← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

العليلة، وبصاقها وطعامها، ولم يتمكن الفتى من الخروج، فقد كان الممرض الليلي لامه، وكان عليه أن يصغي لما يقوله الطبيب، عن سير المرض؛ وهكذا جمعهما الحزن المشترك؛ وأنستها رهبة الموقف، وشدة تفجعها للمريضة وابنها، ما درجت عليه من تحفظ واحتجاب وكان لابد للفتى بعد أن شفيت أمه أن يشكر تلك الإنسانية النبيلة، وكان لابد لها أن ترد على رسالته، لتؤكد له أن ما قامت إلا بواجبها الانساني، ثم اختفت تلك المراسلات الرسمية، لتفسح المجال للتراسل الأخوي والتفاهم الروحي، بين الشاب المعجب بنبل الفتاة، وبين الفتاة الثائرة الحنون؛ ووجد كلاهما لذة مبهمة في ذلك النوع من الإخاء والصداقة، ولذ لهما أن يفرجا عن أنفسهما بالكتابة، وكلاهما يفهم أخاه ويحيا في بيئة تكاد لا تسمح لهما باستنشاق الهواء لم يكن مرض الأم الذي أصابها في شتاء عام ١٩٢٩ والذي كان سبباً لتعارفهما، إلا نوبة من نوبات مرض صدري يرعى في رئتها ويأتي في مهل على ما احتازته المسكينة من جلد واصطبار، وهاقد تمكنت العلة منها وأصبحت شبحاً هزيلاً يدب إلى القبر، ويهدي أخر أنفاسه إلى حياتنا العاجلة وقرر الأطباء أن تبادر العليلة إلى مصحة حلوان. . . وإلا عجل إليها الموت؛ ولكن كيف؟ أن الوالد الشيخ لا يملك إلا ما يسد به رمق أسرته الصغيرة، كان يملك بضعة فدادين في مديرية الشرقية، وكانت زوجته تملك شيئاً من الحلي، فبذلا كل ذلك عن طيب خاطر في تعليم وحيدهما، ولكنه نال شهادة التعليم ليعلقها على جدران الحجرة الحقيرة التي استأجروها أخيراً يقيموا بها. ثم قبع في كسر داره بجانب أمه العجوز المريضة، وأبيه الشيخ الفاني! وإلا فهل يجمع الصبيان في الطرق ليلقى عليهم الدروس، ويطبق مبادئ روسو وأراء فريدريك هربرت سبنسر مستعملاً (هدايا) فروبل و (جهاز) مدام منتسورى؟ أم يفتح مدرسة أهلية قد تراكمت المدارس في أحياء البلاد، وهو بعد لا يملك ما يشتري به الدواء لامه المصدورة العليلة؟ كان مرهف الحس مهذب الوجدان، وقد عز عليه أن يفقد أبوه ثروتهما في سبيله، حتى إذا ما بلغ مبلغ الرجال كان حميلة عليهما. كان يشعر بأنه مسئول عن كل ما أصاب ويصيب

стр. 8717

والديه؛ وقد عذبه ذلك الخاطر وأمعن في إيلامه، فاخذ يبحث عن عمل كل يوم، ولكن ما الذي يستطيع حامل دبلوم المعلمين العليا أن يعمله، وهو لا يملك إلا تلك الثروة العلمية المخزونة في دماغه، لا يدري كيف يستغلها! ولقد صبر على الجوع حيناً وتحمل الضيق أحياناً، ولكنه الآن لا يستطيع الصبر، إذ يرى أمه التي غمرته بالعطف والحنان، تجود بحياتها مع أنفاسها الخافتة اللاهثة؛ ويرى أباه يجلس ذاهلاً مطرقاً، ينظر نظرات حزينة جوفاء إلى تلك الإنسانية المخلصة الراقدة، التي قاسمته حلو العيش ومره ثلاثين عاماً، غمرته فيها بكل حب وإيثار؟! وقف الشاب يوماً بين أبويه وقد نفد صبره وعذبه عجزه فرفع يديه إلى السماء في حركة ضارعة مبتهلة، وتساءل بصوت متهدج حزين: (أبتاه.! ألا أستطيع أن اصنع شيئاً لها؟ حياتي يا أبي ما قيمتها إذا لم تكن لكما وفي سبيلكما؟ إلا يمكنني فداؤها؟ (فابتسم الشيخ الحزين بعد أن تحجرت الابتسامة في شفتيه أعواما، وقام إلى ولده البار يضمه إلى صدره، ويغمره بقبلاته، ثم اسر إليه أن لا وسيلة لإنقاذ الأم المعذبة إلا بزواجه من ابنة عمه التي ورثت عن أبيها كثيراً من المال والعقار طعنة أصابت قلب الفتى فأدمته! لقد كان مستعداً للتضحية بحياته لأنها ملك له؛ أما أن يضحي بقلبه وقد وهبه، وبفتاته وقد وثقت به واطمأنت اليه، فهذا ما لا طاقة له به. . يتزوج؟ ولمن إذن يترك الفتاة الصغيرة المثقفة؟ لقد تمكن الحب من قلبيهما ثلاث سنوات، وكانا من الاعتزاز بهذا الحب بحيث لم يلوثاه باباحة منكرة! كانا يخشيان على حبهما وهو الثوب الأبيض الناصع، أن يلوثه القليل من الغبار، ولم تعد لهما حيلة في التخلص من سلطان هذا الحب الذي نما مع الأيام، فكيف يفرض عليه أبوه ذلك الثمن الغالي؟ لا. . أنه لن يحطم قلبها ولن يكفر بالنعمة التي منحته إياها. . أنه بشر ولاحتماله حد معقول؛ وقد احب بكل قواه؛ ولئن كان مسئولاً عن سعادة امه، فهو مسئول كذلك عن سعادة فتاته، فقد منحته الأولى حبها وحنانها لأن عاطفة الأمومة فيها أرادت ذلك، بينما منحته الثانية حبها منة منها وتفضلاً. . . لقد يستطيع أن يخنق حبه ويحطم قلبه، ليشتري بذلك سعادة أمه، ولكنه لا يستطيع أن يحطم قلب فتاته الصغيرة النبيلة. . .

стр. 8718

ولكن الفتاة كانت أقوى منه. . لقد أحبته حباً صادقاً، والمرأة إذا أحبت فعلت المستحيل في سبيل سعادة من تحب. . . لقد عجز عن السير في طريق التضحية الشائك، فلتحمله هي على كتفيها غير آبهة بالأشواك تمزق ثياب راحتها، وتسيل دماءها. ولقد أعماه الحب عن الواجب، فلتفتح بأناملها الرشيقة عينيه، وتوقظ شهامته ورجولته، وحسبهما سعادة بعد ذلك إنقاذ الأبوين الكريمين ولكن كيف تقنعه بوجوب التضحية؟ حدثتها نفسها أن توهمه أنها تحب غيره، ولكنها رجعت عن تلك الفكرة الروائية التي فرضها (إسكندر ديماس) على المحبين، وعز عليها أن تلوث الحب العالي بمثل هذه الأفكار، وهو آخر ما تبقى لها من سعادة! وأشفقت على فتاها أن تنهدم المثل العليا أمامه فيجزع وربما جحد الفضيلة وأنكر الحياة! ثم فكرت في أن توهمه أن أباها يفرض عليها الزواج من غيره، ولكن هذا لن يفيد في إيقاظ نخوته وشهامته، وإذن فلتتقدم إليه في صراحة وحزم، لتعلنه أن حبها وقد تنزه عن الماديات، أضعف من أن يحتمل تبعة موت الأم الحنون، وجنون الأب الشيخ، وأنها تحبه إلى الدرجة التي تخشى عليه فيها من فقد احترامها له إذا قتل أمه بأنانيته. إنها تحبه، ولكنت هذا الحب نفسه هو الذي يفرض عليها أن تتنكر له إذا لم يؤدي واجبه كرجل وكابن، فإذا ما سألها عما ستفعله بنفسها بعده، أجابته في رفق حازم أن لا شأن له بها، وأن عليه أن يتزوج من ابنة عمه. . . لها الله!! ما كان أنبلها وهي توصي حبيبها الذي انتزعته الأقدار منها بالرفق بابنة عمه وإسعادها وتمهيد الراحة لها؟! لها الله!! ما كان أنبلها وقد وقفت تهمس في أذنه ألا يحدث أمه عن تضحيته، وألا يقدم إليها الدواء مسموماً بإشعارها أن حياتها أنقذت بهذا الثمن الغالي. . . ما كان أنبلها وقد وفقت تبعده عنها أشد ما تكون حباً له وشغفاً به!! من يدري؟! ربما كان هول الموقف قد شغلها عن النظر إلى الأفق البعيد، حيث تتجمع قطع الظلام ويتصل بعضها ببعض! وربما كانت تجهل أن انتزاع الكلمات التي حرضت بها الفتى على الزواج من ابنة عمه، أقسى وأشد إيلاماً من قطع لحمها وهي حية. . . ظنت نفسها سعيدة ساعة خضع الفتى لحكمها، وقامت تودعه وتشد على يده بكلتا يديها وهي

стр. 8719

تبتسم ابتسامة شاحبة ذاهلة، حتى إذا ما تركته وتزودت منه بالنظرة الأخيرة، أحست بالألم يحز في قلبها، فهرعت إليَّ - وأنا صديقتها الواحدة - كالمجنونة، تشكو وتلتمس التشجيع؛ ثم ركنت إلى الصمت والهدوء، ولكنه كان الهدوء الذي يسبق العاصفة! وكنت أعلم أن وراء مشيتها الميكانيكية المفجعة ما وراءها! وأن تلك البسمة الصفراء الباهتة المتحجرة على شفتيها، تخفي وراءها ناراً ترعى قلب الفتاة المسكينة. كان هدوؤها المصطنع يقتلني، وكنت ألمح عن كثب وميض النار تتأجج بين جوانحها وتختفي تحت رماد الحياء والمداراة، كزبد الأفران العالية، يبدو سطحه للعين ترابياً أدكن، حتى إذا انفرج الزبد نرى حممه! ولم أكن أرجو شيئاً، إلا أن يمن الله عليها بنعمة البكاء!! كان حبها من نار ونور، فلما حرمت نوره، رأت أن تحترق بناره في صمت! فقد كان عليها أن تظهر للناس بسّامة ضاحكة وإلا ولغت ألسنة السوء في سمعتها، ولوثت حبها الطاهر النبيل، وعبثت بمستقبل الحبيب النائي البعيد! وكان عليَّ أنا، أن أتغنى بشهامتها، وأن أؤكد لها أنها ظفرت من الحياة بأوفى نصيب، حين اشترت بسعادتها سعادة ثلاثة آخرين! وكانت تنصت لكلماتي أحياناً ثم يغلبها الضعف فتفر إلى حيث تختلي بنفسها لا لتبكي، فليتها كانت تفعل، وإنما لتحترق في صمت! ولمحت عن بعد شبح العاصفة يقترب في بطء، فلازمت الفتاة وأنا أكاد أختنق من الحزن والألم؛ فلما أعلن أخوها أن فتاها تزوج بابنة عمه، أرسلت نظرات محمومة مبهمة جوفاء! وفي بطء حزين، قامت إلى حجرتها، فركضت وراءها، ولم أجد ما أقوله إلا أن أطلب إليها أن تسرف في البكاء، فقد هالني تحجر الدمع في مقلتيها أشد مما يهولني الصراخ والنواح وانهمار الدموع!! ابنة الشاطئ

