← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.

стр. 8856

ولكني قلت: إن الإسلام في ذاته خارق لها، لأنه دين سماوي ووحي إلهي لا تتحكم فيه بيئة ولا تؤثر عليه ثقافة؛ على أن قولي خارق أحرى بأن يفهم منه إثبات قاعدة البيئة والثقافة؛ لأن الخارق ما خرق العادة وخالف مقتضاها، والغرض مما قلت بيان أن الإسلام في فقهه وعقائده وعباداته لا يتطرق إليه تأثير البيئة والثقافة، لأنه في كل ذلك جاء خارقاً لقانونها، ولم أقل قط إن الإسلام ناقض لقاعدة البيئة والثقافة كما فهمت أيها الأستاذ، بل قلت: إنه خارق؛ وفرق بين مدلولي اللفظين، فليشهد القراء وليحكموا! (٣) وقلت أيها الأستاذ عند قولي: إن الشريعة الإسلامية وجدت كاملة دفعة، أو بعبارة أصح جاءت في زمن واحد. . . الخ (إن هذه العبارة أوضح من أن تحتاج مخالفتها إلى دليل). فلماذا أيها الأديب الفاضل؟ فهل كنت تنكر أن الرسول ﵌ لم يمت إلا وقد تركنا على المحجة البيضاء، حتى ترى أن بعض الشريعة لم يوجد إلا بعد زمنه؟ ألم يقل الله جل ذكره في كتابه العزيز: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي)؟ ويقول أبن عباس السدي في تفسيرها: إن المعنى اليوم أكملت لكم حدودي وفرائضي وحلالي وحرامي تنزيل ما أنزلت وتبيين ما بينت لكم، فلا زيادة في ذلك ولا نقصان منه بالنسخ بعد هذا اليوم؟ حتى غال بعض نفاة القياس فأحتج بها على إنكاره. (٤) ثم ذكرت أيها الأستاذ قولي: وهيأ لنا شريعة كاملة، وقانوناً ربانياً منظماً يصلح لأن يطبق على أي جيل وعلى أية أمة، ولم يزد فيه الفقهاء شيئاً قط إلا تصنيفه ونقله. . . إلخ، فقلت: (إن هذا الكلام ليس أحسن حالاً من سابقه، فالفقهاء قد فهموا وطبقوا واستنتجوا واستنبطوا. . . الخ) ونحن لا ننكر هذا، وعبارتي لا تفيد نفيه إذ لست ظاهرياً، وقد شاء قلمك أيها الأديب أن يقتضب من عبارتي ما شاء فقط، وإلا ففي آخر الفقرة بيان المراد، فقد قلت في آخرها إنهم (أعني الفقهاء) فيما لم يجدوا فيه نصاً صريحاً يطبقونه على قواعده الأساسية، وهذا هو معنى الفهم والاستنباط، ولا يقال له زيادة ولا تعارض في العبارة، لأن المراد بما لم يزد فيه الفقهاء شيئاً أصوله وقواعده الأساسية، وهي التي لم يلحق المشرع الأعظم ﵌ بالرفيق الأعلى إلا وقد تركنا منها على سبيل واضح وقانون رباني منظم وشريعة كاملة، فيحسن أن نقول هنا إننا والأستاذ الفاضل على خطة اتفاق.

стр. 8857

(٥) وقلت أيها الأستاذ إن قولي (. . . والنصوص الفقهية كلها صريحة بينة الأغراض واضحة المرامي، يناقضه قولي في القرآن: على إن الاختلاف في تفسيره ليس إلا لإيجازه المعجز مع بعد مراميه الغيبية، وقلت: (إن هذا الإيجاز المعجز لم يفت آيات الإحكام كذلك وبعد المرامي يشملها. وجوابي عليك أن آيات الإحكام قد جاءت مفسرة بالسنة إلا ما ندر منها كآية الربا، فلم يبق مجال للاختلاف فيما أوضحه الرسول ﵌ كما يمكن أن يكون في غيره مما لم يفسر بالسنة، وبهذا يتضح الفرق بين أدلة الإحكام والتفسير المختلف فيه، ويصح به لنا القول بألا يقاس بالفقه التفسير، وحسبك دليلاً على الفرق بين فهم الكتاب وفهم السنة ما صنع الإمام علي كرم الله وجهه عند إرساله ابن عباس ﵄ لجدال الخوارج، إذ أمره أن يتوخى جدالهم بالسنة حرصاً على إلا يخطئوا في فهم القرآن وتأويله، وما ذاك إلا لما ذكرنا. (٦) وتقول أيها الأستاذ (وإذا كانت النصوص صريحة بينة الأغراض ففيم أختلف فقهاء المذاهب الكثيرة المتعددة الخ. وأقول لك إن سبب الخلاف بين فقهاء المذاهب ليس اختلاف البيئة والثقافة مع غموض الأدلة، ولكن السبب الأكبر هو اختلاف علمهم بالأدلة أولاً، ثم تفاوت مراتبها عندهم قوة وضعفاً، وقد كانت السنة آنئذ تتلقى من أفواه الشيوخ. وقد يبلغ الفقيه حديث لم يبلغ الآخر، أو يكون هذا سمعه بطريقة أقوى من طريق الآخر، وهذا عندي السبب الأكبر في اختلاف الفقهاء. ولذلك قال الشافعي إذا صح الحديث فهو مذهبي. ونحن لا ننكر اختلاف الأفهام في الاستنباط أصالةً، ولكنا ننكر لزوم أن يكون ذلك من آثار البيئة والثقافة، فاختلاف الإفهام جار حتى بين أبناء المدرسة الواحدة والبيئة الواحدة كما هو مشاهد، فلا يصلح دليلاً لتأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني. (٧) واستطرفت أيها الأستاذ الأديب تمثيلي للصراحة بقولنا مثلاً لا تكذب قائلاً: (إن هذه المسألة على وضوحها الشديد محل خلاف تعدى إلى كتب البلاغة) والكلام إنما هو تمثيل للصراحة لغة، وفرق بين رسوم الألفاظ وحدودها المنطقية وبين صرائح مؤدياتها اللغوية. ثم إني لم أمثل بهذا إلا توضيحاً لكون الكلام العربي الصريح لا يختلف معناه على حسب

стр. 8858

الأزمان والبيئات؛ ويدل على هذا قولي بعد ذلك: وأرى أننا لو نقلنا خطبة رسول الله ﵌ في حجة الوداع مثلاً ونشرناها اليوم لما فهم منها، أي إجمالاً، من يعرف مدلولات الكلام العربي من مثقفي اليوم إلا ما فهمه عشرات الألوف من المسلمين حينما خطبهم رسول الله ﵌ في ذلك الموقف الرهيب قبل ثلاثة عشر قرناً ونصف). وهذه ميزة للغة الضاد يجب ذكرها على حين أن بعض اللغات سواها قد تغيرت وتطورت تطوراً كاد يجعلها مقطوعة الصلة بينها وبين ماضيها قبل مائتي سنة. (٨) وأما استغرابك لقولنا إن أغلب النصوص الفقهية من السنة، فيذهب إذا علمت إن آيات الأحكام جاءت جلها إن لم نقل كلها مفسرة موضحة بالسنة، فالسنة مع كونها مصدراً خاصاً لبعض الأحكام فهي في بعض واسطة بين الكتاب وبين الفقهاء في فهم آيات الأحكام، وبهذا تعلم أغلبية الأدلة الفقيهة التي من السنة وإن كان أغلبها في الحقيقة تفسير ما أجمل الكتاب، وهذا معنى التبيين في قوله تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما أنزل إليهم) آية. (٩) ثم قلت أيها الفاضل مستدلاً على تأثر الأوزاعي بالفقه الروماني: (إن الرومانية حكمت الشام قطعاً، وكان ذلك الحكم لقرون كثيرة قطعاً، وكانت الدولة الرومانية وحكمها الشام قبل الإسلام قطعاً. . . ثم قلت وكان الإسلام هو الذي خلف على ذلك بلا شك، وكان لهذا على طول الزمن أثره الذي تختلف به الشام عن الحجاز مثلاً، ولا بد والأوزاعي أبن هذه البيئة الحديثة العهد بهذه الحال الرومانية فلتلك البيئة وهاتيك الثقافية وأثرهما المحتوم في تكوين الأوزاعي الخ. فلو سلمنا جدلاً بصلاحية الفقه الإسلامي وقبوله للتأثر بالبيئة والثقافة كما تعتقد أيها الأستاذ الفاضل، فالشام لم يفتح في عهد الأوزاعي ولكنه فتح في عهد عمر ﵁، والأوزاعي - وهو من تابعي التابعين، ومن الطبقة السابعة من الرواة، ومن أهل القرن الثاني - لم يأت إلا وقد أنصرم، أو كاد ينصرم بعد رسوخ الإسلام في الشام جيل كامل. ثم إن الإسلام من شأنه أنه لم يفتح بلاداً وتطأها أقدام جنوده الأبطال إلا وينقل إليها معه حضارته وآدابه وأحكامه، وأصرح من ذلك أن أقول إن الإسلام لم يفتح البلاد ويتولى الشعوب إلا لينسخ أدياناً ويقر مكانها ديناً واحداً، ويهدم قوانين ويبني بدلها قانوناً جديداً مفرداً، ويجتث حضارات ويغرس محلها حضارة واحدة؛ فالإسلام لم يفتح

стр. 8859

أرضاً ولم يحكم شعباً إلا ليؤثر فيه - يا مولاي الأستاذ - لا ليتأثر به. وقد تولى الإسلام الشام منذ عهد الخليفة الثاني وأسبغ عليه من روحه وثقافته وتعاليمه حتى غدا إسلامياً صبغةً وروحاً، ومضى على ذلك زمن، ولم يأت الأوزاعي إلا والشام في دينه وروحه وثقافته إسلامي صرف، ولم يبق به من ثقافة الرومان عين ولا أثر. فالأوزاعي وليد بيئة إسلامية وثقافة إسلامية، فتسرب الثقافة الرومانية إليه بعد أن اندثرت وسحب الدهر عليها ذيل النسيان وحل محلها ما هو خير ثقافة وأعدل حكما - من البعد بحيث لا يستسيغه عقل المتثبت الحازم. (١٠) والعجيب أيها الأستاذ الفاضل أنك في آخر ردك على مقالي قلت لا أدع منه عبارة ختامية تلك هي. . . إن الفقه الروماني جديد لفقه جماعة من العلماء وتحقق أنهم أخذوه من الفقه الإسلامي، وهذا ما يجب إلا يعتقد خلافه كل مسلم، قائلاً بل أقول. . . لسنا في شيء من المطالبة بهذه العقيدة في الفقه الروماني، فليست أصول الإسلام ستة، تلك الخمسة المعروفة ثم سرقة الفقه الروماني من الفقه الإسلامي الخ). ولا أدري ماذا أردت بأصول الإسلام الخمسة؟ فإن كنت تريد بها أركانه التي أولها الشهادتان وآخرها الحج، فالاستنتاج عجيب، لأنني لم أقل إن هذا الاعتقاد ركن من أركان الإسلام، بل غاية ما في الأمر إني قلت إنه واجب؛ وواجبات الإسلام يا مولاي الأستاذ أكثر من أن تكون ستاً أو ضعفها، فإذا ضممت إليها الواجبات الاعتقادية والأعمال والتروك صارت أكثر من أن تحصر! فبأي منطق استنتجت من قولي ما لم أقله، وألزمتني على هذا القول بأن أصول الإسلام ستة؟ ولا يفوتني هنا أن أقول لك أيها الأستاذ إن أدبك الجم قد سمح لك أن تنصحني بأن أعدل رأيي في هذه الأشياء قبل أن أهتم بمسألة الفقه الروماني وأخذه أصوله من الفقه الإسلامي أو تأثر الفقه الإسلامي فتلك مسائل متأخرة، ولكني هنا لم يطاوعني أدبي معك - مهما كان بالنسبة إلى أدبك - أن أقول لك مقال الناصح المشفق إنه يحسن أن تصلح منطقك أولاً قبل التعرض لتطبيقه على مثل هذه الأمور. وفي الختام أقول لك إنه ليس من الخير أن يتذرع الكاتب للتغلب على مناظره بتحقيره أو مغالطته، وأعتقد أنك أعلم بأدب الحوار والمناقشة من أن أنبهك إليه والسلام عليك. سنغافوره

