← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.

стр. 8786

عليه التراب. إني لا أحب له أن يتحسر على جدي العاثر، بأن يرتاع لدفني، فتأخذه الحيرة: على هذا النحو نكفن سقراط، أو هكذا نشيعه إلى القبر أو نواريه التراب. إن الأقوال الباطلة ليست شراً في ذاتها فحسب، بل إنها لتصيب الروح بشرها. لا تحزن إذن، أي عزيزي كريتون، وقل إنك لا تقبر منى إلا الجثمان، فاقبره على النحو الذي جرى به العرف، وكما تفضل أن يكون ولما فرغ من هذه العبارة، نهض ودخل غرفة الحمام، يصحبه كريتون، الذي أشار إلينا بأن ننتظر، فانتظرنا نتحدث ونفكر في أمر الحوار وفي هول المصاب. لقد كنا كمن ثكل في أبيه، وأوشكنا أن نقضي ما بقى من أيامنا كالأيتام، فلما تم اغتساله جيء له بأبنائه - (وكانوا طفلين صغيرين ويافعاً) كما وفدت نساء أسرته، فحادثهن وأوصاهن ببعض نصحه، على مسمع من كريتون، ثم صرفهن وعاد إلينا هاقد دنت ساعة الغروب، فقد قضى داخل الحمام وقتاً طويلاً، وعاد بعد اغتساله فجلس إلينا، ولكنا لم نفضْ في الحديث، وما هي إلا أن جاء السجان، وهو خادم الأحد عشر، ووقف إلى جانبه وقال: لست أتهمك يا سقراط بما عهدته في غيرك من الناس، من سورة الغضب، فقد كانوا يثورون ويصيحون في وجهي حينما آمرهم باجتراع السم، ولم أكن إلا صادعاً بأمر أولي الأمر. أما أنت فقد رأيتك أنبل وأرق وأفضل ممن جاءوا قبلك إلى هذا المكان، فليس يخامرني شك أنك لن تنقم عليّ، فليس الذنب ذنبي، كما تعلم، إنما جريرة سواي. وبعد، فوداعاً، وحاول أن تحتمل راضياً ما ليس من وقوعه بد، وإنك لعليم فيم قدومي إليك. ثم استدار فخرج منفجراً بالبكاء فنظر إليه سقراط وقال: لك مني جميل لجميل. فسأصدع بما أمرتني به. ثم التفت إلينا وقال: ياله من فاتن! إنه ما أنفكّ يزورني في السجن، وكان يحادثني الحين بعد الحين، ويعاملني بالحسنى ما وسعته. انظروا إليه الآن كيف يدفعه فضله أن يحزن من أجلي فلزام علينا يا كريتون أن نفعل ما يريد. مر أحداً أن يجئ بالقدح إن كان قد تم إعداد السم، وإلا فقل للخادم أن يهيئ شيئاً منه فقال كريتون: ولكن الشمس لا تزال ساطعة فوق التلاع؛ وكثير ممن سبقوك لم يجرعوا السم إلا في ساعة متأخرة بعد إنذارهم. إنهم كانوا يأكلون ويشربون وينغسون في لذائذ

стр. 8787

الحس، فلا تتعجل إذن، إذ لا يزال في الوقت متسع فقال سقراط: نعم يا كريتون، لقد أصاب من حدثتني عنهم فيما فعلوا، لأنهم يحسبون أن وراء التأجيل نفعاً يجنونه، وأني كذلك لعلى حق في ألا أفعل كما فعلوا، لأنني لا أظن أني منتفع من تأخير شراب السم ساعة قصيرة. أنني بذلك إنما أحتفظ وأبقي على حياة قد انقضى أجلها فعلاً، أني لو فعلت ذلك سخرت من نفسي. أرجو إذن أن تفعل بما أشرت به ولا تعص أمري فلما سمع كريتون هذا، أشار إلى الخادم فدخل، ولم يلبث قليلاً أن عاد يصحبه السجان يحمل قدح السم، فقال سقراط: أي صديقي العزيز، أنك قد مرنت على هذا الأمر، فأرشدني كيف ابدأ. فأجاب الرجل: لا عليك إلا أن تجول حتى تثقل ساقاك ثم ترقد، فيسري السم، وهنا ناول سقراط القدح فحدق في الرجل بكل عينيه، يا أشكراتس، وأخذ القدح جريئاً وديعاً لم يرَع ولم يمتقع لون وجهه. هكذا تناول القدح وقال: ما قولك إذا سكبت هذا القدح لأحد الآلهة؟ أفيجوز هذا أم لا يجوز؟ فأجاب الرجل: أننا لا نعدُّ يا سقراط إلا بمقدار ما نظنه كافياً فقال: أني أفهم ما تقول، ومع ذلك فيحق لي بل يجب علي أن أصلي للآلهة أن توفقني في رحلتي من هذا العالم إلى العالم الآخر - فلعل الآلهة تهبني هذا، فهو صلاتي لها. ثم رفع القدح إلى شفتيه وجرع السم حتى الثمالة رابط الجأش مغتبطاً، وقد استطاع معظمنا أن يكبح جماح حزنه حتى تلك الساعة، أما وقد رأيناه يشرب السم، وشهدناه يأتي على الجرعة كلها، فلم يعدْ في قوس الصبر منزع، وانهمر مني الدمع مدراراً على الرغم مني، فسترت وجهي، وأخذت أندب نفسي، حقاً أني لم أكن أبكيه بل أبكي فجيعتي فيه حين أفقد مثل هذا الرفيق. ولم أكن أول من فعل هذا، بل أن كريتون، وقد ألفى نفسه عاجراً عن حبس عبراته، نهض وأبتعد، فتبعته، وهنا أنفجر أبولودورس الذي لم ينقطع بكاؤه طول الوقت، بصيحة عالية وضعتنا جميعاً موضع الجبناء، ولم يحتفظ بهدوئه منا إلا سقراط، فقال: ما هذه الصرخة العجيبة؟ لقد صرفت النسوة خاصة حتى لا يسئن صنيعاً على هذا النحو، فقد خبّرت أنه ينبغي للإنسان أن يسلم الروح في هدوء، فسكوناً وصبراً فلما سمعنا ذلك، اعترنا الخجل وكفكفنا دموعنا، وأخذ سقراط يتجول حتى بدأت ساقاه تخوران - كما قال - ثم استلقى على ظهره، كما أشير له أن يفعل، وكان الرجل الذي

стр. 8788

ناوله السم ينظر إلى قدميه وساقيه حيناً بعد حين، ثم ضغط بعد هنيهة على قدمه بقوة وسأله هل أحس فأجاب أن لا، ثم ضغط على ساقه وهكذا صعد ثم صعد، مشيراً لنا كيف أنه برد وتصلب، ثم لمس سقراط نفسه ساقيه وقال: ستكون الخاتمة حين يصل السم إلى القلب. فلما أخذت البرودة تتمشى في أعلى فخذيه كشف عن وجهه، إذ كان قد دثر نفسه بغطاء، وقال: (وكانت هذه آخر كلماته) إنني يا كريتون مدين بديك لاسكلبيوس فهل أنت ذاكر أن ترد هذا الدين؟ ولم يكن لهذا السؤال من جواب؛ وما هي إلا دقيقة أو دقيقتان حتى سمعت حركة، فكشف عنه الخدم، وكانت عيناه مفتوحتين، فأقفل كريتون فمه وعينه هكذا يا اشكراتس قضى صديقنا الذي أدعوه بحق أحكم من قد عرفت من الناس، وأوسعهم عدلاً وأكثرهم فضلاً تم الحوار زكى نجيب محمود

стр. 8789

زهرتي للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي قد تصوَّحتِ عند شرخ الشباب … زهرتي بغتةً فجلَّ مصابي زهرتي قد جاء الربيع بما ازدا … ن به من نبتٍ ومن أعشاب ولقد قام مهرجان على الأر … ض جميعاً بطاحِها والهضاب لعزيزٌ عليّ ألا تكوني … طاقةً فوق الكالىء المعشاب نبت الزهر كله فلماذا … أنتِ يا زهرتي بجوف التراب ضقتِ بالقبر فاخرجي من ظلام ال … أرض للنور فوقها والرحاب أخرجي من جوف الثرى وابسمي لي … عن رضًى أو تجهّمي للعتاب أخرجي من جوف الثرى من جديد … واسحريني بلحظكِ الخلاَّب وأعيدي إليّ أسعد عهدٍ … كنتُ فيه وذاك عهدُ شبابي قرِّبيني إذا أردتِ سلامي … واصرميني إذا أردتِ خرابي وافتحي العينَ والمسامعَ دوني … واسمعي شدوي وانظري إعجابي أنا يا زهرتي دعوتكِ للحبّ (م) … مراراً فلم تردّى جوابي لا تقولي إني هلكتُ فلا تر … جُ لميتٍ ذاق الردى من مآب أنتِ تحيين في فؤادي وعيني … ودمي فائراً وفي أعصابي أيقظي من هذا الرقاد فإن الشْ … مسَ قد ذرَّت من وراء الحجاب أنتِ للحب والغرام بوجه ال … أرض لا للرقاد تحت التراب أنتِ لا تخلقين يا زهرتي أن … تختفي في غياهب الأحقاب يتهاوى دمعُ الأسى من عيوني … كشهابٍ ينقضّ إثرَ شهاب متِّ قبلي فلو سبقتُكِ عاهد … تِ دموع الأسى على التسكاب لا سلامٌ على الربيع إذا ثا … بَ ولم تصحبيه عند المثاب ارجعي لي وقبّليني ولا تخ … شَيْ رقيباً على الهوى لا يُحابى ارجعي ارجعي كما كنتِ قبلا … أو خذيني بأقرب الأسباب إِنني لم أزرْ أجَلْ بَعْدُ قبري … غير أني منه على الأبواب

стр. 8790

آهِ إن الحياة أعجزُ من أن … تستطيعَ الرجوعَ بعد الذهاب بين شعرٍ أقوله وأنيني … شعبة من وشائج الأنساب ذهبت زهرتي التي كنتُ أشدو … باسمها خالياً وبين صحابي زهرةٌ قد سقيتُها بدموعي … مزَّقتها المنون بالأنياب إنني كنت أعبد الحسن فيها … ولقد كان وجهُها محرابي خطفتها المنون منى كعاباً … ما على الموت بعدها من عتاب خطفتها منى ذئابُ المنايا … وذئاب المنون شرُّ الذئاب قلت أسلو فأستريح ولكن … كيف أسلو والحب ملء أهابي كل شيء مذكرٌ لي بليلَي … ليْتَ شعري ماذا يذكرها بي هدّدتني إذا تصديتُ عيني … وفؤادي والنفس بالإضراب وكأن الدنيا العريضةَ بحرٌ … وكأنا عليه بعض الحباب خضتُ بحرَ الهوى وكان خِضَمَّا … ثم منه ركبت متنَ العباب ثم صارعتُ الموج منه فما كن … تُ سوى مغلوبٍ إلى غلاّب عن يميني وعن شماليَ ماءٌ … ثم إني أعدو وراَء السراب بغداد ٤ تموز جميل صدقي الزهاوي

