Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8751–8790 · переход к 8756.
стр. 8751
من مواطن التاريخ القديم الممزوج بخوارق الأسطورة تعرض مثل هذه الواقعة للتنويه بعمل بطولة خارق. على أننا لا نعدم أيضاً في التاريخ الحق أمثلة واقعة منها. ففي التاريخ الروماني مثل رائع لهذا الحدث هو مثل الإمبراطور يوليان في حملته الفارسية. وكان يوليان مذ جلس على عرش قسطنطينية، يتوق إلى غزو فارس وتحطيم تلك الدولة الشامخة التي مازالت منذ الحقب تناهض دولة القياصرة، وكان مثل الاسكندر المقدنوي يحفزه ويذكي عزمه؛ ففي سنة ٣٦٣م، سار يوليان من إنطاكية حيث كان ينظم أهبته في جيش ضخم، واخترق صحراء الشام من جهة الشمال، ثم سار جنوباً بحذاء الفرات، وسار في نفس في الوقت الفرات أسطول روماني ضخم يحمل أقوات الجيش؛ ثم عبر يوليان نهر الفرات، واجتاح بلاد الآشوريين، واشرف على نهر دجلة حيث كان الفرس في انتظاره في الضفة الأخرى؛ وحمل الرومان سفنهم المشحونة بالمؤن والذخيرة من الفرات إلى الدجلة بعد جهود ومشاق هائلة؛ واعتزم الإمبراطور أن يعبر الدجلة بجيشه ليقابل سابور ملك الفرس في قلب مملكته كما فعل الاسكندر من قبل حيث هاجم الفرس في عقر أرضهم؛ وهنا أعتزم الإمبراطور فجأة أن ينفذ فكرة جريئة جالت بخاطره وهي أن يحرق أسطوله الراسي في دجلة؛ وفي الحال نفذت الفكرة واحرق الأسطول الروماني الضخم ولم تنقذ منه سوى سفن قلائل استبقيت لاجتياز الأنهر، ولم يتزود الجيش الإمبراطوري إلا بمؤونة عشرين يوماً؛ وكان يوليان يرمي بذلك الأجراء إلى غاية حربية حكيمة هي ألا يمكن القوات الفارسية المحصورة في مدينة اكتسيفون قاعدة الجزيرة من انتهاز فرصة توغله في الداخل ومهاجمة أسطوله والاستيلاء عليه وعلى المؤن التي يحملها غنيمة باردة. وقد حكم التاريخ على يوليان ولم يحكم له، ذلك لأنه لم يكن موفقاً في غزوته، وقد لقي جزاء في نكبة جيشه أمام الفرس وفي مصرعه متأثراً بجراحه؛ وارتد الجيش الروماني مهزوماً ممزقاً ونجت فارس بحريتها واستقلالها مدى ثلاثة قرون أخرى حتى كان الفتح العربي
وفي التاريخ الحديث مثل واقعي رائع أعدمت فيه سفن الجيش الفاتح، هو مثل هرناندو كورتيز فاتح المكسيك؛ ومن غرائب القدر أن يكون أروع نموذج لهذا الضرب من البطولة أسباني يذكرنا بطارق فاتح أسبانيا وما ينسب إليه في هذا الصدد. ومن المرجح جداً أن يكون فاتح المكسيك قد تأثر بالمثل الرائع الذي تنسبه الرواية لفاتح الأندلس؛ وقد كان
стр. 8752
طارق وكورتيز في الواقع كلاهما أمام ظروف متماثلة: مغامرة مجهولة الظروف والعواقب، ومحاولة جريئة لافتتاح أرض جديدة وعالم جديد، وجيش قليل العدد ليواجه جيوشاً زاخرة لا يعلم نوعها ولا مدى قوتها. بيد أن مغامرة كورتيز وقعت في ظروف أكثر دقة وخطورة؛ فقد كانت أسبانيا من أمم العالم القديم ولم تكن مجهولة تماماً من العرب وكان بها شعب قديم يتمتع بحضارة لا بأس بها؛ ولكن كورتيز كان أمام عالم مجهول تكتنفه الظلمات من كل ناحية، ولم يكن يعرف ما هي الأرض، وما هي الأمم التي يزمع اقتحامها بجنده القليل
وصل كورتيز في أسطوله المتواضع إلى مياه المكسيك في سنة ١٥١٩ لغزو إمبراطورية (الازتكيين) الهندية، ولم يكن يعرف الأسبان يومئذ عنها شيئاً إلا أنها إمبراطورية ضخمة غنية تفيض بالنعم والذهب والوهاج؛ وما كاد كورتيز وجنده يضعون أقدامهم في الأرض الجديدة، حتى فكر الفاتح الجريء في إعدام سفنه؛ وأعدمت في الحال بغراقها؛ وكان كورتيز يرمى بهذا الإجراء إلى غاية ظاهرة هي ألا يدع إلى قلوب جنده سبيلاً إلى الخور أو أملا في الارتداد. إما الظفر أو الموت: هكذا كان شعار كورتيز، وهكذا كان عزمه وخطته، وكان عملاً جريئاً، ولكن ضرورياً، حتى لا يجد الناقمون أي وسيلة لمغادرة إخوانهم، وحتى يرتمي الجميع في أحضان الموت لا يلتمسون به بديلاً سوى الظفر. ولا ريب أن عمل كورتيز عمل بطرق خارقة، وربما كان أعظم عمل من نوعه في التاريخ، لأن الفاتح الأسباني تقدم في جرأة مدهشة لافتتاح الإمبراطورية الهندية العظيمة بجيش لا يعدو عدة مئات، ولم يحجم مع ذلك عن إعدام أسطوله، وهو وسيلته الوحيدة للنجاة في حالة الهزيمة والفشل؛ وكان ظفره بافتتاح ذلك العالم الجديد عظيماً مدهشاً
ومثل هذه الحوادث تبدو في التاريخ كالأسطورة وقد تمتزج أحيانا بالأساطير؛ وكلما بعدت في ثنايا التاريخ كلما كان امتزاجها بالأسطورة أشد وأقوى. بيد أننا هنا أمام أمثلة واقعة. وفي التاريخ حوادث من نوع مماثل في شذوذه وروعته مازالت في عصرنا تبدو كالأعاجيب الخارقة، فمثلاً يذكر التاريخ أن محمداً الثاني سلطان الترك العثمانيين وفاتح قسطنطينية، حينما حاصر قسطنطينية من البر والبحر، ولم يستطع أسطوله أن يقتحم خليج القرن الذهبي الذي تقع عليه المدينة من البحر، اعتزم في الحال أن ينقل أسطوله إلى البر،
стр. 8753
مما يلي مؤخرة القرن الذهبي، ونفذ مشروعه الخارق بالفعل ونقل أسطوله الضخم على طريق من الخشب المطلي بالدهن والشحم، ثم دفعه إلى داخل القرن الذهبي؛ وبذلك تم تطويق المدينة، ولم تلبث أن سقطت في أيدي الغزاة (١٤٥٣م). بيد أن هذه الحوادث والأعمال الخارقة لا تبدو في روعتها الحقيقية إلا إذا اصطبغت بألوان العصر الذي وقعت فيه، وقد ينتقص من قدرها إذا قدرت بمعيار عصرنا، وتفهمها بروح العصر الذي وقعت فيه هو وحده الذي يسبغ عليها هذا اللون القوى من البطولة الخارقة، وهذا السحر الذي تبثه إلينا أعمال تشبه الأساطير في روعتها
محمد عبد الله عنان
стр. 8754
التشجيع. . . .
للأستاذ علي الطنطاوي
سيدي. . . . . صاحب الرسالة، أنت لا تحب الثناء، ولكن القراء يحبون الحقيقة، فأرجو أن تنشر لهم هذا الفصل (على)
قرأت ما كتب عنى وعن كتابي (أبو بكر الصديق) أستاذنا أديب العربية الأستاذ الزيات، فقرأت فيه صفحة من كرم السجايا، ونبل الأخلاق، والتشجيع الذي يتفضل به الكبير على الصغير، فيسدد به خطواته، ويأخذ بيده، ويصب من قوته في أعصابه، حتى يقوى ويشتد ويتقدم، فأحببت أن أعلق على هذا التقريظ بكلمة في التشجيع وماله من الأثر في العلوم والآداب، وأن أفي للحق والواجب، بأن أسجل للأستاذ وللرسالة، ماله علينا من منة، وما للرسالة علينا من يد؛ وأنا وأصحابي هنا مدينون للرسالة، بما نجد من قوة، وما نحس من نشاط، ما كنا لولا (الرسالة) نحس منه شيئاً؛ وما رأينا قبل الرسالة مجلة أدبية راقية، فتحت أبوابها لأدباء العربية جميعاً، لا تفرق بين أبناء قطر وقطر، وبلد وبلد، ولا تزن الأدباء بالشهرة الواسعة، ولكن بالإنتاج القيم، فكانت بذلك الرسالة ديوان العرب المشترك، وسجل الأدب الحديث، وجعلت من قرائها - وقراؤها كل الناطقين بالضاد - أسرة واحدة، تجمعها وحدة المبدأ، ووحدة الغاية. وهل أجمل في إثبات هذه الوحدة، من رجل يكتب مقالة عن الأوزاعي من فلسطين، فيعقب عليه آخر من الشام، ويجيبه ثالث من مصر، ويعلق عليها رابع من سنغافورة ثم يكتب في الموضوع خامس من دمشق؟. . . . كأن الرسالة قد محت بسحرها ما بين سنغافورة والشام من صحارى وبحار، وجبال وأنهار فغدت هذه من تلك، كالمقعد من المقعد في الصف الواحد، يخرج رأي من هنا، ورأي من هنا، ويسمع الأستاذ وهو على منبره الرأيين ليقول القول الفصل، وينطق بالكلمة الحاسمة
وما الأستاذ إلا الزيات وما المنبر إلا الرسالة!
أشكر للأستاذ هذه السنة التي يتبعها في تشجيع صغار الأدباء، والأخذ بأيديهم، لأن التشجيع مذ كان أصل التقدم، وسبب النجاح؛ وقد قرأت مرة أن مجلة إنكليزية كبيرة سألت الأدباء عن الأمر الذي يتوقف عليه نمو العلوم وازدهار الآداب، وجعلت لمن يحسن الجواب جائزة قيمة، فكانت الجائزة لكاتبة مشهورة قالت: إنه التشجيع! وقالت: أنها في تلك السنّ، بعد تلك
стр. 8755
الشهرة والمكانة، تدفعها كلمة التشجيع حتى تمضى إلى الأمام وتقعد بها كلمة التثبيط عن المسير
وإن من أظهر الأسباب في ركود الأدب في الشام في القرن الماضي، وانقطاع سبيل التأليف، هو فقدان التشجيع، وذلك (الاحتكار العلمي) الذي قتل كثيراً من النفوس المستعدة للعلم، وخنق كثيراً من العبقريات المتهيئة للظهور، فقد كان العلم في الشام مقصوراً يومئذ على بيوت معروفة، لا يتعداها ولا يجوز أن يتعداها، هي: بيت العطار، والحمزاوي، والغزي، والطنطاوي، والشطي، والخاني، والكزبري، والاسطواني، والحلبي. . . وكانت كلها متجمعة حول المدرسة البادرائية؛ في القميرية والعمارة، وزقاق النقيب، حيث يسكن الأمير العالم المجاهد عبد القادر الجزائري ﵀ عليه وعليهم؛ وكان لهذه البيوت كل معاني الامتياز و (الاحتكار العلمي)، فإذا سمع أن شاباً أشتغل بالعلم من غير هذه البيوت، وقدروا فيه النبوغ، وخافوا أن يزاحمهم على وظائفهم الموروثة، بذلوا الجهد في صرفه عن العلم، والعدول به إلى التجارة؛ أو ليست الوظائف العلمية وقفاً على هذه البيوت؟ أو ليس للولد ولاية العهد في وظيفة أبيه، تنحدر إليه الإمامة أو الخطابة أو التدريس عالماً كان أو جاهلاً، فكيف إذن يزاحمهم عليها أبناء التجار، وهم لا يزاحمون أبناء التجار على (حوانيتهم)؟ أولا يكفي أبناء التجار هذا القسط الضئيل من النحو والصرف والفقه والمنطق الذي يمن به عليهم هؤلاء العلماء؟. . .
