Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8821–8860 · переход к 8826.
стр. 8821
في رأسك إلا عقل اسمه الحبل؛ وإن كنت تقتل من ينكر عليك الخطأ، فليس لك إلا عقل اسمه الحديد؛ وإن كنت تحبس من يعارضك بالنظر، ففيك عقل اسمه الجدار. أما إن كنت تناظر وتجادل، وتُقنع وتقتنع، وتدعو الناس على بصيرة، ولا تأخذهم بالعمى - ففيك العقل الذي اسمه العقل.
قال كليلة: وأنا يا دمنة، فلو كنت قائداً مطاعاً، وأميراً متبعاً، لا يعصى لي أمر، ولا يرد عليّ رأي، ولا ينكر مني ما ينكر من المخلوق إذا أخطأ، ولا يقال لي دائماً إلا إحدى الكلمتين: أصبت أصبت؛ ولا يلقاني أحد من قومي بالكلمة الأخرى، رهبة من سخطي رهبة الجبناء، أو رغبة في رضاي رغبة المنافقين، وزعموا أنهم على ذلك قد خلص لي باطنهم جميعاً، وصحت نياتهم كلها - فلو كنت وكانوا على هذا، لأحالني نقصهم إلى نقص العقل بعد كماله، وردتني فسولتهم إلى فسولة الرأي بعد جودته، فأخلق بي أن أعتبر وضعهم إياي في موضع الآلهة هو إنزالهم إياي في منزلة الشياطين، وإلا كنت حقيقاً أن يصيبني ما أصاب العنز التي زعموا لها إنها أنثى الفيل. . .
قال دمنة: وكيف كان ذلك؟
قال: زعموا أنه كان في إحدى خرائب الهند جماعة من العظاء، وكان فيها عضرفوط كبير فملكته الجماعة وذهبت تأتمر عن أمره وتنتهي. فمر بهذه الخربة فيل جسيم من الفيلة، لم يحس بالعظاء، ولم يميز فرقاً بين هذه الأمة وبين الحصى منثوراً يلتمع في الأرض هنا وهنا؛ فنظر العضرفوط كيف يصنع به، وكان قائداً عظيماً، ثم تدبر أمر الفيل، فرآه لا يتحرك إلا بأقدامه ينقلها واحدةً واحدة؛ فقدر عند نفسه أنه لو أزال قدم الفيل عن الأرض زال الفيل نفسه؛ فجاء فاعترض الطريق، ودب دبيبه إلى قدم الفيل؛ فلما رفع الفيل قدمه أهتبل هذه الغفلة منه. . . واندس تحتها، فأندس مقبوراً في التراب! ثم إن العظاء افتقدت أميرها. فلما مضى الفيل لسبيله، ورأت ما نزل بها نفرت إلى أحجارها وإستكنت فيها ترتقب وترربص؛ فدخلت إلى الخربة عنز جعلت تتقمم منها وترتع فيها، ورأتها العظاء فاجتمعن يأتمرن. .
فقال منها قائل: هذه أنثى الفيل. فسألت عظاية منهن: وأين النابان العظيمان؟
قالت الأولى: إن الإناث دون الذكورة في خلقها، والأنثى هي الذكر مقلوباً أو مختصراً أو
стр. 8822
مشوهاً، ولذلك هن يقبلن الحياة أو يختصرنها أو يشوهنها. أفلا ترين النابين العظيمين البارزين في ذلك الفيل الجسيم، كيف نبتا صغيرين منقلبين فوق رأس أنثاه؟
فقالت واحدة: إن جاز قولك في الرأي فأين الخرطوم؟
قالت الأخرى: هو هذه الزَّنمة المتدلية من حلقها، وهو خرطوم على قدر أنوثة الأنثى. . . .!
قالوا؛ ثم اجتمع رأيهن على أن يملكن أنثى الفيل هذه؛ وان يهبن لها الخربة وأمتها. وسمعت الماعزة كلامهن فقالت: لا جرم أن تكون العنز فيلة في أمة من العظاء، فقد قالت العلماء: إنه لا كبير إلا بصغير، ولا قوي إلا بضعيف، ولا طاغية إلا بذليل؛ وان العظمة أن هي شهادة الحقارة على نفسها، وانه رب عظيم طاغية متجبر ما قام في الناس إلا كما تقوم الحيلة، ولا عاش إلا كما يعيش الكذب، ولا حكم إلا كما يحكم الخداع. وهذه الدنيا للمحظوظ كأنها دنيا له وحده، فحتى جاءت إليه فقد جاءت، وإذا أدبرت عنه من ناحية رجعت من ناحية اخرى، ليثبت الحظ انه الحظ.
وتقدم العظاء إلى العنز فقلن لها: أيتها الفيلة العظيمة، إن قرينك العظيم قد مس أميرنا العضرفوط بقدمه فغيبه تحت سبع ارضين، واننا قد اخترناك ملكة علينا، ووهبنا لك الحربة وما فيها.
قالت العنز: فإني أتهب منكن هذه الهبة، ونعماً صنعتن؛ غير أن بينكن وبيني ما بين العظاية والفيل، وما بين الحصاة والجبل؛ فإذا أنا قلت؛ وإذا أنا أمرت، فأنا أمرت؛ وإذا أنا فعلت، فأنا فعلت. هنا في هذه الأمة كلها (أنا) واحدة ليس معها غيرها؛ لأنه هاهنا في هذا الرأس دماغ فيلة، وفي هذا الجسم قوة فيلة، وفي الخربة كلها فيلة واحدة؛ فلا اعر فن منكن على الصواب والخطأ إلا الطاعة، طاعة الأعمى للبصير. إلا وان أول الحقائق أنني فيلة وإنكن عظاء؛ ومتى بدأ اليقين من هنا سقط الخلاف من بيننا وبطل الاعتراض منكن، وقوتي حق لأنها قوة، وباطلي كذلك حق لأنه من قوتي؛ وقد قال حكماء الفيلة: إن القوي بين الضعفاء مشيئة مطلقة، فهو مصلح حتى بالافساد، حكم حتى بالحماقة، أمام حتى بالخرافة، عالم حتى بالجهالة، نبي حتى بالشعوذة. . . . .!
قالوا؛ وتنكر عليها عظاية صالحة عالمة كانت ذات رأي ودين في قومها، وكن يسمينها:
стр. 8823
(العمامة)، لبياضها وصلاحها وطهارتها، فقالت: ولا كل هذا أيتها الفيلة؛ لقد تخرصت غير الحق فانك تحكمينا من أجلنا لا من اجلك، وما قولك إلا كلمات لا يحققها إلا أعمالنا نحن؛ فلك الطاعة فيما يصلحنا لا فيما يفسدنا، ورأيك شيء ينبغي أن تكون معه اراونا، لتتبين الأسباب أسباب الموافقة والمخالفة، فنأخذ عن بينه ونترك عن بينه؛ وقد كان يقال في قديم الحكمة: انه يجب على من يقدم رأياً للامة الحازمة كي تأخذ به، أو يضع لها شرعاً ليحملها عليه، أو يسن لها سنة لتتبعها - يجب على هذا المتقدم لتحويل الأمة وتحريرها أن يتقدم لأهل الشورى وفي راسة الرأي، وفي عنقه حبل؛ ثم يتكلم برأيه ويبسطه ويدفع عنه، ويجادله ويجادلونه؛ فان كان الرأي حقاً اخذوا الرأي، وان كان بطلاً اخذوا الحبل فشنقوا فيه هذا المتهور.
وفي ديننا أن الطاعة في المعصية معصية أخرى؛ ولقد كان لنا عضرفوط بحاثة في الأديان دراسة لكتبها؛ فكان مما علمنا إن المخلوق مبني على النقص إذ هو ماضٍ إلى الفناء، فيجب إلا يتم منه شيء إلا بمقدار، وألا تكون القوة فيه إلا بمقدار؛ ولهذا كان العقل التام في الأرض هو مجموع العقول كلها، وكان أتم الآراء وأصحها ما أثبتت الآراء نفسها أنها أصحها وأتمها. فلا الدين أتبعت أيها الفيلة ولا أتبعت فينا العقل.
فلما سمعت العنز ذلك تنفشت وغضبت، وقالت: إياكم وهذه الترهات من ألسنتكم، وهذه الأباطيل في عقولكم؛ لا اسمعن منكم كلمة الدين ولا كلمة الأنبياء ولا العضافيظ. . . فذلك وحي غير وحي أنا؛ وإذا كان غير وحيي أنا فأنا لست فيه، وإذا لم أكن أنا فيه فهو لا يصلح للحكم الذي شرطه أن الدولة ليس فيها إلا أنا واحدة. وذلك إن لم يجعلكم غرباء عني جعلني غريبة عنكم، ما بد من إحدى الغربتين، فهو أول القطيعة، والقطيعة أول الفساد. وما دام في الدين أمر غير أمري، ونهي غير نهيي، وتحليل وتحريم لا يتغيران على مشيئتي - فأنا مجنونة إن رضيت لكم هذا. . .!
فضحكت (العمامة) وقالت للماعزة: بل قولي: أنا مجنونة بـ. . . أنا. أفلا يجوز وأنت خلق من الخلق أن يعتري عقلك شيء مما يعتري العقول؟ ولسنا ننكر أنك قوية الرأي في ناحية القوة، حسنة التدبير في ناحية الشجاعة، متجاوزة المقدار في ناحية الحزم والحرص على مصالح الدولة؛ ولكن ألم يقل الحكماء: إن الزيادة المسرفة في جهة من العقل تأتي من
стр. 8824
النقص المتحيف لجهة أخرى، وإنه رب عقل كان تاماً عبقرياً في أمور لأنه ضعيف أبله في غيرها؛ يُحسن في تلك ما لا يُحسنه أحد، ويُحكم منها ما لا يُحكمه أحد؛ ثم يغلط في الأخرى ما لا يغلط أحد فيه؟
قالوا؛ فجاشت العنز وفارت من الغضب فورة الجبار، وخيل إليها من عمى الغيظ أنها ذهبت بين الأرض والسماء، وأن زنمتها أمتد منها خرطوم طويل، وأن قرنيها أنبعج منهما نابان عظيمان؛ وقالت: ويحكم! خذوا هذه (العمامة) فاشنقوها؛ فأنها كما قالت؛ تقدمت إلينا بالرأي والحبل. . .!
وكان في العظاء ضعاف ومهازيل وجبناء ومأكولون لكل آكل؛ فتشبح لهم أن أنثى الفيل هذه. . . ستخلقهم فيلة إن هم أطاعوها؛ فإذا مردوا عليها فأنها من صرامة البأس بحيث تجعل كل ظلف من أظلافها جبلاً فوقهم كأنه ظله فتسوخ بهم الأرض. ثم أنهم إنخزلوا وتراجعوا وأخذت (العمامة) الصالحة فشنقت، وخمد الرأي من بعدها وانقطع الخلاف والدين والعقل الحر. . .؛ وأقبلت دولة العظاء على العنز تجرر أذيالها. . .
قالوا؛ واغترت الماعزة وأحست لها وجوداً لم يكن، وعرفت لنفسها وهي ماعزة نباهة شأن الفيل القوي، فلجت في عمايتها وكفرت بجنسها، وقالت: لم يخلقني الله فيلةً وخلقت نفسي؛ فأنا لا هو. . .
وثبت عندها أنها ليست بعنزٍ وإن أشبهتها كل عنز في الدنيا؛ وذهبت تقلد وتعيش على مذاهب الفيلة بين العظاء؛ فإذا مشت إرتجَّت وتخطَّرت كأنها بناء يتقلقل، وإذا إضطجعت أنذرت الأرض أن تتمسك لا تدكها بجنبها. . .!
ومر ذلك الفيل بهذا الخراب مرةً أخرى، فلاذت العظاء كلهن بالفيلة. . . وتأهبت هذه للقتال وتحصفت في المبارزة والمناجزة. . . والمعانزة فنصبت قرنيها، وحركت زنمتها، وطأطأت، وشدت أظلافها في الأرض، وثبتت قوائمها، وصلبت عظامها، ونفشت شعرها، وتشوكت كالقنفذ، وأصرت بكل ذلك إصرارها؛ وكانت عنزاً نطيحة منذ كانت تتبع أمها وتتلوها، فكيف بها وقد تفيلت. . . .؟
ثم إنها ثبتت في طريق الفيل ليرى بعينه هذا الهول الهائل. . . فأقبل، فمد خرطومه، فنالها به، فلفها فيه، فقبضه، فرفعه، فطوحها، فكأنما ذهبت في السماء. . .!
