Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.
стр. 8891
وقد كتبت هذا التنبيه كيلا يسجل في (الرسالة) ما يوهم غير الحقيقة. و (الرسالة) سجل خالد. ومن حق (الرسالة) على كتابها إلا يكتبوا فيها إلا حقيقة، ومن حق قرائها عليها إلا يجدوا فيها إلا حقيقة.
علي الطنطاوي
стр. 8892
الكتب
مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: لأبى الحسن الأشعري.
التيسير في القراءات السبع: لأبى عمرو عثمان بن سعيد
الداني
للأستاذ محمد بك كرد علي
في مطبعة الدولة في استانبول طبعت لجنة (النشريات الإسلامية لجمعية المستشرقين الألمانية) هذين الكتابين المعتبرين. نشر الكتاب الأول منهما: العلامة ريتر. وكتب الأشعري مفخرة أهل السنة والاستقامة على كثرتها لم يطبع منها سوى كتابين في الهند: (الإبانة عن أصول الدين) و (استحسان الخوض في الكلام) وهذا الكتاب في مقالات الإسلاميين، هو الذي عنى بتصحيحه والتعليق عليه، ووضع فهارسه السيد ريتر، وقال فيه: إنه مهم في بابه لمعرفة فرق أهل الإسلام، لان تأليفه أقدم من (الملل والنحل) للشهرستاني و (الفرق بين الفرق) لعبد القاهر البغدادي و (الفصل في الملل والأهواء والنحل) لابن حزم الظاهري، وأن الأشعري أدرك المتأخرين من المعتزلة وغيرهم من أهل المذاهب، فأضطر في نقل بعض ما ينقله عن أوائلهم إلى الأخذ من الكتب المؤلفة قبله في مقالات الناس مثل مقالات الكعبي والكرابيسي واليمان بن رباب وزرقان وغيرهم، وهذه قد ضاعت كلها.
وقد علل الناشر ضياع الكتب بقوله: إنه كلما كان الكتاب أقدم عهدا كانت نسخه أعزَّ وجودا واقل عددا، وذلك لعدة أسباب: منها استيلاء الفناء عليها بتقادم العهد، وجريان حكم الزمان عليها بالمحو والإفساد، ومنها ضياعها وتلفها عند استيلاء الإعداد على البلاد وجنايتهم على الكتب بالإحراق والانحراق، ومنها اعتداء بعض أهل المذاهب على كتب مخالفيهم، ومنها أن المعلمين والمدرسين الذين كان جلُّ همهم أن يضبطوا قواعد كل علم بأقصر لفظ، عمدوا إلى تهذيب مؤلفات من سبقهم، وتنسيق المباحث وترتيبها، ووصل كل بحث بما يجانسه، وضم كل فرع إلى اصله واختصروها إيثارا للإيضاح والتقريب، وتسهيلا للتعليم والتعلم، فاثر المحصلون كتبهم على الكتب القديمة من أجل ذلك فصارت المؤلفات السابقة
стр. 8893
كأنها منسوخة باللاحقة فتركت ونسيت.
وكتاب مقالات الإسلاميين بحث مستوفى في المذاهب والفرق الإسلامية، لم يستعمل فيه مؤلفه السباب والمهاترة على ما وقع في مثل ذلك ابن حزم والبغدادي وغيرهما ممن كتبوا في مناقشة أهل الأهواء وأصحاب المقالات. فالأشعري عمد إلى لسان العلم يستخدمه في ذكر مقالات مخالفيه، وقد حوى كتابه فوائد تاريخية وسياسية ولاسيما في تدوين وقائع من طالبوا بالخلافة من العلويين في كل عصر، وفي أحكام الإمامة واعتقاد أهل الفرق فيها، وفي الحكمين والحكم عليهما بما فعلا. أطلق في كل ذلك العنان لقلمه حتى لا تكاد تستبين أن المؤلف خالف أصحابه المعتزلة في شيء، بل هو معتزلي تربية ومنشاً وربما جاءه الفيض من الأخذ عن علمائهم، وإلا ففيها عاديا من فقهاء عصره ومحدثيه.
وفي الكتاب وصف دقيق لمسائل علم الكلام وما أختلف فيه أرباب المذاهب، كتبه بلهجة سلسة يتفهما لأول وهلة حتى من ليس له أنسة بمثل هذه الأفكار والعبارات، وذلك لان المؤلف هضم ما تعلمه وتمثله، فوصفه بدقائقه وصفا قرَّبه من الأذهان. وهذه الموضوعات من أبحاث قدماء العلماء، واليوم لا يهتم لها إلا خواص الناس ومن هم بسبيلهم من طلاب العلم الديني.
والكتاب في مجلدين بلغا أكثر من ستمائة صفحة، هذا عدا الفهرس الذي وضعه الدكتور ريتر في أسماء الرجال والنساء، ذكر فيه المكان الذي وردت فيه تراجمهم تسهيلا على القارئ، وهناك فهرس بأسماء الفرق والطوائف، وثالث بأسماء البلدان والأماكن، وقد تجلى التوفيق والعناية في كل صفحة من صفحات هذا الكتاب الذي يعدُّ بلا جدال من الأمهات في هذا الموضوع.
الكتاب الثاني هو (التيسير) في القراءات السبع للإمام أبي عمرو عثمان بن سعيد الداني، نشره العلامة برتزل وقال في المقدمة التي وضعها له بالعربية: (إن علم قراءة القران أقدم العلوم الإسلامية نشأة وعهداً، وأشرفها منزلة ومحتدا، وكان أول ما تعلم الصحابة من علوم الدين حفظ القران وقراءته، ثم لما اختلف الناس في قراءة القران وضبط ألفاظه مست الحاجة إلى علم يميز بينالصحيح المتواتر، والشاذ النادر، ويتقرر به ما يسوغ القراءة به وما لا يسوغ، وقاية لكلماته من التحريف، ودفعا للخلاف بين أهل القران، فكان ذلك العلم
стр. 8894
علم القراءة الذي تصدر لتدوينه الأئمة الأعلام من المتقدمين.
قال وفي الحق إن تدوين علم القراءة أفاد المسلمين فائدة لم تحظ بها أمة سواهم، وذلك أن البحث في مخارج الحروف والاهتمام بضبطها على وجوهها الصحيحة لتيسير تلاوة كلمات القران على أفصح وجه وأبينه، كان من ابلغ العوامل في عناية الأمة بدقائق اللغة العربية الفصحى وأسرارها، وكانت ثمرة هذا الاجتهاد والجهد أن القراء تشربوا بمزايا اللغة العربية وقواعدها ودقائقها. ومما يؤيد ذلك أن الكثيرين من قدماء النحويين كانوا مبرزين في علم القراءة، كما كان الكثيرين من أئمة القراء كأبي عمرو والكسائي بارعين في علم النحو.
ويرى الناشر أن على كل من يتصدى للنظر في تاريخ اللغة العربية ودرس المسائل التي تتناولها كتب النحويين، أو للبحث في تنوع اللغات واختلافها بحسب الأقطار والأمصار، ينبغي له أن يتتبع علم القراءة والتجويد؛ ومن شرع في درس معاني القرآن، واستقصاء لطائفه واستخراج حقائقه، ثم اعتمد على القراءة الوحيدة التي يجدها في المصحف الذي بين يديه فقط من غير التفات إلى رواية الأئمة الآخرين؛ فقد غفل عن أمر ذي بال أه.
والمؤلف كان شيخ مشايخ المقرئين في الأندلس، رحل في أخذ القراءات عن الأئمة في الشرق (وكان هو من الأئمة في علم قراءة القرآن، وطرقه ورواياته وتفسيره ومعانيه وإعرابه، ولم يكن في عصره ولا بعده من يضاهيه في قوة حفظه وحسن تحقيقه، ونقل عنه أنه كان يقول: ما رأيت شيئاً قط إلا كتبته، وما كتبته إلا حفظته، ولا حفظته فنسيته؛ وكان أيضاً عارفاً بعلوم الحديث وطرقه وأسماء رجاله، وبارعاً في الفقه وسائراً أنواع العلوم) خلف فيما قيل مائة وعشرين مصنفاً، لا يزال بعضها محفوظاً في بعض خزائن الكتب في الغرب والشرق، واعتمد الناشر في طبع كتاب التيسير على ست نسخ منها ما هو في دار الكتب ببرلين وفي دار الكتب في مونيخ وفي خزانة ليدن وبعض خزائن إستانبول.
وكتاب التيسير كما قال فيه مصنفه مختصر في مذاهب القراء السبعة بالأمصار، يتضمن من الروايات والطرق ما أشتهر وأنتشر عند التالين، وصح وثبت عند المتصدرين من الأئمة المتقدمين. افتتح كتابه بذكر أسماء القراء والناقلين عنهم، وأنسابهم وكناهم وموتهم
стр. 8895
وبلدانهم، واتصال قراءتهم وتسمية رجالهم، واتصال قراءتنا نجن بهم، وتسمية من أداها إلينا عنهم رواية وتلاوة وأتبع ذلك بذكر مذاهبهم واختلافهم.
دمشق
محمد كرد علي
стр. 8896
العدد ١٠٨ - بتاريخ: ٢٩ - ٠٧ - ١٩٣٥
стр. 8897
٢ - محمد حافظ إبراهيم
بمناسبة ذكراه الثالثة
كان حافظ في ميعة شبابه يطلب الثروة على قدر طموحه، والحظوة على قدر نبوغه؛ ولكنه طلبهما من طريق الحق الذي يدعيه كل شاعر على الناس، لا من طريق الواجب الذي يؤديه كل إنسان إلى المجتمع. فلما أخفق بالطبع لم يرد أن يعيش كما يعيش سائر الناس على العمل الميسور، وإنما ارتد ارتداد الأنوف المحتج إلى الفلاكة الشاعرة الصابرة، يحمل بؤسه على (حرفة الأدب) كما يحمل المؤمن رزءه على حكمة القدر؛ ثم عاش عيش الطائر الغرد: عمره ساعته، ودنياه روضته، وشريعته طبيعته، ودأبه أن يطير في الغيم والصحو، ويشدو في الطرب والشجو، ثم يسقط على الحب أينما انتثر!
ولقد كان من جريرة هذه الحياة النابية العقيم التي حيها حافظ أن قتلت فيه الطموح فلم ينشط إلى سعي، وأذهلته عن الغاية فلم يسر على مبدأ، ووقفته على الشاطئ فلم يتعمق في فلسفة، وشغلته عن الدرس فلم يتكمل بثقافة. كان مبدؤه الأدبي مبدأ اليوم، كما كانت حياته المادية حياة الساعة: رأى الآمال تتهافت حيناً من الدهر على أريكة الخديويه في مصر، وعرش الخلافه في الآستانة، فجرى لسانه بالشعر المطبوع في مدح عباس وتمجيد عبد الحميد؛ ثم اتصل بالإمام وشيعته من سراة البلاد وشيوخ الأمة، ولهم يومئذ في الإنجليز رجاء موصول وظن حسن، فصدرت عنه في هذه الفترة قصيدة في رثاء الملكة فكتوريا، وقصيدة في تتويج الملك أدوار السابع، وقصيدتان في وداع اللورد كرومر، عبر بهما عن الرأي السياسي الأرستقراطي في ذلك الحين؛ ثم خلص للشعب فلابس دهماءه وخالط زعماءه، واندفع بقوة الوطنية الدافقة الشابة إلى لواء مصطفى، فمزج شكواه بشكوى البلاد، وضرب على أوتار القلوب أناشيد الجهاد، ونظم أماني الشباب من حبات قلبه، وترجم أحاديث النفوس ببيان شعره؛ ثم عطف عليه الوزير الأديب حشمت باشا فأكرمه بالعمل في (دار الكتب)، وأجزل له المرتب طمعاُ في مواهبه، وثواباُ على فضله؛ ولكن الشاعر حمل الوظيفة على باب المكافأة المفروضة فاستراح للخفض، واستنام للدعة، وفتر عن قول الشعر إلا مدفوعاُ إليه من فترة إلى فترة؛ فلما خرج على (المعاش) انضوى إلى أعلام (الوفد)، واتصل بالزعيم اتصال النديم، وحاول أن يبعث في نفسه الشعر الوطني، ولكنه
стр. 8898
كان قد أصفى. . .
