Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.
стр. 8926
الاسلامية، ومدنيتنا الشرقية، تجاه حملات المتعصبين من أبناء جلدتهم ودينهم؟
حسبنا أن نذكر على سبيل المثال أسماء الفرنسيين: (جوستاف لوبون) صاحب كتاب حضارة العرب و (وهوداس) و (منارسيه)، مترجمي صحيح البخاري للفرنسية، و (درمنغيهم) صاحب كتاب حياة (محمد)، و (ماسينيون) مدرس العلوم الاجتماعية الإسلامية في كلية فرنسا، وصاحب المؤلفات الكثيرة عن الإسلام، ومدير مجلة المباحث الإسلامية؛ ويكفينا أن ننوه بتلك الوقفة الشريفة التي وقفها هذا الأستاذ الأخير سنة ١٩٢٨ دفاعاً عن المدنية الإسلامية، ورده البليغ على المسيو (لويس برتران) الذي حمل على الإسلام والعرب في مقال نشرته في ذلك العام جريدة (الفيجارو) الباريسية
أيعقل ألا يوجد رجل واحد شريف منزه عن التزوير بين علماء أوربا من فرنسيين، وألمان، وإنكليز، ومجر، وإيطاليين وأسبان، وروس الخ.؟ فلو لم يوجد إلا عالم واحد صادق يقول الحق، لكان بلا ريب قد رفع صوته عالياً أمام هذه الفرية الفظيعة التي يتهم بها السيدان، الطنطاوي، والعلوي العالم في الغرب؛ ولكنا شهدنا قبل مقالي حضرتيهما حرباً قلمية دونها حرب البسوس، وخصاماً علمياً دونه خصام الملل والنحل، ودعاوى ذم وتزوير لا تجاريها دعاوى (آثار كلوزيل الحفرية. ونحن نعلم أن العلماء في أوروبا يتجادلون ويتناظرون في أمور نعدها فرعية وزهيدة
أضف إلى ذلك أن العلماء الاختصاصيين في الحقوق الرومانية ليسوا جميعاً من عرق لاتيني أو ثقافة لاتينية، بل هم من مختلف الأعراق والأمم؛ وثم علماء من الألمان هم جهابذة في الفقه الروماني، أمثال (سافيني و (ايهرينغ لا يمكن أن نتهمهم بتعصب للرومان، وقد ساروا جميعاً في ضوء الحقيقة التاريخية المقررة مطابقة الفقه الروماني المعروف في عصرنا للفقه الروماني القديم
لم يمنع العلماء الأوربيين عامة تفاخرهم بشرع الرومان الذي ورثوه من الإقرار باقتباس الرومان شيئاً غير يسير من شرائع الأمم الشرقية التي سلفتهم أو عاصرتهم مباشرة، أو عن طريق الإغريق، حتى أن عالماً عظيم القدر هو من أكابر الأثريين الأستاذ الفرنسي وضع كتاباً دلل فيه على اقتباس قسم عظيم من أحكام قانون (الأثني عشر لوحاً) الروماني، وهو اقدم قانون لدى الرومان من شريعة المصريين القدماء مورداً للنص الروماني والنص
стр. 8927
المصري، ومبيناً ما بينهما من شبه لا مراء فيه؛ وبهذه الطريقة العلمية، وبعد تنقيب وبحث مدة أعوام، عمد إلى إثبات دعوى الاقتباس والأخذ، لا بمجرد القول يثيره غرب الشباب
إن علماء يوجد بينهم أمثال (ريفيو)، وأمثال المستشرق الفرنسي (هوداس) الذي يقول: (إن القرآن ليحوي بصورة كامنة جميع ما يمكن أن يصل إليه العقل البشري من معارف) و (كولد زيهر) الذي يقول: (يجب على المرء إذا شاء أن يكون عادلاً إن يسلم بأن في نظريات الإسلام قوة فعالة متجهة نحو الخير، وبأن توافق هذه النظريات تستطيع أن تكون حياة لا تشوبها شائبة من الناحية الخلقية؛ فهي توجب الرحمة لمخلوقات الله جميعاً، وحسن النية في المعاملات، والمحبة والوفاء، وكبح غرائز الأثرة)، والبارون (كارادي فو) الذي يكتب صراحة عن ابن خلدون (انه لم يسبق قط لعقل من العقول أن يكون لديه فكرة في فلسفة التاريخ أكثر وضوحاً من فكرة ابن خلدون؛ وأن ابن خلدون هو سلف علمائنا الاجتماعيين الحديثين الخ). وعلماء آخرون هم في هذه المنزلة أو أسمى؛ إن علماء كهؤلاء لا يمكن أن يزوروا بداعي التعصب الديني شريعة يسمونها بالفقه الروماني ويقتبسونها عن الشرع الإسلامي؛ ولا يعقل أن يسكتوا أمام تزوير كهذا
ثم إن بين أحكام الحقوق الرومانية، وأحكام الشريعة الاسلامية، ولا سيما فيما له صلة بالأحوال الشخصية، وحقوق الأشياء (حق الملك وما يتفرع عنه) اختلافاً وتبايناً لا يدعان عدا الأدلة التي ذكرناها مجالاً للشك بأن دعوى اختلاق الفقه الروماني من قبل علماء حديثين اقتبسوه عن الفقه الإسلامي ضرب من الخيال
فأولى بشبابنا ألا يكونوا أسرى عواطفهم من تعصب للدين والقومية، وكره لأوربا والثقافة الغربية، فيسرفوا في القول حتى يجانبوا المنطق
إن لحقيقة فوق العاطفة والهوى، والعلم لا وطن له. ثم إن في دعاواهم الغربية وتهمهم الفظيعة، بنية خدمة الإسلام ما قد يضر بالإسلام ويسيء بثقافة المسلمين الظنون
محمد محسن البرازي
أستاذ في معهد الحقوق بالجامعة السورية
стр. 8928
في الإصلاح العلمي:
الأزهر بين الجامعية والمدرسية
بقلم محمد طه الحاجري
تسيطر على الدراسة العالية في مصر روحان، مازالتا تصطرعان وتنتضلان، كما يصطرع الحق والباطل، في عنف وقسوة حيناً، وفي هدوء وهينة حيناً آخر. إحداهما روح جامعية تقوم على تمثيل العلم في أصح صوره أدق معانيه، وتهذيب العقل في أوسع باحاته وأكمل مجاليه، وتربية الملكات العالية التي يقوم بها ذلك العالم الصغير، وتطلب الحقيقة في مختلف أشكالها، وبشتى وسائلها؛ والأخرى روح مدرسية تعتمد على قشور من العلم لا تغني عن العلم شيئاً، وتلقين لبعض الحقائق المقررة كأنها حقائق مطلقة، وإغفال لحرمة العقل والملكات والإنسانية لأن الأمر أهون من ذلك فيما يزعمون
والأولى روح مطلقة تأبى التقيد، بعيدة الأفق لا يكاد يحدها حد، إلا ما اقتضته طبيعة العلم واستلزمته أساليب التفكير الصحيح.
والأخرى لا حياة لها إلا في أثقال من القيود المرهقة، واسداد من الحدود الضيقة، توقف الفكر، وتبلد العقل، وتعطل المواهب، وتجعل من الرجل آلة طيعة، وكأننا منفعلاً لا فاعلاً.
ففرق ما بين الروح الجامعية والروح المدرسية، هو فرق ما بين الروح الفاعلة المختارة، والآلة المنفعلة المنقادة. تلك توجه العلم للعلم، وتطلب الحقيقة من أجل الحقيقة، وتقدر المسائل العلمية تقديراً ذاتياً، لا يخضع للهوى، ولا يتكيف بغاية معينة مرسومة، ليست من العلم ولا من الحق ولا من الحياة الفاضلة. وهذه جعلت العلم مركباً إلى العيش، ووسيلة إلى نوع من الحياة الدنيا، وآلة صماء لتهيئة غرض محدود وإصابة هدف معين، فوضعت له المناهج والرسوم، وثقل بالأصفاد والقيود، وأقيمت من حوله الاسداد والحدود، وحصن من أن تصل إليه شعاعة من أشعة الروح الجامعية النفاذة، فتثير فيه طبيعة الثورة على تلك اليد الثقيلة الباطشة
وتتنازع الروحان الهيمنة على العلم، ولكن الغلبة للروح الجامعية مهما أقيمت في وجهها الصعاب، واكتأدت سبيلها العقاب؛ ذلك أن قوتها من قوة العلم، والعلم قوي غلاب، لا يصده صاد ولا يغلبه غالب. والروح المدرسية روح مصطنعة، أوجدها الضعف، ودعمها
стр. 8929
الاستعمار، وقام من حولها دعاة الذلة والمسكنة يسندون ماوهي، ويرأبون ما تصدع، ويلونونها بألوان فاقعة تأخذ بأبصار الغفل السذج
هذا إلى أن الروح الجامعية روح عريقة في مصر تضرب إلى حدود بعيدة من تأريخنا العلمي، وتتمثل في ذلك التوثب الفكري المجيد الذي يبدو - في أروع مظهره - في ذلك التراث العلمي الذي خلفه أجدادنا من رجال الأزهر: جامعة العلم ومثابة العلماء مدة من القرون مديدة، جديرة أن تلبسنا ثوب الفخر، وتقوي في نفوسنا الاعتزاز بالروح الجامعية، وتبث فينا القوة على تعزيزها ودفع المعتدين عليها، دون أن تفرقنا في ذلك الأهواء المقيتة، وتوزعنا العصبيات الفارغة. بل كلنا أمام العلم والتاريخ جامعيون: نستمد من روحنا العلمية وتأريخنا الجامعي قوة على قوة وعزة فوق عزة، ونستمسك بجامعيتنا ونستعصم بها من عوامل الضعف أو التسفل، ومن منازعة أهواء الحياة، والتفريط في جانب العلم
فلست أذهب مذهب القائلين بأن الروح الجامعية في مصر وليدة الجامعة الأولى والثانية، أو أنها جاءت إلينا من أوربا مع العائدين إليها من المصريين، أو مع الأساتذة الأجانب القادمين أو المستقدمين؛ فلنا جامعيتنا الأصيلة المنبعثة عن أقدم الجامعات، ولنا تقاليدنا العلمية الصحيحة التي تشبع في أنفسنا الرغبة العلمية وترضي فيها العزة القومية، وتبعث فيها المضاء والحمية، وتعصمنا من مهاوي الروح المدرسية التي يتكاتف ربائب الاستعمار وأبواقه وأنصاره والمخدعون فيه والعمون عنه على تثبيت أقدامها، ونشر سمومها، وتزيينها في أعين الغفل الواقفين عند الظواهر، المفتونين عن الحقائق، في أسماء سمومها ما أنزل الله بها من سلطان: من النظام والجمال ومراعاة الزمن ومسايرة الحياة ومطالب العيش، وما إلى ذلك من العبارات الخادعة
وتلك هي الخدعة التي نخشى أبلغ الخشية وأعظمها أعتلاجاً في القلب أن يقع الأزهر في حبلتها، وأن يتردى في مهواتها. ونرجو أن لا يكون اندفاعه في سبيل الإصلاح والتجدد مغشياً على بصره أن يتنبه إليها، وألا تكون مسايرته لروح العصر صارفة له عن روح العلم وصبغته التي صبغ عليها، وإلا ينسيه جديده الذي يشتد عدواً في طلبه وتحقيقه عن تقاليده العلمية الأولى التي تفخر بها مصر والشرق العربي بله الأزهر نفسه
وأنه لحقيق بالأزهر في وقاره ورزانته، وزمامه بيد الأستاذ المراغي في بصره وحكمته،
стр. 8930
ألا يمنعه طلب الجديد من التمسك بتقاليده، وألا تخدعه مطالب الحياة عن روحه الجامعية التي قام عليها بناؤه، وارتفع بها مجده؛ ولعله لا يني في تعفية ما خلفه العهد المشئوم من آثار لتلك الروح المدرسية المشئومة، كانت هي القاضية عليه، لو طال بها الزمن فيه، في غفلة من هؤلاء وإغماض من أولئك، لولا لطف الله بنا ورحمته عليه
إنما ينبغي أن يكون أساس الإصلاح الأزهر هو الأخذ بأساليب البحث الحديثة، ومجاراة الرقي العلمي في مجالاته العليا، ومسايرة الحركة العلمية فيما يتصل بنواحي دراسته، والاتصال بالحياة العصرية اتصالاً نبيلاً يعينه على تأدية رسالته، إذ يهيئ له وسائل الإصلاح الاجتماعي، ويعبد له سبل الدعوة إلى الحق والفضيلة والدين، مع الاحتفاظ بتلك الروح الجامعية التي تأبى أن تتعبد لما دون العلم من المطالب الدنيا، وتلك الصوفية العلمية التي تفرض على صاحبها الفناء في العلم، والاندماج في الدرس، والترفع عن الدنيات. وللأزهر من ديمه في ذلك شواهد باهرة وآيات ظاهرة: فليس في ذلك القول ما يسوغ لقائل أن يرميه بأنه خيال شاعر أو حلم نائم
لا! بل تأريخ العلم كله، وسير العلماء الغابرين والمعاصرين، شاهد بأن الروح العلمية الخالصة التي ترفع العلم فوق كل اعتبار، وتذهب به إلى منزلة من التقديس عالية، هي وحدها التي ينبغي أن تسود جامعات الدرس ومعاهد البحث، وهي وحدها التي تخلع على صاحبها ثوب المجد، وترفعه إلى منزلة الخلود
فليس (تعصير) الأزهر أن ينزل به إلى تلك الدركة الدنيا من الحياة حيث يضطرب الناس ويتعايشون، وأن يعد أهله لمرافق الحياة وقضاء ضرورات العيش ليس غير، ليصير أحدهم معلم صبيان، أو مأذون قرية، أو إمام مسجد، أو واعضاً في مدينة. وتصبح تلك الجامعة الكبرى ولا هم لها أن تخرج لها إلا تخريج أولئك وتزويدهم بما لابد منه لأمثالهم! ويا ضيعة التأريخ المجيد إذن، ويا هوان الاسم الكبير الضخم، ويل السخرية من تلك الصفة الجامعية التي وسموا بها تلك المدرسة!