حتى إنه لما نشأ محمد أمين (ابن عابدين) وأنسوا منه الميل إلى العلم، وعرفوا فيه الذكاء المتوقد، والعقل الراجح، خافوا منه فذهبوا يقنعون أباه - وكان أبوه امرأً تاجراً - ليسلك به سبيل التجارة، ويتنكب به طريق العلم، وجعلوا يكلمونه، ويرسلون إليه الرسل، ويكتبون إليه الكتب، ويستعينون عليه بأصحابه وخلصائه، ولكن الله أراد بالمسلمين خيراً، فثبت الوالد فكان من هذا الولد المبارك، ابن عابدين صاحب (الحاشية)، أوسع كتاب في فروع الفقه الحنفي
بل لقد أرادوا أن يصرفوا أستاذناً العلامة محمد بك كرد علي عن العلم، فبعثوا إليه بشقيقين من آلـ. . . بشقيقين قد ماتا فلست أسميهما، على رغم أنهما قطعاً عن العلم أكثر من أربعين طالباً - فمازالا بأبيه - ولم يكن أبوه من أهل العلم - ينصحانه أن يقطعه عن
стр. 8756
العلم، ويعلمه مهنة يتكسب منها، فما في العلم نفع، ولا منه فائدة. . . ويلحان عليه ويلازمانه، حتى ضجر فصرفهما فكان من ولده هذا، الأستاذ كرد على أبو النهضة الفكرية في الشام وقائدها، ووزير معارف سورية ومفخرتها، والذي من مصنفاته: خطط الشام، وغرائب الغرب، والقديم والحديث، والمحاضرات، وغابر الأندلس وحاضرها، والإدارة الإسلامية، والإسلام والحضارة العربية. . . والمقتبس. . . ومن مصنفاته: (المجمع العلمي العربي بدمشق)، ومن مصنفاته هؤلاء: (الشعراء والكتاب من الشباب)!
ولعل في الناس كثيرين كانوا لولا الاحتكار والتثبيط كابن عابدين أو ككرد علي. وهاهو ذا العلامة المرحوم الشيخ سليم البخاري مات وما له مصنفٌ رسالة فما فوقها، على جلالة قدره، وكثرة علمه، وقوة قلمه، وشدة بيانه؛ وسبب ذلك أنه صنف لأول عهده بالطلب رسالة صغيرة في المنطق، كتبها بلغة سهلة عذبة، تنفي عن هذا العلم تعقيد العبارة، وصعوبة الفهم، وعرضها على شيخه، فسخر منه وأنبه، وقال له:
أيها المغرور! ابلغ من قدرك أن تصنف، وأنت. . وأنت. . ثم أخذ الرسالة فسجر بها المدفأة. . فكانت هي أول مصنفات العلامة البخاري وآخرها!
وقد وقع لي أنى كنت في المدرسة وكنت أحاول أن أنظم الشعر، فآخذ أبيات قديمة فأغير قوافيها، وأبدل كلماتها، وأدعيها لنفسي، كما يفعل اليوم بعض الأدباء (الترجمة) حين يترجمون الكلمة الإنكليزية أو الفرنسية حتى إذا بلغوا التوقيع ترجموه هو أيضاً، فكانت ترجمة أسم المؤلف أو الكاتب اسم الترجمان أو (السارق)! وكان الكتاب أو الفصل المترجم من وضع أديبنا البارع. . .
كنت أنظم أبياتاً من الشعر أو اسراقها، كما ينظم كل مبتدئ ويسرق، حتى إذا اجتمع عندي كثير من القطع، عرضته على أستاذ العربية، وكان لسوء الحظ تركياً يسمى إسماعيل حقي أفندى، يعلمنا النحو العربي باللسان التركي! فلما قرأه سخر منى وسبني وتهكم علي، وجاء من بعد أخي أنور العطار - فنظم كما كنت أنظم حتى إذا اجتمع عنده كثير من القطع، عرضه على الأستاذ كرد علي رئيس المجمع العلمي العربي، فأقام له حفلة تكريمية!
فكانت النتيجة أنى عجزت عن الشعر، حتى لنقل البحر بفمي أهون علي من نظم خمسة أبيات، وأن أخي أنور العطار غدا شاعر الشباب السوري، وسيغدو شاعر شباب العرب!
стр. 8757
وأول من سنّ سنة التشجيع في بلدنا هو العلامة المرحوم مربي الجيل الشيخ طاهر الجزائري، الفيلسوف المؤرخ الجدلي، الذي من آثاره المدارس الابتدائية النظامية في الشام، والمكتبة الظاهرية، والأستاذ محمد كرد علي بك، وخالي الأستاذ محب الدين الخطيب. . . . ومما كتب في ذم التثبيط:
(. . . وقد عجبت من أولئك الذين يسعون في تثبيط الهمم، في هذا الوقت الذي يتنبه فيه الغافل. . .
وكان الأجدر بهم أن يشفقوا على أنفسهم ويشتغلوا بما يعود عليهم وعلى غيرهم بالنفع، ولم نرَ أحد من المثبطين قديماً أو حديثاً أتى بأمر مهم، فينبغي للجرائد الكبييرة، أن تكثر من التنبيه على ضرر هذه العادة، والتحذير منها، ليخلص منها من لم تستحكم فيه، وينتبه الناس لأربابها ليخلصوا من ضررهم)
وكان الشيخ في حياته يشجع كل عامل، ولا يثني أحداً عن غاية صالحة، حتى لقد أخبرني أحد المقربين منه أنه قال له: إذا جاءك من يريد تعلم النحو في ثلاثة ايام، فلا تقل له إن هذا غير ممكن. فتفل عزيمته، وتكسر همته، ولكن أقرئه وحبب إليه النحو، فلعله إذا أنس به واظب على قراءته
ثم أن التشجيع يفتح الطريق للعبقريات المخبوءة حتى تظهر وتثمر ثمرها، وتؤتي أكلها؛ ورب ولد من أولاد الصناع أو التجار يكون إذا شجع وأخذ بيده عالماً من أكابر العلماء، أو أديباً من أعاظم الأدباء! وفي علماء القرن الماضي في الشام من ارتقى بالجد والدأب والتشجيع من منوال الحياكة، إلى منصب الإفتاء، وكرسي التدريس تحت القبة.
نشأ الشيخ محمد إسماعيل الحائك عامياً، ولكنه محب للعلم، محب للعلماء، فكان يحضر مجالسهم، ويجلس في حلقهم للتبرك والسماع، وكان يواظب على الدرس لا يفوته الجلوس في الصف الأول، فجعل الشيخ يؤنسه ويلطف به، لما يرى من دوامه وتبكيره، ويسأل عنه إذا غاب، فشدّ ذلك من عزمه، فاشترى الكتب يحيي ليله في مطالعة الدرس، ويستعين على ذلك بالنابهين من الطلبة، واستمر على ذلك دهراً حتى أتقن علوم الآلة، وصار واحد زمانه في الفقه والأصول، وهو عاكف على مهنته لم يتركها؛ وصار الناس يأتونه في محله يسألونه عن مشكلات المسائل، وعويصات الوقائع، فيجيبهم بما يعجز عنه فحولة العلماء.
стр. 8758
وانقطع الناس عن المفتي من آل العمادي فساء ذلك العماديين وآلمهم، فتربصوا بالشيخ وأضمروا له الشرّ، ولكنهم لم يجدوا إليه سبيلاً، فقد كان يحيا من عمله، ويحيا الناس بعلمه، وكان يمر كل يوم بدار العماديين في (القيمرية) وهو على أتان له بيضاء، فيسلم فيردون ﵇، فمر يوماً كما كان يمر، فوجد على الباب أخا للمفتي، فردّ ﵇، وقال له ساخراً:
- إلى أين يا شيخ! أذهب أنت إلى (اسطبول) لتأتي بولاية الإفتاء؟ وضحك وضحك من حوله، أما الشيخ فلم يزد على أن قال:
- أن شاء الله!
وسار في طريقه حتى إذا ابتعد عنهم دار في الأزقة حتى عاد إلى داره، فودع أهله، وأعطاهم نفقتهم، وسافر!
ومازال يفارق بلداً، ويستقبل بلداً، حتى دخل القسطنطينية فنزل في خان قريب من دار المشيخة، وكان يجلس على الباب يطالع في كتاب، أو يكتب في صحيفة، فيعرف الناس من زيه أنه عربي فيحترمونه ويجلونه، ولم يكن الترك قد جنوا الجنة الكبرى بعدُ. . . فكانوا يعظمون العربي، لأنه من أمة الرسول الأعظم الذي اهتدوا به، وصاروا به وبقومه ناساً. . .
واتصلت أسباب الشيخ بأسباب طائفة منهم فكانوا يجلسون إليه يحدثونه، فقال له يوماً رجل منهم:
- إن السلطان سأل دار المشيخة عن قضية حيرت علماءها ولم يجدوا لها جواباً، والسلطان يستحثهم وهم حائرون، فهل لك في أن تراها لعل الله يفتح عليك بالجواب؟
قال: نعم
قال: سر معي إلى المشيخة
قال: باسم الله
ودخلوا على ناموس المشيخة (سكرتيرها)، فسأله الشيخ إسماعيل عن المسألة فرفع رأسه فقلب بصره فيه بازدراء، ولم تكن هيئة الشيخ بالتي ترضى، ثم ألقاها إليه وانصرف إلى عمله، فأخرج الشيخ نظارته فوضعها على عينه فقرأ المسألة ثم أخرج من منطقته هذه
стр. 8759
الدواة النحاسية الطويلة التي كان يستعملها العلماء وطلبة العلم للكتابة وللدفاع عن النفس، فاستخرج منها قصبة فبراها، وأخذ المقط فقطها، وجلس يكتب الجواب بخط نسخي جميل حتى سود عشر صفحات ما رجع في كلمة منها إلى كتاب، ودفعها إلى الناموس، ودفع إليه عنوان منزله وذهب. فلما حملها الناموس إلى شيخ الإسلام وقرأها، كاد يقضى دهشة وسروراً
- وقال له: ويحك! من كتب هذا الجواب؟
- قال: شيخ شامي من صفته كيت وكيت. . .
- قال: علي به
فدعوه وجعلوا يعلمونه كيف يسلم على شيخ الإسلام، وان عليه أن يشير بالتحية واضعاً يده على صدره، منحنياً، ثم يمشي متباطئاً حتى يقوم بين يديه. . . . إلى غير ذلك من هذه الأعمال الطويلة التي نسيها الشيخ، ولم يحفظ منها شيئاً
ودخل على شيخ الإسلام، فقال له:
- السلام عليكم ورحمة الله، وذهب فجلس في أقرب المجالس إليه. وعجب الحاضرون من عمله ولكن شيخ الإسلام سرّ بهذه التحية الإسلامية وأقبل عليه يسأله حتى قال له:
- سلني حاجتك
- قال: إفتاء الشام وتدريس القبة
- قال: هما لك. فاغدَ علي غداً!
فلما كان من الغد ذهب إليه فأعطاه فرمان التولية وكيساً فيه ألف دينار
وعاد الشيخ إلى دمشق فركب اتانه ودار حتى مرّ بدار العماديين فإذا صاحبنا على الباب، فسخر منه كما سخر وقال:
- من أين يا شيخ؟
- فقال الشيخ: من هنا، من اسطنبول. أتيت بتولية الإفتاء كما أمرتني
ثم ذهب إلى القصر فقابل الوالي بالفرمان، فركع له وسجد وسلم الشيخ عمله في حفلة حافلة
ومن هذا الباب قصة الشيخ علي كزبر، وقد كان خياطاً في سوق المسكية على باب الجامع
стр. 8760
الأموي، فكان إذا فرغ من عمله ذهب فجلس في الحلقة التي تحت القبة فاستمع إلى الشيخ حتى يقوم فيلحق به فيخدمه، وكان الشيخ يعطف عليه لما يرى من خدمته إياه، فيشجعه ويحثه على القراءة فقرأ ودأب على المطالعة، حتى صار يقرأ بين يدي الشيخ في الحلقة، ولبث على ذلك أمدا وهو لا يفارق دكانه ولا يدع عمله، حتى صار مقدماً في كافة العلوم
فلما مات الشيخ حضر في الحلقة الوالي والأعيان والكبراء ليحضروا أول درس للمدرس الجديد، فافتقدوا المعيد فلم يجدوه. ففتشوا عليه فإذا هو في دكانه يخيط، فجاءوا به، فقرأ الدرس وشرحه شرحاً أعجب به الحاضرون وطربوا له. فعين مدرساً ولبث خمسة عشر عاماً يدرس تحت قبة النسر، وبقيت الخطبة في أحفاده إلى اليوم
على أن للتشجيع عيباً واحداً هو الغرور، فأنا أعوذ بالله أن أغتر فأصدق أني أهل لكل ما تفضل به علي الأستاذ من النعوت، وأرجو أن أوفق إلى الجد والتقدم بتشجيع الأستاذ وفضله، وأشكر للأستاذ الزيات باسمي وأسم أخواني هنا، أياديه علينا وعلى الأدب العربي، الذي سمت وتسمو به (الرسالة)!