وكان فكر حافظ فيض الشعور وعفو البديهة، ينشأ في الكثير الغالب من آراء المجالس، وأقوال الصحف، ومخزون الحافظة، فلم تعنه حياته على التروية، ولم يدعه اضطرابه إلى التأمل، ولم تطلقه قيوده إلى الطبيعة، وإنما ظل صنيعه لوحي البيئة، وإلهام الفطرة، وتوجيه المناسبة؛ فهو في قصائده للإمام يذكر تعلق الناس بالأباطيل، وتهالكهم على عبادة الموتى، ولا يزيد في ذلك على نقد الإمام ونعيه؛ وفي قصائده لقاسم يذكر الحجاب والسفور بما لا يخرج عن مذهبه ورأيه؛ وفي قصيدته التي أنشدها في احتفال مدرسة البنات ببور سعيد يتكلم في تعليم الأم وسفور المرأة وعيوب الجماعة بما لا جديد فيه؛ وفي قصائده التي نظمها في مشروع الجامعة وافتتاحها يجمل ما فصلت الصحف من الموازنة بين الإكثار من الكتاتيب وإنشاء الجامعة؛ وفي رثائه لتولستوي يذكر السلم والحرب، والخير والشر، والغنى والفقر، بما لا يبعد عن متناول الناس، ولا يرتفع عن مستوى الجمهور؛ من اجل ذلك كان فكره مستقيما لا ينحرف، وواضحاُ لا يلتبس، وسديداُ لا يطيش، والسر فيه اعتماده على قوة الإجماع، لا على غرابة الإبداع
وكانت ثقافة حافظ ثقافة الشاعر العربي الأول: يتزود لمجالس الملوك بالإخبار والطرف، ولمحافل الأدباء بالأشعار واللغة، ويستعين على ذلك بسلامة الذوق، وصفاء الطبع، وقوة الحافظة، وكثرة الاطلاع، وجودة الاستماع، وإلحاح الحاجة؛ ولحافظ في كل أولئك موضع منفرد ومكان بارز
عكف منذ شب على دواوين الشعراء وأجزاء (الأغاني) يتنخلها، ويتمثلها، ويعاود النظر فيها، ويستكمل الحظ منها، حتى بلغ من مختار الرواية ومصطفى الكلام ما لا غاية بعده؛ ثم قنع من فروع الثقافة الأخرى بنتف من المسائل الأولية، ينقلها عن السماع ويأخذها عن الصحف إذا ظن أنها تدخل بوجه من الوجوه فيما يعنيه من ابتكار الأسمار وصوغ القريض؛ حتى لغته الفرنسية ظلت بكماء فلم يتقنها ولم يستفد منها لا بالقراءة ولا بالترجمة؛ وثقافة الشاعر المدني المجدد ثقافة محيطة شاملة تشارك في ضروب المعرفة مشاركة بصيرة، وتتابع تقدم الفكر متابعة حرة
أما صياغة حافظ فهي موهبته الأولى ومزيته الظاهرة، وهو في ذلك ثاني الخمسة الذين
стр. 8899
تيقظت على دعوتهم نهضة الشعر، وتجددت على صنعتهم بلاغة القصيد. ولعله انفرد عن هؤلاء جميعاُ بالصدق في تعبيره عن هموم قلبه، وتفسيره لأماني شعبه، وتصويره لمساوئ عصره
احمد حسن الزيات
стр. 8900
في رأس البر
للأستاذ احمد أمين
يعجبني في رأس البر بساطة العيش والقرب من الديمقراطية. يعيش الناس - كما كان يعيش آباؤهم الأولون - في أكواخ من الحصر، لا فرق بين كبيرهم وصغيرهم، وغنيهم وفقيرهم؛ ويلبسون لباساُ ساذجاُ قريب الشبه بما كان يلبس آبائهم، ويسبحون في البحر عراة، ويمشون على البر حفاة؛ ملوا المدنية وزخارفها، والحضارة وبهرجها، وهربوا من المدن وضوضائها، والأرستقراطية وأوضاعها وتقاليدها وتعقيداتها، وارتموا في أحضان الطبيعة فأفسحت لهم صدرها، ينزلون البحر فينفضون عنهم هموم الحياة، وينبطحون على الرمل ويذكرون قوله تعالى: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى)
ليس فيها قصور شامخة بجانب أكواخ وضيعة، وليس فيها ثريات كهربائية بجانب أضواء زيتيه أو غازية، ولا ملابس أنيقة بجانب أثواب مهلهلة؛ يصعب عليك التمييز فيها بين الغني والفقير، والعالم والجاهل، إلا في الآنسات والسيدات فهن يأبين إلا الظهور، والتمسك بالفروق، وإلا في أمثالهن ممن حليتهم لباسهم، وقيمتهم مظهرهم
خلف فيها الناس وراءهم المخترعات الحديثة بجلبتها ورذائلها؛ فلا سيارات تصم الآذان بأبواقها، وتأنف الأنوف من روائحها، وتربك السائرين لسرعتها وكثرتها واضطراب حركاتها؛ ولا تلفون يرن في الهجير وفي منتصف الليل فيوقظك من نومك الهادئ، ويحملك رجاء تنوء بحمله، أو يصلك بثقيل ينغص عليك الحياة بحديثه؛ ولا راديو يسمعك اللطيف والسخيف، ويأبى عليك النوم أحوج ما تكون إليه، وأشد ما تكون رغبة فيه، لأن جيرانك يأبون إلا أن ينتفعوا به كاملاُ من بدء يمين - شمال، إلى سلام الملك!
حياة حرة طليقة، وجو مفتوح، وهواء جديد دائماُ، لم تفسده الحضارة بدخانها وغازاتها، ولم تحبسه الأبنية الشامخة، ولم تحجزه الحيطان الأربعة، تتجدد النفس بتجدده، وتمتلئ نشاطاُ من نشاطه، يغذي كل خلية غذاء حلواُ طيباُ، ويخلع على الجسم لوناُ نجاشياُ ظريفاُ، وينعش العواطف والروح، فهي قوية حادة، شديدة التنبه، شديدة الإحساس؛ حتى عاطفة الدين، فهي أقوى ما تكون، واطهر ما تكون، وأصفى ما تكون، حينما تتجلى الطبيعة في ثوبها الفطري الجميل، في السماء والماء، والمزارع والحقول، فليس الإلحاد والزندقة والتعصب الذميم
стр. 8901
وضيق النظر إلى وليد الحضارة المعقدة والجو الخانق، والفكر الراكد ودوران الفكر حول نفسه لا حول الطبيعة
في جو المدن لا يشعر الإنسان بالسماء إلا عند المطر، ولا بجمال الشمس ولا جمال القمر، ولا يلمس الطبيعة إلا إذا ساءت من شدة الحر أو شدة البرد! كل ما حوله من جمال جمال صناعي؛ قد استغنى بجمال طاقات الزهور عن الزهور في منابتها، واستغنى بثريا الكهرباء عن ثريا السماء، وبالحسن المجلوب عن جمال الفطرة وجمال الطبيعة وجمال الخلقة. وهيهات أن يتساوى منتحل وغير منتحل، فليس التكحل في العينين كالكحل!
إنما يشعر الإنسان بجمال الطبيعة يوم يخرج من المدينة إلى الريف، ويفرمن الحظر إلى البدو، فينكشف له الخلق بجماله القشيب، وتأخذ بلبه السماء في لا نهائيتها، والبحار في أبديتها، ويشعر شعوراُ قوياُ بأنه ذرة من ذرات العالم، وجزء صغير من أجزاءه، ضعيف بنفسه، قوي بكله، وأنه لاشيء يوم ينفصل عنه، وأنه نغمة من نغماته يوم يتصل به
لوددت أني خلعت نفسي في المدينة يوم فارقتها، فقد سئمت نفسي وسئمتني، ومللتها وملتني، وتمنيت أن تكون النفس كالثوب تخلعه حيناُ، وتلبسه حيناُ، ويبلى فتجدده، وتكرهه فتغيره - إذن لاستبدلت بنفسي - ولو إلى حين - نفساُ مرحة تستغرق في الضحك من الشيء التافه ومن لا شيء، ولا تبكي على ما فات، ولا تحمل هماُ لما هو آت
بل لتمنيت أن أكون كدودة القز تكون دودة حيناُ، ثم تكون فراشة حيناُ، أرشف من هذه الزهرة رشفة، ومن هذه رشفة، وأنشر جناحي في الشمس، أعيش في جمال وأغيب في جمال، كما تغيب الشمس الجميلة في الشفق الجميل، أو كما تغني النغمة الحلوة في رنات الآلات، أو كما تنداح الابتسامة العذبة في الوجه الصبوح، أو كما تندمج الموجة العظيمة في البحر العظيم! ولكن أنى لي هذا؟ ولو كان لشكوت وبكيت، فقد خلقت كما خلق المتنبي
خلقت الوفاً لو رجعت إلى الصبى … لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
وخرجت مبكراُ والناس نيام، أمشي على الشاطئ وأرقب الشمس في طلوعها؛ والشمس على الساحل أجمل من الشمس على غيره، فليس لها تلك القوة العاتية، ولا الحرارة القاسية، ولا الأضواء المعشية؛ فيها شيء من الوداعة واللطف والحنان!
هاهي ذي قد طلعت، فأخذت الحياة تدب في النفوس، تلقي أشعتها على البحر فينعقد منه
стр. 8902
سحاب فمطر فأنهار، فجميع ما لذلك من أعمال باهرة، وقوى ساحرة، وأفعال عجيبة! أنظر يميناُ فأرى النيل، وأنظر يساراُ فأرى البحر، وقد عاد النيل إلى البحر بعد أن أتم دوريه، وأدى مهمته؛ قد خرج هذا العذب الفرات، من هذا الملح الأجاج، كما يخرج اللبن من بين الفرث والدم! قد سلسلوا النيل فعدا عليه البحر فأغتصب مجراه، وأملح ماءه، ثم فكوا قيوده، فاسترد حقوقه، وأراد أن ينتقم من أبيه، فحاول أن يحتل شاطئه، ويحلي ماءه، ولكن يعكر صفاءه، ثم ندم على العقوق فتاب وأناب وإذا هما مؤتلفان، بينهما برزخ لا يبغيان
ثم تسطع الشمس، ووددت أن تكون مذكرة في اللغة العربية، كما هي مذكرة فيما أعرف من اللغة الأوربية، لأنها تتزوج الأرض فتولدها ما شئت من أشكال وألوان وذكور وإناث، وكأن أشعة الشمس خمر معتقة تشربها الأرض فتنتشي وتبتهج، وتمتلئ قوة ونشاطاُ وحركة
وتقع أشعتها على الطير فيسرح ويمرح ويتغنى، وتحل في قلب الإنسان فيهدأ روعه، ويذهب فزعه، ويطمئن إلى حياته، وتتحرك إرادته، وتنتعش آماله
دعني أتعر فالعراء على الساحل مباح، فأملأ جسمي بأشعتها، وأملأ شعوري ودمي بقوتها، وأملأ نفسي بعظمتها وسحرها.
ومشيت إلى قلعة في رأس البر كنت آنس بها قديماُ، وكان في كل حجر من أحجارها صفحة من العزة القومية، والحمية الوطنية؛ أقامتها الأمة يوم كانت تشعر بنفسها، وتدافع بنفسها عن كيانها، وتحس بتبعاتها، وتدبر شؤونها، وتدير أمورها، كما يتراءى لها - فرأيتها وقد عدا عليها الزمان، وعلاها البلى ونقض أحجارها، وليس من يعتز بها فيقيم أنقاضها، ورأيت بها (مدفعاُ) قد هزأ به الرمل فغطاه، وسخر به الصدأ فعلاه، دفن كما يدفن عزيز أرداه الزمان بسهامه، وذل كما يذل السيد توالى عليه الدهر بأحداثه! ورأيتهم أقاموا في وسطها صهريجاُ يخزن الماء لرأس البر؛ فقلت: سبحانك ربي، جعلت من مستودع النار ماء، كما جعلت من الشجر الأخضر ناراُ! لقد كان مكانك رمز القوة واصبح رمزاُ الرقة، وكان بك جن يقذفون بالنار فبدلت بهم ملائكة يوزعون الرحمة، وكان بك دم يغلي، فأحاله الزمان القاهر زلالاُ بارداُ، وما أدرى ماذا جاش بنفسي فدمعت عيني
وقالوا قد جُننتَ فقلتُ كلا … وربي ما جننتُ وما انتشيت
ولكني ظُلمتُ فكدت أبكي … من الظُّلمِ المبيّن أو بكيتُ
стр. 8903
فأن الماء ماء أبي وجدي … وبئري ذو حفرت وذو طويت
ثم صحوت فقلت: أتندب كل طلل مررت به، وتبكي كل شيء رأيته، وتحزن في معاهد الفرح، وتنقبض في مغاني المرح؟ من أجل هذا تمنيت - قبلُ - أن أخلع نفسي، ووالله لو أمكنتني الفرصة ثانية ما ترددت، ولسمحت وما حرصت، فقد برمت بها وعجزت عن حملها
هيا إلى البحر! فهناك الفرح والمرح، وهناك يضحك الناس له ويضحك لهم، ويداعبون أمواجه وتداعبهم، وأحياناً ينسون جلاله فيصفعهم! فيه الحياة، وفيه القوة، وفيه العظمة، وفيه اكبر مظهر لطاحون العالم، تطحن دائماً، وتطحن ناعماً!