كم يمتلئ صدري أسى وحسرة حتى ليكاد قلبي أن يتفطر حين أشعر بذلك المصير الذي أخشى أن يهوى إليه الأزهر في سبيله إلى الإصلاح، ومسراه نحو التجديد، لولا أمل يغمر قلبي في حكمة الأستاذ الأكبر وبصيرته، وروحه الجامعية التي تتجلى في أحاديثه وخطبه،
стр. 8931
وفي أنه يترسم الأستاذ الإمام (قدس الله سره) في خطواته الإصلاحية، ومراميه العلمية
إن الضعف النفسي هو الثغرة التي تنفذ منها الروح المدرسية إلى الأزهر. فما اكثر ما تضيق النفوس بالكمال، وتنوء بتكاليف المثل الأعلى. ولكن الأمر في الإصلاح العلمي يجب ألا ينزل على حكم الضعف، فأن العلم يتطلب بطبيعته القوة المتحكمة، والعزيمة المصممة، كما يجب أن يسمو المصلح فوق الأهواء فلا يداهن فيها، وفوق شهوات النفوس فلا يتألف عليها أو يتملقها
أنا لا أقول إن (العلم زبال) كما كان يقال في الأزهر، فقد تطورت الحياة الاجتماعية تطوراً لا يسيغ ذلك القول؛ ولا أقول إن العالم يجب أن يعيش في صومعة يتابع فيها دراسته، ويوالي فيها تأملاته؛ أو يقنع بالدون من العيش في مقابل طموحه العلمي، فهذا ما لا سبيل إليه مطلقاً؛ ولكني أقول يجب ألا يكون العيش غاية العلم، فأنه متى صار أداة لمرافق الحياة وجب أن يتكيف بما تقتضيه، لا بما يقتضيه البحث العلمي والحقيقة المنشودة. وأي مسخ للعلم وتحويل له عن سبيله أشنع من هذا؟ وأني أعيذ بالأزهر - وله من ماضيه المجيد معاذ ومستعصم - أن يحقر تأريخه، وينكر ماضيه، ويكون صاحب هذه الجناية. ثم لعله مع هذا لا يوفق في تهيئة الترف والرفاهية والحياة الكريمة لرجاله، ويالها من عثرة!
وما أحقه إذن بقول الله جل شأنه: خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين
على أن الحياة لا تضن على الرجل الكريم الذي يبذل نفسه في سبيل العلم بما يضمن له راحة البال، وهدوء الضمير، وكرامة النفس، ومتاع العيش. ومن فوق ذلك كله ما يستشعره من سعادة لا تعد لها سعادة في كل لحظة من لحظات حياته العلمية الموفقة
ولقد أحس بأن الناس بدأوا يمجون ذلك الصنف من المعاهد التي تهيمن على الروح المدرسية. وبدأت الحياة تلفظ هؤلاء الذين أنطبعوا بطابع تلك الروح، فصاروا بالآلات التي تملأ لتفرغ أشبه منهم بالأحياء الذين حيويتهم دائبة على الخلق والإبداع. ولئن لم يتجل هذا المظهر اليوم تجلياً قاطعاً يمتلخ الشبهة، فأن الحياة صائرة إليه، ما من ذلك بد؛ وبين أيدينا مقدماته جلية
فليعرف الأزهر ذلك وليتدبره تدبر الحكيم البصير، ولا يصرفنه المتاع العاجل عن العاقبة القريبة، وعن حسن تفهم الأمور على وجهها الصحيح، وعن النظر في منطق الحياة الذي
стр. 8932
لا يختلف؛ ولا تغرنه الحياة الدنيا عن الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل
محمد طه الحاجري
بكلية الآداب
стр. 8933
الجو في القصة
بقلم محمود عزت مرسي
قبل أن استعرض بعض مسائل هذا البحث، نتقدم بسؤال صغير: هل يخلق جو القصة قبل تكوين القصة ذاتها، أي قبل الإلمام التام بكل أوضاعها وشخصياتها وحوادثها؟ أن الإجابة على هذا السؤال قد تبدو مربكة، كثيرة الشعاب، والواقع غير هذا، فان أول ما يجب أن نفهمه أن الجو هو الذي (يؤدي) أو هو الذي يساعد على تأدية عملية الخلق في الرواية أو القصة، ومعنى هذا أن القصة لا يمكن أن تخلق أو تتكون أجزاؤها بعضها إلى بعض، كما لا يمكن أن تمر على أدوار التكوين حتى تصب في قالبها الأخير قبل أن يسبق هذا وجود الجو الذي تقع فيه هذه العمليات، إذ أن القصة كأي شيء حي يحتاج إلى الجو الذي يؤهل له عملية الظهور في الحياة والنمو والاكتمال
ذكرت (آنا جريجو فنا) في مذكراتها عن زوجها فيدرو دوستويفسكي القصصي الروسي الخالد أنه لما كان في سويسرا، كان كثير الاضطراب والملل والسأم، وأنه لم يألف سويسرا ولا أهلها كثيراً، بل كان كثير التحنان إلى روسيا دائم الشوق إليها. وقد بدا هذا ظاهراً في رسائله التي كان يبعث بها إلى بعض خلصائه في روسيا، وقد كان دوستويفسكي في تلك الآونة التي قضاها في سويسرا يعاني ضيقاً ماليا خانقاً، وكانت الديون التي الزم نفسه أدائها بعدى وفاة أخيه ميشيل تجعله يرى في سويسرا مأمناً لو كان رجلاً يلوذ بالفرار من المسئوليات والدائنين الذين ينتظرون عودته إلى البلاد لمطالبته بسداد ديونهم أو زجه في سجن المدنيين حتى يوفي دينه. . لكن هذا الرجل العظيم لم يغفل قط يوماً أثناء إقامته في سويسرا إلى الحنين إلى روسيا حتى أتيح له ذلك بعد سنوات. فلم يكد يصل إلى وطنه حتى أحس بأن الحياة قد عادت تدب في عروقه قوية مشبوبة. . مع أن وفود الدائنين لم تكن لتنقطع عن زيارة بيته على أثر وصله!
كتب دستويفسكي في بعض رسائله (أنني احتاج إلى الجو الروسي حتى أستطيع أن اكتب كما أريد) وهذه العبارة الدقيقة تكاد تحل بنفسها موضوع هذا البحث. فان هذا القصصي على الرغم من انه عاش في روسيا طوال حياته إلا سنوات قليلة قضاها في الخارج، ومع انه استطاع أن يختزن في ذاكرته وقلبه وعقله الباطن كل الاحساسات والحوادث، وأن
стр. 8934
يخلق الجو الروسي في كافة رواياته التي آلفها في سويسرا كنتيجة للاعتبارات السابقة، إلا انه مع هذا كله خشي أن هو ابتعد طويلاً عن وطنه أن يخف ويتضاءل مقدار الجو الذي اختزنه في حياته الماضية، وشعر بحاجته - على حد التعبير الأدبي - إلى أوكسجين روسي يملأ رئتيه. لأنه أستشعر بأنه مهما استنهض كل الذكريات في خلق الجو فأنه في حاجة إلى أن يكون دائماً في ذلك الجو ليطمئن على فنه من أن يختلط بأجواء أخرى فيفسد وتضعف روعته. أو تشيع فيه الفوضى والاضطراب
إن الفنان العظيم لابد أن يكون له جو خاص، هذا الجو هو ذوب مواهبه، هو العالم الذي يضع فيه افكاره، ويخلق بين جنباته أعماله الفنية؛ فإذا رأينا رجلاً مثل دستويفسكي يحتاج إلى جو روسيا لتكوين إعماله الأدبية، فهو يعطي لهذا الجو شكلاً ولوناً ورائحة تختلف عن غيره من سائر القصصيين الروسيين وإن اتفقوا جميعاً في شيء واحد، وهو الجو العام لبلادهم، إلا أن لكل منهم جوه الخاص. ومن هذه النقطة تتفاوت أقدار الفنانين تبعاً لقدرة كل منهم وسمو فنه وحذقه عن الآخرين
والقصصي الذي لا تلمح في عمله جواً خاصاً به، ولا تحس بهذا الجو أو وجوده، أو ترى جوه خليطاً من تأثرت شتى؛ هذا القصصي لا يمكن أن يكون قصصياً صحيحاً. لأن التركيز ينقصه، بل هو قصصي (اكتسب) فن القصة اكتساباً، والتقط موهبته الفنية من مواهب الكثيرين، واستلب من كل الأجواء الأدبية التي عاش فيها شيئاً، ليعيش لحظات على التقليد أو المحاكاة. وهذا الفنان تبدو حياته الفنية مهددة دائماً بالموت والانتهاء، لأنه شائع بين كافة الفنانين، لا شخصية له بينهم
إن أهمية وجود الجو في القصة لا حد لها. فأن هذا الجو هو الذي تخلق فيه الشخصيات والحوادث، وكلما كان القصصي أو المصور، أو الموسيقي، أو الشاعر، مؤمناً بالجو الذي يعيش فيه ارتفع فنه إلى الذروة، واستطاع أن يبرع في إيضاح عمله الفني
قد تكون القصة - في موضوعها - بسيطة لا شذوذ في حوادثها، ولا مؤثرات مفتعلة كما نرى في القصص الرخيص، ومع هذا فأن القصصي يستطيع أن يسمو بالحادثة الصغيرة إلى أوج الفن القصصي؛ وذلك لان طريقة العرض والتقديم والجو الذي تنطلق فيه القصة هي التي تحيا بها القصة. ومن هنا فقط نستطيع أن نقارن ونفاضل بين القصصيين، فأن
стр. 8935
القصصي لا يمتاز عن غيره بكثرة الأغراب في الحوادث، بل هو يمتاز بجوه، هذا الجو الذي تحيا فيه شخصيات قصصه؛ حتى ليشعر القارئ بأنه يعيش في مع تلك الشخصيات، وبهذا يحس القارئ أنه أمام عمل فني مجيد، جدير بالتأمل العميق، لا يمكن أن يذهب أو يضمحل بعد قليل كما تذهب صور الحوادث التي يقرأها الإنسان في الصحف، والتي يعتقد بعض الناس - خطأ - أن هذه الحوادث من القصص، وهذه الحوادث في المعنى الفني أحط أنواع القصة وأكثرها تفاهة
ولنقرب هذا، نقول أن كثيرين يسجنون مثلاً، فإذا خرج أحدهم من السجن وأحببت أن يورد لك شيئاً عما رآه وأحسه في المدة التي أمضاها في السجن اقتصر على ذكر الحوادث، وهذا شيء عادي يمكن لكل إنسان أن يفعله؛ بينما لا يعمد إلى ذلك الفنان الذي يعيش في جو السجن، فهو يرى الحوادث التي وقعت له في السجن في المكانة الثانية. أي أن جو السجن ساعد مواهبه على أن يكون شخصاً إيجابياً لخلق الاحساسات والتأملات والأفكار، بعد أن انعكست عليه حوادث السجن المختلفة، فأخرجها على النحو الذي أحس به، وهذه هي شخصية الفنان. إذ أن الحادثة تمر به فلا تعبر بسيطة كما تعبر بسائر الناس، ويرى المنظر، فلا يراه كما يراه غيره بصورته الظاهرة؛ بل يراه بعينه الفنية التي تنفذ إلى أبعاد شتى لا يمكن أن تخطر على ذهن عادي، أو تتلفت شعوره
إن ثقافة الفنان وسعة اطلاعه لا تكفيان لكي يكون القصصي كاتباً مجيداً، يستطيع أن يخلق الجو القصصي؛ وقد يبرع القصصي في تكوين القصة من كل جوانبها، ولكنه يفشل فشلاً تاماً في إيجاد الجو، ولنضرب المثل على هذا نقول: إن الأغاني الريفية تحس فيها حرارة الإيمان بالبيئة، وهي على الرغم من صراحتها وخلوها من الزخارف الكثيرة التي تفسد طبيعة الأغاني وتباعد بينها وبين الحقائق، وقربها من الطبيعة وتعبيرها المبين عن مشاعر إنسانية مأخوذة من البيئة هي في قيمتها الفنية أسمى من الأغاني التي لا تعتمد على الجو، بل تعتمد على اللامعان في التأثير بذكر الهجر، والوصال، والدموع، وما إلى ذلك من العواطف التي يمكن حشدها في كل أغنية في أي إقليم. وقد تكون الأغنية الأخيرة في تجويدها ورقتها وزخارفها، أحسن من الأولى صنعاً، إلا أنها مفقودة الطابع
وعلى هذا الوضع نقول بأن (الجو) لا يمكن أن يخلق عند الفنان إلا إذا كان مؤمناً كل
стр. 8936
الأيمان بالبيئة، وحقيقة الفن الذي يعالجه. . . .