стр. 8720

البريد الأدبي الرصافي في دينه دفع إلي اليوم وأنا مار في سوق الحميدية أخ لنا من الوراقين الأدباء متدين غيور، كتاباً جديداً لأمين الريحاني اسمه: قلب العراق، صدر في هذه الأيام في بيروت، وأقرأني فيه الفقرة الآتية (ص ٢٦٥)، ولست أعرف من الكتاب أكثر منها، فأحببت أن أنشرها ليقول فيها الرصافي كلمته، فهو المتهم فيها، وإليه تنسب هذه الآراء. . . وليطلع عليها فحولة الكتاب، وحماة الدين، وورثة البيان القرآني: الرافعي والزيات وعزام، ويروا رأيهم في هذه (الأفكار الجديدة)! وهذه هي الكلمة بنصها وفصها: قال: (إن للرصافي رأياً في الوحي الشعري غريباً: هو لا يؤمن بالوحي، أو بالحري الوحي المنزل، إنما يعتقد أن القوة الشعرية في الإبداع تتعلق بقوة ألباه في الجماع، وأن الضعف الذي يعتري القوة الواحدة يتصل بالأخرى، إذن لابد من التوازن بينهما، بل هو ضروري. . . (إلى أن قال): . . . ثم ذكر النبي محمداً، وهو في نظر معروف شاعر عظيم على أن أجمل قصائد النبي، أي أجمل السور القرآنية، إنما هي التي جاء بها في عهد الاعتدال الجنسي يوم لم يكن له غير خديجة زوجاً، أما بعد وفاة خديجة فقد أصبح محمد مزواجاً، وكانت القصائد - السور - في هذا العهد مثل نسائه (كذا) أي دون ما تقدم منها ومنهن فقد كتب الرصافي سيرة النبي محمد، وأطلعني عليها مخطوطة بيده، في سبعة دفاتر من الدفاتر المدرسية، فما أدهشني منها ما فيها من العلم والتحقيق لأن مصادر الموضوع متوفرة لمن شاء معالجته، وأحسن البحث والموازنة، إنما أدهشتني القوة النافذة والمقدرة على التحليل والاستخراج، والتفلسف في عقائد لا تستقيم بغير الإيمان والجرأة والصراحة مع الاتكال على العقل والعلم فيهما فقد استخدم في (سيرته) المصباح الذي استخدمه العلماء الأوربيون في نقد التوراة، أي مصباح النقد الأعلى الذي ينير العلم بنور العقل والمقارنات التاريخية، ومما يزيدك إعجاباً

стр. 8721

بالرصافي أنه لا يحسن لغة أجنبية، فقد ركن في كل ما حلل وأول واستخرج واستنتج إلى اجتهاده الخاص وإلى علومه الواحدة العربية وإنك لتدرك الروح في مصنفه هذا إذا ما علمت رأيه بالله، فقد قال لي مرة: إن الآية لا إله إلا الله، لا معنى لها ويجب أن تبطل، أو تبدل بالآية، لا إله إلا الوجود، أي أن الكون هو الله، والله هو الكون، هي عقيدة البانيتزم أي الحلول وهو فيها على اتفاق والزهاوي، قد يهمل وينسى كثير من شعر الرصافي في المستقبل، وتظل سيرته النبوية من الكتب التي تقرأ وتكتنز ذاك هو الرصافي في دينه) اهـ فما هو رأي الشاعر الكبير الأستاذ معروف الرصافي؟. . . دمشق علي الطنطاوي (الرسالة) لم نقرأ كتاب الريحاني لأنه لم ينشر في مصر؛ ولكنا نعلم أن حكومة العراق صادرته؛ وربما كان هذا الهتر من أسباب هذه المصادرة؛ على أن الرصافي قد يقول شيئاً من هذا الكلام في ساعة لهوه ليطوي في بساط الشراب، لا لينشر على الناس في كتاب! فذنب (الفيلسوف) الذي روى، أقبح من ذنب (الأديب) الذي تحدث! والكلمة قبل كل شيء للأستاذ الرصافي إلى الدكتور عزام في العدد ٨٧ من (الرسالة) نشر الدكتور عبد الوهاب عزام (قصيدة تاريخية) خطيرة بعثها بعض أهل جزيرة الأندلس للسلطان بايزيد العثماني يستغيثون به مما حل بهم من القواصم والدواهي في دينهم ودنياهم بعد أن نقض الأسبان العهد والميثاق الذي أخذ عليهم. وقد وصلت القصيدة للدكتور عزام بواسطة العلامة الشيخ الجليل الراوية خليل الخالدي الذي نقلها من نسختين بقلم مغربي رآهما بمدينة فاس، وختم الأستاذ عزام تمهيده للقصيدة النائية بقوله: ولسنا ندري ما كان جواب السلطان بايريد على هذه الدعوة الملهوفة والقصيدة الباكية. فمن عرف شيئاً في هذا فليخبرنا مشكوراً)

стр. 8722

وأنا اخبر الأستاذ الفاضل - ولا شكر - بان القصيدة النائية ذكرها كلها الشهاب احمد المقري صاحب نفح الطيب في كتابه: (أزهار الرياض. في أخبار القاضي عياض) (١: ٩٤) وهو كتاب طبع جزؤه الأول بتونس سنة ١٣٢٢ ويوجد بعض ثانيه خطاً؛ كما ذكر القصيدة ميمية بعثها أبو عبد الله بن الأحمر لسلطان المغرب يعتذر فيها عما فعل وذلك بعد نزوحه لفاس واستقراره بها حيث توفي وترك ذرية إما جواب السلطان (أبا يزيد الثاني ابن محمد الفاتح ووالد سليم الأول) فيظهر أنه سعى لأغاثتهم بما أمكنه مع ما عرف به من الرغبة عن الحرب والإخلاد إلى السلم، فقد ذكر الأستاذ حسين لبيب في كتابه تاريخ الأتراك العثمانيين (٣: ٣٩) أن (كمال ريس) أول مشاهير أميرالات الترك، كان أول ما ظهر اسمه: (سنة ١٤٨٣ لما جعل قائداً للأسطول الذي أرسله السلطان بايزيد غوثاً وإعانة لمسلمي غرناطة الذين أرسلوا لسلطان البحرين والبرين مستجيرين به من ظلم وتعدى نصارى أسبانيا) فيكون بذلك قد كاتب الأسبان في خطبهم أولاً: وقد بلغ المكتوب منكم إليهم … فلم يعملوا منه جميعاً بكلمة وما زادهم إلا اعتداءً وجرأة … علينا وأقداماً بكل مساءة (كما تقول القصيدة) فلما لم يسمع له نداء أرسل أسطولاً لإغاثتهم وإعانتهم في محنتهم ولكن الشمس كانت إلى الغروب رباط الفتح (المغرب الأقصى) عبد الكريم بن الحسن تكريم الأزهر للأستاذ الأكبر أقام الأزهر علماؤه وطلابه في مساء الأربعاء الماضي حفلة تكريمية للأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغي دُعي إليها ألوف، وألقيت فيها خطب، وأنشدت بها قصائد؛ وكانت الرسالة تود أن تسجل هذه الظاهرة الجديدة في حياة الأزهر لولا أن لجنة الاحتفال أغفلت دعوتها، لسبب ترجو أن يكون كل شيء غير المروق أو الفسوق. . . .!!

стр. 8723

لوبي دي فيجا تحتفل إسبانيا بذكرى شاعرها الأكبر لوبي دي فيجا بمناسبة مرور ثلثمائة علم على وفاته، وفي الأدب الإسباني اسمان خالدان يفوقان في العظمة والبهاء كل اسم آخر: هما سير فانتس دي سافدرا، ولوبي دي فيجا، الأول في النثر والخيال الرائع، والثاني في الشعر؛ وقد عاشا في عصر واحد، ولكن سير فانتس دي سافدرا قد غدا اسماً عالمياً، وغدا أثره الشهير (الدون كيشوتي) أثر من أعظم الأثر العالمية، هذا بينما يبقى لوبي دي فيجا إسبانياً فقط وينحصر صيته وأثره في الأدب الإسباني، ولك لوبي دي فيجا يبذ من هذه الناحية مواطنه ومعاصره، فهو عميد الأدب الإسباني الحديث وأعظم أقطابه، وهي لوبي فيلكس دي فيجا، ولد بمدريد في ٢٥ نوفمبر سنة ١٥٦٢، وربى تربية عسكرية، وانخرط في سلك الجيش بادئ ذي بدء، وفي سنة ١٥٨٢ أشترك في الحملة التي بعثتها إسبانيا إلى جزائر الآزور، وبعد ذلك بأعوام أشترك في الحملة البحرية الكبرى التي جردتها إسبانيا لغزو إنكلترا وهي المعروفة بحملة (الأرمادا)، (سنة ١٥٨٨)؛ ثم أنتقل إلى الحياة المدنية، وعمل سكرتيراً للدوق آلفا (دوق إلبه) وزير فيليب الثاني الشهير، وأشتغل بعد ذلك سكرتيراً للمركيز ملبيكا. وفي سنة ١٦١٣ دخل الرهبنة وأنقطع للنظم والكتابة حتى وفاته في ٢٧ أغسطس سنة ١٦٣٥ كان لوبي دي فيجا شاعراً عبقرياً ومؤلفاً مسرحياً عظيماً؛ وكان يضطرم ابتكاراً وطرافة، وكان ينثر في شعره كل العواطف البشرية وضاءة ملتهبة من الحب والأسف والغيرة والأمل والحزن والطمع وطموح المجد؛ وكان شاعر الحقيقة في الوقت نفسه يتنقل بين مراحل الحياة البشرية؛ وكان أنيقاً في لفظه يتخير التعبير المنسجم، فيجمع نظمه بين الفلسفة الحية والخيال الساحر والبيان الرائع. وكان تقلبه في ميادين الحياة المختلفة، من الجندي، إلى الحياة المدنية، ثم إلى حياة الكنسية، من أكبر عوامل الخصب والتنوع في خياله؛ وكان يحب مسقط رأسه (مدريد) ويخصها ويخص مجتمعاتها بكثير من نظمه الممتع، بيد أن لوبي دي فيجا كان شاعر الخاصة، ولم يغز نفوس الكافة، ذلك لأنه كان يرتفع عن مستواهم في تفكيره وفي وحيه؛ أما معاصره وشريكه في الخلود، سير فانتيس، فقد كان أبعد صيتاً منه في نفوس الكافة، لأنه كان أكثر تنزلاً إليهم وأقرب إلى إفهامهم

стр. 8724

ومشاعرهم وكتب لوبي دي فيجا كثيراً للمسرح الإسباني، وكان من أعظم عوامل مجده وإزدهاره؛ وقد بلغ ما كتبه من القطع المسرحية زهاء ألفي قطعة؛ ولم يتبوأ مكانه في الأدب الإسباني بقريضه وأناشيده قدر ما تبوأها بهذا التراث المسرحي الرائع، وله أيضاً كثير من المؤلفات القصصية، ونظم كثيراً من الأناشيد والشعر الخالص في مختلف الفنون والنواحي، وكان يتبوأ في عصره ذروة النفوذ، ويمكن أن نقارن نفوذه الروحي في عصره وفي أمته بنفوذ فولتير في فرنسا في القرن الثامن عشر وفاة المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني استعز الله بمحدث الشام وعلامة الإسلام الأستاذ الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني والد رئيس الحكومة السورية عن تسعين عاماً قضاها في الإقراء والإفتاء والعبادة. وقد عرا الشام من هول مصابه رجفة من الحزن لم تسكن على الصبر والعزاء بعد. وقد نشرنا عنه في هذا العدد مقالاً للأستاذ الطنطاوي يُبين عن فضله ويكشف عن عظم المصاب فيه أربعون عاماً من السينما في أواخر سنة ١٨٩٥، أذاع لوي لوميير أنه قد أتم اختراع جهاز ضوئي جديد ينقل صور الأشخاص والكائنات في حركاتها الطبيعية. وفي شهر ديسمبر من هذا العام أقيمت التجربة العملية الأولى لهذا الاختراع في البهو الأسفل لمقهى يقع في البناء رقم ١٤ من شارع الكابوسين؛ وكل هذا الاختراع هو السينما، فأجتمع لشهوده ثلاثة وثلاثون شخصاً؛ ولم يكن المعروض (فلماً) شائقاً بالمعنى الصحيح، ولكن مناظر متقطعة من الأشخاص والأعمال وقد عمل لوي لوميير وأخوه أوجست لوميير بعد ذلك على تحسين هذا الاختراع الذي درسه مخترعون آخرون قبل ولا سيما هنري ماريه العلامة الطبيعي الشهير. وعاش لوميير ليرى بعينه كيف نما اختراعه وأضحى أداة مدهشة من أدوات المتعة والثقافة العالمية. وقد تناوله أثناء هذه الحقبة مخترعون عظماء مثل أديسون وتعهدوه بطائفة من الابتكارات المدهشة حتى أضحى من أعظم مدهشات عصرنا وفي الأنباء الأخيرة أن بلدية باريس قد احتفلت بمرور أربعين عاماً على اختراع لوي

