Полный текст (65 431 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
الحياة وكفى، فهو ملزم أن يدرس بيئته في شئ كثير من الدقة ليستطيع أن يتخذ لنفسه من أركانها مستقراً يؤويه، وليتمكن من الحصول على طعامه وشرابه في سهولة ويسر، وهو ملزم كذلك أن يعلم بعض خواص الأشياء من حيث اللدونة والصلابة مثلاً، ليبني ما يشاء من أوكار، ويعالج شؤون الحياة الأخرى، وهو لابد أن يعرف للفصول المختلفة علامات تدل على قدومها. حتى يتهيأ لأجوائها المتباينة بالريش أو الفراء، هذه وأشباهها معرفة لا ندحة عنها لكل أنواع الحيوان للذود عن كيانها والاحتفاظ بوجودها. ولكنها لا تزيد على ذلك إلاّ قليلا. والإنسان أيضاً. لديه تلك المعرفة اللازمة لاستمرار الحياة - حياة الفرد والجنس - ولكن معرفته لا تقف عند هذا القدر القليل، بل تفيض معرفته فيضاً غزيراً يطغى على تلك الحدود الضرورية، فهو يحصل جانباً من المعرفة لذاتها، وينشد العلم لأجل العلم، لا يبغي وراء ذلك قصداً ولا غاية. ومن هذا الفيض العلمي تنشأ الفلسفة والعلوم.
وللحيوان جانب خلقي غير منكور، فلديه كثير من الإيثار تراه واضحاً في حنان الأم على صغارها أيا كان نوعها ويبدو ذلك الإيثار بارزاً في هذه النحلة العاملة، وتلك النملة المثابرة، فهما تسعيان وتطوفان هنا وهناك، تجمعان القوت، ولكن لماذا؟ لخلية النحلة كلها أو لجماعة النمل بأسرها. وهذا المقدار الضئيل من الأخلاق، إنما أوجدته ضرورة الحياة عند الحيوان، أما الإنسان فقد رسم لنفسه من التشريع الخلقي ما يربي على حاجته الضرورية أضعافاً مضاعفة، فهو يفرض نفسه على الخير لأنه صالح للجماعة أولاً، ولكنّه لا يكتفي بهذا الفرض المتواضع، بل يمعن في ذلك إمعاناً بعيداً، فينشد الخير محضاً ويطلبه لذاته فقط ومن هذا الفيض الخلقي، نشأ علم الأخلاق.
وللحيوان شعور يحسه ويعبّر عنه، فهو يبغض ويحب، وهو يسر ويحزن، وهو يأمن ويخاف. ولكنه كذلك لا يعدو في التعبير عن مشاعره ذلك الحد الذي تقتضيه ضرورة الحياة. أما الإنسان، فعواطفه - وان تكن قد نشأت في الأصل لتلك الأغراض التي نشأت من اجلها عواطف الحيوان - إلا إنها قد جاوزت ذلك الحد تجاوزاً، وتركت في الأرض جذورها الأولى التي أخرجتها إلى الوجود، وانبسقت عالية منتشرة بغصونها في سماء اللانهاية، نعم لدى الإنسان من العواطف أضعاف أضعاف ما تتطلبه طبيعة وجوده، وهذا الفيض الغزير العميق من المشاعر التي تضطرم وتحتدم في الصدور لابد أن يجد متنفسا
стр. 912
يتسلل منه، ليعلن عن نفسه في أنحاء الوجود. وقد كانت الثغرة التي تدفق منها ذلك الفيض الشعوري هو الفن الجميل في ضروبه المختلفة من أدب وتصوير ونحت وموسيقى وغيرها. إذ أتخذها الإنسان أداة للتعبير عما يحسه من شعور، وهذا الشعور الذي يلتمس طريقه إلى عالم التعبير في صورة فنية، إنما يكشف عن نفوسنا وما يدور فيها من إحساس. وبعبارة أخرى إن الفنون وسيلة لابراز مشاعر النفس الإنسانية ودون الأشياء المحسة التي تتعلق بها تلك المشاعر، وبذلك أتاحت للإنسان أن يسكب نفسه أمامه، فيراها ويلمسها، وليس له عن ذلك بد بحكم تكوينه، فهو حين ينظم قصيدة من الشعر أو يضرب على أوتار الموسيقى فان ذلك يوازي في قائمة الضرورات الإنسانية - الملبس والطعام -، ومن هنا كان الإنسان هو الحيوان الذي يعرف نفسه ويشعر بوجوده.
ولمّا كانت الآداب والفنون هي شخصيتنا تدفقت إلى العالم الخارجي في مختلف الأثواب، كان لا يصلح موضوعا للفن إلا ما يتصل بنفوسنا وينتظم في سلك مشاعرنا، أو تغذوه عواطفنا، فيكتسي الرضى أو السخط أو السرور أو الألم أو غيرها، وعندئذ يصبح جزءاً منا، يصح له أن يبرز في صورة فنية. فعلمنا أن الأرض تبعد عن الشمس كذا ميلا لا يصلح موضوعاً للفن لأنه لا يمس نفوسنا، أما منظر غروب الشمس فهو يثير فينا عاطفة ما (الإعجاب مثلاً) فيمتزج المنظر بنا، ويختلج في نفوسنا، ثم لا يلبث أن يسلك سبيله إلى التعبير. وهكذا كلما اجتمعت مشاعرنا حول شئ معين فإنها تجاهد في الإفصاح عن نفسها مستعينة في ذلك بالفنون، ولما كانت معظم الأشياء التي تصادفنا في الحياة تثير فينا لونا خاصا من العواطف، فالإنسان فنان في الكثير الغالب من نواحي الحياة. فهو يشيد دوراً فخمة لمسكنه وكان يكفيه كوخ خشن ضئيل، وهو يبني المعابد والمساجد الشامخة التي ترسل قبابها ومآذنها في الفضاء، لينفس عن عاطفته الدينية، وكان يكفيه حيز محدود في العراء لأداء فريضته، وهو يخطط المدن وينسق الحدائق ليرضي عاطفته الوطنية وهو يعني بأثاث منزله وجمال ملبسه إلى آخر دقائق الحياة. لماذا؟ لأنها تمس مشاعره فتصبح قطعة من شخصيته لا يسعه إلاّ إبرازهاوالإعلان عنها.
من ذلك نرى أن الفنون جميعاً هي الأداة التي يستخدمها الإنسان ليتمكن من صب الوجود نفسه. ثم يعود فيسكبها شخصية تنبض فيها الحياة، وقد اتخذت الفنون قوالب الجمال وسيلة
стр. 913
إلى ذلك التعبير كالتصوير والموسيقى والعبارة الجميلة، فأدى ذلك إلى اقتران الآيات الفنية بمعاني الجمال فالتبس الأمر على بعض المفكرين وذهب بهم الظن إلى أن الجمال هو الغرض المقصود من الفنون. والحقيقة انه أداة فقط، استعملت للوصول إلى الغاية الحقيقية وهي إبراز الشخصية الإنسانية، وقد تبع ذلك جدل ونقاش حول موضوع لم يكن ليحتمل النقاش والجدل وهو أيهما افضل في الأدب؛ المعنى أم المبنى؟ فذهب فريق كبير إلى تفضيل العبارة الجميلة وحجتهم في ذلك أن المعنى أدخل في باب العلوم منه في باب الأدب، أما اللفظ الجميل فهو خالص لأنه قطعة من الجمال والجمال أساس الفنون! وفات هؤلاء أن جمال الأدب لا يتحقق إلاّ بمزج هذين العنصرين مزجاً (كيميائياً) لا يقبل التجزئة والتحليل، فأنت إذا أردت أن تتذوق لونا من ألوان الطعام فلا تعمد إلى تحليله إلى عناصره الأولى لتختبر كل واحد على حدة بل لابد لك أن تتناوله وحدة متماسكة. كذلك الحال في الأدب؛ الكل شئ آخر غير أجزائه. فالمعنى وحده قطعة من العلم واللفظ وحده كذلك جزء من علم البلاغة والنحو والصرف، فإذا مزجت بينهما كان لديك بذلك آية أدبية خالدة.
فالفنون ومنها الأدب هي أشخاصنا وأرواحنا في حين أن العلوم (كالأشياء نفسها) جامدة ميتة لا تتصل بنفوسنا ولا تظهر فيها الشخصية الإنسانية. وقد أحسن فكتور هوجو حين قال في كتابه (وليم شكسبير): (ينأى كثير من الناس في أيامنا هذه (ولا سيما المضاربون وفقهاء القانون) إن الشعر قد أدبر زمانه. فما اغرب هذا القول؟! الشعر أدبر زمانه! لكأنّ هؤلاء القوم يقولون؛ أن الورد لن ينبت بعد وان الربيع قد أصعد آخر أنفاسه وان الشمس كفت عن الشروق وانك تجول في مروج الأرض فلا تصادف عندها فراشة طائرة، وان القمر لا يظهر له ضياء بعد اليوم، والبلبل لا يغرد والأسد لا يزأر والنسر لا يحوم في الفضاء، وان قمم الألب والبرانيس قد اندكت، وخلا وجه الأرض من الكواعب الفواتن والأيفاع الحسان. . . لكأنهم يقولون انه لا أحد اليوم يبكي على قبر ولا أم تحب وليدها وأن أنوار السماء قد خمدت وقلب الإنسان قد مات).
والخلاصة أن الأدب والفن بوجه عام، ضرورة تحتمها المشاعر الزائدة على حاجة البقاء، وأنها صورة دقيقة لنفوسنا، تربطنا بالعالم برباط الصداقة والرحم، بخلاف العلوم، فإنها
стр. 914
صورة العالم الخارجي ولا دخل للإنسان فيها، فهي من الإنسان بمثابة الزائر الأجنبي الذي لا تصله بنا وشائج القربى. وأحسب أننا لو خيّرنا بين العلم والأدب لما ترددنا لحظة في أن ننبذ العلم نبذاً، ونتمسك بالأدب ونعتز به اعتزازنا بالنفوس.
стр. 915
في الأدب التركي
فهل كنت تعلمين؟
اذكري تلك الأيام، تلك الليالي المقمرة،
وحذارا أن تنسى سويعات الوصال الهنيئة،
وبينا الناس في مضاجعهم نيام يغطّون،
كان يصهرني النسيم المنبعث من شفتيك. . .
فهل كنت تعلمين؟
كنت تذهبين فأبقى مرتعشاً
وآوي إلى فراشي الموحش باكياً منتحباً،
أراقب النجوم والشهب المتساقطة كالمأخوذ،
كنت مفتوناً بسحرك منذ عرفتك. . .
فهل كنت تعلمين؟
ينبثق الفجر فاسمع وقع نعليك على السلالم فيرتج قلبي،
وأرقب قدومك متحرّقاً وقد أمضني الليل،
فإذا بك تقبلين والكتاب تحت إبطك،
فأشعر بمطرقته تحاول كسر ضلوعي بينما أنظر إلى صدرك المجلل بسواد ثوبك الرهيب.