محمود عزت موسى
стр. 8937
للتاريخ
الرافعي
بقلم تلميذه وصديقه الأستاذ محمد سعيد العريان
(بيان كأنه تنزيل من التنزيل، أو قبس من نور الذكر الحكيم) سعد زغلول
بيني وبين الأستاذ مصطفى صادق الرافعي عهد وذمة، وله علي حرمة المعلم والأب والصديق؛ أفترى كل أولئك يمنحني الحق أن أكتب عنه كما عرفته، وأخذت عنه، واستمعت إليه، واستمتعت بفنه وأدبه ومجلسه؛ أم تراه سيغضب إذ يراني أتناول حياته وأدبه فأنشر منهما على الناس، ثم لا أنبئه بما اعتزمت إلا حين تنبئه الصحائف المنشورة، على حين أجالسه كل مساء. . . .؟
وإني لحريص على رضاه، وما أعلم أنه يغضبه أن يحسن رأيي فيه أو يسوء؛ فانه ليعلم علمي أن ذلك حق الأدب، لا يمنع منه تفاوت المنازل أو تداني الرتب، ولا يؤثر فيه حق المعلم والأب والصديق، بل لعله إذ يغضب أن يكون غضبه من أنه يؤثر العيش في عزلته التي رضيها لنفسه، بعيداً من ضوضاء الحياة وصخب الناس، منعزلاً في (طنطا) الحبيبة إليه، عن مجالي الأدب ومزدحم المتأدبين في (القاهرة)
على أني إلى ذلك لا أستطيع أن أرد طلبة للأستاذ الزيات، وهو قد طلب إلي أن أكتب هذا الفصل عن الرافعي، على علم منزلته عندي ومنزلتي عنده؛ أفتشفع لي هذه المعذرة عند الأستاذ الرافعي أم سيشفع لي الأستاذ الزيات. .؟
تمهيد
سمعت اسم الرافعي لأول مرة مقترنا إلى نشيده الخالد: (اسلمي يا مصر. . .) في حفل حاشد بطنطا؛ وكان لاسمه يومئذ في أذني رنين عذل، امتزج بأنغام ذلك النشيد، وتألف لي منهما لحن علويٌّ ساحر، فيه جمال وعذوبة، وفيه اعتزام وقوة. على أني لم أكن أعرف يومئذ أهو الرافعي صاحب (الأخبار)، أم رافعي آخر، تجمع بينهما وحدة اللقب وشرعة الوطنية
ومضت سنوات، وشدوت من العلم ما شدوت، وإذا صديق يدفع إلى كتاب (رسائل
стр. 8938
الأحزان)
كنت يومئذ في بكرة الشباب، في تلك السن التي تدفع الفتى إلى الحياة بعينين مغمضتين، وفكر حالم، ورأس يزدحم بالأماني؛ وقلب مملوء بالثقة؛ ثم لا يكاد يفتح عينيه على حقائق هذا الوجود، حتى يعرف أن دنيه من دنيا الناس، ويحس الفرق بين علام قلبه وعالم حسه، وتسخر منه الدنيا سخريتها الأليمة؛ فيلجأ إلى وحدته الصامتة يذرف دمع عينيه ودمع قلبه، فلا يطرب إلا لأنغام الحزن، ولا يسري عنه إلا رسائل الأحزان. . .!
واستهواني عنوان الكتاب، فتناولته اقلب صفحاته، لا أكاد أفهم جملة إلى جملة. . حتى انتهيت إلى قصيدته (حيلة مرآتها) فإذا شعر عذب يخالط النفس، وينفذ في رفق إلى القلب؛ وإذا أنا أعيدها مرة ومرة، فلا أدع الكتاب حتى أستظهر القصيدة. وحبب إلي هذا الشعر الساحر أن أعود إلى الكتاب فأقرأه في روية ومهل لعلني أن استدرك ما فاتني من معانيه؛ وأدخر لنفسي قوة من سحر بيانه، وصدق عواطفه؛ وعدت إليه أقرؤه قراءة الشعر، أفهمه بفكري وشعوري، وأنظر فيه بعيني وقلبي؛ فإذا الكتاب يكشف لي عن معناه. .
وأحببت الرافعي من يومئذ، فرحت أتتبع آثاره في الصحف والكتب، لا يفوتني منها شيء. وأشهد، لقد كنت اجهد جهداً شديداً في فهم كتابة الرافعي؛ لأني لم يكن لي عهد بمثلها فيما أقرأ، وما كنت أقرأ من قبل إلا لإزجاء الفراغ، التمسه في ذلك النوع الهين من أدب القصص والصحف؛ على أنني كنت إلى جانب ذلك أحب الشعر، أقرؤه فأفهم ما أقرأ، فكان لي من ذلك ما أعنني على فهم الرافعي، ثم الإعجاب به من بعد، ثم ألا يعجبني إلا مثل ما يكتب. . .
صلتي بالرافعي:
كنت اعرفه واسمع عنه، على حين لا يعرفني ولا يسمع بي، وليس عجيباً؛ وكنت ألقاه في الطريق منطلقاً إلى غرض، يهز في يمناه العصا، ويتأبط بيسراه عديداً من الصحف والمجلات والكتب، واسع الخطو لا يتمهل، ماشياً على حيد الطريق لا يميل، ناظراً إلى الأمام لا يتلفت إلا حين يهم باجتياز الشارع؛ فإذا ألقيت إليه تحية، رفع يمناه بالعصا إلى رأسه من غير أن ينظر يمنة أو يسرة أو تضيق خطاه؛ وكنت أرى ذلك فأحسبه نوعاً من الكبر وأرستقراطية العلماء، فباعد ذلك بيني وبينه إلى حين. . .
стр. 8939
ففي خريف سنة ١٩٣٢ اجتمع بطنطا طائفة من الشباب على تأليف رابطة أدبية باسم (جماعة الثقافة الإسلامية)، تقوم أغراضها على العناية بشؤون الأدب والاجتماع، والعمل على أحياء مجد العرب والإسلام. وتذاكر المجتمعون فيمن يمكن أن ينضم إلى الجماعة من أهل الرأي لتقوى به على تنفيذ أغراضها، فكان اسم الرافعي أول هذه الأسماء
وذهبت إليه عن أمر الجماعة في وفد ثلاثة، فلقينا الرجل مرحباً مبتسماً وقادنا إلى (دار كتبه)، ثم جلس وجلسنا؛ وفي تلك الغرفة التي تتنزل فيها عليه الحكمة ويلقى الوحي، جلسنا إليه ساعة يجاذبنا ونجاذبه الحديث ما نكاد نشعر أن الزمن يمر
كان جالساً خلف مكتب تكاد تكون اكتب من فوقه تحجبه عن عيني محدثه؛ وعن يمينه وشماله مناضد قد ازدحمت عليها الكتب في غير ترتيب ولا نظام، تطل من بين صفحاتها المطوية قصاصات تنبئك أن قارئها لم يفرغ منها بعد، أو أن له وقفة عند هذا الموضع من الكتاب سيعود إليها؛ وعلى حيطان الغرفة أصونة الكتب المتراصة، لا يبدو من خلفها لون الجدار. . .
ومضى يتحدث إلينا حديث المعلم، وحديث الأب، وحديث الصديق؛ فما شئت من حكمة، وما أكبرت من عطف، وما استعذبت من فكاهة؛ وللرافعي فكاهة رائقة يخترعها لوقتها لا تملك معها إلا أن تضحك وتدع التوقر المصنوع؛ على أن له في فكاهته مذاهب عقلية بديعة، تحس فيها روحه الشاعرة، وفنه البكر، وحكمته المتزنه، وسخريته اللاذعة؛ ويكاد يكون كثير من مقالات الرافعي برهاناً على ذلك، فقلما تخلو إحداها من دعابة طريفة أو نكتة مبتكرة
وطال بنا المجلس وخشينا أن نكون قد أثقلنا عليه فهممنا بالانصراف، وإذا هو يطلب إلينا البقاء، ويلح علينا في تكرار الزيارة، ويكشف لنا عن سروره بألا نغب مجلسه، وعرفت الرافعي عرفاً تاماً من يومئذ فلزمته، وعرفني هو أيضاً فأصفاني عطفه ومودته
اختبار!
وجلست إليه في الزورة الثانية وبين يديه صحفه وكتبه، فدفع إلي صحيفة يومية كان منشوراً فيها يومئذ قصيدة لشاعر كبير، وطلب إلي رأيي في القصيدة. لم أتنبه ساعتئذ إلى غرضه، وحسبته يقصد إلى أن يشاركني في لذة عقلية أحسها في هذا الشعر؛ فتناولت
стр. 8940
الصحيفة وقرأت القصيدة، ثم دفعتها إليه وقد أشرت بالقلم إلى عيون أبياتها ورأيي فيها، وتناولها مني ليرى اختياري، فما عرفت إلا وقتئذ أنه كان يختبرني؛ ولكني - والحمد لله - نجحت في الامتحان قدراً من النجاح. . .!
وتكرر هذا الاختبار مرات وهو لا يحسبني أدرك ما يعني، على أن إدراكي هذا قد جعلني من بعد أكثر تدقيقاً في اختيار الحسن مما أقرأ. وأولاني ثقته على الأيام، فكان علي من بعد أن أقرأ أكثر ما يهدي إليه من الكتب، لأشير له إلى المواضع التي يصح أن يقرأها منها، وأدع ما لا جدوى عليه من قراءته ضناً بوقته؛ وكنت أنا أكثر ربحاً بذاك. . .