стр. 8825
وتهاربت العظاء ولذن بأجحارهن، ثم غدون على رزقهن فإذا جيفة العنز غير بعيد، فذببن عليها وإرتعين فيها وعلمن أنها كانت ماعزة فيلها جنونها، وأدركن أن الكذب على الحقائق قد جعل الله له حقائق أخرى تقتله، وأن من غلب أمة العظاء على أمرها فليست الأيام والليالي عظاء فيغلبها؛ وأن تغيير المخلوقات إنما يكون بتحويل باطنها لا بتحويل ظاهرها، وإن الإناء الأحر يريك الماء مُحمراً والماء في نفسه لا حمرة فيه، حتى إذا انكسر الإناء ظهر كما هو في نفسه؛ وكل ما يخفي الحق هو كهذا الإناء: لون على الحق لا فيه؛ ثم أيقن أن محاولة إخراج أمةٍ كاملة من نزعات ماعزةٍ مأفونة، هي كمحاولة إستيلاد الفيل من الماعزة. . .!
قال كليلة: وأعلم يا دمنة، انه لولا أن هذه العنز الحمقاء قد كفرت كفر الذبابة لما أخذها الله أخذ الذبابة.
قال دمنة: وكيف كان ذلك؟
قال: زعموا أن ذبابة سوداء كانت من حمقى الذبان، قُدرت الحماقة عليها أبدية، فلو انقلبت نقطة حبر لما كُتبتْ بها إلا كلمة سُخف.
ووقعت هذه الذبابة على وجه امرأة زنجية ضخمة، فجعلت تقابل بين نفسها وبين المرأة؛ وقالت: إن هذا لمن أدل الدليل على إن العالم فوضى لا نظام فيه، وإنه مرسل كيف يتفق على ما يتفق عبثاً في عبث، ولا ريب إن الأنبياء قد كذبوا الناس؛ إذ كيف يستوي في الحكمة خلقي (أنا) وخلق هذه الذبابة الضخمة التي أنا فوقها. . .؟
ثم نظرت ليلةً في السماء، فأبصرت نجومها يتلألأن وبينها القمر؛ فقالت: وهذا دليل آخر على ما تحقق عندي من فوضي العالم وكذب الأديان وعبث المصادفات؛ فما الإيمان بعينه، إلا الإلحاد بعينه، ووضع العقل في شيء هو إيجاد الألوهية فيه، وإلا فكيف يستوي في الحكمة وضعي (أنا) ورفع هذا الذبان الأبيض ويعسوبه الكبير إلى السماء. . .؟
ثم إنها وقعت في دار فلاح، فجعلت تمور فيها ذهاباً وجيئة حتى رجعت بقرة الفلاح من مرعاها؛ فبهتت الذبابة وجمدت على غرتها من أول النهار إلى آخره، كأنها تزاول عملاً؛ فلما أمست قالت: وهذا دليل أكبر الدليل على فوضى الأرزاق في الدنيا، فهاتان ذبابتان قد ثقبتا ثقبين في وجه هذه البقرة واكتفتا فيها تأكلان من شحمها فتعظمان سمها؛ والناس من
стр. 8826
جهلهم بالعلم الذبابي يسمونهما عينين. . . وأنا قضيت اليوم كله أخمش وأعض وألسع لأثقب لي ثقباً مثلهما فما انتزعت شعرة؛ فهل يستوي الحكمة في رزقي (أنا) ورزق هاتين الذبابتين في وجه البقرة. . .؟
ثم أنها رأت خنفساء تدب دبيبها في الأرواث والأقذار فنظرت إليها وقالت: هذه لا تصلح دليلاً على الكفر؛ فإني (أنا) خيرٌ منها؛ (أنا) لي أجنحة وليس لها (وأنا) خفيفة وهي ثقيلة؛ وما كأنها إلا ذبابة قديمة من ذباب القرون الأولى ذلك الذي كان بليداً لا يتحرك، فلم تجعل له الحركة جناحاً. ثم إنها أصغت فسمعت الخنسفاء تقول لأخرى وهي تحاورها: إذا لم يجد المخلوق أنه كما يشتهي فليكفر كما يشتهي؛ يا ويحنا! لِمَ لمْ نكن جاموساً كهذا الجاموس العظيم، وما بيننا وبينه فرق إلا أنه وجد من ينفخه ولم نجد. . .؟
فقالت الذبابة: إن هذا دليل العقل في هذه العاقلة، ولعمري إنها لا تمشي مثاقلة من أنها بطيئة مرهقة بعجزها، ولكن من أنها وقور مثقلة بأفكارها، وهي الدليل على أني (أنا) السابقة إلى كشف الحقيقة. . .!
وجعلت الذبابة لا يُسمع من دندنتها إلا: أنا، أنا، أنا، أنا. . . من كفرٍ إلى كفرٍ غيره إلا كفر غيرهما، حتى كأن السماوات كلها أصبحت في معركة مع ذبابة. . .
ثم جاءت الحقيقة إلى هذا الإلحاد الأحمق تسعى سعيها؛ فبينا الذبابة على وجه حائط، وقد أكلت بعوضةً أو بعوضتين، وأعجبتها نفسها، فوقفت تحك ذراعها بذراعها - دنت بطةً صغيرة قد انفلت عنها البيضةُ أمس، فمدت منقارها، فالتقطتها. ولما انطبق المنقار عليها قالت: آمنت إنه لا إله إلا الذي خلق البطة. . . . . . .!!
стр. 8827
مسالك الأبصار
ومؤلفه الشهاب العمري
للأستاذ محمد عبد الله عنان
في سنة ١٩٢٤ أخرجت دار الكتب المصرية الجزء الأول من أثر ضخم، هو كتاب (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) لشهاب الدين أحمد بن فضل الله العمري، وذلك بإشارة المغفور له العلامة الأستاذ أحمد زكي باشا وبتحقيقه. ثم وقف مشروع إخراج الكتاب في مستهله لأسباب نجهلها حتى اليوم، ولكنا علمنا أخيراً أن دار الكتب قررت استئناف العمل في (مسالك الأبصار) وإخراجه تباعاً إلى جانب الآثار القديمة الأخرى التي تعنى بنشرها.
وهو نبأ يستقبله الباحثون والأدباء بمنتهى الغبطة. ذلك أن (مسالك الأبصار) من الآثار الإسلامية الضخمة التي تمتاز بغزارة مادتها وتنوع موضوعاتها ونفاسة معلوماتها؛ وهو ثالث ثلاثة من الموسوعات العربية المصرية الضخمة، التي كتبت في عصور متقاربة، وامتازت على جميع الآثار الإسلامية بضخامتها وتنوعها وطرافتها؛ وهي: مسالك الأبصار، ونهاية الأرب للنويري، وصبح الأعشى للقلقشندي. وقد أخرجت لنا دار الكتب (صبح الأعشى) كاملاً في أربعة عشر مجلداً، وأنجزت لنا من نهاية الأرب نحو ثلثه في أحد عشر مجلداً، وما زالت ماضية في إخراجه، وبقي عليها أن تستأنف العمل في ثالثة هذه الموسوعات الكبرى، ونعني (مسالك الأبصار).
كان القرن الثامن الهجري في مصر عصر الموسوعات الأدبية والتاريخية العامة؛ وإذا لم تكن فكرة الموسوعات الجامعة في الأدب العربي مصرية محضة، فقد بلغت ذروتها على الأقل في مصر، وأخرج الكتاب المصريون أعظم وأبدع نماذجها. وكان شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري هو أول كتاب الموسوعات ورأس هذه المدرسة الغزيرة الباهرة (٦٦٠ - ٧٣٢هـ) وقد وضع لنا موسوعته الفريدة (نهاية الأرب في فنون الأدب) في أوائل القرن الثامن الهجري في أكثر من ثلاثين مجلداً كبيراً، فجاءت أثراً ضخماً لم تشهد مثله الآداب العربية من قبل في غزارة المادة وتنوع الموضوعات وطرافة الأوضاع؛ ثم تلاه العمري الذي نريد أن نتحدث اليوم عنه وعن مجهوده، بوضع موسوعته (مسالك
стр. 8828
الأبصار)؛ وجاء القلقشندي ليختم هذا الثبت في أوائل القرن التاسع بوضع موسوعته (صبح الأعشى).
كان العمري دمشقي المولد؛ ولكن مصري التربية والموطن والتكوين؛ وهو شهاب الدين أبو العباس بن فضل الله أحمد بن يحيى؛ وينتهي نسبه إلى عمر بن الخطاب، ومن ثم كان تلقيبه بالعمري. ولد في ثالث شوال سنة سبعمائة (١٣٠٠م)، وتلقى تربيته الأولى في دمشق؛ ثم وفد على القاهرة حدثاً ودرس بها واتخذها وطناً وموئلاً، ومال إلى التخصص في علوم الفقه واللغة، وبرع بالأخص في الكتابة والإنشاء، وتقلد في البلاط القاهري عدة مناصب هامة أيام السلطان الناصر محمد بن قلاوون في ولايته الثالثة (٧٠٩ - ٧٤١هـ) وانتهى إلى تقلد ديوان الإنشاء والرسائل، فاستحدث فيه كثيراً من الأساليب والأوضاع البديعة، ووضع له دستوراً لبث عمدة الكتاب والسلاطين مدى عصور.
ولبث العمري إلى جانب اضطلاعه بأعباء المناصب العامة رجل البحث والدرس؛ وعني عناية خاصة بدرس الجغرافية الطبيعية والسياسية أو الممالك والمسالك وطبائعها وخواصها؛ ودرس تواريخ الأمم وأحوالها وعجائبها، ولا سيما أمم الشرق النائية مثل أمم التتار والهند والصين، ودرس الفلك أيضاً، ولم يكتف في درسه بقراءة المصادر والمصنفات القديمة، فتجول في أنحاء الشام والأناضول والحجاز وبعض الممالك الإسلامية الأخرى، حسبما يبدو ذلك في أكثر من موضع من سياق موسوعته، وحسبما يشير إجمالاً في مقدمته، واستعان في تعرف أحوال الأمم والممالك التي لم تتح له زيارتها بأقوال العارفين والثقاة ممن زاروها أو درسوا أحوالها دراسة خاصة، حتى اجتمعت له من ذلك مادة غزيرة تمتاز في كثير من الأحيان بدقتها وطرافتها.
وقد تبوأ العمري إمامة البلاغة والبيان والترسل في عصره حتى أن الصفدي معاصره وصديقه يفضله في هذا الفن على القاضي الفاضل، وبصف خلاله ومواهبه الأدبية في تلك العبارات البليغة: (يتدفق بحره بالجواهر كلاماً، ويتألق إنشاؤه بالبوارق المستعرة نظاماً، ويقطر كلامه فصاحة وبلاغة، وتندى عباراته انسجاماً وصياغة، وينظر إلى غيب المعاني من ستر رقيق، ويغوص في لجة البيان فيظفر بكبار اللؤلؤ من البحر العميق، قد استوت بديهته وارتجاله، وتأخر عن فروسيته من هذا الفن رجاله، يكتب من رأس قلمه بديها ما
стр. 8829
يعجز القاضي الفاضل أن يدانيه تشبيهاً، وينظم من المقطوع والقصيدة جوهراً يخجل الروض الذي باكره الحيا مزهراً، صرف الزمان أمراً ونهياً، ودبر الممالك تنفيذاً ورأباً، ووصل الأرزاق بقلمه، ورويت تواقيعه وهي سجلات لحكمه وحكمه، لا أرى أن اسم الكاتب يصدق على غيره ولا يطلق على سواه). ثم يصفه الصفدي بعد ذلك بالأديب (الكامل) وينوه بقوة ذاكرته، وحسن ذوقه، ويقول لنا إنه، أي العمري، كان آية في النثر والنظم والترسل البارع عن الملوك، وأنه (لم ير من يعرف تواريخ الملوك المغل من لدن جنكيزخان معرفته، وكذلك ملوك الهند والأتراك. وأما معرفته الممالك والمسالك، وخطوط الأقاليم والبلدان وخواصها، فأنه فيها إمام وقته).
ولأقوال الصفدي، وهو إمام النقد في عصره، قيمتها في التنويه بخلال العمري الأدبية، والعلمية الفائقة. بيد أن تراث العمري نفسه ما زال خير شاهد بعبقريته ولا سيما في فن الإنشاء والترسل، وقد كان العمري فوق ذلك شاعراً مجيداً؛ ومن رقيق شعره قوله:
أأحبابنا والعذر منا اليكمو … إذا ماشغلنا بالنوى أن نودعا
أبثَّكموا شوقاً أباري ببعضه … حمام العشايا رنة وتوجعا
أبيت سمير البرق قلبي مثله … أقضى به الليل التمام مروعاً
وما هو شوق مدة ثم ينقضي … ولا أنه يلقي محباً مفجعا
ولكنه شوق على القرب والنوى … أغص الأماقى مدمعاً ثم مدمعا
ومن فارق الأحباب في العمر ساعة … كمن فارق الأحباب في العمر أجمعا
وقطع العمري حياة قصيرة ولكن باهرة؛ وتبوأ ذروة المناصب العامة، كما تبوأ إمامة التفكير والأدب، واستمرت حظوته لدى الملك الناصر طوال عهده؛ ثم توفى سنة ٧٤٩ هـ (١٣٤٨م) دون أن يبلغ الخمسين.