стр. 8860

صالح بن علي الحامد العلوي

стр. 8861

نهر النيل كما ذكره العلامة أبن خلدون في مقدمة بقلم رشوان أحمد صادق جاء ذكر النيل في كثير من المؤلفات العربية التي وضعها جغرافيو العرب من أمثال الإدريسي وياقوت الحموي والإصطخري وابن سعيد الجبهاني وغيرهم كثير. على أن ابن خلدون وصف هذا النهر وصفاً بديعاً في مقدمته المشهورة. وقبل أن نتحدث عن مقال أبن خلدون عن نهر النيل يحسن بنا أن نذكر الحقائق الآتية: أولاً: أطلع ابن خلدون على أبحاث من سبقه إلى هذا الموضوع وحاول أن يوفق بينها وبين ما سمعه من الأحاديث المختلفة عن نهر النيل. ثانياً: لم يذهب أبن خلدون إلى أعالي النيل ولكنه ربما زار بعض أجزاء النهر السفلى مثل الأراضي المصرية. ثالثاً: ابن خلدون قد وصف بعض أجزاء نهر النيل بدقة جعلت الكثير من العلماء يهتم برسالة هذا الرجل الفيلسوف. رابعاً: إن العهد الذي كتب فيه أبن خلدون كان عهد اجتهاد من حيث البحث عن منابع النيل، إذ كانت مسألة النيل من الأمور الغامضة، ولم تتح الفرص لفك لغزه أو الحصول على معلومات حقيقية عنه مبنية على أبحاث دقيقة إلا بعد أن وطد محمد علي الأمن في أعالي النيل، وبذلك سهلت مهمة من قام بهذا العمل. والآن نذكر أقوال ابن خلدون عن نهر النيل ثم نعقب عليها. قال: (فأما النيل فمبدؤه من جبل عظيم وراء خط الاستواء بست عشرة درجة على سمت الجزء الرابع من الإقليم الأول ويسمى جبل القمر ولا يعلم في الأرض جبل أعلى منه. تخرج منه عيون كثيرة فيصب بعضها في بحيرة هناك وبعضها في أخرى، ثم تخرج أنهار من البحيرتين فتصب كلها في بحيرة واحدة عند خط الاستواء على عشر مراحل من الجبل، ويخرج من هذه البحيرة نهران يذهب أحدهما إلى ناحية الشمال على سمته ويمر ببلاد النوبة ثم بلاد مصر، فإذا جاوزها تشعب في شعب متقاربة يسمى كل واحد منها خليجاً وتصب كلها في البحر الرومي عند الإسكندرية، ويسمى يبل مصر وعليه الصعيد

стр. 8862

من شرقيه والواحات من غربيه. ويذهب الآخر منعطفاً إلى المغرب ثم يمر على سمته إلى أن يصب في البحر المحيط وهو نهر السودان وأممهم كلهم على ضفتيه). من ذلك يتبين إلى أي حد كانت معلومات ابن خلدون عن هذا النهر. أما عن أعالي النهر فمعاوماته قاصرة على السماع وعلى ما وصل إلى علمه من كتب من سبقه إلى ذلك الموضوع. وعلى الأخص كتاب بطليموس الذي ذكر ذلك بوضوح ونقل عنه الإدريسي وغيره. ولكن في كلام ابن خلدون مسألة مهمة إلا وهي ذلك النهر الذي يتجه غرباً ويصب في البحر المحيط. ما هو ذلك النهر الغربي؟ أكان ابن خلدون متأثراً بالآراء القديمة من أمثال رأي هيرودوت الذي يقول بأن النيل يتجه غرباً إلى المحيط؟ أم كانت عنده معلومات عن نهر الكنغو وظن أنه يتصل بالنيل كما كانت هذه الفكرة سائدة إلى زمن ليس ببعيد؟ أم كان يعرف نهر النيجر وظن أنه فرع من النيل لقرب منابع بعض نهيراته من منابع بعض نهيرات حوض تشاد القريبة من منابع بعض نهيرات النيل؟ ولكي نوضح هذه المسألة نقول: إن ابن خلدون ربما كان يقصد أحد هذه الآراء الثلاثة الآتية: ١. يقول أبن خلدون إن هناك نهيرات تنبع من جبل القمر ثم تصب في بحيرتين، ثم تخرج أنهار من البحيرتين فتصب كلها في بحيرة واحدة عند خط الاستواء، ويخرج من هذه البحيرة نهران يتجه أحدهما نحو الشمال والآخر نحو الغرب ويصب في المحيط. لعله كان يقصد بحيرة فكتوريا وبحيرة أدورد، وإن البحيرة الثالثة هي بحيرة البرت، والنهر المتجه شمالاً هو بحر الحبل والمتجه غرباً هو الكنغو. والقاعدة في هذا الفرض أن المنطقة بين النيل والكنغو غير محدودة تماماً، كذلك ليست شديدة الإرتفاع، وفي زمن الأمطار الشديدة قد تكون هذه المنطقة عبارة عن شبكة من المجاري المائية التي يصبح من المتعذر تتبعها خصوصاً وأن تلك الجهات كانت غير معروفة تماماً، وإن المعلومات عنها كانت منقولة عن التجار العرب والزنوج. فإن كان ابن خلدون يقصد ذلك - وهو الأرجح - فذلك دليل على ذكاء ذلك الرجل

стр. 8863

الفيلسوف والعالم المحقق. ولقد ظلت فكرة اتصال النيل بالكنغو زمناً طويلاً في عالم الوجود قبل أن يكشف تماماً عن نهر الكنغو. ٢. أما عن الرأي الثاني فنقول إن أبن خلدون ربما قصد بالبحيرة الثالثة منخفض بحر الغزال (بحيرة نو وأقليم السدود ومنخفض بحر الغزال). فالواقع إننا عندما نتتبع هذه المنطقة على الخريطة قد لا نتبين تماماً مقدار عظمها، ولكن إذا ما اطلعنا على مذكرات بعض التجار الذين قطعوا هذه المسافات من أمثال الزبير باشا نتبين تماماً إن هذه المنطقة تظهر لأول وهلة كأنها مستنقع عظيم السعة. فلقد ذكر الزبير باشا في مذكراته أنه ضل الطريق وسط هذا المستنقع أثنى عشر يوماً حتى كاد يشرف على الهلاك. فربما كان أبن خلدون يقصد بالبحيرة الثالثة هذا المستنقع العظيم. وإن النهر الذي يتجه غرباً هو بحر العرب وروافده. وربما وصلته أخبار عن النيجر وحوض تشاد فظن أن بحر العرب يتصل ببحيرة تشاد وهذه الأخيرة تتصل بالنيجر إلى (البحر) المحيط. ولقد كان يظن أن النيل يتصل بنهيرات بحيرة تشاد وهذه تتصل بأعالي النيجر، وبقيت تلك الفكرة سائدة إلى إن ذهبت البعثة الفرنسية وطافت حول بحيرة تشاد وأثبتت أن حوض تشاد منفصل عن النيل وعن النيجر تماماً. وربما كانت تلك الفكرة بعيدة عن ذهن أبن خلدون، ومع ذلك لا مانع من ذكرها خصوصاً وإن فكرة اتجاه النيل غرباً كانت سائدة في قديم الأزمنة. ٣. أما عن الرأي الثالث فربما قصد ابن خلدون بالبحيرة الأولى، بحيرة رودلف، وظن أن نهر أومو الذي يتصل بها متصل بنهر أوكوبو أحد أفرع السوباط، وأن البحيرة الثانية هي فكتوريا، والبحيرة الثالثة هي نو (ومنخفض بحر الغزال وأقليم السدود)، وأن النهر الغربي هو بحر العرب ويتصل بحوض تشاد، ثم حوض تشاد يتصل بحوض النيجر، ثم ينصرف الأخير إلى المحيط كما سبق أن بينت ذلك في الرأي السابق. ومما جعلنا نحتمل وجود هذا الرأي على الرغم من ضعفه هو قرب بحيرة رودلف من ساحل أفريقية الشرقي، إذ أنه معروف أن التجارة كانت تنقل من أعالي النيل إلى ساحل أفريقية الشرقي حيث يمكن تبادلها مع سكان الساحل الآسيوي المقابل لساحل أفريقية

стр. 8864

الشرقي، وكانت الأخبار تنقل مع التجار العرب أو الزنوج، ومن ضمن هذه الأخبار المعلومات المختلفة عن منابع النيل وإقليم البحيرات. ولما كانت بحيرة رودلف قريبة من ساحل أفريقية الشرقي فلا يبعد على الظن أن تكون ذكرت كمنبع للنيل. ولعل تلك الفروض كانت راجعة إلى عدم معرفة هذه الجهات بالدقة أيام أن كتب ابن خلدون رسالته، وان كل ما ذكر عنها كان عن طريق النقل والسماع الذي لا يخلو من المبالغة والخطأ، زد على ذلك قلة المعدات العلمية وآلات الضبط والمقاييس المختلفة بعكس ما نحن عليه الآن من تقدم. والآن ندخل في التفاصيل التي ذكرها الفيلسوف ابن خلدون عن بقية نهر النيل. قال يصف البحيرة الثالثة: (في أسفلها جبل معترض يشق البحيرة من ناحية الشمال ويقسم ماءها إلى قسمين فيمر الغربي منه إلى بلاد السودان مغرباً حتى يصب في البحر المحيط). وفي ذلك إشارة إلى خط تقسيم المياه بين النيل والكنغو، ونرجح ذلك إذا ما علمنا أن شاطئ بحيرة ألبرت من الجهة الغربية تحف به الجبال، ثم خلف هذه المرتفعات أي في الجهة الغربية منها توجد المجاري المائية التي تمد نهيرات الكونغو، فلا يبعد على الظن أن يكون ابن خلدون قد اعتبر منابع الكنغو وراء هذه الجبال المتاخمة لشاطئ بحيرة ألبرت الغربي جزءاً متمما لهذه البحيرة خصوصا وهذه المنطقة تحتوي على عدد عظيم من النهيرات، فهي عبارة عن شبكة مائية يصعب تحديدها خصوصاً في أوقات الأمطار الشديدة والفيضانات حيث تظهر كمتسع عظيم من المياه. وربما قصد ابن خلدون بهذه المرتفعات مرتفعات دارفور التي تفصل مياه وادي الكوه ووادي جندي المتصلين ببحر العرب عن وادي بحر السلامات المتصل بنهر شادي المتصل ببحيرة تشاد. وربما قصد بهذه المرتفعات مرتفعات بندا التي تفصل بين مياه الغزال من جهة ونهر شادي المتصل ببحيرة تشاد من جهة أخرى. إذ أن نهري الجبل والغزال يكونان حوضا منخفضا في الوسط وحافاته مرتفعة، وما ارتفاع الجهات التي تفصل حوض الغزال عن حوض تشاد إلا لهبوط الانخفاضات المجاورة التي فيها بحر الغزال وحوض تشاد.