الشيخ الرافعي. . . .
كثير من الذين يقرأون للرافعي ويعجبون به، لا يعرفون عنه إلا هذا الأدب الحي الذي يقرأون؛ بل أن اكثر هؤلاء القراء ليتخيلونه شيخاً معتجر العمامة، مطلق العذبة، مسترسل اللحية، مما يقرأون له من بحوث في الدين، وآراء في التصوف، وحرص على تراث السلف، وفطنة في فهم القرآن، مما لا يدركه إلا الشيوخ، بل مما لا يدركه الشيوخ. . . وكثيراً ما تصل إليه الرسائل بعنوان: (صاحب الفضيلة الشيخ مصطفى صادق الرافعي. . .) أو (صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر. . .)
ومن طريف هذا الباب رسالة جاءته من (حلب) منذ قريب، يبدي كاتبها دهشته أن يرى صورة الرافعي منشورة في (الرسالة) إلى جانب مقالته في عدد الهجرة، مطربشاً، حليق اللحية، أنيق الثياب، على غير ما كان يحسب؛ ويتساءل كاتب الرسالة: لماذا يا سيدي أبدلت ثياباً بثياب، وهجرت العمامة والجبة والقفطان، إلى الحلة والطربوش؟ ألك رأى في مدنية أوربا في المظاهر الأوربية غير الرأي الذي نقرؤه لك. . .؟) وما كان هذا السائل في حاجة إلى جواب، لو أنه عرف أن الرافعي لم يلبس العمامة قط، وهذا لباسه الذي نشأ عليه منذ كان صبياً يدرج في طربوشه وسراويله القصيرة، يوم كان تلميذاً يدرس الفرنسية إلى جانب العربية بمدرسة المنصورة. . .
نشأته:
على أن نشأة الرافعي كان لها أثر بالغ في الاتجاه العقلي الذي برز فيه وتفرد به؛ فهو قد
стр. 8941
نشأ في بيت له نسب عريق في الإسلام. وأنت إذا رجعت إلى تأريخ القضاء في مصر إلى قرن مضى، رأيت لاسم (الرافعي) تأريخاً في كل ديوان من دواوين القضاء والإفتاء. وقبل نزوح الشيخ محمد الرافعي الكبير من (طرابلس الشام) لم يكن معروفاً لمذهب أبى حنيفة أتباع في مصر؛ فهو شيخ الحنفية في هذه الديار غير منازع، وقد تخرج على يديه أكثر علماء الحنفية الذين نشروا المذهب، ومن تلاميذه المرحوم الشيخ محمد البحراوي الكبير؛ كما تخرج على يدي أخيه الشيخ عبد القادر الرافعي كثير منهم، ومن تلاميذ أخيه شيخ الشيوخ الآن فضيلة الأستاذ محمد بخيت مفتي الدولة السابق، مد الله في حياته. وقد مضى زمن كانت فيه وظائف الإفتاء كلها محبوسة على (آل الرافعي)، حتى ذكر اللورد كرومر في بعض تقاريره: (إن من هذه الأسرة أربعين قاضياً شرعياً). . وأبو المترجم له (الشيخ عبد الرزاق الرافعي) كان رئيساً للمحاكم الشرعية في كثير من الأقاليم، وكان رجلاً ورعاً له صلابة في الدين، وشدة في الحق، ما برح يذكرها مع الإعجاب معاصروه من شيوخ طنطا. وبيت الرافعي في (طرابلس الشام) من البيوت الرفيعة وما يزال كعبة يحج إليها العلماء. وأسم (الرافعي) معروف في تأريخ الفقه الإسلامي منذ قرون. . .
فالأستاذ مصطفى صادق الرافعي وأن كان قد تربى تربية مدنية كالتي ينشأ عليها أكثر أبناء هذا الجيل لم يزل بعض أهله؛ وقد حمل عن آبائه الراية يقتحم بها في سبيل الدين، وينافح الشرك، ويدعو إلى الله. وما جهاده في ذلك - على تسلط أسباب الفتنة والزيغ في هذا الزمان إلا حلقة من سلسلة جهاد طويل، أفرغها آباؤه حلقة حلقة منذ انحدر أولهم من صلب الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. . .
الرافعي الشاعر
أفرأيت الرافعي وهذا منشؤه ونسبه يقنع بالقدر الضئيل من العلم لذا تلقاه في المدرسة؛ ومن أين للرافعي أن يعرف هذه القناعة. . .؟
فما هو إلا أن ترك المدرسة حتى انكب على كتب الدين والعربية يستبطن أسرارها وينبش عن دفائنها؛ فحصل ما حصل من علوم اللغة الدين، وبلغ ما بلغ من أساليب البلاغة وأسرار العربية. وكان في نفس الرافعي هوى قديم أن يكون شاعراً. . . فأخذ يقرض الشعر، أتم طبع الجزء الأول من ديوانه ولما يبلغ الثالثة والعشرين. . . وقدم بين يدي
стр. 8942
ديوانه مقدمة بليغة، كانت وحدها البرهان على أن هذا الشاب النحيل الضاوي الجسد يعرف أين موضعه بين أدباء العربية في غد. . . وما أحاول أن أتكلم عن الرافعي الشاعر الأديب في ديوانه وعن مقدمة ديوانه بأبلغ مما قال عنه العلامة الشيخ إبراهيم اليازجي، وهو يومئذ أديب العصر وأبلغ منشئ في العالم العربي؛ فقد كتب في عدد يونيو سنة ١٩٠٣ من مجلة الضياء، في تقريظ الجزء الأول من ديوان الرافعي ما يأتي:
(وقد صدره الناظم بمقدمة طويلة في تعريف الشعر، ذهب فيها مذهباً عزيزاً في البلاغة، وتبسط ما شاء في وصف الشعر، وتقسيمه، وبيان مزيته، في كلام تضمن من فنون المجاز، وضروب الخيال، ما إذا تدبرته وجدته هو الشعر بعينه. . .
ثم انتقد الأستاذ اليازجي بعض ألفاظ في الديوان، وعقب عليها بقوله:
(. . . على أن هذا لا ينزل من قدر الديوان وأن كان يستحب أن يخلو منه؛ لأن المرآة النقية لا تستر أدنى غبار، ومن كملت محاسنه ظهر في جنبها أقل العيوب؛ وما انتقدنا هذه المواضع إلا ضناً بمثل هذا النظم أن تتعلق به هذه الشوائب، ورجاء أن يتنبه إلى مثلها في المنتظر، فأن الناظم - كما بلغنا - لم يتجاوز الثالثة والعشرين سنيه؛ ولا ريب أن من أدرك هذه المنزلة في مثل هذه السن، سيكون من الأفراد المجلين في هذا العصر، وممن سيحلون جيد البلاغة بقلائد النظم والنثر. . .)
الرافعي وحافظ
لم يكن الشيخ إبراهيم اليازجي وحده هو الذي تنبأ للرافعي الشاب بالمنزلة الرفيعة التي يتبوؤها اليوم؛ فقد نال يومئذ اكبر قسط من عناية الأدباء في عصره؛ وهذه أبيات لشاعر مصر الكبير المرحوم حافظ إبراهيم، بعث بها إلى الرافعي في سنة ١٩٠٦ تدل بنفسها على مقدار احتفال أدباء العصر بهذا الناشئ الجبار:
أراك وأنت نبْت اليوم تمشي … بشعرك فوق هام الأوّلينا
وأوتيت (النبوَّة) في المعاني … وما جاوزتَ حدَّ (الأربعينا)
فزنْ تاج الرياسة بعد (سامي) … كما زانتْ فرائدُه الجبينا
وهذا الصولجان فكن حريصاً … على مُلْكِ القريض وكن أميناً
وحسبك أن مُطْريَك (ابن هاني) … وأنك قد غدوت له قريناً
стр. 8943
نبوءتان
لم يتناول الرافعي في الجزء الأول من ديوانه إلا ما يتناوله الشباب من فنون الشعر، ولم يكن معروفاً له اتجاه أدبي إلى غير هذا اللون من شعر الشباب؛ على أن نبوءة من وراء الغيب جاءت على لسان الأستاذ الإمام (محمد عبده)، في كتاب بعث به إلى الرافعي سنة ١٣٢١هـ (١٩٠٣م) تدعو إلى العجب والتأمل؛ إذ ختم كتابه إلى الرافعي بهذه العبارة:
(. . . أسأل الله أن يجعل للحق من لسانك سيفاً يمحق به الباطل؛ وأن يقيمك في الأواخر مقام حسان في الأوائل.)
أفكان الشيخ محمد عبده يلقي الغيب، فيعلم من شأن الرافعي في غده مقامه في الدفاع عن الحق والذود عن لغة القرآن؛ أم استجاب الله دعاءه للرافعي كما استجاب دعاءه لحافظ. . .
وأشبه أن يكون نبوءة أخرى ما كتبه المرحوم الزعيم مصطفى كامل باشا من تقريظه ديوان الرافعي في جريدة اللواء: (وسيأتي يوم إذا ذكر فيه الرافعي قال الناس: هو الحكمة العالية مصوغة في أجمل قالب من البيان. . .)
ولما هم الكاظمي الشاعر أن يسافر إلى الأندلس في سنة ١٩٠٥ كتب الرافعي: (ثق أني أسافر مطمئناً وأنت بقيتي في مصر. . .)
