها! ولقد صبر على الجوع حيناً وتحمل الضيق أحياناً، ولكنه الآن لا يستطيع الصبر، إذ يرى أمه التي غمرته بالعطف والحنان، تجود بحياتها مع أنفاسها الخافتة اللاهثة؛ ويرى أباه يجلس ذاهلاً مطرقاً، ينظر نظرات حزينة جوفاء إلى تلك الإنسانية المخلصة الراقدة، التي قاسمته حلو العيش ومره ثلاثين عاماً، غمرته فيها بكل حب وإيثار؟!
وقف الشاب يوماً بين أبويه وقد نفد صبره وعذبه عجزه فرفع يديه إلى السماء في حركة ضارعة مبتهلة، وتساءل بصوت متهدج حزين:
(أبتاه.! ألا أستطيع أن اصنع شيئاً لها؟ حياتي يا أبي ما قيمتها إذا لم تكن لكما وفي سبيلكما؟ إلا يمكنني فداؤها؟ (فابتسم الشيخ الحزين بعد أن تحجرت الابتسامة في شفتيه أعواما، وقام إلى ولده البار يضمه إلى صدره، ويغمره بقبلاته، ثم اسر إليه أن لا وسيلة لإنقاذ الأم المعذبة إلا بزواجه من ابنة عمه التي ورثت عن أبيها كثيراً من المال والعقار
طعنة أصابت قلب الفتى فأدمته! لقد كان مستعداً للتضحية بحياته لأنها ملك له؛ أما أن يضحي بقلبه وقد وهبه، وبفتاته وقد وثقت به واطمأنت اليه، فهذا ما لا طاقة له به. . يتزوج؟ ولمن إذن يترك الفتاة الصغيرة المثقفة؟ لقد تمكن الحب من قلبيهما ثلاث سنوات، وكانا من الاعتزاز بهذا الحب بحيث لم يلوثاه باباحة منكرة! كانا يخشيان على حبهما وهو الثوب الأبيض الناصع، أن يلوثه القليل من الغبار، ولم تعد لهما حيلة في التخلص من سلطان هذا الحب الذي نما مع الأيام، فكيف يفرض عليه أبوه ذلك الثمن الغالي؟ لا. . أنه لن يحطم قلبها ولن يكفر بالنعمة التي منحته إياها. . أنه بشر ولاحتماله حد معقول؛ وقد احب بكل قواه؛ ولئن كان مسئولاً عن سعادة امه، فهو مسئول كذلك عن سعادة فتاته، فقد منحته الأولى حبها وحنانها لأن عاطفة الأمومة فيها أرادت ذلك، بينما منحته الثانية حبها منة منها وتفضلاً. . .
لقد يستطيع أن يخنق حبه ويحطم قلبه، ليشتري بذلك سعادة أمه، ولكنه لا يستطيع أن يحطم قلب فتاته الصغيرة النبيلة. . .
стр. 8718
ولكن الفتاة كانت أقوى منه. . لقد أحبته حباً صادقاً، والمرأة إذا أحبت فعلت المستحيل في سبيل سعادة من تحب. . . لقد عجز عن السير في طريق التضحية الشائك، فلتحمله هي على كتفيها غير آبهة بالأشواك تمزق ثياب راحتها، وتسيل دماءها. ولقد أعماه الحب عن الواجب، فلتفتح بأناملها الرشيقة عينيه، وتوقظ شهامته ورجولته، وحسبهما سعادة بعد ذلك إنقاذ الأبوين الكريمين
ولكن كيف تقنعه بوجوب التضحية؟ حدثتها نفسها أن توهمه أنها تحب غيره، ولكنها رجعت عن تلك الفكرة الروائية التي فرضها (إسكندر ديماس) على المحبين، وعز عليها أن تلوث الحب العالي بمثل هذه الأفكار، وهو آخر ما تبقى لها من سعادة! وأشفقت على فتاها أن تنهدم المثل العليا أمامه فيجزع وربما جحد الفضيلة وأنكر الحياة! ثم فكرت في أن توهمه أن أباها يفرض عليها الزواج من غيره، ولكن هذا لن يفيد في إيقاظ نخوته وشهامته، وإذن فلتتقدم إليه في صراحة وحزم، لتعلنه أن حبها وقد تنزه عن الماديات، أضعف من أن يحتمل تبعة موت الأم الحنون، وجنون الأب الشيخ، وأنها تحبه إلى الدرجة التي تخشى عليه فيها من فقد احترامها له إذا قتل أمه بأنانيته. إنها تحبه، ولكنت هذا الحب نفسه هو الذي يفرض عليها أن تتنكر له إذا لم يؤدي واجبه كرجل وكابن، فإذا ما سألها عما ستفعله بنفسها بعده، أجابته في رفق حازم أن لا شأن له بها، وأن عليه أن يتزوج من ابنة عمه. . .
لها الله!! ما كان أنبلها وهي توصي حبيبها الذي انتزعته الأقدار منها بالرفق بابنة عمه وإسعادها وتمهيد الراحة لها؟!
لها الله!! ما كان أنبلها وقد وقفت تهمس في أذنه ألا يحدث أمه عن تضحيته، وألا يقدم إليها الدواء مسموماً بإشعارها أن حياتها أنقذت بهذا الثمن الغالي. . .
ما كان أنبلها وقد وفقت تبعده عنها أشد ما تكون حباً له وشغفاً به!!