стр. 8725

لوميير لآلة السينما؛ وشهد لويس لوميير الاحتفال بظفره بعد أربعين عاماً من تحقيقه؛ وألقيت خطب بديعة، وأنعم على المخترع خلالها بوسام الاستحقاق الذهبي كتاب عن مصر أخرجت شركة درلانجر للطباعة والنشر في إنجلترا كتاباً جديداً بعنوان (آخر بلاء لمصر) وهو يتضمن تاريخ حياة اللواء رسل باشا حكمدار القاهرة وقصة مكتب المخدرات مؤتمر المستشرقين سيعقد في مدينة روما مؤتمر المستشرقين التاسع عشر بين ٢٣ و٢٩ من شهر سبتمبر القادم، وسيمثل مصر فيه الأساتذة طه حسين وأحمد أمين ومصطفى عبد الرازق وسيشهده طائفة أخرى من رجال الأدب واللغة في مصر وفلسطين وسورية، وقد أسندت وكالته إلى الدكتور كارلو ناللينو أستاذ الأدب العربي بجامعة روما وعضو المجمع الملكي للغة العربية بالقاهرة مجلة الفجر الفلسطينية توفرت طائفة من شباب العرب في فلسطين على إخراج مجلة أدبية أسبوعية باسم (الفجر) تصدر عن مدينة يافا ويقوم على تحريرها نخبة ممتازة من الكتاب في فلسطين؛ كالأساتذة محمود سيف الدين الإيراني، وعارف سليمان العزوني، والدكتور أبي غنيمة، وسامي السراج. يعاونهم في تحريرها من مصر الأساتذة محمود تيمور وإبراهيم المصري ومحمد أمين حسونه؛ وقد صدر منها عددان دلاً على نزعة طيبة وجهد محمود لإحياء ذكرى ليسنج كانت قد ألفت في فينا قبل الحرب لجنة خاصة للنظر في إقامة أثر تذكاري كبير للكاتب والنقادة الألماني الكبير ليسنج ومرت اللجنة بأدوار وأحداث كثيرة، وتوقفت أعمالها أثناء الحرب، بيد أنها وفقت أخيراً إلى إتمام مهمتها بعد صعاب جمة، وأفتتح الأثر الذي صنعه المثال شارو برسم ليسنج في حفلة كبيرة جمعت رجال الفن والأدب وأساتذة الجامعة؛ وخطب رئيس أكاديمية الفنون وهو رئيس لجنة الذكرى الدكتور ردليخ فنوه بالعلائق

стр. 8726

الفكرية التي تربط ليسنج بمدينة فينا إذ زارها مرتين، وأقام بها ردحاً من الزمن، وكان يحلم فيها بأن يغدو مديراً للمسرح الإمبراطوري حيث كانت تمثل رواياته بنجاح مستمر؛ وأشار إلى أن الأثر الذي يقام للكاتب في فينا إنما يراد به تحية الآراء والمبادئ التي كافح ليسنج من أجلها، وهي مبادئ الإنسانية والعدالة والتسامح؛ وهي مبادئ تخلو اليوم منها بعض المجتمعات (يشير إلى ألمانيا). وخطب وزير المعارف النمسوية الدكتور برنتر؛ فأتى على حياة ليسنج ومؤلفاته، وقل إن النمسا الحالية تكرم في شخصه ألمانيا العالمية، وتدلل على أنها ما زالت بلد الثقافة الروحية والفن الرفيع؛ وأنها على أهبة دائماً لأن تكرم النبوغ الفكري؛ وأعلن حاكم مدينة فينا أنه يضع يده على الأثر باسم المدنية؛ وأن الميدان الذي يقام فيه سيسمى قريباً بميدان ليسنج وليسنج كما هو معروف من أكبر كتاب ألمانيا المسرحيين في القرن الثامن عشر أثر جديد لجان لوران نشرت مجلة (الأخبار الأدبية) الفرنسية (نوفيل لترير) في أحد أعدادها الأخيرة فصلاً عنوانه (خاتمة مسيو دي بوجرلون) وهو أثر لم ينشر من قبل للكاتب الفرنسي جان لوران؛ وتتمة لكتاب قصصي بقلم لوران عنوانه (مسيو بوجرلون) ظهر في سنة ١٨٩٧، ولقي في عصره نجاحاً عظيماً، وطبع مراراً في أعوام قليلة، ولآثار جان لوران قيمة خاصة، فهو كاتب اجتماعي وافر السحر والطرافة، وقلما تجد في الآداب الفرنسية نظيراً لأسلوبه المطبوع أو تصويره الدقيق. وقد أمتاز لوران بأنه يصف من المجتمع جوانبه الخفية، ومثالبه المروعة، فليس أبدع ولا أروع من قلمه في وصف أوكار البغاء والرذيلة، ومهابط الفجور والتدهور الاجتماعي، وصرعى المخدرات والشهوات السافلة. وقد توفي هذا الكاتب المبدع سنة ١٩٠٦ بعد أن تبوأ في أدب عصره أرفع مكانة نادي المثنى بن حارثة في بريد العراق أن شباب بغداد أسسواً نادياً بهذا الأسم، غايته بث الثقافة العربية، وأحياء التقاليد القومية، وإذكاء روح الرجولة في الشبان بالطرق المشروعة، ومحاربة كل ما يضعف الأخلاق ويوهن الصحة

стр. 8727

وفي النادي لجان مختلفة، منها لجنة الثقافة القومية، تعد المحاضرات والخطب والنشرات العلمية، وتقوم بأحياء الأيام والحوادث القومية، وتكافح الأمية، وتعنى بالآثار العربية، وتعد مكتبة منظمة تحوي الكتب العربية المختلفة، وتتصل بالحلقات العلمية في البلاد العربية واللجنة الاجتماعية، ومهمتها الخدمة الاجتماعية: وتقوم بالإرشاد الصحي والاجتماعي والتهذيبي، وتعالج المرضى من الفقراء، وتعنى عناية خاصة بالفلاح والعامل وترقية شؤونهما ولجنة الفنون الجملية، وهذه تعنى بالأناشيد العربية والموسيقى وتمثيل الروايات القومية والقيام بترقية الرسم والتصوير والنحت والاعتناء بالعربية واللجنة الاقتصادية، تأخذ على عاتقها تشجيع المصنوعات الوطنية، والسعي إلى إيجاد مصانع وطنية تقوم بإحياء بعض الصناعات الوطنية التي كان لها الشأن الكبير فيما مضى، وهي تعمل كذلك على إيجاد صناديق للتوفير وغير ذلك من الأمور الاقتصادية التي تحتاج إليها البلاد ولجنة محبي القرى، وهي تعني بإيجاد قرية عراقية عصرية كاملة من جميع الوجوه العمرانية والصحية ثم اللجنة الرياضية، وتقوم بتشجيع الرياضة والألعاب على أتلاف أنواعها، من فروسية ورماية وركوب خيل وصيد وسباحة، وتعنى بصورة خاصة بأحياء الألعاب القومية الموروثة ومثل هذا النادي المفيد يحتاج إلى عون الحكومة ليأمن عوادي الانحلال وجوائز الفوضى

стр. 8728

الكتب رسالة في الإسلام بين هيجل ومحمد عبده تأليف الأستاذ محمد محمد البهي عضو بعثة تخليد ذكرى الأمام من أولى نتائج الدرس الذي عكف عليه أعضاء بعثة تخليد ذكرى الأستاذ الإمام محمد عبده، كتيب قيم وضعه باللغة الألمانية الأستاذ محمد محمد البهي، الذي لازال يتابع دراسته في جامعة هامبورج بألمانيا ويقول المؤلف في مقدمة كتيبه هذا إن الدافع له على إصداره هو ما رآه في ألمانيا من أن الناس فيها لا يفقهون الإسلام على حقيقته، وقد كوّن رأيه هذا بعد استماعه لأستاذه (نوك) في محاضراته عن (فلسفة التاريخ) لهيجل، وبعد اشتراكه في مساجلة الأستاذ شتروتمان لتلاميذه في عدد من المؤلفات عن الإسلام. وبذلك أتيحت له الفرصة ليوزان بين آراء (هيجل) في الإسلام، كما جاءت في كتابه (فلسفة التاريخ)، وأراء فيلسوف الإسلام الإمام محمد عبدة، كما جاءت في كتابه (الإسلام والنصرانية، والعلم والمدنية). وأراد الأستاذ البهي أن يتقدم برسالة في هذا الموضوع لينال بها الدكتوراه في الفلسفة، ولكن غيرته على العلم والدين لم تمهله حتى يستوفى البحث، فأصدر هذا الكتيب لينفس عن روحه وليطلق فكرته من عقالها، وكان حقاً موفقاً في سرد أهم آراء الفيلسوف الألماني هيجل الخاصة بالإسلام، وبرغم الإجمال الذي ألتزمه المؤلف فإنه ألم بتلك الآراء إلماماً حسناً. فذكر كيف أن الإسلام في نظر الفيلسوف هيجل، هو صورة صادقة للعقلية الشرقية، فهو يجمع بين المتناقضين: المسائل التجريدية والمسائل الواقعية. وأن فكرة الإله عند اليهود هي غيرها عند المسلمين - على حد ما يعتقده هيجل، فيهوا هو رب الشعب الإسرائيلي فقط، أما الله فرب العالمين؛ ويرى هيجل أن المسلمين يعيشون ويحيون من أجل دينهم وتحقيق مبادئه، وأن حياتهم الدنيوية ليست إلا وسيلة لبلوغ الآخرة وما فيها من متاع. ولهذا كانت فتوحاتهم العظيمة في آسيا وأفريقيا وأوربا. وكان التعصب ضد الكفرة على أشده في بادئ الأمر، إلا

стр. 8729

أنه تراخي بعض الشيء، فأستعيض عن قتل الكافر بفرض جزية سنوية على شخصه؛ ومع ذلك لم يكن التعصب في الإسلام مدعاة تخريب وهدم، كما هي طبيعة التعصب، بل كان فوق ذلك مدعاة تشييد وبناء. ثم تدرج المؤلف إلى ذكر رأى هيجل في أن الإسلام كدين يبرر أعمال العنف والقوة لنشره، كما برر روبسبير أعمال العنف والقوة لبلوغ الحرية؛ وأن الفردية في الإسلام من التناقض بدرجة تجعل الحاكم الذي يبغي المجد والعظمة والسيطرة لا يتوانى في أن يضحي بها جميعاً في سبيل الدين، وقد لا يلبث إلا قليلاً حتى يستردها دون هوادة، وأن الخليفة عمر - على حد ما ذكره هيجل - هو الذي أمر بإحراق مكتبة الإسكندرية، بينما الخلفية المنصور كان يجمع العلماء في مجلسه ويغدق عليهم العطايا؛ وبحسن معاملته لهم أزدهر الأدب والعلم في أيامه. ثم ذكر بأن الحريات كانت مكفولة للناس كافة، لا فرق بين رجل وامرأة، ولا بين طبقة وأخرى، حتى كان الرجل من رعاع الناس يدخل على الخليفة في مجلسه فيحدثه مطمئناً عن كل ما يريد؛ ولكن عقب ذلك أعتكف الخلفاء والحكام في قصورهم وأبعدوا الشعب عنهم، فأنقلب الحال إلى الضد. ويرجع (هيجل) أسباب ذلك إلى أن التعصب الديني كانت قد بردت حرارته، فبدأت المفاسد تسود المجتمع، وأصبح الاستمتاع بملذات الحياة شهوة الناس في هذه الدنيا، ثم تراجع الإسلام كما يقول (هيجل) إلى أفريقيا وآسيا، ولم تطقه النصرانية إلا في ركن ضيق من أوربا. وتلاشى الإسلام كقوة مسيرة لتاريخ العالم. ويعترف هيجل بأن الغربيين أخذوا عن العرب مختلف العلوم والفنون والمعارف، وبخاصةً الفلسفة؛ ويقر فيلسوف الألمان أم الإسلام هو أكبر ظاهرة في تاريخ العالم غير أن الأستاذ البهي يرى أن هيجل حكم على الإسلام من خلال أعمال بعض المسلمين، وكان الأولى به أن يرجع إلى مصادر الإسلام وهي: القرآن والحديث وما أجمع عليه الأئمة. وعاب على هيجل طريقته في البحث، وقال بأنه (أي المؤلف) لن يكون عادلاً في حكمه إذا ما نسب إلى الدين المسيحي عداءه للعلم ومحاربته لحرية الفكر، مستنداً في ذلك إلى بعض الحوادث التي منها: (١) إعدام (حيباتيا) المصرية وكانت سيدة من أفذاذ العلماء الرياضيين، عام ٤١٥ ميلادية أثناء تعقب النصارى للفلاسفة