стр. 8865

أما عن بقية نهر النيل فقد قال ابن خلدون: (ويخرج الشرقي منه ذاهباً إلى الشمال على بلاد الحبشة والنوبة وفيما بينهما. وينقسم في أعلى أرض مصر فيصب ثلاثة من جداوله في البحر الرومي عند الإسكندرية ورشيد ودمياط، ويصب واحد في بحيرة ملحة قبل أن يتصل بالبحر في وسط هذا الإقليم). وفي ذلك إشارة إلى فروع النيل وتغيرها في عهد العرب وما بعده عما كانت عليه في عهد البطالسة، فقد زالت المصبات الشرقية كلها تقريباً. ويقول أيضاً (وعلى هذا النيل بلاد النوبة والحبشة وبعض بلاد الواحات إلى أسوان، وحاضرة بلاد النوبة مدينة دنقلة وهي في غربي هذا النيل، وبعدها علوة وبلاق، وبعدهما جبل الجنادل على ست مراحل من بلاق في الشمال، وهو جبل عال من جهة مصر ومنخفض من جهة النوبة فينفذ فيه النيل ويصب في مهوى بعيد صبا مهولا فلا يمكن أن تسلكه المراكب بل يحول الوسق من مراكب السودان فيحمل على الظهر إلى بلد أسوان قاعدة الصعيد، وكذا وسق مراكب الصعيد إلى فوق الجنادل، وبين الجنادل وأسوان اثنتا عشرة مرحلة، والواحات في غربها عدوة النيل وهي الآن خراب وبها آثار العمارة القديمة). وفي ذلك إشارة صريحة إلى الشلالات التي تعترض النيل قبيل أسوان والتي تكون بمثابة عقبة، إذ نجد الانحدار شديداً. ويظهر أن المنطقة التي يصفها أبن خلدون هي المنطقة المسماة الآن شلال حلفا، وتبدأ بعد سراسن، ومن بعدها بقليل نجد شلالات جيمي وأبكه وطولها معاً أكثر من ١٦ ك. م، وينحدر عندها النيل انحداراً شديداً. وهذه الجنادل هي التي يطلق عليها عادة شلال حلفاً وهي كغيرها من الشلالات السابق ذكرها يرجع تكوينها إلى اعتراض الصخور البلورية الشديدة الصلابة في مجرى النهر وتتكون منها الجزر. وأما عند لفظ (واحات) فربما قصد بذلك بقايا المدن الأثرية التي قامت على أنقاضها المدن الحديثة، أو ربما أطلق هذا اللفظ على البلاد الموجودة في هذه المنطقة الجدبة والتي تعتمد على الآبار لبعدها عن النيل. أما عن قوله إن الحبشة على النيل فربما قصد بذلك الفرع الذي يأتي من بلاد الحبشة وهو الأرجح، إذ يقول: (بلاد الحبشة على واد يأتي من وراء خط الاستواء ذاهباً إلى أرض

стр. 8866

النوبة فيصب هناك في النيل الهابط إلى مصر). ويقول (وقد وهم فيه كثير من الناس وزعموا أنه من نيل القمر، وبطليموس ذكره في كتاب الجغرافيا وذكر أنه ليس من هذا النيل). وهذه إشارةً إلى أنه لم يكن يعرف هضبة الحبشة ولا منابع النيل الأزرق. على أنه يتفق مع بطليموس في أنه ينبع من جهات غير منابع النيل في جبل القمر. وهذه المسألة مدهشة، إذ أن النيل الأزرق كان معروفاً منذ أيام أراتستين، وأن هضبة الحبشة كانت مجاورة لبلاد اليمن وذات حضارة، فكيف لم يعلم شيئاً عن منابع النيل الأزرق بينما رسم كل من بطليموس والإدريسي بحيرة تسانا؟ ثم ذكر المحيط الهندي والبحر الأحمر والخليج الفارسي، وقال عنهما: البحران الهابطان، ثم ذكر بوغاز باب المندب والمنطقة المعروفة الآن باسم الأرتريا، ثم تكلم عن التجارة بين اليمن والسويس، وذكر سواكون، وتكلم عن الواحات الداخلة وعين مكانها، وذكر النيل في المنطقة بين المقطم (وجبل الواحات). وذكر بلدة اسنا وأرمنت وأسيوط وقوص وصول، وقال عند الأخيرة يتفرع النهر إلى فرعين: فرع يذهب إلى اللاهون ويقصد بذلك بحر يوسف، ثم ذكر عيذاب. من ذلك يتبين لنا أن معلومات ابن خلدون عن نهر النيل كانت مستمدة من كتابات من سبقوه إلى هذا الموضوع ومن الرواة كذلك، ولكن يجب أن نعترف بأن ذكاء هذا الرجل ومقدرته العلمية جعلاه يضع هذه المعلومات في قالب يقبل العقل الجزء الأكبر منه. فلقد ذكر بعض الجهات وعلل وجودها أحسن من غيره بكثير، ومع ذلك فإن له عذره، مقدرته العلمية جعلاه يضع هذه المعلومات في قالب يقبل العقل الجزء الأكبر منه. فلقد ذكر بعض الجهات وعلل وجودها أحسن من غيره بكثير، ومع ذلك فإن له عذره، إذ أن السياحة إلى مثل تلك الجهات كانتمن الصعوبة بمكان، ولم يكن هناك آلات دقيقة ولا معدات علمية تساعد على ضبط الأماكن بالدقة، زد على ذلك فان كتابات ابن خلدون جاءت معتدلة خالية من القصص الخرافية بعيدة عن المبالغة والخلط بين المعلومات والمعتقدات. رشوان أحمد صادق الجغرافيا

стр. 8867

في أوطانهم غرباء للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي إنما في بلادنا الشعراء … فئةٌ في أوطانهم غرباء لا رخاءٌ ولا أمانٌ ولا ما … لٌ ولا عزّة ولا سرّاء ألمن يكذبون ذاك التملى؟ … ولمن يصدقون هذا الشقاء؟ ما جروحٌ تدمى الجلود بها مث … لُ جروح تدمى بها الأحشاء ما شكوا أعباء الحياة وأن كا … نت ثقالاً عليهم الأعباء وإذا دافعوا عن الحق جهزا … فهناك الولايات والأرزاء لم أجد للجمهور عطفاً عليهم … وكأن الجمهور منهم براء إنهم لا يرون من قومهم بر … اً ولا تقديراً وهم أحياء وإذا مالقوا الردى فعليهم … يكثر الحزن منهم والبكاء تلك أخلاقهم وقد ورثتها … سنناً من آبائها الأبناء ليس هذا في يومنا وحده جا … رٍ على الأيام طراً سواء إنما دنيانا لقوم جحيم … ولأقوامٍ جنة غناء ولقد أخر الألي قرضوا الشع … ر نفوسٌ لهم بها كبرياء واجتناب الرياء منهم بعصر … شاع من أجل العيش فيه الرياء شعراء العراق كل سنيهم … سنة فيها تخلف الأنواء أنني أطلب العزاء لنفسي … في أساها، وأين مني العزاء؟ لهف نفسي على القرين فقد هب … ت عليه تشله النكباء عبثت في الربيع بالروض حتى … ملأته من زهره الأشلاء وإذا الورد في الربيع تولى … فعلى ذلك الربيع العفاء جفت الدوحة التي كل صبح … فوقها كانت تهتف الورقاء وعلى الزهر قد تصوح عندي … زفرة تصطلي بهاء الأحشاء بسمت في ربيعها لذكاء … كلما أشرقت عليها ذكاء أيها البلبل الذي يتغنى … لا يسمك الهوان هذا الغناء

стр. 8868

أيها الشعر أنت أشجى أنين … نزعته من نفسها الحوباء أنت في أسماع الأشايب موسي … قى في أعين الشباب ضياء وإذا كنت الدهر للعشر أطرى … فقليل مني له الإطراء وكأن السماء ديوان شعر … بعض أبياته النجوم الوضاء وكأن المجر والليل صافٍ … كدموعي قصيدة عصماء لم يكن بالشعر الغرام قليلاً … غير أن العراق منه خلاء أحسن الشعر ما بنته على ما … شعرت في حياتها الشعراء غير أن التقليد فيه كثير … وقليل على الشعور البناء وأجل القريض ما استحسنته … حين يتلى العقول والأهواء ونصيب الكثير منه بوار … ونصيب القليل منه البقاء (بغداد) جميل صدقي الزهاوي

стр. 8869

المساء بقلم أمجد الطرابلسي هوَ ذا الليلُ قد أطَلَّ من الأف … قِ فعمَّ الفضاَء صمتٌ رهيبُ جاَء يختالُ في غَلائله السُّو … دِ وفي وجهِه عُبوسٌ مِهيبُ فتولتْ ذُكاء جازِعَةَ النُّو … ر وفَرَّت وقد علاها الشُّحوبُ بسطت للوَداعِ أيَّ شُعاعٍ … شاحبٍ قد أمَضَّه التأويبُ ما تَرى الأُفْقَ قد تَوَرَّدَ حزناً … إنَّهُ منْ دَمِ النهارِ خَضيبُ كانَ ساحَ الوَغَى قد ظَفِرَ الَّلي … لُ كما يظفَرُ القوىُّ الغَضوبُ وتولَّى النهارُ، أيَّ طعينٍ … مُستضامٍ تسيلُ منهُ النُّدوبُ مأنَم الشَّمسِ! هكذا الكونُ بغى … ودماء طليلة وحُروبُ إن غَدَا الليلُ ظافراً فكذا النُّو … رُ على الأرضِ عاجزٌ مغلوبُ هكذا يَظْفَرُ الظلامُ ويخْبو … لهب النور في الدُّنا ويَخيبُ هكذا سُنَّةُ الحياةِ غِلابٌ … وكذا الحَقُّ هَيِّنٌ مَغْصوب وأطلَّ الرَّاعي ينوح على الشم … س كما ناحَ في الرُّبى العندليب هَبَطَ القريةَ الخزينة يبكي … وتعالى حُداؤُهُ والنّحيب أكذاك الأكواخُ يَغمرُهَا الصَّم … تُ ويَعلو الحقولَ هذا القُطوب؟ أكذاك الطيورُ تَنْدُبُ شَجْوَاً … وَيَعُمُّ الرُّبى الظلامُ الرحيب؟ أيْنَ سهلٌ يموجُ في لجج النو … رٍ ووادٍ جمّ الظلالِ عشيب أينَ لَحنُ الحياةِ تَنشده القر … يةُ؟ أينَ المِراحُ؟ أينَ الوُثُوب فبكى والقَطيعُ بينُ يديهِ … خافتُ الخطْو والثُّغاءِ، كئيب ومشى في الظلامِ يبكي على النو … رِ كَمَا سَارَ ثاكلٌ مَحْروب يصرُخُ النَّايُ في يديه فتبكي … لِبُكى النايِ أعيُنٌ وقلوب هي أُنشودةُ الوَدَاع يُغَنِّي … ها وقد حانَ للضياءِ غُروب هي أنَّاتُ شاعرٍ عَبقري … عشقَ النّورَ واستبته الغيوب أيُّهذا المساءُ فيكَ منَ المَو … تِ دُجَاهُ وسِرُّهُ المَحجوب

стр. 8870

العفاءُ الدجى مثلُكَ رَحبٌ … وَشَبيهٌ بِكَ الَفنَاءُ الجديب هكذا تَنْطَفِي الحياةُ وَيَغشا … ها سُكونٌ مِنَ الفَناءِ مُريب هكذا تَسْكُنُ الأمانيُّ لِلْمَوْ … تِ وَيَبْلى ثوبُ الحياةِ القَشيب وَتَغوصُ الرِّكابُ في ثَبَجِ الرَّمْ … لِ وَتَخْفَى مَهامهٌ وسُهُوبُ ويَضيع الضَّجيجُ في العَدَمِ القَفْ … رِ وِتثمْحى معالمٌ وَدُروب نَامَتِ القَرْيةُ الحَزينةُ إلا … ساهرا نومُهُ الهنيُّ سليب لِمُنُاهُ بيْنَ الاضالعِ هَمْسٌ … وَلِخفَّاقِهِ الملحِّ وجيب ظلَّ سَهرانَ يَرْقب الأنجمَ الزُّ … هْرَ تَهَادي كما تهادى حَبيب عَلِقت عينُهُ السماَء ذُهولاً … وإستباهُ هذا الفُتونُ العَجيب في فِجاجِ السماءِ عُرْسٌ بَهىٌّ … وعلى الأرْضِ مْأتَمٌ وكُروب فَهُناك النجومُ تطْفَحُ بِشْراً … وهنا الليل حالِكٌ غريب زَغردَتْ في السماءِ أنْجُمُها الفَرْ … حى وَغنَّى بعيدها والقريب وتَبدتْ تَختالُ عُجباً كما تَخْ … تال بيْنَ الشُّفوفِ خُودٌ لعوب هكذا تَضْحَكُ السماءُ منَ الأر … ض كما يضحكُ الخلِيُّ الطروب إيهِ يا لَيلُ رُفَّ فَوْقَ خِلىٍ … لم تُؤَرِّقْهُ لَوْعَةٌ وخُطوبُ وانْشُرِ الحُلْمَ والطّيوفَ لِصَبٍّ … لم يُنَغِّصْ نعيمَه تعذيب لستَ يا لَيلُ للذي ألفَ السُّهْ … دَ كما يأْلف الغَرِيبَ الغريبُ أنا يا ليلُ ليس لي من سكونِ ال … كون أو هَدْأةِ الظلامِ نصيب حسبُ قلبي ظلامهُ ودُجاه … وأساهُ المُبرَحُ المَشْبوبُ لِيَ لَيْلانِ ساهرانِ وغيري … ليلُهُ باسِمُ الطيوفِ خصيب أنا أحيا الحياةَ ليلاً طويلاً … أفَيَصْفو لِيَ الدُّجى ويطيب؟ إطْوِ يا ليلُ هذه السُّجُفَ السُّو … دَ فكم تَحْتَ جُنْحِها مَكروب كم قلوبٍ وجيعَةٍ ونفوسٍ … تحت هَذا الدُّجى تكادُ تذوب يا إلهي سئمْتُ هذي الدَّياجي … إن في القلْبِ ظُلْمًةً لا تَغيب أنا كَهفٌ مهدم مُستباحٌ … فيه لِلْحُزْنِ والشكوكِ نَعيب