- ٢ -
ترك لنا العمري تراثاً حافلاً ينم عن غزارة مادته ورفيع مواهبه، منه موسوعته الكبرى (مسالك الابصار في ممالك الأمطار) و (الدعوة المستجابة) و (صبابة المشتاق) وهو في المدائح النبوية و (سفرة السفرة) و (دمعة الباكي) و (يقظة الساهر) و (نفحة الروض) وكلها من كتب الأدب والبيان، وكتاب (فواصل السمر في فضائل آل عمر) وكتاب
стр. 8830
(الشتويات) وهو رسائل في الشتاء و (النبذة الكافية في معرفة الكتاب والقافية) وكتاب (التعريف بالمصطلح الشريف) وهو مجموعة نماذج من الرسائل الملوكية والأميرية، وسنعود إليه؛ وطائفة كبيرة من القصائد والموشحات والتقاليد والمناشير.
وقد انتهى إلينا من هذا التراث أهمه وأنفسه؛ فلدينا أولاً كتاب (مسالك الأبصار) وهو أهم آثار العمري وأضخمها؛ وهو في الواقع موسوعة كبرى تملأ عشرين مجلداً كبيراً، ويقول لنا العمري إنه أثر الحياة وإنه (قطع فيه عمر الأيام والليالي) وإنه شرع فيه أيام التحاقه بخدمة الملك الناصر؛ وقد يكون ذلك حوالي سنة ٧٣٠ هـ؛ ويبدو من مقدمته أيضاً ومن دعائه للملك الناصر بدوام أيامه، أنه أنجز نسخته الأولى قبل سنة ٧٤١هـ أعني قبل وفاة الناصر، بيد أنه يبدو من جهة أخرى أنه زاد فيه بعد ذلك لأنه يصل في رواية الحوادث إلى سنة ٧٤٣ هـ.
ومن المحقق أن العمري تأثر في وضع موسوعته بمثل سلفه العظيم النويري صاحب موسوعة (نهاية الأرب) وهي أول موسوعة من نوعها. غير أنه ينحو في تقسيمها ومحتوياتها نوعاً آخر؛ وبينما يسبغ النويري على موسوعته صبغة علمية أدبية ناريخية، إذا بالعمري يسبغ على موسوعته صبغة جغرافية تاريخية، وهو يقسمها إلى قسمين كبيرين: الأول: (في الأرض) والثاني (في سكان الأرض)، ويشمل القسم الأول ذكر الأرض وما استملت عليه براً وبحراً، وهو نوعان كبيران: المسالك والممالك، ويدخل في النوع الأول الكلام على أحوال الأرض وصفاتها وعناصرها وما تحتويه من أنهار وجبال ثم الكلام على الأقاليم السبعة وهي أساس الجغرافية القديمة وما فيها من المدن والجزائر وما يؤثر عنها من العجائب، ثم الكلام عن الرياح والكواكب والأعراض الطبيعية؛ ويدخل في القسم الثاني الكلام عن ممالك العالم المعروف يومئذ مبتدئاً بممالك الهند والسند والتتار ثم الترك ومصر والشام والحجاز واليمن، ثم ممالك السودان والحبش وإفريقية والأندلس، وفيه بيانات ضافية عن أحوال هذه البلاد ونظمها وخواصها ومحصولها وحيوانها؛ ويبدي العمري هنا دقة البحث والتحري، ويقدم إلينا أسانيده ومصادره كلما شعر بمبالغة أو غرابة فيما يروي. ويختم هذا القسم بالكلام عن العرب الموجودين في عصره وأماكن وجودهم ولا سيما في مصر، وهو فصل له قيمته في تعرف الأصول والأنساب. ويشغل هذا القسم
стр. 8831
الأول من الكتاب نحو عشرة مجلدات.
ويتناول القسم الثاني الكلام على سكان الأرض من طوائف الأمم وفيه حديث مستفيض عن طوائف العلماء في الشرق والغرب، ثم الكلام على الأديان والنحل المختلفة؛ وبعدئذ يجيء الكلام على التاريخ، وهو قسمان، تاريخ الدول التي كانت قبل الإسلام، ثم تاريخ الدول التي قامت بعد الإسلام حتى عصر المؤلف، ويستطرد فيه إلى ذكر الحوادث حتى سنة ٧٤٣هـ أعني قبل وفاته بنحو خمسة أعوام.
ولم ينشر إلى يومنا من كتاب (مسالك الأبصار) سوى الجزء الأول كما قدمنا؛ غير أنه قد نشرت منه بعض فصول ونبذ متفرقة منها فصل من فصول القسم الأول عنوانه (كلام إجمالي في أمر مشاهير ممالك عباد الصليب في البر دون البحر) نشره المستشرق أماري (سنة ١٨٨٣) مقروناً بترجمة إيطالية، وهو فصل يمتاز بدقته وطرافته ويتناول الحديث عن أحوال الممالك النصرانية والجمهوريات الإيطالية في النصف الأول من القرن الرابع عشر الميلادي، وينسب العمري ما أورده فيه من المعلومات إلى رجل إيطالي يدعى (بلبان الجنوي) عرفه في بعض رحلاته واستقى منه معلوماته وهي معلومات في منتهى الدقة ولا سيما ما تعلق منها بنظم الجمهوريات الإيطالية في ذلك العصر. وعني صديقنا العلامة السيد حسن حسني عبد الوهاب بنشر الفصل الخاص بوصف أفريقية والأندلس؛ ونشر أحد المستشرقين الألمان أخيراً الفصل الخاص بوصف بلاد الأناضول.
- ٣ -
على أنه قد انتهى إلينا من تراث العمري اثر ذو أهمية خاصة هو كتاب (التعريف بالمصطلح الشريف) وقد كان العمري كما رأينا مدى أعوام طويلة ناظراً لديوان الإنشاء والرسائل، وقد استحدث في هذا الديوان الكثر من الأساليب والأوضاع الجديدة سواء في توجيه الرسائل والمخاطبات أو صيغها؛ ويجب أن نعلم أن ديوان الإنشاء كان في تلك العصور مجمع المراسلات الداخلية والخارجية، فمنه تصدر الرسائل والمناشير والأوامر والتواقيع إلى الأمراء والحكام وكبار الموظفين؛ ومنه توجه الرسائل الخارجية إلى مختلف الملوك والدول التي ترتبط بمصر بعلائق سياسية أو تجارية؛ وإذا فقد كان اختصاصه يتناول ما يسمى اليوم في لغة السياسة الحديثة بنظم (البروتوكول) وهي عبارة عن الرسوم
стр. 8832
والإجراءات التي تجري عليها الدولة في تنظيم علائقها الخارجية، سواء في إجراء المفاوضات السياسية أم في عهد المعاهدات أو مخاطبة الدول الأخرى أو استقبال ممثليها ومعاملتهم أو في تحرير المكاتبات الدبلوماسية. وتسمى هذه الرسوم والنظم في الدولة الإسلامية ٠بالمصطلح الشريف) وقد كان للعمري اكبر الفضل في تجديد هذه النظم، وعلى يده بلغت ذروتها من الافتنان والتناسق في الدقة؛ وللتعريف بهذه النظم وشروحها وضع العمري كتابه (التعريف بالمصطلح الشريف) وفيه يشرح رتب المكاتبات السلطانية وإجراءاتها، ويعرض نماذج من العهود والتقاليد والتفاويض والمراسيم والمناشير وكذلك نماذج عديدة من الوثائق والمكاتبات الدبلوماسية؛ ثم يتحدث عن أوضاع الممالك وتقاسيمها الإدارية، وعن مراكز البريد ووسائل المواصلة البحرية. ويعتبر كتاب العمري دستور المصطلح الشريف في مصر الإسلامية؛ ويعتبره القلقشندي صاحب صبح الأعشى أنفس الكتب المصنفة في هذا الباب. وقد انتفع به القلقشندي في موسوعته أعظم انتفاع، ونقل إلينا فوق ذلك طائفة كبيرة من الرسائل والمكاتبات السلطانية التي دبجت بقلم العمري في ظروف ومناسبات مختلفة، وكلها دليل على ما كان يتمتع به العمري من المواهب الإنشائية السامية.
وللعمري آثار ورسائل أخرى كما قدمنا، ولكن معظمها لم يصل إلينا، وما يزال بعضها بعيداً عن التداول في بعض المكاتب الأوربية. على أن (مسالك الأبصار) يبقى دائماً أعظم آثاره؛ ورجاؤنا أن تعمل دار الكتب لمصرية لإخراجه بهمة مضاعفة فلا تمضي أعوام قلائل حتى تضعه كاملاً بين أيدي الباحثين.
النقل ممنوع
محمد عبد الله عنان
стр. 8833
خواطر وأفكار
للأستاذ أديب عباسي
يغلب أن يسيطر على الحياة في كلا عنصريها من السعادة والشقاء قانون المرجحات العام الذي يسيطر على جميع حوادث الطبيعة ويسير بها جميعاً، كلما امتد الزمن وتوالى الحدوث، إلى التعادل والاستواء، وما نرى من فروق شاسعة بين حظوظ الناس من السعادة والشقاء سببه - فيما نرى - قصر مدى التجربة والاختبار. واعتقد انه لو أتتيح للأحياء من الناس عمر أطول أو لو كانت أمواج السعادة والشقاء وأصداء اللذة والألم اقل لبثاً واقصر مكثاً، لتداني من التعادل نصيب كل امرئ من حظي السعادة والشقاء.
حياة كل امرئ (متوالية) من الآمال والآلام والأحلام والأعمال ولست بمستطيع أن تجرد الحياة حلقة واحدة من هذه الحلقات: الآمال تثير الآلام والأحلام، والأحلام لابد مفضية في نهاية الأمر إلى الأعمال، والأعمال بدورها تبتعث آمالاً جديدة، والأمل الجديد يثور آلاماً وأحلاماً جديدة، وهكذا تظل تدور بين حدين من الأمل والعمل يتوسطهما واسطان هما ما نألم وما نحلم إلى أن تتلمأ علينا القبور، وترص علينا الجنادل والصخور.
ليس مما يُنقص قيمة العمل الطيب أن يكون حاديه ورائده اللذة منشودةً أو حاصلةً، بل نحن نعتقد أن من مصلحة الأخلاق، ومن الخير العميم للناس أن يتعلم الناس كيف يستشعرون السعادة ويتذوقون الغبطة في العمل الطيب بدءاً وختاماً، حساً وخيالاً.
كذلك نعتقد أن من مصلحة الأخلاق ونشر الفضيلة وتعميم الصلاح أن يشعر المرء أن عمل الخير مجزي عليه في هذه الحياة الدنيا، وأن ليس على المرء يصنع الخير أن ينتظر إلى اليوم الأخير ليثاب على عمله الصالح وينال جزاء ما قدم من خير وأسلف من صلاح.
يكاد يكون الإحساس بالحق ونصرة العدل من فطرة البشر ومن هنا نرانا - في الأحوال العادية - نهلل للعدل ونمقت الجور، سواء أكنا نحن المعنيين بالجور أم كان المعنى غيرنا.
من غرائب الطباع أمرؤ يثني عليك بما أنت أهله أو بما لست أهلاً له، ثم تراه لغير سبب واضح أو علة مقبولة ينقلب عليك، ولا يتعفف أن يهجوك بعكس ما كان يمتدحه فيك! هذا الصنف من الناس هم، في إعتقادي، من المتسولة الجبناء الذين يستجدون امتداح الناس
стр. 8834
بامتداحهم الناس؛ فإذا خاب ما يؤملون، ولم يبادلهم ممدوحهم مدحاً بمدح انقلبوا قادحين مشنعين.
ما أشبه بناء الأمة ببناء الهرم؛ ما يزال قائماً ثابت الإتزان، ما شغل الرأس منه مكان الرأس، والقاعدة مكان القاعدة؛ وما أسرع ما ينهار الهرم ويتفكك حينما تنقلب الأوضاع فتسمو القاعدة إلى مكان الرأس، ويهبط الرأس إلى مكان القاعدة؛ ومن هنا أضحى الهرم المقلوب مضرب المثل في سخافة البناء ووهن الثبوت. . .
لست أدري أي خير وأية سعادة كانا يصيبان البشر لو أقصى من مجال الدين جميع المتجرين به. فليتق الله المتاجرون وليجعلوا في غير مجال الدين تجارتهم.
تظل تجربة المرء ناقصة ما لم تتكرر. . . .
خصومتك الصغير تورثك المهانة، سواء أكنت المنتصر في هذه الخصومة أم كنت الخاسر.
الأغراب والتكلف في أساليب الحياة والأخلاق دليل على فساد الطبع والتواء التكوين.
قد تكون المحافظة على القديم ناجمة من خوف الحديث وحسب، لا من حب للقديم صحيح.