стр. 8730

(٢) إحراق ١٢٢٠ شخصاً بالنار فيما بين سنة ١٤٨١ و١٤٩٩م، وهم أحياء تنفيذاً لأحكام الرقابة الموضوعة على الكتب وأصحابها (٣) إحراق جيوردانو بروفو الذي قال بالوحدانية الربانية (٤) إحراق الكردينال زيمنس ٨٠٠٠ مجلد من الكتب العلمية في غراناطة إن كل هذه الأعمال لا تؤديها التعاليم الدينية المسيحية، وكل بحث يرتكن إلى مثل هذه الأشياء يكون خاطئاً. وهكذا كان هيجل في بحثه عن الإسلام؛ واستشهد المؤلف برأي الأستاذ هورتن الذي ذكر في أحد كتبه: (إن انحطاط المسلمين وعدم قيامهم بأعمال مجيدة سامية لا ترجع إلى روح الإسلام، ولكن إلى سوء تصرف الخلفاء وإلى غيره من الأمور، ونشأ عن ذلك أضرار عديدة بالدين والعادات وسمعة الإسلام) ثم ناقش الأستاذ البهي ثماني مسائل من آراء الفيلسوف هيجل أولها: الفريدة في الإسلام. فهي ليست العمل للآخرة دون سواها، كما تصورها هيجل، ولكن العمل للدنيا أيضاً؛ وأستشهد بما جاء في الذكر الحكيم: (ولا تنس نصيبك من الدنيا)، وما جاء في الحديث: (أعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، وأعمل لأخرتك كأنك تموت غدا) وتكلم في المسألة الثانية عن الصوم وأن الغرض منه ليس مجرد صحة الأبدان، بل له غرض معنوي آخر هو إشعار الصائم بوجوب العطف على الفقراء والمساكين أما المسألة الثالثة فقد حاول فيها الأستاذ البهي أن يثبت بأن الإسلام لم يكن في كل الحروب التي خاضها إلا مدافعاً عن كيانه. أما فكرة الغزو لإجبار الناس على اعتناق الإسلام، فليس لها أصل في الدين. وقد أستشهد بآراء هورتن الذي ذكر في أحد كتبه بأن الحروب الدينية في الإسلام لم تكن إلا للدفاع عن هجمات الأعداء أو لإخماد فتنة. ولهذا كانت الفكرة القائلة بأن الدين الإسلامي يبرر أعمال العنف والقوة فكرة خاطئة وعالج المؤلف في المسألة الرابعة مسألة الجزية على الذميين، وقال بأن الغرض منها لم يكن إجبار الناس على اعتناق الإسلام بل كانت مجرد ضريبة للمحافظة على أرواح الناس وأملاكهم أما عن التعصب في الدين، وهي المسألة الخامسة فالإسلام لا يعارض العلم، ولا يعاقب الأحرار من العلماء أو يتعقبهم، بل دعا الدين الإسلامي إلى الدراسة، وإلى العلم والمعرفة،

стр. 8731

وقد أحيا المسلمون العلماء أيا كانوا، وأشادوا بذكرهم واحترموهم ويجلوهم؛ ويكفي إن علماء اليهود في سورية وعلماء النصارى في مصر، كانوا يجلسون مع غيرهم من العلماء في مجالس الخلفاء والحكام. ولقد نقل المسلمون العلوم إلى بلاد الغرب، كما إن الإسلام لم يحظر على الناس حرية البحث، بل ضمن لهم الحرية الكاملة سواء أكانوا من الأولياء أم الأعداء أما مسألة حرق العرب لمكتبة الإسكندرية، وهي النقطة السادسة، فإن هذه الدعوى لم تأت في أي كتاب علمي للتاريخ، وقد كذبتها دائرة المعارفة الإسلامية، كما كذبها الأستاذ موللر في كتابه (الإسلام في المشرق والمغرب) وعالج المؤلف في النقطة السابعة عفاء الدولة الإسلامية، وقال إن ذلك يرجع إلى أسباب سياسية واقتصادية، مما ليس له علاقة بالدين، وأستشهد برأي الفيلسوف شبنجلر حيث يقول: (وإذا كان هيجل قد ختم بحثه عن الإسلام بقوله: (إن قوة الإسلام اختفت كعامل لتكييف تاريخ العالم. . .) فعلينا أن نتذكر بأنه يوجد اليوم ثلثمائة مليون مسلم في العالم) وأعقب الأستاذ البهي ذلك البحث بآراء الأستاذ الأمام الشيخ محمد عبده في الإسلام، مستنداً في ذلك إلى كتابه (الإسلام والنصرانية، والعلم والمدنية) - كما ذكرنا في البدء. وإنا نكتفي هنا بالإشارة إليه، ليراجعه من يهمه الإطلاع عليه إبراهيم إبراهيم يوسف شرح الإيضاح في علوم البلاغة للأستاذ عبد المتعال الصعيدي المدرس بكلية اللغة العربية ذكر جلال الدين الخطيب أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن القزويني أنه ألف كتابه (الإيضاح) وجعله على ترتيب مختصره الذي سماه (تلخيص المفتاح) وبسط القول فيه ليكون كالشرح له، فأوضح فيه مواضعه المشكلة، وفصل معانيه المجملة، وعمد إلى ما خلا عنه المختصر مما تضمنه (مفتاح العلوم) للإمام السكاكي، وإلا ما خلا عنه المفتاح من كلام

стр. 8732

الشيخ الإمام عبد القاهر في كتابيه (دلائل الأعجاز وأسرار البلاغة) وإلى ما تيسر النظر فيه من كلام غيرهما - فأستخرج من ذلك كله زبدته، وهذبه ورتبه حتى أستقر كل شيء منه في محله، ثم أضاف إلى ذلك ما أداه إليه فكره ولم يجده لغيره، فجمع بهذا أشتات هذه العلوم كلها، واستقامت له فيها هذه الطريقة البديعة التي فتن بها الناس بعده وجاراه فيها كل من كتب في علوم البلاغة الثلاثة إلى الآن وهو يميل في مختصره (تلخيص المفتاح) إلى طريقة السكاكي في العناية بجمع القواعد دون إيراد الشواهد، ويميل في الإيضاح إلى الجمع بين طريقة السكاكي في ذلك، وطريقة عبد القاهر في العناية بإيراد الشواهد، وقد أمتاز في إيضاحه على السكاكي في طريقته بحسن الترتيب، وبوضوح العبارة وجريها على الأسلوب العربي، كما أمتاز على عبد القاهر بالقصد في إيضاح القواعد على ما يليق بأسلوب الكتابة العلمية ولكن العلماء الذين أتوا بعد الخطيب لم تعجبهم طريقة (الإيضاح) على ما تمتاز به من هذه الميزات العظيمة، وفتنوا أيما فتنة بطريقة (التلخيص) في العناية بجمع القواعد، وإهمال إيراد الشواهد من منظوم العرب ومنثورهم، فوضعوا عليه من الشروح المبسوطة ما لا يحصى، ووضعوا على تلك الشروح شروحاً سموها حواشي، ووضعوا على تلك الحواشي شروحاً سموها تقارير، وجروا فيها كلها على إهمال ما أهمله الخطيب في تلخيصه من تلك الشواهد التي لا يستقيم النظر في هذه العلوم إلا بها، فجاء كل ما كتبوه على هذه الطريقة حشواً لا فائدة إلى في القليل منه، حتى أصبحت طريقة غاية في العقم، وغدت دراسة هذه العلوم بها خالية من الثمرة، عاجزة عن تربية الذوق البياني وقد أحسنت كلية اللغة العربية من كليات الجامع الأزهر بالعدول عن درس هذه العلوم في التلخيص وشرحه للسعد التفتازاني إلى درسها في الإيضاح وحده، ولكن طلاب هذه الكلية يجدون أنفسهم في حاجة إلى الرجوع إلى هذه الشروح والحواشي والتقارير في كثير من مواضع الإيضاح في سائر أبوابه، فيضطرون بحكم هذه الحاجة إلى الرجوع إليها كلها، واستيعاب النظر فيها، وتضيع بذلك الفائدة المقصودة من إيثار درس الإيضاح عليها ولا شك أن هؤلاء الطلاب وغيرهم من طلاب هذه العلوم في حاجة إلى شرح على الإيضاح يجاريه في طريقته، ويكمل من شواهد ما لم يكمله، ويزيد عليها ما تدعو الحاجة

стр. 8733

إليه، وينظر في ذلك الحشو الكثير الذي أتخمت به هذه العلوم فيختار منه ما فيه فائدة تتصل بها وما أقل ذلك بينه، ويهمل ما لا اتصال له بها وما أكثره فيه، ويؤدي مع ذلك كله واجب النظر العلمي الحديث في بعض مسائلها، وقد وفق الله واضع هذا الشرح الجديد على الإيضاح إلى ما أراده من هذه الأغراض، فجزاه الله عنه خير الجزاء (ص)

стр. 8734

العدد ١٠٦ - بتاريخ: ١٥ - ٠٧ - ١٩٣٥

стр. 8735

الميت الذي لا يموت ٢ - الشيخ محمد عبده بمناسبة ذكراه الثلاثين تولدت حيوية الأمام القوية من جبله أبيه الحرة في (محلة نصر)، وتكونت نفسيته الدينية من صوفية خاله النقية في (كنيسة أورين)، وتفتحت عقليته العلمية في شمس جمال الدين المشرقة بالقاهرة؛ فكان سر الوراثة يجريه في الاعتقاد على الإخلاص، وفي العزم على المضاء، وفي القول على الصراحة، وفي العمل على الجرأة، وفي الحياة على التمرد؛ فالقلق المقدس الذي يشبه في الحكماء، والإرهاص في الأنبياء، كان لا يفتأ منذ الحداثة يساوره في كل هم يحاوله، وعمل يزاوله، وموضع يستقر فيه؛ وذلك القلق مبعث في المصلح صفاء النفس ولطف الحس وحدة الفطنة، فهو وحدة يدرك النقص فيروم الكمال، ويلحظ الخطأ فيطلب الصواب، ويسام الركود فيبتغي التحول؛ ولذلك كان الأمام لا يكره طبعه على حال، ولا يلبس سمعه على رأي، ولا يملك لسانه عن نقد، ولا يكف عزمه عن تغيير، ولا يخزل جهده عن إصلاح دخل المعهد الأحمدي فبرم بالتعلم لفساد الطريقة وسوء الكتب، فكان وَكْدُه طول عمره أن ينعش الدين من هذا الخمود، ويخرج الأزهر من هذه الفوضى، وينقذ الطلاب من هذا العنت؛ وظهرت مقالاته في (الأهرام) وهو لا يزال في صدر الطلب تحمل دعوة هذا العقل المتجدد المتمرد إلى العلوم العقلية، والمعارف العصرية، والأدب المنتج؛ ثم تولى رآسة المطبوعات وتحرير الجريدة الرسمية فثار على الأساليب الكتابية في الدواوين، والتقاليد الإدارية في الحكم، والبدع الفاشية في الدين، والعادات المنكرة في المجتمع؛ وكانت مقالاته في (الوقائع المصرية) دستوراً للغة، ونظاماً للكتابة، ومنهاجاً للفضيلة، قام على نفاذها سلطان من شجاعته وقوة من نفوذه ثم شايع العرابيين في الغضبة المصرية الأولى مشايعة البصير الحازم، فأعقبته النفي إلى سورية؛ وهناك دله ذلك الشعور النبوي فيه إلى ما جره سوء سياسة السلطان، من انفراج الحال بين الأديان، وجفاف الثرى بين الأخوان، فوضع دستوراً لإصلاح التعليم الديني قدمه إلى شيخ الإسلام، ومشروعاً لإصلاح القطر السوري قدمه إلى والي بيروت، ولو أخذت

стр. 8736

بهما الحكومة العثمانية لكان شأنها غير ذلك الشأن، وعاقبتها غير هذه العاقبة ثم أتسع أفق تفكيره، وأنفسخ مدى نظره، فراعه حال المسلمين من قناعتهم بالدون، واستنامتهم إلى الهُون، وقعودهم عن مسايرة التمدن، فوافي الأفغاني إلى باريس، ودعا في (العروة الوثقى) أشتات الأمة إلى الوحدة، وأموات الجهالة إلى البعث وأسرى العبودية إلى التحرير ثم ولوه يعد العفو عنه القضاء، فلاءم بين الأحكام المدنية والدينية، وساوى في النظام بين المحاكم الأهلية والشرعية، وأرتحل لهذه من الإصلاح ما حقق من وجودها النفع، وجدد في قضاتها الثقة، وضمن لقضائها التنفيذ ثم عاد فحصر إصلاحه الداخلي، الديني والمدني، في إصلاح الأزهر، لأنه منشأ الدعاة والهداة والقضاء والمعلمين في مصر وغير مصر، فإذا قلبه على الوضع الذي يريد فقد وضع المكواة على أصل العلة، وأختصر الطريق إلى بلوغ الغاية؛ ولكن أبا لهب وأشياعه في الجامع وفي القصر أرادوا وا أسفاه أن يطفئوا بأفواههم نور الله، فأطفأوا بكيدهم سراج حياته!! ذلك سر الوراثة الفلسجية عن أبيه القروي الفقير الباسل، أما سر الوراثة الروحية عن خاله التقي العارف، فرجوعه إلى مشاريع الدين الصافية، وعقائد القرآن الأولى. قال ذات يوم لخاله: ما طريقتكم؟ قال: الإسلام، قال: وما وردْكم؟ قال القرآن. فلم يتبع منذ يومئذ غير سبيل المؤمنين ومنهاج الأئمة: أيقظ همه للإسلام فقرت عقائده من الأفهام، وقطع عنه ألسنة المبشرين والمستعمرين بالأدلة النواهض والحجج الملزمة؛ وجعل عزمه للقرآن ففاز منه برياض مونقه، وأعلام بينه: فبراهين قضاياه من قواعده، وبينات دعاواه من شواهده، ومضامين عبقرياته من هدية، وأفانين بلاغاته من وحيه، وعناوين مقالاته من آيه؛ فكأنه رسول الرسول ظهر في عصر العلم الشاك والمدنية الملحدة ليكشف عما غيب الله من نور الكتاب وسره! أما سر الوراثة العقلية عن أستاذه الحكيم الثائر، فذلك النفوذ البعيد في علوم الفلسفة، والبصر الشديد بضروب المعرفة، والإلمام المحيط بثقافة العصر، والعلم الواسع بقواعد العمران وتاريخ الأديان وطباع الشعوب وأخبار الأمم! وسر النتائج في هذه الوراثات