رأس البر
أحمد أمين
стр. 8904
قضايا التاريخ الكبرى
من قضايا السحرة
صفحة من الجرائم المروعة
للأستاذ محمد عبد الله عنان
يعتبر عصر لويس الرابع عشر أعظم عصور التاريخ الفرنسي، لا من وجهة السلطان الباذخ فقط، ولكن من الوجهة الاجتماعية والفكرية أيضاً؛ فكما أنه عصر الفتوحات العظيمة، فهو أيضاً عصر تقدم فكري واجتماعي ساطع؛ ولم تبد الملوكية الفرنسية من قبل قط بمثل ما بدت به في عصر لويس الرابع عشر من العظمة والبهاء، ولم يزدهر المجتمع الفرنسي مثلما أزدهر في هذا العصر؛ وفيه تتفتح العبقرية الفكرية إلى الذروة، ويحتشد النبوغ الفكري أيما احتشاد، هو (القرن الأعظم) كما ينعت في التاريخ الفرنسي، وهو عصر (الملك الأعظم)؛ وهو عصر كورني وراسين وراسان ولافونتين وجمهرة كبيرة أخرى ممن يزدان بهم التاريخ الفرنسي
بيد أن هذا البهاء الساطع الذي يشع به (القرن الأعظم) تغشاه الظلمات في كثير من النواحي؛ ففيه يتكشف ذلك المجتمع الباهر عن ثغرات خطيرة من الانحلال الخلقي والاجتماعي؛ وفيه تزدهر الجريمة، وتنحط النفس البشرية إلى ضروب شائنة من الفساد والإثم تخلق بأشنع العصور
في سنة ١٦٧٦ كشفت مأساة السموم الشهيرة التي أخذت فيها المركيزة دي برانفلييه بطائفة من الجرائم المروعة عن طرف من تلك الأثام الخفية التي تجثم وراء مجتمع زاهر؛ وكان ذلك الحدث المدهش مفاجأة مروعه لمجتمع ذلك العصر؛ فقد ظهر أن السم - ذلك السلاح الخفي الغادر - يحصد علية القوم حصداً، وأن كثيراً، وأن كثيراً من الوفيات الفجائية المريبة التي وقعت في تلك الفترة إنما هي جرائم قتل شائنة ترتكب في سبيل الانتقام والمال والهوى
بيد أن جرائم المركيزة دي برانفلييه كانت جرائم فردية، وكانت محدودة المدى، ولم تكن شيئاً يذكر إلى جانب ذلك الثبت الحافل من جرائم هائلة مثيرة معاً تبث الروع الخفي
стр. 8905
الصامت إلى المجتمع الباريزي وتصمه بحمأة العار والاثم، ويدمغ شينها المثير أرفع الرؤوس والمقامات في ذلك المجتمع الأنيق الباهر
كانت جرائم (السحرة)، وذيوع الخرافات السحرية بين علية القوم، ومزاولة هذه الرسوم الوثنية الشائنة، والتماسها وسيلة لتحقيق أحط الشهوات البشرية، من ظواهر ذلك الانحلال الخفي الشامل الذي يغشى عظمة (العصر الأعظم)
كان السحر من الأمور التي طبعت أذهان العصور الوسطى بطابعها القوي؛ وكانت مزاولة السحر جريمة يعاقب عليها القانون في تلك العصور بأشد العقوبات؛ وكان يعتبر من السحر كل مالا تسيغه عقلية هذه العصور من الأمور المدهشة حتى ولو كانت مما يدخل في حيز الاكتشافات العلمية كمزاولة السيميا أو البحث عما يسمونه حجر الفلاسفة، والتجارب الكيميائية المدهشة؛ وكان السحر دائماً وسيلة الأجرام، ترتكب باسمه وفي ظله أشنع الجرائم الدموية والأخلاقية؛ وكان هذا النوع من السحر الملوث بحمأة الجريمة، والذي تخضب رسومه الفظيعة في معظم الأحوال بالدماء البشرية، يسمى (بالسحر الأسود) أو السحر الذي يقصد به وجه (الشيطان)
ولم تكن عقلية القرن السابع عشر بعيدة عن هذه الأوهام الشائنة، بل كانت تتأثر بها أيما تأثر؛ وكان المجتمع الرفيع الذي يحفزه حب المال أو لوعة الهوى أو ظمأ الانتقام أو غيرها من الشهوات البشرية أو المثالب الخلقية يجد في السحر ملاذه ويعتقد أن السحر مازال وسيلة لتحقيق هذه الأطماع والأهواء
في ظل هذا المعترك الذي تضطرم فيه الشهوات الوضيعة، ويملك الإيمان بالسحر عقول الخاصة فضلاً عن الكافة وتسري إلى المجتمع أسباب الانحلال الخلقي والاجتماعي، كان (السحرة) ومن إليهم من دعاة السيميا والكيمياء يبثون في المجتمع أباطيلهم، ويزاولون تلك الرسوم المروعة المثيرة التي تعرف (بالسحر الأسود) ويسلحون الأيدي الغادرة بالسموم المرهقة، وينظمون أشنع الجرائم الدموية والخلقية، ويستظلون للتمويه على الكافة بظل الخفاء والمقدرة على تنبؤ الغيب وتسخير القدر، وتوجيه الحظوظ
وقد بلغ الشغف بالخفاء والتماس السحر ذروته في ذلك العصر؛ وكان يتمخض بين آن وآخر عن طائفة من الجرائم الفظيعة التي يكتنفها خفاء السحر وروعته
стр. 8906
وكانت جرائم السحرة الشهيرة التي اكتشفت فجأة في عصر (الملك الأعظم) من أروع هذه المفاجآت التي يرتجف المجتمع لهولها وشناعتها
في يوم من أواخر سنه ١٦٧٨، اجتمع في باريس على مائدة سيدة تدعى (لافيجوريه) هي زوجة خياط للسيدات، محام متواضع هو الأستاذ بيران، وامرأة (عرافة) مشهورة في هذا الوقت تدعى ماري بوسي؛ ففي أثناء العشاء بدرت من العرافة تلميحات خطيرة حول جرائم ترتكب بالسم، ويشترك في ارتكابها رجال ونساء من علية القوم؛ فانزعج الأستاذ بيران، وأفضى بما سمعه إلى مدير البوليس (لاريني)
وكانت ذكريات جرائم المركيزة دي برانفلييه ما تزال حية رنانة، فأدراك (لاريني) أنه ربما كان أمام ثبت آخر من الجرائم المماثلة، فأمر بالقبض على مدام فيجوريه، وماري بوسي وابنتها مانون وولديها؛ وذلك في ٤ يناير سنة ١٦٧٩، وأفضت التحقيقات الأولى التي قام بها لاريني نفسه إلى أن قبض في ١٢ مارس على امرأة تدعى (لافوازان) أو مدام فوازان، وهي عرافة شهيرة في ذلك العصر تزاول السحر وأموراً خفية أخرى، وعلى ابنتها مرجريت، ثم على رجل يدعى (لي ساج) وهو شريك لافوازان وعشيقها، ثم على عشرات آخرين ممن ورد اسمهم في التحقيق ونسب إليهم قسط من الأعمال والجرائم المروعة التي كشفت عنها اعترافات المتهمين
كان لاريني مديراً للبوليس، يقف بحكم وظيفته على أخطر الأسرار وأفظع الجرائم، ولكنه لم يلبث أن رأى نفسه أمام معترك هائل من الجرائم التي ترتجف لهولها وروعتها أقسى القلوب وأصلبها؛ جرائم تمتد إلى النفس والعرض والمال بأشنع الآثام، وتتطاول إلى الملك وحياته ذاتها، ويشترك في تدبيرها وارتكابها نفر من العظماء نساء ورجالاً يزاولون (السحر الأسود) ويشتركون طوعاً في اجراءته المروعة المشينة، ويغمسون أيديهم في الدم البريء تقرباً إلى الشيطان، والتماساً لتحقيق أسفل الشهوات والغايات
وكانت لافوازان هي المحور الأكبر لذلك الثبت المروع من الجرائم التي سودت صحف (العصر الأعظم) وهي امرأة تدعى في الأصل كاترين ديزي، وزوجها يدعى مونفوازان، أو فوازان، ومن ثم كان اسمها. وقد بدأ الرجل حياته تاجراً في الحلي، ثم زاول أنواعاً أخرى من التجارة، ولكنه لم يفلح ولازمه النحس، فاعتزمت زوجته عندئذ أن تزاول مهنة
стр. 8907
التنجيم والعرافة. وكانت لافوازان في الواقع ذات مقدرة خاصة في تفهم نفسية بعض الناس، وكانت قد درست شيئاً من الفلك وما يتعلق بالسحر من المسائل والرسوم التي كانت ذائعة في ذلك العصر فامتهنت العرافة والسحر، واستقرت في منزل تحيط به حديقة في فلنيف من ضواحي باريس. وأقبل عليها القوم من كل صوب يستوحون علمها ونصحها، وكانت تزاول كل ما يدخل في باب الخفاء من قراءة الكف وصنع التمائم والتعاويذ، والتنبؤ بالمستقبل بيد أنها كانت تزاول أعمالاً أخطر، فقد كانت تبيع السموم لزوجات يردن التخلص من أزواجهن، أو أقارب يترقبون وفاة المورث، وكانت تصف الأدوية لمختلف الأمراض، وتزاول التوليد وبالأخص الإجهاض؛ وكان بين قصادها سادة من الأكابر وسيدات من أرقى طبقات المجتمع
وكانت لافوازان، كما يصفها المعاصرون امرأة قصيرة القد، مليئة الجسم، وافرة الحسن، لها عينان ساطعتان ثاقبتان، وكانت بما ينهمر عليها من المال من كل صوب تعيش عيشة ترف ومتاع، تصطفي العشاق حسبما تهوى تحت سمع زوجها المسكين وبصره، وتقيم الحفلات الصاخبة، وكانت تعشق الشراب وتفرط فيه، فلا ترى دائماً إلا ثملة، تضرب زوجها أو عشاقها وهم عديدون وكانت تحيا هذه الحياة الحيوانية المحضة فوق أكداس من الإثم ترتكبها كل يوم، لا يزعجها شبح أولئك الذين ترسلهم بسمومها إلى الأبدية، ولا تلك الضحايا البشرية العديدة التي كانت تزهقها مع شركائها كلما أجرت رسوم القداس الأسود كما سنرى
وكان شريكها وساعدها الأيمن في تلك الحرفة الأثيمة رجل يدعى (ليساج) وكان أحب عشاقها إليها وأشدهم نفوذاً لديها، وكان ليساج يزاول أعمال السيميا ليكتشف ما يسمونه (حجر الفلاسفة) أو المادة التي يمكن أن تعاون في تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب، وتمده لافوازان كما تمد غيره من السيميائيين والمشعوذين بالأموال الوفيرة لأجراء التجارب المطلوبة. وكان هذا (الساحر) الخطر من أهل الجنوب واسمه الحقيقي آدم كيريه؛ وكان يشتغل بتجارة الصوف، ولكن غلبه شغف السحر والخفاء فاتصل بلافوازان ووثق الحب بينهما ذلك التحالف الأثيم، ووعد لافوازان بالزواج متى بدت أرملة. وفي سنة ١٦٦٧ قبض عليه بتهمة (الاتصال بالشيطان) وقضي عليه بالأشغال الشاقة في الأسطول،
стр. 8908