ثم صنف غريب من الكُتاب والمفكرين يعمدون إلى الرأي الواهن الواهي، أو الفكرة الميتة يثيرون حولها حرباً شعواء ويوسعونها طعناً وضرباً، ثم يلتفتون إلى الناس ولسان الغرور يقول: انظروا ماذا صنعنا وإلى أي المقاتل قد نفذ سلاحنا؟ وقد نسوا - حفظهم الله وكلأهم - أن سلاحهم يُجرد على موتى ويُشرع على أشلاء.
قد يعيش الكاتب بشهرته الأدبية أعواماً بعد أن يُصفى. وهذا سرُّ ما نراه من مدح يكال وتقدير يُسرف في توزيعه على أناس لا يستحقون بعض أبعاضه. والحقيقة أن من الكتاب اليوم من يعيشون بقوة الاستمرار وحسب، لا بقوة العمل وصدق الإنتاج.
ما أسرع ما يلتفُّ صغار النفوس حول صغير النفس، أما كبير النفس فلا يسمح لهم بالدنو منه لئلا تعلق به من نتنهم عالقة. الاتجار بالوطنية في الشرق علة مستحكمة لا يزيلها إلا صرامة النقد، وصراحة المقت، وقسوة التشهير.
يموت العظيم في الغرب، ولكن ما أسرع ما تُسدُّ الثغرة ويقوم الخلف. ويموت العظيم الشرقي فيظل محله خالياً جيلاً أو أجيالاً. وذلك أن تربيتنا الاجتماعية الناقصة لا ترفع إلى
стр. 8835
مستوى الزعامة الصحيحة القوية في الجيل الواحد إلا نفراً قليلاً جداً، فإذا أودي هذا النفر ظل محلهم خالياً إلى أن تتمخض الأمة بعد حمل طويل وآلام مبرحة وتجارب شاقة فتلد المولود الجديد الذي يُقدَّر له أن يستأنف السير ويتولى القيادة.
قد يعمل الرجل الشرير إلى بعض الخير يصنعه ليتبين كيف يكون أثر ذلك، كما قد يسعى الرجل الطيب إلى بعض الشر يصنعه لمثل غرض الشرير في صنعه الخير. وإلى هذا قد يُردُّ بعض ما نراه من شذوذ في الخلق السوي.
قد يبدو الفكر العميق للقارئ السطحي الضحل متناقضاً، وذلك إن ذا الفكر العميق قد ينتهي إلى أغوار لا يستطيع أن ينفذ إليها ضحل التفكير، ويدرك من العلائق والوشائج الخفية بين الأشياء مالاً يدركه ذو الفكر الرقراق الذي لا غور له.
المصادفة بليغة الأثر في حياة الفرد، أما في حياة الأمة فهي ضئيلة الأثر أو لا أثر لها البتة.
ما من رأى إلا ودار في أكثر من ذهنٍ واحد، ولكن شخصاً واحداً يكتب له أن يخلِّد هذا الرأي.
الرأي يرتأي كالصدى بكثر تجاوبه كلما أستوعر طريقه.
الألم كالنار يصهر القوي ولكن لا بلاشيه، كما لا تلاشي النار الحديد، أما الضعيف فيحيله الألم دخاناً يصَّاعد.
قد يتصدى المرء أحياناً للرأي العام لا ليتحداه، إنما هو يتصدى له ليدرك مبلغ قوته ثم ليدرك مدى الرأي العام ومجراه، فيحول شراع العمل على هواه.
الرجل القوي حق القوة لا يخلق بهذه القوة عبيداً وآلات ناطقة، إنما يخلق بها رجالاً أقوياء. وكل مظهر من مظاهر القوة لا يفضي إلى هذه النتيجة يجب أن يشككنا في هذه القوة.
يجب أن ندخر خصومة الصراحة وجهد المقاومة للأمور الجسام والمسائل العظام. أما الصراحة العادية في كل ما يعرض للمرء من شؤون الحياة اليومية تافهها وجليلها على السواء فجهد غير مبرور وعمل غير مشكور، ولا يعود على المصارح منه إلا خصومات لا تنتهي وعدوات لا تنقضي.
ما تزال المرأة طفلة حتى تحب، وما يزال الرجل رجلاً حتى يحب. ومتى أحبت المرأة
стр. 8836
بلغت أوج الأنوثة؛ أما الرجل السليم القوي فيندر أن يجعل الحب آخر مرحلة من مراحل الحياة، وهو - أي الحب - عند الرجل مرحلة إلى رجولة أسمى. فالمرأة تتجه إلى الحب لا لتتعداه، أما الرجل فيحب ليكون الحب مرحلة من مراحل حياته. وهذا يشير إلى إن الحياة تريد من المرأة الحب فقط، وتريد من الرجل فضلاً عن الحب الجهاد والمغامرة.
يجب إلا يغر الشبان بيت شوقي (نظر فابتسامة. . .) ثم ما بعد ذلك. فبين النظرة والابتسامة - في كثير من الأحيان - وبين قلب الفتاة سبعُ قلاع بسبعة أسوار.
رُكِّب في طبيعة المرأة التلويح من بعيد والإغراء. فهي قد تتبذل أحياناً ولو لم تنو السقوط، وتدنو ولكن لا لتصل، وتقترب ولكن لا لتُنيل. فكأنها تعمد إلى ذلك لتقيس مقدار فتنها وتختبر قوة أنوثتها.
الرجولة لا تكون كاملة إلا إذا خالطها بعض طبائع الأنوثة. فكأن الطبيعة في ذلك لا تريد للرجل أن يتخلص من إرث الأنوثة الأقدم، حينما كانت الذكورة لا تزال في ضمير الغيب، وكانت الأنوثة كل ما في يد الطبيعة من مواد التجريب والاختبار.
ثورة الحب تفضي إلى أسر الزواج، وثورة الحقد والطمع تفضي إلى أسر السجن.
نداء الأمومة عند المرأة أقوى من نداء الحب. وكثيراً ما تضحي المرأة بحبها في سبيل الأمومة السالمة والنسل القوي القويم.
لا يستطيع إبليس - في كثير الأحيان - أن يتراءى للرجل إلا عن طريق المرأة. فهي - في أغلب الأحيان - سفيره إليه. وكثيراً ما تنجح هذه السفارة كما نجحت من قديم في جنات عدن.
حياة المرأة أنشودة يتناوب إنشادها الملائكة وإبليس.
حب الأم أشرف أنواع الحب وأعمقه وأدومه. وذلك أن فيه من حب الابنة وحب الأخت وحب العاشقة وحب العابدة. فالأم إذ تحب وليدها وترأمه كوليد فقط، إنما هي ترأمه وتحبه، ولو في غير شعور، حب الابنة أبويها، والأخت اخاها، والعاشقة عاشقها، والعابدة معبودها.
من مظاهر الفسولة وصغار الرجولة أن يتعشق الفتى فتاته، ثم لا يفتأ يعلن عن هذا العشق وينبه إليه في كل مناسبة وعند كل حديث؛ فكأنه الكلب يلغ في الإناء أو يبول فيه لينفر منه بقية السباع!
стр. 8837
في الزمان غير المحدود والمكان غير المحدود يكون احتمال الحدوث غير محدود أيضاً. ولا ادري لم يستبعد أو ينفى حدوث حادث يقدر أو يفترض بحجة بعد الاحتمال
أديب عباسي
стр. 8838
النهضة التركية الأخيرة
للدكتور عبد الوهاب عزام
الحروف اللاتينية والألفاظ العربية
وقد عجل القانون في إنفاذ قانون الحروب اللاتينية، واشتدوا في ذلك لا يستثنون الكتب التي في المطابع، قد طبع بعضها بالحروف العربية ولما يتم طبعها، فسارع بعض المؤلفين إلى إكمال كتبهم قبل الموعد المحدود، ودون الكمال المنشود، ويئس آخرون أن يتموا كتبهم قبل الأجل المضروب وعجزوا بل كرهوا أن يكملوها بالحروف الجديدة فيجعلوها ذات خطين أعجمي وعربي، فوقفوا بها حيث وقف بهم القانون الجديد. واعجب ما في هذا أن أحد الأدباء الكبار كان يطبع معجماً كبيراً واخرج منه مجلدين، ولم يسوغ له القانون أن يكمله بالحروف العربية فيما يحتاج إليه من وقت، وعجز هو وعجز الفكر الإنساني أن يكمل هذا المعجم بالحروف اللاتينية على ترتيبها بعد أن طبع معظمه بالحروف العربية على ترتيبها فبقى ناقصاً حائراً بين القديم والجديد.
كأنما محا الترك العثمانيون من تاريخهم ستة قرون حين اختاروا للغتهم الحروف اللاتينية. فهل هم يعترفون، كما قال ذلك الأديب الفارسي، إن لهم تاريخاً لا يضيرهم أن يمحي منه ستة قرون؟ وليت شعري هل لهم في التاريخ غير هذه القرون الستة؟ مثل لنفسك صبياً تركياً ممن تعلموا القراءة بالحروف الجديدة يدخل اليوم جامع الفاتح أو سليمان فينظر إلى أسماء الصحابة فلا يدري ما هي وينظر إلى اسم الفاتح واسم سليمان القانوني فلا يدرك منهما حرفاً وتصوره في بروسه في اولو جامع (الجامع الكبير) الذي جعل الخطاطون الترك على مر العصور جدره معرضاً لبدائع الخط وفنونه، تصوره ينظر إلى آثار أسلافه فلا يتبين منها شيئاً ويودلو كتبت بالحروف اللاتينية. وتصوره كذلك أمام كل اثر عظيم من آثار المسلمين. وتصوره وقد شب وقوى على الدرس والبحث يذهب إلى مكتبات استانبول فيرى من آثار أسلافه، وكل المسلمين أسلافه أكداساً لا يفقه منها حرفاً إلا بدرس خاص. الست ترى هذا الناشئ مقطوعاً من تاريخه، غريباً عن قومه، الست تراه يتيماً حرم ميراث آبائه وجنى عليه سفه أوصيائه؟
وقد ذهب مع الحروف العربية فن جميل بلغ فيه الترك الغاية وتنافس في تجويده سلاطينهم
стр. 8839
وأمراؤهم وكبراؤهم فأتوا فيه بآيات الجمال وحلى التاريخ؛ وشد ما يهيج الحسرة أن تسير في شوارع استانبول عند الباب العالي فترى الخطاط التركي الماهر وقد كدست بضاعته، وحاولت أن تجاري الزمان صناعته، فكتب على مكتبه بالحروف اللاتينية أي خطاط.
سيقول بعض الناس أن هذه العواطف لا ينبغي أن تعوق سير الامم، وانا أقول لو كان هذا سيراً ما اعترضناه، ولو كان إصلاحا ما عارضناه، ولكنه تقليد يعصف بتاريخ الآباء ويزلزل أقدام الأبناء، ويقطع سنن الأمة كما تقطع جذور الشجرة.
وقد وصل الكماليون عملهم في الحروف العربية باجتهادهم في نبذ الكلمات العربية والفارسية. زعموا أنهم يريدون إنقاء اللغة التركية من الكلمات الدخيلة، فما بالهم يخرجون كلمة عربية ليضعوا مكانها كلمة أوربية؟ كانوا يسمون معهد الأبحاث التركية (تركيات مؤسسه سنى) فمحوها وكتبوا (تركيات أنستيتوسي) فلماذا آثروا كلمة على مؤسسة، وهي كلمة هم واضعوها في العربية وعنهم أخذها العرب؛ وكم كان لهم من حذق وذوق سليم في وضع مصطلحات علمية باللغة العربية التي اتخذوها هم وسائر المسلمين كاللاتينية عند الأوربيين. وكانوا يسمون الجامعة (دار الفنون) فسموها وكذلك وضعوا مكان معلم ومدرس وغيرهما من ألقاب الجامعة ألقاباً أخرى أخذوها من الألمانية، ومثل هذا كثير. فليس بالقوم الإصلاح أو العصبية التركية، ولكنه بغض العربية. وإذا تحكم البغض والحب في تصريف الأمور لم يبق للحق والهدى مكان.
وكان لهم في العام الماضي مؤتمر لغوي تكلم فيه أستاذ في الجامعة فقال: إن بين العربية والفارسية والتركية علائق يجب الإبقاء عليها، فطرد من المؤتمر ومن الجامعة، تقديساً للحرية التي يتغنى بها الكماليون! وسمعت أن حسين جاهد، وهو من الدعاة الأولين إلى العصبية التركية في اللغة قال في المؤتمر إن إنقاء اللغة يتم على مر الزمان، ولا تصلح فيه الطفرة. فشتم وأُسكت وأوذى، ولو كان الأمر بحثاً وإصلاحاً لا تسع للآراء المختلفة، وأخذ فيه بالنظر والرؤية. وقد سمعنا أن الفرس يريدون أن يحذوا حذو الترك في هذا. ونحن لا نكره أن يأخذ الشرقيون بعضهم عن بعض، وأن يزول العداء القديم بين الفرس والترك، وينسوا ما تصفه الشاهنامه من حروب إيران وتوران، وما يحدث به التاريخ من جلاد الصفويين والعثمانيين. أجل، أدعو الله أن يؤلف بين الأمتين، ولكن لا أحب أن يقلد
стр. 8840
بعضهم بعضاً في هذه الترهات، وتتقيل إحداهما الأخرى في هذه الضلالات.