стр. 8737

الثلاث: طبع ذكي، ونبوغ فطري، ونفحه من روح الله ليعيد كلمته على لسنه، ويبعث شريعته عن قلبه كان الأمام محمد عبقرية ثائرة ناقدة لا تعرف القيود ولا الحدود ولا السطحية، ولكنها انحصرت بحكم الظروف في الإصلاح الديني، فوقفت بين الدين الذي تأخر، والعلم الذي تقدم، موقف ابن رشد وابن سينا من قبل: تحاول التأليف بين القلب والعقل، والتوفيق بين الرأي والنقل، فذهب أكثر جهده باطلاً بين الجامدين الذين يرون في تجديده الدين بالعلم بدعة، وبين المسرفين الذين يرون في تقييده العلم بالدين رجعية! فلو أنه عالج الإصلاح الاجتماعي من طريق العلم، أو السياسي من طريق الحكم، لدفع الأمة إلى الأمام قرناً على الأقل وبعد، فإن في ميدان الأزهر الجديد موضع التمثال العتيد لمجدد الإسلام ومصلح الأزهر! ولو كنا اقترحنا هذا الاقتراح في عهد (الفلان) وأشباهه لاستغفرنا الجهل سبعين مرة، ولكننا نقترحه اليوم في عهد المراغي تلميذ الأمام وخليفته! فهل يتحقق الظن ويصدق الأمل؟ أحمد حسن الزيات

стр. 8738

فلسفة الطائشة للأستاذ مصطفي صادق الرافعي . . . وهذا مجلس من مجالس الطائشة مع صاحبها، مما تسقّطَه من حديثها؛ فقد كان يكتب عنها ما تصيبُ فيه وما تخطئ، كما يكتب أهل السياسة بعضُهم عن بعض إذا فاوض الحليف حليفه أو ناكر الخصمُ خصمه؛ فان كلام الحبيبِ والسياسيّ الداهية ليس كلام المتكلم وحده، بل فيه نطق الدولة. . . . وفيه الزمن يقبل أو يُدبر وصاحب الطائشة كان يراها امرأة سياسية كهذه الدولة التي ترغم صديقاً على الصداقة لأنه طريقها أو طريق حوادثها. وكان يسميها (جيشَ احتلال)، إذ حطت في أيامه واحتلتها فتبوأت منها ما شاءت على رغمه، واستباحت ما أرادت مما كان يحميه أو يمنعه. وقد كان في مدافعته حبها واستمساكه بصداقتها كالذي رأى ظل شئ على الأرض فيحاول غسله أو كنسه أو تغطيته. . . فهذا ليس مما يغُسل بالماء ولا يكنس بالمكنسة ولا يغطى بالأغطية، إنما إزالته في إزالة الشبح الذي هو يلقيه أو إطفاء النور الذي هو يثبته في كل شيء على الأرض سخرية من الحسن الفاتن الذي تقدسه، تأتي من اشتهاء هذا الحسن؛ فذاك إسقاطه سقوطاً مقدساً. . . أو ذاك تقديسه إلى أن يسقط، أو هو جعل تقديسه بابا من الحيلة في إسقاطه. لابد من سفل مع العلو يكون أحدهما كالسخرية من الآخر؛ فإذا قال رجل لامرأة قد فتنته أو وقعت من نفسه: (أحبك) أو قالتها المرأة لرجل وقع من نفسها أو استهامها، ففي هذه الكلمة الناعمة اللطيفة كل معاني الوقاحة الجنسية، وكل السخرية بالمحبوب سخرية بإجلال عظيم. . . وهي كلمة شاعر في تقديس الجمال والإعجاب به، غير أنها هي بعينها كلمة الجزار الذي يرى الخروف في جمال اللحميّ الدهنيّ، فيقول: (سمين. . .!) لهذا يمنع الدين خلوة الرجل بالمرأة، ويحرم إظهار الفتنة من الجنس للجنس، ويفصل بمعاني الحجاب بين السالب والموجب، ثم يضع لأعين المؤمنين والمؤمنات حجاباً آخر من الأمر بغض البصر، إذ لا يكفي في ذلك حجاب واحد، فان الطبيعية الجنسية تنظر بالداخل والخارج معاً. ثم يطرد عن المرأة كلمة الحب إلا أن تكون من زوجها وعن الرجل إلا أن تكون من زوجته، إذ هي كلمة حيلةٍ في الطبيعة أكثر مما هي كلمة صدقٍ في الاجتماع، ولا

стр. 8739

يؤكد في الدين صدقها الاجتماعي إلا العقد والشهود لربط الحقوق بها، وجعلها في حياطة القوة الاجتماعية التشريعية، وإقرارها في موضعها من النظام الإنساني؛ فليس ما يمنع أن يكون العاشقُ من معاني الزوج، أما أن يكون من معنى آخر أو يكون بلا معنى فلا؛ وكل ذلك لصيانة المرأة ما دامت هي وحدها التي تلد، وما دامت لا تلد للبيع. . . . وفلسفة هذه الطائشة فلسفة امرأة ذكية مطلعةٍ محيطة مفكرة، تبصر بالكتب والعقل والحوادث جميعاً، وقد أصبحت بعد سقطةِ حبها ترى الصواب في شكلين لا شكل واحد؛ فتراه كما هو في نفسه، وكما هو في أغلاطها وقد أسقطنا في رواية مجلسها ما كان من مطارحات العاشقة، واقتصرنا على ما هو كالإملاء من الأستاذة. . . . قال صاحب الطائشة: ذكرت لها (قاسم أمين) وقلت: إنها خير تلاميذه. . . . حتى لكأنها تجربه ثلاثين سنة لآرائه في تحرير المرأة. فقالت إنما كان قاسم تلميذَ المرأة الأوربية، وهذه المرأة بأعيننا فما حاجتنا نحن إلى تلميذها القديم؟ قالت: وابلغ من يرد على قاسم اليوم هي أستاذته التي شبت بها أطوار الحياة بعده، فقد أثبت قاسم - غفر الله له - أنه أنحصر في عهدٍ بعينه ولم يتبع الأيام نظره، ولم يستقرئ أطوار المدنية، فلم يقدر أن هذا الزمن المتمدن سيتقدم في رذائله بحكم الطبيعة أسرع وأقوى مما يتقدم في فضائله، وأن العلم لا يستطيع إلا أن يخدم الجهتين بقوة واحدة فأقواهما بالطبيعة وأقواهما بالعلم، وكأن الرجل كان يظن أنه ليس تحت الأرض زلازل ولا تحت الحياة مثلُها مزق البرقع وقال: (إنه مما يزيد في الفتنة، وإن المرأة لو كانت مكشوفة الوجه لكان في مجموع خلْقها - على الغالب - ما يرد البصر عنها) فقد زال البرقع، ولكن هل قدر قاسم أن طبيعة المرأة منتصرة دائماً في الميدان الجنسي بالبرقع وبغير البرقع، وأنها تخترع لكل معركةٍ أسلحتها، وأنها إن كشفت برقع الخزّ فستضع في مكانه برقع الأبيض والأحمر. . . .؟ وزعم أن (النقاب والبرقع من أشد أعوان المرأة على إظهار ما تظهر وعمل ما تعمل لتحريك الرغبة، لأنهما يخفيان شخصيتها فلا تخاف أن يعرفها قريب أو بعيد فيقول: فلانة،

стр. 8740

أو بنت فلان، أو زوج فلان كانت تفعل كذا. فهي تأتي كل ما تشتهيه من ذلك تحت حماية البرقع والنقاب) فقد زال البرقع والنقاب، ولكن هل قدر قاسم أن المرأة السافرة ستلجأ إلى حماية أخرى فتجعل ثيابها تعبيراً دقيقاً عن أعضائها، وبدلاً من تلبس جسمها ثوباً يكسوه تلبسه الثوب الذي يكسوه ويزينه ويظهره ويحركه في وقت معاً، حتى ليكاد الثوب يقول للناظر: هذا الموضوع أسمهُ. . وهذا الموضع اسمهُ. . وأنظر هنا وأنظر هاهنا. . ما زادت المدنية على أن فككت المرأة الطيبة ثم ركبتها في هذه الهندسة الفاحشة! وأراد قاسم أن يعلمنا الحب لنرتبط به الزوج معنا، فلم يزد على جرأنا على الحب الذي فر به الزوج منا، وقد نسى أن المرأة التي تخالط الرجل ليعجبها وتعجبه فيصيرا زوجين - إنما تخالط في هذا الرجل غرائزه قبل إنسانيته، فتكون طبيعية وطبيعتها هي محل المخالطة قبل شخصيهما، أو تحت ستار شخصيهما؛ وهو رجل وهي امرأة، وبينهما مصارعة الدم. . . وكثيراً ما تكون المسكينة هي المذبوحة. وقد أنتينا إلى دهرِ يصنع حبه ومجالس أحبابه في (هوليود) وغيرها من مدن السما، فإن رأي الشاب على الفتاة مظهر العفة والوقار قال: بلادة في الدم، وبلاهة في العقل، وثقل أي ثقل. وأن رأى غير ذلك قال: فجور وطيش واستهتار أي استهتار. فأين تستقر المرأة ولا مكان لها بين الضدين؟ اخطأ قاسم في إغفال عمل الزمن من حسابه، وهاجم الدين بالعرف؛ وكان من أفحش غلطه ظنه العرف مقصوراً على زمنه، وكأنه لم يدر أن الفرق بين الدين وبين العرف هو أن هذا الأخير دائم الاضطراب، فهو دائم التغير، فهو لا يصلح أبدا قاعدةً للفضيلة. وهانحن أولاء قد انتهينا إلى زمن العرى، وأصبحنا نجد لفيفاً من الأوربيين المتعلمين، رجالهم ونسائهم، إذا رأوا في جزيرتهم أو محلتهم أو ناديهم رجلاً يلبس في حقويه تبّاناً قصيراً كأنه ورق الشجر على موضعه ذاك من آدم وحواء، إذا رأوا هذا المتعفف بخرقه. . . . أنكروا عليه وتساءلوا بينهم. من؛ من هذا الراهب. . . .؟ ونسى قاسم - غفر الله له - أن للثياب أخلاقا تتغير بتغيرها فالتي تفرغ الثوب على أعضائنا إفراغ الهندسة، وتلبس وجهها ألوان التصوير - لا تفعل ذلك إلا وهي قد تغير فهمها للفضائل، فتغيرت بذلك فضائلها، وتحولت من آيات دينية إلى آيات شعرية. وروح المسجد غير روح الحانة، وهذه غير روح المرقص، وهذه غير وروح المخدع، ولكل حالة