من يدري؟! ربما كان هول الموقف قد شغلها عن النظر إلى الأفق البعيد، حيث تتجمع قطع الظلام ويتصل بعضها ببعض! وربما كانت تجهل أن انتزاع الكلمات التي حرضت بها الفتى على الزواج من ابنة عمه، أقسى وأشد إيلاماً من قطع لحمها وهي حية. . . ظنت نفسها سعيدة ساعة خضع الفتى لحكمها، وقامت تودعه وتشد على يده بكلتا يديها وهي
стр. 8719
تبتسم ابتسامة شاحبة ذاهلة، حتى إذا ما تركته وتزودت منه بالنظرة الأخيرة، أحست بالألم يحز في قلبها، فهرعت إليَّ - وأنا صديقتها الواحدة - كالمجنونة، تشكو وتلتمس التشجيع؛ ثم ركنت إلى الصمت والهدوء، ولكنه كان الهدوء الذي يسبق العاصفة! وكنت أعلم أن وراء مشيتها الميكانيكية المفجعة ما وراءها! وأن تلك البسمة الصفراء الباهتة المتحجرة على شفتيها، تخفي وراءها ناراً ترعى قلب الفتاة المسكينة. كان هدوؤها المصطنع يقتلني، وكنت ألمح عن كثب وميض النار تتأجج بين جوانحها وتختفي تحت رماد الحياء والمداراة، كزبد الأفران العالية، يبدو سطحه للعين ترابياً أدكن، حتى إذا انفرج الزبد نرى حممه! ولم أكن أرجو شيئاً، إلا أن يمن الله عليها بنعمة البكاء!!
كان حبها من نار ونور، فلما حرمت نوره، رأت أن تحترق بناره في صمت! فقد كان عليها أن تظهر للناس بسّامة ضاحكة وإلا ولغت ألسنة السوء في سمعتها، ولوثت حبها الطاهر النبيل، وعبثت بمستقبل الحبيب النائي البعيد!
وكان عليَّ أنا، أن أتغنى بشهامتها، وأن أؤكد لها أنها ظفرت من الحياة بأوفى نصيب، حين اشترت بسعادتها سعادة ثلاثة آخرين! وكانت تنصت لكلماتي أحياناً ثم يغلبها الضعف فتفر إلى حيث تختلي بنفسها لا لتبكي، فليتها كانت تفعل، وإنما لتحترق في صمت!
ولمحت عن بعد شبح العاصفة يقترب في بطء، فلازمت الفتاة وأنا أكاد أختنق من الحزن والألم؛ فلما أعلن أخوها أن فتاها تزوج بابنة عمه، أرسلت نظرات محمومة مبهمة جوفاء! وفي بطء حزين، قامت إلى حجرتها، فركضت وراءها، ولم أجد ما أقوله إلا أن أطلب إليها أن تسرف في البكاء، فقد هالني تحجر الدمع في مقلتيها أشد مما يهولني الصراخ والنواح وانهمار الدموع!!
ابنة الشاطئ
стр. 8720
البريد الأدبي
الرصافي في دينه
دفع إلي اليوم وأنا مار في سوق الحميدية أخ لنا من الوراقين الأدباء متدين غيور، كتاباً جديداً لأمين الريحاني اسمه: قلب العراق، صدر في هذه الأيام في بيروت، وأقرأني فيه الفقرة الآتية (ص ٢٦٥)، ولست أعرف من الكتاب أكثر منها، فأحببت أن أنشرها ليقول فيها الرصافي كلمته، فهو المتهم فيها، وإليه تنسب هذه الآراء. . . وليطلع عليها فحولة الكتاب، وحماة الدين، وورثة البيان القرآني: الرافعي والزيات وعزام، ويروا رأيهم في هذه (الأفكار الجديدة)!
وهذه هي الكلمة بنصها وفصها:
قال:
(إن للرصافي رأياً في الوحي الشعري غريباً: هو لا يؤمن بالوحي، أو بالحري الوحي المنزل، إنما يعتقد أن القوة الشعرية في الإبداع تتعلق بقوة ألباه في الجماع، وأن الضعف الذي يعتري القوة الواحدة يتصل بالأخرى، إذن لابد من التوازن بينهما، بل هو ضروري. . . (إلى أن قال):
. . . ثم ذكر النبي محمداً، وهو في نظر معروف شاعر عظيم على أن أجمل قصائد النبي، أي أجمل السور القرآنية، إنما هي التي جاء بها في عهد الاعتدال الجنسي يوم لم يكن له غير خديجة زوجاً، أما بعد وفاة خديجة فقد أصبح محمد مزواجاً، وكانت القصائد - السور - في هذا العهد مثل نسائه (كذا) أي دون ما تقدم منها ومنهن
فقد كتب الرصافي سيرة النبي محمد، وأطلعني عليها مخطوطة بيده، في سبعة دفاتر من الدفاتر المدرسية، فما أدهشني منها ما فيها من العلم والتحقيق لأن مصادر الموضوع متوفرة لمن شاء معالجته، وأحسن البحث والموازنة، إنما أدهشتني القوة النافذة والمقدرة على التحليل والاستخراج، والتفلسف في عقائد لا تستقيم بغير الإيمان والجرأة والصراحة مع الاتكال على العقل والعلم فيهما
فقد استخدم في (سيرته) المصباح الذي استخدمه العلماء الأوربيون في نقد التوراة، أي مصباح النقد الأعلى الذي ينير العلم بنور العقل والمقارنات التاريخية، ومما يزيدك إعجاباً
следующие страницы →