فهل كنت تعلمين؟؟؟
حلب: ترجمة يحيى جركس
الذكرى
ولّى ربيع الحب من بعد ما … ضحّى فؤادي كل ما يملك
وكنت أرجو قطف أثماره … إذا بها يا أسفا تهلك
تركت عهد الحب في كوخه … وقلت يقضى والأسى بعد حين
وعدت أدراجي وكل الذي … خلفته للعيش قلب حزين
وخلت في طول النوى سلوة … تغني عن الماضي وتخفي عليه
стр. 916
إذا بذكراي وما أوجع ال … ذكرى بهذا اليوم عادت إليه
حماه - إسماعيل العظم
стр. 917
في الأدب العربي
مآثر العرب في الفلك
مقدمة
يعيب البعض على العرب انهم لم يكونوا عمليين، ولم يعرفوا من العلوم إلاّ قسمها النظري، وهذا الاعتقاد خطأ، ويظهر فساده جلياً ببعض الإلمام بتأريخ العلوم، إذ يتحقق لدى الباحث المنقب أن للعرب عدا ترجمتهم أهم نتاج قرائح الأمم التي سبقتهم إضافات هامة وابتكارات جمة مبينة على التجربة، على أساسها بنى الغرب حضارته، ولولاها لما تقدمت المدنية تقدمها الحاضر. والآن سأبحث بصورة مجملة عن أهم مآثر العرب في علم الفلك، وطبعاً لا يمكنني في هذه العجالة أن أجول كثيراً في هذا الموضوع فهو أجلّ من أن يوف حقه بمقالة، ولقد سبقنا الغربيون إلى البحث عن التراث العربي في الفلك وغيره من العلوم والفنون، وأظهروا الاكتشافات الفلكية التي للعرب وأثر ذلك في تقدم العلوم الطبيعية، وكان من ذلك أن اعترف المنصفون من علماء الفرنجة بخصب العقل العربي وفضل الحضارة العربية على حضارتهم التي ينعمون بها.
اعتناؤهم بالفلك:
لم يعرف العرب قبل العصر العباسي شيئاً يذكر عن الفلك، اللهمّ إلاّ فيما يتعلق برصد بعض الكواكب والنجوم الزاهرة وحركاتها وأحكامها، بالنظر إلى الخسوف والكسوف، وبعلاقتها بحوادث العالم من حيث الحظ والمستقبل والحرب والسلم والمطر والظواهر الطبيعية، وكانوا يسمون هذا العلم الذي يبحث في مثل هذه الأمور بعلم التنجيم، ومع أن الدين الإسلامي قد بيّن فساد الاعتقاد بالتنجيم وعلاقته بما يجري على الأرض لم يمنع ذلك الخلفاء ولا سيما العباسيون في بادئ الأمر أن يعتنوا به وأن يستشيروا المنجمين في (كثير من أحوالهم الإدارية والسياسية. فإذا خطر لهم عمل وخافوا عاقبته استشاروا المنجمين فينظرون في حال الفلك واقترانات الكواكب ثم يسيرون على مقتضى ذلك) وكانوا يعالجون الأمراض على مقتضى حال الفلك، يراقبون النجوم ويعملون بأحكامها قبل الشروع في أي عمل حتى الطعام والزيارة. ومما لاشك فيه أن علم الفلك تقدم تقدماً كبيراً في العصر
стр. 918
العباسي كغيره من فروع المعرفة، وقد كانت بعض مسائله مما يطالب بمعرفتها المسلم كأوقات الصلاة ومواقع بعض البلدان المقدسة وقت ظهور هلال رمضان وغيره من الأشهر أضف إلى ذلك شغف الناس بعلم التنجيم، كل هذه ساعدت على الاهتمام بالفلك والتعمق فيه تعمقاً أدى إلى الجمع بين مذاهب اليونان والكلدان والهنود والسريان والفرس، وإلى إضافات هامة لولاها لما أصبح علم الفلك على ما هو عليه الآن.
قد يستغرب القارئ إذا علم أن أول كتاب في الفلك والنجوم ترجم عن اليونانية إلى العربية لم يكن في العهد العباسي بل كان في زمن الأمويين قبل انقراض دولتهم في دمشق بسبع سنين. ويرجح الباحثون أن الكتاب هو ترجمة لكتاب عرض مفتاح النجوم المنسوب إلى هرمس الحكيم، والكتاب المذكور موضوع على تحاويل سني العالم وما فيها من الأحكام النجومية، وأول من اعتنى بالفلك وقرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي الثاني، وبلغ شغف المنصور بالمشتغلين بالفلك درجة جعلته يصطحب معه دائماً نوبخت الفارسي، ويقال أن هذا لما ضعف عن خدمة الخليفة أمره المنصور بإحضار ولده ليقوم مقامه فسّير إليه ولده أبا سهل بن (نوبخت) وقد ساعد المنصور كثيراً إبراهيم الفزاري المنجم وابنه محمد وعلي بن عيسى الاصطرلابي المنجم وغيرهم، وهو الذي أمر أن يُنقل كتاب في حركات النجوم مع تعاديل معمولة على كردجات محسوبة لنصف نصف درجة مع ضروب من أعمال الفلك من الكسوفين ومطالع البروج وغير ذلك. وهذا الكتاب عرضه عليه رجل قدم سنة ١٥٦همن الهند قيّم في حساب السندهنتا، وقد كلف المنصور محمد بن إبراهيم الفزاري بترجمته وبعمل كتاب في العربية يتخذه العرب أصلاً في حركات الكواكب، وقد سمّاه المنجمون كتاب السندهند الكبير الذي بقى معمولاً به إلى أيام المأمون وقد اختصره الخوارزمي وصنع منه زيجه الذي اشتهر في كل بلاد الإسلام (وعول فيه على أوساط السندهند وخالفه في التعاديل والميل فجعل تعاديله على مذهب الفرس وميل الشمس على مذهب بطليموس، واخترع فيه أنواع التقريب أبوابا حسنة، وقد استحسنه أهل ذلك الزمان وطاروا به في الآفاق)، وفي القرن الرابع للهجرة حوَّل مسلمة بن احمد المجريطي الحساب الفارسي إلى الحساب العربي.
بعض فلكييّهم:
стр. 919
زاد اهتمام الناس بعلم الفلك وزادت رغبة المنصور فيه، فشجع المترجمين والعلماء، وفي مدة خلافته نقل أبو يحيى البطريق كتاب الأربع مقالات لبطليموس في صناعة أحكام النجوم ونقلت كتب أخرى هندسية وطبيعية أرسل المنصور في طلبها من ملك الروم، واقتدى بالمنصور الخلفاء الذين أتوا بعده في نشر العلوم وتشجيع المشتغلين فيها، فلقد ترجموا إلى العربية ما عثروا عليه من كتب ومخطوطات للأمم التي سبقتهم وصححوا كثيراً من أغلاطها وأضافوا إليها.
وفي زمن المهدي والرشيد أشتهر في الأرصاد علماء كثيرون من أمثال (ما شاء الله) الذيألف في الأسطرلاب ودائرته النحاسية، وأحمد بن محمد النهاوندي. وفي زمن المأمون ألّف يحيى بن أبي منصور زيجاً فلكياً مع سند بن علي، وهذا أيضا عمل أرصاداً مع علي أبن عيسى وعلي أبن البحتري، وفي زمنه أيضا أصلحت غلطات المجسطي لبطليموس، وألّف موسى بن شاكر أزياجه المشهورة، وكذلك عمل أحمد بن عبد الله بن حبش ثلاثة أزياج في حركات الكواكب، واشتغل بنو موسى في حساب طول درجة من خط نصف النهار بناءً على طلب الخليفة المأمون، وفي ذلك الزمن وبعده ظهر علماء كثيرون لا يتسع المجال لسرد أسمائهم كلها، وهؤلاء ألّفوا في الفلك وعملوا أرصاداً وأزياجاً جليلة أدت إلى تقدم علم الفلك. أمثال: ثابت بن قرّة والمهاني والبلخي وحنين بن إسحاق والعبادي والبتاني الذي عدّه لالاند من العشرين فلكياً المشهورين في العالم كله، وسهل بن بشار ومحمد بن محمد السمرقندي، وأبو الحسنى علي بن إسماعيل الجوهري وأبو جعفر بن أحمد بن عبد الله بن حبش، وقسطه البعلبكي والكندي، والبوزجاني وابن يونس والصاغاني والكوهي والمؤيد العرضي وابنه وأبو الحسن، المغربي ومسلمة المجريطي وأبو الوليد محمد بن رشد وجابر بن الأفلح والبيروني والخازن والطوسي وابن الشاطر والفخر الخلاني وجمشيد والقوشجي والبطروجي والفخر المراغي ونجم الدين بن دبيران وعماد الدين الأنصاري وأولوغ بيك وقاضي زاده رومي والتيزيني والحزري وفتح بن ناجية وأبو الفتح عبد الرحمن والغزالي والتوفيقي وهبة الله والمدني ومبشر بن أحمد ومحمد بن مبشر. . . .
مآثرهم:
стр. 920
بعد أن نقل العرب المؤلفات الفلكية للأمم التي سبقتهم صححوا بعضها ونقحوا الآخر وزادوا عليها، ولم يقفوا في علم الفلك عند حد النظريات بل خرجوا إلى العمليات والرصد، فهم أول من أوجد بطريقة علمية طول درجة من خط نصف النهار، وأول من عرف أصول الرسم على سطح الكرة وقالوا باستدارة الأرض وبدورانها على محورها وعملوا الأزياج الكثيرة العظيمة النفع، وهم الذين ضبطوا حركة أوج الشمس وتداخل فلك هذا الكوكب في داخل أفلاك أخر، واختلف علماء الغرب في اكتشاف بعض أنواع الخلل في حركة القمر إلى البوزجاني أو إلى (تيخوبراهي) ولكن ظهر حديثا أن اكتشاف هذا الخلل يرجع إلى أبي الوفاء البوزجاني لا إلى غيره. وزعم الفرنجة أن آلة الإسطرلاب من مخترعات تيخوبراهي المذكور مع ان هذه الآلة والربع ذا الثقب كانا موجودين قبله في مرصد المراغة الذي أنشأه العرب، وهم (أي العرب) الذين حسبوا الحركة المتوسطة للشمس في السنة الفارسية وحسب البتاني ميل فلك البروج على فلك معدل النهار فوجده ٢٣ درجة و ٣٥ دقيقة وظهر حديثا انه أصاب في رصده إلى حد دقيقة واحدة، ودقق في حساب طول السنة الشمسية وفي حساب إهليليجية فلك الشمس فاستطاع أن يجد بعد الشمس عن مركز الأرض في بعديها الأبعد والأقرب وقد كانت النتائج التي وصل إليها قريبة جدا مما وصل إليه العلماء الآن، والبتاني من الذين حققوا مواقع كثير من النجوم، وقال بعض علماء العرب بانتقال نقطة الرأس والذنب للأرض، ورصدوا الاعتدالين الربيعي والخريفي وكتبوا عن كلف الشمس وعرّقوه قبل أوربا وأنتقد أحدهم وهو أبو محمد جابر بن الأفلح المجسطي في كتابه المعروف بكتاب إصلاح المجسطي وكان جابر يسكن في إشبيليه في أواسط القرن السادس للهجرة. وقد دعم انتقاده عالم آخر، أندلسي وهو نور الدين أبو إسحاق البطروجي الإشبيلي في كتابه الهيئة الذي يشتمل على مذهب حركات الفلك الجديد، ويقول الدكتور سارطون إنه بالرغم من نقص هذه المذاهب الجديدة فإنها مفيدة ومهمة جداً لأنها سهّلت الطريق للنهضة الفلكية الكبيرة التي لم يكمل نموها قبل القرن العاشر وأبحاثهم في الفلك أوحت لكبار (أن يكتشف الحكم الأول من أحكامه الثلاثة الشهيرة وهي إهليليجية أفلاك السيارات) وأخيراً نقول أن العرب عندما تعمقوا في درس علم الهيئة (طهروه من أدران التنجيم والخزعبلات وأرجعوه إلى ما تركه علماء اليونان علماً رياضياً
стр. 921
مبني على الرصد والحساب وعلى فروض تفرض لتعليل ما يرى من الحركات والظواهر الفلكية).