ولكن لافوازان سعت لإنقاذه بنفوذها واستطاعت أن تستصدر العفو عنه فعادت إلى باريس سنة ١٦٧٢ وتسمى بليساج، واستأنف أعماله الأثيمة مع عشيقته
وكان ليساج وغداً سافلاً لا يحجم عن ارتكاب أية جريمة، وكان له أكبر نفوذ على لافوازان وزميلاتها، فكان يقتنص منهن الأموال الوفيرة بخبثه ودهائه؛ وكان يكتب التعاويذ للراغبين ويعقد صلاتهم بالشيطان بتمائم وأدعية مريبة، وأحياناً يتزيا بزي القسس ويقيم الصلوات والأقدسة؛ وكان منظره غريبا يضع على رأسه شعراً أحمر، ويرتدي ثوباً أشهب ومعطفاً غريباً، وكان القبض عليه للمرة الثانية عقب القبض على لافوازان في ١٧ مارس سنة ١٦٧٩
كان اكتشافاً مروعاً ذلك الذي وقع به لاريني مدير البوليس من أعمال هذه الطغمة. ولم يكن أمر السحرة مجهولاً، وكان الهمس يسري حول آثامهم وجرائمهم في أرفع الأبهاء؛ ولكن لاريني لم يكن يتوقع قط أن يكشف التحقيق الذي أجراه وأشرف عليه مدى أشهر عن تلك الشبكة السوداء الهائلة التي تغمر العاصمة الفرنسية والتي تجذب شراكها الخطرة أعظم الرؤوس وأعظم المقامات. وقد أثبت لاريني في ملف التحقيق الذي أجراه أقوالاً ومعلومات مدهشة عن أعمال المتهمين وحياتهم الغريبة؛ ومما أثبته من أقوال لافوازان، إن أفضل ما يعمل هو أن يقبض على كل من يزاول قراءة الكف، فإن هذه الحرفة تكشف عن أمور مدهشة حيثما يمنى المحب بخيبة الأمل، وأن التسميم جرم ذائع، وأنه يدفع عن (العملية) الواحدة أحياناً عشرة آلاف جنيه (نحو خمسين ألف فرنك من العملة الحديثة)؛ وأيد ليساج هذه الأقوال، وزاد عليها أن كل أولئك الذين يزعمون أنهم يبحثون عن الكنوز أو حجر الفلاسفة أو غيرها إنما يزاولون أعمالاً خفيفة أخرى، وأولئك الذين يزاولون السحر إنما يتعاقدون على تسميم زوج أو زوجة أو أب وربما على تسميم طفل في المهد
بيد أن أروع ما سطره التحقيق أقوال المتهمين عن مزاولة (السحر الأسود) وإجراءاته الدموية المثيرة. وكانت هذه الإجراءات تقترن عادة بإزهاق طفل صغير يسرق أو يؤخذ من بين اللقطاء الذين تقذف بهم الأمومة الأثيمة. وكان يؤتى لهذه الغاية ببغي تمدد عارية بين هالة من الشموع السوداء؛ ثم يأتي الساحر في ثياب قس، وبعد أن يذبح الطفل، يلقي بعض التمائم والدعوات الشيطانية؛ وكان الساحرات يبحثن دائماً عن الأمهات الآثمات أو
стр. 8909
البغايا الحاملات فيجرين توليدهن ويأخذن المواليد برسم القربان؛ ويلقى بهذه الجثث الصغيرة في بعض الغابات أو تحرق في منزل الساحرة. وكانت لافوازان أنشط الساحرات في إجراء هذه الرسوم الهائلة! وكان يعاونها في إجرائها غير ليساج قس وغد يدعى الأب جيبورج؛ فيقوم بقراءة (القداس الأسود) أو قداس الشيطان على أجسام النسوة اللاتي يرغبن في هذا الإجراء وكن يتمددن عاريات فوق مائدة تؤدي وظيفة الهيكل، ويوضع الإناء المقدس على البطن العاري، ويذبح وقت القربان طفل يلقى دمه في الإناء، وقد اعترفت لافوازان أنها أحرقت في فرن منزلها أو أخفت في حديقتها نحو ألفين وخمسمائة جثة من هذه الضحايا الصغيرة البريئة!
هذا طرف مما دونه لاريني في تحقيقه من أقوال المتهمين أنفسهم. ويعلق لاريني على ذلك بقوله، أنه يستحيل أن يتصور الإنسان أن تكون هذه الجرائم حقيقية أو ممكنة إذا ما تأملناها. بيد أنها اعترافات أولئك الذين ارتكبوها أنفسهم؛ وتفاصيل الاعتراف لا تدع مجالاً للريب
(للبحث بقية)
(النقل ممنوع)
محمد عبد الله عنان
стр. 8910
جندي الأدب المجهول
للأستاذ عبد الوهاب النجار
أقول جندي فقط لأنه لم يكن ضابطاً كريماً ولا ضابطاً عظيماً ولا ضابطاً صغيراً، بل كان جنديا. وكفى
والذي أتحدث إلى حضرات الأدباء عنه، أعتقد أن أحداً منهم لا يعرف عنه شيئاً. وهو المرحوم الشيخ المعمر محمد أفندي التميمي بن المرحوم احمد التميمي مفتي الديار المصرية
وكان والده المرحوم الشيخ أحمد التميمي من أهل مدينة الخليل بفلسطين ومن علمائها ومن ذرية تميم الداري. وقد آتى به إلى الديار المصرية ساكن الجنان إبراهيم باشا جد مولانا الملك فؤاد، وعين مفتياً للديار المصرية. وظل بتلك بالوظيفة إلى ان عزل بالمرحوم الشيخ محمد العباسي الحفني المهدي - (وقد تولى الشيخ المهدي إفتاء الديار المصرية وهو طالب بالأزهر)
مات المرحوم الشيخ احمد التميمي عن ولديه عبد الرحمن أفندي ومحمد افدي؛ فإما عبد الرحمن فأسرع في تركة والده إسراعا شديداً، فانشأ له ذهبية في النيل وجعل مقابض مداريها من الذهب، والجزء الذي يغرز في الطين من الفظة، وجعل نعال خيله من الفضة! وكان أخوه محمد لا يعصي له أمراً، فكلما أراد بيع عمارة أو بيت أمضى محمد مع أخيه عبد الرحمن واعترف بقبض ثمن حصته، وهو في الواقع لا يناله من ذلك سوى النزر اليسير
فلما فرغت الراحة عمد محمد أفندي إلى اسطنبول ليجد واسطة من أصدقاء والده ليعين في وظيفة. ولست اعلم إن كان أخوه عبد الرحمن أفندي سافر إلى اسطنبول أولا
وآخر عهدي بعبد الرحمن أفندي أنه كان مأمور مركز؛ وكانت له ورشة نجارة بطنطا، لأنه أتقن فن النجارة أيام أن كان مهيمناً على عمارات والده
وأما محمد أفندي وهو أديبنا المجهول، فلما عاد بالوصية عين موظفاً بتفتيش السنطة والهياتم التابع لدائرة ثالثة زوجات المرحوم إسماعيل باشا
كان المرحوم محمد أفندي التميمي مغرماً بالتدخين في النرجيلة (الشيشة)، فلما كان في
стр. 8911
اسطنبول خرج إلى متنزه اسمه (الكاغد خانه) ومعه النرجيلة يدخن فيها، وجاءت السيدات والأوانس من كل صوب وحدب إلى ذلك المكان النزه. ونظر فوجد بقربه سيدة جميلة رشيقة قد جلست ومعها سيدة أخرى. وحانت من السيدة التركية التفاتة فرأت ذلك الرجل الذي يلبس جبة وقفطاناً وعمة خليلية منهمكاً في كتابة شيء، فحزرت أنه يكتب عنها، فأرسلت السيدة الأخرى إليه وكانت تحذق العربية فسألته عما يكتب، فناولها ما كتبه فقرأت:
ظل قلبي في غزال … من بنات الترك يُفكرْ
رمت منها الوصل قالت … سن صقللي هيدا سكتَر
أي أنت ملتح، هلم فأذهب! فأسرعت إلى السيدة التركية وأرتها ما كتبه وترجمت لها بالتركية ما في الكتابة من ألفاظ عربية فسرها ما سمعت، وحلفت بالمحرجات من الأيمان إلا ما حل عندها ضيفاً الليلة
ولما كان بتفتيش السنطة ومركزه القرشية عين ناظراً لورشة التصليحات التي أنشأها المرحوم إسماعيل باشا لإصلاح الآلات المكانيكية، وكان بناؤها سنة بضع وسبعين ومائتين وألف هجرية؛ فمر التميمي بالحدادين يحمون الحديد إلى درجة الاحمرار ثم يفطحونه بمطارقهم. فقال موالياً أوله:
لان الحديد للمعلم والحبيب ما لان
وقد ند عن ذاكرتي باقيه
وله لطيفة وهو بالورشة، فأن المرحوم خلف الله باشا عين مفتشاً لتفتيش السنطة والهياتم؛ فلما استقر به المقام طلب إحصاء بالعمال الذين بالورشة ومرتب كل واحد منهم أو يوميته، فلما نظر في ذلك الإحصاء وجد (خوجة لتعليم العمال القراءة والكتابة وإرشادهم في أمر دينهم، ومرتبه جنيه في الشهر) فقال: هذا الخوجة لا لزوم له. فقال التميمي: إني فكرت فيما فكر فيه سعادة الباشا وأردت رفته ولكني وجدت الرجل يصلي بالناس الصلوات الخمس بالمسجد مجاناً، ويخطب الناس يوم الجمعة والأعياد بلا مقابل، فقلت أتركه الآن حتى يأتي (أبن الحلال) الذي يكون قطع رزق هذا الرجل على يده. والحمد لله سعادتكم، شرفتم ويمكنكم أن تعملوا ما لم أعمله. فقال خلف الباشا: والله لا أكون ابن الـ. . . الذي
стр. 8912
يقطع رزق هذا الرجل على يده. وبقى الرجل في هذه الوظيفة عشرات من السنين إلى أن توفى
وكان له صديق مثر من المال، علم أن التميمي اعتزم الزواج، وما بينهما من المودة يقضي عليه بتقديم المساعدة و (النقوط)، فاحدث غضباً لا أصل له، وفطن التميمي فكتب إليه:
إن قوماً أبغضونا … خيفة من قول هاتِ
قل لهم في يوم عرسي … نقوطنا بالسكاتِ
والأمثال لا تغير
ولما نقل المرحوم إبراهيم أدهم باشا من تفتيش السنطة والهياتم وعين مديراً للغربية، طلب أحد العمد، فخشي العمدة أن يعتريه الباشا المدير بسوء، وجاء إلى التميمي ليكتب إلى الباشا خطاب عناية به فكتب:
قد ظن هذا رجائي عندكم فأتى … مستشفعاً بيَ فعلَ الطامع الراجي
قد ظن عكساً وقصدي من سعادتكم … أن تضربوه جزاءً ألفَ كرباج
وأخذ الرجل الكتاب بعد أن ألصق جوانبه بالبرشام وهو يكاد يطير من الفرح، وقدم على الباشا وناوله إياه، فأغرق الباشا في الضحك وعفا عنه
وله رجز في الفلاح حين واتاه القطن في نحو سنة ١٢٨٠ عقب حرب أمريكا، واقتنى الجواري البيض والعبيد، وتأنق في المأكل والملبس، أحفظ منه:
من بعدَ خضْرَا صار يَقْني كلفدان … وطعامه قلدر وخادمه أمان
ولكم مصاغ علقه بعضهم … من فوق زوجته الكئيبة ستهم
تلقاه يرمي اللفظ كالجالوس … ويقول عندي نسخة الجاموس