стр. 8871

يَصفِرُ الَغّمُّ في دُجاهُ كما تَصْ … فِرُ في اللَّيلِ شَمْأَلٌ وجَنوب أقطعُ الليل سَاهراً ذاهِلَ الفِكْ … رِ وفي الصَّدْرِ لْلهُموم شُبوب غارِقاً في هَواجسي وَذُهولي … وعلى العَيْنِ لِلسُّهاد رَقيب شاقني النورُ يا إلهي ولكنْ … أْيَن منى السنا وأيْنَ الَّلهيب؟ شاقني الشَّدْوُ والغِناء ولكنْ … أيْنَ منى الُّلحونُ والتَّطريبُ؟ للضِّياءِ الحبيب يا نفس في الأر … ضِ مغِيبٌ ولْلحياةِ مغيب لا يَرُعْكِ الظلامُ إن ملأَ الكَوْ … نَ فإِنَّ الصَّبَاحَ سوف يَؤوبُ دمشق أمجد الطرابلسي

стр. 8872

ما يحنو به قانون العقوبات الألماني الجديد نظريات جديدة في فهم العقوبة والمجتمع كانت الحكومة الألمانية قد انتدبت منذ حين لجنة من كبار المشترعين (الهتلريين) لبحث مبادئ العقوبة الجنائية التي يجب أن تتمشى مع مبادي الثورة الاشتراكية الوطنية ومبادي حزب (النازي)؛ وفي الأنباء الأخيرة أن التعديلات الجديدة لقانون العقوبات الألماني قد صدرت متضمنة لمبادي جديدة عجيبة في تعريف الجريمة وتحديد معنى العقوبة الجنائية لم يسمع بها من قبل في أي بلد متمدين. وقد قرأنا في هذا الموضوع مقالاً قيماً لكاتب فرنسي كبير، فرأينا أن نترجمه لقراء (الرسالة) فيما يلي: يقول زعماء الإمبراطورية الألمانية الثالثة (الزعماء الهتلريون) إن قانون العقوبات هو (مرآة صادقة للروح القومي). ونحن في فرنسا نتأثر منذ قرون بالقانون الروماني القديم الذي اشتقت منه ثورة سنة ١٧٨٩ (الثورة الفرنسية) مبادئه الجوهرية، ولكن الهتلريين يرفضون هذه المبادئ باشمئزاز، ويقولون ما معنى هذا الإجلال الخالد لقصاصة من الورق؟ إن التعلق بحرفية النصوص ينم عن ذهنية متأخرة وضيعة. والقانون يقوم على حقيقة حية هي (ضمير الشعب)، ولا غاية لقانون العقوبات إلا أن يحمي هذا الضمير. ونحن في بلادنا ذات المبدأ الإنفرادي، نقدس ذلك المبدأ الأساسي العظيم: (لا عقوبة بغير نص) ولكن المشترعين الألمان الجدد يقولون: إنه لا يوجد قانون في العالم يمكن أن يتحوط بنصوصه العقابية لكل الأعمال البشرية الممكنة، وإذن يجب على قضاتنا أن يعاقبوا أيضاً على الأعمال التي لم ترد في القانون (متى كانت تثير الرأي السليم المتزن للمجتمع) وكذلك نبذ المشترعون النازيون مبدأ أساسياً آخر هو (عدم رجعية القوانين) (أو عدم سريانها على الماضي)، وعلى هذا فإن محكمة لايبزج العليا قد حكمت بالإعدام على فان درلوبي مع أنه في الوقت الذي وقع فيه حريق الريخستاج لم يكن القانون يعاقب على هذه الجريمة إلا بالأشغال الشاقة. وإذا كنا نحن نرى من المثير أن نطبق على المجرم قانوناً كان يستحيل عليه أن يعرفه، فإن المشترع الألماني يقول إنه يجب عليه (أي المجرم) أن

стр. 8873

يعرف إلى أي حد يمكن أن يثير بعمله السخط العام. ونحن من جانبنا يصعب علينا أن نعترف بقانون عقوبات لا يعترف (بالحريات الفردية)، فإنه إذا عدمت هذه الحريات أضحى المشترع حكماً متعسفاً لا غير. وهذا ما حدا برجل مثل رامون فرنانديز أن يقول إن صوغ القانون الشيوعي الجديد، والقانون الفاشستي الجديد (لا يتميز فقط بسحق القانون القديم، وإنما يتميز بسحق الحقوق جميعاً)؛ بيد أنه يجب أن نعترف على رغم إشمئزازنا بأن الهتلريين يقومون بتحويل الحقوق. ذلك أن الشعب هو الذي يرفعونه فوق كل شيء؛ والشعب، لا الفرد، هو الذي يريدون حمايته بادئ ذي بدء؛ وهو تحويل في القيمة يتمشى مع استبدال المبادي الحرة القديمة (بمجتمع دولة عام). ومن مبادئنا أننا نريد أن تحدث القوانين والظروف دائماً أثرها لصالح الفرد، فإذا عدل قانون، فإننا نطبق عليه أخف النصوص؛ فإذا تطرق الشك إلى ذهن القاضي وجب عليه أن يحكم بالبراءة؛ وكل متهم يعتبر بريئاً حتى يفصل في قضيته، وهذه كلها مبادئ يمقتها الهتلريون. فهم يصيحون: أليس فظيعاً أن نضع المجرم في ذروة قانون العقوبات؟ وأن نعكف بشغف على درس نفسيته باسم الدفاع عنه؟ لقد انحدر علماء الجنائيات في الأمم الديمقراطية إلى هذا الدرك، أعني إلى درك (الحق الزائف) أو (الحق المعدوم). والواقع إن ميولنا الفردية تجنح إلى التساهل مع المجرم؛ فمتى حللنا البواعث التي دفعت المجرم إلى ارتكاب جرمه، فقد فهمناها، وعندئذ نعطف على المجرم عطف الإنسان على الإنسان، بل لقد انتهى مشترعونا الجنائيون شيئاً فشيئاً لا إلى تحديد العقوبة، ولكن إلا حب الإصلاح. وهذه حالة ذهنية لا يسيغها مشرعو الإمبراطورية الألمانية الثالثة؛ فهم يرفضون، لا أن يحكم على بريء - ولكن أن يفلت مجرم من العقاب. وإذا القضاء لم يقدم ترضية كافية لسخط الشعب العادل حينما يطالب بالعقوبة، فإن النظام الاجتماعي يغدو في خطر، وتسري إلى الشعب عوامل الهياج العام. ومن خواص هذه النظرية تقرير صنوف المشبوهين. وإذا كان القاضي يمثل الشعب حقاً، فإنه في زعم أولئك المشترعين لا يمكن أن يرتكب خطأ قضائياً، ويكفيه دون أن يفتح

стр. 8874

القانون أو يرجع إلى ضميره الشخصي، أن يستشير ضمير الشعب، والشعب معصوم لا يخطئ، وهو يكاد يتكهن، وعواطفه هي التعبير عن العدالة ذاتها. ويقرر قانون العقوبات الاشتراكي الوطني أنه يمكن معاقبة مجرم لم يتمم جريمته، ولكن (أراد أن يرتكبها). وفي رأيه أن الجريمة ليست هي عمل القتل في ذاته بل هي (اعتزام القتل) ونحن في فرنسا نعاقب على (الشروع) في بعض الأحوال؛ فلا يعاقب مثلاً ذلك الذي يجس جيب إنسان من الخارج بنية سرقته، ولكنه يقع تحت طائلة القانون إذا حاول أن يدخل يده في ذلك الجيب. فهذه الفروق القضائية الدقيقة يخشاها المشترع الألماني أيما خشية؛ ولهذا يتخذ الرأي المناقض ويرى أن يضع تحت نظرية (العزم المهدد) أقل حركة تمازجها الشبهة. وهكذا نرى أن قانون العقوبات الألماني الجديد وكذلك الإجراءات الجنائية قد بسطت كل التبسيط. وقد ألغيت (الظروف المخففة) ولم يعترف (بسبق الإصرار) بحيث أضحت جريمة الهوى والجريمة التي دبرت طويلاً سواء في العقوبة، ذلك أن المجموع يجب أن ينتقم بسرعة وبلا هوادة من أولئك الذين يعكرون صفوه؛ وللقاضي أن يوقع عقوبات تبعية بعد تنفيذ العقوبة الأصلية مثل الجلد والصوم الجبري، ومصادرة الملك؛ وهكذا يراد أن يدفع الجانح الذهن إلى مرتبة إنسان منحط من الوجهة الجسمية والعقلية. وقد ذهب المشترعون النازيون إلى حد اعتناق الروح الإسبارطي؛ فالدولة لها الحق (أن تقضي بصفة إدارية بالموت على بعض الأفراد الذين ليست لهم قيمة جوهرية) فرجل مثل بيرون (لورد بيرون شاعر الإنكليز) يمكن أن يلقي في الماء منذ مولده؛ ورجل مثل هلدرلن الشاعر الهائم يمكن أن يعدم؛ ويصرح قانون العقوبات الجديد للطبيب بأن يعدم المريض الذي لا يرجى برؤه متى طلب إليه ذلك. وبعكس ذلك فإنه لما كان الفرد السليم مديناً بحياته للمجتمع، يعتبر الانتحار جريمة، ويعاقب الشركاء في محاولته. ثم إنه لما كان الشرف أثمن من الحياة، فإن القانون يعترف بإجراء المبارزة بين المتخاصمين. ويكشف لنا المشترعون الهتلريون عن غايتهم النهائية فيما يأتي: ليس المجتمع هو الذي يكون غاية في ذاته، ولكنه الجنس أو الأمة؛ والعمل لعظمتها يجب أن يكون هو غاية الحياة لكل فرد.