стр. 8791

فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية ١٤ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا فرديرريك نيتشه للأستاذ خليل هنداوي على أن الروح (الديونيزوسي) يكاد يكون فاشياً في كل أصقاع العالم القديم. وهو عند البرابرة كان يزجيهم إلى الانهماك في المنكرات، وإشباع البهيمية الإنسانية باللذائذ. واليونان برغم حضارتهم وبعدهم عن البربرية سرت إليهم العدوى، ومشى فيهم هذا الروح. ولكن انهماكهم لم يكن انهماكا بهيمياً. أقاموا الأعياد والأندية حيث تنطلق الطبيعة ويذهل الإنسان متحداً بعاطفته مع الوجود. ومن هذا الانهماك تولدت المأساة اليونانية. والمأساة اليونانية يرجع أصل نشأتها إلى فريق (الساتير) وهؤلاء عند اليونان هم أرواح من الطبيعة تحيا، ولا يتسرب إليها الفناء؛ تعيش بعيدة عن الحضارة، وظهورها في شعب متحضر يقضي على حضارته ويقذف بالحواجز التي تفصل الإنسان عن الطبيعة. وهم يظهرون أن الطبيعة ثابتة قوية مخصبة برغم تقلب الأمم وتبدل الشعوب. واليونان اعتقدوا أن هذا الفريق مخلوق طبيعي مجرد من كل براعة، ولكنه ليس بهيمي. يتجلى فيه شيء من السمو الإلهي، وهو رمز الغريزة الأكثر قوة وسيطرة على الإنسان. هو سريع الهيام يذهله تقرب الإله منه. كثير الإشفاق والعطف لأنه يقاسم (ديونيزوس) آلامه. وهو يسالم حكمة الطبيعة. وهو رمز خصب الحياة التي يعبدها اليونان عبادة دينية. كان هذا الفريق يبدو في بدء نشأته وهو نشوان (بالسكر الإلهي) ويرقصه، وموسيقاه تغادر روح الناظر في شبه ذهول عميق، يمحو من نفسه ذكر الحضارة، ويجرده عن ذاته حتى يرفعه إلى مرتبته، ويشركه في ذهوله وسكرته. حتى إذا وجبت القلوب واستسلمت النفوس يلوح وراء هذا الفريق خيال الإله (ديونيزوس) وهذا السكر الإلهي قد ولد خيالاً شعرياً لم يكن في حقيقته إلا تعبيراً خاصاً عن حالة نفسية واضحة ولدها هذا السكر الصوفي. فالمأساة اليونانية هي بحقيقتها موسيقية شعرية. وهي هتاف ظفر الإرادة التي تشعر بخلودها إزاء تقلب الكائنات وتحولها. بطل كل مأساة هو الإله (ديونيزوس)، وهي عاطفية لأنها نشأت لتكون أنشودة

стр. 8792

في مدح الإله. ثم تطورت المأساة لتكون أشد تأثيراً في المخيلة، فأصبحت صورة رمزية لسحابات يلوح بينها الخيال الإلهي الذي يظهر على السكارى الهائمين في الوادي، السكارى بالإله. ولكن (ديونيزوس) لم يعد يظهر بشكله الإلهي. وإنما يظهر بهيئات الأبطال الذين يتمثل فيهم تحت قناع البطل (كيروموني) أو (أوديب). و (ديونيزوس) هو البطل الحقيقي في كل مأساة، يبدو بأشكال مختلفة. وهو في ظهوره هذا يشبه الإنسان في حياته، يتيه ويضل، يناضل ويتألم. (ديونيزوس) هو هذا الإله المتألم الذي تكلمت عنه الأساطير. هذا الإله الذي يحس في نفسه بآلام الفردية. هذا الإله الذي قالوا عنه إنهم جزأوه وهو صغير وعبدوه باسم الإله (زاكروس) ومن ابتسامته تولدت الآلهة، ومن دموعه نشأ الرجال إن روح هذا الإله قد فتحت للعلم مجالاً عند اليونان. فهم بعد أن أطلقوا الأرواح من التشاؤم بتأملهم للجمال أو بشعورهم بخلود الإرادة، ذهبوا إلى طريقة ثالثة، هي المعرفة العقلية للوجود وأجزائه. فجاء العلم حليفاً ثالثاً معهم يناضل التشاؤم. فبينما يقول الفنان للحياة (يليق بنا أن نحياك، أيتها الحياة! لأن صورتك جميلة) يقول العالم لها (أنا أريدك أيتها الحياة! لأنك جديرة بأن تعرفي. . .) وهكذا وجد العالم في اكتشافاته العلمية من اللذة والبهجة ما يجده الفنان في أوهامه وأخيلته. وتآزرت هذه الأوهام كلها لتجعل وجه الحياة المشوه جميلاً. ويجب ألا نجحد أن فضيلة العلم إنما هي تتمثل في البحث الدائم والتنقيب المتواصل. لا في الحقائق التي يكتشفها. أو النتائج التي يبلغها. وخطيئة العلم القطعي هي أنه لا يقف عند معرفته للوجود واقتناعه بما أدرك وتفهم من أحاجيه وإنما يثب إلى إصلاحه وإتمامه، فتسعده حالتها الأولى مادام يبحث وينقب، ويشقى في الحالة الثانية مادام يطمح ويطمح إلى ما لا قبل له به. يعتقد ببساطة نفسه أن الوجود سهل فهمه بجملته وبأجزائه، وأن رأس كل فضيلة هي المعرفة، وأن الجهل هو مصدر كل بلاء، وبالعلم وحده يستطيع أن يبلغ الإنسان ما يشاء من أمهات الفضائل جاء سقراط وهو أعظم مفكر يوناني جاحد للوحي، يؤمن بأن العقل وحده يقوم مقام الغريزة والفطرة في الحياة. والرجل العاقل له من عقله سلاح يدرأ عنه أخطاء الغريزة وضلال الفطرة. سلك سقراط طريقاً خالف به قومه واستطاع في النهاية أن يقهر معاصريه بسمو منطقه، وباختياره لمصرعه الذي لقيه. ترك الحياة هادئ النفس، لا يعضه أسى ولا يقرعه

стр. 8793

ندم، كأنما كان يثبت بهذا المصرع إيمانه في الحياة إيماناً متفائلاً لا يتضعضع ولا يتزعزع هذا هو عقل سقراط الذي هزم (المأساة عند اليونان) وحق لهذه المأساة أن تتلاشى أمام مجلس العقل، لما يطغى عليها من تعاليم لا يجمع بينها قياس ولا منطق. يستند كل ما فيها من تأثير على الموسيقى. المأساة لا توحي ولا توضح عن أية حقيقة نافعة؛ وقد تجيء فاحشة المغزى، أو ليس يبدو بعد هذا أنها تعمل على تحطيم أجمل النماذج التي تخلقها الإنسانية. فإذا كان هنالك أواصر متينة بين العلم والفضيلة والسعادة الحقيقية - كما يريد العلم المتفائل - فان المغزى الفاجع يغدو بدعة خطرة إن سقراط لم يهدم فن المأساة وحده، بل هدم كل البراعة اليونانية. كان المثال الذي تجسد فيه العقل يوم كان اليونان يتبعون بأهوائهم شريعة الفطرة والغريزة. كانوا يريدون الحياة قوية جميلة، وهو يريدها منطقية، تفقه نفسها بنفسها؛ كان مظهر سقراط مظهر المزدري لروح عصره، وهو وحده أعلن بين معاصريه أنه لا يدري شيئاً، وأنه على حق في خصامه معهم. يعرج على نوادي الشعراء والمفكرين والخطباء والمعلمين، فيقول: إن هؤلاء الواثقين بأنفسهم يفكرون ويجادلون بدافع الفطرة وحدها، وهم لا يفقهون ما يصنعون. تراه حيثما توجه وأينما أنطلق لا يبصر إلا وهماً باطلاً، وخطأ فاشلاً، مما أضطره أن يعلن أنه مقدم على إنشاء حضارة جديدة يديرها العقل وحده. فهدم الحضارة الأولى ولم يبق على شيء منها، فعل ذلك وهو لا يشعر بأن العالم الذي هدمه هو أسمى من العالم الذي راح يبنيه بعقله هذا ملخص ما رآه نيتشه في (المأساة اليونانية) وهو جد آسف على ذهاب ذلك الماضي النبيل. وقد لا يغنينا أن ننظر إلى مذهب (نيتشه) من حيث تعلقه بالتاريخ. فهو ليس في الحقيقة إلا مذهباً يستخلصه من بعض نظراته المختلفة إلى أدب اليونان. وللعلم الحق وحده أن يتقبل هذه النظرات أو يأباها يقول نيتشه عن شوبنهاور: (أنا بعيد جداً عن الاعتقاد بأني فهمت شوبنهاور، ولكني مؤمن جد الإيمان بأن شوبنهاور قد أعانني على تفهم نفسي) وحال نيتشه في درسه العبقرية اليونانية قد تشاكل هذه الحال، فهذه الدراسة قد كشفت عن تفكيره وأبانت عن منحاه في الحياة. وهذه الإرادة التي يذرع بها (ديونيزوس) مجابهاً أخطار الموت والشقاء والألم تعبر

стр. 8794

عن عاطفة عميقة من أسمى عواطف (نيتشه)؛ ومهما كانت قيمة كتابه هذا فهو بعد هذا كله كتاب خالد يتلو علينا كيف شعر نتيشه بذاته حين درس براعة اليونان (يتبع) خليل هنداوي

стр. 8795

القصص من أساطير الإغريق بسِيشِيهْ وكيوبيد أروع قصص الحب في التاريخ القديم للأستاذ دريني خشبة كان الليل الهادئ المقمر أصفى من قلوب العذارى؛ وكان النسيم العليل الحلو يرف كالأماني في قلوب المحبين؛ وكالبدر العاشق المُسهَّدُ يرسل القبَلَ فتنطبع على خدود الورد، وتلثم أعواد الزنبق، ثم تنتشر بالشذى فتعطر أحلام المدنفين! وكان كيوبيد الصغير يتميز من الغيظ حين أنطلق حاملاً سهامه ليقتل بسيشيه ابنة الملك، التي أهانت بجمالها كبرياء أمه فينوس! كان الناس يعبدون ربة الجمال والحب حتى ترعرعت بسيشيه وتدفّق ماء الشباب في جسمها الريان، فهويت إليها نفوسهم، وخفقت بحبها قلوبهم، وآثروها بعبادتهم من دون فينوس! وكان للفتاة أختان حسناوان، ذواتا دلٍ وفتون، ولكنهما كانتا مع ذاك دونها قسامة ووسامةً ولانهائية! أجل، كانتا دونها لا نهائية، فلقد كانت العيون تغرق من جمال بسيشيه في لجَّةٍ من الحسن الغامض ما لها من قرار؛ وكان غموض حسنها هو سر عبادة الناس لها، وافتتانهم بها، وانصرافهم إليها عن كل ربات الجمال! ودعت إليها أبنها ربةُ الحب، فأثارت في قلبه العداوة لهذه الغادة وجسمت له ما يحيق به وبأمه من انصراف الناس عن عبادتهما إلى هذه المخلوقة التعسة: (أفيرضيك يا بني أن تكون من آلهة الأولمب نكرتين لا يخبت لهما شعب من العباد المخلصين؟ أم يرضيك أن يتغامز بي الآلهة كلما مررت بهم، وهم كما تعلم مغيظون مني، فيقولون هاهي ذي فينوس التي هدمت كبرياءها امرأة، وصرفت الناس عن عبادتها غادة؟ اذهب إذن فتربص لها، وأنفذ إلى أغوار قلبها سهماً يودي بها إلى هيدزْ، وبئس القرار!