نحن لا ننكر على الترك والفرس أو يؤثروا الكلمات التركية والفارسية على الكلمات العربية حين يحسون الحاجة إلى ذلك، ويدعوهم إليه إصلاح اللغة وتجميلها، وإنما ننكر عليهم أن يفعلوا ذلك بغضاً للغة العربية، وإيثاراً لتقطيع الأوصال بين الأمم الإسلامية. إن في الفارسية والتركية اصطلاحات علمية وأدبية كثيرة، بل تكاد تكون اصطلاحات الآداب والعلوم كلها عربية، وهذه الاصطلاحات هي من أعظم الروابط بين الأمم الإسلامية. وفي حذفها مفاسد كثيرة، منها إنهم يحرمون أنفسهم اصطلاحات وضعت واستقرت، وتحددت، وأحكمها الاستعمال في عصور متطاولة. وليس الاصطلاح على الكلمات، وخلق اللغة العلمية بالأمر اليسير، والثاني أنهم يباعدون بين اللغة العلمية القديمة واللغة العلمية الحديثة، وفي ذلك ما فيه من الفصل بين قديم الأمة وحديثها، والحيال بين المحدثين وما كتب أسلافهم، وبين مؤرخي الآداب وفقه أطوار الأدب الأولى.
والثالث أنهم يقطعون الوشائج بين آدابهم والآداب الإسلامية الأخرى التي شاركهم أهلها في تأليف حضارة واحدة، على حين يسعى الناس للتقريب بين الآداب واللغات ولا سيما اللغات العلمية، وهم أنفسهم من الساعين للتقرب إلى أهل أوربا أو الفناء فيهم. فلماذا الوصل من ناحية والقطع من ناحية أخرى، والتقرب إلى قوم والتباعد من آخرين؟ بل لماذا التقرب من الأعداء، والتباعد عن الأصدقاء، وحب الأمم الأوربية وبغض الشعوب الإسلامية؟ هل لذلك من تأويل؟
والرابع أنهم يعسرون لغتهم على طلابها من الأمم العربية خاصة والأمم الإسلامية عامة، والأمم تسعى اليوم لتيسير لغاتها وتسهيلها على طلابها.
لست أقول هذا إشفاقاً على اللغة العربية، أو عصبية لها، فليس يحس المتكلم بالعربية والقارئ فيها أن ألفاظاً منها مستعملة في الفارسية والتركية أو غير مستعملة، ولا يهتم بهذا إلا حين يدرس الفارسية والتركية، ودراسة هاتين اللغتين من شؤونهما لا من شؤون العربية، وإنما يعني إلا تقطع الصلات بين أمم عاشت دهوراً متآخية متعاونة كأنها أمة واحدة. وإنما يدعوني إلى الجدال أن الأخوة الإسلامية، والجامعة الإنسانية، تنفر من هذه العصبيات القاطعة، والنعرات المفرقة.
стр. 8841
وفي اللغة العربية كثير من الكلمات الفارسية عُربت وأدمجت فيها، وصيغت على أوزانها، وما يفكر العرب في إخراجها من لغتهم؛ ثم إلا يرى الفرس أنهم إن ذهبوا مذهب الترك في أمر اللغة ثار عليهم الأفغان والهند المسلمون وأهل كثغر وما وراء النهر ثورة أدبية فنبذوا إليهم لغتهم التي اتخذوها لساناً أدبياً، ثم اجتهدوا في إخراج الكلمات الفارسية من لغاتهم؟
أضرب لإخواننا مثلا أوربياً، فأن الشرقيين لا يعرفون الحق إلا إذا شهدت به (ماركات) من أوربا:
هذه اللغة الإنكليزية، وهي ما هي انتشاراً بين الأمم، وذيوعاً في الشرق والغرب، فيها كثير من الألفاظ اللاتينية والجرمانية، ومعظم اصطلاحاتها في الآداب والعلوم لاتينية. وقد وقع ما وقع بين الأمم اللاتينية والإنكليز من حروب متمادية، وما فكر الإنكليز في أن يجمعوا الكلمات اللاتينية وينبذوها إلى اللاتين كراهة لهم، أو عصبية للغتهم، ما فعل القوم هذا، لأن لهم من جلائل الأعمال ما يشغلهم عن هذه السفاسف.
القوم يذهبون مع الحياة مذاهبها، ويتوسلون لها بخير وسائلها، فلا تتسع أوقاتهم للمناقشات في الحروف والألفاظ، ونحن نغمض أعيننا عن أواصر تجمعنا، وآلام وآمال تقرب بيننا، وتقلب تاريخنا لنعثر على عداوة قديمة، أو حرب ذهب الزمان بذكراها وآثارها، لنخلق منها قطيعة جديدة، ونثير بها خصومة جديدة. كاد الإنكليز والألمان يتفانون ويفنوا الأمم معهم منذ خمسة عشر عاماً؛ وهم الآن يمدون أيديهم للتعاون والتعاهد! فأين يذهب بكم أيها الشرقيون وإلى أين تساقون أيها المسلمون؟ ذلك كلام واسع الجوانب، بعيد الأغوار، لا يتسع له هذا المجال. ولعل لي إليه عودة إن شاء الله.
(له بقية)
عبد الوهاب عزام
стр. 8842
من مشاهير الشرق
طائفة البهرا في الهند
في الطريق إلى داعي الرعاة
بقلم محمد نزيه
وأذن الله أن أبرح عدن إلى الهند، فلم تبرح النفس تواقة إلى رؤية الشيخ الأكبر لطائفة البهرا، ولم تزل تستنفر عزيمتي حتى عاهدت كل منهما صاحبتها على أن تكون زيارة الشيخ أول ما أتكاف له بعد مطالعة (بمبى)، فلم أكد أنيخ الراحلة في هذه المدينة، حتى طالعني أبناء هذه الطائفة زرافات ووحداناً! تموج بهم المدينة؛ فهم في شوارعها ودروبها وحوانيتها يعرفون بطول اللحى، وبالعمائم البيضاء، و (البنطلونات) تحت المعاطف القصيرة، وبالنشاط الذي لا يفتر، وبالوقار الذي لا يُذهل عنه؛ فأنهم قوم جبلوا على النشاط حتى لتحسبهم في سرعتهم إذا ساروا وفي دأبهم إذا عملوا، أضعاف أضعافهم، هم لا يتجاوزون العشرين ألفاٍ في مدينة تزخر بمليون وثلثمائة ألف نسمة؛ ولكن دأبهم جعل الواحد منهم عشرة أشخاص! لا تكاد تراه هنا حتى تشهده هناك، كأنه من عالم الأرواح. . هم كالموج المتلاطم على سطح المحيط، يضيق به الخضم وهو منه كالحصاة من الجبل، بل وتمضي السفن في طريقها تشق العباب ولا تحفل به، حتى إذا دوى الموج ارتعدت فرقاً، واهتزت رعباً، وكانت تهتز عجباً.
ليس من جماعة البهرا من لا يجمع إلى فصاحة الأردية طلاقة الكجراتية، ورطانة الإنجليزية؛ وليس فيهم من يعرب لباسه عن حاجة؛ أو ينم ضعفه على هوان، فكلهم عند نفسه كريم، وفي قومه عزيز.
كنت راغباً في زيارة الشيخ الأكبر، فلم يزدني ما تحققته من طوابع طائفته إلا رغبة أمست رؤى، وأصبحت هواجس - والشيخ لا يحظى بالاستئذان عليه إلا كل عظيم بارز في قومه، ولا مناص - لمن شاء - من رجاء يتقدم به إلى رئيس الوزارة البهرية، فإذا انتهى هذا به إلى الشيخ فأذن، حدد الموعد بحساب الدقائق فيما لا يستنفد من الساعة إلا أقلها، وعلى أن يذكر الزائر أن الدقيقة ستون ثانية، والثانية ستون ثالثة، فكأن دقات القلب لا تسعف في هذه الحساب.
стр. 8843
وكان أن تفضل الشيخ الأكبر، فأذن لرئيس وزرائه أن يستقدمني، ضارباً للقاء موعداً من مساء يوم قريب. . . فلما أن أقترب الموعد، ركبت إلى قصر الشيخ، وكعبة الحجيج من أبناء الطائفة، في (وال كيشر).
ووال كيشر، هو من ثغر بمبى حي الطبقة الرفيعة من سراة الإقليم، أقيم على ربوة عالية تطل على المحيط وتشرف على المدينة كلها - لكأنه نجم سها عن ذكره الفلكي - ليس بين قصوره وعمائره إلا متاحف تنطق بغنى الهند وتفصح عن جاهها وترفع النقاب عن فنونها - من شاء أن يعلم أين تنصب كنوزها ففي هذا الحي السعيد مصبها، وفيه يستحيل الذهب فنوناً، وتقوم الرياض على قنة الجبل كأنها البنود المرفوعة. أليس زرعها يتماوج من مداعبة النسيم كما تتماوج البنود، أليست مطرزة بألوان من الزهر مختلفات بين أحمر القرنفل وأبيض النرجس وأصفر الورد وأزرق البنفسج، على صفحة من خضرة مذهبة؛ ثم لعل ما ينفح الناس من طيبها فينبههم إلى تحيها إذا أغفلوا، إنما يقوم في موضع تلك القداسة المعنوية التي تنبه الناس إلى تحية العلم.
بلغت السيارة بنا حي وال كيشر، فتباطأت عند أقدامه وتهيأت للتصعيد في مراقيه، وأخذت تطوي مسالكه ونحن في داخلها كأننا تحت أجنحة طائرة وقد مهد الطريق على شدة صعوده وكثرة متعرجاته، وامتد الزرع على جانبيه، وقد امتزج سكون الليل إذ ذاك وسكون العظمة يزدهي بها هذا الجبل الذي لا يحمل على أكتافه ولا يضم إلى صدره إلا العظماء وفنونهم؛ فإذا رهبة زاد بلوغها في النفس هذه الأضواء الخافقة التي تشع من مصابيح الطريق، ولا راجل في مراقي هذا الجبل بل سيارات تصعد بأهلها أو تهوي بهم فينة بعد فينة وفيم يقدم الراجل على ركوب هذا الجبل؟ وهو لا ناقة له فيه ولا جمل؟ أما خفوت الأضواء، فلعل له غاية لا تمت بسبب إلى مبادئ الاقتصاد، هذه المبادئ التي يلفظها هذا الجبل، بل لعله يرتفع بساكنيه معتصماً بالعلو من سيلها، وعاصما لهم منه إنما هي دعوة الجمال ومن آياتها إلا يطغي النور الصناعي على النور الطبيعي، على نور القمر وما أحاط به من كواكب.
كنا نجتلي مفاتن هذا المنظر السحري، والسيارة توغل فيه كأنما نسيت أنها تقصد بيتاً، فاندفعت على غير هدى تريد أن تصل إلى أعماق هذا الإبداع؛ أما أنا فقد مرت بي برهة ما شككت أثناءها في أنني اترك العالم، وفي أنني لن البث طويلاً حتى ابلغ ما وراء
стр. 8844
الكون، واهتدي إلى أسرار الخلق وغوامض الحياة والموت. . ثم ليكن ما يكون، وما زالت أرواحنا تسمو ويخلص جوهرها من شوائب الدنيا وأعراضها وشهواتها حتى صارت كأنما فرغ الله من صنعها منذ طرفة عين، ذلك كله والسيارة تهتز في منعطفات الجبل كأنها سكرى. . . بل هي سكرى! ولم لا؟ وهي تسبح في خمر الطبيعة ثم لم لا؟ ومن شان هذا الجمال ان يشيع الحياة في الجماد.
انتهينا إلى بوابة رحيبة الجانبين مفتوحة المصراعين، وكلت حمايتها إلى حارسين عليهما أزياء الجند، ما إن نفذت سيارتنا منها ثم هوت خطوات في جادة القصر، حتى كنا في قلعة ذات أبراج تكاد تقطع بيننا وبين معالم الدنيا، وكأنما أعدت لتقارع الفناء وليمتنع بها الأبد.