المراصد وبعض آلاتها والأزياج:
لم يصل علم الفلك عند العرب إلى ما وصل إليه إلا بفضل المراصد، وقد كانت هذه نادرة جداً قبل النهضة العلمية العباسية، وقد يكون اليونان أول من رصد الكواكب بالآلات وقد يكون مرصد الإسكندرية الذي أنشئ في القرن الثالث قبل الميلاد هو أول مرصد كتب عنه، ويقال إن الأمويين ابتنوا مرصداً في دمشق ولكن الثابت أن المأمون هو أول من أشار باستعمال الآلات في الرصد، وهو الذي ابتنى مرصداً على جبل قيسون في دمشق وفي الشماسية في بغداد، وفي مدة خلافته وبعد وفاته أنشأت عدة مراصد في أنحاء مختلفة من البلاد الإسلامية، فلقد ابتنى بنو موسى مرصدا في بغداد على طرف الجسر، وفيه استخرجوا حساب العرض الأكبر من عروض القمر وبنى شرف الدولة أيضاً مرصداً في بستان دار المملكة، ويقال أن الكوهي رصد فيه الكواكب السبعة. وأنشأ الفاطميون على جبل المقطم مرصدا عرف باسم المرصد الحاكمي، وكذلك أنشأ بنو الأعلم مرصدا عرف باسمهم، ولا ينبغي أن ننسى أن مرصد مراغة الذي بناه نصير الدين الطوسي في القرن السابع للهجرة من أهم المراصد التي قدمت بعلم الفلك تقدما محسوساً، ويوجد عدا هذه مراصد أخرى في مختلف الأنحاء كمرصد ابن الشاطر بالشام ومرصد الدينوري بأصبهان ومرصد البيروني ومرصد أولوغبك بسمرقند ومرصد البتاني بالشام ومراصد غيرها كثيرة خصوصية وعمومية في مصر والأندلس وأصبهان. . .
كان للرصد آلات وهي على أنواع، وتختلف بحسب الغرض منها، وهاك أسماء بعضها: اللبنة، والحلقة الاعتدالية، وذات الأوتار وذات الحلق، وذات السمت والارتفاع والآلة الشاملة، وذات الشعبتين، وذات الجيب، وذات المشتبهة بالناطق، والإسطرلاب وأنواعه المتعددة وقد اعترف الفرنجة بان العرب أتقنوا صنعته. وثبت أن الإسطرلاب وذات السمت والارتفاع والآلة الشاملة والرقاص وذات الأوتار والمشتبهة بالناطق كل هذه من مخترعات العرب عدا ما اخترعوه من المساطر والبراكير وعدا التحسينات التي أدخلوها على كثير من آلات الرصد.
стр. 922
في هذه المراصد عمل المسلمون أرصادا كثيرة، ووضعوا الأزياج القيمة الدقيقة. وعلى ذكر الأزياج نقول أن مفردها زيج وفي معناه قال ابن خلدون (ومن فروعه (علم الهيئة) علم الأزياج وهي صناعة حسابية على قوانين عددية فيما يخص كل كوكب من طريق حركته وما أدى إليه برهان الهيئة في وضعه من سرعة وبطئ واستقامة ورجوع وغير ذلك يعرف به مواضع الكواكب في أفلاكها لأي وقت فرض من قبل حسبان حركاتها على تلك القوانين المستخرجة من كتب الهيئة. ولهذه الصناعة قوانين كالمقدمات والأصول لها في معرفة الشهور والأيام والتواريخ الماضية وأصول متقررة من معرفة الأوج والحضيض والميول وأصناف الحركات واستخراج بعضها من بعض يضعونها في جداول مرتبة تسهيلاً على المتعلمين وتسمى الأزياج) ومن أشهر الأزياج زيج إبراهيم الفزاري وزيج الخوارزمي وأزياج المأمون وابن السمح وابن الشاطئ وأبى حماد الأندلسي وابن يونس وأبى حنيفة الدينوري وأبى معشر البلخي والأيلخاني وعبد الله المروزي البغدادي والصفاني والشامل (لأبي الوفاء) والشاهي (لنصير الدين الطوسي) وشمس الدين وملكشاهي والمقتبسي (لأبي العباس بن أحمد بن يوسف بن الكمال) وو و. . .
الخلاصة:
وبالجملة فان للعرب فضلاً كبيراً على الفلك.
(أولاً) لأن العرب نقلوا الكتب الفلكية عند اليونان والفرس والهنود والكلدان والسريان وصححوا بعض أغلاطها وتوسعوا فيها وهذا عمل جليل جداً لاسيما إذا عرفنا أن أصول تلك الكتب ضاعت ولم يبق منها غبر ترجماتها في العربية وهذا طبعاً ما جعل الأوربيون أن يأخذون هذا العلم عن العرب فكانوا (أي العرب) بذلك أساتذة العالم فيه.
و (ثانياً) في إضافاتهم الهامة واكتشافاتهم الجليلة التي تقدمت بعلم الفلك شوطا بعيداً.
و (ثالثاً) في جعلهم علم الفلك استقرائياً وفي عدم وقوفهم عند حد النظريات كما فعل اليونان.
و (رابعاً) في تطهير علم الفلك من أدران علم التنجيم.
نابلس - فلسطين - قدري حافظ طوقان - عضو الجمعية
стр. 923
الرياضية بلندن
стр. 924
من طرائف الشعر
شوقية لم تنشر:
نظم شاعر الخلود شوقي بك مجموعة من رائع الشعر الحكيم السهل لتكون للأطفال أدباً وثقافة، ويسرنا أن ننشر اليوم قطعة منها لم تنشر من قبل وعنوانها المظنون (ولد الغراب)
ومُمهدٍ في الوكر من … ولد الغُراب مُزقَّقِِ
كروُيْهبٍ مُتقلس … مُتأزِّر مُتنطقِِ
لبس الرَّمادَ على سوا … دِ جناحه والمفرقِِ
كالفحم غادر في الرَّما … دِ بقيَّة لن تحرقِِ
ثُلثاه منقار ورَأ … س والأظافرُ ما بقي
ضخْم الدماغ على الخلو … من الحجى والمنطقِِ
من أمهِ لقي الصغ … يرُ من البَليّة ما لقي
جلبَت عليهِ ما تذو … دُ الأمهاتُ وتتّقي
فُتِنت به قتوهَّمت … فيه قُوىً لم تُخلقِِ
قالت كبِرت، فثبْ كما … وثَب الكبار وحلَّق
ورمت بهِ في الجو لم … تَحرصْ ولم تستوثقِِ
فهوى فمُزق في فنا … ء الدار شرَّ ممزق
وسمعتُ قافات تردّ … دُ في الفضاءِ وتَرتقي
ورأيت غِرباناً تَفرّ … قُ في السماء وتلتقي
وعرَفت رنَّة أمه … في الصارخات النُّعَّق
فأشرْتُ فالتفتت فقل … تُ لها مَقالة مُشفق
أطلقتِه ولو امْتحن … تِ جناحَه لم تُطلقِ ِ
وكما ترفق والدا … كِ عليكِ لم تترفقي
أصداء الربيع
قُمْ إلى الزمان وغيبْ … سورة الهم في مجالي ربيعةْ
خلصَ القلب من مآتم كانو … نَ وعاد الشادي إلى ترجيعه
стр. 925
عبقتْ بالسهول أنفاس آذا … رَ وساف المشتاق نفح الزهور
رقَّة في الفضاء شاعت ولطف … ساغَ للنفس كالهوى في الصدور
واكتسى الدوح نظرة بعد عري … ولكان ربَّ في المشيب الشباب
وتغنى الحمام فيه وساحتْ … تحتَ أظلاله عيون عذاب
وكان الروض الذي نبهته … من كرىً غفوةُ النسيم العليلِ
طرفةُ تملأ العيونَ بهاءً … أخلصتها يُمنى حبيبٍجميل
قم إلى البشر والطلاقة وانفض … عن محيّاكَ كدرَة الأيامِ
سيغول الحياة غول وتبقى … مُتع العيش حسرةً في العظام
وَتناس الآلام يندملِ الجر … حُ تنصب في مقلتيك الدموع
أنتَ أضريت بالفؤاد رزايا … هُ فضاقت بما تكن الضلوع
أنت أحسست من شجونك ما خي … لت واخترتَ أن تكونَشقيا
إنما الحزن والسرور اعتبارٌ … لم يكونا لولاه في النفس شيا
أيها القلب قد أظلك آذا … رُ ورّفت على الرُّبا آصاله
فتزوّدْ منهُ ليومك حظاً … قبل أن يوحش القلوبَ زواله
لا تسل عن غدٍ وخَل المقادي … ر فقد كنَّ في الغيوبِ وكانا
حسبنا من مغانم العيشِ يومٌ … حاضرُ السعد عن غدٍ أغنانا
أيُها القلبُ إن دعاكَ التصابي … وثنيت العنان ضل ضلالك
لا تجب داع الرشاد فقدماً … شقيت في طلابه أعمالك
واعبد الحسن في الطبيعة طفلاً … برئت روحه، وفي الغيد سحراً
وفتونا ينهي الفتى عن نهاهُ … كلما دار بالمحاجر أغرى
أرسل الشوق لهفة، وخفوقاً … يوهن الجسم أو يداوي ضناهُ
وابعث الحب في الجوانح برقاً … يهتدي ناضري ضحى بسناه
(سورية) حمص_رفيق فاخوري
стр. 926
في الأدب الشرقي
نامق كمال
للدكتور عبد الوهاب عزام
أبو الأدب التركي الحديث الذي نزل من أفكار الترك وقلوبهم منزلة لم ينزلها غيره. والذي لا تزال آثاره مدونة في التأريخ التركي الحديث، محفوظة في قلوب الجبل الحاضر. ولد سنة ١٢٥٦هـ في أسرة مجيدة يجمع تاريخها كثيراً من كبار الدولة العثمانية وكان أبوه مصطفى عاصم بك فلكياً، وجدَّه - شمس الدين بك رئيس المابينفي عهد السلطان سليم الثالث، وأبو شمس الدين قعبودان أحمد راتب باشا الذي ينتهي نسبه إلى الصدر الأعظم - طوبال عثمان باشا.