стр. 8796

وإنه لا ضير على أن تهيم بها أرواح الموتى، أو يفتتن بها بلوتو وملؤه. . . . . . ومضى كيوبيد إلى قصر الملك في طريق حفَّت بالورد: وعبقت فيها أرواح البنفسج، وتأرج النرجس الغض، واختلط كل أولئك بالقمراء الفضية فرققت من غيظ الإله الأصغر، وجعلته يحس الجنة التي يخطر فيها ليقتل فتاة بريئة، كل ذنبها جمالها، وأقصى ما ارتكبته من وزر أن بدت للناس فشغفوا بها، وفنوا فيها. . . وكبر في قلب كيوبيد أن تنتهي هذه الجنة إلى جحيم تعج بالجريمة؛ وتفيض بالآلام؛ فجلس تحت سوسنة نامية يتأمل، وكان ضوء القمر ينعكس على الأزهار ثم يرتد عنها شعراً وسحراً وموسيقى صامته؛ تنعزف ألحانها على أوتار قلبه الخفاق! وصدح بلبل غرد في هدأة الليل الفضي، فانتفض الإله الأصغر وحمل قوسه وسهامه ومضى. . . . لا يأبه بجمال الطبيعة الساحرة، ولا يأسر لبه هذا البهاء الإلهي الذي يغمر الكون حوله، حتى كان عند أسوار القصر الملكي الراقدة في طوفان زاخر من أزهار الشيبر والياسمين والبابونيا وبرفتين من جناحيه الصغيرين كان في حديقة القصر. . . هاهو ذا يصعد على الدرج الرخاميّ، متبختراً، دون أن يلمحه الحرس. . . وانفتل في غرفة بسيشية النائمة، واندس خلف الستائر الحريرية يوتر القوس الذهبية، وينتقي من كنانته سهماً تقطر المنية من سيته، ويرقص الموت على شباته! وتقدم نحو الفتاة. . . . . . يا للجمال النائم فوق الأريكة! ويا للفتنة العائمة ملْء السرير! لقد كانت متجردة كلها! وكان نهدها البارز المثمر مجللاً بثديين ناضجيين، يتحلبان لذاذة ويلتهبان إغراءً!! ونامت هذه الذراع هنا، واطمأنت تلك الذراع هناك؛ لدْنتان وإن كانتا كالمرمر؛ رخصتان وإن كانتا لتمثال معبود!! وكان السحر يهمهم فوق الساقين الملفوفتين، ويهوم من تحتهما، كأنه يرقيهما من نفسه، أو ينفث فيها من روحه وبأسه!. . . والرأس الصغير فوق الطنفسة الوردية، مستسلماً لأحلام الشباب الحلوة، متلألئاً في شعاعة

стр. 8797

من ضوء القمر سقطت عليه من النافذة القريبة، رسولاً من لدن ديانا البارة، أقبل ليقول للإله الأصغر: (مكانك أيها الرامي الحبيب! ماذا جنى عليك هذا الحسن فتسلمه للردى، وتجرعه كأس المنون؟! افتح له ما انغلق من قلبك تنعم به، فأنك لن تجد في ربات الأولمب من تخلص لك الحب كما يخلصه لك هذا الهدف البريء. . .!) وخطا كيوبيد خطوتين، وحملق في وجه بسيشيه. . . . . . وبهره الجبين المشرق، والهدب الناعس، والخد الأسيل. . . . وأخذ بلبه هذا الشعر العسجدي تفضض حواشية أضواء القمر فتزيده بهاءً ورونقاً، فإلى لا يهدرن هذا الجمال البارع، وانثنى مسلوب اللب، مشدوه القلب، موزع الفكر؛ وانتزع السهم فألقى به في كنانته. . . وقبل أن يخرج يده الصغيرة الناعمة، شاء القدر أن يخدشها سهم ذهبي من سهام الحب، ملأ كيوبيد هوى وأفعم قلبه صبابة، فتقدم نحو بسيشيه لهفان، يتزود لأوبته من جفنها النعسان وجمالها الفينان وطبع على الفم الدقيق قبلة دقيقة حلوةً، وعاد أدراجه عاشقاً وامقاً لا يبالي بسخط أمه فينوس!! وأنصدع عمود الليل، وتنفس الصبح فهبت الأرواح النائمة، وأقبلت فينوس ربة الحب لتسمع إلى النادبات النائحات في قصر الملك. . . . . . بيد أنها، بدلاً من ذلك، رأت بسيشيه، بسيشيه بعينها، تمرح في حدائق القصر، وقد برزت عرائس الماء من الغدران الصافية تحييها وتغني لها، وتضفر لها أفواف الزهر. . .!! وحنقت ربة الجمال والحب، ونادت بالويل والثبور على ولدها كيوبيد، وأقسمت لتجعلن مباهج الحياة ووضاءتها ظلاماً في عيني الفتاة!! فسلطت عليها الأشباح تروعها وتفزعها، وأغرت بها خفافيش سوداء جعلت تنوشها وتهاجمها، وسخرت عليها ريح السموم تلفحها وتصهر روحها، فانطلقت المسكينة مذعورة إلى داخل القصر، وطفقت تصرخ وتعول، ولا يدري أحد لماذا تصرخ ابنة الملك وتعول. . . وازدحم حولها أبواها وأخوتها والخدم والحشم ينظرون ويعجبون ولا يكادون يحيرون. . . ومضوا بها إلى المعبد يستوحون الآلهة، ولكنها ما كانت لتزداد إلا شكاةً وأشجاناً!!

стр. 8798

وكرت الأيام. . . وانسربت بسيشيه إلى الجبل القريب المشرف على البحر، وفي نفسها أن تلقي بحمل الحياة من شاهق، فتستريح مما يطيف بها من آلام! ورآها كيوبيد. . . وظلت هي ترقب الموج الهائج، وتشهد اليم المصطخب، وتلقي على البطاح نظرة مودع عجلان، وعلى المروج الخضر تحية مأخوذة القلب أسوان؛ ثم صرخت صرخة هائلة، وألقت بنفسها من علٍ. . . . . . وكأن كيوبيد كان قد أحس بما تعتزمه حبيبته من الانتحار، فدعا إليه صديقه ونجيه زفيروس، آله الريح الجنوبية، وأطلعه على ما يكن من الحب: (لهذه الفتاة التي تكاد تلقي بنفسها من قمة الجبل يا صديقي زفيروس. فإن رأيت أن تكون لك على هذه اليد، أذكرها لك أبد الدهر، فخذ أهبتك، ولا تدعها تغوص في اليم، بل تلقها في يديك الرفيقتين، واذهب بها إلى الجزيرة المقابلة حيث الشاطئ المنظور بالرياحين؛ فدعها ثمة، فقد أعددت لها مستراداً وملعباً. . . . . .) ولشد ما دهشِت بسيشية إذ رأت طيفاً نورانياً كريماً يبرز من الماء فجأة فيلتقطها في يديه الكريمتين، ثم يترفق بها فيضعها على ظهره العريض الرْحب، كأنه أريكة من أرائك الجنة التي وعد المتقون، ويخوض بها اليم المضطرب فتعنو له الأمواج ويسجد من تحته الثبج، ويصير البحر في لمحةٍ كأنه مرآة صافية ملساء، كأنها صفحة السماء. . . ويصل إلى الشاطئ المزدهر فيبسم للفتاة ثم يجيبها بتمتمةٍ، وينطلق في البحر الذي يعود إلى سابق اصطخابه واضطرابه. . . وتجلس بسيشيه على الكلأ فتفرك عينيها مما استولى عليها من ذهول، لترى هل هذا الذي هي فيه حلم، أم هي قد ماتت فعلاً ولكنها دخلت الجنة؟!! بيد أنها تذكر أن الأرواح فقط هي التي تنفذ إلى دار الموتى؛ وأنه ليس في دار الموتى شمس ولا إياء، وهي تتحسس نفسها فترى جسمها البض الجميل كما هو لم يتغير، وهي ترى أيضاً إلى الشمس مشرقة تغمر بآرادها البر والبحر، وتنشر إياءها في الأكوان جميعاً. . .

стр. 8799

إذن هي لم تمت، وهذا الطيف الكريم الذي أنقذها من الموت، والذي ترفق فحملها إلى تلك الجزيرة هو رسول أحد الآلهة؛ وإذن فلتنهض ولتضرب في هذا الفردوس المنعزل حتى يكون أمر غير هذا الأمر. . . ومضت في غياضٍ وأرباض، ورأت في الأفق القريب قصراً باذخاً ذا شرفات وأحياد، فيممت إليه، وما كادت تدنو منه حتى فتحت بوابة السور الكبرى على مصراعيها، وامتدت منها أذرع نورانية تصافحها، وانبرت أصوات رقيقة موسيقية تحتفي بها وتحييَّ وتبيَي!. . . . . . وفركت بسيشيه عينيها كذلك! وظنت أنها تحلم، ولكن كل شيء حولها حدَّثها أنها ترى رؤيةً حقيقة، لا رؤيا منامية. . . . فدخلت القصر، وفي نفسها من الحيرة وشدة العجب ما أخذ يتضاعف في كل خطوة ويزداد. . . وحاولت أن ترى أحداً ممن لهم هذا الصوت الرقيق. . . ولكن عبثاً. . . ليس هناك إلا أذرع من نور تمتد إليها محتفية بها، تقودها إلى المخدع الوثير الذي أعدته العناية لها. . . ودار الحديث بينها وبين طيف لا تراه: - (. . . ويدهشني أنكم تحتفون بي. وتبالغون في إكرامي، وأنا لا أرى منكم أحداً، فهل كلكم يلبس قلنسوة هرمز؟) - (كلا أيتها العزيزة؛ ولكنا أمرنا ألا ننكشف لك. .) - (ومن ذا الذي أصدر إليكم هذا الأمر؟) - (ونهينا أيضاً عن ذكر أسمه. . .) - (أنتم كرام، ولكنكم تضايقونني إلى حد الإزعاج. .) - (ليفرخ روعك أيتها العزيزة، ففي المساء، تلقين الآمر الكريم صاحب هذا القصر، وصاحب القصور الكثيرة في أطراف الأرض) - (وهل لي أن أجول جولةً في قصركم المنيف عسى أن تذهب هذه الوحشة الجاثمة على قلبي. . .) - (ولم لا. . . بسيشيه العزيزة؟)

стр. 8800

- (بسيشيه؟!. . . ومن أنبأكم أسمى؟) - (رب هذا القصر أيتها العزيزة. . .) وجالت الفتاة في القصر الجميل المنسق، وكان مثار عجبها هذه الصور البارعة المرسومة على الجدران، كلما وقفت عند واحدة دبت فيها الحياة، وتحركت على الحائط متهللة مستبشرة، محيَّية بابتسامةٍ خفيفة، أو انحناءة مؤدبة. . .!! وكانت التماثيل في زوايا الغرف، وأوساط الردهات، وفي حنايا الحديقة، وفوق الربى المكسوة بالسندس الرطب، تحيّي الضيفةَ، كأن حياة تدب في مرمرها كلما وقع بصر بسيشيه عليها، فتتحرك الأذرع، وتومئ الرؤوس، وتمر الفتاة وقد أخذ الدهش من نفسها كل مأخذ. . . وكانت العنادل تهتف بها ترجوها أن تتلبَّث فتسمعها أنشودة الخلد، ولولا العجلة لوقفت بسيشيه عند كل حتى ينتهي من غنائه الحلو، وتغريده الرنان وعادت إلى المخدع مع مغيب الشمس (لها بقية) دريني خشبه

стр. 8801

أقصوصة عراقية: بداي الفايز للأستاذ محمود. أ. السيد - ١ - كان اليوم العاشر من شهر مايو. . . كان الفرات فائضاً توشك أمواهه الطاغية أن تجرف السدود المقامة على ضفتيه. وكان الفلاحون من أبناء القبائل المختلفة، في منطقة خضراء بين ذي الكفل والكوفة - كأمثالهم في مناطق الفرات الأخرى - ساهرين عليها، مقيمين حولها ليلاً ونهاراً وجلين، يخيفهم الخطر الجاثم حيالهم منذ شهر، وقد أشتد بعد أن كان ضعيفاً مبهماً وكان الصبح. . . وكان النسيم يهب بليلاً فينعش هؤلاء المساكين، ويحيي فيهم عنصر النشاط الذي كانوا في أشد الحاجة إليه؛ فقد أنهكهم النصب، وآذاهم الجهد الذي بذلوا مذ طغى الماء، وهم يصارعونه ليحولوا بينه وبين زرعهم - مع أنه جزء قليل من زرع الرؤساء المالكين - وماشيتهم؛ وهما لهم قوام الحياة وكانت سنابل القمح المنتشرة المتكاثفة في الحقول على مقربة من بيوتهم - وهي من القصب البالي والحصر وجريد النخل - ومن النهر، مصفرة ناضجة تبهج الناظرين. وكان وقت حصادها جد قريب وحان الضحى؛ فحانت ساعة العمل لتقوية السدود وتمكينها فانتشرت جموعهم كالنمل تحمل إلى المواقع الواهنة منها التراب من أطرافها، ثم تعود لتحمل إليها التراب كذلك والحطب والقصب والحصر والعَمدَ والحبال وما إليها؛ ثم تعود مرة أخرى، فأخرى، يسوقها المهندسون والرؤساء المالكون في غير ما لين ولا إمهال وحان الظهر؛ فاستراحوا قليلاً ثم عادوا يعملون وتغير الطقس، آنئذ، تغيراً مفاجئاً - ومثل هذا التغير مألوف ومعتاد في العراق - فحجبت وجهِ الشمس عاصفةٌ شديدة أثارت الموج في النهر، وعظم بها الخطر، لأن السدود قد كانت