ثم استقرت السيارة بنا في منتصف هذه الجادة عند ردهة على يمينها ذات ثلاثة أبواب وهنالك ابتذرنا خادمان ملتحيان هما من أبناء الطائفة بالسؤال، فاجبنا، وان هي إلا برهة حتى استقبلتنا غرفة الانتظار عن يمين الردهة فلما شرعت إليها ساقي، همس سائق السيارة في أذني بإنجليزيته المفهومة على أي حال، أن اخلع نعليك فذلك عند القوم سنة مؤكدة، وقد فعلت، ودخلت فإذا غرفة تتسع لنحو سبعة أمتار في نصفها، صفت إلى جدرانها كراسي نظيفة ليست بالوثيرة ولا بالخشنة، وكل أبهتها في سجادتها البيضاء المتسمة بأبهى الألوان في أبدع الشكول، وفي تلك الصور القليلة تحف بها إطاراتها الثمينة وقد ثبتت إلى الجدران وبينها صورة الحرم القدسي رصعت بالأصداف وقد علمت أنها كانت فيما حمله وفد المؤتمر الإسلامي إلى الهند من هدايا؛ فكانت نصيب هذه الغرفة
ظللت أتأمل محتويات الغرفة دقائق لعلها بلغت عشراً، حتى اقبل علي رجل معتدل القامة كريم الوجه، هو في ضحى العقد السادس من العمر، ينبئ الجد في ملامحه والنفوذ في عينيه خلف منظاره الأبيض، والانتصاب في قامته، والهدوء في نبرات صوته عن ان له في هذه الدنيا شأناً؛ طويل اللحية أسودها، يرتدي معطفاً قصيراً من أقمشة الصيف خفيف الاسمرار مشدوداً إلى عنقه، تحته بنطلون من القماش نفسه، وقد تعمم على طربوش، فحيا، ثم استوثق من أنني صاحب الموعد المضروب، فاقتداني إلى مجلس داعي الدعاة.
ذاك رئيس الوزارة البهرية، وكاتم سر إمامها، واقرب القوم إلى نفسه، وهو من وجوه المدينة واعلام رجال المال فيها، وهو ممن يلقي الحاكم إليهم سمعه، ولا يضن بالطاعة له
стр. 8845
المحكوم. . . ثم هو قبل ذلك ومع ذلك وبعد ذلك، خادم للشيخ لا يعدل بمرتبته تلك مرتبة إلا أن تكون في السماء.
القاهرة
محمد نزيه
стр. 8846
حافظ بك إبراهيم
اثر حياته في أخلاقه وشعره
بمناسبة ذكراه
بقلم السيد احمد العجان
تمهيد
لست أحاول التحدث عن نواحي الدراسات المختلفة في أدب حافظ، فان مباحث شعره المتعددة لا تأتى عليها لمحة سريعة ووقت قصير؛ ذلك لان العاطفة في رثائه موضوع دراسة، وتداعي المعاني في خمرياته موضوع دراسة، وظرفه وفكاهته ومدحه ووصفه كلها محل بحث وتناول وتحليل. ولقد تكلمنا عن حافظ (الشاعر الوفي لمصر) في ذكراه الثانية، وسنتكلم اليوم عن ناحية جديدة لها متين الصلة بالمجتمع، وكبير الأثر في حياتنا العامة، وهي اثر حياته في أخلاقه وشعره.
- ١ -
نشأ حافظ إبراهيم ﵀ نشأة شعبية قد زخرت بألوان العيش تقلبت بين متع دنيا لم تشبعه، وبؤس زمان غلب عليه، وعاش مسكيناً وبائساً في مجموع حياته، لا نستطيع أن نحدد صفوه ونعيمه بشهر معلوم، ولا بسنة، ولا بفترة من الزمان طويلة؛ فانه قد يكون في اليوم الواحد شقياً وسعيداً، بائساً وغياً، إلا انه في المجموع متغلب البؤس، متداني الرزء، غير مجدود
وما النعيم لديه إلا فترات يخلقها ما فيه من ظرف ومرح، وتبعثها مداعباته وفكاهته، ويولدها تفاؤله بالمستقبل، ويقينه في الظفر، ثم ما يراه في العلم والفضيلة من تقريب للسعادة، وسمو بالروح.
وهذا القدر من الظرف والمرح هو الذي هيأ لحافظ عطفاً على فقره، وولد فيه حناناً من بؤسه، وحببه إلى الصحاب والعارفين، ودفعه إلى مواساة البائسين، ومشاركة المحزونين، فلئن صح ان في البؤس ذلة وانكساراً؛ فان في الحنان ميلاً إلى البر، واندفاعاً إلى الصدقة.
كان لهذه النشأة اكبر الأثر في صدق شعوره وإحساسه بالآلام، وتعبيره عنها أدق تعبير،
стр. 8847
ورسمه صوراً شفافة واضحة لألوان البؤس التي يكتوي بنارها الشعب، ويقاسي بسببها العذاب وجدير بنا أن نتساءل: أكان مدفوعاً إليه بنفسه، مطبوعاً في حنانه؟ أم هو البيان يثيره والشعر يحفزه؟ أجاب حافظ ﵀ بما يقطع كل شك ويقضي على كل تأويل:
ذقت طعم الأسى وكابدت عيشاً … دون شربي قذاه شرب الحمام
فتقلبت في الشقاء زماناً … وتنقلت في الخطوب الجسام
ومشى الهم ثاقباً في فؤادي … ومشى الحزن ناخراً في عظامي
فلهذا - وقفت استعطف النا … س على البائسين في كل عام
ولقد عرف إحساسه خلق كثير: عرفه صديقه الجليل الأستاذ الشيخ عبد العزيز البشري، فقال في المرآة،: (على انه ما فتئ طوال أيامه يشكو البؤس. . . ولعل هذا من انه نضجت شاعريته في باب (شكوى الزمان)، وقال فيه ما لم يتعلق بغباره شاعر، فهو ما يبرح يطلب البؤس طلباً، ويتفقده تفقداً) ولا ينبئك مثل صديق
وعرفه كل من خالطه وعاشره، بل عرفه كل من قرا شعره، وتصفح ديوانه الذي هو صورة من نفسه
(قد دروا أن الشعر في كل ارض … هو من نفس أهلها منزوع)
- ٣ -
إذن كان حافظ يتطلب البؤس والبائسين تطلباً، ويتفقدهم تفقداً، وكانت لديه رغبة قوية صادقة في مشاركة البائسين آلامهم، ومشاطرته احزانهم، (والرغبة الحق هي تلك القوة الروحية التي توحي إلى الشخص القيام بالشيء بهمة لا تعرف الكلل، ولا تقف دونها عقبة: رغب (ابراهام لنكولن) في تحرير العبيد يوم ذهب مع بعض العمال إلى السوق، فوجد جارية تباع وتشترى، فتألم لبيع الإنسانية وشرائها الألم كله، وتمنى أن لو أعطى سلطة حتى يضرب على الاسترقاق بيد من حديد، فأعطى الفرصة بعد زهاء ثلاثين عاماً، بانتخابه رئيساً للجمهورية في ولايات أمريكا المتحدة، فكان من أوائل اعماله، العمل على تحرير العبيد وان شدة الرغبة في الإصلاح الاجتماعي هي التي جعلت (شارلز ديكنز) اكبر كاتب ومصلح اجتماعي بانجلترة في القرن التاسع عشر.
стр. 8848
وان الرغبة في أعمال الآلات هي التي جعلت (اديسون) اكبر مخترع في القرن العشرين. والأمثلة كثيرة لا حصر لها) وهذه الرغبة كانت قوية لدى الحافظ، تهزه ويجيش بها صدره، صادقة غاية الصدق، أراد بها إنقاذ الشعب من ذله، وتحريره من إساره وعبوديته؛ فلست احسب رجلاً وهبه الله إشفاقاً على البائسين، وحناناً على صرعى الفقر، وضحايا الإملاق، ومنكوبي الزلازل والغرق والحريق كشاعرنا العظيم؛ فهو يرسم ببيانه الذي يطاوعه صوراً ناطقة تكاد تتجسم أمامك، وتمثل بين يديك، تسمعك أنينها وتوجعها، وتبثك آلامها وتفجعها، وتحرك فيك ما كمن من عطف واستتر من حنان. فما سنحت فرصة إلا غرد بالألم، ولا حانت مناسبة إلا دعا إلى الرحمة.
- ٤ -
ولهذا نراه شديد الولوع بقصص المرزوئين وروايات المعدمين. شغف (بالبؤساء) فترجمها، وهام بها فنقلها إلى لغة قومه، لان فيها إرواء لعاطفته، وغذاء لنزعته، وتعبيراً صادقاً عن خلجات فؤاده، ولأنها منتجع خاطره، ومهوى قلبه. واختار لها من الألفاظ والأساليب ما يذيب قسوة الصلد رقة وليناً، ويخترق إذن الأصم فيضحى سميعاً. ولأنها تمثل لوناً من الإنسانية المعذبة، وطائفة من أسرى العوز، وضحية من ضحايا تتكرر على الدوام ولا تنقطع، تتكاءدها الهموم، وتمثل بها خطوب الزمن، وتنهشها أفاعي الضنك على مرأى من السراة وأولي الأمر؛ فلا يخلصها منقذ، ولا يدافع عنها نصير.
- ٥ -
ثم لهذا نرى الغزل في شعره قد توارى واختبأ، ولا نستطيع أن ننسب حافظاً إليه، لأنه أحس بما يشغله عن تتبع المرأة، ويصرفه عن طلابها
وقد يكون ذلك لضيق اليد، وخلو الجيب، إذ من شان الاتصال أن يتطلب المال، والوقت، والثراء. ولكني ارجح الأول؛ لسمو غايته، ونبل مقصده، وموافقته لحياة شاعرنا ثم لهذا أيضاً بكى كل مصاب ومفجوع، وناح على كل ضائع وشريد، واستبكى المحسنين معه ليستدر عطفهم ويستميل قلوبهم
- ٦ -
وإذ أحس أن كثيراً من أهل العسرة وضيق اليد يرمقون المال ويتشهونه، حتى إذا لم ينالوه
стр. 8849
يئسوا من الدنيا، وسخطوا على الحياة، اخذ ﵀ يعالج أدواءهم، ويهدم مذهبهم فهو مع فقره لم يتبرم بالحياة إلى حد القنوط، ولم يسخط عليها حتى اليأس. فليس التجرد من المال فقراً، وتكدس الخزائن به غنى، ولكنه وسيلة ترفيه وأداة رغد، فان لم يفد متاعاً ولم يكسب مغنماً، فلا خير فيه ولا منفعة منه. وانه كثيراً ما اجتمع له المال الوفر من كتب ألفها وترجمها ومقالات كتبها وسطرها، ووظيفة قبضها، فما استقر عنده، ولا عمل على إبقائه. قال الأستاذ البشري في المرأة: (وهو أجود من الريح المرسلة، ولو انه ادخر قسطاً من الأموال، لكان اليوم من أهل الثراء، على انه ما فتئ طوال أيامه يشكو البؤس، حتى إذا طالت يده الألف جن جنونه، أو ينفقها في يوم أن استطاع)
- ٧ -
ثم امسك بأيديهم، ونهض بهم إلى حيث المجد يبتغي، والشرف ينال، وعزة النفس تكتسب: بالعلم، بالآباء، بالكرامة والرزق ووفرة المال، بالسعى، بالهجرة، فارض الله رحبة واسعة:
وفيها لمن رام الحياة سعادة … وفيها لمن رام النعيم مقام
والتفت إلى الحاكمين والسراة يستثير عطفهم، ويحرك الشفقة والحنان نحو مساكين تنتابهم غير الدهر، وتتوالى عليهم أحداث الزمان، وبائسين يؤلمهم الفقر، ويؤذيهم العرى
- ٨ -
وعاطفة المواساة ترتقي بحافظ: فلا تقتصر على مواساة الفقراء والمنكوبين، وأسرى الحروب والمملقين، ولكنها تنوح بالألم، على كل حالة يعتبرها صاحبها شقاء ويظنها تعساً. على كل حالة تصرع الرجل فيه الشدائد، وتضعضعه النوائب، وتهده العظائم والشوائب. على كل حالة يتبدل فيها شان الإنسان من رضى وسكون ودعة، إلى تبرم وسخط وكراهة، من شعور بالراحة والسعادة والهناء، إلى تذمر وامتعاض وموجدة، فنراه يواسي ملوكا غاب عن جبينهم التاج، وسلاطين خلت أيديهم من الملك، تواسى ملوكاً غاب عن جبينهم التاج، وسلاطين خلت أيديهم من الملك، وأصبحوا يحتمون بالقانون بعد أن كانوا مصدر القانون! ويخضعون للنظام وقد كانوا يصدرون النظام! ويبتدئون بالتحايا العارفين وقد كانوا بها يبتدأون، ولهم مراسيم تقضى وواجبات تؤدى. . .!!