стр. 8741

تلبس المرأة لبساً فتخفي منها وتبدي. وتحريك البيئة لتتقلب، هو بعينه تحريك النفس لتتغير صفاتها، وأين أخلاق الثياب العصرية في امرأة اليوم، من تلك الأخلاق التي كانت لها من الحجاب؟ تبدلت بمشاعر الطاعة والصبر والاستقرار والعناية بالنسل والتفرغ لإسعاد أهلها وذويها - مشاعر أخرى أو لها كراهية الدار والطاعة والنسل، وحسبك من شر هذا أوله وأخفه! كان قاسم كالمخدوع المغتر بآرائه، وكان مصلحاً فيه روح القاضي، والقاضي بحكم عمله مقلدٌ متبع، أليس عليه أن يسند رأيه دائماً إلى نص لم يكن له فيه شأن ولا عمل؟ من ثم كثرت أغلاط الرجل حتى جعل الفرق بين فساد الجاهلة وفساد المتعلمة أن الأولى (لا تكلف نفسها عناء البحث عن صفات الرجل الذي تريد أن تقدم له أفضل شيء لديها وهو نفسها؛ وعلى خلاف ذلك يكون النساء المتعلماتُ، إذا جرى القدر عليهن بأمر مما لا يحل لهن لم يكن ذلك إلا بعد محبة شديدة يسبقها علم تام بأحوال المحبوب (. . . .) وشمائله وصفاته، فتختاره من بين مئات وألوف ممن تراهم في كل وقت (!!!!) وهي تحاذر أن تضع ثقتها في شخص لا يكون أهلاً لها، ولا تسلم نفسها إلا بعد مناضلة يختلف زمنها وقوة الدفاع فيها حسب الأمزجة (؟؟؟؟) وهي في كل حال تستتر بظاهر من التعفف (؟؟؟؟). . .) أليس هذا كلام قاض من القضاة المدنيين المتفلسفين على مذهب (لمبروزو) يقول لإحدى الفاجرتين: أيتها الجاهلة الحمقاء كيف لم تتحاشي ولم تتستري فلا يكون للقانون عليك سبيل؟ وحتى في هذا قد أثبت قاسم أنه لا يعرف الأرنب وأذنيها وإلا فمتى كان في الحب اختيار، ومتى كان الاختيار يقع فيما يجرى به القدر، ومتى كان نظر العاشقة إلى الرجال نظراً سيكولوجياً كنظر المعلمة إلى صبيانها. . . . فتدرس الصفات والشمائل في مئات وألوف ممن تراهم في كل وقت لتصفيها كلها في واحد تختاره من بينهم؟ هذا مضحك! إليك خبراً واحداً مما تنشره الصحف في هذه الأيام؛ كفرار بنت فلان باشا خريجة مدرسة كذا مع سائق سيارتها، ففسر لي أنت كلام قاسم، وأفهمني كيف تكون اثنان واثنان خمسة وعشرين؟ وكيف يكون فرار متعلمة أصيلة مع سائق سيارة هو محاذرة وضع الثقة فيمن لا

стр. 8742

يكون أهلاً لها؟ لقد أغفل قاسم حساب الزمن في هذا أيضاً، فكثير من المنكرات والآثام قد أنحل منها المعنى الديني وثبت في مكانه معنى اجتماعي مقررٌ، فأصبحت المتعلمة لا تتخوف من ذلك على نفسها شيئاً، بل هي تقارفه وتستأثر به دون الجاهلة، وتلبس له (السواريه)، وتقدم فيه للرجال المهذبين مرة ذراعها، ومرة خصرها. . . أقرأت (شهرزاد)؟ أن فيها سطراً يجعل كتاب قاسم كله ورقاً أبيض مغسولاً فيه شيء يقرأ: قالت شهرزاد المتعلمة المتفلسفة، البيضاء البضة، الرشيقة الجميلة؛ للعبد الأسود الفظيع الدميم الذي تهواه: (ينبغي أن تكون أسود اللون؛ وضيع الأصل؛ قبيح الصورة، تلك صفاتك الخالدة التي أحبها. . . . . .) فهذا كلام الطبيعة نفسها لا كلام التأليف والتلفيق والتزوير على الطبيعة قال صاحب الطائشة: فقلت لها: فإذا كان قاسم لا يرضيكِ، وكان الرجل مصلحاً دخلته روح القاضي، فخلط رأياً صالحاً وآخر سيئاً، فلعل (مصطفى كمال) همك من رجل في تحرير المرأة تحريراً مزق الحجاب وأل. . .؟ قالت إن مصطفى كمال هذا رجل ثائر، يسوق بين يديه الخطأ والصواب بعصا واحدة، ولا يمكن في طبيعة الثورة إلا هذا، ولا يبرح ثائراً حتى يتم انسلاخ أمته. وله عقل عسكري كان يمكر به مكر الألمان حين أكرههم الحلفاء على تحويل مصانع (كروب) فحولوها تحويلاً يردها بأيسر التغيير إلى صنع المدافع والمهلكات. وليس الرجل مصلحاً ألبتة، بل هو قائد زهاه النصر الذي أتفق له، فخرج من تلك الحرب الصغيرة وعلى شفتيه كلمة: (أريد. . .) وجعل بعد ذلك إذاً غلط غلطة أرادها منتصرة، فيفرضها قانوناً على المساكين الذين يستطيع أن يفرض عليهم وهم اليوم لا يملأون قبضة دولته، فيقهرهم عليها ولا يناظرهم فيها، ويأخذ كيف شاء، ويدعهم كيف أحب؛ وبكلمة واحدة: هو مؤلف الرواية والقانون نفسه أحد الممثلين. . . وحقده على الدين وأهل الدين هو الدليل على أنه ثائر لا مصلح؛ فإن أخص أخلاق الثورة حقد الثائرين، وهذا الحقد في قوة حرب وحدها، فلا يكون إلا مادة للأفعال الكثيرة

стр. 8743

المذمومة. والرجل يحتذي أوروبا ويعمل على أعمال الأوربيين في خيرها وشرها، ويجعل رذائلهم من فضائلهم على رغم أنفهم يتبرأون هم منها ويلحقها هو بقومه، فكأنه يعتنف الآراء ويأخذها أخذاً عسكرياً، ليس في الأمر إلا قوله أريد. فيكون ما يريد. هو لم يحكم على شبر من أوروبا يجعله تركيا، ولكنه جعل رذائل أوروبا تتجنس بالجنسية التركية. . . وتالله إنه لأيسر عليه أن يجئ بملائكة أو شياطين من المردة، ينفخون أرض تركيا فيمطونها مطاً فيجعلونها قارة من أن يكره أوروبا على اعتبار قومه أوربيين بلبس قبعة وهدم مسجد. إنه لا يزال في أول التاريخ، وهذا الشعب الذي أنتصر به لم تلده مبادئه ولا أنشأه هدم المساجد وشنق العلماء، بل هو الذي ولدته تلك الأمهات، وأخرجه أولئك الآباء، وما كان يعوزه إلا القائد الحازم المصمم، فلما ظفر بقائده جاء بالمعجزة؛ فإذا فتن القائد بنفسه وأبى إلا أن يتحول نبياً فهذا شيء آخر له أسم آخر ولنفرض (الأثير) كما يقول العلماء، لنستطيع أن نجعل مسألتنا هذه علمية، وأن نبحثها بحثاً علمياً، فليكن مصطفى كمال هو اللورد كتشنر في إنجلترا، فيكسب اللورد كتشنر تلك الحرب العظمى لا حرب الدويلة الصغيرة، وينتصر على البراكين من الجيوش لا على مثل براميل النبيذ. . . ثم يستعز الرجل بدالته على قومه ويدخله الغرور، فيتصنع لهم مرة ويتزين لهم مرة، ثم يأتيهم بالآبدة فيسفه دينهم، ويريدهم على تعطيل شعائرهم وهدم كنائسهم لأن هذا هو الإصلاح في رأيه. أفترى الإنجليز حينئذ يضوون إليه ويلتفتون حوله ويقولون: قائدنا في الحرب، ومصلحنا في السلم، وقد انتصرنا به على الناس فسننتصر به على الله، وظفرنا معه بيوم من التاريخ فسنظهر معه بالتاريخ كله. . .؟ أم تحسب كان كتشنر كان يجسر على هذا وهو كتشنر لم يتغير عقله؟ إنه والله ما يتدافع اثنان أن هدم كنيسة واحدة لا يكون إلا هدم كتشنر وتاريخ كتشنر، ولكن العجز ممهد من تلقاء نفسه، والأرض المنخسفة هي التي يستنقع فيها الماء فله فيها أسم ورسم؛ أما الجبل الصخري الأشم، فإذا صب هذا الماء عليه أرسله من كل جوانبه، وأفاضه إلى أسفل. . .! قال صاحب الطائشة: فأقول لها: إذا كان هذا رأيك للنساء فكيف لا ترين مثل هذا لنفسك؟ فتضعضعت لهذه الكلمة ولجلجت قليلاً ثم قالت: أنت سلبتني الرأي لنفسي، ووضعتني في

стр. 8744

الحقيقة التي لا تتقيد بقانون الخير والشر قلت: فإذا كانت كل امرأة تغلط لنفسها في الرأي وتنصح بالرأي الصائب غيرها، فيوشك ألا يبقى في نساء الأرض فضيلة ولا يعود في المدرسة كلها عاقل إلا الكتاب فتضاحكت وقالت: لهذا يشتد ديننا الإسلامي مع المرأة، فهو يخلق طبائع المقاومة في المرأة، ويخلقها فيما حولها، حتى ليخيل إليها أن السماء عيون تراها، وأن الأرض عقول تحصى عليها. وهل أعجب من أن هذا الدين يقضي قضاء مبرماً أن تكون ثياب المرأة أسلوب دفاع لا أسلوب أغراء، وأن يضعها من النفوس موضعاً يكون فيه حديثها بينها وبين نفسها كالحديث في الراديو له دوي في الدنيا، فيقيم عليها الحجاب وغيرة الرجل وشرف الأهل، ويؤاخذها بروح طبيعتها، فيجعل الهفوة منها كأنها جنين يكبر ولا يزال يكبر حتى يكون عار ماضيها وخزي مستقبلها هذه كلها حجب مضروبة لا حجابٌ واحد، وهي كلها لخلق طباع المقاومة، ولتيسير المقاومة، ومتى جاء العلم مع هذه لم يكن أبداً إطلاقاً، ولم يكن أبداً إلا الحجاب الأخير كالسور حول القلعة. ولكن قبح الله المدنية وفنها؛ أنها أطلقت المرأة حرة ثم حاطتها بما يجعل حريتها هي الحرية في اختيار أثقل قيودها لا غير. أنت محمل بالذهب، وأنت حر، ولكن بين اللصوص، كأنك في هذا لست حراً إلا في اختيار من يجني عليك. . . .! لم تعد المرأة العصرية انتصار الأمومة، ولا انتصار الخلق الفاضل، ولا انتصار التعزية في هموم الحياة؛ ولكن انتصار الفن، وانتصار اللهو، وانتصار الخلاعة قال صاحب الطائشة: فضحكت وقلت: وانتصاري. . . .! طبق الأصل (طنطا) مصطفي صادق الرافعي

стр. 8745

حول المسجد للأستاذ أحمد أمين ساقني حسن الحظ إلى الحديث مع سيدة إنجليزية فاضلة، وكان ذهني مستغرقاً في برنامج (الأخلاق والتربية الوطنية للمدارس الثانوية) والمتحدثون - عادة - يلونون حديثهم - ولو من غير شعور - بما يشغل أذهانهم ويستغرق أفكارهم - ومهما بعد المتحدث عن الموضوع يستولي عليه فسرعان ما يعود إليه، وينغمس فيه لقد بدأنا الحديث في الجو وانتقلنا إلى غيره، وإذا بنا نتكلم في (التربية والتعليم وشؤونهما) وإذا بي أسأل السيدة: - ما برنامج الأخلاق والتربية الوطنية للمدارس الثانوية في إنجلترا؟ - ليس لهما في المدارس برنامج معين ولا دروس خاصة، ولكن تلقى فيهما محاضرات في مناسبات، وأهم ما يقوم بهذه المهمة (الكنيسة) فهي تنظم دروساً للشبان والشواب في هذا الموضوع، ويقوم بها رجالها، فيكفوننا بذلك مؤونة الدروس في المدارس؛ وإلقاؤها في الكنائس يجعل لها معنى أجمل، واحتراما أوفر، وطعماً أحلى أنتقل ذهني في سرعة البرق من الكنيسة عندهم إلى المسجد عندنا، وساءلت نفسي: ما الوظيفة الاجتماعية التي يؤديها المسجد للأمم الإسلامية؟ إني أفهم أن لمسجد الحي وظيفة هامّة بجانب وظيفته الدينية، هي الإشراف على تجلية الروح وتهذيب النفس بتنظيم المحاضرات في الموضوعات التي تمس العصر، والمشاكل التي تعرض في كل زمن، كما أن من وظيفته الإشراف على حالة الحي الاجتماعية، وما يصاب به بؤس وفقر وانغماس في المخدرات ونحو ذلك؛ ثم تنظيم الإحسان والقيام بالخدمة العامة بين الأغنياء والفقراء، وإسداء النصائح للأسر فيما يعرض لهم من متاعب وصعاب إني أفهم من مسجد الحي أن يكون كمستشفي الحي، وغير أن المستشفي يداوي الأمراض الجسمية، والمسجد يداوي الأمراض الروحية والاجتماعية إني أفهم أن يكون إمام المسجد رئيس المستشفي يعرف مرضى الحي، ويعرف علاجهم، ويكون صلة تآلف وتعارف بين أهل الحي، يأخذ من غنيهم لفقيرهم، ومن صحيحهم لمريضهم، ويقضي على المنازعات والخصومات ما استطاع، ويثقف الجهلاء، ويتخذ من