علي الطنطاوي
стр. 8761
٤ - النهضة التركية الأخيرة
للدكتور عبد الوهاب عزام
الحروف اللاتينية
أنتشر الإسلام بين الأمم فدخل الناس في الاخوة الإسلامية وصاروا أمة واحدة، واتخذوا اللغة العربية لسان الدين والعلم، لا يكتبون غيرها
ولما حيت لغاتهم على مرّ الزمان بجانب العربية كتبوها بالخط العربي الذي ألفوه، وترك من كان ذا كتاب منهم كتابته الأولى. ولم يخسروا في هذا شيئاً إذ كانت الكتابة العربية على علاتها أوضح وايسر مما كان عندهم
- ١ -
كان الفرس يكتبون بالخط الفهلوي، وهو مشتق من الخط الآرامي القديم، والخط الفهلوي مبهم مشكل. قال الأستاذ براون إنه يصدق فيه ما قاله أحد الفرنسيين عن الخطابة إنها فن إخفاء الأفكار، يعني أنه خط يخفي الألفاظ. ذلك بما تشابهت حروفه، وبما اشتركت الأصوات المختلفة في بعض الحروف. وقد أدى هذا اللبس إلى ما لم يعهده التاريخ في لغة أخرى. كان الكتاب يكتبون كلمة آرامية مكان كلمة فارسية خوفاً من اللبس، فإذا قرأوا نطقوا بالكلمة الفارسية غير المكتوبة، وتركوا الآرامية المكتوبة. روي عن ابن المقفع أنه قال: إن في اللغة الفهلوية ألف كلمة تقرأ ولا تكتب. ورى ابن النديم في الفهرست من أمثلة هذا أنهم كانوا يكتبون كلمة (بسرا) الآرامية ويقرءون كوشت (لحم) بالفارسية، ويكتبون (لهما) الآرامية ويقرأون نان (خبز) بالفارسية
ولم تكن الألفاظ الآرامية مقصورة على ما يستعار من لغة إلى أخرى من الأسماء، بل كان فيها أفعال وضمائر وإشارات. وكانوا يلحقون بالكلمات الآرامية خواتم فارسية الخ، ومن أجل صعوبة الخط الفهلوي ندر القارئون في ذلك العهد
فكان خيراً للفرس أن كتبوا لغتهم بالحروف العربية لهذا، وللأخوة العامة التي أدخلهم الإسلام بها حين مدّ ظله على الأمم وأراد أن يمحو الفروق بين بنى آدم
- ٢ -
стр. 8762
وأما الترك فكان أكثرهم قبائل أمية لا تعرف قراءة ولا كتابة، وتسربت إلى طوائف منهم كتابات الأمم المجاورة. كتبت بعض الأسماء والألقاب التركية بالهيروغليفية الصينية في القرنين السابع والثامن بعد الميلاد. ولما أريد تنصير الترك النازلين على بحر الخزر في القرن السادس ترجم لهم الكتاب المقدس، وكتب بالحروف اليونانية. وكذلك كتبت التركية بالحروف اليونانية في جهات الطونة، وكذلك كتبت التركية بالعبرية، والنسطورية، والهندية، والسلافية، والأرمنية الخ الخ
وقد أثر عن جماعات من الترك ضربان من الكتابة يمكن أن يعدا كتابة تركية. وهما الخط الأورخوني الذي دلت عليه الآثار التي عثر عليها حوالي نهر أورخون في سيبريا، والخط الأويغوري. والأول كتبت به تركيا الشمال، وبالثاني كتبت تركية الجنوب
فأما الخط الأورخوني فيرى أكثر العلماء أنه مشتق من الخط الآرامي القديم. وقد كتب به فئات من الترك من القرن الرابع الميلادي إلى القرن الثامن. وهو مؤلف من ثمانية وثلاثين حرفاً، أربعة منها حروف حركة، وثلاثة منها مركبة. ويوصل به غالباً كلمتان أو ثلاث معاً. وأحيانا يستغني بالحرف من الكلمة فتكتب (ت) للدلالة على آت (فرَس) و (ز) للدلالة على آز (قليل) وهكذا. ولا ريب أن هذا الخط لا يقاس بالخط العربي وضوحاً ويسراً وكمالاً
وأما الخط الأويغوري وهو أحدث الخطين، وأطولهما عهداً، وأوسعهما انتشارا، فيظن أنه حل محل الخط الأول منذ القرن الثامن الميلادي. كتبت به أول الأمر ترجمة الكتب البوذية، وبقى بين الأويغوريين وغيرهم من الترك، بعد أن دخلوا في الإسلام فكتبت به الدولة الخاقانية في كشغر (٣٢٠ - ٦٠٩هـ) والدولة الجنكيزية، والايلخانية (٦٥٤ - ٧٤٤) ودولة آلتون أوردو في قفجاق (٦٢١ - ٩٠٧). وكتبت به بعض الكتب الإسلامية حتى القرن العاشر الهجري. وهذا الخط مشتق من الخط الصْغدي والصغْدي مأخوذ من الآرامية أيضاً، وهو أربعة عشر حرفاً يدل بعضها على أصوات مختلفة. وهو من اللبس والعسر بحيث لا يقاس بالخط العربي أيضاً
فكان من نعم الإسلام أن بدل بهذين الخطين الخط العربي الذي صار خط الأمم الإسلامية جمعاء. ثم الآثار القليلة التي أثرت في الخطين الأورخوني والأويغوري في بقاع ضيقة،
стр. 8763
وموضوعات تافهة لا تقاس بما كتب باللغة التركية والحروف العربية في العهد الإسلامي إذ أفاد الترك من الحضارة الإسلامية، ودخلوا في جماعة المسلمين، وتمكن سلطانهم بينهم
- ٣ -
والتركية العثمانية التي اختيرت لها الحروف اللاتينية أخيراً لم تعرف في تاريخها غير الحروف العربية، ولم تدوّن إلا في ظل الحضارة الإسلامية بعد سبعة قرون من الهجرة
دخل السلاجقة في الإسلام ثم أقاموا دولتهم في القرن الرابع وفتحوا بغداد سنة ٤٤٧، وامتد سلطانهم على آسيا الغربية من أفغانستان إلى البحر المتوسط. ثم تقسم الخلف ميراث السلف فكان من الدول السلجوقية المتعددة دولة سلاجقة الروم وهي التي نشأت في الأناطول وما يصاقبه
وكان الأدب الفارسي في القرن الخامس قد أزدهر بجانب الأدب العربي، فأخذ السلاجقة حضارة الإسلام باللغتين العربية والفارسية. فكانت العربية لغة العلم عند سلاجقة الروم والفارسية لغة الدواوين. وكان الأدب التركي مقصوراً على العامة، غير مدوّن
ولما نشأت إمارة قرمان بعد منتصف القرن السابع صارت التركية أول مرة لغة الدواوين وكتبت بالحروف العربية
وقد اشتملت هذه التركية المكتوبة على كثير من الكلمات العربية والفارسية
- ٤ -
وكانت الكتابة التركية في عهدها الأول تقارب الأسلوب العربي لا تكتب فيها حروف الحركة إلا قليلاً. ثم أثبتت حروف العلة والهاء للدلالة على الحركات دون تعميم. ثم انتهى الأمر في العصر الأخير إلى أن كتبت حروف الحركة في كل كلمة فصارت الكتابة التركية كالكتابة اللاتينية: كل حرف صحيح يليه حرف معتل للدلالة على الحركة
فإذا قرأنا مثلاً في ديوان سلطان ولد ابن مولانا جلال الدين الرومي وهو أول ناظم بالتركية العثمانية نجد رسم الكلمات الآتية على هذا النسق: أل (هذا) كُررُ (يرى) بقمز (لا ينظر) كنش (الشمس) ألرُ (يكون) أيقدا (في النوم) أجَر (يطير)، فإذا قرأنا في كتب المتأخرين وجدنا الرسم قد تغير على هذا النسق: أول، كورووو، باقماز، كونش، أولور، أويقوده،
стр. 8764
أوجار
وإذا قرأنا في الكتب التي كتبت قبل ثلاثين سنة لا نجد حروف الحركة مثبتة في كل مقطع. فإذا نظرنا في الكتب التي كتبت من بعد وجدنا اطرد حروف الحركات في مقاطع الكلمة. كانت الكلمات الآتية ترسم كما ترى:
تميز (نظيف) آرقداش (أخ) كنيش (واسع) دها (أيضاً) كبى (مثل) قدر (مقدار) دكل (ليس) درين (عميق) كوزل (ظريف)
فصارت بعد كما يأتي:
ته ميز (الهاء علامة الفتحة الخفيفة) أرقاداش، كهنيش داها، كيبى، قادار، ده كيل، ده رين، كوزه ل
وكان يسع الكماليين أن يسيروا على هذه السيرة واصلين حديثهم بقديمهم مبقين على ما دوّن أسلافهم، ولكنهم آثروا، إنفاذا لخطتهم، أن ينبذوا الحروف العربية، وهي الحروف التي يكتب بها مسلمو العالم كافة، ولفقوا هجاء من الألمانية والفرنسية والإيطالية فبلغوا الكمال المطلوب ولحقوا بالسادة الأوروبيين. ولست أقول ما قاله أحد كبراء الفرس لأديب تركي يناظره في الحروف اللاتينية: (إنكم معشر الترك ليس لكم من آدابكم ما تفخرون به فآثرتم أن تسدلوا عليها ستراً من الحروف اللاتينية ولكن لنا من آدابنا ما نفخر به ونحرص على قراءته في كل جيل فلسنا نريد أن نغير كتابتنا). لست أقول هذا ففي الأدب التركي القديم ما هو جدير بالرعاية، وقد أفتن الترك في تجويد الخط حتى صاروا أئمة فيه وصار لهم من آياته ما يجدر بكل أمة أن تحرص عليه
مسألة الحروف اللاتينية ليست فيما أرى ضرورة أو إصلاحاً ولكنها فتنة من فتن تقليد أوربا التي ضربت الشرق عامة والمسلمين خاصة بالذلة والهوان، وقد بلغ الأمر أن يرى بعض الناس أن تكتب اللغة العربية أيضاً بالحروف اللاتينية، فإذا قلت لهم فما تصنعون بأحد عشر حرفاً من الهجاء العربي ليست في الحروف اللاتينية؟ قالوا نضع لها حروف لاتينية بالتركيب أو النقط. فياسبّة الأمم، وعار الأجيال، وموتى النفوس، لماذا تجعلون من أنفسكم واظعين مخترعين في حروف اللاتينية، ولا تكملون ما في حروفكم من نقص، وتصلحون ما بها من عيب؟ جرى الجدال بيني وبين واحد منهم فكان منه الحوار الآتي:
стр. 8765
قلت: كيف تكتب، خاشعاً وخاضعاً، بالحروف اللاتينية؟
قال هكذا: , و , فأركب للدلالة على الخاء، وللشين واضع مدا على وأدل على العين بالحرف مفصولاً عما قبله بشولة كما يفعل المستشرقون
قلت فلماذا كل هذا العناء؟ لقد اضطررت أن تنقط وتشكل في الحروف اللاتينية، أترى هذا أيسر وأبين من خاشع وخاضع، قال: لا، ولكن الكلمتين بالخط العربي خاليتان من حروف الحركة
قلت: فضع كسرة تحت الشين والضاد. وهذا حسبك، بل لست في حاجة إلى هذه الكسرة فوزن الكلمة يعين حركتها. قال هذا صحيح في هذا المثال، فما بال الكلمات الأخرى. قلت: صدقت فهلم نتناول الموضوع على عمومه
- ماذا تنقمون من الكتابة العربية؟