هذه الإمبراطورة (أوجيني) زوجة نابليون الثالث تقدم مصر بعد زوال ملكها، فيرفع لها
стр. 8850
حافظ تحيته، بل مشاطرته ومواساته:
إن يكن غاب عن جبينك تاج=كان بالغرب أشرف التيجان
فلقد زانك المشيب بتاج … لإيدانيه في الجلال مداني
ذاك من صنعة الأنام وهذا … من صنيع المهيمن الديان
فأعذرينا على القصور كلانا … غيرته طوارئ الحدثان
وقال في فتنة الآستانة موجهاً إلى السلطان عبد الحميد صورة من التأسي والتصبر، مشفقاً عليه باكياً، بعد أن كان مغيظاً خانقاً، يعيب على الشامتين شماتهم، وينتقص رجولتهم، ويبين أنه لا زال خارج الحكم عبد الحميد كما كان مملكاً حاكماً:
كنت أبكي بالأمس منك فمالي … بت أبكي عليك عبد الحميد
فرح المسلمون قبل النصارى في … ك قبل الدروز قبل اليهود
شمتوا كلهم وليس من الهم … ة أن يشمت الورى في طريد
ما عهدنا الملوك تبكي ولكن … علها نزوة الفؤاد الجليد
شفح الدمع فيك عند البرايا … ليس ذاك الشفيع بالمردود
دمعك اليوم مثل أمرك بالأم … س مطاع في سيد ومسود
ولعل هذه الفواجع المتكررة، والأرزاء المتتابعة، التي يستوي فيها الفقير لا يجد قوتاً، والشريد لا يعثر على مأوى، والملك لا يأمن غدر الدهر وخيانة الزمن، والسلطان لا يستقر به الجاه، ولا تدوم له العزة - لعل هذه الفواجع - هي التي جعلت حافظاً ينحى باللائمة على حواء أمنا الأولى؛ لأنها ولدتنا ولم توص الزمان بنا خيراً، مع عرفانها بصروفه وأكدراه:
لم تلدنا حواء إلا لنشقى … ليتها عاطل من الأولاد
سلمتنا إلى صروف زمان … ثم لم توصها بحفظ وداد
ولكنه في غضبه هذا لم يذهب كما ذهب غيره: يدعو الموت ويتطلب مبارحة الحياة وفراق الدنيا، ولم يكن كمن قال: (فيا موت زر إن الحياة ذميمة)؛ ولا من قال: (ألا موت يباع فأشتريه)؛ بل فطن لما فرط منه، وأنتبه لما بدر، فنفض عن نفسه غبار الشجو، وكابوس الجزع، فهو يسوءه أن يضيق ذرعاً بدنياه، ويؤكد أن الاستسلام للألم مما يشينه، وقد يعوقه
стр. 8851
عن تأدية رسالته. فالمواساة ليست بكاء فقط، أو ألماً فحسب، ولكنها: تسرية هموم وتخفيف مصاب، ثم هي فوق ذلك جلب منفعة، وإكساب غنيمة، وليس في مقدوره أن يخدم الفقراء والبائسين إذا ضاق بالحياة وسخط على الدنيا، وأتروى بعيداً، لا يتصل بالحاكمين، ولا يتعرف ما عند المحسنين.
- ٩ -
ولقد عرف أن تخليد الذكر إنما يكون بالإحسان، فهو أبقى على الزمن، وأدوم في التاريخ؛ فأخذ يغري الحاكمين بالعطف على أبناء الشعب والعمل على إسعاده، ولا سيما إن منصب الوزارة ليس دائماً، ولكنها الصالحات والمؤسسات الخيرية أبقى وأكثر دواماً:
إن المناصب في عزل وتولية … غير المواهب في ذكر وتخليد
وأغرى السراة بالإنفاق على الفقراء، فلقد يكون منهم الزعيم السياسي يخلص الوطن وينقذ البلاد، أو الرئيس الديني يرعى الأخلاق ويحمي الشريعة، أو الشاعر النابغة يهز القلوب طرباً، ويثقف العقول بياناً وحكمة:
أيها المثرى إلا تكفل من … بات محروماً يتيماً معسراً
أنت من يدربك لو أنبته … ربما أطلعت بدراً نيراً
ربما أطلعت (سعداً) آخراً … يحكم القول ويرقى المنبرا
ربما أطلعت منه شاعراً … مثل (شوقي) نابها بين الورى
ربما أطلعت منه (عبده) … من حمى الدين وزان الأزهرا
كم قضى البؤس على موهبة … فتوارت تحت أطباق الثرى
كل من أحيا يتيما ضائعاً … حسبه من ربه أن يؤجرا
ثم نراه يبين لأولئكم السراة أن لا قيمة للمال إذا لم يعصمنا من الفقر، ولم نؤسس به الملاجئ، ودور العلم، وبيوت الشفاء؛ فإن الدينار نفرح به ما دام في أيدينا، حتى إذا ما دخلنا به السوق كان والدرهم سواء. والمال الكثير إذا حل الغلاء؛ يكون قليلاً يمضي سريعاً.
نهش إلى الدينار حتى إذا مشى … به ربه للسوق ألفاه درهما
فلا تحسبوا في وفرة العلم لم تفد … متاعاً ولم تعصم من الفقر مغنما
стр. 8852
فإن كثير المال والخفض وارف … قليل إذا حل الغلاء وخيما
- ١٠ -
ولقد بصر بلذع السؤال ومرارته، وألم الاستجداء وحرقته فأهاب بالمحسنين أن يصدروا عن عاطفة، وألا يحرجوا المحروم؛ فأن خير الصنائع ما تنبو بحاملها عن الإهانة، وإن الذي يجود بعد إلحاح وطلب كثير؛ لهو المعدود من البخلاء:
خير الصنائع في الأنام صنيعة … تنبو بحاملها عن الإذلال
وإذا السؤال أتى ولم يهرق له … ماء الوجوه فذاك خير نوال
من جاد من بعد السؤال فإنه … وهو الجواد يعد في البخال
وهو لذلك يربأ بنفسه أن تمديده لذي منة، وأن تبسط لمن يستعذب سؤال المحتاج، أو من يعتز بغناه ليسخر من مسهب معوز؛ فيعف ويود لها البلى قبل سؤال الدنيء اللئيم.
أيا يد ما كلفتك البسط مرةً … لذى منه أولى الجميل وأنعما
فلله ما أحلاك في أنمل البلى … وأن كنت أحلى في الطروس وأكرما
- ١١ -
لحافظ ﵀ مذهب في الإحسان، فهو يرى أنه ليس منة وفضلاً يفخر به ذووه، وتعلو به رؤوسهم وتشرف أقدارهم، وإنما هو واجب على المثري أن يؤديه، وحق للفقير يجب أن يوفيه، ودين لا يفر من قضائه إلا مماطل، ولا يهرب منه إلا نذل دنيء. والإحسان في نظره يستطيع كل إنسان أن يؤديه:
بالقول!! يخفف به الألم عن الشاكي، ويثير به همم أولي العزم والمروءة والنجدة.
وبالدمع!! مشاركة للمحزون فيما أحزنه، وللمهموم فيما أفجعه وللمصاب فيما أصابه.
وبالمال!! الذي هو العون في قضاء الصوالح، والجالب للنفع، والدافع للضر، به نقضي الرغبات ويؤدي المطلوب قال في زلزال إيطاليا:
سلام على الأول أكل الذئ … ب وناشت جوارح العقبان
وسلام على امرئ جاد بالدم … ع، وثني بالأصفر الرنان
ذاك حق الإنسان عند بني الإن … سان. لم أدعكم إلى إحسان
(البقية في العدد القادم)
стр. 8853
السيد محمد العجان
стр. 8854
إلى الأستاذ أمين الخولي:
حول الفقه الإسلامي والفقه الروماني
للأستاذ صالح بن علي الحامد العلوي
قرأت ما كتبتم رداً على مقالي عن الفقه الإسلامي والروماني وأشكركم على حسن ما ظننتم بي من الغيرة الدينية وجميل الأدب في النقاش. وبما أنك أيها الأستاذ قد تنكبت في ردك جوهر الموضوع في مقالي إلى ناحية أسلوب التفكير وصحة الانتقال والاستنتاج - كما عبرت - مكتفياً ببيان أنك قد أطلعت على الموضوع نفسه وأنه قد نشر في مصر - وربما بنصه - منذ ربع قرن مضى الخ، وقلت إنك قرأته ولا تزال تذكره جيداً ومع ذلك قلت فيما قلت عن تأثر الأوزاعي بالفقه الروماني الخ.
فإني أقول لك - على تسليم ما ذكرت -: إني لم أكتب ما كتبت متهماً لك في معارفك ومعلوماتك، ولا لأن أقنعك أنت وحدك فقط دون الجم الغفير من قراء (الرسالة) الغراء الذين قد قرأوا ولا شك رأيك ورأي غيرك في الموضوع إلا لما كان الأمر في حاجة إلى نشره في صحيفة سيارة كا (لرسالة)، فالأمر قد صار أعم من أن يختص بي أو بك. أفليس من اللازم أن تجيب - ولو بإيجاز عن كل ما كتبت ونبسط للقراء رأيك مدعماً ببراهين لا تنقص - على الأقل - عن براهين مناظرك، وبذلك تكون قد أنرت السبيل للقراء لأن يهتدوا برأيك ويتفقوا معك على تأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني. وإلا فلا معنى لأن تفتح باب البحث مختاراً، ثم إذا دعيت إلى بسطه عمدت إلى سده متعللاً بضيق الوقت.
لا يا أستاذ! إن الوقت الذي تعتذر بضيقه الآن قد أتسع لدرس علوم وفنون وصنائع قد ضاق عن أقلها الزمن الماضي، فلماذا يضيق ذرعاً بالخوض في هذا البحث وحده؟
وإذا كان قراء الصحف الأسبوعية لا ينشطون للمناقشة الفنية كما قلت فإني اجل قراء (الرسالة) بخاصة عن ذلك فالرسالة في اعتقادي هي الصحيفة الأسبوعية الجدية الوحيدة التي ينبغي أن تضطلع برسالة العلم - كما يعبر اليوم - والأدب والفن، وارى أن قراءها كذلك يمتازون من قراء غيرها من الصحف على أن الصحيفة الراقية هي التي ترفع قراءها إليها لا التي تنزل إليهم والآن اخذ في ذكر ملاحظاتك على مقالي والرد عليها.
وابدأ أولاً بأخذك عليَّ قولي: إن الأخذ والتأثر يجريان إلى مدى واحد بقولك: (إن التأثر قد
стр. 8855
يكون سلبياً صرفاً، ثم استشهادك لذلك بان الوثنية العربية قد أثرت في الإسلام في تحريم التصوير والنحت الخ، والحق أيها الأديب أن تحريم التصوير ليس من موضوعنا في شيء، وليس إلا من باب سد الذرائع وهي القاعدة المعمول بها في الإسلام ولا تزال أصلاً في مذهب مالك؛ ومن أمثلة ذلك في الإسلام تحريم آلات اللهو سداً للذريعة في تعاطي الخمر، وضرب الحجاب على المرأة للذريعة في افتتان الرجل بها، كالعكس إلى غير ذلك، فلماذا أيها الأستاذ لا تجعل تلك من هذه؟ ولا تكون في حاجة لتكلف هذا التأثير السلبي غير المفهوم، اللهم إلا إذا كان كتأثير الشيء بضده في ظهوره ووضوحه عند المقابلة كالبياض مع السواد فيكون هذا من باب: وبضدها تتبين الأشياء
ثم اني أخشى أن يعد ما قلته أيها الأستاذ خطوة في التهرب من الموضوع والتملص منه، ذلك لان اصل البحث الذي نحن فيه انه وجد في الفقه الروماني تشابه مع الفقه الإسلامي فهم منه البعض وجود علاقة بين الفقهين، فادعى كولدزهير ومن قلده تأثر الفقه الإسلامي بالروماني، فقلنا كما قال غيرنا أيضاً: إن الأحرى والأنهض بالدليل أن يكون الروماني هو المتأثر. هذا هو حاصل الموضوع، فلو سلمنا صحة تقسيم التأثير إلى إيجابي وسلبي كما قلت أيها الأستاذ فما السلبي مما نحن فيه في قليل ولا كثير. وإذا كنت ترى تأثر الفقهاء بالفقه الروماني إنما هو تأثير سلبي بهذا المعنى فقد لا يبقى بيننا ما يستوجب النزاع والمناقشة
(٢) وقلت أيها الأستاذ عند قولي: إن الإسلام في ذاته جاء خارقاً لقاعدة البيئة والثقافة، إذ قام به النبي محمد ﷺ ، وهو النبي الأمي الذي نشأ ابعد الناس عن أن يطلع على قانون روماني أو حكمة منقولة، وإني بهذا الدين الأقدس مناقضاً كل المناقضة لما عليه قومه. . . الخ. قلت: (إن هذا القول غريب من. . . لأنه لا يصح إلا على تقدير أن هذا الدين من صنيع الرسول نفسه وهو أمي. . . الخ فعمله ناقض لقاعدة البيئة والثقافة، أما على أن الإسلام كما في حقيقته وحي إلهي فلا يستقيم هذا التمثيل مطلقاً في نقض قاعدة البيئة والثقافة الخ).