стр. 8746

المثقفين من أهل الحي أعواناً وأنصاراً، يخطبون ويعظون، ويعلمون ويثقفون - وإذ ذاك يشعر أهل الحي بأن المسجد ضرورة من ضروريات الحياة، يقوم لهم بما تقوم به المدرسة وبما تقوم به المحكمة، وبما تقوم به جمعيات الإحسان، وبما هو فوق هذا وذاك بل لم لا يكون المسجد معهداً للمرأة كما يجب أن يكون معهداً للرجل، فيخصص مسجد كل حي وقتاً لنساء الحي تعلمّ فيه المرأة واجباتها الدينية والاجتماعية، وتفقه فيه في دينها ودنياها، وترشد فيه إلى طرق إسعاد البيت، وتثار همتها إلى العطف والإحسان وتنظيمهما فالمرأة الآن محرومة من غذائها الروحي والديني، لأنها بعيدة عن المسجد، حرمت منه من غير حق، وهو سلوتها في الأزمات، وهو منهل عواطفها وغذاء روحها - لقد حرمت المرأة من المسجد، فحرم أبناؤها وبناتها من العاطفة الدينية، لأن الأم - غالباً - هي مصدر هذا الإيحاء، وإذا انحرفت مرة فلم تجد المسجد يهديها ويعزيها، جمحت وغوت؛ فهي الآن بين بيت وملهى ولا مسجد بينهما يذهب ملل البيت ويكسر من حدة الملاهي هذا هو المسجد كما أتصوره، وكما ينبغي أن يكون - قوي الأثر في النواحي الروحية والاجتماعية والتعليمية، في الرجل والمرأة، قلوب الحي معلقة به، يغارون عليه، ويعملون على ترقيته من حيث نظامه ونظافته وإمامه وخطباؤه، ويرون أنه لهم وهم له، وأن منارته ينبعث منها الإصلاح في جميع نواحيه؛ متعلمو الحي جنوده في نشر الثقافة، وأغنياؤه جنوده في محاربة الفقر، ونساؤه دعاة أبنائهم وبناتهم إليه هذا هو الوضع الصحيح للمسجد، فأين مسجدنا منا، وأين نحن من المسجد؟ لقد أعتزل الناس واعتزله الناسُ، ولم يشعر شعوراً قوياً بوجودهم، ولم يشعروا شعوراً قوياً بوجوده نظرت دار الآثار إلى بنائه فعدته (آثاراً) ونظر الناس إلى نظامه فعدوه كذلك (آثاراً) فليس يؤمه - مع الأسف - إلا الطبقة الفقيرة البائسة، أو الموظف الذي أحيل إلى المعاش، أو من تقدمت به السن من عامة الناس. أما الشباب المثقفون ومن أنعم الله عليهم بشيء من رغد العيش فلا يفكرون في المسجد ولا تحدثهم أنفسهم بزيارته، وإن دخلوا لا يعرفوا كيف تؤدى شعائره إلا القليل النادر، كأن السينما والمساجد أقتسما الناس، فخص المسجد بالشيوخ والعجائز والفقراء، وخص السينما بالفتيان والفتيات والأغنياء، وهي حال لا تشعر بأمل،

стр. 8747

ولا تبشر بخير ووزارة الأوقاف كذلك عدت المساجد (آثاراً)، فهي تسير في تعيين أئمتها وخطبائها وفي مراقبتها سير القرون الخالية كأن الزمن لا يسير والأئمة والخطباء يعاملون معاملة (الآثار) فهم يقرأون غالباً الخطب التي ألفت في القرون الماضية، فلا نفساً ولا تحيي همه - كل ما فيها (أتقو الله) إجمالا من غير تفصيل. أما ما يحدث بيننا من أحداث، وأما ما نشعر به من مصائب وما ينتابنا من كوارث، فلا دخل لهم فيه، لأن دواوين القدماء لم تنص عليه ورحبت السياسة بهذا النظر الأثري إلى المساجد فاطمأنت إليه لأنه يخدمها، وإلا فما بالنا نرى المسجد بعيداً عن الناس هذا البعد، هل لو أراد الخطباء غير الإمام أن يخطبوا في المسجد في إصلاح الحالة الاجتماعية أجيب طلبهم؟ وهل لو نظمت محاضرات ثقافية في المسجد للشباب مرة والشواب مرة في الأخلاق والتربية الوطنية تسمح وزارة الأوقاف بذلك؟ أكبر الظن أن لا الحق أن للناس بعض العذر في الانصراف عن المساجد، فلو عرف الخطباء كيف يكلمون الناس وعرف رجال الدين كيف يصلون إلى قلوبهم، وشعر الناس أنهم يجدون في المسجد متعة روحية وغذاء دينياً واجتماعياً، لتغير الحال وازدحم المسجد بالناس من جميع الطبقات وقد كان المسجد في الإسلام يقوم بهذه النواحي التي ذكرنا، فالخلفاء ونوابهم كانوا يخطبون في المشاكل الحاضرة - وكانوا يخطبون كلما حز بهم أمر أو عرض لهم مهمّ، وكان المسجد مدرسة للعلماء والمتعلمين والشعراء والمتأدبين، وكان المسجد مكتبة للواردين والمترددين، وكان المسجد مجمع الناس في الأعياد والمواسم، وكان المسجد مكتب الصغار ومدرسة الكبار، ولو سار في طريقة وتأقلم مع الزمن لكان يؤدي كل الخدم الاجتماعية التي أشرنا إليها من قبل ولكن (خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، وأتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً إلا من تاب) هل للأزهر ووزارة أن يتعاونا على إصلاح المسجد ويضعا البرامج له على أنه مرفق اجتماعي كما هو مركز ديني؟؟. . إن إصلاحه على هذا الوضع تقوية للدين، وإصلاح للناس؟

стр. 8748

في القطار إلى (رأس البر) أحمد أمين

стр. 8749

بين الأسطورة والتاريخ هل أحرق فاتح الأندلس سفنه؟ للأستاذ محمد عبد الله عنان تتخذ شخصية طارق بن زياد فاتح الأندلس مكانها بين عظماء الفاتحين، لا في التاريخ الإسلامي وحده، ولكن في تاريخ الأمم القديمة كلها؛ وتعتبر موقعة شذونه أو (مدينا سدونيا) من أعظم الوقائع الحاسمة في تاريخ الإنسانية، ففيها افتتح العرب أسبانيا وغنموا ملك القوط، وشادوا صرح تلك الدولة الأندلسية الزاهرة التي لبثت قروناً تبهر أمم الغرب بقوتها وفخامتها وراع حضارتها وفنونها. بيد أنه من الغريب أن شخصية الفاتح العظيم - طارق - بينما تبدو في بعض نواحيها وضاءة مشرقة، إذا بها تبدو في البعض الآخر خفية يكتنفها الغموض؛ فالرواية الإسلامية تختلف حول نشأة طارق وحول نسبته وجنسيته، وتكاد تسدل على مصيره بعد الفتح ستاراً من الصمت والنسيان ولسنا نعرض في هذا البحث لشخصية طارق أو تاريخه أو اختلاف الرواية في شأنه، ولكنا نعرض لواقعة ترتبط باسمه، وقد يغلب عليها لون الأسطورة، وإن كانت مع ذلك تعرض علينا في لون التاريخ الحق، تلك هي واقعة إحراق السفن التي نقل عليها طارق جيشه من الشاطئ الأفريقي إلى شاطئ الأندلس. ونحن نعرف أن فتح الأندلس قد تم بدعوة من الكونت يوليان القوطي حاكم سبتة والمضيق لخصومة سياسية وشخصية بينه وبين رودريك (لذريق) ملك القوط، وأنه عاون العرب بخدماته ونصحه، وأنه هو الذي قدم السفن التي عبر العرب عليها إلى الأندلس في بعثتهم الاستكشافية الأولى بقادة طريف بن مالك (رمضان سنة ٩١) ثم في حملتهم الغازية بقيادة طارق بن زياد (رجب سنة ٩٢ - أبريل ٧١١م). وهنا تذكر الرواية أن طارقاً ما كاد يعبر بجيشه إلى أسبانيا حتى أمر بإحراق السفن التي عبر عليها جيشه وذلك لكي يدفع جنده إلى الاستبسال أوالموت أو الظفر، ويقطع عليهم كل فكرة في التخاذل أو الارتداد. فما بلغ هذه الرواية من الصحة؟ إن جميع الروايات الإسلامية التي تحدثنا عن فتح الأندلس لا تذكر شيئاً عن هذه الواقعة، ولا تذكرها سوى بعض الروايات النصرانية المعاصرة أو المتأخرة؛ ولا تذكرها الرواية الإسلامية إلا في موطن واحدة، فقد ذكر الشريف الإدريسي في معجمه الجغرافي الشهير (نزهة المشتاق)

стр. 8750

عند الكلام على جغرافية الأندلس أن طارقاً أحرق سفنه بعد العبور بجيشه إلى الأندلس؛ وقد نقلت الروايات النصرانية المتأخرة هذه الرواية عن الإدريسي فيما يرجح؛ وفيما عدا ذلك فان جميع الروايات الإسلامية تمر عليها بالصمت المطبق وهنالك وجه آخر لتأييد هذه الرواية هو الخطاب الذي يقال إن طارقاً ألقاه في جنده قبيل نشوب الموقعة الحاسمة بينه وبين القوط؛ ونحن نعرف هذا الخطاب الشهير الذي مازال يحفظه الطلاب كنموذج من إبداع نماذج البلاغة العربية؛ فقد أستهله طارق بقوله: (أيها الناس؛ أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم؛ وليس لكم والله إلا الصدق والصبر. . .) وفي ذلك ما يمكن أن يحمل على أن الجيش الفاتح قد جرد من وسائل الارتداد والرجعة إلى الشاطئ الأفريقي، أو بعبارة أخرى قد جرد من السفن التي حملته في عرض البحر إلى أسبانيا؛ ولكنا نلاحظ من جهة أخرى أن هذا الخطاب الحربي الشهير الذي تنسبه الرواية الإسلامية المتأخرة إلى طارق، لم يرد في روايات المؤرخين المتقدمين؛ فمثلاً لم يذكره ابن عبد الحكم والبلاذري وهما أقدم رواة الفتوحات الإسلامية؛ وذكره ابن قتيبة، ولم يشر إليه ابن الأثير وابن خلدون، ونقله المقري عن مؤرخ لم يذكر أسمه، وهو على العموم أكثر ظهوراً في كتب المؤرخين والأدباء المتأخرين؛ وعلى ذلك فليس في وسعنا أن نتخذه دليلاً مادياً على واقعة إحراق السفن؛ ولو صح أن طارقاً قد ألقى مثل هذا الخطاب فعلاً - وهو ما نراه موضع الشك - فانه يمكن تفسيره بأن السفن التي عبر عليها طارق وجيشه كانت ملكاً للكونت يوليان القوطي، ولم تكن سوى أربع، وقد عبر الجيش الإسلامي عليها تباعاً في مرات عدة، فمن المعقول إذا أن يعتبر طارق أنه في حالة الهزيمة لم تكن لديه وسيلة سريعة للارتداد وعبور البحر إلى إفريقية على أنا نستطيع مع ذلك أن نأخذ برواية الشريف الإدريسي؛ وإذا كان احتراق السفن على هذا النحو لقطع الرجعة والارتداد على جيش فاتح عمل بطولة رائع، فانه لما يتفق مع بطولة فاتح الأندلس، وليس موقف قيصر في غالباً أو موقف بونابارت في إيطاليا فيما بعد بأدعى للإعجاب من موقف طارق في سهل شريش (مكان اللقاء الحاسم) والظاهر أن إقدام الغزاة على إحراق السفن على هذا النحو الذي تنسبه الرواية لفاتح الأندلس نوع من أساطير البطولة الخارقة التي ترجع إلى أقدم عصور التاريخ؛ ففي كثير