стр. 8802

احتملت من جريان المياه الطاغية وتيارها القوي أكثر مما تطيق احتماله، فكيف بها الآن وقد أخذ الموج يلطّمها فيوهنها ويكاد يهدّمها تهديماً وكان الخطر أعظم ما يكون في الضفة اليسرى من النهر، لأن أهلها كانوا أقل عديداً من جيرانهم أهل الضفة اليمنى، وأرضهم أوطأ من أرضهم، وسدودهم أضعف من سدودهم وكان الرؤساء جميعاً، هنا وهناك، مع وفرة غناهم، وامتلاكهم الدور والأحراز والأرضين دون الفلاحين، أحرص منهم على حفظ السدود لحفظ الزروع. فداروا حولهم يشجعونهم ويضربون المقصّر المتخلف منهم عن صحبه بالعصي والسياط ونحن الآن في الضفة اليمنى حان الأصيل، وبدأت قصتنا؛ فوقف فتى طويل القامة مفتول الساعدين، آدم اللون، يدعونه (بدَّاي الفايز) ويتميز بخنجر مفضض لا يفارق حزامه، أمام رئيس من رؤساء القبيلة التي ينتمي إليها، معتدلاً يعلوه الشمم، وتهز كيانه نخوة الأعراب؛ وقد أصابته منه ضربة عصا كما أصابت غيره ضربات، وسواء أكان لتلك الضربة سبب من تقصير في العمل أم لم يكن، فان (بداي) الذي كان شاذا في قبيلته في بعض خلاله، قوي الشكيمة، عزيز النفس، معتزاً بقوة جسمه، لم يحتملها؛ فوقف يغمغم متظلماً في شبه ثورة وعصيان وبهت الرئيس، فنظر إليه مستغرباً مستنكراً: مستغرباً شممه ونخوته وقد حسبهما طيشاً ونزقاً وخنزوانة عبد، وحمله خنجره المفضض حتى في ساع العمل العسير، مستنكراً تظلمه، وكيف لم يحتمل منه ما احتمل الآخرون أذلة خاضعين وأقبل عليه يريد أن يضربه مرة ثانية؛ ثم انثنى عنه في لحظة فانشأ يرميه بما هو عند القبائل شر من ضرب العصي وأنكى، قال يعيره: - (ويلك يا جبان! هل يرفع أنفك فيميزك عن أخوتك الطائعين هؤلاء خنجرك المفضض هذا!؟ ولأي يوم كريهة تحمل هذا الخنجر وتلك البندقية التي تعلقها بالسدرة؟ وأين كان هذا السلاح يوم قتل جسام أخاك عباس؟ ولماذا لم تثأر له به حتى الآن أيها الجبان الذليل؟!) وإذ نطق باسم (جسام) شدّد (السين) تشديداً غريباً ومد (ألفه) وهو يشير بعصاه إشارة ذات معنى إلى ضفة النهر المقابلة؛ ثم إذ أتم كلمته أبتسم ساخراً متهكماً وتولى، وهو مدرك أية طعنة نجلاء طعن الفتى

стр. 8803

وسمع بداي هذه الكلمة الطاعنة أمام الجمهور الحاشد من الفلاحين الذين كان يراهم دونه شمماً وإباء للضيم ونخوة، وهو في أسوأ حال من الاضطراب النفسي والغيظ، وعضّ على شفته إذ أخذته (العزة)؛ فصاح صيحة كاد ينفطر لها فؤاده: - (أخسأ! أنا أخو شمسة! ولأنتقمن ولأدفعنّ عني عاري!) وترك العمل وهو حانق غضبان. وشعر بأن حياته أضحت عبئاً ثقيلاً عليه. و (النار ولا العار!) وهل يهمه بعد الزرع وغير الزرع؟ (لقد قتل جسام من أبناء القبيلة المجاورة أخاه عباساً، في نزاع على دين قديم، منذ عهد قريب، وتلكأ عن أداء ديته. هذا ما كان يعلمه؛ ولكنه لم يكن راضياً بالعار الذي خلع عليه هذا الحادث منه جلباباً أسود ضافياً. لم يكن ساكتاً عن حقه، والثأر في القبائل كالدية، حقٌ. على أنه لم ير بداً من التريث حتى تنجلي هذه المصيبة التي حلت بالقبائل الفراتية كافة: مصيبة الفيضان. فكان من المروءة تركه وشأنه؛ أما وقد سبق السيف العذل؛ فعيرّ أمام الناس، فلا كانت الحياة إن لم يثأر وينتقم. . . . .) هذا ما فكر فيه في دقائق مسرعة كالثواني، ونفض عباءته ليزيل ما علق بها من تراب حين العمل، ثم تناول بندقيته غير ملتفت وراءه، وتوارى عن الأنظار - ٢ - ونحن الآن في الضفة اليسرى أقبل الليل؛ وانقلب الفلاحون إلى بيوتهم، وهم يتوقعون الخطر الجاثم حيالهم، يتوقعون أن تتدفق المياه عليهم في هذه الليلة إن لم تنقص قليلاً، وبقيت الريح العاصفة على شدتها تثير أمواجها فتوهن السدود. وكان الإعياء آخذاً منهم مأخذه فرقدوا متوكلين على الله؛ إلا الحراس منهم الذين أقاموا على السدود، فكانوا متحفزين للعمل، يروحون ويجيئون كأشباح الجن؛ يلفهم نور القمر الضئيل الذي حجبت سطوعه الريح الذارية وما كانت تحمله للقوم من غبار كثيف وكان جسام القاتل واحداً من هؤلاء الحرس وكان وهو في جماعته، مطمئناً غافلاً، لا يدري أن بداي قد أقسم لينتقمن لشرفه في تلك الليلة؛ لا يدري أنه جاء دارة القوم خلسة وقد عبر الفرات على زورق من زوارق الصيد

стр. 8804

صغير، بعد لأي وجهد كبير؛ وأنه كان - وقد مضى الهزيع الأول من الليل - يكمن له وراء نخلة في طرف حديقة مجاورة لبيوت القبيلة مما يلي مضرب الحرس ملثماً بكوفيته، متلفعاً بعباءته السواء؛ مصمماً على قتله وكان موقع الحارس جسام قريباً من الحديقة؛ وكان خصمه يتبينه؛ وكان يعرفه مستدلاً عليه بصوته الذي كان يرتفع بين دقائق ودقائق إذ ينادي صحبه نداء الحذر والانتباه وكان ينظر إليه وهو واقف في الظلام، ظلام الحديقة الذي كان يستره كالخنزير الحانق على الصياد؛ ويقول بصوت خافت؛ وكأنه يتوعده: - (اصبر لي قليلاً يا ابن الكلب. . . .) ثم حشا بندقيته؛ وقد اشتدت ضربات قلبه؛ وبدت على وجهه سيماء الإنسان الوحشي القديم؛ وثنى ركبتيه وأطال النظر في عدوه ليسدد الرمي؛ وكاد يطلق رصاصاته الخمس التي أعدها لقتله، لولا أن رأى بجانبه حارساً آخر أقبل عليه مسرعاً. فكان على بداي لقتل واحد منهما أن يقتل الاثنين معا، وهذا ما لم يكن يريده؛ لأن ثأره على تلك الصورة يخلق له مشكلة يصعب عليه التخلص منها، فقد يغتفر له ذوو جسام وأبناء قبيلته قتله لأنه قاتل أخيه، ولكنهم لا يغتفرون له قتل الثاني؛ ولابد لهم من قتله بعدئذ ليثأروا به منه وتملكته الحيرة فلم يدر ماذا يفعل ثم بدا له أن يتوقع عودة القادم، لينفرد بفريسته، وبينما هو في موقفه هذا، ارتفعت من جانب بعيدً قيدَ غلوة صيحة حارس يستغيث لقد حم الأمر؛ وتفجرت المياه من ثلمة حدثت في السد المصاقب، ومضى الحرس وفي طليعتهم جسام، يعدون مستبقين لسد الثلمة، فلم يتمكنوا من ذلك، ولم يكن دفع المياه المتدفقة المتحدرة تحدر السيل من أعالي الجبال مستطاعاً واستيقظ أبناء القبيلة فروَّعهم الحادث، وشعروا بوقوع الكارثة، فأضاعوا رشدهم، كما أضاعوا من قبل جهودهم كلها في الزرع وفي إقامة السدود. وحاولوا كفاح المياه العرمة فحاولوا عبثاً، وراموا مستحيلا وما كان أمامهم إلا الهرب، فكان النساء يولولن، والأطفال في خوف ورعب يتصارخون. وكان جسام ذا أسرة تتألف من زوج، وثلاثة أطفال، وأم عجوز، وأخت. وكان الرجل آخر

стр. 8805

هارع إلى أمه وإلى أطفاله لينقذهم من الغرق، وقد خسر مع الخاسرين نصيبه في الزرع، ونسي بقرته وغنمه؛ وعلى هذه البقرة والغنم تقوم حياتهم بعد الزرع. . . وأدركت الرحمة الطبيعة حينئذ، فسكنت الريح، وانقشع الغبار، فهذا القمر المنير زاهياً متلألئاً يطل على هذه الفاجعة في قسوة وجمود - ٣ - وبعد ساعة أو أقل كانت الثلمة متسعةً، تنصب منها في السهل الكائن وراءها حيث البيوت ثم الحقول، مئات الألوف من الأمتار المكعبة من الماء. وكان بداي يشهد هذه الفاجعة التي فجعت بها القبيلة في دهش وتألم. وكانت نفسه ساكنة هادئة بعد أن أفلتت فريسته منه، وأحس شيئاً يتمزق في جوفه. ثم أستيقظ في نفسه شعور غريب جديد، هو غير الشعور بالضراوة والرغبة في الانتقام والثأر؛ وذهل عما جاء من أجله؛ فاقترب من بيوت القوم قليلاً، فرأى - مما رأى - أطفال جسام الثلاثة في صراخهم وعويلهم، والأب يحمل منهم الاثنين الكبيرين وكانا في الرابعة والخامسة، نحيفين واهنين من مرض أو جوع، وزوجه تحمل بعض المتاع وتقتاد البقرة، وأخته تريد أن تحمل أمها العجوز، والطفل الثالث، وهو في الثالثة من العمر ما يزال على الأرض متشبثاً بأذيال أمه يرتجف ويعول باكياً، والأم ذاهلة تحني فتتناوله لتحمله فوق المتاع، فيفلت منها زمام البقرة؛ ثم يذكر الأب، وهو دهش يحمل طفليه، غنمه فيذهب إليها حيث كانت في زريبة مجاورة ليسوقها أمامه. . . وأبناء القبيلة كل منهم مشغول ببلائه، وقد اختلط الحابل بالنابل؛ فكانوا في مثل يوم المحشر الموعود وكانت الكلاب تنبح شاعرة بالخطر نباحاً صاخباً يملأ الجو وحينئذ كان بداي يحكم لثامه شداً، ويتنكب بندقيته، ويشمر عن ساعديه؛ ويبادر لنجدة هذه الأسرة وعونها. وأقبل على الأم الذاهلة فتناول منها طفلها فخفف عنها حملها الثقيل. وحسبه جسام، وقد حانت منه التفاتة إليه في الزحام، واحداً من أبناء عمه، فخاطبه مرشداً ومشجعاً: - (دونك السد) وكان السد الممتد على طول النهر والمؤدي إلى قرية قريبه، الطريق الوحيد الذي لجأ إليه