وأبو الشاعر من يكي شهر وأمه من قونيجة في ألبانيا. وكان أبوه ديِّناً متصوِّفاً، فلمّا ولد المولود العظيم أخذه إلى أحد الدراويش فدعا له أن (يكون كمالاً للإسلام). تعلم كمال في دار أبيه ودرس فيما درس بها العربية والفارسية والفرنسية، ولم يتعلم في المدارس إلاّ تسعة أشهر.
وفي سن الثانية عشرة ذهب مع جده إلى قارص وكان يمضي أكثر أوقاته في الصين، ثم ذهب إلى صوفيا حيث شرع يقرض الشعر وهو في الرابعة عشرة من عمره. ثم عاد إلى اسطنبول وهو ابن١٧ فصار مترجماً في الباب العالي واتصل بجماعة من الأدباء الذين يكبّرون الشعراء القدماء ويسيرون على نهجهم فشارك في الشعر وعُرِّفَ به ونشر ديوانا صغيراً تسمى فيه (نامقا) كدأب شعراء الفرس والترك في اتخاذ اسم شعري يردده الشاعر في منظوماته فيعرف به.
وكان شناسي أفندي أحد أدباء الترك الذين تعلموا في فرنسا يحتذي الشعراء الفرنسيين ويحرض ناشئة الأدباء على اتباع أسلوب جديد في الأدب، وكان لمقالاته في جريدته (تصوير أفكار) أثر عظيم على نامق كمال وأضرابه من الشبان، فأُعْجِبَ كمال به وشارك في تحرير جريدته ودعا إلى تجديد تركيا في السياسة والأدب وعظمت مكانته. فلمّا فرّ شناسي أفندي إلى باريس ١٢٨٠هـ (١٨٦٤م) خلفه في تحرير الجريدة، فانتشرت (تصوير أفكار) انتشارا عظيماً.
стр. 927
وقد ضاقت الحكومة العثمانية ذرعاً بمقالاته فأرادت أن تشغله ببعض المناصب فجُعِل متصرفا للقلعة السلطانية في غليولي زمنا قصيرا وهو في سن ٢٣. وبعد حين أريد إرساله سفيراً إلى بلاد العجم فأبى. وانتهى الأمر بينه وبين الحكومة إلى أن فر هو وجماعة من أنداده إلى لندرة سنة ١٢٨٢هـ (١٨٦٦م) ويقال انه ذهب إليها إجابة لدعوة مصطفى فاضل باشا ونشر لندرة جريدة (المخبر) ثم نشرها في باريس ونشر بعدها جريدة (الحرية) وفي باريس درس الحقوق والاقتصاد السياسي وترجم بعض الكتب من الفرنسية.
ولما مات الوزير عالي باشا سنة ١٢٨٧هـ رجع كمال إلى استانبول فنشر جريدة (عبرت) فصارت أعظم الجرائد التركية. ولا يزال أدباء الترك يحرصون على صفحات هذه الجريدة ومقالاتها، وكتب إذ ذاك قصة (وطن ياخود سلستريا) فلم تحتمل الحكومة جرأته وصرامته، فنفته إلى قبرص فحبس بها وكتب هناك قصته الأخرى (عاكف بك)
ولما تولى السلطان مراد رجع إلى استانبول بعد أن أقام في منفاه ٣٨ شهراً، وشارك مدحت باشا وضيا باشا في تحرير الدستور. ولما تولى السلطان عبد الحميد لم يصبر على أقوال كمال وأفعاله، فأُوخذ وحبس خمسة أشهر ونصف، شغل أثناءها بقراءة التاريخ ابتغاء أن يكتب تاريخاً للجيش العثماني. ولما برأته المحكمة مما اتهم به نفاه السلطان إلى جزيرة متلين وهنالك كتب قصائد أعرب فيها عن شكاته وحزنه، وكتب قصتين (جلال الدين خوارز مشاه) و (جزمي) تناول فيهما بعض حادثات التاريخ الإسلامي. ثم جعل متصرفا للجزيرة التي هو بها ثم نقل إلى رودس وكانت أكثر ملاءمة لصحته. وفي رودس شرع يكتب تاريخ الدولة العثمانية وقد جمع بها مكتبة حافلة مكنته من التأليف، ثم جعل متصرفا لمتلين فعاد إليها وواصل كتابة تاريخه على رغم مرضه، حتى منعت الحكومة أن يطبع هذا التاريخ وأمرته ألا يستمر في كتابته، وبعد سنة توفي سنة ١٣٠٥هـ.
لا يتسع المجال هنا لتعداد مؤلفات نامق كمال، ولكن يمكن إجمالها في الديوان وثماني قصص ومؤلفات تاريخية منها (أوراق بريشان) التي ترجم فيها لصلاح الدين الأيوبي ومحمد الفاتح وسليم الأول ونوروز بك، ومقدمة في تاريخ الرومان والتاريخ الإسلامي وكتاب ردّ فيه مزاعم رينلن الفرنسوي سمّاه (رينان مدافعة نامه سى) وهو من احسن ما كتب في رد ما كتبه رينان عن الإسلام. ومقالات عديدة هي من أروع آثاره. ويتجلى في
стр. 928
كتب كمال حماسته وغيرته وإخلاصه في سبيل وطنه والإسلام، كما يتجلى الخلق العظيم، والنفس الكبيرة، والعزة الماضية والصبر على المكارة، والخيال الرائع، والتصوير الجميل والأعراب الحر عن آرائه ومشاعره. ولا ريب ان كمالا هو خالق النثر التركي الحديث والذي مهد
للأدباء الطريقة المثلى في الشعر بعد أن هداه إليها شناسي أفندي: وهذه قطع من آثار نامق كمال وان آثاره لأعظم وأكثر من أن تبين عنها هذه القطع الصغيرة. قال من مقال منشور وعن الشعر والشعراء:
- ١ -
الشاعر مخلوق من البسمات الحزينة: بسمات الطبيعة في أشد أوقاتها وجداً وولهاً. ترى في ضحكة أثر البكاء كقطرات الندى على صفحة الورد، وتلوح في بكائه سمات الابتسام كقوس قزح في السحاب المكفهر. هو أشد الخلائق استئساراً للطبيعة ولكنه يحاول أن يسمو فوقها، بينا هو لا يحسن تدبير أمره، يبغي إن يدفع بذراعيه الضعيفتين كرة الأرض إلى مركز كمال جديد ومحور سعادة آخر. فإذا عيّ بما يريد أرسل أناته الحزينة كأنات البلابل في الأقفاص خلف الحجب السوداء، أو صاح صياح النسور قد حلّقت في اللوح حتى ضاق بأنفاسها الهواء فأهوت مسرعة تملأ الهواء، صر صرتها.
الشعر هذه الصيحات الأليمة والشعراء هؤلاء البؤساء الذين فطروا على هذه الفطرة، لا من يؤلف التفاعيل والأفاعيل من خمسة عشر حرفاً أو يستطيع أن يؤلف القوافي من ثمان وعشرين كلمة. . الخ
- ٢ -
وهذه قطعة منظومة ختم كل بيت منها بكلمة (على رغم) فتمثل في هذا التكرار إصرار النفس الكبيرة وثباتها على الدهر القلُب:
لست أبالي إن أعود تراباً على رغم عمري، ولست أفرُّ من عنصري، على رغم الممات.
لا تجعلن نفسك أذلّ من التراب الذي تطأه، اثبت على عزيمتك على رغم الدهر الذي لا ثبات له.
ما تمثل لي الباطل حقاً قط، ولقد اعتمدت على (الحق) على رغم الآلهة كلها.
стр. 929
لا يخفين داهيةٌ آراءه، أعرض على الناس ما تعرف على رغم الدهاة أجمعين.
إن كان لابد للحياة على ظهر الأرض من تمريغ الوجه بالتراب فاختر بطن التراب على رغم الحياة.
رأيت مسير الكائنات شراً فاعتزلها، ووقفت في هذه السبيل وحيدا على رغم الكائنات.
وما التفت قط إلى الحظوظ الفاتنة على رغم ما لاح في طالعي من آلاف الحظوظ.
- ٣ -
وهذه أبيات من قصيدة حماسية طويلة.
رأيت ولاة العصر قد حادوا عن الإخلاص والصدق فهجرت المناصب عزيزا سعيدا إن جرثومة هذا الجسم تراب الوطن. فماذا يفيده أن يمزقه الجور والمحنة في سبيل الوطن؟
لا يعين الظلمة إلا الأوغاد كما تنعم الكلب في خدمة الصياد السفاح.
من يخشى لوم الناس ولا يستح من نفسه فنفسه أحقر الناس عنده.
إن انتقام العقلاء من الدهر أن يعتبروا بحادثاته فيزدادوا جدا وصرامة وإقداما.
انتصار الأمة في اتحاد قلوبها والرحمة في اختلاف آرائها
إن عزيمة الرجل المكين تدير العالم، والدنيا في اضطراب من ثبات أولي العزم.
ليس على الأسد المسلسل عار، ولكن العار على الفلك الذي بنصب لحرب أولي الهمم. نحن سلالة الكرام من بني عثمان اختمرت طينتنا بدم الشهادة ونحن أولو المجد والهمم العالية الذين اخرجوا من عشيرة صغيرة دولة مسيطرة على العالم ونحن أصحاب السجايا الرفيعة الذين يرون في ميدان الحمية تراب القبر أهون من تراب المذلة.
هلم أيها الفلك اجمع مظالمك كلها ثم اصمد إلى فان كلت عزيمتي في سبيل الأمة فأنا المرأة الهلوك. . .
أيها الظالمون احذوا منازلة أبطال الحق فان نار الحمية تصهر سيوف الظلم.
- ٤ -
- وهذه رباعية دائرة على الألسن من مأثور قوله:
ما حملت في حياتي سلاسل الأسار
وان الدنيا تعرفني مبرأ من قيودها والآصار
стр. 930
هذا ميدان الحمية لا تفر أيها الجبار
فليمحك الله من هذا العالم أو فليمحني.
стр. 931
في الأدب الغربي
من الأدب الفرنسي:
للأستاذ شاتوبريان (١٧٦٨ - ١٨٤٨)
للأستاذ أبي قيس
ولد فرنسوا شاتوبريان في سان مالو وهو قدوة الكتّاب في القرن التاسع عشر، اقتبس عن الفصحاء المدرسيين كبسكال وبوسويه وفولتير، وتأثر ببلغاء الإبتداعيين كروسو وبرناردان، ولكنه لم يقلد منهم أحدا. هو مصور ماهر لا يصف إلا ما يشاهده بأم العين فيثير في مخيلة قارئه أروع المشاهد، ويبالغ في الإتقان والمحاكاة حتى يجعل الغائب كالشاهد، ففتح بذلك مغالق الطبيعة وكشف عن سواحر محاسنها.