(للحديث بقية)
محمد سعيد العريان
стр. 8944
حافظ بك إبراهيم
بمناسبة ذكراه
بقلم السيد أحمد العجان
تتمة
- ١٢ -
نصائحه إلى البائسين:
١ - الهجرة خير للفقير:
إن ضيق العيش لا يرضى به إلا ذليل خطمه الذل، وجبان أقعده الخوف؛ والكسل والعجز والخمول آفة المصري، وكثير من الشرقيين ضربوا في الأرض، وركبوا البحار، فأثروا
أليس خيراً للمعدم أن يجوس خلال البلاد، يطلب سعة ويبتغي سعادة؟ لقد سبقه في الهجرة كثير من أبناء الشام، ورجال الشرق:
ما عابهم أنهم من الأرض قد نثروا … فالشهب منثورة مذ كانت الشهب
ولم يَضِرْهم سراء في مناكبها … فكل حي له في الكون له مضطرب
رادوا المناهل في الدنيا ولو وجدوا … إلى المجرة ركباً صاعداً ركبوا
أو قيل في الشمس للراجين منتجع … مدوا لها سبباً في الجو وانتدبوا
وقديماً غادر هو الوطن، ونزح عن بلاده، يطلب عيشاً، ويروم رزقاً:
نزحت عن الديار أروم رزقي … وأضرب في المهامه والتخوم
ولولا سورة للمجد عندي … قنعت بعيشتي قنع الظليم
وكان في مقدوره أن يتقاعد لو كان يرتضي وجدان مواطنيه، ولكنه يأبى أن يكون خاملاً:
فيا ليت لي وجدان قومي فأرتضي … حياتي، ولا أشقى بما أنا طالبه
ينامون تحت الضيم والأرض رحبة … لمن بات يأبى جانب الذل جانبه
يضيق على السوري رحب بلاده … فيركب الأهوال ما هو راكبه
ويخرج بالرومي مذهب رزقه … فتفرج في عرض البلاد مذاهبه
وعجيب أن يقيم بيننا الغربي فيثرى ويخصب، ونحن قعود عن منافسته وسبقه ومجاراته
стр. 8945
سابق الغربي واسبق واعتصم … بالمرؤات، وبالبأس اعتصاما
جانب الأطماع وانهج نهجه … واجعل الرحمة والتقوى لزاما
ومتط العزم جوادا للعلا … واجعل الحكمة للعزم زماما
ومع هذا الفقر الذي ساءل من اجله السراة والمترفين، والذي من أجله حبب الهجرة ودعا إلى الارتحال ابتغاء الرزق، ومع حاجته إلى الأنصار والأعوان يمدون له يد المساعدة، ويقدمون له العطايا، فانه جد حريص على كرامته، يحتفظ بها ويرعاها
ولقد راق لديه ما فعل (فيكتور هيجو) بعد أن زج في السجن، وحشد في زمرة السفاكين والمجرمين، وأراد الولاة الغاصبون أن يمنوا عليه بالعفو، فأبى واستكبر أن تسدي إليه العفو يد مذنب أثيم:
عاف في منفاه أن يدنو به … عفو ذاك القاهر المغتصب
بشروره بالتداني ونسوا … انه ذاك العصامي الأبي
كتب المنفى سطراً للذي … جاده بالعفو فأقر أو اعجب:
أبريء عنه يعفو مذنب؟ … كيف تسدي العفو كف المذنب؟
وكثير من العلماء النابهين، والشعراء والكاتبين، والأئمة والزعماء، درجوا في منابت الفقر، وقاسوا محن العيش، فطلبوا الجاه في العلم، والشرف في الكرامة، والهيبة في الإباء، وخلقوا لأنفسهم مجداً لا يقاس به عرض الدنيا: فلقد كان بشار بن برد الشاعر النابه منى أوئلكم الفقراء، إذ كان أبوه طياناً يضرب اللبن، وكان أبو العتاهية يبيع الفخار بالكوفة، والجاحظ يبيع الخبز والسمك، وأبو تمام يسقي ماء بالجرة في جامع مصر، كما كان أبو حنيفة بزازاً، وكما هو مشاهد الآن في زعامة الأمم الراقية أمثال روزفلت، وهتلر، وموسوليني
إن الظروف القاسية تحطم عظماء الرجال ولكنها لا تجرؤ أن تحطم التفاؤل عند المتفائلين، وهؤلاء الذين يجالدون آلام الجوع والمسغبة، وفي قلوبهم إيمان وفي ضمائرهم حياة، ليس شيمتهم التفاؤل فقط، ولكنه التفاؤل الرخيص
وكان حافظ ﵀ أحد هؤلاء المتفائلين، كما ينطق بذلك شعره صريحاً بينا:
على أنني لا أركب اليأس مركباً … ولا أكبر البأساء حين تغير
стр. 8946
نفسي برغم الحادثات فتية … عودي على رغم الكوارث مورق
فيا قلب لا تجزع إذا عضك الأسى … فإنك بعد اليوم لن تتألما
ولآن تتابعت عليه تارات الأحداث، وطوارق الغير، فإن ذلك لا يثنيه عن عزمه، ولا يقعده عن غايته، مادامت العلياء رائدة، وشرف الغاية مأربه:
مرحباً بالخطب يبلوني إذا … كانت العلياء فيه السببا
عقني الدهر ولولا أنني … أوثر الحسنى؛ عققت الأدباء
- ١٣ -
لقد مدح حافظ كل ذي جاه في الدولة، أو ذا تصريف في أمور البلاد، أو من أنس منه الخير يجلب والشر يتقى، وهو طبيعي في رجل كحافظ تجرد من القوة، وأصفر من المال، فركن إلى الولاة والحاكمين يتقي عواديهم ويأمن جورهم، وقد يناله خيرهم، ويدركه نفعهم
ولكنه في مدحه الذي من أجله عرض ألفاظ اللغة، (ونبش بطون الكتب وقلبا أحشاء القواميس، ثم أستخرج من الألفاظ أطلاها وأحلاها، ومن المعاني أسماها وأعلاها، وصاغ من كليهما مدحة تهز الممدوح وتطربه،) لم يخالف ضميره ولم يتجر بوطنيته، ولم يرق ماء وجهه ويمتهن كرامته. بل كان يقف عند دهاء السياسة وحزم الرجولة، ولين الجانب حيث لا مغمز ولا تجريح
مدح الخليفة وسلاطين الدولة العثمانية، وخديو مصر وأمرائها، ورجال مصر وسراتها، بل مدح اللورد كرومر وملك الإنجليز ومندوب الإنجليز. ولكن ما كان يمدحهم تملقا ورياء، بل كان أشبه بالتشبيه يقدمه الشاعر لتصغي الأسماع إليه وتتعلق القلوب بما بعده، ثم يتناول مطالب الشعب يقدمها، وشكايات الوطن يلفت الأنظار إليها، وقد ينتقد في السياسة، ويتهكم بمسلك الحاكمين، كما حدث في قصيدته التي رفعها إلى عميد الدولة البريطانية بعد حادثة دنشواي
قصر الدبارة هل أتاك حديثنا … فالشرق ريع له وضج المغرب
أهلا بساكنك الكريم ومرحباً … بعد التحية إنني أتعتب
ماذا أقول وأنت أصدق ناقل … عنا ولكن السياسة تكذب
أنقمت منا أن نحس؟ وإنما … هذا الذي تدعوا إليه وتندب
стр. 8947
أنت الذي يعزى إليه صلاحنا … فيما تقرره لديك وتكتب
أو كلما باح الحزين بأنةٍ … أمست إلى معنى التعصب تنسب؟
فأجعل شعارك رحمة ومودة … إن القلوب مع المودة تكسب
لقد طبع حافظ مدحه بطابع المصلحة للمجتمع، والنفع للوطن، والتعبير عن أحاسيسه وآلامه والذود عن شرفه وكرامته. وكان هذا المدح يتقدم به في قصائده كالتشبيب عند السابقين كما في قصيدته التي رفعها لسمو الأمير عباس الثاني في عيد رأس السنة الهجرية
قصرت عليك العمر وهو قصير … وغالبت فيك الشوق وهو قدير
وأنشأت في صدري لحسنك دولة … لها الحب جند والولاء سفير
فؤادي لها عرش وأنت مليكه … ودونك من تلك الضلع ستور
وما انتفضت يوماً عليك جوانحي … ولا حل في قلبي سواك أمير
ثم انتقل - بعد أن عرض للهوى والصبابة والغرام - إلى آمال الوطن ومطالبه:
أمولاي إن الشرق قد لاح نجمه … وآن له بعد الممات نشور
مضى زمن والغرب يسطو بحوله … علي ومالي في الأنام ظهير
إلى أن أتاح الله للصفر نهضة … فقلت غرار الخطب وهو طرير
جرت أمة اليابان شوطاً إلى العلا … ومصر على آثارها ستسير
وما يمنع المصري أدراك شأوها … وأنت لطلاب العلا لنصير
فقف موقف الفاروق وانظر لأمة … إليك بحبات القلوب تشير
- ١٤ -
في مصر فقراء وأيتام وذوو خصاصة، ولهم حقوق على المجتمع الذي يعيشون فيه ويعملون له
١ - لهم حق التعليم حتى يرتفع مستواهم، وتعلو منازلهم وحتى يتضامنوا مع المجتمع في بناء مجده بوحي من الضمير ووازع من النفس، لا بطريق السخرة والاجبار، وحتى تكون العلاقة بين أفراده وهيئاته بعضهم مع بعض علاقة محبة وإخلاص وولاء، لا علاقة سيادة وغطرسة وكبرياء
٢ - ولهم حق تيسير سبل الرزق؛ بفتح أبواب العمل امامهم، والسهر على صوالحهم،
стр. 8948
ورعاية شؤونهم؛ حتى يعيشوا وأسراتهم في مأمن من الجوع والخصاصة، وحتى لا يشغلوا المجتمع بسرقاتهم وسطوهم
٣ - ولهم حق المعالجة في بيوت الشفاء والمصحات، حتى تسلم جسومهم من العلل، وتصح أبدانهم من الأسقام. فنحن في ميدان نهضة، وكل نهضة لابد لها من عدة، فلتكن عدتنا رجالاً أشداء البنية أصحاء الأجساد سليمي العقل، نابهين حازمين كي يكون منهم الجندي الباسل، والزارع النشيط، والصانع الحاذق، والوطني الغيور، إلى أخر ما يتطلبه الوطن ليسلم، وتستدعيه النهضة لتدوم.
٤ - على أن منهم العاجز الضعيف، واليتامى الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، كل أولئك في حاجة إلى ملاجئ يأوون إليها، ومدارس يتعلمون بها ما ينفع الجماعة ويدر عليهم الخير
٥ - ثم من فوق ذلك، ومن قبل كل ذلك، لهم حق قد يعلو على كل الحقوق في جلال شانه وخطره، ذلك هو أن يشعروا بعطف ذوي الجاه وأرباب النفوذ وأولياء الأمور، حتى يشربوا في قلوبهم حبهم، ويولوهم الطاعة التي تحقق لهم رغباتهم
هذه حقوق الشعب المسكين كما يراها حافظ، فهو يرقب فرصة اعتلاء سعد منصة الحكم فيتقدم إليه يقول:
يا سعد أن بمصر أيـ - تاماً تؤمل فيك سعدا
قد قام بينهم وبين العلـ - م ضيق الحال سدا
مازلت أرجو أن أر - اك أبا، وان ألقاك جداً
حتى غدوت أبا له … أضحت عيال القطر وُلْدا
فاردد لنا عهد الأما - م وكن بنا الرجل المفدى
عليكم حقوق للبلاد أجلها … تعهد روض العلم فالروض مقفر
قصارى مني أوطانكم أن ترى لكم … يداً تبتني مجداً ورأساً يفكر
فتعلموا فالعلم مفتاح العلا … لم يبق باباً للسعادة مغلقاً
وقصيدته في سبيل (الجامعة) تبين رأيه في التعليم، وأنه لا يقنع في الأوليات السطحية، بل بالثقافة الرشيدة والدراسة الحكيمة، وأن ألف كتاب لا تعدل مدرسة عالية أو جامعة منظمة؛
стр. 8949
لأننا نستبدل بالكتاتيب داء الجهل بداء اشد خطراً وهو الغرور
ذر الكتاتيب منشيها بلا عدد … ذر الرماد بعين الحاذق الإرب
فأنشأوا ألف كتاب وقد علموا … أن المصابيح لا تغني عن الشهب
هبوا الأجيرة أو الحراث قد بلغا … حد القراءة في صحف وفي كتب
من المداوي إذا ما علة عرضت؟ … من المدافع عن عرض وعن نشب
ومن يروض مياه النيل أن جنحت … وأنذرت مصر بالويلات والحر؟
ومنى يوكل بالقسطاس بينكم … حتى يرى الحق ذا حول وذا غلب؟
ومن يميط ستار الجهل إن طمست … معالم القصد بين الشك والريب؟
فما لكم أيها الأقوام جامعة … إلا بجامعة موصولة السبب
والحق أن حافظاً صورة من النفسية المصرية العامة في هذه الفترة، فترة الانتقال والحيرة والاصطدام في جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فهو على ذلك قد أدى رسالته في الحياة، وقام بواجبه نحو وطنه وشعبه، لأنه بصر بآلامه، وتغنى بالأمل المنشود، والمصلحة المرجوة، ووقع على قيثارة الحنان أناشيد الأسى وأنات البائسين، فجزاه الله كفاء وفائه الجنة وحسن المقام وخلود الذكر
السيد أحمد العجان
стр. 8950
سود قمصانكم حمر غداً
للأستاذ فخري أبو السعود
أمةَ الأحباش يا أُسْدَ الحمى … علِّمي الطليانَ عُقْبى من بغى
أنتِ لَقَّنتِهِمُ في عَدْوَةٍ … غَالِيَ الدرس، وطُوبى من وعى
فَنَسوهُ، فَأَعيديه عسى … يحفظون الدرس رنَّانَ الصدى
ويُميط القومُ عن أعينهم … غرراً بات شبيهاً بالعمى
ويُقلُّونَ دَعاوى لَهُمُ … مَلأَُوا من إفكِها الأرضَ سُدَى
مثَّلُوا الذِّئْبَ ولكن لم يَرَوْا … حَمَلاً يَرْهَبُ ذُؤبَانَ الفلا
هُمْ أرادُوا أن يُحاكُوا دولةً … مُلكُها يجمع أطراف الدُّنى
أَمَةٌ قامت تُحاكي حُرَّةً … ساخراً من جهلها هذا الورى
مِنْ سِويسْرَا الشَّرْقِ رَجَّوْا جَنَّةً … لَهُمُ طابت مَعِيناً وجَنى
طَمعوا فيها ولكن دونها … مربضُ الأساد مِنْ ذاك الشَّرى
حشدوا حولكِ من قمصانهم … جحفلاً طبَّق أجواز الفضا
وأثاروا مُرْعِدَاتٍ فوقهم … حائِماتٍ حجبتْ أفْقَ السما
وأعَدُّوا من جحيم العلم ما … يفلق الهام وما يبرى الصَّفَا
طالما بَدّدْتِ خصما عادياً … في عصور الجهل قِدماً والدُّجى
فانْظُرِي اليومَ عدوَّاً باغياً … صَالَ بالعلم وفي النُّور سَطَا
جَرَّدَ السُّمْرَ مِنَ الفَضْلِ وقد … قَصَرَ الفضلَ عليه والحجى
أُمةَ الأحباش فَانْضِى عزمةً … ما تَلَقَّتْ جحفلاً إلا أنثنى
وإذا جاءُوا فقُولي لهمُ … قولةً فيها رشادٌ وهُدى:
(نحن خَضَّبْنَا بكم في عَدْوَةٍ … جانبَ السهل وأَفْوَادَ الرُّبى
فأجمعوا أشلَاءكم مِنْ تُرْبِها … قبل أن تَخْطُوا إلى هذا الحِمى
نحن إن لم نَقْرَأ العلمَ ولم … نَحْذِق الفَنَّ ولا نَحْتَ الدُّمى
نمنَعُ الحوضَ ونَفْنى دونه … ونعاف العيش في ظل العدى
يا عبيدَ الأمس إنا لم نَدِنْ … أبَدَ الدهر لجبَّارٍ عَتَا
стр. 8951
ما رَوَى التأريخ عنّا أبداً … غيرَ عزٍّ باذخٍ فيما رَوَى
لم نُغِرْ يوماً على جارٍ لنا … غير أنَّا كمْ رددنَا من طَغى
فإذا ساءكُمُ في أرضنا … - يا بني الصُّفْرِ - رقيقٌ يشترى
فغداً نَقْرِنُ منكمْ بِهِمُ … كلَّ مفْتونٍ على الغاب اجترا!