стр. 8806

القوم طلباً للنجاة من الغرق لقربه من بيوتهم وارتفاعه عن السهل المنبسط الذي أخذ الماء يغمره شيئاً فشيئاً. . . وإذ تخلصت زوج جسام من وليدها، واطمأنت لنجاته، استطاعت سحب البقرة وراءها واستنقاذ ما حملت على ظهرها من متاع البيت. وحملت أخته أمها العجوز. وبلغوا يخوضون الماء المتدفق خوضاً، معه، وهو حامل طفليه. واستعدوا ليمشوا وراء قافلة القبيلة التي رحلت من مستقرها وقد مسها ضر أليم. وأقبل أثرهم الرجل الملثم حاملاً الطفل الصغير فأنزله إلى الأرض، واقترب حتى قابل جساماً فحل عنه لثامه، ونظر إليه، في ضوء القمر، محملقاً كأنه يقول له: - (هلا عرفتني؟ فأنا خصيمك طالب ثأر عباس؟) ولبثا دقيقة ينظر الواحد منهما إلى الآخر، وقد أوشكت أن تثور فيهما نوازع الرغبة في الاقتتال، هذا ليدافع، وهذا ليثأر وينتقم ونحَّى جسام طفليه عنه في تأن وحذر، ومد يمناه إلى خنجر بيد أن بداي أخلف ظنه فما زاد على أن هز رأسه، وقال له بصوت أجش: (اذهب الآن!. . مع السلامة. . خلصت. . ولكن لا تنسى أن لك ساعة أخرى!) وانكفأ إلى زورقه مسرعاً، تاركاً ثأره وزوجه التي انتبهت إليه آخر الأمر، في حيرة واستغراب وآب بداي الفايز إلى قبيلته ساكناً هادئاً، فخوراً بالفعلة التي لم يفعل مثلها أحد قبله، إذ أنجد أسرة حين لم يكن له من إنجادها بد، واستحيا لأجلها، ولو إلى حين، نفساً ما كان لها إلا أن تموت - ٤ - ومر عام على هذا الحادث. فعادت قبيلة جسام إلى أرضها الأولى، بعد أن زال عنها الماء الذي غمرها أشهراً؛ وأنشأت لها سداً جديداً على ساحلها؛ فجاءها رسل من القبيلة الثانية يسعون بين بداي وجسام بالصلح، ويحملون دية القتيل مالاً وامرأة وهي أخت القاتل، فتزوجها بداي زواج (الفصل) على سنة القبائل الموروثة وتقاليدها ولم يعد أحد يجرؤ، بعد ذلك، أن يعير الفتى بأنه نام عن ثأره نوم الجبان الذليل

стр. 8807

(العراق - الأعظمية) محمود. أ. السيد

стр. 8808

البريد الأدبي تبسيط اللغة الإنكليزية واهتمام الإنكليز بنشرها يبدي الإنكليز في الوقت الحاضر اهتماماً بنشر اللغة الإنكليزية، ويحاولون بمختلف الوسائل أن يجعلوا منها لغة دولية عامة، كاللغة الفرنسية في الشؤون والمعاملات الدولية والتجارية؛ ويرجع هذا الاهتمام إلى ما بعد الحرب الكبرى إذ أتسع نطاق الإمبراطورية البريطانية أتساعاً عظيماً، وضمت إليها شعوب وأمم جديدة، وزاد نفوذ إنكلترا الدولي تبعاً لذلك، واتسع نطاق تجارتها اتساعاً عظيماً. والإنكليز أقل الأمم اهتماماً بدرس اللغات الأجنبية، وقد حاولوا أن يتلافوا هذا النقص بفرض لغتهم على الشعوب التي تنضوي تحت لوائهم، ولكنهم يرغبون اليوم في التقدم خطوة أخرى، وذلك بالعمل لجعل اللغة الإنكليزية لغة دولية اختيارية. وقد رأوا أن أنجع وسيلة لتحقيق هذه الغاية هو تبسيط اللغة الإنكليزية إلى أبعد حد، وانتهوا فعلاً إلى عمل هذه التجربة، فقام الأستاذ أجدن أحد أعضاء المعهد اللغوي بجامعة كامبردج باختيار الألفاظ الإنكليزية التي تعبر عن أكبر عدد من المعاني المطلوبة، وانتهى إلى حصرها في ٨٥٠ كلمة تكون وحدها لغة إنكليزية جامعة وافية بالتعبير عن كل ما يرغب، ويكفي لدرسها وحفظها ثلاثون ساعة، وليس فيها أي تضارب ولا تعقيد، وليس فيها من الأفعال سوى ١٨ فعلاً، وقد سميت هذه اللغة (بالإنكليزية الأساسية). ويعلق الإنكليز على هذا التبسيط المدهش للغة تبلغ كلماتها عشرين ألفا آمالاً كبيرة، وتنوه الصحف العلمية بهذه المناسبة بأن أحب الكتاب الإنكليز إلى الشعب الإنكليزي هم أبسطهم لغة وبياناً مثل سويفت وبرناد شو، ومن ينحو نحوهما في التعبير الجزل البسيط الذي لا يتخلله حشو ولا ترادف ولا تعقيد أزمة الديموقراطية تشغل أزمة الديموقراطية أذهان الساسة والكتاب الأحرار، وقد صدرت في موضوعها في الآونة الأخيرة مؤلفات عديدة ولا سيما مذ تولت عصبة الهتلريين الحكم في ألمانيا وسحقت كل أنواع الحقوق والحريات العامة؛ ومنذ أسابيع قلائل ظهر كتاب جديد في الموضوع بقلم مسيو دي روفيرا الكتاب والسياسي الأسباني عنوانه (تجربة سياسية) ومن رأي هذا الكتاب أن الديموقراطية تجتاز أزمة الموت، بيد أنه من المستحيل أن يظفر المؤرخ أو

стр. 8809

السياسي المعاصر بجراثيم الداء التي تنخر أسس الديموقراطية؛ وأكبر الظن أن مؤرخ القرن الثاني والعشرين أو الثالث والعشرين سيكون أقدر منا على تفهم الصلات والحوادث التي تربط الثورة الفرنسية بالحركات الثورية الجديدة مثل الشيوعية والفاشستية، وأقدر منا على تفهم المراحل التي جازتها المبادئ الثورية السياسية حتى انتهت إلى نواحيها الاجتماعية؛ وقد يرون أن نحول العالم القديم إلى العالم الجديد قد أستهدف لسلسلة من النزعات والعوامل المضطربة. ثم يقول مسيو روفيرا: إننا نشعر الآن في جميع أوربا بضرورة الإرادة العاملة؛ ولنا أن نسميها (سلطة) أو (طغياناً) فان المهم هو أننا نريد أن نعمل. ويجب علينا إلا نحكم على آبائنا بالبله والعجز لأنهم لم يبتوا في المسائل بشيء. والواقع أنه يجب أن نعتبر خاتمة القرن التاسع عشر وفاتحة القرن العشرين مرحلة الهدم بالنسبة للعالم القديم، ومرحلة التجارب الهائلة؛ وليس ثمة ما يدهش إذ نرى ما نرى من ذلك الاضطراب الهائل الذي يسود شؤون العالم اليوم. وقد أثارت ملاحظات المسيو دي روفيرا كثيراً من الاهتمام والجدل لأنها تتعلق بمسألة تعتبر مسألة العصر، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً رسائل جديدة لشارلس دكنز صدر في لندن مجلد من رسائل جديدة لشاركس دكنز الكاتب الإنكليزي الفكه، محتوياً على جميع الرسائل التي كتبها دكنز لزوجته كاترين هوجارت من سنة ١٨٣٥ إلى سنة ١٨٦٧ وكانت مدام دكنز قد أوصت بهذه الرسائل لبناتها، وأودعتها ابنتها الثانية كات بيروجيني بالمتحف البريطاني وأوصت بأن تبقى في طي الكتمان بعيدة عن النشر والإذاعة حتى تموت هي، والسير هنري فلدنج دكنز آخر من بقي على قيد الحياة من نسل الكاتب الشهير. وقد عمل المتحف البريطاني بهذه الوصية ولم يسمح بإذاعة الرسائل حتى تحقيق شرط الانقراض. وليس في هذه الرسائل جديد مما لم يعرف عن حياة دكنز، ولكنها تلقي ضياء جديداً على ما كان بينه وبين زوجه من الخلاف وما كان بينهما من أسباب النفرة والاحتكاك مذ عرفها باسم كاترين هوجارت. والرسائل الجديدة على وجه العموم صورة حية من خواص دكنز ومواهبه الكتابية، وهي تسبغ على الحوادث والمسائل التي تتناولها حياة جديدة لم تتوفر في أية ترجمة من التراجم التي تناولت حياة الكاتب الكبير، وفيها يبدو

стр. 8810

دكنز في ذروة براعته المعروفة في التصوير الفكه المبكي معاً. وقد تلقى الجمهور الإنكليزي الرسائل الجديدة لهذا الكاتب المحبوب بلهفة واشتياق. واللذين قرأوا من أبناء العربية شيئاً من قصص دكنز ولا سيما قصته الخالدة (دافيد كوبرفيلد) أو (نادى بكويك) أو (نيكوك س نيكلباي) أو غيرها يذكرون كيف يستطيع هذا الكاتب المبدع أن يصور حياة البؤس والتشريد في صور بسيطة مبكية معاً، وكيف يستطيع أن يهز أوتاراً القلوب بعرضه المؤثر وبيانه الخلاب وليم كوبيت تحتفل الدوائر الأدبية الإنكليزية الأدبية بذكرى كاتب مازالت كتابته تطبع أذهان النشء الإنكليزي بطابع قوي: ذلك هو وليم كوبيت الذي توفي منذ مائة عام. وقد ولد كوبيت سنة ١٧٦٢ في فرنهام من أعمال سوري، في أسرة ريفية فقيرة، وقضى حداثته في فلاحة الأرض، ثم تقلب في مهن صغيرة مختلفة، فاشتغل كاتباً وجندياً ولما ترك الجندية سافر إلى أمريكا وقضى بها ردحا من الزمن ثم عاد إلى إنكلترا؛ واشتغل ذلك بالصحافة آنا وبالزراعة آناً آخر، ولقي في حياته العملية صعاباً جمة نظراً لمناوأته رجال الحكم؛ واستقر في إنكلترا منذ سنة ١٨٠٠ وأخذ يعالج الصحافة السياسية أولاً إلى جانب حزب الأحرار، ثم إلى جانب المحافظين؛ وكانت صرامته وعنفه وشدة حملاته تثير عليه السخط في الجانبين، ولكنه مع ذلك كان يبدي براعة ظاهرة في حملاته، وكان مرهوب القلم. وفي سنة ١٨١٧ سافر إلى أمريكا مرة أخرى ومكث بها عامين ثم عاد إلى إنكلترا؛ ورشح نفسه للانتخاب النيابي فسقط لأول مرة، ثم عاود الكرة بعد ذلك ونجح في الانتخاب كنائب عن أولد هام. بيد أنه لم يبد في مجلس العموم مقدرة خطابية. ولم يلبث أن توفي بعد ثلاثة أعوام، في يونيه سنة ١٨٣٥ وقد كان كوبيت من أعظم النقدة في عصره، وكان كاتباً وصفياً لا يجارى، وكان يملك زمام البيان بقوة مدهشة؛ وكان أشد تأثيره في شباب عصره؛ وأشهر مؤلفاته (نزهات ريفية) و (نصيحة إلى الشبان والشابات) وهو من خير ما كتب وخير ما ظهر في عصره؛ ثم رسائله السياسية الأسبوعية وهي تملأ مجلدات كثيرة الذكرى الثلاثون للإمام محمد عبده