стр. 8875

إن النزعة الفردية وحدها هي التي تدفع الفرد إلى حب الإنسانية. ولكن الهتلريين باعتمادهم على القيم الاجتماعية، يجنحون إلى أهم عناصرها، أعني (القومية). وعلى هذا فإن قانون العقوبات عندهم يقرر صنوفاً جديدة للجرائم؛ فمثلاً يعتبر (خائناً للوطن) من يجرج الاشتراكيين الوطنيين في عزتهم، أو يهزأ بإحتفالاتهم، أو يسخر من أغنيتهم، أو من ينوه بأعمالهم الهمجية؛ وكذلك من يتنقص من أقدار الأبطال الماضين، أو من يهين المحاربين القدماء. وهكذا نقلت الحماية الشرعية لشخص الإنسان إلى حماية الحزبوإلى حماية الأمة. ثم إن الأمة عندهم تقوم على الجنس، ويجب أن يحتفظ الدم الشمالي القديم بنقائه وتفوقه. وعلى هذا فإنه ترتكب جريمة (خيانة الجنس) كلما امتزج الألماني (أو الألمانية) باليهود أو بالأجناس الملونة، أو إذا امتزج علناً بزنجي وجرح بذلك (العاطفة الجنسية) لأمته. ويعاقب الزنجي بعقاب أشد لاعتباره إنساناً منحطاً. ونحن نعرف أن الهتلريين أصدروا في العام الماضي قانوناً للتجارة ينظم العلائق بين العمال وبين أصحاب الأعمال على أسس جديدة. وقانون العقوبات الجديد يتأثر بهذه الأسس؛ إذ المقصود أن ترتب بين المخدوم والعامل نفس العلائق التي كانت سائدة في العصور الوسطى بين السادة والأتباع. فالعامل يجب عليه الطاعة والإخلاص، ولا يستطيع بعد أن يتولى الدفاع عن نفسه بنفسه، بل يعتبر واقعاً تحت حماية المسيد، وعلى السيد أن يقوم بحماية مصالحه المادية والأدبية. صحيح أن قوانين العمل الاشتراكية (مثل قانون الثماني ساعات، وقانون التأمينات وغيرهما) لم تلغ، وصحيح إنها ما زالت تطبق، ولكن لا لحماية حقوق العامل، بل من وجهة اجتماعية مشتركة لأن القضاء على النزعات المتمردة يؤكد تعاون العمل ورأس المال. فهل يعني ذلك كله إن حماية الفرد قد ألغيت بتاتاً؟ كلا؛ ولكن قانون العقوبات لا يهتم بشأن الفرد إلا باعتباره عضواً في الجماعة، وعلى هذا فإن الملكية الفردية لا تجب حمايتها إلا بقدر ما يبديه المالك من السداد في إدارتها بحيث تعاون في تحقيق الخير العام. وفي القانون الفرنسي ما زالت تعرف الملكية بالتعريف الروماني القديم؛ فهي الحق في أن تتمتع بشيء وأن تستعمله أو تسيء

стр. 8876

استعماله؛ والواقع أن هذا الحق قد قيد فيالعصر الأخير بقيود مازالت في ازدياد. ولكن الهتلريين يرون إلغاء المبدأ ذاته؛ فالملكية الفردية لا يعترف بها، وإنما يعترف بوضع اليد على الأملاك، بشرط إلا يتصرف الفرد فيها إلا في صالح الدولة. وكذلك الأسرة تحميها نفس المبادئ العامة؛ فإنه يحظر على كل فرد (أن يتلف أو ينقص كفايته لإنتاج النسل). وقد ذهب الهتلريون بعيداً في تحديد واجب الفرد نحو الأمة، فقرروا أن التضامن إجباري. تلك هي الأسس الجديدة لهذا التشريع الهائل؛ وقد اتبع المشترعون الألمان إجراءات محاكم التحقيق (التفتيش) لكي يصلوا إلى غايتهم بأية وسيلة، وهي تحقيق خير الجماعة القومية وسيادتها، فجعلوا من القاضي شخصية مطلقة السلطة، وجعلوه مشرفاً دائماً على أخلاق الفرد، فمن يحاول غير الزعماء أن يميز نفسه من المجموع، كان عرضة للقبض والعقاب. وإذا كان في هذه المبادئ ما يروع، فذلك لأننا منذ عصر الأحياء، ومنذ عصر الثورة الفرنسية بنوع خاص، قد شهدنا القوى الفردية تنمو وتتسع إلى أعظم حد، ولم يفعل الإصلاح الاشتراكي في عصرنا شيئاً لوقفها. واليوم وقد انتهت الفردية إلى هذا الإفراط، فإن الرجعة التي كانت تبدو مستحيلة بالأمس تصبح اليوم محتومة. ذلك أن الحرب، والأزمة الاقتصادية، وروح الأثرة المتسلطة على المنتجين، وكبرياء عظماء الفنانين، قد أدت إلى الرجعة الجماعية الحاضرة؛ وسوف تنتهي هذه النزعة بلا ريب إلى صنوف جديدة من الإفراط، وإلى تناسق لا يطاق. ولعلنا نرى الفردية والنزعة التعاونية وهما النزعتان الجوهريتان المتناقضتان اللتان تتجاذبان الإنسان، تنتعشان، وتشرفان بالتناوب على الحركات الاجتماعية، دون أن يتحقق بينهما توازن ما؛ والتوازن كمال يناقض الحياة ذاتها.

стр. 8877

القصص من أساطير الإغريق بسيشيه وكيوبيد للأستاذ دريني خشبة (بقية ما نشر في العدد الماضي) فلما كان الغسق سمعت إلى الباب ينتفح، ويدخل فتى خفيف الخطى، ويقبل عليها فييحي أحسن تحية بأرق صوت، ثم يستأذن فيجلس إلى جانبها. وكان الظلام شاملاً، فلم تستطع بسيشيه أن تتبين وجه الجالس إليها أو خلقه، ولكنها كانت تسمع إلى موسيقى تمتزج بصوته الحنون، وكانت تحس كأن عبرات تكاد تخنقه، لأنه يريد أن يبوح بشيء يمنعه الخجل من البوح به. . . واقترب منها. . . وأخذا في حديث شهي، ولكن الحياء كان ما يزال يعقد لسانيهما. . . وأقترب منها كذلك. . . وتماست الأجسام المرتجفة، وليس كتماس الأجسام مفرجاً عن الحب! وأخذ الحبيب يد حبيبته بين كفيه، فانتقلت الحرارة من هنا إلى هنا، ثم دنا الفم من الفم، واستراح الخد على الخدن، وبدأ طوفان القبل. . . وتمتم كل من الحبيبين بهذه الكلمة السماوية الخالدة: (. . . أنا. . . أحبك. . .) - (كأنك أنت أيها الحبيب الصغير الذي أنقذتني من براثن الموت!!) - (أجل يا منية النفس، ورجية القلب، بمعونة الإله الرفيق زفيروس). - (أفأنت إله إذن؟) - (لا أستطيع أن أذكر لك من ذلك الآن شيئاً. . .) - (إذن ما اسمك؟) - (ولا هذا أيضاً!) - (أحب أن أراك، فهل تأذن بإيقاد المصباح؟)

стр. 8878

- (إذا حاولت أن تريني، كان فراق بيني وبينك!!). - (أنت تزعجني أيها الحبيب الصغير. . .) - (ولم أزعجك؟. . . ألست قد أنقذتك من الموت، وأسكنتك هذا القصر المنيف، ولست أمن عليك!!). - (برغم هذا فأنك تزعجني. . .) - (هاتي قبلة. . . ودعى هذا الحديث الشاجن. . .) - (. . . .؟. . . .) وظل يزورها كلما أقبل الليل، فيمكث معها حتى مطلع الفجر آخذين في عناق وقبل، وحديث ألذ من قطع الروض، وأروح من رفيف النسيم؛ ثم يفصل على أن يعود لميعاده من اليوم التالي. . . وبسيشيه راضية قانعة، لا يضيرها إلا تعرف من هذا الحبيب الوفي. . . ولا ما يكون اسمه. . . وذهبت تنشق أنفاس البحر فوق الشاطئ الطويل المزهر فلقيت أختيها فجأة تخرجان من زورق جميل، فتعانقهما عناقاً حاراً، ويغمرها للقائهما فرح كبير، وتعود بهم إلى القصر، وتطوف معهما حدائقه وغرفاته، وتقف عند الصور والتماثيل ونافورات الزئبق؛ وتدخلهما (هيكل الحب) كما إتفقت وحبيبها أن يسميا المخدع؛ ثم تقص عليهما قصتها منذ اعتزامها الإنتحار إلى أن تلقاهما. . . وتكون الغيرة قد أنشبت أظفارها في فؤادي الفتاتين، ويكون الحسد قد شاع في نفسيهما الخبيثتين، فتضمران لها الشر المستطير. - (ولكن كيف تطمئنين إلى هذا الحبيب يا أختاه؟ إلا تخافين أن يكون غولاً أو هولة أو سعلاة؟ لماذا إذن يأبي عليك أن تنظري إليه؟ أليس يخشى أن تفزعي من إذا رأيته على حقيقته؟ أيغرك منه كلامه الناعم الموشي؟ لا يا أختاه! نحن نخشى أن يقلاك يوماً أو يجفوك فيقتلك. . .! لابد أن تأخذي حذرك منه! ولابد أن تنتهزي فرصة يكون غاطاً في نوم عميق فتوقدي المصباح وتنظري إليه، فإن كان وحشاً أو هولة، فإليك هذا الخنجر المرهف فأغمديه في قلبه واستريحي منه، وعودي معنا إلى أبينا الملك فإنه جد مشتاق إليك. . .) ودفعتا إليها الخنجر المسمم بغلهما، وولتا عنها تختبئان في أجمةٍ دانية. . . .

стр. 8879

وفعل كلامهما في قلب أختهما فعله، فلما كان الليل، وغفا الحبيب الصغير مما ألم به من سكرة الحب، نهضت بسيشيه إلى مصباحها فأوقدته، وإلى الخنجر فشرعته، وذهبت تنظر إلى العاشق البريء. . . فماذا رأت؟ أجمل مخلوق على وجهك أيتها الأرض!. . . لقد كان نائماً حالماً، فيه دعة وفيه فتون. . . وملأ الفتاة حباً. . . فارتجفت. . . واهتز المصباح فأيقظته. . . وفتح عينيه. . . فرأى إلى الخنجر المرهف في يمين بسيشيه. . . يا للهول. . .!! لقد قفز الحبيب قفزة هائلة، ورف بجناحيه الصغيرين، وقال: (بسيشيه. . .! ياشقية. . .! وداعاً. . .! فلن نلتقي بعد اليوم!!) وشاعت الحسرة في قلب الفتاة فسقطت على الأريكة من الجزع والإعياء. . . ما كاد كيوبيد يرف بجناحيه فيغادر القصر حتى امتلأ المخدع أرواحاً شريرة طفقت تهاجم نفس بسيشيه في شدة وعنف، وكلما نظرت هنا أو هناك رأت أفعوانات هائلة تنفث الموت الأسود من أنيابها البارزة الحواني، ثم أحست كأن القصر يرتجف ويميد، ويكاد ينقض، فهرعت إلى الخارج مهرولة، وهرعت في أثرها المخاوف والأشجان، يحدوها الذعر والفزع الشديد. ونظرت في السماء فلم تجد قمرها المنشود تبثه وتشكو إليه، بل وجدت سحباً قاتمة تنعقد في المشرقين والمغربين، والودق يخرج من بينها كما تخرج الزفرة من صدر المكروب! وبدأت العاصفة الهوجاء تزلزل الجزيرة وتميد بالدوح وترفع شياطين الموج فتجرف العامر واليباب! وأخذت الرياح الهوج تلاحق الفتاة حيثما ذهبت، وترجم وجهها الكاسف المغضن بجمرات البرد أيان ولت. ووهنت أعصابها فراحت تصيح فوق الشاطئ كالذي يتخطفه الشيطان من المس، فلما لم يلب نداءها أحد، انثنت نحو القصر، وأطوفت بالأسوار تتفقد الباب الكبير الضخم. . . ولكن. . . هيهات! لقد كان السور كتلة واحدة ليس بها منفذ، ولم يكن غارقاً هذه المرة في