تَدَّعُونَ الفضل ظلماً والعلا، … والعلا منكم براءٌ والنَّدَى
لكُمُ في الغدر ماضٍ مظلم … في طَرابُلْسَ من الفضل خلا
كم غدرتم وفررتم هلعًا … ما صبرتم مرَّة في الملتقى
عُمَرُ المختارُ قد جَلَّلكُمْ … يومُه عاراً على طول المَدَى
فالبسوا العار عليكم سرمدًا … وأنزلوا حيث نزلتم بالظُبى
مالكم غير ظُبانا من قِرى … عبثاً منّيْتُم النفس المنى
سود قمصانكم حمْرٌ غداً … من نجيعٍ من لُهَاكم قد جرى!)
وتحايا - أُمةَ الأحباش - من … كلِّ حُرِ ْوَد َّلو كان الفدا
لو دَرَى الحربَ لَلَبَّى ومضى … في صفوف الحق لا يخشى الردى
إذ تَنَحَّى كلُّ شعبٍ طالما … شاد بالسلم وبالحق شدا
مَلأَ الدنيا كلاماً فإذا … قيل: مَن للسلم والحق؟ انزوى
أُمَمُ الغرب وما أدراك ما … ما أمم الغرب وما رهط العلا
ذَلّ من يطلُبُ نَصْفاً فيهمُ … إنما يُطْلَبُ في ساح الوغى
فخري أبو السعود
стр. 8952
النسيان
للدكتور إبراهيم ناجي
وحبيب كان دنْيا أَملي … حُّبه المحرابُ والكعْبةُ بيتُهْ
منْ مشَى يوماُ على الورْد لهُ … فَطرِيقي كانَ شَوْكاً ومشيتُهْ
من سقى يوماً بماءٍ ظامئاً … فأنا مِنْ قدَحِ العُمْر سقَيتُهْ
خفِقَ القلبَ له مُخْتلِجاً … خَفْقَةَ المصباحِ إذ ينضُبُ زيتُهْ
قدْ سلاني فتنكَّرْتُ لهُ … وطَوَى صفحَةَ حُبِّي فطوَيتُهُ
إبراهيم ناجي
стр. 8953
الطبيعة
بقلم رفيق فاخوري
تحنو على عهودها النفسُ ولا … تسطيع أن تصبر عن لقائها
كأنما حَلّ بجسمي روحها … وفي عروقي سابَ من دمائها
بكرٌ لها منها حُلىً دانيةُ … لكل جسٍّ بينهنَّ مسلكُ
لي من مرائيها شخوصٌ أجتلىِ … مَحْيايَ في وصالها وأُدرك
مطبوعةٌ طبعَ الحياة العاريهْ … غبطتُهَا وحزنها علانيهْ
تستقبل الأجيالَ في ثوبٍ إذا … أبلته عادت فأرتدته ثانيه
قديمةٌ، آذارُ يُحْيها، ولا … يمحو بِلَى الخريفِ من جلالها
يمشي عليه الدهرُ وهى عنه في … شُغْلٍ فلا تُلْقي إليه بالها
لها البقاءُ حين نغدو رمَماً … مَنْسِيَّةً لا تهتدي لها الذِكَرْ
يا ليت لي عيناً كمرآة الضُّحى … ترعى مَجاليها إذا غابَ النظر
أَحْبِبْ بها خرساَء حُمَّتْ شمسُها … فألهبتْ أنفاسَ كلِ ذي حَرَكْ
وهيمنَ الصمتُ على أرجائها … كأنْ بِمَنْعى الكونِ قد دار الفلكْ
وأستحوذتْ على الورى إغماءةٌ … ثقيلةٌ، سلطانُها لا يُدْفَعُ
وَعَرَتِ الأطيارَ سكتةٌ فما … يَنْغَمُ في سُباته مرجِّعُ
والنهرُ لهبانُ وللماءِ به … مَسَارِبٌ يَسْبَحُ فيها الخاطرُ
والسهلُ في غيبوبةٍ مستغرقٌ … مَيْتٌ وفيه تلتقي العناصر!
أحببْ بها كَسْلَى تولَّى جسمَها … بعد افترارٍ ومراحٍ خَدَرُ
واحتبسَ النسيمُ محروراً فما … يَشيعُ في الفضاء عنها خَبَرُ
أُغْرِقُ في صحرائها كآبةً … تَنْسُجُ في قلبي غَماماً أسودا
وأشتهي لُقْيانها سُوَيْعَةً … أنْسى بها نفسي ولا أرعى غداً
حمص
رفيق فاخوري
стр. 8954
فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية
١٥ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا
فريدريك نيتشة
للأستاذ خليل هنداوي
يؤمن نيتشة بأن حياة الإنسان هي نضال دائم لكل وهم ولكل خطأ. وينتظر إلى الوجود بعيني متشائم؛ فتبدو الطبيعة له صورة تبعث الخوف، والتاريخ وحشياً خالياً من المعاني؛ ينفر ممن يؤمن بأن كل شيء هو للأحسن! ولا يعتقد بأن في وسع الحياة أن تهب لنا لحظة فرح حقيقي. وإذا كانت هذه وهي الحقيقة فواجب الإنسان السامي أن يحارب بدون هدنة ولا هوادة كل ما هو سيئ، وأن يهدم كل القيم الخاطئة والتعاليم الفاسدة وألا يرحم أي مظهر من مظاهر الضعف والرياء والجبن في هذه الحضارة. (إنني أحلم برجال كاملين، مطلقي الإرادة، لا يدارون ولا يراءون. يدعون أنفسهم الهدامين. يخضعون كل شيء لنقدهم ويضحون بأنفسهم في سبيل الحقيقة. ألا ينبغي لكل سيئ ولكل كاذب أن يظهر تحت وضح النهار؟ نحن لا نريد أن نبني قبل الساعة الموقوتة، ونحن لا ندري إذا كان بإمكاننا أن نبني، أو إذا كان الأحسن لنا ألا نبني أبداً. هنالك متشائمون كسالى خاضعون مستسلمون؛ إننا لا نكون من هؤلاء. إن المثل الأعلى الذي نتبعه ونترسمه هو الإنسان الذي قال عنه شوبنهاور، من يعتقد بأن السعادة الحقيقية هي غير ممكنة، ومن يبغض ويمقت الوجود المادي الذي تتكامل فيه الإنسانية المنحطة، ومن يسحق كل ما ينبغي سحقه ولا يشعر بألم يحز في نفسه، أو ينتشر حوله؛ ويمشي بإرادة جبارة لا يلويه عن عزمه شيء، وكل إرادته أن يكون مع الحق والصدق في كل شأن من شؤونه)
يصل شوبنهاور بإنسانه إلى سلب الحياة منه والفناء المطلق، أما نيتشة فإنه يقدس (كاليوناني الديونوزوسي) هذه الإرادة التي تريد الحياة الخالدة وتعمل على تخليدها بأية الوسائل. فهو متشائم، لكن تشاؤمه لا يدفعه إلى الاستسلام، ولكن إلى البطولة المناضلة. فهو يرى الزهد علامة من علامات الانحطاط والذل. لأن التشاؤم - عنده - فكرة مستحيل تحقيقها، لا يقبل بها واقع ولا يثبتها منطق، ولن يكون الفناء غاية الوجود، وهكذا راح
стр. 8955
نيتشة يمجد الحياة وآلاءها بدلاً من أن يبشر بالفناء وبغض الحياة كمعلمه؛ يقدس ما يقوي في الإنسان إرادته؛ ويضاعف عزيمته للوصول إلى الهدف الأسمى
ونيتشه في هذا شأنه شأن اليونان في مآسيهم، يفخر بذاته، ويطول بسموه، ويعجب بالحضارة اليونانية لأنها أنشأت جماعة من الرجال السامين، وهل غاية الحياة إلا مثل هذا التوليد؟ والإنسانية عنده تركض وتتألم وتتمخض لتلد هذا العدد الضئيل من هؤلاء الرجال السامين. (وإنما على الإنسانية أن تعمل لتحمل إلى الأرض رجال عبقرية، هذه غايتها، ليس لها من بعدها غاية! وإن علينا أن نوحي إليها أن تعجل بتوليد الفيلسوف والفنان فينا وفي غيرنا. وأن نسعى إلى إكمال معنى الطبيعة؛ وأن على الإنسان أن يحس بنفسه أنه صنع غير كامل من صنع يدها. ولكننا نوقظ فيه - برغم نقصه - هذه العبقرية الفنية حتى يساعد الطبيعة على إكمال ما جاء ناقصاً منها، وبهذا يكمل الإنسان الفنان صنع الطبيعة. وبهذا تغدو معرفة الإنسان نفسه وشعوره بصغرها هي أساس نهضته. . .