وهو ذلك الشاعر الذي يصور ببراعة حركات الفؤاد ووثباته، والخطيب البليغ الذي يرتفع حجاب السمع لرائع تشبيهاته واستعاراته، ولم يظهر في القرن التاسع عشر أسلوب أفخم ولا أسلس ولا أكثر تنوعا من أسلوبه، فكان لتبسطه في فنون اليراع إماما للشاعر المبدع، والكاتب الممتع، والمؤرخ الصادق، والناقد المنصف، والخطيب المثير، والقصصي القدير؛ وحسبك دليلاً على مبلغ تأثيره في كتاب عصره أن فكتور هوجو كتب على دفتره المدرسي وهو في الخامسة عشرة ما نصه: (أريد أن أكون شاتوبريان أو لا أكون شيئا!)
ومن روائعه: الشهداء وروح النصرانية، ورحلة من باريس إلى بيت المقدس وهي التي عربنا منها للرسالة وصفه لعرب فلسطين وحوادث آخر بني سراج التي عربها الأمير شكيب الأديب المنتج العجيب، ولخصها صاحب النظرات واتالا التي نقلها أنطون فرح إلى العربية.
عرب فلسطين
العرب حيثما أبصرتهم في فلسطين ومصر أو في بلاد البربر، قد ظهروا لي بقامة أقرب إلى الطول منها إلى القصر، مشيتهم البخترية برشاقة طبعوا عليها وخلقتهم في أحسن تقويم: وجوه مسنونة وجباه مقوسة عريضة وأنوف يزينها القنا والشمم، وعيون نجل لوزية الشكل ذات نظر نديُّ عذب، ثم لاشيء يشعرك منهم بوحشة، وان لبثت أفواههم مطبقة
стр. 932
أبداً: ذلك انهم إذا ما اخذوا في التحدث إليك أسمعوك لغة تطربك نغمتها ويفعمك شذاها، ولمحت ثغوراً يروعك البياض الناصع من ثناياها والشنب مما يذكرك بأسنان العسابر وبنات آوى
والعربي يرتدي على الأغلب جلباباً يشده الحزام على الخصر وتراه ينزع يده حينا من كم جلبابه هذا فيمثل لك الردية القديمة وتبصره حينا آخر يلف بعباءة من صوف فتكون له رداءً أو كساءً أو وقاءً من الحر بحسب التفافه بها أو طرحها على منكبيه أو رأسه وهو يمشي حافياً أو منتعلاً ويتسلح بالبندقية والخنجر والرمح الطويل.
إن القبائل ترحل قوافل، والإبل تمشي قطاراً، والبعير الأول منه يجره حبل من مسد حمار هو قائد القافلة: فهو لذلك قد أُكرم بإعفائه من الأثقال وبما حبوه من أنواع الرعاية والاختصاص والعشائر الموسرة تزين الأباعر بالمخمل المهدب والريش والبنود.
أما الجواد فإنه يكرم على قدر استيفائه لأقسام العتق والكرم ولكنهم مع ذلك لا يتسامحون في سياسته أبداً فلا يحبسون الخيل في الظل بل يعرضونها لِلَفْحْ الهواجر مربوطة بالأوتاد من قوائمها الأربع ربطاً تجمد له في مقرها، وهي أبداً مسرجة وكثيراً ما تقضي نهارها على ورد واحد، ولا تعلف في اليوم كله إلاّ حفنات من الشعير: ومثل هذا التقتير في العلف مع انه لا يَهْزِلُها كفيل بتعويدها السرعة والصبر والقناعة.
راقني كثيراً جواد عربي كان مقيداً في الرمضاء. وشعر عرفه منتشر، ورأسه منحنِ بين يديه التماساً لبعض الظل، وهو ينقد بعين وحشية صاحبه ناظراً إليه عن عرض شزراً فإذا ما أنت فككت قيده وقذفت بنفسك على ظهره أزبد وحمحم ثم نهب الأرض نهباً.
إن كل ما يروى لنا عن ولع العرب وغرامهم بالقصص هو حق لا مرية فيه وأنا مورد لك على ذلك مثالاً:
سمرنا ذات ليلة على الرمل من ساحل البحر الميت، وبات التلاحمة حول النار المتأججة وبنادقهم ملقاة إلى جانبهم على الأرض والخيل، وهي مثلنا على شكل دائرة موثقة بأوتادها، وبعد أن احتسينا القهوة وتجاذبنا أهداب الأحاديث سكت هؤلاء العرب ما خلا شيخهم الذي كنت المح من خلال سنا النار حركات وجهه الناطقة ولحيته السوداء وأسنانه البيض والأشكال المختلفة التي كانت تتشكل بها ثيابه وهو ممعن في سرد قصته. وكان أصحابه
стр. 933
يصغون إليه الإصغاء كله، مائلين إليه برؤوسهم ومقبلين بوجوههم على اللهب وهم يصيحون تارة صيحة إعجاب وطرب، ويقلدون أوضاع الشيخ المحدّث تارة أخرى. وبعض رؤوس من الخيل كانت ممتدة فوق السامر بأعناقها وانك لتتبينها في العتمة فتكمل بها صورة تلك اللوحة الرائعة ولا سيما إذا أنت أضفت إليها ناحية من البحر الميت ومن جبال فلسطين!. (دمشق - أبو قيس)
стр. 934
العلوم
الرياح
للدكتور محمد عوض محمد
لعلنا معشر المصريين من أقل الأمم اكتراثاً لأمر الرياح، نعيش حياتنا
كأننا لا يهب علينا إلاّ نسيم عليل أو ريح رخاء، لا نستثني من هذا
غير شهر أمشير الذي ننعته بالأرعن. ولا يلبث أن يمضي أمشير حتى
نتناسى أن في العالم عواصف وزوابع وأعاصير منها ما يثير التراب
وما يقتلع الشجر ويهدم المنازل والدور
على أن هبوب الزوابع حتى في بلادنا - بلاد النعومة والسهولة ليس بالشيء النادر. وكثيرا ما نحس في أمشير وغير أمشير من الشهور تلك الحركة العنيفة في طبقات الهواء، وأنها لتهيب بنا فجأةً ونحن عنها لاهون، فإذا أبوابنا تقرع بعنف. ونوافذنا تكسر، وإذا سحب من العشير المطّار تتخذ سبيلها إلى أعيننا وآذاننا وأنوفنا المرغمة.
وهذه الزوابع قد تدوم ساعة وبعض ساعة أو يوماً أو بعض يوم، ثم لا يلبث الهواء أن يعود نسيماً ولا تلبث الريح أن تعود رخاء، ونحن قوم سريعو النسيان ووطننا العزيز سريع الغفران.
ومع ذلك فما أجدرناأن يزداد اهتمامنا بأمر الرياح، فإنها من الأمور التي تعنى بها طوائف عديدة من الناس في كل زمن وكل بلد. فالشعراء مثلاً من أكثر الناس اهتماماً بالرياح. طالما ذكروها ونعتوها، وحملوها رسائل الغرام بل قد تبلغ بالواحد منهم الجرأة أن يحملها القبلات والآهات والأنات:
وإني لأستهدي الرياح سلامكم … إذا أقبلت من نحوكم بهبوب،
وأسألها حمل السلام إليكم … فإنْ هي يوماً بلغت فأجيبي!
وطالما أثارت شجونهم، وبعثت الحنين في نفوسهم والدمع في مآقيهم وما أسهل انهمال دموع الشعراء!
وكأني بك أيها القارئ تتوهم أن هذا كله ليس بأمر ذي خطر بل قد ترى أنه من السخف أو
стр. 935
دونه السخف، وقد تكون في هذا مصيباً. ولكن إذا كانت نظرة الشعراء إلى الرياح خفيفة سخيفة فإن نظرات الملاحين إلى الرياح نظرات حادّة جادّة.
وليس من سبيل لإنكار ما للرياح من أياد بيضاء يوم كانت هي القوة الفعالة التي تدفع السفن على أديم الماء. فعلَّمت الناس أن يتعارفوا وأن يتعاملوا ويتعاونوا. وهدتهم لأن يتاجر بعضهم مع بعض وكيف يستطيعون. . ويا للأسف، أن يسطو بعضهم على بعض ويفتك بعضهم ببعض؟.
كانت الرياح هي الوسيلة الوحيدة إلى قطع البحار والتقريب بين البعداء.
ولئن كانت البواخر في غنى عن الرياح فإنها لم تزل تخشاها وترهبها، فإن الرياح ما برحت قادرة على إثارة موج كالجبال ترتعد لها فرائص الرّكب. ويرتاع له الملاّحون.
وهناك سفن جديدة لا تجري على صفحة الماء بل تشق عباب الهواء وتحلق فيه تحليق العقاب. وهذه تخشى الرياح وتحسب لها ألف حساب فلئن كانت دولة الرياح قد دالت على صفحات الماء فإن لها في عالم الطيران سلطاناً لا يزال في أشد عنفوانه.
ثم أن هنالك طائفة من الناس أشد خطراً من هؤلاء جميعاً أو على الأقل تعد نفسها أعظم خطراً من الناس جميعا - وهي طائفة العلماء، علماء الطبيعة الذين يدرسون ظاهراتها، ويحاولون أن يطلعوا على أسرارها. هؤلاء يهمهم أمر الرياح كما يهمهم كل شيء على وجه الأرض وعلى غير وجه الأرض، وهم ينعتونها ولكن لا على طريقة الشعراء فلا يحملونها سلاماً ولا كلاماً بل يقيسون سرعتها بإحكام ويعرفون اتجاهها بدقة ويشرحون لك ما يسببها وما لا يسببها ويعززون أقوالهم بأرقام ورموز يوهمونك بها أن في الأمر أسراراً غامضة وأن صدورهم هي خزانة تلك الأسرار.
والآن فلنتحدث عن الرياح حديث العلم أولاً ثم نعود فنتحدث عنها حديث الأدب وهكذا نقدم للقارئ الغذاء الدسم في البداية تاركين الحلوى إلى النهاية.
فلنذكر أولاً أن هذه الكرة التي تزحف كلنا على سطحها يحيط بها غلاف عظيم من الهواء: غلاف لم يسبر أحد غوره تماماً وقد يكون عمقه مائة ميل وقد يكون مائتين، بل قد يكون أكثر من هذا. وان سألت العلماء كيف عرفوا عمق الهواء ولو على وجه التقريب قالوا لك انهم يرقبون سقوط الشهب حين تندفع نحو كوكبنا العزيز، فإذا رأوها تأخذ في الاحتراق،
стр. 936
علموا إنها قد بدأت تحتك بهوائنا فإذ استعانوا بآلات راصدة سليمة لم يتسرب إليها الخلل وكان عقل الراصد سليماً لم يتسرب إليه الخلل استطاعوا أن يعرفوا على وجه التقريب درجة ارتفاع الهواء عن أديم الغبراء.
وهنالك طرق أخرى يقاس بها عمق الفضاء ولكن لن أتعب نفسي وأجهد القارئ في شرحها وتفهمها. وقد يتفضل بعض الأصدقاء (من العلماء) بالرد على هذا المقال؛ ثم يتوسع في الشرح والبيان بما يشفي غلة الظمآن.