- ننقم منها أنها كتابة لا تبين عن الألفاظ، فهذه الصورة (حسن) تقرأ حَسَن، وحُسْن، وحَسُن، وحَسّن، وحُسّن. . . . الخ
- قد كانت كتابتنا أول عهدها غير معجمة ولا مشكوله، مثلاً كانت الجيم والحاء والخاء ترسم بصورة واحدة فأعجم السلف الحروف فامتاز بعضها من بعض، ثم وجدوا الحرف الواحد في اكثر حالاته مبهم الحركة، فشكلوا الحروف فتعينت الحركات، واستبانت الألفاظ، وكان للحروف صور غير صورها الحاضرة، مازال بها الأختراع، والتجميل والتجويد حتى بلغت جمالها الحاضر، وتعددت الخطوط، وجعل لكل مقصد ضرب يواتيه، فكان خط الثلث والنسخ والرقعة وغيرها. فان كنتم يا رجال القرن العشرين أحياء قادرين على الإبداع، أباة آنفين من المحاكاة، وإن تكن عقولكم غير سقيمة، وقرائحكم غير عمقية، فانظروا في كتابتكم، فان رأيتم عيباً فأصلحوه، وأن آنستم نقصاً فأكملوه، ولا تكونوا في عصور العلم ضلالاً، وفي نور القرن العشرين ظلالاً، أدخلوا في الكتابة حروف الحركة إن شئتم، أو افعلوا غير ذلك إن استحسنتم، فأما أن تقولوا كتبت أوربا فنكتب مثلها فذلك ضلال العقول، وهوان النفوس، والموت الذي لا يستره باطن الأرض
ثم تنسى يا أخي أن اللغة العربية لغة أوزان وصيغ، فليست كل كلمتها في حاجة إلى الشكل، ولو أتسع المجال لأبنت لك أن الكاتب العربي يستطيع أن يكتب سطوراً لا يحتاج
стр. 8766
فيها إلا إلى شكلات قليلة، وقد ضربت مثلاً من هذا في مقدمة الشاهنامه
- هب ما قلت صواباً، فماذا ترى في شكاوي أصحاب المطابع من كثرة صور الحروف العربية: للحرف صورة في أول الكلمة وأخرى في وسطها وثالثة في آخرها، على حين لا يرى الطابع الأوربي أمامه للحرف إلا صورة واحدة
- بل صورتين صغيرة وكبيرة
- أجل وهذه ميزة أخرى للحروف اللاتينية
- هذه الشكاوى هي شكاوى أصحاب المال من كثرة العمال؛ كل صاحب مطبعة يود أن يديرها عامل واحد، ليأخذ كثيراً ويعطي قليلاً، وأما القارئ فسيان عنده أن يكون الذين هيأوا الجريدة خمسة عمال أو مائة، ثم أخبرني: ما الذي جعل للحروف اللاتينية هذه الميزة؟
- صور هذه الحروف، ثم فصل بعضها عن بعض
- قد كانت الحروف اللاتينية كلها موصولة ولا تزال توصل في كتابة اليد، فلما كانت المطابع أستحسن الأوربيون أن يفصلوا بعضها من بعض، فما الذي يمنعكم أيها المقلدون أن تفصلوا حروفكم فلا يكون للحرف في المطبعة إلا صورة واحدة؟
- هذا يبدوا لي صواباً ولكنه عجيب غريب
- أعجب منه أن نفكر في كتابة لغتنا بالحروف اللاتينية. قد هانت علينا نفوسنا حتى صار التقليد يسيراً قريباً، والاختراع مهما قل عجيباً غريباً
- لا تنسى أن العلوم والمخترعات قربت بين الأمم وطوت المسافات بين أطراف الأرض. والأمم صائرة إلى التوحّد فلماذا لا تكتب لغات الأمم كلها بالحروف اللاتينية؟
- أجل قربت العلوم والمخترعات بين الأمم، ولكن أوربا لا تعرف الأخوة بين الناس، ولا تزال تفرق بينهم بأتفه الأشياء وهي الألوان. والتوحيد الذي تريده أوربا أن تكون هي آكلة ونحن مأكولين. وهذا حديث يضيق عنه مقامنا الآن. وبعد فلماذا يكون توحيد الكتابة بالحروف اللاتينية ولا يكون بالحروف العربية؟ أن أردت أن تمتحن صدق الداعين إلى التوحيد فادعهم إلى استعمال الحروف العربية فستبلغ بهم الكبرياء والازدراء والسخرية والعجب ألا يجيبوك بكلمة. ولن يكون ذلك لما عرفوا من فضل حروفهم على حروفنا، بل
стр. 8767
لأن هذه حروفهم وتلك حروفنا. وسيشترك في السخرية من لم ير الحروف العربية قط. ثم هل اتفق الأوربيون على الكتابة بحروف واحدة؟ وهل استعملوا الحروف التي اتفقوا عليها بأسلوب واحد؟ أذكر أنه منذ ثلاث سنين جاء إلى أستاذ كبير في الجامعة المصرية كتاب من جماعة في أوربا يدعونه إلى العمل معهم على تعميم الحروف اللاتينية في العالم، فسألني رأيي فيما يجيبهم به فقلت إن كان لابد أن تجيب فاكتب إليهم أن ابدأوا بكتاباتكم فوحدوها فإذا صار الروسي واليوناني والألماني والفرنسي والإنكليزي والأسباني الخ يكتبون بحروف واحدة، وأجمعوا في كتابة هذه الحروف على نمط واحد فاكتبوا إلينا لنفكر في الأمر
وبعد، فاللغات يا أخي مهما أحكمت كتابتها، لا تؤخذ من الكتب وحدها بل لابد لها من التلقين. تعرف الكلمة بالسماع ثم تدل الكتابة عليها دلالة تامة أو ناقصة. وكثيراً ما تكون الحروف كالرموز أو العلامات يلمحها الإنسان فيعرف ما وراءها من لفظ قبل أن يكمل قراءتها، ويدرك اللفظ من صورة الحروف مجتمعة بل كأنه يفهم المعاني من النقوش دون توسط الألفاظ. وإذا أسرع القارئ سلط عينية على المكتوب وقصّر لسانه عن مجاراة عينية، ثم يا أخي هل بلغت الحروف اللاتينية التي فتنتم بها درجة الكمال، وبرئت من العيوب؟ ألست ترى الصوت الواحد تدل عليه حروف عدة فصوت الكاف تدل عليه , , والحرف الواحد يدل على أصوات مختلفة فالحرف يلفظ مرة ك وأخرى س، ويكون حيناً س وحيناً ز وهلم جرا
والكتابة الفرنسية، وهي أدق الكتابات الأوربية، فيها عيوب كثيرة فاللفظ الواحد أو الألفاظ المتحدة في الصوت تكتب بصورة مختلفة مثل و , و , و , و , و ' , فالصوت وحده لا يدل على رسم الكلمة. وكم في الفرنسية من حروف تكتب ولا تلفظ أحياناً كما ترى في الكلمات السابقة
وأنت تعرف الكتابة الإنكليزية، ودلالتها على الألفاظ بالجملة لا التفصيل، وكم من حرف فيها يلفظ ولا يكتب وآخر يكتب ولا يلفظ وحسبك مثل و , ولو قرأ قارئ الكلمات الإنكليزية كما تدل عليها حروفها ما فهم عنه أحد، وقل أن تسأل رجلاً أو صبياً إنكليزيا عن أسمه أو أسم الشارع إلا أتبع الاسم بهجائه علماً بأن الصوت لا يدل على الحروف
стр. 8768
والإمبراطورية الإنكليزية، مع هذا، لم تضمحل بهذه الكتابة، والأساطيل البريطانية لم تصطدم بهذه الحروف وما رأيت مصرياً من العيابين الطعّانين في الحروف العربية جرؤ مرة على عيب الإملاء الإنكليزي أو تنبه إلى عيوبه. وذلك بأن الحروف العربية لا تحميها إمبراطورية ولا أساطيل، نعوذ بالله من ضعف الهمم، وذل الأمم
وإن للحروف العربية لمزايا عظيمة فهي أيسر كتابة. لا تملى على صبىّ كلمة فيخطئ كتابتها إلا الكلمات المهموزة. وهي كذلك أخصر رسماً يستطيع كاتبها أن يساير خطيباً أو مدرساً فيكتب كل ما يقول، وهي في جملتها أوضح من كتابة اليد في اللغات الأوربية. قال لي مستشرق ألماني كبير قد أتقن اللغات العربية والفارسية والتركية، وحذق كثيراً من لغات أوروبا: (ما أشكل علي قط قراءة رسالة عربية وقد أشكل علي وعلى غيري مرات كثيرة قراءة رسائل ألمانية)
هذا إلى ملاءمة الكتابة العربية للعين. قال لي طبيب كبير من أطباء العيون: إن الحروف اللاتينية بكثرة زواياها أشق على البصر من الحروف العربية
إن مجال القول يا صاحبي واسع. وما بكم صعوبة الحروف العربية، ولكن الغرام بمتابعة أوربا، والخجل من التمسك بما أورثكم آباؤكم. ما بكم علة الحروف العربية ولكن علل الذلة والمهانة، واحتقار أنفسكم وتعظيم غيركم. إن المريض يكثر التحدث عن صحته، ويكثر اتهام الأطعمة والأشربة، كلما أحس السقم ظن أن الماء الذي شربه قد أضرّ به، أو أن الطعام الذي طعمه لم يلائمه. فكذلك أنتم تخلعون علل أنفسكم على اللغة أو الكتابة أو غيرهما وإنما الداء الدوي في أنفسكم، والعلة القاتلة في سرائركم
(له بقية)
عبد الوهاب عزام
стр. 8769
المؤتمر الثامن للجمعية الطبية المصرية بدمشق
للأستاذ عز الدين التنوخي
كاتب سر المجمع العلمي العربي
مطالب جليلة، ورغائب جميلة، وقلوب كبيرة نبيلة، إلى معارف شبيبة مثقفةٍ، ومدارك كهولةٍ ممحصة، وتجارب شيخوخة محنكة، مع كثيرٍ من الخيرات والبركات، قد حل دمشق أولئك جميعاً بحلول رجال المؤتمر الطبي الثامن فيها
أجل تغيرت بهم في دمشق أحوال المجتمع والحياة، فأصبح مؤتمرهم حديث الأندية وملهج الألسنة، فلم يبق في أحياء الفيحاء من لم يتحدث به من الرجال والنساء؛ وتبدلت كذلك فنادق دمشق بأبهائها وموائدها وبما قام فوق صروحها من خضر الأعلام المصرية الزاهرة بأنجمها الثلاثة وهلالها خفاقة إلى جانب تلك الأعلام الشامية الزاهية بألوانها الأربعة وجمالها
ويا حبذا يوم نشاهد هذه الأعلام العربية بلغة أبنائها وبلدانها، تقر عيوننا بكثرة أنواعها وألوانها فيتماوج غداً على المؤتمرات العربية في دمشق: العلم المصري والشامي والعراقيّ والحجازي واليماني والبرقي والتونسي والجزائري والمراكشي، وتتمازج فيها لهجات العرب المنتشرة في أقطار هذه الأعلام، فيتألف من مجموعها لحن عربي نديّ يرتفع له حجاب السمع، ويهتز له شغاف القلب
بل قل ما أسعد ذلك اليوم الأغر المحجل الذي نرى فيه للأقطار العربية المتحدة - والقاهرة (وشنطونُها) يومئذ - علماً عربياً واحداً، ونسمع لها فيه نشيدا عربياً واحداً، كما يرى اليوم أبناء العالم الجديد لولاياتهم المتحدة الأمريكية لواءً وطنياً واحداً، ويسمعون في جميع أنحائها نشيداً قومياً واحداً!!