(إلا أنني أرى فوقي شيءً يتألق؛ هو أسمى مني، فيه من معنى الإنسان أكثر مما فيَّ! فساعدني على الوصول إلى مثل هذا المثل؛ كما أنني سأعمل على مساعدة من يفكر مثلي ويتألم مثلي. . . كل ذلك لنمهد الطريق أمام ذلك الإنسان المقبل، الشاعر بكماله ومعرفته الواسعة، ومحبته العميقة التي لا تحد، وقدرته المولدة وتأمله البعيد: هذا الإنسان الذي سيحيا في الأرض حاكما، بيده مقياس كل شيء) فلا يجب والحالة هذه أن نترك للمصادفات عمل هذا الإنسان، وإنما ينبغي للناس أن يجهدوا ويعملوا بالانتخاب على خلق هذه الذرية - ذرية الأبطال - على أن هذا المذهب قد يترك جحفلاً من العبيد الذين شأنهم أن ينفذوا إرادة الأبطال. والعبودية - عند نيتشة - لازمة لتحقيق مثل هؤلاء الأبطال. إذ ليست غاية العلم والبراعة أن تخفف من نصب هؤلاء المتعبين. فعمال اليوم ليسوا بأكثر سعادة من عبيد الأمس. هؤلاء كانوا يخضعون لشرفاء ذوي غطرسة وخيلاء. وأولئك دائبون على خلق نخبة سامية من رجال العبقرية، فالبطل ليس دأبه بأن يحقد على المظلومين والمتخلفين فحسب، بل مما ينبغي له أن يقتل عامل الشفقة في صدره إذا هب لأنه عامل خطر. إذا ظفر عمل على قتل البراعة في سبيل السعادة المادية للإنسانية. وهو - هنالك - لابد مصطدم بالشريعة الغالبة التي تسيطر على الوجود. وكل من ود أن يحيا، أو حكم عليه
стр. 8956
بأن يحيا في وجود مشحون بالألم والفناء أفينبغي له أن تشتمل نفسه على هذه المضادة المؤلمة التي تعبر عن كنه الحياة، وسر كل تطور واستحالة. . . (كل لحظة تفترس الثانية. وكل ولادة هي موت كائنات لا عداد لها. الولادة والحياة والموت كنه ذو جوهر واحد. وهكذا نستطيع أن نشبه البراعة المنتصرة بالبطل الظافر الذي يسيل دمه من جراحه، ولكنه يجر خلفه قطيعاً من المغلوبين والعبيد المقيدين بعجلته)
ينبغي لنا إذا أردنا الحقيقة أن نضرب بكل وهم باعث على التفاؤل عرض الحائط. فالرجل الغربي الذي يظن ببساطة نفسه أن العلم يبعث على السعادة، ويرى أن سعادة الجميع هي غاية الحضارة القصوى؛ هذا الرجل يجرب أن ينكر تعس (العبيد) هذا التعس اللازم للمجتمع البشري. وهو يموّه عليهم بقداسة العمل، زاعماً أن الآكل بعرق جبينه هو أشرف الناس. فياله من مذهب حقير أصبح لا يخدع أحداً! ولماذا لا نعترف بأن العبودية هي حقار وصغار، ولكنا نستطيع أن نخفف وقعها ونجعلها أقل شقاء، ونحتم على أصحابها القبول بها. . . فما ظل المجتمع الإنساني على هذا الوضع فان فيه الأقوياء الذين يرفعون عظمتهم على طائفة من المستضعفين في الأرض!
كان المدفع يدوي في جوف أوربا، ونيتشه معتزل في أحد وديان (الألب) يعالج درس الروح اليونانية وفنهم وحياتهم. ولما استقر السلام أعلن أن عصر الأحزاب قد شارف النهاية. وأن روحاَ حرة يجب أن تنهض وتعرف كيف تتعالى فوق هذه الحدود! (إن الشرق والغرب مفصولان بشحطة يرسمها قلم لأعيننا، هذه الشحطة هي التي تثير خوفنا. تقول النفس الفتية (أنا اجرب بأن أكون حرة) وحق لها أن تثور، لأنها ترى أن شعبين قد يهرقان دماؤهما لأن بحراً يفصل بينهما، أو لأن ديانتين مختلفتين عندهما لم تكونا قبل ألفى عام) وهكذا نرى نيتشة بكل ما أوتي من تفكير وقوة يريد أن يزعزع تقاليد عصره، ويشعر بنفسه بأنه لم يخلق لحاضره وإنما خلق للأجيال القادمة
(يتبع)
خليل هنداوي
стр. 8957
القصص
من أساطير الإغريق
أدونيس
للأستاذ دريني خشبة
كان جميلاً كالكأس المترعة. وجه أبيض كالحبب، ثم تتدفق الخمر في دمه، وتكمن في عينيه، وتنثال على لسانه
رأته فينوس يستحم في بحيرة مزهرة، فوقفت تنظر إلى هذا التمثال من بلور، يسبح في لجه من لجين! ولمحها الغلام فخجل وأستحيا، وطفق يخصف عليه من أوراق اللوتس. . . . ولكن الحياء ورد وجنتيه، وصبغ خديه، وفتر ناظريه، وتصبب في شفتيه فاحمرتا! وبذلك أصبح فتنة تملأ البحيرة، وعجباً يشيع في الماء
وسبح إلى الشاطئ المقابل؛ بيد أن فينوس كانت عنده قبل أن يبلغه هو، فانثنى يريد الشاطئ الأخر، فكانت فينوس عنده كذلك؛ فأرتد يحسب أنه يسبقها إلى الشاطئ المقابل كرة أخرى، ولكن الإلهة العنيدة كانت تسابق الوهم في الوصول إلى أحد الشاطئين؛ فلما نال الجهد من أدونيس لم ير بداً من البروز إلى البر، وليكن من أمر هذه الغادة التي تهاجمه بحبها وهو لا يعرف من هي - ما يكون!
- (أدونيس. . . . أليس كذلك؟)
- (؟. . . . .)
- (ألا تتكلم؟. . .)
وكانت قطرات الماء البلورية تتحدر على جسمه الرشيق، فمن يدري؟ أهي من البحيرة أم من ماء الخجل!. . .
- (تكلم يا أدونيس! ألا تعرف من أنا؟. . .)
- (؟؟. . . . . . . .)
- (أنا التي سجد عند إخمصيها مارس الجبار! لقد ألقى سلاحه لدى النظرة الأولى التي زلزلت بها أركان قلبه! ألا تصدق؟ أدونيس؟!. . .)
стр. 8958
- (أرجوك. . . إن رفاقي ينتظرونني، ونحن جميعاً نتخذ أهبتنا للصيد. . .
- (صيد؟. . . . وماذا تصيدون في هذه البرية الموحشة؟. . .)
- (الخنازير يا غادة. . . إنها متوحشة جداً. . .)
- (وهي خطرة أيضاً، وكل يوم لها ضحايا. . . أدونيس! ألست ترى إلى جمالك الفينان! ألا تشفق عليه أن يصيبه سفع من شمس هذه البرية المحرقة؟ ألا تقلع عن صيد الخنازير القتالة؟. . . تكلم لا تصمت هكذا؟)
- (أرجوك؟)
- (ترجوني؟ أنا التي أرجوك يا حبيبي!)
- (. . . .؟؟. . . .)
- (أراك ارتبكت إذ دعوتك حبيبي؟ وَيْ! ما للحياء يصبغك بأرجوانه هكذا يا أدونيس؟ تعال. . . هات قبلة!)
- (لا. . . لن يكون شيء من هذا! اسمعي! ها هي ذي سلوقياتي تنبح ولابد أن أسرع إليها. . . دعيني. . . دعيني!)
- (لن أدعك، ولو استجمعت شبابك كله وريعانك ما استطعت أن تفلت من ذراعي يا حبيبي!. . . . . هات قبلة قلت لك!. . . .)
- (. . . .؟. . . .)
- (إذن أنال بالقوة كل ما أشتهي تعجب! سأحرق شفتيك الباردتين بشفتي المشتعلتين!)
- (أ. . . ر. . . جوك. . . أوه. . . حس. . . بك. . .)
- (فمك جميل شهي، ولكن خديك جميلان كذلك. . . ألف قبلة على خديك وعارضيك أيها الغلام الفتان!. . .)
- (. . . . .؟؟. . . . .)
- (أنفاسك تتضوع من فمك الرقيق، وأنفك الدقيق؛ فهل فيك حديقة من بنفسج؟. . .)
- (أر. . . جوك. . . كفى. . . كفى. . . سلوقياتي تنبح، ولا بد أن أذهب!. . .)
- (تذهب؟ ولمن تترك هذا الصدر الدافئ الذي يضمك؟ حقاً غرير!. . .)
- (أرجوك. . . قلت لك!. . .)
стр. 8959
- (كل هذه القبل أغمر بطوفانها فمك، ولا تحييها بقبلة؟. . . قبلني!. . .)
- (لا. . . أقدر. . . أرسلي ذراعيك عن عنقي. . .)
- (أنت لا تقدر؟ آه يا ساذج؟ إنني لن أفلتك ما دمت تتباله علي!. . .)
- (أرجوك، دعيني أذهب! أوه. . .)
- (قبلني قلت لك! لن يقهر كبريائي فتى غرير مثلك! إذا قبلتني أرسلتك!. . .)
- (أقبلك؟)
- (اجل، قبلني يا أدونيس!)
- (أقبلك كيف؟)
- (هكذا يا صغيري. . . . . .)
- (. . .؟. . .؟. . . دعيني إذن!)
وانتشت ربة الجمال بقبلة أدونيس اليافع، فارتجفت ارتجافة هائلة، وخرت إلى الأرض كأنما أغشي عليها؛ وأرتبك الفتى الذي لم يألف مثل هذا الموقف النادر من مواقف الحب، فأنف أن يغادر المكان قبل أن يعالج الغادة حتى تصحو، ثم يذهب إلى صيده بعد. ولكنه لم يدر ماذا يفعل؛ وعلى كل فق طفق يدلك قدميها، ويربت على صدرها، ويمر بيديه الناعمتين على خديها وجبينها، فلما لم تفق، أهوى على فمها الحلو يلثمه. . . ويرد إليه دينه من القبل! وكانت فينوس الخبيثة تحس وتصمت. . . ولا تأتي بحركة قد تطير بهذه الأحلام السعيدة التي تطيف بها، تنزل من السماء الصافية عليها، ألم تكن تضرع إليه من أجل قبلة واحدة؟ فكيف بها تطرد العشرات والعشرات من القبل؟!
ولم تطق فينوس. . . ففينوس ربة ولكنها هلوك! لقد طوقت أدونيس بذراعيها، ثم أمطرت فمه الخمري، ووجهه العطري، آلافاً من القبل العِذاب، والنولات الرطاب
حدثته عن الحب بلسان ينفث السحر، وعينان تتقدان اشتهاء، ولكنه كان يصم أذنيه ويغلق أبواب قلبه. وضمته بحرارة وعنفوان إلى ثدييها، فما زادته إلا شموساً وعناداً. . .
قالت له: (ألا تقبل عليّ إلا ميتة يا أدونيس؟ أيسرك أن اقضي نحبي أذن؟ ألست أعدل عندك خنزيراً برياً؟ أكلما خلعت عليك شبابي ونضرتي وحبي ألقيت بها في تراب كبريائك غير آبه لدموعي وتوسلاتي؟ افتح قلبك للحب قلبك يا صغيري!!. . .)
стр. 8960
ولكن أدونيس يعبس عبوسة محنقة ويقول لها: (أهذا كله عندك هو الحب؟. .)
فتنظر في عينيه الساخرتين نظرة تستشف بها ما في قرارة نفسه وتسأله: (إذا ما هو يا أدونيس؟)
وينفجر الفتى بالحقيقة المرة فيقول لها: (إن كنت تجهلين ما هو، فالحب أجل من هذا وأقدس يا غادة. . . . . . إنك قد أسلمت وأسلمت جسمك للشهوة وتصهره، وروحك للغلمة تحرقها وتذهب بها شعاعاً. . . دعيني أذهب إذن. . . دعيني. . . سلوقياتي تنبح ولابد أن أذهب إليها. . . . . . . . .)
وكأن ثلجاً ذاب في أعصاب فينوس عندما سمعت أدونيس ينتهرها ويعيرها، فتقلص ذراعها، وفترت نفسها، وخمدت في قلبها تلك الشهوة الملحة التي سلطت عليها تعذبها وتضنيها. . . واستطاع الفتى بجهد بسيط أن يتخلص من أسرها، فأنطلق يعدو كالظليم إلى سلوقيلته التي كانت تناوش خنزيرا كبيراً بادي النواجذ بارز الأنياب
وجلست فينوس تنظر إلى أدونيس يعدو، وتجتر كلماته وتتعذب. . .
وغفت إغفاءة قصيرة، ولكنها استيقظت فجأة على صرخة راجفة من جهة الشرق، حيث كان فتاها الحبيب يتلهى بالصيد، فهبت مروعة، لأن الصوت ككان بصوت أدونيس أشبه، وانطلقت تعدو حتى كانت عنده. . .
يا للهول!!