علمنا إذن أن هذا الكوكب يشمله الهواء من جميع النواحي. ولحكمة إلهية عظيمة قد أحيطت الأرض بهذا الغطاء الكثيف الذي يحول دون أن تنفذ إلى الفضاء رائحة ما بالأرض من أدران وآثام. وما يغشاها من بغي وظلم. . فلنحمد العناية التي عملت على وقايتنا شر الفضيحة، فلم تطلع سكان السماوات على ما انغمست فيها أرضنا من إثم ورجس وفسوق وعدوان.
هذا الغلاف العظيم الذي يحيط بالأرض ليس هادئا ساكناً بل فيه حركة دائمة. وهذه الحركة هي التي نحسها حين نحس بهبوب الرياح. وأول سؤال يعرض لنا طبعاً هو: لماذا يتحرك الهواء ولماذا تهب الرياح؟
إن الشاعر العربي يتساءل: (أم هبت الريح من تلقاء كاظمة؟) ويريد هو واتباعه من الغاوين أن يوهموا العالم إن الريح ما هبت من تلقاء كاظمة إلا لكي يستطيع حضرته إن يمزج دمعاً جرى من مقلة بدم! ونحن نؤكد للشاعر الفاضل إن الريح لا يهمها إذا كان يمزج دمعه بدم أو يمزج الماء بالراح أو الوسكي بالصودا. . وإذا كانت الريح قد هبت من تلقاء كاظمة، فما ذلك إلا لأن الضغط الجوي شديد (عال) في جهة كاظمة وخفيف يسير (منخفض) في الناحية التي كان بها الشاعر.
ولقد يقف القارئ عند كلمة الضغط هذه ويتساءل (وحق له أن يتساءل) كيف يكون في الجو ضغط شديد أو غير شديد؟ إنّا نسلم بان في الأرض ضغطا وظلما واستبدادا يتفاوت من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان ولكن أيكون في الهواء ضغط وهو تلك المادة اللطيفة؟
والجواب على هذا السؤال بالإيجاب. فان الهواء في بعض النواحي شديد الضغط ونواح
стр. 937
أخرى خفيف الضغط، فيدفع الهواء من الناحية التي يشتد بها الضغط إلى الناحية التي يخف بها الضغط منحرفاً في سيره إلى اليمين قليلاً في نصف الكرة الشمالي وإلى اليسار في نصف الكرة الجنوبي.
وهكذا تحدث الرياح وكلما كان الفرق بين الضغطين كبيراً ازدادت الرياح شدة وقوة. فيكون الاختلاف بين الرياح: فمن نسيم عليل إلى إعصار عنيف.
ثم يعرض لنا سؤال آخر نحاول أن نفر منه فلا نستطيع إلى الخلاص منه سبيلا. ذلك إننا وان سلمنا بان الرياح انتقال الهواء من جهة ذات ضغط شديد (عال) إلى جهة ذات ضغط خفيف (منخفض)، فأننا لابد أن نتساءل لم كل هذا الاختلاف في الضغط؟ ألا يمكن تطبيق مبدأ المساواة المجيد ولو في الهواء، مع العلم بأن المساواة في الظلم عدل؟
هنالك لابد لنا أن نقرر والحزن يملأ قلوبنا إن ليس في العلم (ويا للأسف!) مساواة. انظر حيثما شئت تجد التباين والاختلاف! انظر إلى البحار تجد منها العميق الذي لا يسير له غور والضحل القريب المنال. والأنهار منها الضعيف القليل الماء ومنها المفعم السريع الجريان. ثم انظر إلى اليبس تر فيه جبالاً شاهقة قد رفعت رأسها فوق السحاب وفي ناحية أخرى ترى سهولاً مبسوطة وأودية وطيئة.
إذن فلا عجب إذا اختلف ضغط الهواء على وجه الأرض وأسباب هذا الاختلاف كثيرة، وأهمها من غير شك اختلاف حرارةالأقاليم، فحيث الحرارة الشديدة يتمدد الهواء ويخف وزنه وضغطه ويحاول الصعود إلى أعلى فيندفع الهواء من جهات حرارتها أقل من حرارة تلك الأقاليم ليحل محل الهواء المتمدد الصاعد ويسد الثغرة التي أوشكت أن تحدث. وإذا كنا نحن في مصر نحسّ رياحا آتية من الشمال ذاهبة نحو الجنوب (نحو خط الاستواء) مارة ببلادنا العزيزة فتنعشها وتبردها ومن اجلها أحببنا لمنازلنا أن تطل على الشمال. فان هذه الرياح هي من ذلك النوع وهي الرياح التجارية بالذات - تمر بنا وهي ذاهبة إلى الأقاليم الحارة لكي تحل محل ذلك الهواء الخفيف المتصاعد في تلك الأقاليم.
هذا بعض السبب في اختلاف ضغط الهواء من مكان إلى مكان. وهنالك أسباب أخرى مثل دوران الأرض وتوزيع الماء واليابس وغير ذلك من أمور لا نريد أن نطيل شرحها خوفاً من أن ينقلب هذا الحديث إلى درس من دروس الجغرافية.
стр. 938
بقيت ملاحظة لابد منها وهي أن المصريين وعلى الخصوص الطبقة المثقفة منهم قلما يلاحظون الرياح وهبوبها واتجاهها. فقد يختلف اتجاه الرياح في اليوم الواحد من أيام الخماسين مرتين أو ثلاثا فلا تنتبه إلى هذا التغيير في اتجاه الريح. وأقصى ما نلاحظ أن الهواء حار أو شديد. وانه قد انقلب فصار هادئا بارداً.
وان المرء لتأخذه الدهشة حين يقارن هذه الحال بما كان عليه العرب من دقة الملاحظة لهذه الظاهرة الطبيعية وكيف استطاعوا أن يميزوا شكولها وضروبها فراقبوا اتجاهاتها المختلفة وأطلقوا على كل ريح اسماً يدل عليها. ثم لاحظوا ما بها من قوة وضعف وجعلوا لكل اسمه، وكذلك ميزوا الرطب منها والبارد والحار وما إلى ذلك.
ولئن كان العلماء اليوم يرقبون اتجاه الرياح ويقيسون سرعتها وشدتها ودرجة حرارتها مستعينين بآلات دقيقة فان العرب قد سجلوا هذا كله من غير استعانة بآلات. فمن حيث اتجاه الرياح نرى العرب قد ميزوا بين الرياح التي تهب من الشمال والجنوب والشرق والغرب، ورياح الشرق هي التي سموها الصبا ويقابلها من الغرب الدبور. وكانت الريح أحيانا تهب منحرفة عن الجهات الأربع الأصلية فكان العرب يدعونها عند ذلك بالنكباء.
ثم أرادوا أن يميزوا بين الرياح الضعيفة المريضة والقوية العنيفة فأكثرها هدوءاً النسيم التي تهب بنفس ضعيف ثم الرخاء السهلة ثم الحنون التي لها مثل حنين الإبل ثم تليها الرياح الشديدة فالبارح التي تهز الأشجار.
وتأخذه عند المكارم هزة … كما اهتز تحت البارح الغُصن الرطب
ثم الهوجاء التي تجر وراءها ذيلاً من التراب ثم الزعزع ثم العاصفة، ثم الحاصب وهي التي تقشر الحصا من وجه الأرض (وأرسلنا عليهم حاصبا).
وكذلك ذكر العرب أنواعا خاصة من الرياح فالزوبعة هي التي تدور في الأرض دون ان تقصد وجهاً واحداً. والإعصار ريح تدور بقوة وتنعكس من الأرض إلى السماء. وهكذا تجد في العربية كثيراً من الدقة في التمييز بين الرياح القوية والضعيفة. أما ملاحظتهم للرياح الحارة والباردة فلا تقل عن هذا دقة. فالريح البليل هي المنعشة ذات الندى التي ليست بالحارة ولا بالقارسة وكذلك الصراد أبرد منها قليلا. أما الرياح الشديدة البرودة فهي العريّة التي تهب عادة من الشمال:
стр. 939
وأنت على الأدنى شمال عَريَّة … تذاب منها مرسغ ومسيل
ثم الريح الصرصر والحرجف والالوب.
أما الرياح الحارة فمن أسمائها الحرور والسموم والسعار وهذه الأخيرة اشدها حراً وسعيرا.
وليست هذه الأسماء كل ما ورد ذكره في كلام العرب عن الرياح بل أن هنالك أسماء أخرى عديدة. وما ذكرنا الذي أوردناه هنا إلا لكي يرى القارئ مبلغ دقة العربي في ملاحظة الظاهرات الطبيعية، وليس بين كل هذه الأسماء ما هو مترادف. بل لكل منها معناه الخاص الدقيق.
وبالطبع قد أكثر شعراء العرب من ذكر الرياح وبوجه خاص اكثروا من ذكر الصبا. وأهل الحجاز يدعونها صبا نجدٍ لأنها تهب عليهم من تلك الناحية.
وهي ريح لطيفة جافة ليست بالحارة ولا بالباردة. وأظن الإكثار من ذكرها في الأشعار يرجع إلى عذوبة اسمها اكثر مما يرجع إلى عذوبة المسمى. أو لعل شعراء نجد هم الذين أكثروا من ذكرها إذ كانوا يفدون إلى الحجاز ليتاجروا بما لديهم من تمر وسمن ووبر ثم تهيج الصبا شوقهم إلى أوطانهم فيصيح شاعرهم:
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد؟ … لقد زادني مسراك وجداً على وجد
فالأصل في التغني بريح الصبا أن يكون صادرا عن النجدي وهو في الحجاز ثم يقوم الآخرون بالتقليد.
وهنالك نظرية أخرى لا تقل طرافة عن هذه، وهي إن الوفود إذا أقبلت على مكة فان الفتى الحجازي قد يهيم بغانية من بنات نجد لا تلبث أن تعود بعد الحج إلى وطنها العزيز ويطير قلبه وراءها شعاعا. ولا يزال بعدها تهيجه روح الصبا وتشوقه.
أما بشار بن برد فزعم انه تستهويه الجنوب على إنها عادة رياح حارة شديدة الحرارة وللناس فيما يعشقون مذاهب!
هوى صاحبي ريح الشمال إذا جرت … وأهوى لقلب أن تهب جنوب
وما ذاك إلاّ أنها حين تنتهي … تناهى وفيها من عبيدة طيب.
ويعجبني في هذين البيتين مطابقتهما في المعنى لبيتين قالهما بعد بشار بألف سنة الشاعر الاسكتلندي الرقيق روبرت برنز. وهما قوله:
стр. 940
وتعريب البيتين:
من بين الرياح التي تهب من مختلف الجهات
أحب حباً شديداً رياح الغرب
لأن هنالك تعيش الغادة الحسناء
الغادة التي أحبها أكثر من كل شيء
وهذا من أبدع الأمثلة التي يمكن أن تذكر في توارد الخواطر.
ولابد أن نختم الآن هذا المقال لان حديث الشعراء كحديث العفاريت إذا فتحته فمن الصعب أن تسده.
стр. 941
القصص
قصة مصرية
سفروت الحاوي
- ٢ -
ووقف الجمع برهة ينتظر رجوع الرجال الذين بعثهم صاحب الفندق وعلموا أنهم بحثوا عن بولص خارج الفندق وداخله من غير جدوى. فانفجرت المرأة ثانية بالصياح والتهديد
- أنا بقولَّك أب واغْطس بجوزي دلوقت أهه لحسن اوديك في داهية.