عيدان أظلاّ دمشق واجتمعا للدمشقيين في يوم واحد، وعلى صعيد واحد: عيدُ المولد النبويّ، وعيد المؤتمر الطبيّ، فكأنما اندمجت بذلك ولادة هذه الأمة الدينية الغابرة، بولادتها السياسية والدنيوية الحاضرة! فليس اليوم في الفيحاء إلا قلوب تخفق لذكرى ذلك النبيّ العربي العظيم الذي أحيا من هذه الأمة مواتها، وجمع بعد صدع النوى شتاتها؛ وليس فيها اليوم إلا قلوبٌ طاهرة وعقول ناضجة، تفكر في إحياء هذه الفصحى المحبوبة وإزالة بلبلتها
стр. 8770
بتوحيد لغتها العلمية، وإعادة عزتها بجمع كلمة أبنائها؛ وليس فيها كذلك إلا حفلات وولائم متتابعات في قصر أمية والقصر الملكي، وردهة محاضرات الجامعة، وحديقة الأمة الرائعة، ورياض الغوطة الفيحاء، وربى بلودان الشماء
كذلك تبدلت بالمؤتمر الثامن في دمشق لهجة صحافتها، فذهلت بنشر أخباره جريدة (الأيام) عن صراحتها، و (القبس) عن معارضتها و (الجزيرة) عن ميثاقها، و (ألف باء) عن اعتدالها، و (فتى العرب) عن كفاحه، و (الشعب) عن طماحه، و (المضحك المبكي) عن ظريف هزله ومزاحه
إن هذا المؤتمر - وهو دليل يقظة الأمة العربية وبرهانُ رشدها الاجتماعي - ليرمز إلى شعورها بقوتها الكامنة اليوم، وبقدرتها الفاعلة غداً؛ ولذا ورد علي من خبر انعقاده في دمشق ما خفف من بث قلبي الملتاع بتشتت هذه الأمة، والمرتاع لمصيرها المظلم، فشعرت لعمري به شعور الأمل الحالم أغتبط بتوهم الحقيقة، والهائم الحائم على مواقع القطر ابتهج برؤية أمنيته فلمع نور البشر في غرته
ولمَ لا أغتبط - ليت شعري - ولا أبتهج، أو لا تغلبني نشوة الطرب، وبعيني رأيت حسن ذلك الخيال مجسماً، وبأذني سمعت لحن ذلك الوصال مرنماً، في بعض مجامع المؤتمر من عتاب الأحباب على الهجرْ، والأقرباء على الجفاء، وجيرة المنازل والديار، على تناسي حقوق الجوار؛ والجوار - عمرك الله - رحم شابكة وصلة واشجة؟ وكان مما استرقته الأذن من قول أديب شاميّ لطبيب مصري وهو يعاتبه:
- (إن لم تنضموا إلينا فضمونا إليكم، فما كان لحواجز الاستعمار أن تقوى على فصم عرى الجوار؛ ألسنا نحن الشاميين نشارك إخواننا المصريين في أفراحهم وأتراحهم؛ أما كنا نفرح بالأمس لسعد، ولفوز سعد، وأنصار سعد؛ ألم ترمض جوانحنا (سيشل) بذكراها، وتقض مضاجعنا (دنشواي) ببلواها؛ أولسنا نشارككم اليوم في نعيم الواحي (الراديو) فنطرب أمثالكم لألحان أم كلثوم وعبد الوهاب، مثلما نساهمكم في العلوم والآداب بسماع الآيات والخطب والمحاضرات؟
أوليس علماؤكم في الأزهر والجامعة علماءنا، وأدباؤكم من الكتاب والشعراء أدباءنا، وتاريخ القطرين الشقيقين يكاد يكون واحداً، ومطالعاتنا اليوم في الكتب والمجلات
стр. 8771
والصحف المنتشرة، تكاد تكون واحدة أيضاً؟ أولا تعلم أن (الرسالة) يقرأها في دمشقنا هذه جمهرة العلماء والأدباء من الجنسين العنيف واللطيف على السواء؟)
وكان الطبيب المصري يجيبه على أسئلته هذه العذبة الرقيقة بقوله:
- بلى، بلى، ونحن لكم اليوم يا أخي كذلك، وفوق ذلك فهذا الحديث وأمثاله هو من بعض بركات المؤتمر المصري على العرب والعربية معاً. ومن أيمن تلك البركات المأثورة العزم على توحيد المصطلحات العلمية، ففي جلستها الخطيرة بحث الخطباء في تاريخها وطرق وضعها ووسائل توحيدها، وقد أشار كاتب سر المؤتمر الحكيم الدكتور عبد الواحد الوكيل في فاتحة الجلسة إلى أن الجمعية الطبية المصرية قد اهتمت في جميع مؤتمراتها السابقة بتوحيد المصطلحات الطبية، فكان كل واضع يتعصب لوضعه فخرجنا من مؤتمراتنا كلها بدون فائدة؛ ويجب الآن بعد تكوين المجمع اللغويّ الملكي مع وجود المجع العلمي الشامي أن تخرج هذه القضية من أيدينا إلى المجمعين
وقد شجعت جمعيتنا الدكتور محمد شرف على وضع معجمه وآزرته الحكومة فوزعه على الجمعيات اللغوية في الممالك العربية، واقترحنا أن يجعل أساساً لأعمال المصطلحات الفنية، وأن يضاف إليه في كل طبعة ما يتمحص منها، وما يوضع من الألفاظ الجديدة فيتألف منه على الأيام معجمنا العربي المنشود
ثم بحث الخطباء في طرق الوضع وهي جمة، فذكروا منها قبول الأسماء الأعجمية الواردة على أوزان عربية، وليس في لغتنا ما يدل عليها، وقبول النحت عند الضرورة في الأسماء الأعجمية المركبة، وترجمة الأسماء التي لا يصح تعريبها؛ وفي الأسماء العلمية المركبة من جنس ونوع قد يجب تعريب الجنس، والنوع ذو المعنى مما يجب ترجمته لا تعريبه؛ وأما الأسماء المنسوبة إلى الأعلام والأماكن فلا يجوز غير تعريبها، إلى غير ذلك من الأساليب التي لا يجنح إليها إلا بعد التثبت من أن دواوين اللغة وكتب الطب والعلم لا تشتمل عليها، فإذا ظفرنا بمثل كلمة التعايش لكلمة وقد ذكرها الزمخشري، لم نحتج إلى نحتها أو ترجمتها أو تعريبها
وفي خلال المباحث حدث جدال قليل بين بعض الأطباء في الدفاع عن الأوضاع، لا محل لتفصيله، فانبرى لفصل الجدال بينهم الدكتور محجوب ثابت فرأينا منه خطيباً حلو النادرة،
стр. 8772
طلق البادرة، يتدفق في إيراد بيناته وفكاهاته تدفق اليعبوب، فيملا الأسماع والقلوب، ومما قاله:
إن العمل المشوش (المهرجل) لا يثمر أبداً، والجمعيات الطبية العربية - وهي بحمد الله كثيرة في بلاد العرب - لا تثمر ولا تنتج إن لم تعمل كذلك بطريقة علمية منظمة، فلو أن شعبة المصطلحات الفنية في الجمعية الطبية المصرية أخذت مثل كتاب: وقسمت ألفاظه على عدد أعضاء الشعبة، وفي آخر كل شهر يعرضون ما وضعوه على الجمعية مجتمعين، وبعد تمحيصها وتحقيقها، ترسلها الجمعية إلى مجمع اللغة الملكي بمصر ليحكم لها أو عليها، فيعتبر حكمه عدلاً، وقوله فصلاً
لا جرم أن من الأنصاف والحصانة أن تجمع كلمة الأقطار العربية على مجمع مصر الملكي لأنه يمثلها بالأعضاء اللذين اختارهم من علمائها فإذا ما حكم بصحة لفظة فكأنما حكمت بها مجامع العرب كلها، إذ هي ممثلة فيه ومحكمة في ناديه؛ وأما مجامع اللغة في البلاد العربية فتعتبر روافد لمجمع مصر أو مؤتمرها اللغويّ، بما ترسله إليه من الأوضاع الجديدة، وأعضاء المجمع المرسل يبيّنون لإخوانهم في مصر توجيهاتها، وأسباب تعديلها وتفضيلها، وبذلك يكون الإنتاج خصيباً، والرأي على الأغلب مصيباً، وقديماً قيل: المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، ومجمع اللغة المصري ضعيف بواحده، قويّ بروافده
إن هذا المؤتمر الطّبي الثامن لغزير النفع، كثير الرجع على الأمة العربية، فمن منافعه الجليلة تمهيدهُ السبيل إلى توحيد المصطلحات العلمية، وتمهيده السبيل إلى تعليم الطبّ في المدارس الطبية باللغة العربية وبهما يتمهّد السبيل إلى توحيد مناهج التربية والتعليم في بلاد العرب الذي هو لعمري من أقوى البواعث على توحيد الثقافة العربية المؤدي إلى توحيد الأمة العربية، وإلى سيادتها في العالم بتعارفها وتآلفها وتحالفها:
فنحن في الشرق والفُصحى بنور رحمٍ … ونحن في الجُرح والآلامِ إخوانُ
عز الدين التنوخي
كاتب سر المجتمع العلمي
стр. 8773
الدرامة في الأدب الإنجليزي
المذهب الواقعي وفن الدرامة
بقلم محمد رشاد رشدي
تتمه
الدرامة الإنجليزية في عهد (دريدق)
من أهم ما يميز هذا العصر - منتصف وأواخر القرن السابع عشر - انتشار عادة غريبة، هي محاولة حل كل شيء في الوجود بواسطة العقل والتفكير؛ وقد كان (بوالو) على حق حينما قال: (إن ديكارت قد ذبح الشعر) - على أن هذه العادة نشأت نتيجة لحضارة هذا العصر التي كانت قائمة على أكتاف الطبقة الوسطى - ونحن لا نجد عصراً من عصور إنجلترا كان نصيب الفلاح فيه أقل مما كان في ذلك العصر؛ مع أن مادة الفن الغزيرة تأتى دائماً من الفلاح حيث يعيش الرجل جنباً إلى جنب مع الطبيعة، ويواجه صعابها وشؤونها كل ساعة وكل يوم فيتحايل على فهمها وإدراك أسرارها لا بالعلم والتفكير بل بالدين والفن
في هذا العصر لبست الدرامة ثوب النثر وأخذت (الكوميدية) تنقد عادات الناس وأحوالهم، فهي تارة ساخرة وتارة مهذبة ناصحة، وأخرى مستهترة متهتكة - على أن حوادثها وشخصياتها كانت كثيرة المطابقة للواقع، حتى أن بعض الكتاب كان يبنى قصصه بناء تاماً على حوادث شخصية وقعت له أو لمن يعرفهم - وإن كان ثمة شيء ينقص من واقعية هذه (الكوميدية) فهو أن الكاتب كان كثير الحضور والظهور في قصته - فهو يكاد يكون دائم الحديث على ألسنة أبطاله، إما ناصحاً أو متفكهاً أو ناقداً أو جاعلاً هؤلاء الأبطال الذين لا يمتون للشعر بسبب - وللحياة اليومية بكل سبب - يتحدثون بلغة هي أبعد ما تكون عن لغة الحديث العادية. أما (التراجيدية) فقد اتجهت اتجاهاً آخر كان فيه القضاء عليها، فباتت تصور عالماً كله بطولة وحب وشجاعة، وأضحى أبطالها آلات تتغنى بالفضيلة والطهر والمروءة في كلام موزون مقفى ثقيل على الأذن لا مرونة فيه ولا عبقرية؛ وإنما كان هذا التصوير الخاطئ للحياة رد فعل للجو الإباحي المستهتر الذي كان يعيش فيه شعراء العصر وطبقته العليا - كما كانت الفضيلة والبطولة مثل الفروسية الأعلى في القرون الوسطى -
стр. 8774
رد فعل لخلو الحياة في ذلك العصر خلواً يكاد يكون تاماً من كل ما هو فاضل بريء
نهضة الدرامة في القرن التاسع عشر:
كانت حياة المسرح الإنجليزي في القرن الثامن عشر حياة خاملة لا نشاط فيها ولا جدة، ولو أن نجماً أو نجمين سطعا في سمائه ثم أفلا - وأعني بهما (شريدان) و (جولد سمث). والآن ونحن نريد أن نعالج نهضة القرن الفائت الحديثة يجدر بنا أن نذكر شيئاً عن كل من الاتباعية (الكلاسزم) مذهب العهد المنقرض، والإبتداعية (الرومانتسزم) مذهب العهد الناهض الجديد. والحق أن كلا من المذهبين ينشأ عن وجهة نظر خاصة نحو الطبيعة البشرية. (فالاتباعية) تعتبر الإنسان حيواناً حقيراً بطبيعته، وتعتبر أنه لا يستطيع أن يرقى وينهض إلا بالطاعة وحكم النفس والعمل الدائم. ومن هذا كانت الطاعة وضبط النفس أظهر مميزات هذا المذهب، وأنت تجدها تتجلى في الفن (الاتباعي) في دقة الأشكال والأوضاع، وفي صقلها صقلاً تاماً، ثم في خلوه من كل ما من شأنه التطرف والعنف. أما الإبتداعية فتعتبر الإنسان نبيلاً بطبيعته، غير أن الأوضاع والأنظمة التي وضعها لنفسه هي التي حطت من قيمته وجعلته ذليلاً ضعيفاً. ومثل هذه الأنظمة المجتمع نفسه - الأخلاق - والقانون وغيرها - وإن عبارة (روسو) الافتتاحية في كتابه العقد الاجتماعي: (الإنسان حر بطبيعته ولكنه يجد نفسه مكبلاً بالقيود أينما كان) هي أول تعبير صادق (للابتداعية) وهي تتجلى في الفن في نبذٍ متعمد لكل القواعد والتعاريف، وفي الاعتماد اعتماداً تاماً على قوة تعبير الفنان تعبيراً لا يقيده شكل ولا تحده قاعدة - فإن أراد الفنان (الابتداعى) أن يعالج الطبيعة لم يكن محتاجاً إلى الفلسفة تقوده وتهديه - كما كان يفعل شعراء وكتاب القرنين السابع والثامن عشر، بل إن عليه أن يلاحظ ظواهرها فقط، وأن يدون ملاحظاته دون تعديل ولا تهذيب
ومن هذا يتضح قرب المذهب (الابتداعي) من المذهب الواقعي - أعني اتجاه (الابتداعية) اتجاهاً واقعياً قوياً بطبيعتها - واتصالها أساسياً بالحقيقة والواقع. وإن شعر الشاعر الإنجليزي (وردسورث) ونظريته في الأسلوب الشعري - أن يكون خليطاً من الأساليب والألفاظ التي يتحدث بها الناس في حياتهم العادية - لشاهد على ذلك
ومما يشاهد في الدرامة في أواخر القرن التاسع عشر نبذ بعض كتابها - عن عقيدة وعمد
стр. 8775
- كل ما هو شعري نبذاً تاماً كاملاً. ولقد نشأ هذا عن رغبة أصحاب المذهب الجديد في إدخال طرق البحث العلمية في الأدب، إذ يجب أن تكون الملاحظة دقيقة لا تحيز فيها كما يجب أن يكون الملاحظ مختفياً لا أثر لوجهة نظره الخاصة، بل يدوّن كل ما يلاحظه تدويناً صادقاً واضحاً. وقد كتب (زولا) يقول: (لقد ترك الكيميائيون اليوم البحث عن الذهب - على أنهم لو اهتدوا يوماً إلى صنعه، فسيكون دليلهم البحث العلمي الجديد، وإني أشبه نفسي بهم - فأنا أكدّوا وأبحث محولاً إتمام الطريقة الحديثة التي ستهدينا ولا ريب شيئاً فشيئاً إلى الحقيقة كاملة)؛ على أن (زولا) نفسه كان يدرك أن الدرامة لأجل أن تكون فناً، يجب أن تجمع عناصر أخرى غير عناصر العلم. وهو يذهب في كتابة أخرى له إلى أن للواقعية نفسها لوناً شعرياً فنياً لا يستطيع أحد إنكاره، إذ يقول: (من يستطيع أن ينكر أن في حجرة العامل الفقير شعراً أكثر مما في قصور التاريخ جميعاً؟)
ومن ظواهر هذه الواقعية العلمية التي ظلت تسود الدرامة منذ نهضتها في أواخر القرن الماضي إلى عهدنا الحالي ظاهرة التشاؤم والانقباض. والحق أن الواقع والتشاؤم يسيران دائماً جنباً إلى جنب، فالعقل الإنساني يميل إلى صبغ ما يخشى حدوثه بصبغة الحقيقة، وما يرجوه وما يأمله بصبغة الحلم والخيال؛ ولقد كانت آلهة الإنسان الفطري - وقد كان يخافها كل الخوف - أقوى في مخيلته وأوضح شكلاً من حوادث حياته اليومية
أقطاب النهضة الحديثة: أنتوق تشيكوف
تؤكد شخصية (تشيكوف) وجو مسرحياته الخاص وأسلوبها أنه أول الكتاب الحديثين الذي حقق المثل الأعلى للواقية؛ فتشاؤمه ونظرته الخاصة نحو الحياة تبدو كأنها ليست نظرة شخصية خاصة بل نظرة أهل عصره العامة - نظرة الروسي البائس الفقير الذي كان يعيش في روسيا في القرن الماضي. فأنت لا تجد (لتشيكوف) دعاية خاصة يدعو بها أو عقيدة يدافع عنها، بل هو يصور الحياة كما يراها، هادئاً قابعاً مختفياً وراء صورته. . .