стр. 8811

أقامت رابطة الشباب الأدبية في الساعة السادسة من مساء الخميس الماضي بالدار الجديدة لجمعية الشبان المسلمين احتفالاً رائعاً بذكرى مرور ثلاثين عاماً على وفاة المصلح الكبير الإمام محمد عبده، شهده صفوة من رجال العلم وجمهرة من شباب الأمة، وتكلم فيه الأستاذ عبد الوهاب النجار عن حياة الإمام، والأستاذ مصطفى عبد الرزاق عن الإمام في الأزهر، والدكتور محمد حسين هيكل عن الإمام في الصحافة، والأستاذ عبد الله عفيفي عن دفاع الإمام عن الإسلام، والأستاذ الهلباوي بك عن الإمام في القضاء؛ وكادت هذه الخطب الممتعة تؤلف للإمام ترجمة وافية لولا أن ضيق الوقت أعجل الأستاذين النجار والهلباوي عن لم الموضوع واستيفاء البحث

стр. 8812

الكتب ١ - فتح العرب لمصر: للدكتور بتلر ترجمة الأستاذ محمد فريد أبو حديد ٢ - فنون الطهي الحديث لمؤلفيه السيدين أبي زيد أمين وطغيان سعيد للأستاذ محمد بك كرد علي من الكتب كتاب واحد يغني عن عشرة، وقلما أغنى قط كتاب عن كتاب. وهذا الكتاب في فتح العرب مصر يدخل في باب ما لا يستغني عنه من الكتب لفائدته وطرافته. صرف مؤلفه في وضعه وقتاً طويلاً يدرس ويبحث، ثم يستقرئ ويستنتج، فجاء كتابه ناضجاً من كل وجه، حرياً بأن يتعلم بعض من يؤلفون بالعربية أصول التأليف المنقحة بالنظر إلى هذا الكتاب وكيف يدرس الغربيون أبحاثهم ليفيدوا العلم ويأتوا بالمتقن من صفحاته استعان المؤلف في تأليفه بشذرات قليلة مما كتبه الروم ومؤرخو الكنيسة القبطية، وما كتبه أهم المؤرخين من العرب والإنجليز والفرنسيين والألمان، وما عثر من أوراق البردي في أرجاء مصر، وما كشف من عادياتها القديمة، ورجع إلى عالم عصره الشيخ محمد عبده فأعطاه بعض قطع اختارها أو كتبها، وكانت خاصة بالفتح، وساعده غير واحد من أعلام مصر في قراءة جمل من القبطية وغيرها فجلا تاريخ هذه الحقبة بأجمل أسلوب عصري، صوَّر لك ما وقع من حوادث الفتح العربي كأنك تشهدها قال: (ولعل القارئ يستطيع من مطالعة الملاحق التي ألحقناها في آخر الكتاب أن يتبين شيئاً من مقدار ما هنالك من خلط في التاريخ، ومقدار ما عانيناه من المشقة في ابتداع طريقة لضبط تواريخ، الفتح الفارسي والفتح العربي، فالظاهر أن مؤرخي العرب لا يعرفون شيئاً عن تيودور القائد الأعلى لجيوش الروم، فهم يخلطونه ببعض أصاغر القواد، وهم كذلك يخلطون بين قيرس (المقوقس) وبنيامين، وبين فتح قطر مصر وفتح مدينة مصر، وفتح الإسكندرية، ولا يميزون بين فتح الإسكندرية الأول الذي كان صلحاً وبين

стр. 8813

فتحها الثاني الذي كان عنوة، وكانوا يذهبون إلى أن القبط قد ساعدوا العرب ورحبوا بهم. وقد ظلم التاريخ القبط في ذلك ظلماً فاحشاً على نحو ما ظلم العرب ظلماً كثيراً بنسبة حريق خزانة كتب الإسكندرية إليهم) قال: وما كأن لنا إلا قصد واحد وهو أن نصل إلى الحق، وقال إنه ممن يحمل لكل من الشعبين العربي والقبطي أكبر الإعجاب ومن براهينه في تبرئة العرب من حريق خزانة الإسكندرية أن هذه القصة لم تظهر إلا بعد نيف وخمسمائة عام من وقت الحادثة وقد فحص هذه الحكاية وحللها (شأن عشرات من علماء المشرقيات) فألفاها كما رأوها سخافات مستبعدة ينكرها العقل، وقال أن الرجل الذي ذكر أنه كان أكبر عامل فيها مات قبل غزو العرب بزمن طويل، وإن القصة قد تشير إلى واحدة من خزانتين: الأولى خزانة المتحف، وقد حرقت في حريق قيصر، وإذا لم تتلف كلها كان ضياعها فيما بعد في وقت لا يقل عن أربعمائة عام قبل فتح العرب. وأما الثانية وهي خزانة السرابيوم أما أن تكون تلفت قبل عام ٣٩١، وإما أن تكون قد ضاعت، وعلى كل فقد ضاعت أخبارها قبل فتح العرب بقرنين ونصف قرن، ولو كانت هذه الخزانة باقية عندما عقد قيرس صلحه مع العرب على تسليم الإسكندرية لنقلت الكتب، وقد أبيح ذلك في شروط الصلح الذي يسمح بنقل المتاع والأموال في مدة الهدنة وقدرها أحد عشر شهراً، وإن كتاب القرنين الخامس والسادس لا يذكرون شيئاً عن وجود الخزانة، كذلك كتاب أوائل القرن السابع، وأنه لو صح أن هذه الخزانة قد نقلت أو لو كان العرب قد أتلفوها حقيقة لما أغفل ذلك كاتب من أهل العلم وهو يوحنا النقيوسي، وكان قريب العهد من الفتح، ولما مرّ على ذلك بغير أن يكتب حرفاً الخ وقال المؤلف في الحاشية إنه لم يقصد سوى إثبات الحقيقة، وما قصد الدفاع عن العرب، وليس الدفاع بضروري، ولو كان ضرورياً لما تعذر أن نجد شيئاً يليق الاعتذار به عن ذلك، ولا شك أن العرب عنوا فيما بعد بجمع كثير من الكتب القديمة وغيرها مما وقع في أيديهم، وعنوا بحفظها، وترجموا منها في كثير من الأحوال. قال: وفي الحق أنهم أقاموا مثلاً يجدر بفاتحي هذه الأيام أن يحذوا حذوه، فقد نقل سيديليو في تاريخ العرب العام أن الفرنسيين عندما فتحوا مدينة قسطنطينية في شمال أفريقية أحرقوا كل الكتب والمخطوطات التي وقعت في أيديهم (كأنهم من صميم الهمج)؛ ووجد الإنجليز عند فتح مدينة مجدلة خزانة

стр. 8814

كبرى من الكتب الحبشية فحملوها معهم، ولكنهم لم يلبثوا أن تركوا أكثرها في كنيسة على جانب الطريق إذ وجدوا في حملها عناءً. وقيمة الكتب التي نجت وحفظت تدل على فداحة الخسارة التي لحقت العلم بضياع ما ترك منها أهم بهذا الإنصاف، وهذه العناية، وهذا الجهد، ألف المؤرخ الإنجليزي تاريخ الفتح العربي في مصر، فرسم صورة جميلة، وكان إعجابه بعمرو بن العاص لا يقل عن إعجابنا معاشر العرب به وبأمثاله من الصحابة الفاتحين. وعناية المترجم الفاضل شديدة بتجويد ترجمته على صعوبتها لما حوت من النقول العربية وغيرها من اللغات ليرد الوثائق إلى أصلها؛ وقد وقع له تحريف في بعض الأعلام، ومنها ترجمته اذاسا وهي الرُّها وأطلق عليها الترك (أورفه)؛ ومنها (افيسوس) وهي (إفسس) مدينة في آسيا الصغرى أطلالها قرب أزمير اليوم؛ ومنها (برجاموس) وهي (فرغاموس)، وفي قاموس الجغرافية القديمة للعلامة أحمد زكي باشا أن فرغامس هو الاسم الوارد في كتب العرب للدلالة على مملكة قديمة بآسيا الصغرى اسمها عند الإفرنج ومنه اشتقوا الكلمة التي يطلقونها على الرق (بفتح الراء) أي الجلود المستعملة للكتابة، لأنها أول ما صنعت بهذه المملكة، فيقول الطليانيون والفرنساويون الخ. وقال مدينة (بيرويه) وهي مدينة حلب ذاتها. هذا إلى هنات قليلة لا يكاد يخلو منها كتاب منقول إلى لغتنا من لغة أعجمية. أما الترجمة في مجموعها فيستحق عليها المترجم كل ثناء وشكر - ٢ - أحسن مؤلفا فن الطهي الحديث على الطراز العربي والغربي وضعه. ألفاه بعد أن عانيا صناعة الطبخ بالعمل في مصر وبلاد الغرب سنين طويلة وعملا في قصور الملوك والأمراء وفنادق النبلاء والملآء، فجاء الكتاب نافعاً في بابه لا تستغني عنه ربة دار، ولا طاهٍ يروقه أن يزين خُوانه بشهيّ الألوان، ويتفنن في تلذيذ الآكلين بطعام صحي منوع. جاء الكتاب في ١١٧٠صفحة كبيرة وصفت فيه الأطعمة والحلويات والمتبلات مشفوعة بالمقادير الواجب استعمالها وبصورة وضعها وصنعها بحيث لا يكاد يحتاج من يريد الاقتباس منها إلا إلى قليل من الدقة والعناية حتى يتفنن في طبخ الطعام ويجهز ألواناً رائعة شائقة شكلاً وطعماً. وكنا نتمنى لو دفع المؤلفان كتابهما إلى من يصقل عباراته ويترجم

стр. 8815

أسماء بعض الألوان الإفرنجية بألفاظ عربية تدني مفهومها من ذهن من لا يحسن لغة من اللغات الأجنبية من أبناء العرب وقديماً ألف أجدادنا في هذا الموضوع بما دل على رسوخهم في الرفاهية، وقرأنا في الكتب أن الخليفة الفلاني أو الملك الفلاني كان يقدم على مائدته عشرات بل مئات من ألوان الطعام. والتفنن في الطبخ دليل الحضارة، ولطالما كان بعض الأمراء يرسلون إلى الأقطار البعيدة بعض طهاتهم ليأخذوا عنها صنع أطعمة لا يعرفونها، والمطابخ الإفرنجية اليوم أرقى من المطابخ الشرقية؛ لأن طعامها يطهى على أساليب كيماوية صحية لا نزاع في خفتها وطرافتها. وحضارة الغرب أرقى من حضارة الشرق، اللهم إلا في مسائل يتفرد بها الشرقيون فليس البحث في الأكل الجيد إذاً بالذي يعد انحطاطاً، ونحن لو أنعمنا النظر لا نفسر هذا الجدال القائم بين البشر اليوم وقبل اليوم وبعد اليوم إلا على الرفاهية، وما فلسفة الأمم إلا فلسفة خبز في الواقع. ودعوى خدمة المدنية والإنسانية صورة مبهرجة يراد بها غير ما تعطي ظواهرها. والأمة التي يكثر خبزها وتتلون أطعمة المتوسطين والموسرين فيها هي أمة راقية سعيدة، والعرب الذين عهدنا لهم تلك الخشونة في المطعم لما فتحوا الممالك وخرجوا من جزيرتهم أغرقوا في التنطع والتنوّق إغراق غيرهم من الأمم محمد كرد على