أدونيس مضرج بدمه، وعيناه مستسلمتان للموت، وسلوقياته تبكي حوله؟! لقد أنقض عليه الخنزير الضاري فمزق لحم الفخذة، وسر في الدم سم الكلب!
ووقفت فينوس ذاهلة تنظر إلى حبيبها الصغير، ثم أهوت على فمه تقبله وترشفه وتبكي. . . ثم أسندت الرأس الذابل إلى صدرها، وجعلت تقول:
(ألم يكن حباً حبيبي يا أدونيس؟! يا للقضاء؟! كنت أعرف هذه النهاية، وكنت أشفق عليك منها، ولذا كنت أتشبث بك، وأحاول أن أنسيك بقبلي ودموعي خنازير هذه البرية، ولكنك قلت أن حبي شهوة، وصبابتي غلمة، فجنيت على نفسك وعلي!! أوه! يا لبرودة الموت؟ أدونيس؟ أدونيس؟ رد علي يا حبيبي! لقد حسبتني غادة! أنا فينوس أكلمك فرد علي. . . آه. . .)
стр. 8961
وألقت على الكلأ السندسي، وانطلقت تبكي وتنتحب، حتى كانت عند عرش الأولمب فقالت تكلم رب الأرباب زيوس العظيم:
- (أدونيس يا أبي!!)
- (ماله؟. . .)
- (قضى. . . قتله الخنزير. . .)
- (وما لك مذعورة هكذا؟. . .)
- (مذعورة؟ وحقك إن لم تأمر برده إلى الحياة الدنيا لأذهبن معه إلى هيدز!!)
فوقف إله كان يجلس قريباً من السدة وقال: (تذهبين إلى هيدز؟! يا للهول! والجمال والحب أيذهبان في أثرك إلى دار الموتى؟ وهذه الدنيا يا فينوس؟)
- (هذه الدنيا تنعى من بناها. . . تخرب. . . لا زهر. . . لا شفق. . . لا طير. . . لا موسيقى. . . لا خمر. . . لا حب. . . لا حنين. . . لا غول. . . لن تكون دنيا كم شيئاً إذا ذهبت إلى هيدز مع حبيبي أدونيس!!)
فسجد الإله الذي تكلم أمام زيوس، ثم نهض وقال له:
- (أنا بلسان الآلهة أضرع إلى مولاي أن يلبي طلبة فينوس ربة الحب. . .)
فتبسم إله خبيث كان قريباً منه، وغمز له وقال:
- (وربة الجمال يا أبن العم!!)
وأرسل زيوس العظيم إلى أخيه. . . بلوتو. . . إله هيدز، يرجوه عن أدونيس ويستأذنه فيه؛ ولكن بلوتو كان أحرص على الجمال من سكان هذه الحياة الدنيا، فأبى أن يلبي رجاء أخيه، فألح عليه، فلم يقبل. . .
ثم أتفق الأخوان، زيوس وبلوتو، على أن يجعلا حياة أدونيس مناصفة، فيقضي ستة أشهر في هيدز، أشهر الخريف والشتاء، وستة أشهر في الدنيا، حيث تأخذ زخرفها في الربيع وتؤتي أكلها في الصيف!!
ولما لقيت فينوس حبيبها عائداً أدراجه من دار الفناء قالت له: (أتستطيع اليوم تعريف الحب؟). فقال أدونيس: (هاتي قبلة يا فينوس. . . هاتي قبلة. . . هاتي ألف قبلة. . .)
دريني خشبة
стр. 8962
قلعة الرمل
بقلم حسين شوقي
كانا يسيران على الشاطئ غير معنيين بما حولهما وهما يتبادلان هذا الحديث:
هو - عزيزي، إني آسف إذ تأخرت عن موعدك؛ ولكن صديقاً حميماً لم أره من زمان طويل اعترضني في الطريق استوقفني ملياً. . .
هي - لا عليك من ذلك، فثمة ما يدعو للاعتذار
هو - ولكن لماذا أجدك وحدك؟ لم لم تذهبي إلى السيدة (س) لتأنسي برفقتها؟
هي - أني أوثر العزلة، كي أشهد في سكون تلك الصفحة الزرقاء العجيبة المنبسطة أمامي. . .
هو - ولكن البحر ثائر اليوم، إني لا أحبه في مثل هذه الحال؛ إنه ليشبه وجه عجوز قد غضنته السنون
هي - أنت تراه كذلك؟. . . أحسبك زعمت لي مرة أنك تحب البحر وهو هائج، لأنه يشبه قطيعاً من الخراف البيضاء اللطيفة!. . .
هو (في حيرة) - هل. . . هل ينزل البحر؟
هي - نعم، وأنت؟. . .
هو أنا سأنتظرك في المقصف، لأني على موعد هناك؛ أتأذنين لي في الذهاب؟
هي - الآن؟. . .
هو - أجل. . . .
هي - لك ما تشاء!. . . (ثم افترقا)
الفتاة في هم شديد، لأن صاحبها لم يعد يحبها؛ إنها لا تشبهك في أنه بدأ يملها، فقديماً لم يكن يسمح لها أن تنزل إلى البحر وحدها وهو كذلك مضطرب مائج، وهو لم يلاحظ ثوب البحر الجديد الجميل الذي كانت تلبسه، مع انه نال إعجاب جميع الذين شاهدوها تخطر به على الشاطئ. . . تنهدت الفتاة قائلة: (آه! لماذا لم تخلق القلوب البشرية متشابهة كلها؟ لماذا خلق كل قلب يعيش من عواطفه في دنيا وحده؟)
وبينما الفتاة غارقة في هذا التفكير، إذ وقع نظرها على أطفال يبنون قلعة من الرمل، وهم
стр. 8963
يهللون ويلغطون فرحين. بدد هذا المنظر البهيج خواطر الحزن التي كانت تستبد بالفتاة، فوقفت ترقب في اهتمام عمل الصغار، ولما انتهى بناء القلعة وضع الأطفال في كل ناحية منها قطعة من الخشب على شكل مدفع، ثم اختلفوا على جنسية العلم الذي يرفع على القلعة، إذ كان كل منهم يحاول أن يرفع رايته؛ وبعد جدال ومداولة، اتفقوا على رفع راياتهم جميعاً عليها ونال كل منها حظه من المجد. عندئذ صاحت الفتاة في دهشة: ولكن ملك أي دولة هذه القلعة؟ فأجابوا ملك جميع الدول
فقالت الفتاة: آه ما أمهركم في السياسة أيها الصغار! لو أن آباءكم لم يعرفوا الأثرة لأراحوا العالم من مشاكل عدة! ليت رجال السياسة ظلوا أطفالاً. . .! ولكن، هاهي ذي موجة عظيمة تطغي على الشاطئ فتبتلع القلعة بمدافعها وراياتها؛ فوقف الأطفال لحظة واجمين، ولكن كم كانت دهشة الفتاة عظيمة حينما رأت هذا الوجوم ينقشع بغتة، ثم هو ينقلب إلى ضحك ومرح ونشاط، إذ استقر رأيهم على بناء قلعة أخرى من فورهم، تكون أروع وأفخم من القلعة الأولي. . كم كانت الفتاة تغبط هؤلاء الصغار على تلك السرعة التي سلوا بها أشجانهم، أنها تعطي كل ما تملك لكي تتمكن نمن أن تستبدل بقلبها الكليم أحد هذه القلوب الغضة! ثم أخذت تتذكر طفولتها السعيدة أيام كانت آلامها النفسية لا تدوم أكثر من لحظة. .
الفتاة حزينة، حزينة جداً، لأن حبها في دور النزع، فها هو ذا حبيبها يتأخر عن مواعيده، وهو ذا بدأ يتعلل بالمعاذير؛ فهل يكون ذلك إلا المقدمات المألوفة للفراق. . .؟ الفتاة تذكر في حسرة وألم مقدار ما كان تعلق حبيبها بها في بداية حبهما. . وتذكر كيف كان لا يقوى على فراقها لحظة، حتى أن أحد أقاربه الأعزاء قد مات فلم يشترك في جنازته حتى لا يفرق ذلك بينهما وقتاً ما. .! وكم زعم لها أن وجودها بجانبه ضروري له ضرورة الماء للسمك. . والآن، الآن، هو يتلمس الأعذار ليبتعد عنها. .!
ما أغلظ قلب هذا الفتى! إن هذه الأمواج الصاخبة لأرق قلباً منه، وإنها لترحب بالفتاة على حين يفرمنها! كم تود الأمواج أن تضم إلى صدرها تلك الدمية الجميلة ذات الجدائل الذهبية! أتذهب الفتاة إلى لقاء صاحبها في المقصف لا! إنه سوف يستقبلها بتلك الابتسامة المصطنعة البغيضة! وإن لقاء الأمواج لأحب إليها من لقاء هذا الحبيب. . اصبري أيتها الأمواج؟ إن الفتاة الجميلة ذات الجدائل الذهبية تراود نفسها أن تهب لك هذا الجسم الغض،
стр. 8964
وما أراها ستمتنع عليك، وما أراها ستكون لغيرك. . . . . . وكان انتظار الفتى صاحبته في هذا اليوم وبعد هذا اليوم عبثاً. . .
حسين شوقي
стр. 8965
البريد الأدبي
استفتاء السلام
تألفت منذ حين في إنكلترا لجنة سميت (بلجنة التصريح القومي) عن عصبة الأمم ومسائل التسليح، ونظمت استفتاءعاماً للشعب البريطاني عن مسائل السلام الدولي ليعرف العالم إلى أي اتجاه يتجه بعواطفه وتأييده؛ وتولى رئاستها الفيكونت سسل، وأنفقت اللجنة مدى أشهر جهوداً عظيمة للدعوة إلى الاستفتاء وتنظيمه، وجمع الإجابات عن الأسئلة التي طرحتها على الجمهور البريطاني. وقد أصدرت أخيراً كتاباً شرحت فيه جهودها والنتائج التي وصلت إليها، وهذه هي الأسئلة الخمسة التي طرحت على الشعب البريطاني لإبداء رأيه فيها:
١ - هل يجب أن تبقى بريطانيا العظمى عظواً في عصبة الأمم؟
٢ - هل تؤيد تخفيض التسليح تخفيضاً عاماً بمقتضى معاهدة دولية؟
٣ - هل تؤيد إلغاء الخدمة القومية العسكرية والتسليح الجوي بمقتضى معاهدة دولية؟
٤ - هل يحضر صنع الأسلحة وبيعها للفائدة الشخصية بمقتضى معاهدة دولية؟
٥ - هل إذا أصرت أمة ما على مهاجمة أمة أخرى يجب على الأمم الأخرى أن ترغمها على وقف الاعتداء بالإجراءات الاقتصادية، وبالإجراءات العسكرية إذا اقتضى الحال؟
وقد عاونت اللجنة في عملها عدة من الصحف الكبرى، فطرحت هذه الأسئلة للاستفتاء؛ وقسمت اللجنة بريطانيا العظمى إلى مناطق توافق الدوائر الانتخابية؛ وكانت نتائج الاستفتاء التي نشرتها في كتابها كما يأتي:
السؤال الأول - أجاب عنه بالإيجاب ١٠ , ٦٢٤ , ٥٦٠ شخصاً، وبالنفي ٣٣٧ , ٩٦٤
السؤال الثاني - أجاب عنه بالإيجاب ١٠ , ٠٥٨ , ٥٢٦ شخصاً وبالنفي ٨١٥ , ٣٦٥
السؤال الثالث - أيده بالإيجاب ٩ , ١٥٧ , ١٤٥ شخصاً، وعارضة ١ , ٦١٤ , ١٥٩
السؤال الرابع - أيده بالإيجاب ١٠ , ٠٠٢ , ٨٤٩ شخصاً وعارضه ٧٤٠ , ٦٣٤
السؤال الخامس - أجاب عنه بالإيجاب عن الشطر الأول أكثر من تسعة ملايين، وبالإيجاب عن شطر الثاني أكثر من ستة ملايين، وأجاب بالنفي عن الشطر الأول نحو ستمائة ألف وعن الشطر الثاني أكثر من مليونين
следующие страницы →