وفي أيام اختفاء عبد الله أفندي النديم بالقرشية عند المرحوم أحمد باشا المنشاوي، وكان يسمي نفسه السيد علي الإدريسي اليمني، كان النديم يجالسه كل ليلة ولا يدري حقيقته. وكان المجلس يمتد بهما إلى ما بعد نصف الليل. ففي ليلة سأل المنشاوي باشا جليسيه عن أرباب الجرائد، فكان عبد الله النديم يسرع ويجيب ويسبق التميمي إلى الجواب، فقال المنشاوي باشا وما تقولان في صاحب الطائف؟ فسكت النديم أو السيد علي الإدريسي اليمنى وتكلم التميمي، وقد رابه شأن النديم ولم يقم من المجلس إلا وهو موقن بأن جليسه
стр. 8913
في هذه السنوات هو عبد الله النديم
فلما رجع إلى بيته كتب إليه
يأيها الحبر الذي … كالبحر يبعد ساحله
من كان مثله فاضلاً … نمت عليه فضائله
وأرسل البيتين مع الخادم؛ فلما قرأهما النديم ارتاع وخشى على نفسه. فلما جن الليل وجاء محمد أفندي التميمي على عادته لقيه بالعناق، وكتم التميمي أمره إلى أن أعلنه الذي قال إنه علم بالنديم بالجميزة، وكان الواقع إن النديم أعلن نفسه لذلك المخبر بعد أن مضى على الحكم عشر سنوات شمسية وأحد عشر يوماً
وللتميمي قصائد لا احفضها ولا أجد من يقفني عليها الآن؛ وهو أول من أبرز رواية بالعربية وسماها أم حكيم، وقد مضى على إبرازها أكثر من خمسين سنة
وقولي انه معمر سببه أن التميمي كان قد تولى عمارة مسجد وضريح سيدي فخر الدين ببلدة طوخ مزيد في عهد المرحوم إسماعيل باشا، وكانت العمارة ينفق عليها من دائرة ثالثة أزواج الخديو إسماعيل، وأحيلت الكتابة على والدي ﵀ وكانا قريبين في العمر. وكنت إذا سألت كلا منهما عن الآسن منهما اتهم كل منهما الأخر بأنه أسن منه، وقد توفي والدي سنة ١٩١٩ عن نحو مائة سنة، وعاش محمد أفندي التميمي بعده من أربع إلى خمس سنوات، واعتقادي انه أربى على المائة
فهذا الرجل في نظري هو جندي الأدب المجهول
عبد الوهاب النجار
стр. 8914
النهضة التركية الأخيرة
للدكتور عبد الوهاب عزام
المرأة:
ومما أخذه على الكماليين خطتهم في تربية النساء، فقد أخذوا بيد المرأة التركية، ربة الدار الطاهرة، وأم الأشبال الباسلة، فقادوها إلى المراقص، والملاهي، ومجالس السمر أخذاً بسنن أوربا؛ وسموا هذا تحريراً للمرأة وإنصافاً لها وإعظاما، واعترافاً بقدرها، كأن المرأة لا تكون حرة إلا إذا هجرت الدار، وعمرت المراقص، وأهملت أطفالها لتجالس سمارها، وتركت سكينة الدار وسعادة الأسرة، إلى ضوضاء الملاهي ونزاع المحافل! لست آخذ على الكماليين أنهم تركوا المرأة تغشى المراقص اختياراً، ولم يردوها إلى الدار قسراً، بل آخذ عليهم أنهم هم دعوها إلى ذلك، وحرضوها عليه، وزينوه لها، بل ألزموها به بعض الإلزام حين نظروا شزراً إلى الموظفين الذي لا يأخذون زوجاتهم بإتباع السنن الجديدة، ويريدونهن على مسايرة النهضة النسوية، ويروضونهن على أفانين المعيشة الأوربية
فعل الكماليون هذا تقليدا لأوربا وتقرباً إليها، واستحياء من الاستمساك بآداب لا يعرفها الغربيون، والإبقاء على سنن ينكرها السادة الأوربيون. ثم زادوا تقرباً حين أباحوا تزوج المسلمة من غير المسلم، وقد عاشت المرأة التركية حقبا ترى واجبها أن تربي أشبالها للدفاع عن قومها ودينها، وحماية تأريخ الإسلام والترك، وترى نفسها أعز وأرفع من أن يلي أمرها غير مسلم؛ وكانت هذه الكبرياء عصمة لها ولقومها في المحن التي انتابتهم، والفتن المحيطة بهم، وفي هذا النزاع، نزاع الحياة والموت الثائر بين الشرق والغرب. فذهبت هذه (النهضة) بكبريائها، ومحت ما أورثها الإسلام والتاريخ من عزة وأباء
وأتم الكماليون إعظام المرأة وتحريرها بأن فتحوا دوراً للبغايا فسايروا بعض الأمم الأوربية، وشاركوا مصر الإسلامية في وصمة العار، وسمة الخزي، التي تحاول اليوم أن تمحوها عن جبينها. وقد بلغ من اعتدادهم بما فعلوا، وافتخارهم بما اقترفوا ما تبين عنه القصة الآتية: حدثني من لا أرتاب في صدقه قال: كنت على ظهر سفينة من عابرات المحيط، ذاهباً إلى المؤتمر البرلماني في البرازيل، وكان على السفينة جماعة من ممثلي الدول يؤمون المؤتمر، وكان فيهم مندوبو الحكومة التركية، فجلسنا مرة نتحدث، وذهب بنا
стр. 8915
الحديث مذاهب حتى قال مندوب تركي مفتخراً متبجحاً: لقد أنفقنا كذا وكذا في بناء دور فخمة رائعة للبغاء (وذكر مقداراً من المال عظيماً جداً، لا أذكره الآن)
قال محدثي: فلما قام صاحبنا نظر مندوبو الدول الأوربية بعضهم إلى بعض ساخرين متعجبين يقولون: ماذا يريد أن يقول هذا الرجل؟
لا يحسبني أحد مجادلا في سفور المرأة واحتجابها فيقولون فيم يجادل هذا الجاهل؟ لقد سبقته المدنية مراحل كثيرة فجدال الناس اليوم في اللبس والعرى. لا يقولون أحد هذا فأني لست أنكر على المرأة أن تأخذ طريقها طليقة رشيدة، تصرف أمورها وتقوم بقسطها في الأمور العامة والخاصة على قدر ما تمكنها أعمال الدار والقيام على الأسرة. ولست أنكر أن الإسلام منح المرأة من الحقوق ما لم تظفر به نساء أمم في أوربا حتى اليوم. لا أنكر هذا ولا أجادل فيه، ولكني أظن بالمرأة أن تنزل عن عرشها في أسرتها لتتبذل في الطرق والمسارح والمراقص، وأشفق عليها أن يخدعها الرجال لحاجات في أنفسهم فيزينوا لها كل ما تنزع إليه مآربهم، ثم يكذبون فيذكرون الحرية والحق والإصلاح والكرامة ونحو هذا من الكلمات الكاذبة الخادعة، الثائرة الرائجة في هذا العصر. أيها الناس لا تخدعوا أنفسكم ولا تجحدوا أن لهو المدينة الحاضرة يدور معظمه حول جسم المرأة في الطريق والمرقص والمسرح وشاطئ البحر. وحسب المرأة ذلاً وهواناً أن تكون ألعوبة الرجال حيثما شاءوا وكيف شاءوا. وبعد هذا أمر لا يعالج بكلمات، ولا ينفد بيانه في صفحات، فحسبي أن أتناوله مجملاً موجزاً لا معدداً مناهج النهضة التركية الأخيرة
ويقتضي المقام هنا كلمة موجز عن نساء مصر: تغيرت المرأة المصرية في السنين الأخيرة تغيراً عظيماً. وبعض هذا التغير خير لا مراء فيه، فقد تعلمت وبصرت بمناهج الحياة، وهذا صلاح وخير؛ ولكن ما يسمى النهضة النسائية في مصر تشوبه شيات من الضلال، وألوان من أفن الرأي وخدعة الهوى، ويلتبس الخير والشر في كثير من جوانبها: في مصر جماعة تتكلم عن نساء مصر كل حين، وتدعى أنها تنطق بآلام المرأة المصرية وآمالها، وهي على ذلك لا تمثل إلا جماعة من النساء هن أقرب إلى أوربا من مصر، وأشبه بالأجنبيات منهن بالمصريات. وأما المرأة المصرية كما نراها وكما نود أن نراها فلا تمثلها هذه الجماعة إلا بزعمها؛ هي جماعة كثيرة القول والعمل في الجوانب اليسيرة
стр. 8916
البراقة التي لا تكلفها إلا الكلام والاجتماع من حين إلى حين، وأما جوانب الإصلاح العسيرة التي تقتضي كد الفكر واليد وهجر الراحة والرفاهية: جوانب الإصلاح الخلقي والديني التي تحول بين الناس وبين كثير من رغائب المدنية الاوربية، فليس للجماعة غرام بها، ولا صبر عليها. لا ريب أن للجماعة أعمالاً مشكورة في تربية الفقيرات والحدب عليهن، ولكن أبرز أعمالها أن تجمع الشواب من بنات الأسر الراقية للغناء والرقص وإمتاع النظارة بظروب من المناظر وهلم جرا. يضربن بذلك للمرأة المصرية أسوأ الأمثال، ويدعونها إلى شر الخطط، ويحطمن في ساعات ما وطدته الأمة في أجيال
كثيراً ما سألت أصحابي: لماذا لا تدعو هذه الجماعة إلى طريقة خلقية رشيدة، أو سنة دينية حميدة؟ لماذا لا يطلبن - مثلاً - أن يكون للنساء الحق في غشيان المساجد أحياناً ليوعظن ويعلمن ما منح الإسلام المرأة من حق، وما فرض عليها من واجب؟ وقد اطلعت في عدد الرسالة الأخيرة على كلمة للأستاذ أحمد أمين (حول المسجد) أخفف عن نفسي بنقل شذرة منها، قال (بل لم لا يكون المسجد معهداً للمرأة كما يجب أن يكون معهداً للرجل. فيخصص مسجد كل حي وقتاً لنساء الحي تعلم فيه المرأة واجباتها الدينية والاجتماعية، وتفقه فيه في دينها ودنياها، وترشد فيه إلى طرق إسعاد البيت، وتثار همتها إلى العطف والإحسان وتنظيمهما. فالمرأة الآن محرومة من غذائها الروحي والديني لأنها بعيدة من المسجد، حرمت منه من غير حق، وهو سلوتها في الأزمات، وهو منهل عواطفها وغذاء روحها. لقد حرمت المرأة من المسجد فحرم أبناؤها وبناتها من العاطفة الدينية. لأن الأم - غالباً - هي مصدر هذا الإيحاء، وإذا انحرفت مرة فلم تجد المسجد يهديها ويعزيها، جمحت وغوت. فهي الآن بين بيت وملهى ولا مسجد بينهما يذهب ملل البيت ويكسر من حدة الملاهي)
فليت شعري ما رأي سيداتنا في هذا الكلام؟ أليس الاهتمام بالمساجد في حالنا الحاضرة أولى من الأهتمام بالمؤتمرات التي يحرصن عليها ويحاولن فيها أن يسبقن نساء أوربا؟ أذكر أن وفداً من سيداتنا المصريات ذهب إلى مؤتمر نسائي كان في رومية - فيما أذكر - فهل تدري فيما تكلم الوفد؟ تكلم في (حقوق الطفل غير الشرعي)!!