стр. 8816

العدد ١٠٧ - بتاريخ: ٢٢ - ٠٧ - ١٩٣٥

стр. 8817

محمد حافظ إبراهيم بمناسبة ذكراه الثالثة كان الجيل الماضي بمصر لا يزال يعيش على بقايا تخلفت من تقاليدنا الجميلة في الجماعات والأسر، فالناس يجرون على أثر من خلال الفتوة، يرتاحون للندى، ويتنافسون في العرف، ويهتزون للبطولة، ويطربون للبيان، ويجيزون على الشعر؛ و (مناظر) الدور وأبهاء القصور تأخذ في كل مساء زخرفها من أهل الأدب ورجال السياسة وأصحاب الجاه وأرباب الحكم؛ وكان مدار الحديث فيها على النكتة البارعة، والخبر الطريف، والمسألة الدقيقة، والبلاغة المأثورة، يتساقطها السامرون على محض المودة ووثوق الألفة، فتفتق الذهن، وتصقل الذوق، وتوجه الميل، وتنيل الحظوة؛ وكانت المواهب والملكات تتفتح في جوانب هذه الأندية فتدل على نفسها أهلَ النفوذ فيُشبلون عليها حتى تزهر وتثمر؛ وكانت النهضة الأدبية والحركة الفكرية يومئذ في طور الانتعاش، تتحركان للنمو والسمو على نفحات المرصفي والبارودي والأفغاني وعبده وسلمان وحمزة والشنقيطي واليازجي والمويلحي ونديم وسعد وفحتي ومصطفى وقاسم؛ فالمجالس تُشيع جر الكلام، والصحف تذيع بارع النقد، والخديويون يتخذون من الأدباء ندامى، ومن الشعراء بطانة، حتى قر في نفس حافظ وأنداده من ناشئ الشباب الطامحين أن الأدب كان سبيل الثراء (لليثي)، وسبب المجد (لسامي)، ووسيلة الزلفي (لشوقي)، فتجهز لهذه الغاية بجهاز هذه البيئة، فروى رقائق الشعر، وجمع مقطعات الحديث، وراض نفسه على معاناة القريض. كان عمر حافظ سنتين حين توفى أبوه فقيراً في (ديروط)، فنشأ في مهد اليُتم والعُدم لا يجد حانياً غير أمه، ولا كافياً غير خاله، فجاز مرحلة التعليم الابتدائي في ضيق وشدة، ثم قضى بضع سنين في طنطا متبطلاً يُزَجِّى فراغه بالقراءة ويدفع ملاله بالقريض، ولم يستطع خاله لسبب ما أن يجلو عنه غمة البائس، وذلة اليتيم، فكان لا يفتأ متبرماً بالعيش، متأففاً من الناس، متجنياً على القدر، لا ينشئ الشعر إلا في ذاك؛ ثم دفعته الحاجة إلى مكاتب المحامين - وكانت يومئذ مفتحة الأبواب لكل داخل - فتبلغ من العمل بها حيناً، حتى أسعفته الفرص فدخل المدرسة الحربية، وهي مطمح بصره وحديث أمانيه؛ ثم خرج منها ضابطاً إلى السودان ليشهد صلف الإنجليز وضراعة المصريين، فيثور مع إخوانه الضباط

стр. 8818

على جور المحتل وفضول الدخيل، فينفى فيمن نفي من السودان والجيش. عاد حافظ كما كان يضطرب في الحياة النابية المبهمة، لا يستريض لعمل، ولا يستقر على أمر، ولا يتشوف إلى غاية، لأن طفولته الشاردة المهملة طبعته على الكسل والملل والتشاؤم والوحشة؛ ولأن عقيدته التقليدية الخاطئة أن الشعر وحده يشغل الحياة، ويبسط الرزق، ويكسب الحقوق، أحيته على نمط مسلم ابن الوليد وأبي نواس وأضرابهما، ممن عاشوا صنائع للملوك، وحمائل على الجوائز، ووسائل للهو؛ فأبى الوظيفة وهي على حبل ذراعه، وآثر أن يعيش في ظلال الإمام محمد عبدة ينتفع بجاهه ويفئ إلى رفده، ويغشى مع ذلك أبهاء النعمة يسامر أهلها بعذل حديثه، وينادمهم برقيق شعره، ثم يتطلع الحين بعد الحين إلى صلات القصر فيحجبه عنها شاعر الأمير بحوله وقوله. ومن أدب الشعراء الكاسبين بالشعر أن ينفقوا إلى حد السفه إذا عاشوا في الحاضر كصريع الغواني وابن هاني، وأن يمسكوا إلى حد الكزازة إذا عاشوا في المستقبل كأبي العتاهية والبحتري، ومن الأولين كان حافظ! تمتلئ يداه بالمال اليوم فيعتريه حال من البرم والقلق لا تنفك عنه حتى كله قبل الغد على إخوانه الكثيرين من طرائد البؤس وصرعى الأدب، ثم يطارحهم بعد ذلك على مقاعد القهوة الشعر الباكي في لؤم الزمان، وظلم الإنسان، وشقاء الأديب. قطع حافظ مراحل عمره على هذا المنهج البوهيمي لا يدخل في نظام، ولا يصبر على جهد، ولا يرغب في عمل، ولا يطمئن إلى تبعة، وإنما يضطرب نهاره من قهوة إلى قهوة، ويتقلب ليله من مجلس إلى مجلس؛ وأينما كان كان الأنس الشامل، والظرف الناصع، والأدب الغض، والحديث المشقق الذي يمتزج بالروح، ويغمر بالنشوة جوانب النفس. تقوضت أسرة حافظ وهو في المهد، فشب وحشي الطبع معري الغريزة لا يتضح في نفسه معنى البيت، ولا يجري في حسه شعور الأسرة؛ ثم وقفت به قناعته الشاعرة عند الخد القريب من معالجة الأدب، فقصر جهده على صوغ الشعر في المناسبات، وجمع النوادر للسمر، حتى بلغ من ذلك مكاناً لا يتعلق به درك. ولكنه حين أريد على ترجمة البؤساء، وكتاب الأخلاق، ووكالة دار الكتب، أدركته علة النشأة، فقعدت به عن التمام، وخذلته عن الاحادة، وشلته عن العمل. . .

стр. 8819

(للكلام بقية) أحمد حسن الزيات

стр. 8820

كفر الذبابة. . . للأستاذ مصطفى صادق الرافعي قال كليلة وهو يعظ دمنة ويحذره ويقضي حق الله فيه؛ وكان دمنةُ قد داخله الغرور وزهاه النصر، وظهر منه الجفاء والغلظة، ولقى الثعالب من زيغه وإلحاده عنتاً شديداً: . . . وأعلم يا دمنة أن ما زعمته من رأيك تاماً لا يعتريه النقص، هو بعينه الناقص الذي لم يتم، والغرور الذي تثبت به أن رأيك صحيح دون الآراء، لعله هو الذي يثبت أن غير رأيك في الآراء هو الصحيح. ولو كان الأمر على ما يتخيل كل ذي خيال لصدق كل إنسان فيما يزعم، ولو صدق كل إنسان لكذب كل إنسان؛ وإنما يدفع الله الناس بعضهم ببعض، ليجيء حق الجميع من الجميع، ويبقى الصغير من الخطأ صغيراً فلا يكبر، ويثبت الكبير من الصواب على موضعه فلا ينتقص، ويصح الصحيح ما دامت الشهادة له، ويفسد الفاسد ما دامت الشهادة عليه، وما مثل هذا إلا مثل الأرنب والعلماء. قال دمنة وكيف كان ذلك؟ قال: زعموا أن أربناً سمعت العلماء يتكلمون في مصير هذه الدنيا، ومتى يتأذن الله بإنقراضها، وكيف تكون القارعة؛ فقالوا: إن في النجوم نجوماً مذنبة لو ألتف ذنب أحدها على جرم أرضنا هذه لطارت هواء كأنها نفخة النافخ، بل أضعف منها كأنها زفرة صدر مريض. فقالت الأرنب: ما أجهلكم أيها العلماء! قد والله خرفتم وتكذبتهم، ولا تزال الأرض بخير مع ذوات الأذناب، والدليل على جهلكم هذا -، قالوا: وأرتهم ذنبها. . .! قال كليلة: وكم من مغرور ينزل نفسه من الأنبياء منزلة هذه الأرنب من أولئك العلماء؛ فيقول: (كذبوا وصدقت أنا، وأخطأوا جميعاً وأصبت، والتبس عليهم وانكشف لي، وهم زعموا وأنا المستيقن). ثم لا دليل له إلا مثل دليل الأرنب الخرقاء من هنة تتحرك في ذنبها. وكان يقال: إنه لا يجاهر بالكفر في قوم إلا رجل هان عليهم فلم يعبأوا به؛ فهو الأذل المستضعف؛ أو رجل هانوا عليه فلم يعبأ بهم، فهو الأعز الطاغية. ذاك لا يخشونه فيدعونه لنفسه وعليه شهادة حمقه، وهذا يخشونه فيتركون معارضته وعليه شهادة ظلمه؛ وما شر من هذا إلا هذا. وقالت العلماء: إن كنت حاكماً تشنق من يخالفك في الرأي، فليس

стр. 8821

في رأسك إلا عقل اسمه الحبل؛ وإن كنت تقتل من ينكر عليك الخطأ، فليس لك إلا عقل اسمه الحديد؛ وإن كنت تحبس من يعارضك بالنظر، ففيك عقل اسمه الجدار. أما إن كنت تناظر وتجادل، وتُقنع وتقتنع، وتدعو الناس على بصيرة، ولا تأخذهم بالعمى - ففيك العقل الذي اسمه العقل. قال كليلة: وأنا يا دمنة، فلو كنت قائداً مطاعاً، وأميراً متبعاً، لا يعصى لي أمر، ولا يرد عليّ رأي، ولا ينكر مني ما ينكر من المخلوق إذا أخطأ، ولا يقال لي دائماً إلا إحدى الكلمتين: أصبت أصبت؛ ولا يلقاني أحد من قومي بالكلمة الأخرى، رهبة من سخطي رهبة الجبناء، أو رغبة في رضاي رغبة المنافقين، وزعموا أنهم على ذلك قد خلص لي باطنهم جميعاً، وصحت نياتهم كلها - فلو كنت وكانوا على هذا، لأحالني نقصهم إلى نقص العقل بعد كماله، وردتني فسولتهم إلى فسولة الرأي بعد جودته، فأخلق بي أن أعتبر وضعهم إياي في موضع الآلهة هو إنزالهم إياي في منزلة الشياطين، وإلا كنت حقيقاً أن يصيبني ما أصاب العنز التي زعموا لها إنها أنثى الفيل. . . قال دمنة: وكيف كان ذلك؟ قال: زعموا أنه كان في إحدى خرائب الهند جماعة من العظاء، وكان فيها عضرفوط كبير فملكته الجماعة وذهبت تأتمر عن أمره وتنتهي. فمر بهذه الخربة فيل جسيم من الفيلة، لم يحس بالعظاء، ولم يميز فرقاً بين هذه الأمة وبين الحصى منثوراً يلتمع في الأرض هنا وهنا؛ فنظر العضرفوط كيف يصنع به، وكان قائداً عظيماً، ثم تدبر أمر الفيل، فرآه لا يتحرك إلا بأقدامه ينقلها واحدةً واحدة؛ فقدر عند نفسه أنه لو أزال قدم الفيل عن الأرض زال الفيل نفسه؛ فجاء فاعترض الطريق، ودب دبيبه إلى قدم الفيل؛ فلما رفع الفيل قدمه أهتبل هذه الغفلة منه. . . واندس تحتها، فأندس مقبوراً في التراب! ثم إن العظاء افتقدت أميرها. فلما مضى الفيل لسبيله، ورأت ما نزل بها نفرت إلى أحجارها وإستكنت فيها ترتقب وترربص؛ فدخلت إلى الخربة عنز جعلت تتقمم منها وترتع فيها، ورأتها العظاء فاجتمعن يأتمرن. . فقال منها قائل: هذه أنثى الفيل. فسألت عظاية منهن: وأين النابان العظيمان؟ قالت الأولى: إن الإناث دون الذكورة في خلقها، والأنثى هي الذكر مقلوباً أو مختصراً أو