هنريك ابسن:
كذلك مسرحيات هذا الكتاب النرويجي هي مثل أعلى للواقعية الحديثة؛ ولو أنها تختلف كثيراً عن كتابات (تشيكوف)، ولقد تبدو قصصه - لأول نظرة - قصصاً تعالج شئوناً
стр. 8776
اجتماعية مثل الزواج وتحرير المرأة وغير ذلك؛ ولقد يتبادر إلى ذهن القارئ أنه بزوال هذه الشؤون وحلها ستزول قيمة القصص وتقل أهميتها. على أن هذا الزعم خاطئ، فروح (إبسن) ليست بروح المصلح الاجتماعي فحسب، بل هي قبل كل شيء روح شاعر كان إذا ما فكر في مشكلة اجتماعية ملكت عليه كل حواسه فأصبح لا يرى للعيش قيمة إذا هو لم يهتد إلى حلها وإزالة خطرها
ومسرحيات (برنارد شو) تعالج هي الأخرى موضوعات اجتماعية؛ على أن الفرق بين الكاتبين عظيم، فمعالجة (شو) لموضاعته هي معالجة علمية بحتة، أعني أنها لا تهمه شخصياً بل اجتماعياً - أما مع (إبسن) فهي كما قدمت موضوعات شخصية قبل أن تكون اجتماعية أو عالمية - موضوعات تهمه مباشرة كأنما كان يتعلق بها كيانه ووجوده. وقد كتب (إبسن) مرة يقول: (كل ما أكتبه له علاقة وطيدة بكل ما أحيا خلاله؛ وفي كل قصة أو قصيدة أكتبها أبغي تحرير نفسي وصفاءها). ومن الجلي أن هذا يختلف كثيراً عن تفكير الكاتب الايرلندي الذي يهمه تحرير إنجلترا قبل تحرير نفسه هو؛ وقد كان تحرير النرويج يهم (إبسن) أيضاً، على أن الأهمية لم تأت مباشرة، بل أتت عن طريق نفسه وروحه. ولقد يبدو من حديثنا هذا أن مسرح (شو) أكثر مطابقة للواقع وللروح العلمية الجديدة من مسرح (إبسن)، على أن هذا خطأ وعكسه صحيح. والسبب في ذلك هو أن الناس يختلفون في آرائهم أكثر مما يختلفون في مشاعرهم واحساساتهم - (فبرنارد شو) الذي يعتمد اعتماداً كلياً على الفكرة والرأي، والذي يعيب مسرحياته من الجهة الواقعية كثرة ظهور المؤلف في القصة - سيهرم ويذوي عندما تهرم الموضوعات التي يعالجها وتموت - أما (إبسن) الذي لا يعتمد على الفكرة اعتماد (شو)، والذي لا يجعل من أبطال مسرحه ألاعيب ودمى لا قيمة لها إلا إظهار الفكرة والدعاية لها، بل يجعل منها أشخاصاً آدميين نافذاً إلى أعماق نفوسهم - مظهراً منها ما قد خفى ومضيئاً ما قد أظلم أو قتم - فسيظل حياً ما دام الإنسان والنفس البشرية حية على ما هي عليه
ويرينا (إبسن) أن أعلى أنواع الواقعية في الدرامة كما في كل فن آخر - إنما يعتمد على الخيال القوى الوثاب الذي يستطيع أن يعالج مسائله الشخصية معالجة يفهمها الجميع وتصل إلى كل القلوب حتى لقد تبدو لها وكأنها مسائلها هي لا مسائل الشاعر، ونبضاتها
стр. 8777
هي قد سجلت على الورق لا نبضات الكاتب النرويجي أو الروسي أو الإنجليزي؛ وعلى هذا ففي معنى أدق مما كان يقصده الفيلسوف الإغريقي (أرسطو) تكون شخصيات مثل هذه الدرامة (مثلنا تماماً)
فليست الواقعية وليدة بحث علمي أو مذهب أو عصر خاص، بل هي جزء لا ينفصل عن الشاعرية الفذة والخيال القوي الذي يصور لك ما يرسمه تصويراً حياً قوياً، يجعلك تراه وتؤمن به وتشترك فيه حساً وعاطفة وفكراً
محمد رشاد رشدي
بكالوريوس بامتياز في الأدب الإنجليزي
стр. 8778
٧ - شاعرنا العالمي أبو العتاهية
للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
ومما يدل على أن أبا العتاهية كان يحمل نفسه من أسباب اللهو ما ليس من سجيتها في الزهد لأغراض له في ذلك - ما رواه صاحب الأغاني قال: حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار. قال حدثني أبن أبي الدنيا قال حدثني الحسين بن عبد ربه قال حدثني علي بن عبيدة الريحاني قال حدثني أبو الشمقمق أنه رأى أبا العتاهية يحمل زاملة المحنثين، فقلت له: أمثلك يضع نفسه هذا الموضع مع سنك وشعرك وقدرك؟ فقال له: أريد أن أتعلم كيادهم، وأتحفظ كلامهم
وهو في أخذه بما كان يأمره به الرشيد منه ليتقي به حبسه وسجنه إنما كان يأخذ بالتقية التي يأخذ بها الشيعة، وقد كان على ما سيأتي من رجالهم، فجرى بذلك مع الرشيد كما جرى به مع الهادي والمهدي، وكان إذا خرج من سجنه، وجرى على ما يهواه منه، مضى معه كأن لم يكن هناك شيء يخيفه منه في دخيلة نفسه ومدحه بشعره أحسن مدح، وأخذ عليه منه جزيل صلاته وجوائزه، حتى إذا غلبته نفسه نبا عليه، وأخذ في زهده ونسكه، وأخذ الرشيد في الغضب عليه وسجنه وحبسه، وأبو العتاهية رابح في الحالتن، قاض لنفسه غرضها من مال العباسيين، ولمذهبه السياسي الذي سنشرحه غرضه من ذم دنياهم، والنعي على ما في دولتهم من فساد ديني وسياسي واجتماعي
وقد أخبر أبن أبي العتاهية أن الرشيد لما أطلق أباه من الحبس لزم بيته وقطع الناس، فذكره الرشيد فعرف خبره، فقال: قولوا له صرت زير نساء، وحلْس بيت! فكتب إليه أبو العتاهية:
بَرِمتُ بالناس وأخلاقهم … فصرت أستأنس بالوْحدَه
ما أكثر الناس لعمري وما … أقلهم في منتهى العدَّهِ
ثم قال: لا ينبغي أن يمضي شعر إلى أمير المؤمنين ليس فيه مدح له، فقرن هذين البيتين بأربعة أبيات مدحه فيها وهي:
عاد لي من ذكره نَصَبُ … فدموعُ العين تنسكبُ
وكذاك الحبُّ صاحبهٌ … يعتريه الهمُّ والوَصَبُ
стр. 8779
خَيرُ من يُرْجىَ ومن يهَبُ … مَلِكٌ دانت له العرب
وحقيق أن يُدَانَ له … من أبوه للنبي أب
ولما عقد الرشيد ولاية العهد لبنيه الثلاثة: الأمين والمأمون والمؤتمن، قال أبو العتاهية:
رحَلْتُ عن الرّبع المحيل قَعودِى … إلى ذي زُحُوفٍ جمّةٍ وجنود
وراع يراعي الليل في حفظ أمة … يدافع عنها الشر غير رَقود
بألوية جبريلُ يقدم أهلها … ورايات نصر حوله وبُنُود
بَحَاَفيَ عن الدنيا وأبقن أنها … مفارقةٌ لبست بدار خلود
وشدُّ عرى الإسلام منه بفتية … ثلاثة أملاك وُلاةِ عهود
هُمُ خير أولاد لهم خير والد … له خير آباء مضت وجدود
بنو المصطفى هارون حول سريره … فَخيرُ قيامِ حوله وَقُعود
تقلِّب ألَحاظَ المهابة بينهم … عُيُونُ ظباء في قلوب أسود
خدودُهمُ شَمْسٌ أتت في أهلة … تبدت لراءٍ في نجوم سُعُود
فوصله الرشيد بصلة ما وصل مثلها شاعراً قط
ثم أنقض عهد الرشيد وجاء بعده عهد أبنه الأمين، وحصل ما حصل من الخلاف بينه وبين المأمون، فاضطرب أمر الدولة، ووجد أبو العتاهية من ذلك ما يساعده على المضي في سبيله من الزهد، واستخدام شعره في دعوة الأمة إليه، وتهوين أمر الدنيا التي فتنوا بها عن الآخرة، ولم يعد يقول الشعر في التغزل والمجون وما إليهما؛ ولكن لم يقطع صلته بملوك العباسيين ولم يتحرج من مدحهم الحين بعد الحين طمعاً في أموالهم. وسنتكلم بعد في أمر ذلك الزهد
حدث عكرمة عن شيخ له من أهل الكوفة قال: دخلت مسجد المدنية ببغداد بعد أن بويع الأمين محمد بسنة فإذا شيخ عليه جماعة وهو ينشد:
لهفي على وَرَقِ الشباب … وغصونه الخُضْرِ الرِّطابِ
ذهب الشباب وبان عني … غير منُتَظَرِ الإياب
فلأبكينّ على الشبا … ب وَطيبِ أيام التصابي
ولأبكينّ من البِلىَ … ولأبكينّ من الخِضَابِ
стр. 8780
إني لآملُ أن أُخَلَّ … دَ والمنية في طِلَابي
قال فجعل ينشدها وإن دموعها لتسيل على خديه، فلما رأيت ذلك لم أصبر أن ملت فكتبتها، وسألت عن الشيخ، فقيل لي: هو أبو العتاهية
وحدث حبيب بن الجهم النميري قال: حضرت الفضل بن الربيع متنجزاً جائزتي وفرضي، فلم يدخل عليه أحد قبلي، فإذا عون حاجبه قد جاء فقال: هذا أبو العتاهية يسلم عليك، وقد قدم من مكة، فقال: أعفني منه الساعة يشغلني عن ركوبي، فخرج إليه عون فقال: إنه على الركوب إلى أمير المؤمنين، فأخرج من كمه نعلاً عليها شراك مكتوب عليه:
نعلٌ بعثت بها ليلبسها … قرْمٌ بها يمشي إلى المجد
لو كان يصلح أن أشرِّكها … خدِّي جعلت شراكها خدي
ثم قال لعون قل له أن أبا العتاهية أهداها إليك، فدخل بها عليه فقال له احملها معنا، فلما دخل على الأمين أخبره بها، وأنه رأى أن أمير المؤمنين أولى بلبسها لما وصف به لا بسها، فقرأ الأمين البيتين فقال: أجاد والله وما سبقه إلى هذا المعنى أحد، هبوا له عشرة آلاف درهم، فأخرجت والله في بدرة وهو راكب على حماره، فقبضها وأنصرف
ولما تولى المأمون بعد أخيه الأمين حسن حال أبي العتاهية في عهده، وكان المأمون أحسن حالاً من الملوك العباسيين قبله، فقرب أبا العتاهية منه، وأكثر من بره وصلته والإحسان إليه بما لم يفعل مثله معه سلفه؛ ومن ذلك أن أبا العتاهية كان يحج كل سنة، فإذا قدم أهدى إلى المأمون برداً ومطرفاً ونعلاً سوداء ومساويك أراك، فيبعث إليه بعشرين ألف درهم
ودخل عليه مرة فأنشده:
ما أحسن الدنيا وإقبالَها … إذا أطاع الله من نالها
من لم يوُاس الناس من فضلها … عرّض للأدبار إقبالها
فقال له المأمون: ما أجود البيت الأول! فأما الثاني فما صنعت فيه شيئاً، الدنيا تدبر عمن واسى منها أو ضن بها، وإنما توجب السماحة بها الأجر، والضن بها الوزر. فقال: صدقت يا أمير المؤمنين، أهل الفضل أولى بالفضل، وأهل النقص أولى بالنقص، فأمر المأمون بأن يدفع إليه عشرة آلاف درهم لاعترافه بالحق. فلما كان بعد أيام عاد فأنشده:
كم غافل أوْدىَ به الموت … لم يأخذ الأهْبة للفوت
стр. 8781
من لم تزلْ نعمته قبلهُ … زال من النعمة بالموت
فقال له: أحسنت، الآن طببت المعنى، وأمر له بعشرين ألف درهم
فإذا رأينا المأمون بعد ذلك يزهد في هذا الملك العظيم لأهله من بني العباس، ويؤثر به من بعده الإمام عليا الرضى من آل علي بن أبى طالب رضى الله عنه، فيزوجه بنته أم حبيب، ويجعله ولي عهده، ويضرب اسمه على الدينار والدرهم، فان لشعر أبي العتاهية أعظم الأثر في ذلك؛ وهذه هي النتيجة والثمرة التي جاهد به من أجلها، فقد سعى في تزهيد الناس في كل أسباب الدنيا والتكالب عليها، ليزهد العباسيين في التكالب على هذا الملك الذي يملكونه منها، ويعودوا به إلى سيرته الأولى، فيتولاه أصلح الناس له، ولا يستأثر به أحد على غيره؛ وهذا هو ما فعله المأمون مع علي الرضا، فقد كان بمدينة مرو وفيها علي، فاستحضر أولاد العباس الرجال منهم والنساء، وكان عددهم ثلاثة وثلاثين ألفاً ما بين الكبار والصغار، وأستدعى علياً فأنزله أحسن منزلة، وجمع خواص الأولياء، وأخبرهم أنه نظر في أولاد العباس وأولاد علي بن أبي طالب ﵃، فلم يجد في وقته أحد أفضل ولا أحق بالأمر من علي الرضا، فبايعه وأمر بإزالة السواد من اللباس والأعلام؛ وقد قام بسبب ذلك تلك الفتنة المعروفة بينه وبين عمه إبراهيم بن المهدي، فقضت على تلك الفكرة الصالحة، ومضى العباسيون في أمرهم إلى أن ملكهم خولهم وجنودهم من الترك وغيرهم، وانتهى أمرهم بتلك النكبة التي انتهى بها، ولا يعلم إلا الله ماذا كان يعود من الخير على المسلمين لو تم للمأمون من ذلك ما أراده، ورجع أمر المسلمين إلى ما كانوا عليه من الشورى في عهد النبوة والخلافة
وقد بلغت سن أبي العتاهية في عهد المأمون تسعين سنة، وأدركه أجله في تلك السن سنة ٢٠٩هـ ـ وقيل سنة ٢١١هـ ـ.
وروى محمد بن أبي العتاهية قال: آخر شعر قاله أبي في مرضه الذي مات فيه:
إلهي لا تعذبني فأني … مقرٌّ بالذي قد كان مني
فما لي حيلة إلا رجائي … لعفوك إن عفوتَ وحسن ظني
وكم من زلة لي في الخطايا … وأنت عليّ ذو فضل ومنِّ
إذا فكرتُ في ندمى عليها … عضضتُ أناملي وقرعتُ سني
стр. 8782
أجَنُّ بزهرة الدنيا جنوناً … وأقطع طول عمري بالتمني
ولو أني صدقتٌ الزهد عنها … قلبتُ لأهلها ظهر المجنِّ
يظن الناس بي خيراً وإني … لشر الخلق إن لم تعف عني
ثم أمر أن يكتب على قبره
أذْن حّي تسمعي … أسمعي ثم عي وَعي
أنا رهنٌ بمضجعي … فاحذري مثل مصرعي
عشت تسعين حجة … أسلمتني لمضجعي
كم ترى الحيّ ثابتاً … في ديار التزعزع
ليس زادٌ سوى التقى … فخذي منه أوْ دعي
عبد المتعال الصعيدي
стр. 8783
٢٩ - محاورات أفلاطون
الحوار الثالث
فيدون أو خلود الروح
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
تتمة الحوار
فهذه الأنهار عديدة وقوية ومنوعة، منها أربعة رئيسية أعظمها وأقصاها نحو الخارج هو ذلك المسمى بالاقيانوس الذي يجرى في دائرة حول الأرض، ويسير في الاتجاه المضاد له نهر أشيرون يجرى تحت الأرض في ربوع جدباء حتى يصيب في بحيرة أشيروزيا هذه هي البحيرة التي تذهب إلى شواطئها أرواح الدهماء حين يدركهم الموت، حيث يلبثون أجلاً مضروباً، يكون طويلاً لبعضها قصيراً لبعضها الآخر، ثم تعود ثانية لتحل في جسوم الحيوان. وينبع النهر الثالث فيما بين ذينك النهرين، وهو يصب على مقربة من منبعه في منطقة شاسعة من النار، حيث يكوّن بحيرة أوسع من البحر الأبيض المتوسط، يغلي فيها الماء والطين، ثم يخرج منها عكراً مليئاً بالوحل، فيدور حول الأرض حتى يبلغ فيما يبلغ من مواضع أطراف بحيرة أشيروزيا، لكنه لا يختلط بمائها، وبعد أن يتحوى في عدة ثبايا حول الأرض، يغوص إلى جهنم أدنى مما كان مستوي. هذا هو نهر بيرفليجثون - كما يسمى - الذي يقذف في كل مكان بفوارات من النار. ويخرج النهر الرابع في الجهة المقابلة، ويسقط أول ما يسقط في منطقة همجية متوحشة، تصطبغ كلها باللون الأزرق القاتم الذي يشبه حجر اللازورد، وهذا النهر هو ما يسمى نهر ستيجيا وهو يصب في بحيرة ستكس التي يكوّنها، وبعد أن يصب في البحيرة ويستمد لمائه قوى عجيبة، يجري تحت الأرض، دائراً حولها في اتجاه يضاد نهر بيرفليجثون، ويلتقي به في بحيرة أشيروزيا من الجهة المقابلة، ولا يختلط ماء هذا النهر أيضاً بغيره، بل يجري في دائرة ويتدفق في جهنم، مقابلاً لنهر بيرفليجثون ويسمى هذا النهر كوكيتوس كما يقول الشاعر
تلك هي طبيعة العالم الآخر، فلا يكاد الموتى يصلون إلى حيث تحملهم شياطينهم وحداناً حتى يقضي في أمرهم بادئ ذي بدء، إن كانوا أنفقوا الحياة في الخير والتقوى أم لا، فمن
стр. 8784
ظهر منهم أن حياتهم لم تكن لا إلى الخير ولا إلى الشر، فانهم يذهبون إلى نهر أشيرون، ويركبون ما يصادفونه من وسائل النقل، فيُحملون فيها إلى البحيرة حيث يقيمون ويطهرون من أوزارهم ويعانون جزاء ما أساءوا به للناس من أخطاء، ثم يغتفر لهم وينالون جزاء وفاقاً بما قدمت أيديهم من خير. أما أولئك الذين لا يرجى لهم إصلاح، فيما يظهر، لفداحة ما أجرموا، أولئك الذين أتوا من الآثام المنكرة شيئاً كثيراً، كتدنيس المعابد وإزهاق الأنفس إزهاقاً خبيثاً عنيفاً أو ما أشبه ذلك - أولئك يلقى بهم في جهنم لا يخرجون منها أبداً، فهي لهم أنسب مصير. أما هؤلاء الذين أجرموا أجراماً لا يجل عن العفو على هوله - أولئك الذين قسوا على والد أو والدة مثلاً وهم في سورة من الغضب ثم أخذهم الندم مدى ما بقى من حياتهم، أو الذين قتلوا نفساً مدفوعين بظروف تخفف من جرمهم - هؤلاء يغمسون في جهنم، ولزام عليهم أن يصلوا عذابها حولاً، وفي نهايته تقذف بهم الموجة: أما قاتل النفس فتقذف به إلى مجرى نهر كوكيتس، وأما قتلة الآباء والأمهات فإلى نهر بيرفليجيثون - فيحملون إلى بحيرة أشيروزيا حيث يرفعون عقائرهم صائحين بضحاياهم القتلى، أو بمن نالتهم منهم إساءة، عسى أن تأخذهم بهم رحمة فيتقبلوهم ويسمحوا لهم بالخروج من النهر إلى البحيرة. فان نالتهم الرحمة من أولئك، خرجوا ونجوا من عذابهم، وأن لم يرحموهم حملوا إلى جهنم مرة أخرى، ومنها إلى الأنهار، وهكذا دواليك حتى يظفروا ممن أساءوا إليهم بالرأفة، فهكذا قضى عليهم قضاتهم. أما من امتازت حياتهم بالتقوى، فأولئك يطلق سراحهم من هذا السجن الأرضي، فينطلقون إلى عليين حيث يقيمون في مقامهم الطاهر ويعيشون على تلك الأرض وهي أنقى؛ وأما أولئك الذين طهروا أنفسهم حقاً بالفلسفة فهم يعيشون منذ الآن متحللين من أجسادهم في منازل أجمل من تلك، يعجز عنها الوصف ويضيق الوقت أن أحدثكم عنها
إذن ياسمياس، وقد رأيت هذه الأشياء كلها، فماذا ينبغي لنا ألا نفعله لكي نظفر بالفضيلة والحكمة في هذه الحياة؟ ألا إن الجزاء لجميل، والأمل لعظيم
لست أريد أن أقطع بصدق الوصف الذي قدمته عن الروح ومنازلها - فما ينبغي لرجل ذي فطنة أن يقطع بهذا، ولكنه في رأيي حقيق، وقد أتضح خلود الروح، أن يجازف بالظن، لا خاطئاً فيه ولا عابثاً، أن يكون الصواب شيئاً كهذا، وأنه منه لظن عظيم، ولابد له أن
стр. 8785
يسري عن نفسه بمثل هذه الكلمات، فمن اجلها أطلت حكايتي، ولهذا أوصيكم ألا يأخذ أحد على روحه الأسى، مادام قد طرح زينة الجسد ولذائده، واعتبرها غريبة عنه، بل هي أدنى إلى إيذائه بما تجر وراءها من أثر، ومادام في هذه الحياة قد تعقب لذة المعرفة، إلا أن أولئك الذين يزينون أرواحهم بلآلئها الصحيحة، وهي: الاعتدال والعدل والشجاعة والنبل والحق - أولئك تكون أرواحهم، إذا ما ازينت بتلك اللآلئ، مهيأة للرحيل إلى العالم السفلي حين يدركها الموت. فأنتم، أي سمياس وسيبيس، ويا سائر الرجال، سترحلون في وقت قريب أو بعيد. أما أنا، فهاهو ذا يناديني صوت القدر على حد قول شاعر المأساة، ولابد أن أجرع السم عما قريب، ويجمل بي فيما أظن أن أذهب أولا إلى الحمّام حتى لا يشق على الناس غسلُ جثماني بعد موتي
فلما أن فرغ من الحديث، قال كريتون: أعندك ما تشير علينا به يا سقراط؟ ألديك ما تقوله عن أطفالك، أو عن أي شيء آخر نستطيع أن نعينك في أمره؟
فقال: ليس عندي شيء بعينه: غير أني أحب لكم، كما كنت أحدثكم دائماً، أن تنظروا في أنفسكم، فذلك فضل تستطيعون أن تواصلوا أداءه من أجلى، وهو أيضاً فضل مني لكم. ولا ينبغي لكم أن تكونوا أدعياء فيما تقولون، لأنكم لو جهلتم أنفسكم وصدفتم عما أوصيتكم به، وليست هذه أول مرة أوصيكم فيها، فلن تجدي عليكم حماسة الادعاء شيئاً
قال كريتون: سنبذل جهدنا، ولكن كيف تريدنا أن نواريك الثرى؟