وأنا أترك القارئ لنفسه هنا يبدي ما يشاء ويقول ما يريد في هذا الموضوع. وفي هذا العام
стр. 8917
ذهب وفد للمشاركة في مؤتمر نسائي اجتمع في اسطنبول، فنادين باسم المرأة المصرية أنهن راضيات مغتبطات بما اختطه الكماليون للمرأة التركية، وبكل ما فعله الكماليون. وتطوعت زعيمتهن فقالت للغازي مصطفى كمال باشا: إنك تسميت (أتاتورك) وأنا اسميك (أتاشرق)
وليس يهمني هنا أنها منحت الغازي لقباً لا معنى له في اللغة التركية، فأن معنى أتاتورك: التركي الاب، فمعنى (أتاشرق) على هذا القياس الشرق الأب وهو كلام لا معنى له. ليس يهمني هذا الغلط اللغوي ولكني أقول إن الوفد النسائي ما كان يبين عن آراء المرأة المصرية، ومعظم المصريين من نساء ورجال لا يرضون مذاهب الكماليين في المرأة ولا غيرها. ومعظم الشرقيين لا يرضون لأنفسهم مذاهب الكماليين، بل معظم الترك لا يرضونها، فان كانت الزعيمة أرادت أن تقول إن الغازي صار بعمله أباً للشرق كله، فهى أبوة لا يعترف بها الشرق، وهي (أبوة غير شرعية) والكلام فيها كالكلام في الطفل غير الشرعي
لست، يعلم الله، أحاول بهذا توهين المساعي النسائية في مصر، ولا تهوين أمرها على الناس، ولا الزراية على أحد من المتصديات لها، وما أريد لهن إلا الكرامة والرشد، والنجح والظفر، ولكن علينا أن ننصح ما استطعنا وأن نبين الرشد والغي جهدنا، وأن ننادي بالرأي صريحاً في غير محاباة ولا مراءاة؛ فليس من الخير للأمة أن يدهن الناس في أمورها، وان يسلموا للضلال زمامها، وللفوضى قيادها؛ وليس من البر بالنساء المصريات أن ندعهن سائرات على غير هدى، فلا نعاونهن بالنصيحة المخلصة، ونسددهن بالرأي الصريح، فنخذلهن ونقعد عن نصرتهن بالفعل وبالقول، والله يهيئ لنا من امرنا رشداً
(له بقية)
عبد الوهاب عزام
стр. 8918
إلى الدكتور إبراهيم مدكور
التابو
للأستاذ محمد روحي فيصل
قرأت مغتبطاً دراسة الدكتور للخرافة، وقوة أثرها في الجماعة؛ وأشهد لقد أحسن العرض وأتقن البحث، ثم وفق إلى كثير من الأمثلة الواقعية الجميلة التي استقامتها من أوثق المصادر، والتي تلقي ضوءاً على الموضوع؛ ولابد أن يكون القراء قد أعجبوا كما أعجبت بعمق ثقافته وسداد تفكيره
يقول الدكتور: (وللخرافة يد أخرى في الدفاع عن الملكية، فقد حاربت السرقة والسراق، وحمت مال الفرد والجماعة، وقضت على عامل كبير من عوامل الاضطراب. فالخرافة حلت محل القوانين والشرائع المختلفة في حماية الملكية الفردية والعامة لدى بعض الشعوب المتوحشة، وربما كان لها على نفوس معتنقيها سلطان لا يعدله سلطان قوانيننا المنظمة)
وهذا صحيح! فلقد شهدت فيمن شهد الرواية السينمائية الرائعة (ضحية المعبد) التي تصورت عادات القبائل المتوحشة في جزر البحار الجنوبية، وتبرز العقلية الأولية القاصرة في إطار وضيع مهين، وتتلخص في أن فتاة لا بأس بجمالها نذرت نفسها للرب وكرست حياتها لخدمته، فغدت عذراء مقدسة لا يتزوجها ولا يخاطبها ولا يمسها أحد من الناس. وشاء القدر العابث أن تعشق شاباً طويل القامة مفتول الذراعين، ويعشقها هو الآخر فيتغازلان ويجتمعان، ثم يهربان إلى جزيرة نائية خوفاً من عقاب (التابو)!! ذلك أن من يهاجم العذارى، أو يخرق حدودهن، وينتهك حرماتهن. جزاؤه الموت؛ أفلسن للإله وحده؟ فكيف يشركه في ذلك آدمي نجس؟. . . وراح رجال القبيلة يفتشون عن المجرم ويقتفون معالمه، وبعد لأي وجهد عثروا عليه فأوثقوه بالحبال ثم هووا به إلى قاع اليم فذهب ضحية المعبد. . .!!
والتابو وسم أو علامة يضعها المتوحش على باب داره مثلاً إن أراد حمايتها، وله بعد ذلك أن يهجرها ما شاء من السنين، فلن يجرؤ امرؤ على سرقتها أو دخولها. والتحريم الذي تخلعه هذه العلامة على الأشياء والأشخاص ليس كالتحريم الذي نعهده في شؤوننا الأخلاقية
стр. 8919
من تحبيب في الخير وتبغيض في الشر، وإنما هو تحريم خاص، ملفف بالرهبة والتقديس، ومفعم بالأسرار والمساتير
فالأمراء البولينزيون الذين يزعمون أن نسبهم الكريم يتصل بالأرباب يطلق عليهم (آريي تابو) أي الأمراء المقدسون؛ أما كلمة (نوا) فأنها تفيد العموم والاشتراك. فالمرأة في بولينيزيا توصف قبل أن تتزوج بنوا، أي أنها حرة طليقة تتزوج من تشاء، وإذا تزوجت أسدل عليها ستار صفيق من التابو فتحرم على الناس جميعاً خلا زوجها
وحدث أن رجلاً من (التونجا) مس جثة أمير ميت فحكم عليه بالحرمان التابوي عشرة أشهر قمرية لأن الأمراء مقدسون أحيا أو امواتاً، ومن يمس شعر أمير أو جسده أو عظمه أو يشترك في جنازته يطوق بالتابو. والمعروف في (نيوزيلاندة) أن القارب الذي ينقل جثة لا يجوز استعماله مرة أخرى، وإنما يطرح أبداً على الساحل بعد طلائه بالبياض
ويذكر الأستاذ ليفي برول في كتابه (العقلية الاولية) أن الرجل من قبائل (المركيزا) إذا ذبح عدوا له حكم عليه باللامساس عشرة أيام يحرم عليه في خلالها مس امرأته وإشعال ناره، فلا بد له إذن من طاه يطبخ له طعامه. والزاد الذي يحمله الشريف على ظهره يحرم على جميع الناس إلا على صاحبه! كأن التحريم أو (التتويب) قد انتقل من شخص الشريف إلى أشيائه! وشعور الأمراء محرم لمسها، ولو أن أميرا مس شعوره بإصبعه فعليه أن يدنيها من أنفه في سرعة ليستنشق رائحة القداسة التي علقت بها!
وفي الإصحاح السادس من سفر العدد من التوراة كلام مسهب عن شيء يدعى النذير، فقد أمر موسى أن يقول لبني إسرائيل: أنه إذا أنفرز رجل أو امرأة منهم لعمل نذر للرب. فالنذير يجتنب الخمر والخل ولا يشرب بمن نقيع العنب، ولا يمر موسى الحلاقة على رأسه؛ وينتهي النذر الإسرائيلي على نحو ما ينتهي التابو البولينزي، وذلك بأن يحلق النذير رأسه عند مدخل خيمة الاجتماع المقدسة فيأتي الكاهن إليه ويضع على يديه طعاماً
ومن عادات اليهود ألا يقسموا بالله الكريم، فهم يتورعون أشد الورع عن القسم باسم (يهوا) ومن يمس جثة ميت عد نجساً لمدة سبعة أيام، وتنتقل نجاسته إلى كل شيء يلمسه، وفي ختام الأيام السبعة يغسل لباسه ويستحم بالماء الطهور؛ وكذلك النفساء فهي نجسة لا تجوز مقاربتها في حال من الأحوال
стр. 8920
أما السبت فله عندهم قواعد خاصة تتعلق بالمحافظة عليه والاستراحة فيه. حرم عليهم فيه العمل، وإشعال النار في المنزل، وطبخ الطعام، والخروج من المنزل إلى مسافات معينة. والتاريخ يروي أن بومبي الكبير قد تغلب على اليهود في القدس لأنهم لم يسعوا إلى مقاومته يوم السبت، وأن انيتو كرس الرابع السلوقي افتتح القدس عنوة لأنهم راعوا حرمة السبت
ليست تخلو فكرة التابو من خير ونفع، وذلك أنها كما يقول فريزر في كتابه (عمل بسيشه) أساس الشعور بحق التملك واحترام الأوضاع الاجتماعية والرابطة الزوجية وما إلى ذلك كله مما يتصل به الناس في حياتهم الخاصة والعامة. ولكنها على ذلك إنما تدل على انحطاط العقل، وأخذه بالعنف في فعل الخير والشر، وحاجته إلى الحدود والحواجز، وتعليله الأمور والأحداث على الطريقة الدينية الميتافيزيكية
محمد روحي فيصل
стр. 8921
حول الفقه الإسلامي والفقه الروماني
للأستاذ محمد محسن البرازي
الأستاذ بمعهد الحقوق في الجامعة السورية
صدفتني أشغال شاغلة عن قراءة (الرسالة) ومطالعة كتب الأدب عامة منذ شهر أو اكثر؛ ولما عدت، وبعد تحرري من قيود الموانع، إلى النظر فيما فاتني من أعداد مجلتنا المحبوبة، ألفيت فيها مقالين في موضوع الفقه الإسلامي والفقه الروماني، أحدهما لمواطننا السيد علي الطنطاوي بعنوان: (حول الأوزاعي أيضاً) (العدد الحادي والتسعون)، والآخر للسيد صالح بن علي الحامد العلوي السنغافوري بعنوان: (هل تأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني أم الحقيقة هي العكس) (العدد السابع والتسعون)؛ فرأيت أن الواجب العلمي يدعوني إلى أن أقول كلمة في الموضوع الذي عالجاه. فجئت إلى صاحب (الرسالة) أرجو منه أن يكرم وفادة كلمتي هذه، وله الشكر خالصاً
يتلخص ما جاء في المقالين في مادتين اثنتين: (١) كون الفقه الإسلامي لم يؤخذ عن الفقه الروماني ولم يتأثر به (٢) كون الفقه الروماني مأخوذاً عن الفقه الإسلامي
إنني لا أريد أن أبحث الآن في الشطر الأول من هذا الرأي، لأسباب منها أنه لا يجوز عندي الخوض في موضوع خطير كهذا بكلمة عجلى؛ وأما الشطر الثاني فلا أرى منتدحاً عن البحث فيه، وأعتقد أنه يحتمل الإيجاز
علم أصحاب المقلين أن الشريعة الرومانية هي أقدم عهداً من الشريعة الإسلامية، وأنه لا يمكن لعاقل أن يزعم ما زعماه بصورة بسيطة مجردة، ولذلك لجأ إلى تأييد دعواهما بدليل ليس بأقل منها غرابة، وهو أن الفقه الروماني المعروف اليوم هو - في نظرهما - فقه جديد (لفقه طائفة من العلماء بعد أن اندثر الفقه الروماني القديم) في كلمات لا تزيد على العشرين، وفي أقل من مدة قلم، يقضي الأستاذ الطنطاوي ببطلان ما أجمع علماء الحقوق والتاريخ بلا استثناء على صحته، وأنكر ما لم يختلف فيه اثنان منذ أن اشتغل الناس يدرس تاريخ الرومان وحقوقهم
ثم أيد الأستاذ العلوي دعوى زميله الطنطاوي، معتمداً على ما كانت نشرته مجلة حضرمية منذ ربع قرن لأحد السادة العلويين الحضارمة، فلم يخرج ما جاء به عن المناقضات
стр. 8922
إن دعوى كهذه لا يعبأ بها في البيئات العلمية، لأنها تخالف حقيقة علمية تعد بمثابة البداهة؛ ولو أنها نشرت في صحيفة غير موثوق بها، أو مجلة من عامة المجلات، لما كنت حركت في موضوعها قلماً؛ ولكنها نشرت في مجلة لم يكتب لغيرها من المجلات العربية ما كتب لها من الحظوة عند ذوي العلم والأدب، وسعة الانتشار في مختلف الأمصار؛ تصدر عن عاصمة الأدب العربي والفكر الإسلامي في هذا العصر، وينظر الناس إلى ما يكتب فيها ممثلاً بصورة إجمالية لآراء عمدتها الذين هم من أركان النهضة الأدبية العربية الجديدة، ونزعة الإسلام الحديثة. لذلك خشيت أن يحسب علماء الغرب هذا الرأي العجيب معبراً عن اتجاه جدي للرأي العام الإسلامي المثقف، فيحكموا علينا بما لا نستحقه