- يا ست يعني أنا حاخذه أعمل بيه ايه، ياريت كنت عارف طريقه وأنا كنت والله أجيبه لك.
- أمال راح فين الراجل؟
- والله يا ستي أنا علمي علمك.
- لأ. أبدا. أنت عارف طريقه! أنت سحرته بالجن الأحمر والأخضر بتوعك
- جن اخضر بتوعي؟!، هو أنت صدقت إني اعرف جن وسحر؟ يا ستي أنا راجل على باب الله وده كلام بس علشان أكل العيش تعالي وأنا أوريك الصندوق علشان تصدقي.
- اصدق؟ أنا ماعرفشي أمور الحوي دي، أنا حاوديك في داهيه. أنت خنقت الرجل علشان تاخذ فلوسه
ولوت المرآة وأمسكت بخناق الرجل بأصابع كأنها (كماشة النجار) فالتف الناس حولهما وأخذوهما إلى نقطة البوليس
ولما لم تكن على سفروت مسؤولية جنائية فقد أطلق سراحه بعد يوم فترك راس البر تتحدث عن هذا الحادث المدهش وسافر إلى غيرها من المصايف.
مر على ذلك الحادث عامان نسي فيهما الحاوي بولص وامرأة بولص إلا في فترات كانت تعاوده الذكرى فكان يتعجب للأمر في نفسه ويود لو عرف ما انتهى إليه أمرهما حتى إذا كان ذات مساء وهو يدخل باب ملهى من ملاهي العاصمة كان وقتئذ يشتغل به لمح بائع سميذ جالسا يعد قروشه على الإفريز وتبين فيه صاحبنا بولص فلما أيقن من صواب زعمه دنا من بائع السميذ هامساً:
стр. 942
- أنت بولص بتاع واقعة رأس البر؟
فأنتصب البائع واقفا في رجفة تناثر معها بعض سميذه ونقوده وحاول أن يهرب ولكن سفروت أوقفه وأعاد عليه السؤال فأنكر واشتد في الإنكار وقال إن اسمه محمود وانه لا يعرف ما راس البر ولا من هو سفروت، ورأى الحاوي إن حديثهما وهياج محدثه قد يجمعان عليهما المارة فاخذ البائع إلى حارة باب المسرح الخلفي وهدأ خاطره وأكد انه لا يضمر له كرها ولا ينوي شراً وان كل ما به إنما هي رغبة شديدة في أن يعرف السبب الذي حدا به إلى فعلته الشاذة.
وبعد لأي اعترف البائع بأنه هو بولص ورضي أن يدخل مع الحاوي إلى غرفته الخاصة بالملهى حيث حدثه بخبيئة أمره. قال سفروت فيما تحدث به لبولص:
- طيب يعني مالئتش إلا صندوقي تختفي منه! ما كنت تسيبها وتمشي من غير شوشرة وفضيحة؟
قال بولص:
- ما جدرتش أبداً يا أخي. فكرة الهروب منها دي ما جاتش في دماغي إلا في راس البر، يظهر أنها زي اللي خمنت باللي في نيتي فكانت دائما في رجليهما تسيبيش ١٠ دجايج لما طهجتني وجطعتني العشم. تعرف بعد ما نزلت بالصندوق وبعته لك فاضي! أنا طرت على الفلوكة اللي كانت تستناني فوج عند الطابية أخذتها ورحت على دمياط ومن دمياط ببجور الفجر على مصر.
- يعني كنت بتكرهها للدرجة دي؟
- اكرهها؟ أنت متعرفشي جدا إيه يمكن الواحد يكره مراته ياسي سفروت، يكرهها ويكفر منها وينجن كمان. يا أخي أجول لها ياحنينة أنا في عرضك طلجيني. أبوس مركوبك يا حنينة تسيبيني. أعطيك ٥٠٠ جنيه. أعطيك ألف جنيه. مفيش فايدة، يمكن أنت متصدجشي ياسي سفروت لكن أنا كنت راجل غني، أنا كنت بتاجر في ٢٠٠٠ جنيه وكان عندي بيت كويس وعشر فدادين طين ملح وده كله سبته لها. اعمل إيه! مفيش طلاج عندنا ياسي سفروت زي ما عندكم، هجيت وبعت سوداني وجصب وسميط واستحملت اجلام الشاويش وشخطه وعشت في أوده بريال في بولاج، كل ده عشان اهرب من وشها. جيت أغير ديني
стр. 943
وأبجه مسلم مطجشي، ما هانش عليه ديني يا سي سفروت. دين الواحد زي ولده.
ولاحظ سفروت ان توتر أعصاب محدثه بلغ اشده ولاحظ دماً قرمزيا يترقرق في وجه الرجل الذي صبغته الشمس والقذارة بلون غرين النيل فحاول ان يهدئه ويواسيه ولكن بولص اندفع يقول:
_ دي ربت لي وجع الجلب والله يا سي سفروت. أنا كل مفتكر المره دي جلبي زي اللي يُجَفْ. لا ولأدهى من كده انها لسه بتعتش عني! الأنكت من كده إنها لا عاوزة فلوس ولا طين عاوزاني أنا بس.
_ يمكن بتحبك يا بولص.
_ بتحبني!! لأ. لأ. دا مش عبارة حب دا جنون. دي تكرهني زي العمى يا سي سفروت.
وانتهى حديث الرجلين بعد وقت فخرج بولص يبيع سميذه وذهب سفروت إلى مسرحه وهو يعجب لأمر الرجل.
وبعد بضعة أيام بينما سفروت يعد عدته للظهور على المسرح إذ دخل عليه بولص وبعينيه بريق الجنون الذي يكون به في ساعات هياجه، فلما رحب به الحاوي أظهر القبطي خشونة وجفاء كأنما هو يضمر عداء وشرا فسكت سفروت وقتا حتى تحدث بولص:
_ أنت فتنت عليّ؟
_ فتنت إيه؟!
_ أيوه أنت فتننت عليّ. أنت اللي بلغت عني للبوليس.
_ إزاي افتن عليك يا معلم؟! هو أنا لي صالح في كده؟ وحتى لو كان هو أنا راجل خسيس للدرجة دي؟ عيب ده يا معلم بولص متكلمشي كلام زي ده.
وقام بولص بعنف فأمسك بتلابيب الحاوي الذي ملكه الخوف والدهشة وصاح به قائلا:
- أنت مجوز؟ احلف لي بالطلاج انك مبلغتش البوليس.
ولم ير الحاوي بداً من القسم بالطلاق ثلاثا انه لم يفعل شيئا من هذا فهدأ بولص واعتذر ثم شرح ما حدث له قال.
- لما روحت امبارح جالت لي الولية جارتي أم شحاتة إن واحد شاويش جه يسأل عني في النهار مرتين. أول مرة جه لوحده وأم شحاتة جالت له إن مفيش ساكن اسمه بولص هنا.
стр. 944
بعدين راح ورجع في المغرب ومعاه حرمة طويلة ووجفوا يتحروا في الحتة. أم شحاتة جالت إن الساكن اسمه محمود بتاع السميط، حامت الحرمة سألت عن وصفتي وأم احمد أعطتها وصفتي، حنينة جالت أهو هو دا بولص. تصدج يا سي سفروت والله ماجدرتش أبات في الأوده رحت اتلجحت في الجامع اللي جنبنا لحد الصبح اعمل إيه يا سي سفروت؟ اهرب من حنينة فين؟ المره دي مش ناوية تسيبني ألا ميت.
واتت بهية تذكر سفروت بعمله فودع هذا بولص وذهب إلى المسرح وقبيل الحفلة ذهبت بهية إلى غرفتها لتغير ثوبها استعدادا للدور الأخير وتركت الحاوي يشرح للنظارة أمر الصندوق ويعد له عدته، وتأخرت بهية فبينما هو يفكر فيما يفعل إذ أقبل بولص عليه من جانب المسرح بوجه أدكن وعينين بارقتين شاردتين مما ذكر الحاوي بوجه الرجل في الليلة المقمرة. تقدم بولص وبه من الرجفة والذعر ما شغل الحاوي عن حرفته وأنساه صيته وموقفه والنظارة الذين خفتت أصواتهم واشرأبت أعناقهم في انتظار ما يكون، وهمس بكلمات متقطعة كحديث المحتضر قال:
- خبيني. . . أنا في عرضك خبيني. . . مراتي بره ومعاها شاويش. . . حطني في الصندوج، حطني في الصندوج!!
ودخل القبطي إلى الصندوق بغير انتظار واقفل عليه بابه وقد ملك الدهش على سفروت أمره حتى فقد القول والفعل، ثم رجع إلى نفسه بعد برهة ليتبينها أمام حقيقة واقعة وليدرك ان لا مخرج له سوى ان يخفي الرجل داخل الصندوق.
وقال سفروت في نفسه: لو فلت القبطي فقد أسديت له يدا ولو لحقه البوليس فما علي من ذلك لوم ولا تبعة وليس هو بالمجرم ولا أنا بالخارق للقانون، وكل ما علي الآن هو أن أسرع في عملي وأعطيه الفرصة ليهرب ويقيني انه لن يرجع إلى الصندوق، فإذا دعوت بهية بعد ذلك فسوف تقوم بحيلتها كالعادة وأما إذا أخرجته الآن من الصندوق بالقوة فسوف يكون من ذلك هياج الناس وتعكير صفو المحفل ومسئوليتي أمام المدير.
ولم يتردد سفروت بل ربط الصندوق ووقف عليه وتحدث إلى النظارة المنذهلين عن جنه وهيوليته الخ الخ، حتى إذا انتهى من الديباجة نزل. رفع الغطاء وهو موقن أن بولص قد خرج من الصندوق إلى تحت المسرح ثم إلى ما شاء له قدره.
стр. 945
ولكن بولص لم يخرج من الصندوق ولم يتحرك؟؟
روح بولص فقط هي التي بارحت الصندوق إلى بارئها أما جثته فقد بقيت لتستلمهاحنينة!!
قال أحد السامعين: غرضك بولص مات في الصندوق؟؟
فأجاب الراوي: نعم نعم، في رواية انه مات بالسكتة القلبية وفي رواية أخرى انه مات منتحرا بطعنة سكين في جنبه الأيمن وإن سفروت رأى دمه يسيل إلى المسرح، ولكن مهما اختلفت الروايات فمن الثابت ان زوجة القبطي وجدت جثته هامدة لما ارتقت المسرح مع ضابط البوليس.
وقال سامع ثان: طيب وجرى إيه لسفروت؟
فأجاب الراوي: حدثني صديقي احمد عن صديقه محمد أن الحاوي طَلَّق حرفته بعد هذه الحادثة وانه يشغل الآنترجمانا في بلدته بور سعيد ولكن الله أعلم بحقيقة الأمر
وسأل سامع ثالث: ما اتهموش سفروت بقتل الراجل! فتجاهل الراوي هذا السؤال لغباوة سائله.