стр. 8880

الطوفان الزاخر من أزهار الشيبر والياسمين والبابونيا، وكان عالياً على غير عهدها به، حتى كاد يستتر وراءه القصر الباذج؛ فلما استيأست من الدخول، وشعرت بقلبها يتحطم، وبنفسها تذهب شعاعاً، استلقت على الكلأ، واستسلمت لنوم ممتلي بالأشباح. وأشرقت الشمس فاستيقظت بسيشيه، وتلفتت حولها فلم تر السور ولم تجد القصر، وفركت عينها تخال أنها تحلم، ولكنها ترى الجزيرة جرداء إلا من شجرات قليلة من الشاهبلوط؛ وإلا من غدير صغير به بقية غير مباركة من الماء النمير. . . وبكون صوابها قد ثاب إليها، فتمم شطر الشاطئ تتفقد وروده ورياحينه، ولكنها لا تجد إلا آلافاً من السراطين الميتة لفظها البحر فعل العاصفة، وإلا أكواماً من الودع والمحار تجلل كثبان الرمال الممتدة فوق الجزيرة، كأنها قوافل من آلام بسيشيه وأشجانها! (ويلاه! (لقد حملت إليك أيتها الجنة الصغيرة وبردك برد الشباب، وريعانك ريعان الصبي، وفي أعطافك تنهل سلافة الحب، وتحت شطئانك ترقص عرائس الماء، وفي غدرانك تترقرق أمواه الهوى؛ وكل ما فيك تدب فيه حياة إلهية ناضرة. (أفهكذا يذبل شبابك، ويذوي ريعانك، ويغيض حبك وتفقر شطئانك، فليس يرف فوقك إلا هامة، ولا يهتف فيك إلا صدى الوحشة، ولا تهب ريحك إلا كأنفاس الجحيم؟! (ويلاه!! (لقد كنت أفرك عيني أحسبني منك أيتها الجنة في حلم، الآن أفرك عيني أرى هل أنا من خرابك اليوم في حلم؟! (لقد نعمت بالحب فوقك أيتها الجزيرة، فلماذا لقيت أختيَّ؟! أين ذهبتا؟ ١ أحسبهما ذعرتا من العاصفة، وفزعتا من الزلزال، ففرتا. . . فصبر جميل!!. . .). هكذا ظلت تبكي بسيشيه، وهكذا غبرت بها الأيام فوق الجزيرة تنظر أوبة حبيبها. . . ولكن. . . بلا جدوى!! وكانت تأكل ثمرات من الكستناء تذهب بها سغبها، وترشف من بقية الماء في الغدير رشفات تبل بها أوامها، ثم تعدو في الجزيرة باحثةً عن. . . لا شيء!! ووقفت يوماً عند ضفاف الغدير ترتوي، فما شدهها إلا أن ترى الماء يزداد ويزداد، والغدير

стр. 8881

يتسع ويستع، حتى تكون على عدوة نهر عظيم دافق، تزخر أمواجه وتجرجر أواذيه. ويبدو لها أن تلقي بنفسها في أعماقه، لأنها لم تعد تحتمل هذا الألم المتصل والشجن الطويل الممض. . . وإنها لتنظر إلى الماء فيجيش قلبها بالذكريات، وتفيض عيناها بالدمع، ويشجب جبينها الكاسف الحزين، ثم يتأود غصنها اليابس الهش، فتنحدر إلى اليم، وتتلقفها اللجة. ولكن رب النهر الذي كان واقفاً يسمع ويرى يسرع إلى الفتاة فينتشلها، ويصيح ببناته عرائس الماء فيأتين من كل فج عميق، ويترفق باللاجئة الشقية فيواسيها بكلمات تقطر حناناً وتفيض رحمة، ثم يتركها لبناته يداعبنها ويلاعنها. وتأنس بسيشيه إلى العرائس الحلوة، ولا يخجلها أن تأخذ معهن في حديث حبها، فإذا سألنها عن صفة حبيبها، قالت: (كان صغيرا كالطفل إلا حين يكون في ذراعي، مسنداً رأسه على صدري، فيكون إذ ذاك أكبر من الدنيا بما فيها من مباهج ومفاتن. وكان طيب الأنفاس، فما قبلني أو قبلته إلا شممت عبق الورد في فمه، وأرج البنفسج في خده. وكان إذا عانقني أو عانقته، تحسست له جناحين على ظهره، صغيرين ناعمين، فإذا ساءلته عنهما، أنكر عليّ وصرفني برفق ودعة عن الحديث عنهما، فنأخذ في أمور أخر. وكان يحمل قوساً من ذهب ما تفارقه، وكنانتين من حرير فيهما سهام من رصاص وذهب. . . وما دهاني في الليلة المشؤومة إلا أن أراه يثب من النافذة، فيحلق في كبد السماء كأن له قصراً فيها. . . فبحق زيوس عليكن يا عرائس إلا ما أعلمتنني من هذا الحبيب، فأنتن بنات إله مبارك، ولابد أن يعرف أبو كف من أمره كل شيء). وصمتت بسيشيه، ونظرت إلى العرائس فرأتهن يحدجنها نظرات دهشةٍ حائرة، ثم يتهامسن، ثم لا يحرن جواباً؛ فقالت لهن: (أنتن تزعجنني يا عرائس، فهل هكذا يلقي الضيف لديكن؟) فقالت كبراهن: (لا عليك يا فتاة، ولكنك كنت أتعس مخلوقة على وجه الأرض حين عصيتِ أمر كيوبيد!!) - (كيوبيد؟ ومن كيوبيد تعنين؟!) - (كيوبيد بن فينوس، فهو هو الذي كان يهواكِ وكنتِ تهوين!!؟)

стр. 8882

- (كيوبيد الإله! كيوبيد حبيبي! يا ويح لي. . . لابد أن يعود لي إلهي الجميل الحبيب. . . لن تحلو لي الحياة بدونك يا كيوبيد. . .) هامت بسيشيه على وجهها في أقصى الأرض، وكلما مرت بروضة أو ميضة، وكلما وقفت عند ضفاف نهر أو ألمت بحفافي غدير، برزت لها عرائس الماء فشكت إليهن، وسألتهن إن كن يعرفين أين يأوي كيوبيد؟ وقالت لها عروس: - (أترين يا فتاة إلى هذا الجبل البعيد الذي يحمل السماء بروقيه؟ إذا كنت عنده فتلبثي حتى يعود بان من صيده فتعلقي به، واذرفي من دموعك تحت قدميه، فإذا هش لك وبش، فاذكري له حاجتك يقضيها لك، أو يدلك على من عنده قضاؤها). - (ومن عسى أن يكون بان يا أختاه؟). - (رب المراعي، وإله الصيد، وحامي القنص. ألم تقربي له؟ ألم يفعل أبواك؟). - (بل فعلنا. . . . .). ونهدت إلى الجبل وكأنما بها عُقل من الجنون، وجعلت تطوف به حتى مالت الشمس إلى الغروب، فرأت (بان) قادماً يدب بحافريه، ويردد في الآكام ناظريه؛ فلما لمحها أقبل عليها دهشاً متعجباً، ثم أخذ يتفرس فيها كأنما بهره حسنها، وسباه منظرها. . . وشكت إليه، فما هالها منه إلا قوله: (تعسة! أنت غريمة فينوس!!) فقالت، وفي عينها دموع تخنق منطقها: (غريمة فينوس؟ ومالي أنا ولفينوس؟) فقال بان: (جمالك هذا جنى عليك. . . لقد صرف الناس عن ربة الجمال والحب إلى عبادتك أنت أيتها الشقية، ولذلك حنقت عليك، وأصابك من الأذى ما أصابك. . . اسمعي يا فتاة. . . لقد مررت اليوم بربة الخيرات ديميتير؛ هل تعرفينها؟ أُم برسفونيه، فتاة الربيع التي خطفها أخي بلوتو لتؤنسه في هيدز! مررت بها فسمعتها تتحدث عن كيوبيد وهيامه بك! بك أنت! أليس اسمك بسيشيه؟). - (. . . . . . . .؟. . . . . . . .) - (تحملي إليها إذن. . . . . إنها ليست بعيدة من هنا. . . إنها شفيقة رفيقة، وهي ترثى لأمثالك من العاشقات الوامقات؛ تحدثي إليها عن كيوبيد واستمعي إلى ما تقوله لك وتشير به عليك. . . أترين إلى هذه الغابة الملتفة الوارفة؟ إنها هناك تنتظر ابنتها في أوبتها من

стр. 8883

هيدز). وعجلت إلى الغابة، ولقيت ديميتر الطيبة الوقور، فانحنت تحييها، وما كادت تسرد شاكتها حتى انهمر الدمع من عينيها الحزينتين، وتخاذلت فخرت مغشياً عليها!. وتقدت ربة الخير فباركت الفتاة، وطفقت ترش على وجهها الماء من غدير قريب، فكان الزهر ينبت حول بسيشيه كلما أنتثرت قطرات على الأرض فلما أفاقت، بهرها هذا السرير الربيعي من منضود الورد يحف بها، ويحنو عليها. . . حنو المرضعات على الفطيم! وبسمت ديميتير، وواست الفتاة الوالهة وآنستها، ثم ذكرت لها إنها رأت كيوبيد بكرة ذلك اليوم، وفي كتفه جرح دامٍ أحدثته فيه أمه فينوس، لماذا؟ لا يدري أحد! - (. . . فإذا كان لابد لك من لقاء كيوبيد، فأذهبي إلى فينوس وتبتلي إليها، وأدخلي في خدمها وحشمها، وأثبتي لها بتفانيك في طاعتها أنك من عبادها المخلصين؛ عسى يا بُنية أن ترضى عنك، ويذهب عنك هذا الحزن. . .) ثم قادتها إلى قصر فينوس، وزودتها بما ينبغي لها من النصح، وعادت إلى غابتها الوارفة تنتظر برسفونيه. وبرهنت بسيشيه على حسن إخلاصها وجميل توبتها، وكانت ربة الحسن تسخرها فيما لا طاقة لبشر به، فكانت تقوم بما تُكلف به وتؤديه خير الأداء. وأعجب ما حدث لها من ذلك أن أمرتها فينوس بالتوجه إلى هيدز - دار الموتى - وإقتحامها، ثم لقاء برسفونيه، ربة الربيع، وزوج بلوتو، وسؤالها صندوق الطيب الذي تدهن عنه العجوز الشمطاء فيرتد إليها صباها، ويتدفق ماء الشباب في أعطافها، وتعود كما كانت، شرخ صبى، وعنفوان شباب! وأسقط في يد بسيشيه! ولم ترد كيف السبيل إلى هيدز!! ولكنها حين ذكرت برسفونيه، بدالها أن تذهب إلى فتستشير أمها ديميتير عسى أن ترشدها أو تزودها خالص نصيحتها. فذهبت إلى الغابة، ولقيت لحسن حظها ديميتير تودع أبنتها، لتعدو أدرجها إلى هيدز، إذ كان الربيع الحلو قد صوح، وأزف الشتاء ببرده وزمهريره. . . وهشت لها ديميتير، وعقدت بينها وبين أبنتها أواصر الصداقة، ولما حان موعد الافتراق، أبدت بسيشيه رغبتها في أن تصحب ربة الربيع لتؤنسها في ظلمات دار الفناء. فلم

стр. 8884

تعارض الفتاة، بل أذنت لها راضية. وسارا بين صفين من أرواح الموتى تغني وتنشد. . . وتبكي!! وكم كان عجب بلوتو شديداً حين لمح الفتاة الرشيقة الهيفاء تسير إلى جانب زوجته، وبلغ به التأثر مبلغه، فغادر لهما غرفة العرش المظلمة. . . وتلطفت بسيشيه فسألت مليكة هيدز صندوق الطيب الثمين؛؛؛ فوجمت برسفونيه؛ وكانت على وشك أن ترفض هذا الطلب، لولا أن ذكرت الفتاة أن فينوس هي التي أرسلتها لتطلبه وتجيئها به. فنهضت برسفونيه إلى دولاب قريب، وعادت بالصندوق، ترتجف به يدها العاجية الجميلة، وقدمته للفتاة وهي تقول: (لاتفتحيه. . . لا تفتحيه أيتها الصغيرة!!). واستأذنت بسيشيه، وعادت أدراجها إلى. . . هذه الدار الأولى. وفي طريقها إلى قصر فينوس، ذكرت كلمات ربة الجمال عما يحتويه الصندوق من دهان يرد القليل منه جمال الشباب وريعان الصبى. . . وذكرت كذلك تلك الليالي الطوال التي ظلت فيها مسهدة العينين تبكي كيوبيد وتحن إليه، حتى شفها الوجد، وأوهنها السقم، وبرح بها الهيام الشديد؛ فتحدثت إلى نفسها تقول: (فلم لا أدهن بقليل منه وجهي وبشرتي؟ ولم لا أرتد جميلة كما كنت، ما دمت أطمع في لقاء كيوبيد؟ أن ربة هيدز حذرتني من فتح الصندوق، لا أدري لماذا؟ فإذا كان ما به شر، فلم تريده فينوس الجميلة؟ لا! لابد أن أتطيب به، وليكن بعدها ما يكون!!). وداعبت أناملها الصندوق ففتحته. . . ولكن. . . وا أسفاه!! لم يكن به غير هذا الروح الشرير المنكر. . . روح النوم. . . ولقد وثب في وجه بسيشيه فخلق في عينها الزرقاوين الصافتين، ثم ما هي إلا لحظة حتى انكفأت المسكينة على الحشيش المندى تغط في نوم عميق. . .!! وكان كيوبيد يتنزه في الحدائق المجاورة، فما دهاه إلا أن يرى ملاكه المحبوب ممدداً على الكلأ، وصدره يعلو ويهبط، كأن كابوساً مستقر عليه. ودنا إله الحب من بسيشيه، وسرعان ما هاجت به ذكريات غرامه الأول، وثار في قلبه الحنين إلى الليالي المقمر الحلوة التي كان يقضيها إلى جانب الرشأ الغرير، الذي يترنح