أحس صاحب المقال الأول بوهن دليله، فنهج منهجاً غريباً بعد ذلك، إذ طلب التدليل على عكس ما أدعى، أي على أن الفقه الروماني الحديث هو الفقه الروماني القديم قائلاً: (ليأتونا بالأسانيد الصحيحة والروايات المضبوطة)
الله! الله! أيطلب من أحبار العلم التدليل على ما أقرته أجيال من الأعلام المحققين لمجرد دعوى انفرد بها أدبينا الطنطاوي، وهو على الرغم من تفوقه على أكثر أقرانه بذكاء كان موضع إعجابنا، لم يتح له أن يدرس الحقوق الرومانية أكثر من غيره من الطلاب في معهد الحقوق بدمشق، ولم يتأت له النظر في تأريخ الحقوق، ولم يقيض له بعد أن يطلع على ما ظهر في العالم من مؤلفات في الحقوق الرومانية وما أكتشف من آثار تاريخية
أن من يقدم على الجزم بأمر كهذا يحدث - أن صح - انقلاباً في العالم العلمي لا يعادله أي انقلاب عرفه التاريخ في الدين والسياسة أو الاجتماع، لا يحق له أن يكتفي بأن يقول لهذا العالم العلمي: (دلل أيها العالم على صحة ما عكفت على دراسته باعتباره صحيحاً منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً)
البينة على من ادعى؛ فعلى من يقول أن الفقه الروماني الذي نعرفه الآن مختلق أن يثبت اختلاقه ويبين مختلقه، ويظهر مكنون الفقه الروماني القديم، أسوة بما يفعله العلماء إذ يكشفون القناع عن الوثائق التاريخية المزورة والكتب المنتحلة
لئن جاز في نظرنا لأحد من النصارى أو اليهود المتعصبين أن يجزم بأن القرآن الذي بأيدينا هو غير القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ، وأنه مختلق من
стр. 8923
جماعة من علماء المسلمين الحديثين، مكتفياً للتدليل على ذلك بأن يقول لنا: (هاتوا دليلكم) فقد حق كذلك لصاحبي المقالين المتحمسين للإسلام هذا التحمس أن يزعما ما زعماه
لقد جمع نصوص الشريعة الرومانية وآراء فقهائها حتى بدء القرن السادس المسيحي، تلك النصوص القانونية والآراء الحقوقية التي هي أساس لدرس الحقوق وبحثها في جامعات العالم، ذلك الإمبراطور المتشرع الروماني جوستنيان (المتوفى سنة ٥٦٥ ب. م) في خلال ست سنين (٥٢٨ - ٥٣٤ ب. م) وأضاف إلى ذلك القوانين التي أصدرها؛ وقد عرفت هذه المجموعة الحقوقية منذ بدء القرون الوسطى بـ وكان بين العلماء الذين يشتغلون تحت رعاية الإمبراطور الفقيه أساتذة في معهد حقوق بيزانس: (القسطنطينية)، ومعهد حقوق بيروت
إن هذه المجموعة الحقوقية قد انتقلت إلينا بنصها وفصها، وهي مؤلفة من أربعة كتب أو مجموعات صغيرة: الـ والـ (ديجست والـ (انستيتود الـ (نوفل ولا تزال نسخ قديمة من هذه الكتب أو المجموعات القيمة محفوظة في المكاتب الكبرى في أوربا يرجع عهد بعضها إلى القرن السادس (ب. م)، أي إلى القرن الذي عاش فيه جامعها وواضعها الإمبراطور جوستنيان نفسه
ومن أجل هذه النسخ المخطوطة نسخة من الـ كتبها خطاطون إغريقيون في القرن السادس والقرن السابع (ب. م)، معرفة بالـ (فلورنسية لوجودها في مدينة (فلورنسة) منذ سنة ١٤٠٦. وقد نشرت هذه المخطوطات مصورة تصويراً فوتوغرافياً، وحققها العلماء الاختصاصيون في المخطوطات، ولم يطعن عليها طاعن؛ وعثر على مخطوطات كثيرة من عصر (جوستنيان) مكتوبة في اللغة اليونانية على الورق البردي، نشر قسماً منها العالمان الألمانيان (ميتس و (ويلكن سنة ١٩١٢ ونشر الأستاذ (جان ماسبيرو عدداً كبيراً من هذه المخطوطات المدونة على ورق البردي في مجموعة متحف القاهرة ' (سنة ١٩١٠ - ١٩١٤) بل إن المتاحف والمكاتب تحفظ أيضاً نسخاً مخطوطة أصلية لمجموعات قانونية سابقة لعهد (جوستنيان) كالمجموعة القانونية للإمبراطور (ثيودوسيوس وكتاب المتشرع (غايوس المعروف بالـ ومؤلفات أخرى، منها مؤلف معروف في القرن الرابع (ب. م) وعثر عليه في مكتبة الفاتيكان سنة ١٨٢٠
стр. 8924
ثم أن الفقه الروماني هذا قد عمل به بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية في روما، وبعد وفاة الإمبراطور جوستنيان، وبعد سقوط الإمبراطورية البيزنطية، وهذا أمر لم يختلف فيه العلماء المؤرحون. فبلاد فرنسا الجنوبية ظلت خاضعة لأحكام الفقه الروماني بصفة حقوق عرفية حتى قبيل الثورة الفرنسية. هذا عدا البلاد التي تأثرت كثيراً أو قليلاً بالحقوق الرومانية، كأيطاليا وألمانيا، حتى إنكلترا بلاد العرف والتقاليد. وقد بقي الفقه الروماني معمولاً به في عصرنا هذا في بلاد جنوبي إفريقية الخاضعة لأنكلترة
أما المناقضات التي وقع فيها السيد صالح العلوي نقلاً عن السيد العلوي الحضرمي، فأشير منها إلى ما جاء في السطر الثاني من الجانب الأول من الصفحة الـ (٧٨١) من الرسالة. فبعد أن قال أن الفقه الروماني (اختفى ثم اكتشف، ولم يظهر ويعمل به إلا في القرن الثاني عشر، وانه لم يكن معروفاً حتى عند الرومان أنفسهم قبل القرن الحادي عشر)؛ وقال في السطر (٢٢) من الصفحة نفسها: (أن دعوى اختفائه أكذوبة)، ثم ما لبث أن استند إلى قول العلامة (سافنيه): (إن القوانين الرومانية لم تختف لأنها ظلت معمولاً بها إلى اليوم من غير انقطاع)
أما وقد صح لدى السيد العلوي قول (سافنيه) هذا، فهو مضطر إلى الاعتراف إذن بان الفقه الروماني المعروف لدينا الآن، هو تلك (القوانين الرومانية التي لم تختف لأنها ظلت معمولاً بها إلى اليوم)، ومرغم على التسليم بان تلك القوانين الرومانية القديمة التي هي أقدم عهداً من الفقه الاسلامي، لم تختلق اختلاقاً ولم تلفق تلفيقاً من قبل العلماء الحديثين، ولم تؤخذ عن الفقه الإسلامي، خلافاً لما ادعى. ولا أدري كيف يورد قول سافنيه هذا ويؤيده، ثم يحاول، بعد القول المستشهد به بسطر واحد أن يأتي بأدلة على اقتباس القوانين الرومانية من الحقوق الإسلامية
قلنا انه لا يجوز مبدئياً طلب التدليل على أن الفقه الروماني الحديث هو نفس الفقه الروماني القديم لمجرد دعوى وحيدة في بابها. ثم إذا قبلنا لزوم التدليل، فما هي وسائل البينة؟
إن السيد الطنطاوي يتطلب (الأسانيد الصحيحة، الروايات المضبوطة)
إن البينات تختلف بحسب الأمور المراد إثباتها؛ فإذا كانت هذه الأمور غير مدونة بنفسها،
стр. 8925
كالحديث الشريف فلابد حينئذ من ذكر الأسانيد وسرد الروايات، وإقامة الدليل على صدق الرواة، إلى آخر ذلك مما هو معروف في أصول علم الحديث. أما إذا كان المراد إثباته مدوناً بنفسه، لم يعد مجال حينئذ إلى الأخذ بطريقة الرواية والإسناد، وصار لابد من التدليل عليه بنسخته الأصلية التي وضع بها، أو بالنسخة التي أخذت عن هذه. فالقرآن الكريم مثلاً، لما كان قد دون في العهد الذي نزل فيه، وجمعت صحفه المدونة في عهد الخليفة الأول، وانتقلت إلينا نسخ مخطوطة منه كتبت في عهد قريب من عهد نزوله، لم يلجأ إلى الرواية لإثبات صحته
وكذلك أيضاً شأن الشرع الروماني الذي دون وجمع في عهد جوستنيان، فهو لا يثبت بالروايات والأسانيد، ولكنه يثبت بنسخة المخطوطة القديمة التي هي من عصر جامعه ومصلحه جوستنيان. وهذه النسخ قد عثر عليها ولا تزال محفوظة؛ ولو لم يكن على الفرض، بأيدينا منها، إلا ما هو منذ القرون الوسطى، لوجب أيضاً إلا نشك في صحتها، لأن علماء تلك القرون المظلمة لم يكن لديهم من الكفاية والمقدرة العلمية ما يمكنهم من وضع حقوق راقية كالشرع الروماني، فالأولى ألا يشار الروايات والأسانيد في موضوع الحقوق الرومانية وغيرها من الحقوق التي دونت عند وضعها
هل بعد الوثائق الأثرية والنسخ المخطوطة القديمة حاجة لدليل على صحة؟ إن القوانين والأحكام الحقوقي الرومانية المعروفة في عهدنا هذا هي نفس القوانين والأحكام التي عرفها الرومان في القرن السادس الميلادي وقبله
قد يغضب صاحبا المقالين فيقولان إن النسخ المخطوطة القديمة نفسها مصطنعة لفقها الأوربيون؛ فإذا بلغت بهما الحماسة الدينية القومية هذا الحد من إنكار الحقائق العلمية التاريخية الراهنة لم يعد آنئذ مجال للبحث
ولكن هل يجوز لنا أن نتهم جميع علماء الغرب بلا استثناء بالتزوير؟ وما الذي يسوغ لنا ذلك؟ أولا نجد بينهم إناسا وضعوا الحقيقة في أعلى المنازل وجعلوها فوق كل شيء؟ ألا نرى بينهم عدداً غير قليل دافع عما يعتقد أنه الحقيقة مخاصماً بذلك رجال الدين، ومعادياً في هذا السبيل السلطان الجائر؟
ألم ينافح كثير من علماء المشرقيات عن ديننا الحنيف، ونبينا العربي، وحضارتنا
стр. 8926
الاسلامية، ومدنيتنا الشرقية، تجاه حملات المتعصبين من أبناء جلدتهم ودينهم؟
حسبنا أن نذكر على سبيل المثال أسماء الفرنسيين: (جوستاف لوبون) صاحب كتاب حضارة العرب و (وهوداس) و (منارسيه)، مترجمي صحيح البخاري للفرنسية، و (درمنغيهم) صاحب كتاب حياة (محمد)، و (ماسينيون) مدرس العلوم الاجتماعية الإسلامية في كلية فرنسا، وصاحب المؤلفات الكثيرة عن الإسلام، ومدير مجلة المباحث الإسلامية؛ ويكفينا أن ننوه بتلك الوقفة الشريفة التي وقفها هذا الأستاذ الأخير سنة ١٩٢٨ دفاعاً عن المدنية الإسلامية، ورده البليغ على المسيو (لويس برتران) الذي حمل على الإسلام والعرب في مقال نشرته في ذلك العام جريدة (الفيجارو) الباريسية
أيعقل ألا يوجد رجل واحد شريف منزه عن التزوير بين علماء أوربا من فرنسيين، وألمان، وإنكليز، ومجر، وإيطاليين وأسبان، وروس الخ.؟ فلو لم يوجد إلا عالم واحد صادق يقول الحق، لكان بلا ريب قد رفع صوته عالياً أمام هذه الفرية الفظيعة التي يتهم بها السيدان، الطنطاوي، والعلوي العالم في الغرب؛ ولكنا شهدنا قبل مقالي حضرتيهما حرباً قلمية دونها حرب البسوس، وخصاماً علمياً دونه خصام الملل والنحل، ودعاوى ذم وتزوير لا تجاريها دعاوى (آثار كلوزيل الحفرية. ونحن نعلم أن العلماء في أوروبا يتجادلون ويتناظرون في أمور نعدها فرعية وزهيدة