стр. 8751

من مواطن التاريخ القديم الممزوج بخوارق الأسطورة تعرض مثل هذه الواقعة للتنويه بعمل بطولة خارق. على أننا لا نعدم أيضاً في التاريخ الحق أمثلة واقعة منها. ففي التاريخ الروماني مثل رائع لهذا الحدث هو مثل الإمبراطور يوليان في حملته الفارسية. وكان يوليان مذ جلس على عرش قسطنطينية، يتوق إلى غزو فارس وتحطيم تلك الدولة الشامخة التي مازالت منذ الحقب تناهض دولة القياصرة، وكان مثل الاسكندر المقدنوي يحفزه ويذكي عزمه؛ ففي سنة ٣٦٣م، سار يوليان من إنطاكية حيث كان ينظم أهبته في جيش ضخم، واخترق صحراء الشام من جهة الشمال، ثم سار جنوباً بحذاء الفرات، وسار في نفس في الوقت الفرات أسطول روماني ضخم يحمل أقوات الجيش؛ ثم عبر يوليان نهر الفرات، واجتاح بلاد الآشوريين، واشرف على نهر دجلة حيث كان الفرس في انتظاره في الضفة الأخرى؛ وحمل الرومان سفنهم المشحونة بالمؤن والذخيرة من الفرات إلى الدجلة بعد جهود ومشاق هائلة؛ واعتزم الإمبراطور أن يعبر الدجلة بجيشه ليقابل سابور ملك الفرس في قلب مملكته كما فعل الاسكندر من قبل حيث هاجم الفرس في عقر أرضهم؛ وهنا أعتزم الإمبراطور فجأة أن ينفذ فكرة جريئة جالت بخاطره وهي أن يحرق أسطوله الراسي في دجلة؛ وفي الحال نفذت الفكرة واحرق الأسطول الروماني الضخم ولم تنقذ منه سوى سفن قلائل استبقيت لاجتياز الأنهر، ولم يتزود الجيش الإمبراطوري إلا بمؤونة عشرين يوماً؛ وكان يوليان يرمي بذلك الأجراء إلى غاية حربية حكيمة هي ألا يمكن القوات الفارسية المحصورة في مدينة اكتسيفون قاعدة الجزيرة من انتهاز فرصة توغله في الداخل ومهاجمة أسطوله والاستيلاء عليه وعلى المؤن التي يحملها غنيمة باردة. وقد حكم التاريخ على يوليان ولم يحكم له، ذلك لأنه لم يكن موفقاً في غزوته، وقد لقي جزاء في نكبة جيشه أمام الفرس وفي مصرعه متأثراً بجراحه؛ وارتد الجيش الروماني مهزوماً ممزقاً ونجت فارس بحريتها واستقلالها مدى ثلاثة قرون أخرى حتى كان الفتح العربي وفي التاريخ الحديث مثل واقعي رائع أعدمت فيه سفن الجيش الفاتح، هو مثل هرناندو كورتيز فاتح المكسيك؛ ومن غرائب القدر أن يكون أروع نموذج لهذا الضرب من البطولة أسباني يذكرنا بطارق فاتح أسبانيا وما ينسب إليه في هذا الصدد. ومن المرجح جداً أن يكون فاتح المكسيك قد تأثر بالمثل الرائع الذي تنسبه الرواية لفاتح الأندلس؛ وقد كان

стр. 8752

طارق وكورتيز في الواقع كلاهما أمام ظروف متماثلة: مغامرة مجهولة الظروف والعواقب، ومحاولة جريئة لافتتاح أرض جديدة وعالم جديد، وجيش قليل العدد ليواجه جيوشاً زاخرة لا يعلم نوعها ولا مدى قوتها. بيد أن مغامرة كورتيز وقعت في ظروف أكثر دقة وخطورة؛ فقد كانت أسبانيا من أمم العالم القديم ولم تكن مجهولة تماماً من العرب وكان بها شعب قديم يتمتع بحضارة لا بأس بها؛ ولكن كورتيز كان أمام عالم مجهول تكتنفه الظلمات من كل ناحية، ولم يكن يعرف ما هي الأرض، وما هي الأمم التي يزمع اقتحامها بجنده القليل وصل كورتيز في أسطوله المتواضع إلى مياه المكسيك في سنة ١٥١٩ لغزو إمبراطورية (الازتكيين) الهندية، ولم يكن يعرف الأسبان يومئذ عنها شيئاً إلا أنها إمبراطورية ضخمة غنية تفيض بالنعم والذهب والوهاج؛ وما كاد كورتيز وجنده يضعون أقدامهم في الأرض الجديدة، حتى فكر الفاتح الجريء في إعدام سفنه؛ وأعدمت في الحال بغراقها؛ وكان كورتيز يرمى بهذا الإجراء إلى غاية ظاهرة هي ألا يدع إلى قلوب جنده سبيلاً إلى الخور أو أملا في الارتداد. إما الظفر أو الموت: هكذا كان شعار كورتيز، وهكذا كان عزمه وخطته، وكان عملاً جريئاً، ولكن ضرورياً، حتى لا يجد الناقمون أي وسيلة لمغادرة إخوانهم، وحتى يرتمي الجميع في أحضان الموت لا يلتمسون به بديلاً سوى الظفر. ولا ريب أن عمل كورتيز عمل بطرق خارقة، وربما كان أعظم عمل من نوعه في التاريخ، لأن الفاتح الأسباني تقدم في جرأة مدهشة لافتتاح الإمبراطورية الهندية العظيمة بجيش لا يعدو عدة مئات، ولم يحجم مع ذلك عن إعدام أسطوله، وهو وسيلته الوحيدة للنجاة في حالة الهزيمة والفشل؛ وكان ظفره بافتتاح ذلك العالم الجديد عظيماً مدهشاً ومثل هذه الحوادث تبدو في التاريخ كالأسطورة وقد تمتزج أحيانا بالأساطير؛ وكلما بعدت في ثنايا التاريخ كلما كان امتزاجها بالأسطورة أشد وأقوى. بيد أننا هنا أمام أمثلة واقعة. وفي التاريخ حوادث من نوع مماثل في شذوذه وروعته مازالت في عصرنا تبدو كالأعاجيب الخارقة، فمثلاً يذكر التاريخ أن محمداً الثاني سلطان الترك العثمانيين وفاتح قسطنطينية، حينما حاصر قسطنطينية من البر والبحر، ولم يستطع أسطوله أن يقتحم خليج القرن الذهبي الذي تقع عليه المدينة من البحر، اعتزم في الحال أن ينقل أسطوله إلى البر،

стр. 8753

مما يلي مؤخرة القرن الذهبي، ونفذ مشروعه الخارق بالفعل ونقل أسطوله الضخم على طريق من الخشب المطلي بالدهن والشحم، ثم دفعه إلى داخل القرن الذهبي؛ وبذلك تم تطويق المدينة، ولم تلبث أن سقطت في أيدي الغزاة (١٤٥٣م). بيد أن هذه الحوادث والأعمال الخارقة لا تبدو في روعتها الحقيقية إلا إذا اصطبغت بألوان العصر الذي وقعت فيه، وقد ينتقص من قدرها إذا قدرت بمعيار عصرنا، وتفهمها بروح العصر الذي وقعت فيه هو وحده الذي يسبغ عليها هذا اللون القوى من البطولة الخارقة، وهذا السحر الذي تبثه إلينا أعمال تشبه الأساطير في روعتها محمد عبد الله عنان

стр. 8754

التشجيع. . . . للأستاذ علي الطنطاوي سيدي. . . . . صاحب الرسالة، أنت لا تحب الثناء، ولكن القراء يحبون الحقيقة، فأرجو أن تنشر لهم هذا الفصل (على) قرأت ما كتب عنى وعن كتابي (أبو بكر الصديق) أستاذنا أديب العربية الأستاذ الزيات، فقرأت فيه صفحة من كرم السجايا، ونبل الأخلاق، والتشجيع الذي يتفضل به الكبير على الصغير، فيسدد به خطواته، ويأخذ بيده، ويصب من قوته في أعصابه، حتى يقوى ويشتد ويتقدم، فأحببت أن أعلق على هذا التقريظ بكلمة في التشجيع وماله من الأثر في العلوم والآداب، وأن أفي للحق والواجب، بأن أسجل للأستاذ وللرسالة، ماله علينا من منة، وما للرسالة علينا من يد؛ وأنا وأصحابي هنا مدينون للرسالة، بما نجد من قوة، وما نحس من نشاط، ما كنا لولا (الرسالة) نحس منه شيئاً؛ وما رأينا قبل الرسالة مجلة أدبية راقية، فتحت أبوابها لأدباء العربية جميعاً، لا تفرق بين أبناء قطر وقطر، وبلد وبلد، ولا تزن الأدباء بالشهرة الواسعة، ولكن بالإنتاج القيم، فكانت بذلك الرسالة ديوان العرب المشترك، وسجل الأدب الحديث، وجعلت من قرائها - وقراؤها كل الناطقين بالضاد - أسرة واحدة، تجمعها وحدة المبدأ، ووحدة الغاية. وهل أجمل في إثبات هذه الوحدة، من رجل يكتب مقالة عن الأوزاعي من فلسطين، فيعقب عليه آخر من الشام، ويجيبه ثالث من مصر، ويعلق عليها رابع من سنغافورة ثم يكتب في الموضوع خامس من دمشق؟. . . . كأن الرسالة قد محت بسحرها ما بين سنغافورة والشام من صحارى وبحار، وجبال وأنهار فغدت هذه من تلك، كالمقعد من المقعد في الصف الواحد، يخرج رأي من هنا، ورأي من هنا، ويسمع الأستاذ وهو على منبره الرأيين ليقول القول الفصل، وينطق بالكلمة الحاسمة وما الأستاذ إلا الزيات وما المنبر إلا الرسالة! أشكر للأستاذ هذه السنة التي يتبعها في تشجيع صغار الأدباء، والأخذ بأيديهم، لأن التشجيع مذ كان أصل التقدم، وسبب النجاح؛ وقد قرأت مرة أن مجلة إنكليزية كبيرة سألت الأدباء عن الأمر الذي يتوقف عليه نمو العلوم وازدهار الآداب، وجعلت لمن يحسن الجواب جائزة قيمة، فكانت الجائزة لكاتبة مشهورة قالت: إنه التشجيع! وقالت: أنها في تلك السنّ، بعد تلك

стр. 8755

الشهرة والمكانة، تدفعها كلمة التشجيع حتى تمضى إلى الأمام وتقعد بها كلمة التثبيط عن المسير وإن من أظهر الأسباب في ركود الأدب في الشام في القرن الماضي، وانقطاع سبيل التأليف، هو فقدان التشجيع، وذلك (الاحتكار العلمي) الذي قتل كثيراً من النفوس المستعدة للعلم، وخنق كثيراً من العبقريات المتهيئة للظهور، فقد كان العلم في الشام مقصوراً يومئذ على بيوت معروفة، لا يتعداها ولا يجوز أن يتعداها، هي: بيت العطار، والحمزاوي، والغزي، والطنطاوي، والشطي، والخاني، والكزبري، والاسطواني، والحلبي. . . وكانت كلها متجمعة حول المدرسة البادرائية؛ في القميرية والعمارة، وزقاق النقيب، حيث يسكن الأمير العالم المجاهد عبد القادر الجزائري ﵀ عليه وعليهم؛ وكان لهذه البيوت كل معاني الامتياز و (الاحتكار العلمي)، فإذا سمع أن شاباً أشتغل بالعلم من غير هذه البيوت، وقدروا فيه النبوغ، وخافوا أن يزاحمهم على وظائفهم الموروثة، بذلوا الجهد في صرفه عن العلم، والعدول به إلى التجارة؛ أو ليست الوظائف العلمية وقفاً على هذه البيوت؟ أو ليس للولد ولاية العهد في وظيفة أبيه، تنحدر إليه الإمامة أو الخطابة أو التدريس عالماً كان أو جاهلاً، فكيف إذن يزاحمهم عليها أبناء التجار، وهم لا يزاحمون أبناء التجار على (حوانيتهم)؟ أولا يكفي أبناء التجار هذا القسط الضئيل من النحو والصرف والفقه والمنطق الذي يمن به عليهم هؤلاء العلماء؟. . . حتى إنه لما نشأ محمد أمين (ابن عابدين) وأنسوا منه الميل إلى العلم، وعرفوا فيه الذكاء المتوقد، والعقل الراجح، خافوا منه فذهبوا يقنعون أباه - وكان أبوه امرأً تاجراً - ليسلك به سبيل التجارة، ويتنكب به طريق العلم، وجعلوا يكلمونه، ويرسلون إليه الرسل، ويكتبون إليه الكتب، ويستعينون عليه بأصحابه وخلصائه، ولكن الله أراد بالمسلمين خيراً، فثبت الوالد فكان من هذا الولد المبارك، ابن عابدين صاحب (الحاشية)، أوسع كتاب في فروع الفقه الحنفي بل لقد أرادوا أن يصرفوا أستاذناً العلامة محمد بك كرد علي عن العلم، فبعثوا إليه بشقيقين من آلـ. . . بشقيقين قد ماتا فلست أسميهما، على رغم أنهما قطعاً عن العلم أكثر من أربعين طالباً - فمازالا بأبيه - ولم يكن أبوه من أهل العلم - ينصحانه أن يقطعه عن
следующие страницы →