стр. 8885

أمامه في قبضة الروح الشرير. . . روح النوم! ونظر كيوبيد بعينيه السحريتين، فرأى الروح يصارع بسيشيه صراعاً هائلاً. . . . فثارت فيه نخوة الوفاء، وأنفذ إلى العدو سهاماً متتابعة متلاحقة، حتى قهره، واضطره إلى العودة من جديد إلى الصندوق الصغير، وما كاد يستقر فيه حتى أغلقه عليه، ودفنه في غورٍ من الأرض. ثم تقدم إلى حبيبته، وطفق يروح على وجهها، ثم أيقضها بقبلة أهتز لها الروض، وطرب الورد، وشاعت في الطبيعة الضاحكة أسراً وسحراً!!! (أختاه!! أنهضي! انظري إليَّ! هأنذا كيوبيد! هلمي فلن نفترق بعد اليوم!!). وأغذا السير، حتى إذا كانا في دولة الأولمب صاح كيوبيد في معشر الآلهة: (أن أشهدوا أيها الأرباب، لقد اخترت بسيشيه الجملية زوجة لي مباركة. . . .) وطرب الآلهة، وأقيم المهرجان الفخم؛ ورقصت ديانا ربة القمر، وعزف أبوللو على موسيقاه، وتقدمت فينوس فباركت الزوجين الحبيبين، ورسمت بسيشيه ربة للروح الخالدة التي لا تفنى. . . ومنذ ذلك اليوم وهي ترف بأجنحة فراشة جميلة في جنة الأولمب، وإلى جنبها حبيبها كيوبيد. دريني خشبة

стр. 8886

البريد الأدبي حول كتاب فتح العرب لمصر عزيزي الأستاذ الفاضل صاحب (الرسالة) قرأت اليوم في (الرسالة) الغراء صحيفة النقد التي تسميها (الرسالة) صحيفة (الكتب)، وقرأت فيها للأستاذ الجهبذ العلامة محمد بك كرد على كلمتين، إحداهما عن كتاب (فتح العرب لمصر)؛ والثانية عن كتاب (فنون الطهي الحديث). ولقد عناني أن أقرأ ما كتبه الأستاذ الفاضل عن كتاب فتح العرب لمصر بنوع خاص، لأن ذلك الكتاب حبيب إلى نفسي لصيق بها. ورأيت الأستاذ الفاضل يذكر عن الكتاب بعض حسناته فشكرت له ذلك، فالكتاب جدير من الناطقين بالعربية بكل تقدير وإعجاب، إذ هو مثل عال من أمثلة البحث الدقيق العادل، فوق ما يمتاز به من قوة الأسلوب وجماله في لغته. ثم عرج الأستاذ على الترجمة والمترجم، فتفضل بأن وصف المترجم بأنه أعتني عناية شديدة (بتجويد ترجمته على صعوبتها لما حوت من النقول العربية وغيرها من اللغات ليرد الوثائق إلى أصلها). ثم ذكر ما سماه تحريفاً في الأسماء، وذكر من ذلك أمثلة على إني وإن شكرت له قوله إن المترجم قد عنى بالترجمة عناية (شديدة) أرجو أن أراجعه في زعمه أن ترجمة تكون محرفة إذا قلنا هي (أذاسا)، فإن إطلاقي ذلك الاسم على المدينة كان مقصدواً، فالمدينة معروفة بالرها وبأذاسا، والاسم الثاني أقرب إلى التسمية العامة في اللغات المختلفة، فكان هذا سبباً في تفضيل (أذاسا) على الرها؛ وأما برجاموس أو فرغاموس فلا أدري وجه التحريف فيها، فإن الباء والفاء والجيم والغين كانت دائماً موضع اختلاف في وضع العرب للاسماء، ولا سيما المحدثين منهم، وقد آثرت أن أكتب الاسم بالعربية قريباً كل القرب من الاسم القديم الذي كان ولا يزال معروفاً يطلق على المدينة التي كانت في آسيا الصغرى. وأما (أفسس) و (أفيسوس) فلم أفطن إلى وجه التفرقة بينهما، ولا إلى وجه التحريف في الاسم الذي أوردته في الترجمة، فليس بين الكلمتين من فارق إلا إثبات حركات الكلمة على النحو الذي يسهل النطق بها. على أن الأستاذ الفاضل لم يكتف بعد ذلك بتوجيه النظر إلى هذا التحريف الذي زعمه، بل

стр. 8887

ذكر كلمة عامة عن (هنات قليلة) لا يخلو منها كتاب منقول إلى لغتنا من لغة أعجمية؛ وكنت أود أن يجعل حضرته من ذلك الوجه بحثاً قيماً يوجه فيه الترجمة وجهةً صالحة، غير أنه أكتفي بالتعميم والإشارة والإيجاز في موضع كان الأوجب فيه الإفاضة والإطناب، ذلك بأن عمل المترجم إن هو إلا النقل، وما يكون نقله جديراً بالتقدير إلا إذا سلم من العيوب التي تؤخذ على أساليب اللغات الأعجمية. ولعل اشتغال الأستاذ الفاضل بالكتابة عن الكتاب الآخر (فن الطهي الحديث) في نفس اليوم قد جعله لا يجد الوقت لذكر شيء من تلك الهنات، فرجاؤنا أن يتفضل بإعادة الكرة وبيان ما أجمل؛ ورجاؤنا كذلك أن يبين وجه النقد حتى نكون على بصيرة من رأيه، نفعنا الله بعلمه وفضله وعلى أمثاله من أعلام العلماء. محمد مزيد أبو حديد وفاة دريفوس من أنباء فرنسا الأخيرة أن الكولونل ألفرد دريفوس قد توفى في الخامسة والسبعين من عمره، ولم يشتهر في تاريخ فرنسا المعار اسم بقدر اسم دريفوس، ولم يقترن باسم آخر مثل ما أقترن به من الحوادث والحركات العظام؛ كان اسم دريفوس منذ أربعين عاماً ملء الأسماع في فرنسا والعالم بأسره، وكانت القضية الشهيرة التي ارتبطت باسمه، واتهم فيها ظلماً بالخيانة، أعظم قضية عرفها التاريخ من حيث أتساع مداها، وتشعب نواحيها، وتعقد إجراءاتها، وما أثارته مدى عشرة أعوام في فرنسا من الأحقاد والشهوات التي كادت تزلزل أسس الحياة العامة فيها وتثير ضرام الحرب الأهلية. وقد كان دريفوس يهودياً، وهو سر المسألة كلها؛ فقد كانت الخصومة السامية أو حركة العداء ضد اليهود يومئذ على أشدها في معظم البلاد الأوربية، وكانت الكنيسة والعسكرية في فرنسا تضطرمان بهذا العداء، وكانت قضية دريفوس نفثة من نفثات هذه الحركة التي أريد بها القضاء على اليهودية في السياسة والجيش فاتهم دريفوس الضابط اليهودي (سنة ١٨٩٦) بالخيانة العليا، وبأنه يقدم إلى بعض البلاد الأجنبية (ألمانيا) معلومات عن الدفاع الفرنسي، وضبطت ورقة سميت فيما بعد (بالبردرو) نسبت إلى دريفوس، وحوكم الضابط البريء وقضي عليه ظلماً بالنفي إلى

стр. 8888

جزيرة الشيطان؛ ولكن العدالة لم تعدم أنصاراً؛ فقد أثار خصوم العسكرية وخصوم الكنيسة على هذا القضاء الظالم دعاية شديدة؛ وبذلت جهود قضائية وسياسية فادحة لتبيان براءة الضابط اليهودي، وتبين فيما بعد أن (البردرو) وقد زُور عليه؛ وما زالت المعركة بين (الدريفوسيين) وبين الوطنيين خصومهم تضطرم وتنتقل من دور إلى دور حتى تقرر إعادة النظر في القضية مرةً بعد مرة؛ ونزل إلى المعركة كتاب عظام مثل فرانسوا كوبيه في جانب الوطنيين، وأميل زولا في جانب (الدريفوسيين)؛ وأرسل أميل زولا صيحته الشهيرة: (إني أتهم!)؛ أي يتهم القضاء والعسكرية بالتآمر والتزوير، واستمرت المعركة نحو عشرة أعوام أعيد النظر خلالها في القضية عدة مرات، وانتهت أخيراً محكمة النقض بأن قضت ببراءة الضابط اليهودي (سنة ١٩٠٦) وردت إليه مراتبه وحقوقه، وأسدل الستار على تلك المأساة الشهيرة التي هزت حياة فرنسا العامة أعواماً طوالاً. هذا وسنفرد في فرصة قادمة فصلاً خاصاً لهذه القضية الشهيرة، التي تعتبر من أعظم قضايا التاريخ. السخاوي سيدي الأستاذ. . . قرأت بالرسالة بالعدد ١٠٤ كلمة الأستاذ البحاثة مقريزي هذا العصر محمد عبد الله عنان في ترجمة السخاوي ما لفظه: (ونجد أخيراً في تراث السخاوي أثرين من نوع خاص ولهما أهمية خاصة، وقد انتهى كلاهما إلينا: أولهما كتاب تحفة الأحبابا وبغية الطلاب. في الخطط والمزارات والبقاع المباركات) إلخ. . . والواقع إن هذا الكتاب كما ذكر العلامة النبهاني في كتابه (جامع كرامات الأولياء) ليس للحافظ السخاوي إذ قال عاطفاً على ما إستمد من الكتب ما لفظه: (وتحفة الأحباب في الكلام على الأولياء المدفونين بمصر للسخاوي من أهل القرن التاسع وهو غير الحافظ السخاوي) أه وذلكلأنه ذكر في فاتحته أن اسمه محمد بن أحمد الحنفي، وقد ذكره ابن مخلوف في طبقات المالكية وأنه فرغ من تأليفه سنة ست وخمسين وتسعمائة، وأنه كان حياً سنة ستين وتسعمائة، فنسبة كتاب تحفة الأحباب للحافظ السخاوي المتوفي بالمدينة المنورة سنة تسعمائة واثنتين خطأ دخل على كثير من أهل العلم يجب إلا يضيع ولا يفوت على الباحثة عنان. . . فلذلك لزم التصحيح، وإني أحيل الأستاذ عنان على كتاب مصرع الإمام

стр. 8889

الحسين ليزداد علماً والسلام. (جرجا) محمود عسّاف أبو الشباب منتدى النشر بالنجف تألف في النجف هذا المنتدى من صفوة العلماء والأدباء للسعي إلى تعميم الثقافة الإسلامية والعلمية، وإحياء لغة الضاد، ونشر المعارف الدينية والأخلاقية في ربوع البلاد بكل ما لديه من شتى الوسائل المشروعة. وهاهو ذا اليوم في أول أدواره يضع الخطط التي تساعده على إنجاز مهمته العالية وتحقيق رغبته المنشودة ومن بينها دعوة العلماء والمؤلفين إلى مشاركته ومساعدته بأقلامهم وثروتهم العلمية. ويذيع مجلس إدارته أنه مستعد من الآن لتلقي كل سؤال أو استفتاء ديني أو علمي يرد عليه فيحيله إلى اللجنة المختصة للنظر فيه ولاستجواب العلماء ممن تشرف المنتدى بانتسابهم إليه ومن غيرهم من العلماء الأعلام. المؤتمر الدولي السادس لتاريخ الأديان قرر مجلس الوزراء اشتراك الحكومة المصرية في المؤتمر الدولي السادس لتاريخ الأديان الذي سيعقد بمدينة بروكسل بين ١٦ و٢١ من شهر سبتمبر سنة ١٩٣٥، وندب الأستاذين مصطفى عبد الرزاق وأمين الخولي لتمثيل الحكومة في هذا المؤتمر؛ وربما مثلا الأزهر بعد ذلك في المهرجان الذي ستقيمه جامعة بودابست في أخريات شهر سبتمبر بمناسبة إحتفالها بالعيد المئوي الثالث على إنشائها.