أضف إلى ذلك أن العلماء الاختصاصيين في الحقوق الرومانية ليسوا جميعاً من عرق لاتيني أو ثقافة لاتينية، بل هم من مختلف الأعراق والأمم؛ وثم علماء من الألمان هم جهابذة في الفقه الروماني، أمثال (سافيني و (ايهرينغ لا يمكن أن نتهمهم بتعصب للرومان، وقد ساروا جميعاً في ضوء الحقيقة التاريخية المقررة مطابقة الفقه الروماني المعروف في عصرنا للفقه الروماني القديم
لم يمنع العلماء الأوربيين عامة تفاخرهم بشرع الرومان الذي ورثوه من الإقرار باقتباس الرومان شيئاً غير يسير من شرائع الأمم الشرقية التي سلفتهم أو عاصرتهم مباشرة، أو عن طريق الإغريق، حتى أن عالماً عظيم القدر هو من أكابر الأثريين الأستاذ الفرنسي وضع كتاباً دلل فيه على اقتباس قسم عظيم من أحكام قانون (الأثني عشر لوحاً) الروماني، وهو اقدم قانون لدى الرومان من شريعة المصريين القدماء مورداً للنص الروماني والنص
стр. 8927
المصري، ومبيناً ما بينهما من شبه لا مراء فيه؛ وبهذه الطريقة العلمية، وبعد تنقيب وبحث مدة أعوام، عمد إلى إثبات دعوى الاقتباس والأخذ، لا بمجرد القول يثيره غرب الشباب
إن علماء يوجد بينهم أمثال (ريفيو)، وأمثال المستشرق الفرنسي (هوداس) الذي يقول: (إن القرآن ليحوي بصورة كامنة جميع ما يمكن أن يصل إليه العقل البشري من معارف) و (كولد زيهر) الذي يقول: (يجب على المرء إذا شاء أن يكون عادلاً إن يسلم بأن في نظريات الإسلام قوة فعالة متجهة نحو الخير، وبأن توافق هذه النظريات تستطيع أن تكون حياة لا تشوبها شائبة من الناحية الخلقية؛ فهي توجب الرحمة لمخلوقات الله جميعاً، وحسن النية في المعاملات، والمحبة والوفاء، وكبح غرائز الأثرة)، والبارون (كارادي فو) الذي يكتب صراحة عن ابن خلدون (انه لم يسبق قط لعقل من العقول أن يكون لديه فكرة في فلسفة التاريخ أكثر وضوحاً من فكرة ابن خلدون؛ وأن ابن خلدون هو سلف علمائنا الاجتماعيين الحديثين الخ). وعلماء آخرون هم في هذه المنزلة أو أسمى؛ إن علماء كهؤلاء لا يمكن أن يزوروا بداعي التعصب الديني شريعة يسمونها بالفقه الروماني ويقتبسونها عن الشرع الإسلامي؛ ولا يعقل أن يسكتوا أمام تزوير كهذا
ثم إن بين أحكام الحقوق الرومانية، وأحكام الشريعة الاسلامية، ولا سيما فيما له صلة بالأحوال الشخصية، وحقوق الأشياء (حق الملك وما يتفرع عنه) اختلافاً وتبايناً لا يدعان عدا الأدلة التي ذكرناها مجالاً للشك بأن دعوى اختلاق الفقه الروماني من قبل علماء حديثين اقتبسوه عن الفقه الإسلامي ضرب من الخيال
فأولى بشبابنا ألا يكونوا أسرى عواطفهم من تعصب للدين والقومية، وكره لأوربا والثقافة الغربية، فيسرفوا في القول حتى يجانبوا المنطق
إن لحقيقة فوق العاطفة والهوى، والعلم لا وطن له. ثم إن في دعاواهم الغربية وتهمهم الفظيعة، بنية خدمة الإسلام ما قد يضر بالإسلام ويسيء بثقافة المسلمين الظنون
محمد محسن البرازي
أستاذ في معهد الحقوق بالجامعة السورية
стр. 8928
في الإصلاح العلمي:
الأزهر بين الجامعية والمدرسية
بقلم محمد طه الحاجري
تسيطر على الدراسة العالية في مصر روحان، مازالتا تصطرعان وتنتضلان، كما يصطرع الحق والباطل، في عنف وقسوة حيناً، وفي هدوء وهينة حيناً آخر. إحداهما روح جامعية تقوم على تمثيل العلم في أصح صوره أدق معانيه، وتهذيب العقل في أوسع باحاته وأكمل مجاليه، وتربية الملكات العالية التي يقوم بها ذلك العالم الصغير، وتطلب الحقيقة في مختلف أشكالها، وبشتى وسائلها؛ والأخرى روح مدرسية تعتمد على قشور من العلم لا تغني عن العلم شيئاً، وتلقين لبعض الحقائق المقررة كأنها حقائق مطلقة، وإغفال لحرمة العقل والملكات والإنسانية لأن الأمر أهون من ذلك فيما يزعمون
والأولى روح مطلقة تأبى التقيد، بعيدة الأفق لا يكاد يحدها حد، إلا ما اقتضته طبيعة العلم واستلزمته أساليب التفكير الصحيح.
والأخرى لا حياة لها إلا في أثقال من القيود المرهقة، واسداد من الحدود الضيقة، توقف الفكر، وتبلد العقل، وتعطل المواهب، وتجعل من الرجل آلة طيعة، وكأننا منفعلاً لا فاعلاً.
ففرق ما بين الروح الجامعية والروح المدرسية، هو فرق ما بين الروح الفاعلة المختارة، والآلة المنفعلة المنقادة. تلك توجه العلم للعلم، وتطلب الحقيقة من أجل الحقيقة، وتقدر المسائل العلمية تقديراً ذاتياً، لا يخضع للهوى، ولا يتكيف بغاية معينة مرسومة، ليست من العلم ولا من الحق ولا من الحياة الفاضلة. وهذه جعلت العلم مركباً إلى العيش، ووسيلة إلى نوع من الحياة الدنيا، وآلة صماء لتهيئة غرض محدود وإصابة هدف معين، فوضعت له المناهج والرسوم، وثقل بالأصفاد والقيود، وأقيمت من حوله الاسداد والحدود، وحصن من أن تصل إليه شعاعة من أشعة الروح الجامعية النفاذة، فتثير فيه طبيعة الثورة على تلك اليد الثقيلة الباطشة
وتتنازع الروحان الهيمنة على العلم، ولكن الغلبة للروح الجامعية مهما أقيمت في وجهها الصعاب، واكتأدت سبيلها العقاب؛ ذلك أن قوتها من قوة العلم، والعلم قوي غلاب، لا يصده صاد ولا يغلبه غالب. والروح المدرسية روح مصطنعة، أوجدها الضعف، ودعمها
стр. 8929
الاستعمار، وقام من حولها دعاة الذلة والمسكنة يسندون ماوهي، ويرأبون ما تصدع، ويلونونها بألوان فاقعة تأخذ بأبصار الغفل السذج
هذا إلى أن الروح الجامعية روح عريقة في مصر تضرب إلى حدود بعيدة من تأريخنا العلمي، وتتمثل في ذلك التوثب الفكري المجيد الذي يبدو - في أروع مظهره - في ذلك التراث العلمي الذي خلفه أجدادنا من رجال الأزهر: جامعة العلم ومثابة العلماء مدة من القرون مديدة، جديرة أن تلبسنا ثوب الفخر، وتقوي في نفوسنا الاعتزاز بالروح الجامعية، وتبث فينا القوة على تعزيزها ودفع المعتدين عليها، دون أن تفرقنا في ذلك الأهواء المقيتة، وتوزعنا العصبيات الفارغة. بل كلنا أمام العلم والتاريخ جامعيون: نستمد من روحنا العلمية وتأريخنا الجامعي قوة على قوة وعزة فوق عزة، ونستمسك بجامعيتنا ونستعصم بها من عوامل الضعف أو التسفل، ومن منازعة أهواء الحياة، والتفريط في جانب العلم
فلست أذهب مذهب القائلين بأن الروح الجامعية في مصر وليدة الجامعة الأولى والثانية، أو أنها جاءت إلينا من أوربا مع العائدين إليها من المصريين، أو مع الأساتذة الأجانب القادمين أو المستقدمين؛ فلنا جامعيتنا الأصيلة المنبعثة عن أقدم الجامعات، ولنا تقاليدنا العلمية الصحيحة التي تشبع في أنفسنا الرغبة العلمية وترضي فيها العزة القومية، وتبعث فيها المضاء والحمية، وتعصمنا من مهاوي الروح المدرسية التي يتكاتف ربائب الاستعمار وأبواقه وأنصاره والمخدعون فيه والعمون عنه على تثبيت أقدامها، ونشر سمومها، وتزيينها في أعين الغفل الواقفين عند الظواهر، المفتونين عن الحقائق، في أسماء سمومها ما أنزل الله بها من سلطان: من النظام والجمال ومراعاة الزمن ومسايرة الحياة ومطالب العيش، وما إلى ذلك من العبارات الخادعة
وتلك هي الخدعة التي نخشى أبلغ الخشية وأعظمها أعتلاجاً في القلب أن يقع الأزهر في حبلتها، وأن يتردى في مهواتها. ونرجو أن لا يكون اندفاعه في سبيل الإصلاح والتجدد مغشياً على بصره أن يتنبه إليها، وألا تكون مسايرته لروح العصر صارفة له عن روح العلم وصبغته التي صبغ عليها، وإلا ينسيه جديده الذي يشتد عدواً في طلبه وتحقيقه عن تقاليده العلمية الأولى التي تفخر بها مصر والشرق العربي بله الأزهر نفسه
وأنه لحقيق بالأزهر في وقاره ورزانته، وزمامه بيد الأستاذ المراغي في بصره وحكمته،
стр. 8930
ألا يمنعه طلب الجديد من التمسك بتقاليده، وألا تخدعه مطالب الحياة عن روحه الجامعية التي قام عليها بناؤه، وارتفع بها مجده؛ ولعله لا يني في تعفية ما خلفه العهد المشئوم من آثار لتلك الروح المدرسية المشئومة، كانت هي القاضية عليه، لو طال بها الزمن فيه، في غفلة من هؤلاء وإغماض من أولئك، لولا لطف الله بنا ورحمته عليه
إنما ينبغي أن يكون أساس الإصلاح الأزهر هو الأخذ بأساليب البحث الحديثة، ومجاراة الرقي العلمي في مجالاته العليا، ومسايرة الحركة العلمية فيما يتصل بنواحي دراسته، والاتصال بالحياة العصرية اتصالاً نبيلاً يعينه على تأدية رسالته، إذ يهيئ له وسائل الإصلاح الاجتماعي، ويعبد له سبل الدعوة إلى الحق والفضيلة والدين، مع الاحتفاظ بتلك الروح الجامعية التي تأبى أن تتعبد لما دون العلم من المطالب الدنيا، وتلك الصوفية العلمية التي تفرض على صاحبها الفناء في العلم، والاندماج في الدرس، والترفع عن الدنيات. وللأزهر من ديمه في ذلك شواهد باهرة وآيات ظاهرة: فليس في ذلك القول ما يسوغ لقائل أن يرميه بأنه خيال شاعر أو حلم نائم
لا! بل تأريخ العلم كله، وسير العلماء الغابرين والمعاصرين، شاهد بأن الروح العلمية الخالصة التي ترفع العلم فوق كل اعتبار، وتذهب به إلى منزلة من التقديس عالية، هي وحدها التي ينبغي أن تسود جامعات الدرس ومعاهد البحث، وهي وحدها التي تخلع على صاحبها ثوب المجد، وترفعه إلى منزلة الخلود
فليس (تعصير) الأزهر أن ينزل به إلى تلك الدركة الدنيا من الحياة حيث يضطرب الناس ويتعايشون، وأن يعد أهله لمرافق الحياة وقضاء ضرورات العيش ليس غير، ليصير أحدهم معلم صبيان، أو مأذون قرية، أو إمام مسجد، أو واعضاً في مدينة. وتصبح تلك الجامعة الكبرى ولا هم لها أن تخرج لها إلا تخريج أولئك وتزويدهم بما لابد منه لأمثالهم! ويا ضيعة التأريخ المجيد إذن، ويا هوان الاسم الكبير الضخم، ويل السخرية من تلك الصفة الجامعية التي وسموا بها تلك المدرسة!
كم يمتلئ صدري أسى وحسرة حتى ليكاد قلبي أن يتفطر حين أشعر بذلك المصير الذي أخشى أن يهوى إليه الأزهر في سبيله إلى الإصلاح، ومسراه نحو التجديد، لولا أمل يغمر قلبي في حكمة الأستاذ الأكبر وبصيرته، وروحه الجامعية التي تتجلى في أحاديثه وخطبه،
следующие страницы →