فلولا حسن ظني بسلامة نيتك أيها الأستاذ لعددت هذا منك مغالطة غير سائغة من مثلك؛ ذلك لأني لم أقل فيما كتبت إن الإسلام بظهوره بهذه الصفة ناقض لقاعدة البيئة والثقافة قط،
стр. 8856
ولكني قلت: إن الإسلام في ذاته خارق لها، لأنه دين سماوي ووحي إلهي لا تتحكم فيه بيئة ولا تؤثر عليه ثقافة؛ على أن قولي خارق أحرى بأن يفهم منه إثبات قاعدة البيئة والثقافة؛ لأن الخارق ما خرق العادة وخالف مقتضاها، والغرض مما قلت بيان أن الإسلام في فقهه وعقائده وعباداته لا يتطرق إليه تأثير البيئة والثقافة، لأنه في كل ذلك جاء خارقاً لقانونها، ولم أقل قط إن الإسلام ناقض لقاعدة البيئة والثقافة كما فهمت أيها الأستاذ، بل قلت: إنه خارق؛ وفرق بين مدلولي اللفظين، فليشهد القراء وليحكموا!
(٣) وقلت أيها الأستاذ عند قولي: إن الشريعة الإسلامية وجدت كاملة دفعة، أو بعبارة أصح جاءت في زمن واحد. . . الخ (إن هذه العبارة أوضح من أن تحتاج مخالفتها إلى دليل). فلماذا أيها الأديب الفاضل؟ فهل كنت تنكر أن الرسول ﵌ لم يمت إلا وقد تركنا على المحجة البيضاء، حتى ترى أن بعض الشريعة لم يوجد إلا بعد زمنه؟ ألم يقل الله جل ذكره في كتابه العزيز: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي)؟ ويقول أبن عباس السدي في تفسيرها: إن المعنى اليوم أكملت لكم حدودي وفرائضي وحلالي وحرامي تنزيل ما أنزلت وتبيين ما بينت لكم، فلا زيادة في ذلك ولا نقصان منه بالنسخ بعد هذا اليوم؟ حتى غال بعض نفاة القياس فأحتج بها على إنكاره.
(٤) ثم ذكرت أيها الأستاذ قولي: وهيأ لنا شريعة كاملة، وقانوناً ربانياً منظماً يصلح لأن يطبق على أي جيل وعلى أية أمة، ولم يزد فيه الفقهاء شيئاً قط إلا تصنيفه ونقله. . . إلخ، فقلت: (إن هذا الكلام ليس أحسن حالاً من سابقه، فالفقهاء قد فهموا وطبقوا واستنتجوا واستنبطوا. . . الخ) ونحن لا ننكر هذا، وعبارتي لا تفيد نفيه إذ لست ظاهرياً، وقد شاء قلمك أيها الأديب أن يقتضب من عبارتي ما شاء فقط، وإلا ففي آخر الفقرة بيان المراد، فقد قلت في آخرها إنهم (أعني الفقهاء) فيما لم يجدوا فيه نصاً صريحاً يطبقونه على قواعده الأساسية، وهذا هو معنى الفهم والاستنباط، ولا يقال له زيادة ولا تعارض في العبارة، لأن المراد بما لم يزد فيه الفقهاء شيئاً أصوله وقواعده الأساسية، وهي التي لم يلحق المشرع الأعظم ﵌ بالرفيق الأعلى إلا وقد تركنا منها على سبيل واضح وقانون رباني منظم وشريعة كاملة، فيحسن أن نقول هنا إننا والأستاذ الفاضل على خطة اتفاق.
стр. 8857
(٥) وقلت أيها الأستاذ إن قولي (. . . والنصوص الفقهية كلها صريحة بينة الأغراض واضحة المرامي، يناقضه قولي في القرآن: على إن الاختلاف في تفسيره ليس إلا لإيجازه المعجز مع بعد مراميه الغيبية، وقلت: (إن هذا الإيجاز المعجز لم يفت آيات الإحكام كذلك وبعد المرامي يشملها. وجوابي عليك أن آيات الإحكام قد جاءت مفسرة بالسنة إلا ما ندر منها كآية الربا، فلم يبق مجال للاختلاف فيما أوضحه الرسول ﵌ كما يمكن أن يكون في غيره مما لم يفسر بالسنة، وبهذا يتضح الفرق بين أدلة الإحكام والتفسير المختلف فيه، ويصح به لنا القول بألا يقاس بالفقه التفسير، وحسبك دليلاً على الفرق بين فهم الكتاب وفهم السنة ما صنع الإمام علي كرم الله وجهه عند إرساله ابن عباس ﵄ لجدال الخوارج، إذ أمره أن يتوخى جدالهم بالسنة حرصاً على إلا يخطئوا في فهم القرآن وتأويله، وما ذاك إلا لما ذكرنا.
(٦) وتقول أيها الأستاذ (وإذا كانت النصوص صريحة بينة الأغراض ففيم أختلف فقهاء المذاهب الكثيرة المتعددة الخ.
وأقول لك إن سبب الخلاف بين فقهاء المذاهب ليس اختلاف البيئة والثقافة مع غموض الأدلة، ولكن السبب الأكبر هو اختلاف علمهم بالأدلة أولاً، ثم تفاوت مراتبها عندهم قوة وضعفاً، وقد كانت السنة آنئذ تتلقى من أفواه الشيوخ. وقد يبلغ الفقيه حديث لم يبلغ الآخر، أو يكون هذا سمعه بطريقة أقوى من طريق الآخر، وهذا عندي السبب الأكبر في اختلاف الفقهاء.
ولذلك قال الشافعي إذا صح الحديث فهو مذهبي. ونحن لا ننكر اختلاف الأفهام في الاستنباط أصالةً، ولكنا ننكر لزوم أن يكون ذلك من آثار البيئة والثقافة، فاختلاف الإفهام جار حتى بين أبناء المدرسة الواحدة والبيئة الواحدة كما هو مشاهد، فلا يصلح دليلاً لتأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني.
(٧) واستطرفت أيها الأستاذ الأديب تمثيلي للصراحة بقولنا مثلاً لا تكذب قائلاً: (إن هذه المسألة على وضوحها الشديد محل خلاف تعدى إلى كتب البلاغة) والكلام إنما هو تمثيل للصراحة لغة، وفرق بين رسوم الألفاظ وحدودها المنطقية وبين صرائح مؤدياتها اللغوية.
ثم إني لم أمثل بهذا إلا توضيحاً لكون الكلام العربي الصريح لا يختلف معناه على حسب
стр. 8858
الأزمان والبيئات؛ ويدل على هذا قولي بعد ذلك: وأرى أننا لو نقلنا خطبة رسول الله ﵌ في حجة الوداع مثلاً ونشرناها اليوم لما فهم منها، أي إجمالاً، من يعرف مدلولات الكلام العربي من مثقفي اليوم إلا ما فهمه عشرات الألوف من المسلمين حينما خطبهم رسول الله ﵌ في ذلك الموقف الرهيب قبل ثلاثة عشر قرناً ونصف).
وهذه ميزة للغة الضاد يجب ذكرها على حين أن بعض اللغات سواها قد تغيرت وتطورت تطوراً كاد يجعلها مقطوعة الصلة بينها وبين ماضيها قبل مائتي سنة.
(٨) وأما استغرابك لقولنا إن أغلب النصوص الفقهية من السنة، فيذهب إذا علمت إن آيات الأحكام جاءت جلها إن لم نقل كلها مفسرة موضحة بالسنة، فالسنة مع كونها مصدراً خاصاً لبعض الأحكام فهي في بعض واسطة بين الكتاب وبين الفقهاء في فهم آيات الأحكام، وبهذا تعلم أغلبية الأدلة الفقيهة التي من السنة وإن كان أغلبها في الحقيقة تفسير ما أجمل الكتاب، وهذا معنى التبيين في قوله تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما أنزل إليهم) آية.
(٩) ثم قلت أيها الفاضل مستدلاً على تأثر الأوزاعي بالفقه الروماني: (إن الرومانية حكمت الشام قطعاً، وكان ذلك الحكم لقرون كثيرة قطعاً، وكانت الدولة الرومانية وحكمها الشام قبل الإسلام قطعاً. . . ثم قلت وكان الإسلام هو الذي خلف على ذلك بلا شك، وكان لهذا على طول الزمن أثره الذي تختلف به الشام عن الحجاز مثلاً، ولا بد والأوزاعي أبن هذه البيئة الحديثة العهد بهذه الحال الرومانية فلتلك البيئة وهاتيك الثقافية وأثرهما المحتوم في تكوين الأوزاعي الخ. فلو سلمنا جدلاً بصلاحية الفقه الإسلامي وقبوله للتأثر بالبيئة والثقافة كما تعتقد أيها الأستاذ الفاضل، فالشام لم يفتح في عهد الأوزاعي ولكنه فتح في عهد عمر ﵁، والأوزاعي - وهو من تابعي التابعين، ومن الطبقة السابعة من الرواة، ومن أهل القرن الثاني - لم يأت إلا وقد أنصرم، أو كاد ينصرم بعد رسوخ الإسلام في الشام جيل كامل. ثم إن الإسلام من شأنه أنه لم يفتح بلاداً وتطأها أقدام جنوده الأبطال إلا وينقل إليها معه حضارته وآدابه وأحكامه، وأصرح من ذلك أن أقول إن الإسلام لم يفتح البلاد ويتولى الشعوب إلا لينسخ أدياناً ويقر مكانها ديناً واحداً، ويهدم قوانين ويبني بدلها قانوناً جديداً مفرداً، ويجتث حضارات ويغرس محلها حضارة واحدة؛ فالإسلام لم يفتح
стр. 8859
أرضاً ولم يحكم شعباً إلا ليؤثر فيه - يا مولاي الأستاذ - لا ليتأثر به.
وقد تولى الإسلام الشام منذ عهد الخليفة الثاني وأسبغ عليه من روحه وثقافته وتعاليمه حتى غدا إسلامياً صبغةً وروحاً، ومضى على ذلك زمن، ولم يأت الأوزاعي إلا والشام في دينه وروحه وثقافته إسلامي صرف، ولم يبق به من ثقافة الرومان عين ولا أثر. فالأوزاعي وليد بيئة إسلامية وثقافة إسلامية، فتسرب الثقافة الرومانية إليه بعد أن اندثرت وسحب الدهر عليها ذيل النسيان وحل محلها ما هو خير ثقافة وأعدل حكما - من البعد بحيث لا يستسيغه عقل المتثبت الحازم.
(١٠) والعجيب أيها الأستاذ الفاضل أنك في آخر ردك على مقالي قلت لا أدع منه عبارة ختامية تلك هي. . . إن الفقه الروماني جديد لفقه جماعة من العلماء وتحقق أنهم أخذوه من الفقه الإسلامي، وهذا ما يجب إلا يعتقد خلافه كل مسلم، قائلاً بل أقول. . . لسنا في شيء من المطالبة بهذه العقيدة في الفقه الروماني، فليست أصول الإسلام ستة، تلك الخمسة المعروفة ثم سرقة الفقه الروماني من الفقه الإسلامي الخ).
ولا أدري ماذا أردت بأصول الإسلام الخمسة؟ فإن كنت تريد بها أركانه التي أولها الشهادتان وآخرها الحج، فالاستنتاج عجيب، لأنني لم أقل إن هذا الاعتقاد ركن من أركان الإسلام، بل غاية ما في الأمر إني قلت إنه واجب؛ وواجبات الإسلام يا مولاي الأستاذ أكثر من أن تكون ستاً أو ضعفها، فإذا ضممت إليها الواجبات الاعتقادية والأعمال والتروك صارت أكثر من أن تحصر! فبأي منطق استنتجت من قولي ما لم أقله، وألزمتني على هذا القول بأن أصول الإسلام ستة؟ ولا يفوتني هنا أن أقول لك أيها الأستاذ إن أدبك الجم قد سمح لك أن تنصحني بأن أعدل رأيي في هذه الأشياء قبل أن أهتم بمسألة الفقه الروماني وأخذه أصوله من الفقه الإسلامي أو تأثر الفقه الإسلامي فتلك مسائل متأخرة، ولكني هنا لم يطاوعني أدبي معك - مهما كان بالنسبة إلى أدبك - أن أقول لك مقال الناصح المشفق إنه يحسن أن تصلح منطقك أولاً قبل التعرض لتطبيقه على مثل هذه الأمور.
وفي الختام أقول لك إنه ليس من الخير أن يتذرع الكاتب للتغلب على مناظره بتحقيره أو مغالطته، وأعتقد أنك أعلم بأدب الحوار والمناقشة من أن أنبهك إليه والسلام عليك.
سنغافوره
стр. 8860
صالح بن علي الحامد العلوي
следующие страницы →