стр. 8890

أحب شاعرة إلى الإنكليز احتفل أخيراً في إنكلترا بالذكرى المئوية لوفاة مسز (هيمانس) الشاعرة المؤترة التي تعرف في الأدب الإنكليزي (بحبيبة إنكلترا) وكانت وفاتها في مايو سنة ١٨٣٥. وهي شاعرة العواطف، وشاعرة الأمومة الرقيقة، ومسرات الأسرة والورع والرضى؛ وما زال شعرها الرقيق في كتابيها (كازابيانكا) و (قبور العائلة) مثالاً للنظم الأنيق المبدع الذي يملأ القلب سحراً وتأثراً. وكانت مسز هيمانس أستاذة للخيال الواضح والصور الرقيقة والانفعالات العميقة؛ وكانت تتبوأ في عصرها مقاماً عظيماً في الشعر، ولو أن أسلوبها اليوم قد عفا؛ وكانت ثقافتها الواسعة، ومواهبها الفنية موضع الإعجاب، وكانت تشتهر بالأخص بخلالها الرفيعة وجلدها ورقتها وتوضعها، حتى كانت تحمل عباقرة العصر مثل وردسورث وشيللي وبروننج وبيزون على إحترامها وإكبارها. وكانت ظروف حياتها المؤثرة تزيد في هذا التقدير، فقد كانت مسز هيمانس تنظم لتعيش، ولم يكن يهمها اختبار الجيد من الشعر، وإنما كان يهمها اختيار أكثر النظم قبولاً وانتشاراً. وقد قطعت مسز هيمانس حياة قصيرة مؤثرة. فقد تزوجت الكبتن هيمانس في الثامنة عشرة، ولم تمض ستة أعوام حتى رزقت منه أربعة أولاد، ثم لم يلبث أن غادرها وحيدة. وهنا يبدو نبل هذه الشخصية، فقد احتملت كل أعباء الحياة صابرة جلدة، لا يضلها جمالها الباهر عن الطريق السوي؛ وسرعان ما ذبل هذا الجمال في حياة ملئها الشجن وهموم الأسرة؛ وفي سن الحادية والأربعين غادرت مسز هيمانس هذه الحياة بعد أن طبعت أمومة العصر بطابعها، وتركت لجنسها تراثاً ما زال يحمل على التقدير والإكبار. استدراك كتب إليّ جماعة يسألونني عن مؤلفات الشيخ بدر الدين الحسني رحمة الله عليه فحققت عنها فإذا هي قد أحترق مسوداتها حين احترقت مكتبة الشيخ. ولست أعرف للشيخ مؤلفاً باقياً. أما الفقرة التي سقتها بين يدي مقالتي عن الشيخ في (الرسالة) الخامسة بعد المائة فهي من ترجمة الشيخ المنشورة في جريدة ألف باء الدمشقية صبيحة وفاته مكتوبة بقلم أستاذ كبير من كبار تلاميذ الشيخ ﵀.

стр. 8891

وقد كتبت هذا التنبيه كيلا يسجل في (الرسالة) ما يوهم غير الحقيقة. و (الرسالة) سجل خالد. ومن حق (الرسالة) على كتابها إلا يكتبوا فيها إلا حقيقة، ومن حق قرائها عليها إلا يجدوا فيها إلا حقيقة. علي الطنطاوي

стр. 8892

الكتب مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: لأبى الحسن الأشعري. التيسير في القراءات السبع: لأبى عمرو عثمان بن سعيد الداني للأستاذ محمد بك كرد علي في مطبعة الدولة في استانبول طبعت لجنة (النشريات الإسلامية لجمعية المستشرقين الألمانية) هذين الكتابين المعتبرين. نشر الكتاب الأول منهما: العلامة ريتر. وكتب الأشعري مفخرة أهل السنة والاستقامة على كثرتها لم يطبع منها سوى كتابين في الهند: (الإبانة عن أصول الدين) و (استحسان الخوض في الكلام) وهذا الكتاب في مقالات الإسلاميين، هو الذي عنى بتصحيحه والتعليق عليه، ووضع فهارسه السيد ريتر، وقال فيه: إنه مهم في بابه لمعرفة فرق أهل الإسلام، لان تأليفه أقدم من (الملل والنحل) للشهرستاني و (الفرق بين الفرق) لعبد القاهر البغدادي و (الفصل في الملل والأهواء والنحل) لابن حزم الظاهري، وأن الأشعري أدرك المتأخرين من المعتزلة وغيرهم من أهل المذاهب، فأضطر في نقل بعض ما ينقله عن أوائلهم إلى الأخذ من الكتب المؤلفة قبله في مقالات الناس مثل مقالات الكعبي والكرابيسي واليمان بن رباب وزرقان وغيرهم، وهذه قد ضاعت كلها. وقد علل الناشر ضياع الكتب بقوله: إنه كلما كان الكتاب أقدم عهدا كانت نسخه أعزَّ وجودا واقل عددا، وذلك لعدة أسباب: منها استيلاء الفناء عليها بتقادم العهد، وجريان حكم الزمان عليها بالمحو والإفساد، ومنها ضياعها وتلفها عند استيلاء الإعداد على البلاد وجنايتهم على الكتب بالإحراق والانحراق، ومنها اعتداء بعض أهل المذاهب على كتب مخالفيهم، ومنها أن المعلمين والمدرسين الذين كان جلُّ همهم أن يضبطوا قواعد كل علم بأقصر لفظ، عمدوا إلى تهذيب مؤلفات من سبقهم، وتنسيق المباحث وترتيبها، ووصل كل بحث بما يجانسه، وضم كل فرع إلى اصله واختصروها إيثارا للإيضاح والتقريب، وتسهيلا للتعليم والتعلم، فاثر المحصلون كتبهم على الكتب القديمة من أجل ذلك فصارت المؤلفات السابقة

стр. 8893

كأنها منسوخة باللاحقة فتركت ونسيت. وكتاب مقالات الإسلاميين بحث مستوفى في المذاهب والفرق الإسلامية، لم يستعمل فيه مؤلفه السباب والمهاترة على ما وقع في مثل ذلك ابن حزم والبغدادي وغيرهما ممن كتبوا في مناقشة أهل الأهواء وأصحاب المقالات. فالأشعري عمد إلى لسان العلم يستخدمه في ذكر مقالات مخالفيه، وقد حوى كتابه فوائد تاريخية وسياسية ولاسيما في تدوين وقائع من طالبوا بالخلافة من العلويين في كل عصر، وفي أحكام الإمامة واعتقاد أهل الفرق فيها، وفي الحكمين والحكم عليهما بما فعلا. أطلق في كل ذلك العنان لقلمه حتى لا تكاد تستبين أن المؤلف خالف أصحابه المعتزلة في شيء، بل هو معتزلي تربية ومنشاً وربما جاءه الفيض من الأخذ عن علمائهم، وإلا ففيها عاديا من فقهاء عصره ومحدثيه. وفي الكتاب وصف دقيق لمسائل علم الكلام وما أختلف فيه أرباب المذاهب، كتبه بلهجة سلسة يتفهما لأول وهلة حتى من ليس له أنسة بمثل هذه الأفكار والعبارات، وذلك لان المؤلف هضم ما تعلمه وتمثله، فوصفه بدقائقه وصفا قرَّبه من الأذهان. وهذه الموضوعات من أبحاث قدماء العلماء، واليوم لا يهتم لها إلا خواص الناس ومن هم بسبيلهم من طلاب العلم الديني. والكتاب في مجلدين بلغا أكثر من ستمائة صفحة، هذا عدا الفهرس الذي وضعه الدكتور ريتر في أسماء الرجال والنساء، ذكر فيه المكان الذي وردت فيه تراجمهم تسهيلا على القارئ، وهناك فهرس بأسماء الفرق والطوائف، وثالث بأسماء البلدان والأماكن، وقد تجلى التوفيق والعناية في كل صفحة من صفحات هذا الكتاب الذي يعدُّ بلا جدال من الأمهات في هذا الموضوع. الكتاب الثاني هو (التيسير) في القراءات السبع للإمام أبي عمرو عثمان بن سعيد الداني، نشره العلامة برتزل وقال في المقدمة التي وضعها له بالعربية: (إن علم قراءة القران أقدم العلوم الإسلامية نشأة وعهداً، وأشرفها منزلة ومحتدا، وكان أول ما تعلم الصحابة من علوم الدين حفظ القران وقراءته، ثم لما اختلف الناس في قراءة القران وضبط ألفاظه مست الحاجة إلى علم يميز بينالصحيح المتواتر، والشاذ النادر، ويتقرر به ما يسوغ القراءة به وما لا يسوغ، وقاية لكلماته من التحريف، ودفعا للخلاف بين أهل القران، فكان ذلك العلم

стр. 8894

علم القراءة الذي تصدر لتدوينه الأئمة الأعلام من المتقدمين. قال وفي الحق إن تدوين علم القراءة أفاد المسلمين فائدة لم تحظ بها أمة سواهم، وذلك أن البحث في مخارج الحروف والاهتمام بضبطها على وجوهها الصحيحة لتيسير تلاوة كلمات القران على أفصح وجه وأبينه، كان من ابلغ العوامل في عناية الأمة بدقائق اللغة العربية الفصحى وأسرارها، وكانت ثمرة هذا الاجتهاد والجهد أن القراء تشربوا بمزايا اللغة العربية وقواعدها ودقائقها. ومما يؤيد ذلك أن الكثيرين من قدماء النحويين كانوا مبرزين في علم القراءة، كما كان الكثيرين من أئمة القراء كأبي عمرو والكسائي بارعين في علم النحو. ويرى الناشر أن على كل من يتصدى للنظر في تاريخ اللغة العربية ودرس المسائل التي تتناولها كتب النحويين، أو للبحث في تنوع اللغات واختلافها بحسب الأقطار والأمصار، ينبغي له أن يتتبع علم القراءة والتجويد؛ ومن شرع في درس معاني القرآن، واستقصاء لطائفه واستخراج حقائقه، ثم اعتمد على القراءة الوحيدة التي يجدها في المصحف الذي بين يديه فقط من غير التفات إلى رواية الأئمة الآخرين؛ فقد غفل عن أمر ذي بال أه. والمؤلف كان شيخ مشايخ المقرئين في الأندلس، رحل في أخذ القراءات عن الأئمة في الشرق (وكان هو من الأئمة في علم قراءة القرآن، وطرقه ورواياته وتفسيره ومعانيه وإعرابه، ولم يكن في عصره ولا بعده من يضاهيه في قوة حفظه وحسن تحقيقه، ونقل عنه أنه كان يقول: ما رأيت شيئاً قط إلا كتبته، وما كتبته إلا حفظته، ولا حفظته فنسيته؛ وكان أيضاً عارفاً بعلوم الحديث وطرقه وأسماء رجاله، وبارعاً في الفقه وسائراً أنواع العلوم) خلف فيما قيل مائة وعشرين مصنفاً، لا يزال بعضها محفوظاً في بعض خزائن الكتب في الغرب والشرق، واعتمد الناشر في طبع كتاب التيسير على ست نسخ منها ما هو في دار الكتب ببرلين وفي دار الكتب في مونيخ وفي خزانة ليدن وبعض خزائن إستانبول. وكتاب التيسير كما قال فيه مصنفه مختصر في مذاهب القراء السبعة بالأمصار، يتضمن من الروايات والطرق ما أشتهر وأنتشر عند التالين، وصح وثبت عند المتصدرين من الأئمة المتقدمين. افتتح كتابه بذكر أسماء القراء والناقلين عنهم، وأنسابهم وكناهم وموتهم

стр. 8895

وبلدانهم، واتصال قراءتهم وتسمية رجالهم، واتصال قراءتنا نجن بهم، وتسمية من أداها إلينا عنهم رواية وتلاوة وأتبع ذلك بذكر مذاهبهم واختلافهم. دمشق محمد كرد علي
следующие страницы →