على أي وجه تشاءون، غير أنه لابد لكم أن تمسكوا بي، وان تحذروا فلا ألوذ منكم بالفرار. ثم التفت إلينا وأضاف باسماً: لا أستطيع أن أقنع كريتون أنني سقراط ذاته الذي كان يتحدث ويوجه الحوار، فهو يحسبني سقراط الآخر الذي سيشهده بعد حين جثة هامدة - وهو يسائل: ماذا عسى دفني أن يكون؟ مع أني قد أفضت في الحديث محاولاً إقامة الدليل على أني مخلّفكم حين أجرع السم، حيث أتوجه إلى لذائذ أصحاب النعيم - ويظهر أنه لم يكن لحديثي هذا الذي سرّيت به عن أنفسكم وعن نفسي، أثر في كريتون، لذلك أريدكم أن تكونوا لي الآن عنده كفلاء، كما كان هو كفيلي عند المحاكمة: على أن يختلف وعدكم عما وعد، فقد كان كفل للقضاة أني سابقى، ولكن عليكم أن تكفلوا له غير باق، بل إني ظاعن راحل، فتقل بهذا لوعته عند موتي، ولا يحزنه أن يرى جثماني يحترق أو يهال
стр. 8786
عليه التراب. إني لا أحب له أن يتحسر على جدي العاثر، بأن يرتاع لدفني، فتأخذه الحيرة: على هذا النحو نكفن سقراط، أو هكذا نشيعه إلى القبر أو نواريه التراب. إن الأقوال الباطلة ليست شراً في ذاتها فحسب، بل إنها لتصيب الروح بشرها. لا تحزن إذن، أي عزيزي كريتون، وقل إنك لا تقبر منى إلا الجثمان، فاقبره على النحو الذي جرى به العرف، وكما تفضل أن يكون
ولما فرغ من هذه العبارة، نهض ودخل غرفة الحمام، يصحبه كريتون، الذي أشار إلينا بأن ننتظر، فانتظرنا نتحدث ونفكر في أمر الحوار وفي هول المصاب. لقد كنا كمن ثكل في أبيه، وأوشكنا أن نقضي ما بقى من أيامنا كالأيتام، فلما تم اغتساله جيء له بأبنائه - (وكانوا طفلين صغيرين ويافعاً) كما وفدت نساء أسرته، فحادثهن وأوصاهن ببعض نصحه، على مسمع من كريتون، ثم صرفهن وعاد إلينا
هاقد دنت ساعة الغروب، فقد قضى داخل الحمام وقتاً طويلاً، وعاد بعد اغتساله فجلس إلينا، ولكنا لم نفضْ في الحديث، وما هي إلا أن جاء السجان، وهو خادم الأحد عشر، ووقف إلى جانبه وقال: لست أتهمك يا سقراط بما عهدته في غيرك من الناس، من سورة الغضب، فقد كانوا يثورون ويصيحون في وجهي حينما آمرهم باجتراع السم، ولم أكن إلا صادعاً بأمر أولي الأمر. أما أنت فقد رأيتك أنبل وأرق وأفضل ممن جاءوا قبلك إلى هذا المكان، فليس يخامرني شك أنك لن تنقم عليّ، فليس الذنب ذنبي، كما تعلم، إنما جريرة سواي. وبعد، فوداعاً، وحاول أن تحتمل راضياً ما ليس من وقوعه بد، وإنك لعليم فيم قدومي إليك. ثم استدار فخرج منفجراً بالبكاء
فنظر إليه سقراط وقال: لك مني جميل لجميل. فسأصدع بما أمرتني به. ثم التفت إلينا وقال: ياله من فاتن! إنه ما أنفكّ يزورني في السجن، وكان يحادثني الحين بعد الحين، ويعاملني بالحسنى ما وسعته. انظروا إليه الآن كيف يدفعه فضله أن يحزن من أجلي فلزام علينا يا كريتون أن نفعل ما يريد. مر أحداً أن يجئ بالقدح إن كان قد تم إعداد السم، وإلا فقل للخادم أن يهيئ شيئاً منه
فقال كريتون: ولكن الشمس لا تزال ساطعة فوق التلاع؛ وكثير ممن سبقوك لم يجرعوا السم إلا في ساعة متأخرة بعد إنذارهم. إنهم كانوا يأكلون ويشربون وينغسون في لذائذ
стр. 8787
الحس، فلا تتعجل إذن، إذ لا يزال في الوقت متسع
فقال سقراط: نعم يا كريتون، لقد أصاب من حدثتني عنهم فيما فعلوا، لأنهم يحسبون أن وراء التأجيل نفعاً يجنونه، وأني كذلك لعلى حق في ألا أفعل كما فعلوا، لأنني لا أظن أني منتفع من تأخير شراب السم ساعة قصيرة. أنني بذلك إنما أحتفظ وأبقي على حياة قد انقضى أجلها فعلاً، أني لو فعلت ذلك سخرت من نفسي. أرجو إذن أن تفعل بما أشرت به ولا تعص أمري
فلما سمع كريتون هذا، أشار إلى الخادم فدخل، ولم يلبث قليلاً أن عاد يصحبه السجان يحمل قدح السم، فقال سقراط: أي صديقي العزيز، أنك قد مرنت على هذا الأمر، فأرشدني كيف ابدأ. فأجاب الرجل: لا عليك إلا أن تجول حتى تثقل ساقاك ثم ترقد، فيسري السم، وهنا ناول سقراط القدح فحدق في الرجل بكل عينيه، يا أشكراتس، وأخذ القدح جريئاً وديعاً لم يرَع ولم يمتقع لون وجهه. هكذا تناول القدح وقال: ما قولك إذا سكبت هذا القدح لأحد الآلهة؟ أفيجوز هذا أم لا يجوز؟ فأجاب الرجل: أننا لا نعدُّ يا سقراط إلا بمقدار ما نظنه كافياً فقال: أني أفهم ما تقول، ومع ذلك فيحق لي بل يجب علي أن أصلي للآلهة أن توفقني في رحلتي من هذا العالم إلى العالم الآخر - فلعل الآلهة تهبني هذا، فهو صلاتي لها. ثم رفع القدح إلى شفتيه وجرع السم حتى الثمالة رابط الجأش مغتبطاً، وقد استطاع معظمنا أن يكبح جماح حزنه حتى تلك الساعة، أما وقد رأيناه يشرب السم، وشهدناه يأتي على الجرعة كلها، فلم يعدْ في قوس الصبر منزع، وانهمر مني الدمع مدراراً على الرغم مني، فسترت وجهي، وأخذت أندب نفسي، حقاً أني لم أكن أبكيه بل أبكي فجيعتي فيه حين أفقد مثل هذا الرفيق. ولم أكن أول من فعل هذا، بل أن كريتون، وقد ألفى نفسه عاجراً عن حبس عبراته، نهض وأبتعد، فتبعته، وهنا أنفجر أبولودورس الذي لم ينقطع بكاؤه طول الوقت، بصيحة عالية وضعتنا جميعاً موضع الجبناء، ولم يحتفظ بهدوئه منا إلا سقراط، فقال: ما هذه الصرخة العجيبة؟ لقد صرفت النسوة خاصة حتى لا يسئن صنيعاً على هذا النحو، فقد خبّرت أنه ينبغي للإنسان أن يسلم الروح في هدوء، فسكوناً وصبراً
فلما سمعنا ذلك، اعترنا الخجل وكفكفنا دموعنا، وأخذ سقراط يتجول حتى بدأت ساقاه تخوران - كما قال - ثم استلقى على ظهره، كما أشير له أن يفعل، وكان الرجل الذي
стр. 8788
ناوله السم ينظر إلى قدميه وساقيه حيناً بعد حين، ثم ضغط بعد هنيهة على قدمه بقوة وسأله هل أحس فأجاب أن لا، ثم ضغط على ساقه وهكذا صعد ثم صعد، مشيراً لنا كيف أنه برد وتصلب، ثم لمس سقراط نفسه ساقيه وقال: ستكون الخاتمة حين يصل السم إلى القلب. فلما أخذت البرودة تتمشى في أعلى فخذيه كشف عن وجهه، إذ كان قد دثر نفسه بغطاء، وقال: (وكانت هذه آخر كلماته) إنني يا كريتون مدين بديك لاسكلبيوس فهل أنت ذاكر أن ترد هذا الدين؟ ولم يكن لهذا السؤال من جواب؛ وما هي إلا دقيقة أو دقيقتان حتى سمعت حركة، فكشف عنه الخدم، وكانت عيناه مفتوحتين، فأقفل كريتون فمه وعينه
هكذا يا اشكراتس قضى صديقنا الذي أدعوه بحق أحكم من قد عرفت من الناس، وأوسعهم عدلاً وأكثرهم فضلاً
تم الحوار
زكى نجيب محمود
стр. 8789
زهرتي
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
قد تصوَّحتِ عند شرخ الشباب … زهرتي بغتةً فجلَّ مصابي
زهرتي قد جاء الربيع بما ازدا … ن به من نبتٍ ومن أعشاب
ولقد قام مهرجان على الأر … ض جميعاً بطاحِها والهضاب
لعزيزٌ عليّ ألا تكوني … طاقةً فوق الكالىء المعشاب
نبت الزهر كله فلماذا … أنتِ يا زهرتي بجوف التراب
ضقتِ بالقبر فاخرجي من ظلام ال … أرض للنور فوقها والرحاب
أخرجي من جوف الثرى وابسمي لي … عن رضًى أو تجهّمي للعتاب
أخرجي من جوف الثرى من جديد … واسحريني بلحظكِ الخلاَّب
وأعيدي إليّ أسعد عهدٍ … كنتُ فيه وذاك عهدُ شبابي
قرِّبيني إذا أردتِ سلامي … واصرميني إذا أردتِ خرابي
وافتحي العينَ والمسامعَ دوني … واسمعي شدوي وانظري إعجابي
أنا يا زهرتي دعوتكِ للحبّ (م) … مراراً فلم تردّى جوابي
لا تقولي إني هلكتُ فلا تر … جُ لميتٍ ذاق الردى من مآب
أنتِ تحيين في فؤادي وعيني … ودمي فائراً وفي أعصابي
أيقظي من هذا الرقاد فإن الشْ … مسَ قد ذرَّت من وراء الحجاب
أنتِ للحب والغرام بوجه ال … أرض لا للرقاد تحت التراب
أنتِ لا تخلقين يا زهرتي أن … تختفي في غياهب الأحقاب
يتهاوى دمعُ الأسى من عيوني … كشهابٍ ينقضّ إثرَ شهاب
متِّ قبلي فلو سبقتُكِ عاهد … تِ دموع الأسى على التسكاب
لا سلامٌ على الربيع إذا ثا … بَ ولم تصحبيه عند المثاب
ارجعي لي وقبّليني ولا تخ … شَيْ رقيباً على الهوى لا يُحابى
ارجعي ارجعي كما كنتِ قبلا … أو خذيني بأقرب الأسباب
إِنني لم أزرْ أجَلْ بَعْدُ قبري … غير أني منه على الأبواب
стр. 8790
آهِ إن الحياة أعجزُ من أن … تستطيعَ الرجوعَ بعد الذهاب
بين شعرٍ أقوله وأنيني … شعبة من وشائج الأنساب
ذهبت زهرتي التي كنتُ أشدو … باسمها خالياً وبين صحابي
زهرةٌ قد سقيتُها بدموعي … مزَّقتها المنون بالأنياب
إنني كنت أعبد الحسن فيها … ولقد كان وجهُها محرابي
خطفتها المنون منى كعاباً … ما على الموت بعدها من عتاب
خطفتها منى ذئابُ المنايا … وذئاب المنون شرُّ الذئاب
قلت أسلو فأستريح ولكن … كيف أسلو والحب ملء أهابي
كل شيء مذكرٌ لي بليلَي … ليْتَ شعري ماذا يذكرها بي
هدّدتني إذا تصديتُ عيني … وفؤادي والنفس بالإضراب
وكأن الدنيا العريضةَ بحرٌ … وكأنا عليه بعض الحباب
خضتُ بحرَ الهوى وكان خِضَمَّا … ثم منه ركبت متنَ العباب
ثم صارعتُ الموج منه فما كن … تُ سوى مغلوبٍ إلى غلاّب
عن يميني وعن شماليَ ماءٌ … ثم إني أعدو وراَء السراب
بغداد ٤ تموز
جميل صدقي الزهاوي
следующие страницы →