стр. 8822

مشوهاً، ولذلك هن يقبلن الحياة أو يختصرنها أو يشوهنها. أفلا ترين النابين العظيمين البارزين في ذلك الفيل الجسيم، كيف نبتا صغيرين منقلبين فوق رأس أنثاه؟ فقالت واحدة: إن جاز قولك في الرأي فأين الخرطوم؟ قالت الأخرى: هو هذه الزَّنمة المتدلية من حلقها، وهو خرطوم على قدر أنوثة الأنثى. . . .! قالوا؛ ثم اجتمع رأيهن على أن يملكن أنثى الفيل هذه؛ وان يهبن لها الخربة وأمتها. وسمعت الماعزة كلامهن فقالت: لا جرم أن تكون العنز فيلة في أمة من العظاء، فقد قالت العلماء: إنه لا كبير إلا بصغير، ولا قوي إلا بضعيف، ولا طاغية إلا بذليل؛ وان العظمة أن هي شهادة الحقارة على نفسها، وانه رب عظيم طاغية متجبر ما قام في الناس إلا كما تقوم الحيلة، ولا عاش إلا كما يعيش الكذب، ولا حكم إلا كما يحكم الخداع. وهذه الدنيا للمحظوظ كأنها دنيا له وحده، فحتى جاءت إليه فقد جاءت، وإذا أدبرت عنه من ناحية رجعت من ناحية اخرى، ليثبت الحظ انه الحظ. وتقدم العظاء إلى العنز فقلن لها: أيتها الفيلة العظيمة، إن قرينك العظيم قد مس أميرنا العضرفوط بقدمه فغيبه تحت سبع ارضين، واننا قد اخترناك ملكة علينا، ووهبنا لك الحربة وما فيها. قالت العنز: فإني أتهب منكن هذه الهبة، ونعماً صنعتن؛ غير أن بينكن وبيني ما بين العظاية والفيل، وما بين الحصاة والجبل؛ فإذا أنا قلت؛ وإذا أنا أمرت، فأنا أمرت؛ وإذا أنا فعلت، فأنا فعلت. هنا في هذه الأمة كلها (أنا) واحدة ليس معها غيرها؛ لأنه هاهنا في هذا الرأس دماغ فيلة، وفي هذا الجسم قوة فيلة، وفي الخربة كلها فيلة واحدة؛ فلا اعر فن منكن على الصواب والخطأ إلا الطاعة، طاعة الأعمى للبصير. إلا وان أول الحقائق أنني فيلة وإنكن عظاء؛ ومتى بدأ اليقين من هنا سقط الخلاف من بيننا وبطل الاعتراض منكن، وقوتي حق لأنها قوة، وباطلي كذلك حق لأنه من قوتي؛ وقد قال حكماء الفيلة: إن القوي بين الضعفاء مشيئة مطلقة، فهو مصلح حتى بالافساد، حكم حتى بالحماقة، أمام حتى بالخرافة، عالم حتى بالجهالة، نبي حتى بالشعوذة. . . . .! قالوا؛ وتنكر عليها عظاية صالحة عالمة كانت ذات رأي ودين في قومها، وكن يسمينها:

стр. 8823

(العمامة)، لبياضها وصلاحها وطهارتها، فقالت: ولا كل هذا أيتها الفيلة؛ لقد تخرصت غير الحق فانك تحكمينا من أجلنا لا من اجلك، وما قولك إلا كلمات لا يحققها إلا أعمالنا نحن؛ فلك الطاعة فيما يصلحنا لا فيما يفسدنا، ورأيك شيء ينبغي أن تكون معه اراونا، لتتبين الأسباب أسباب الموافقة والمخالفة، فنأخذ عن بينه ونترك عن بينه؛ وقد كان يقال في قديم الحكمة: انه يجب على من يقدم رأياً للامة الحازمة كي تأخذ به، أو يضع لها شرعاً ليحملها عليه، أو يسن لها سنة لتتبعها - يجب على هذا المتقدم لتحويل الأمة وتحريرها أن يتقدم لأهل الشورى وفي راسة الرأي، وفي عنقه حبل؛ ثم يتكلم برأيه ويبسطه ويدفع عنه، ويجادله ويجادلونه؛ فان كان الرأي حقاً اخذوا الرأي، وان كان بطلاً اخذوا الحبل فشنقوا فيه هذا المتهور. وفي ديننا أن الطاعة في المعصية معصية أخرى؛ ولقد كان لنا عضرفوط بحاثة في الأديان دراسة لكتبها؛ فكان مما علمنا إن المخلوق مبني على النقص إذ هو ماضٍ إلى الفناء، فيجب إلا يتم منه شيء إلا بمقدار، وألا تكون القوة فيه إلا بمقدار؛ ولهذا كان العقل التام في الأرض هو مجموع العقول كلها، وكان أتم الآراء وأصحها ما أثبتت الآراء نفسها أنها أصحها وأتمها. فلا الدين أتبعت أيها الفيلة ولا أتبعت فينا العقل. فلما سمعت العنز ذلك تنفشت وغضبت، وقالت: إياكم وهذه الترهات من ألسنتكم، وهذه الأباطيل في عقولكم؛ لا اسمعن منكم كلمة الدين ولا كلمة الأنبياء ولا العضافيظ. . . فذلك وحي غير وحي أنا؛ وإذا كان غير وحيي أنا فأنا لست فيه، وإذا لم أكن أنا فيه فهو لا يصلح للحكم الذي شرطه أن الدولة ليس فيها إلا أنا واحدة. وذلك إن لم يجعلكم غرباء عني جعلني غريبة عنكم، ما بد من إحدى الغربتين، فهو أول القطيعة، والقطيعة أول الفساد. وما دام في الدين أمر غير أمري، ونهي غير نهيي، وتحليل وتحريم لا يتغيران على مشيئتي - فأنا مجنونة إن رضيت لكم هذا. . .! فضحكت (العمامة) وقالت للماعزة: بل قولي: أنا مجنونة بـ. . . أنا. أفلا يجوز وأنت خلق من الخلق أن يعتري عقلك شيء مما يعتري العقول؟ ولسنا ننكر أنك قوية الرأي في ناحية القوة، حسنة التدبير في ناحية الشجاعة، متجاوزة المقدار في ناحية الحزم والحرص على مصالح الدولة؛ ولكن ألم يقل الحكماء: إن الزيادة المسرفة في جهة من العقل تأتي من

стр. 8824

النقص المتحيف لجهة أخرى، وإنه رب عقل كان تاماً عبقرياً في أمور لأنه ضعيف أبله في غيرها؛ يُحسن في تلك ما لا يُحسنه أحد، ويُحكم منها ما لا يُحكمه أحد؛ ثم يغلط في الأخرى ما لا يغلط أحد فيه؟ قالوا؛ فجاشت العنز وفارت من الغضب فورة الجبار، وخيل إليها من عمى الغيظ أنها ذهبت بين الأرض والسماء، وأن زنمتها أمتد منها خرطوم طويل، وأن قرنيها أنبعج منهما نابان عظيمان؛ وقالت: ويحكم! خذوا هذه (العمامة) فاشنقوها؛ فأنها كما قالت؛ تقدمت إلينا بالرأي والحبل. . .! وكان في العظاء ضعاف ومهازيل وجبناء ومأكولون لكل آكل؛ فتشبح لهم أن أنثى الفيل هذه. . . ستخلقهم فيلة إن هم أطاعوها؛ فإذا مردوا عليها فأنها من صرامة البأس بحيث تجعل كل ظلف من أظلافها جبلاً فوقهم كأنه ظله فتسوخ بهم الأرض. ثم أنهم إنخزلوا وتراجعوا وأخذت (العمامة) الصالحة فشنقت، وخمد الرأي من بعدها وانقطع الخلاف والدين والعقل الحر. . .؛ وأقبلت دولة العظاء على العنز تجرر أذيالها. . . قالوا؛ واغترت الماعزة وأحست لها وجوداً لم يكن، وعرفت لنفسها وهي ماعزة نباهة شأن الفيل القوي، فلجت في عمايتها وكفرت بجنسها، وقالت: لم يخلقني الله فيلةً وخلقت نفسي؛ فأنا لا هو. . . وثبت عندها أنها ليست بعنزٍ وإن أشبهتها كل عنز في الدنيا؛ وذهبت تقلد وتعيش على مذاهب الفيلة بين العظاء؛ فإذا مشت إرتجَّت وتخطَّرت كأنها بناء يتقلقل، وإذا إضطجعت أنذرت الأرض أن تتمسك لا تدكها بجنبها. . .! ومر ذلك الفيل بهذا الخراب مرةً أخرى، فلاذت العظاء كلهن بالفيلة. . . وتأهبت هذه للقتال وتحصفت في المبارزة والمناجزة. . . والمعانزة فنصبت قرنيها، وحركت زنمتها، وطأطأت، وشدت أظلافها في الأرض، وثبتت قوائمها، وصلبت عظامها، ونفشت شعرها، وتشوكت كالقنفذ، وأصرت بكل ذلك إصرارها؛ وكانت عنزاً نطيحة منذ كانت تتبع أمها وتتلوها، فكيف بها وقد تفيلت. . . .؟ ثم إنها ثبتت في طريق الفيل ليرى بعينه هذا الهول الهائل. . . فأقبل، فمد خرطومه، فنالها به، فلفها فيه، فقبضه، فرفعه، فطوحها، فكأنما ذهبت في السماء. . .!

стр. 8825

وتهاربت العظاء ولذن بأجحارهن، ثم غدون على رزقهن فإذا جيفة العنز غير بعيد، فذببن عليها وإرتعين فيها وعلمن أنها كانت ماعزة فيلها جنونها، وأدركن أن الكذب على الحقائق قد جعل الله له حقائق أخرى تقتله، وأن من غلب أمة العظاء على أمرها فليست الأيام والليالي عظاء فيغلبها؛ وأن تغيير المخلوقات إنما يكون بتحويل باطنها لا بتحويل ظاهرها، وإن الإناء الأحر يريك الماء مُحمراً والماء في نفسه لا حمرة فيه، حتى إذا انكسر الإناء ظهر كما هو في نفسه؛ وكل ما يخفي الحق هو كهذا الإناء: لون على الحق لا فيه؛ ثم أيقن أن محاولة إخراج أمةٍ كاملة من نزعات ماعزةٍ مأفونة، هي كمحاولة إستيلاد الفيل من الماعزة. . .! قال كليلة: وأعلم يا دمنة، انه لولا أن هذه العنز الحمقاء قد كفرت كفر الذبابة لما أخذها الله أخذ الذبابة. قال دمنة: وكيف كان ذلك؟ قال: زعموا أن ذبابة سوداء كانت من حمقى الذبان، قُدرت الحماقة عليها أبدية، فلو انقلبت نقطة حبر لما كُتبتْ بها إلا كلمة سُخف. ووقعت هذه الذبابة على وجه امرأة زنجية ضخمة، فجعلت تقابل بين نفسها وبين المرأة؛ وقالت: إن هذا لمن أدل الدليل على إن العالم فوضى لا نظام فيه، وإنه مرسل كيف يتفق على ما يتفق عبثاً في عبث، ولا ريب إن الأنبياء قد كذبوا الناس؛ إذ كيف يستوي في الحكمة خلقي (أنا) وخلق هذه الذبابة الضخمة التي أنا فوقها. . .؟ ثم نظرت ليلةً في السماء، فأبصرت نجومها يتلألأن وبينها القمر؛ فقالت: وهذا دليل آخر على ما تحقق عندي من فوضي العالم وكذب الأديان وعبث المصادفات؛ فما الإيمان بعينه، إلا الإلحاد بعينه، ووضع العقل في شيء هو إيجاد الألوهية فيه، وإلا فكيف يستوي في الحكمة وضعي (أنا) ورفع هذا الذبان الأبيض ويعسوبه الكبير إلى السماء. . .؟ ثم إنها وقعت في دار فلاح، فجعلت تمور فيها ذهاباً وجيئة حتى رجعت بقرة الفلاح من مرعاها؛ فبهتت الذبابة وجمدت على غرتها من أول النهار إلى آخره، كأنها تزاول عملاً؛ فلما أمست قالت: وهذا دليل أكبر الدليل على فوضى الأرزاق في الدنيا، فهاتان ذبابتان قد ثقبتا ثقبين في وجه هذه البقرة واكتفتا فيها تأكلان من شحمها فتعظمان سمها؛ والناس من
следующие страницы →