م. م. م
стр. 946
إلى بئر جندلي
للأستاذ الدمرداش محمد. مدير إدارة السجلات والامتحانات بوزارة
المعارف
- ١ -
في شتاء سنة ١٩٠٨، وقبيل إجازة عيد الأضحى، دعاني خالي إليه وابتدرني قائلا وفي فمه ابتسامة:
_ هيا معي إلى بير جندلي. غداً مساءً سنغادر القاهرة.
_ بير جندلي؟ ما هذا؟
_ رحلة صيد في جبل المقطم تستغرق خمسة أيام، وسنكون مع أصدقائنا عائلة رشيد، وقد اعددنا لها العدة.
كانت مفاجأة، واترك للقارئ أن يتصور وقع هذه المفاجأة في شاب لم يبلغ الثامنة عشرة، لا يعرف عن جبل المقطم إلا القليل مما التقطه في طفولته من أفواه العجائز في أحاديثهم عن العفاريت والوحوش، أو عرفه من القراءة في كتب وضيعة تصور لك المقطم قفاراً ومفاوز لا نبات فيه ولا ماء، وانه مسكن المردة والجان ومأوى جبابرة اللصوص وقطاع الطرق ومرتع الوحوش الضارية من نوع السباع والأسود التي يرسمها نقاشنا البلدي على واجهات منازل الحجاج العائدين من الحجاز.
كان قد أزف الوقت فانصرفت أعد نفسي للرحلة على عجل، وأذكر الآن وقد مضى على الحادث ما يزيد على خمسة وعشرين عاماً، إني صرفت شطراً كبيرا من الليل في تصفح ما كان عندي من الخرائط، متفرساً في أسماء الجبال والسهول والأودية، باحثا بينها عن بئر جندلي، ولكني لم اظفر بطائل، وأذكر كذلك أني لم أنم في تلك الليلة إلا غراراً، فقد كنت مشرد العقل مهموما قلقاً تتوارد على ذاكرتي حكايات الوحوش وقطاع الطرق وقصص الأهوال التي لاقاها رواد الجبال، من عطش، وجوع، ومخاطر، فينقبض لها صدري وتثور هواجسي، ولولا إرادة قوية، وإيمان ثابت لتغلب الضعف على نفسي، ولأحجمت عن مصاحبة الجماعة.
بعد الغروب في اليوم الثاني أقلتنا عربة إلى منزل عائلة رشيد بشارع الدرب الأحمر
стр. 947
بالقرب من المحجر على بعد عشر دقائق من القلعة - منزل عتيق من طابقين له باب كبير ثقيل ومن خلفه دهليز يؤدي إلى فناء رحب تحيط به الحجر والمرافق وتطل عليه النوافذ والشرفات - في هذا الفناء شاهدت جملين مناخين حولهما حركة عنيفة صامتة، فقد كان القوم منهمكين في إعداد لوازم الرحلة - فهذا يملأ قرب الماء حتى إذا ملأها تعهد متانتها ثم أحكم ربطها إلى جانبي البعير، وذاك يحزم الملابس والأغطية ثم يضعها على ظهره، وثالث يرتب علب المأكولات داخل صندوقين من الخشب ثم يشدهما بوثاق إلى ظهر البعير الثاني وهكذا - بعد أن تبادلنا التحية دخلنا حجرة واسعة قد جلس في صدرها رجل وسيم المحيا مليء الجسم طويل القامة كبير الشوارب وقد خط الشيب شعره، فاستقبلنا واقفاً مرحباً ثم قدمني إليه خالي قائلا:
عمك عبد الله بك كبير الأسرة.
فلثمت يده على ما كان متبعاً في ذلك الوقت فضمني إلى صدره وقبّلني في جبيني وقال وهو يلاطفني: إنك الآن يا ولدي تجيب داع التقاليد في أسرتك؟
بعد قليل هدأت الحركة في الفناء، ثم نهضت الجمال وخطت نحو الباب وقد أمسك بزمام الجمل الأول شيخ يناهز الستين في لباس بدوي وقد ارتسمت على وجهه جميع إمارات الثقة بالنفس والتوكل على الله، وكان يقود الجمل الثاني شاب بدوي كذلك ممشوق القامة نحيل الجسم قد عّلق على ظهره بندقيته وتدلّى من صدره حزام للخرطوش ولما مرّت الجمال أمام النافذة أطلّ عليها عبد الله بك وقال بصوت هادئ رزين:
- على بركة الله يا شيخ سويلم
فأجاب الشيخ بصوت متهدج فيه غنة وبحة: بارك الله فيكم يا بك
- أين الانتظار؟
- على نير الفحم يا بك
خرجت الجمال إلى الشارع وقد انتصفت الساعة التاسعة وبخروجها شمل المنزل سكون عميق. ثم اتجه عبد الله بك نحو نضد في جانب الحجرة قد ثبتت فيه آلة لحشو الخرطوش فأخذ يديرها بمهارة وخفة، وبعد ان قضى في ذلك نحو نصف ساعة تناول من علاّقة قريبة مناطق الخرطوش وملأ به عيونها ثم خرج.
стр. 948
وبعد قليل عاد يتبعه أخوته الأربعة وهم جميعا في حلة الصيد من سترة مقفلة وسروال قصير وقد لفّوا حول الساق (القلاشين) ووضعوا فوق الرأس قبعات كبيرة على نحو ما يلبسه المهندسون زمن الصيف، فجلسنا نتجاذب أطراف الحديث، وفي نحو الساعة التاسعة والنصف دق الباب فصاحوا جميعا: ها قد أقبل الشيخ محمد - ثم دخل رجل في لباس بدوي فاستقبلوه باحتفاء وترحاب وبعد ان استوى في مجلسه سأل عن الجمال فقيل له أنها بارحت المكان منذ ساعة ثم نظر إليّ وقال من هذا الصغير؟ فقيل له ابن أخت احمد بك، فمال نحوي وقال بلهجة عذبة هل تصاحبنا يا آخي؟ فقلت نعم. فقال هكذا يكون الشباب يا سادة! - كان الرجل يكلمني وأنا مأخوذ فلم أر فيه إلا وجها صغيراً تحيط به لحية خفيف، وجسماً نحيلا وقامة قصيرة.
وفي تمام الساعة العاشرة وقف الشيخ محمد وتناول بندقيته وثبتها على ظهره وفعل مثله الآخرون ثم قال هيا بنا يا سادة. توكلنا على الله!، فخفق قلبي خفقاشديدا ثم تقدمنا وسرنا خلفه في صفوف.
(لها بقية)
стр. 949
الكتب
ثورة الأدبمن هيكل إلى طه
أخي طه
لم تخلفني موعدك عند ظهور كتابي (ثورة الأدب) فقد عوَّدَتْني أُخُوَّتُكَ
الصادقة وصداقتك الخالصة كلما ظهر لي كتاب ان تتناوله بالبحث وان
تتناولني بالثناء. بل عودتني هذه الاخوة ان تتناول بعض فصول كتبتها
بالبحث فيها وبالثناء عليّ من أجلها. وتحت نظري الآن ثلاثة فصول
من قلمك العذب أحدها عن كتابي (في أوقات الفراغ)، والآخر رد على
نقدي كتابك في (الأدب الجاهلي)، والأخير عن الفصل الذي كتبت عن
النثر والشعر والذي احتواه كتابي الجديد. وفي كل واحد من هذه
الفصول كما في غيرها من فصول نشرت السياسة ونشرت الأهرام من
قبل هذا الثناء، وهذا البحث الذي يسعدني بما لك من أثر في مجهودي
وإنتاجي يجعلك صاحب فضل فيه كبير. ولست أخفيك أني مدين في
حيلتي ككاتب لأشخاص كثيرين شجعوني وآزروني وعاونوني بوحيهم
وبنقدهم وبحسن توجيههم إياي وأني ما أزال بحاجة إلى هذه المؤازرة
وإلى هذا الوحي إن كان قد قدر لي أن أنتج في الكتابة شيئاً جديداً
ولعلي أستطيع يوما أن أفي لأصحاب الفضل هؤلاء بفصل على الأقل
أكتبه، فما أستطيع اليوم أن أحصيهم وهم كثيرون. لكنك كنت وما تزال
يا صديقي في مقدمتهم كنت وما تزال كذلك حين ألقاك وأتحدث إليك
وحين أقرؤك واستمتع بجمال ما تكتب، وعظيم لذته ودسم غذائه وحين
أفكر فيك وفيما أثرت في الأدب وفي تاريخ الأدب العربي من ثائرات
стр. 950
لما تهدأ. والحق انه إذا كانت ثورة الأدب مدينة في هذا العهد الأخير
لعدد غير قليل من الكتاب والأدباء فهي مدينة لك بأعنف ما فيها، مدينة
لك بأشد ما فيها طرافة. وبحسبي أن أذكر ذلك لتعلم كم يفكر فيك من
فكر وما يزال يفكر في ثورة الأدب، ومن يعتقد بل من يلمس هذه
الثورة ويرى أنها ما تزال لما تهدأ وأنها ما تزال تحطم وتهدم وتحاول
أن تبني كما حطمت الثورة الفرنسية النظم والطبقات. ولست أحاول
الرجم بما عسى ان تتمخض عنه هذه الثورة حين يستقر الأمر إلى
التوليد الهادئ المطمئن، ولعل صديقنا المازني أقدر مني على هذا
الرجم.
ولست أخفيك كذلك ان فصلك عن (ثورة الأدب) أثار مني ابتسامات دهشة وخجل متصلين من أوله إلى آخره فقد رأيتك تصورني فيه صورة لا أعرفها لنفسي، صورة جن لا ينقطع إنتاجه وأب لا يبخل على أسرته بحقها عليه، وصديق لا يضن على أصدقائه بحقوقهم عليه. فلست أعرف لنفسي من هذا كله شيئا. إنما أنا مقصر في حقوق أصدقائي، أكثر من مقصر في حق أسرتي. ثم ماذا تراني يا صديقي أنتجت؟ دعك من فصول يومية تكتب في الصحف فأنت أعرف الناس بتفاهة ما ينفق من مجهود في هذه الفصول. ودعك من العمل في حزب سياسي فأنت أدري بالسياسة المصرية: ما هي وما مبلغ الجد فيها. دعك من هذين وانظر وإياي فيما أنتجت. إنه لا شيء أو لا يكاد يكون شيئا، فأنا رجل بيني وبين الخامسة والأربعين شهور، وهذا أنا لا خيل عندك تهديها ولا مال، فليسعد النطق ان لم تسعد الحال. أم تحسب هذه الكتب القليلة مجهود جني؟! إن يكن ذلك فهو جني بليد ويطوف في الآفاق ثم يرضى من الغنيمة بالإياب، أو هو كما ذكرت جني هادئ مطمئن أفاق منذ حين قصير من نوم مريح. ولعلي لا آسف إذ أصف نفسي في ذلك على حقيقتها. وكل رجائي أن أصل من الحياة إلى حظ هادئ مطمئن يكفيني بعده أن أفي لأصدقائي بحقوقهم ولأسرتي بحقها وألا أكون هذا الرجل المقصر الذي يعذر الناس تقصيره ويتوهمونه لكثرة
следующие страницы →