← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.

стр. 8961

وألقت على الكلأ السندسي، وانطلقت تبكي وتنتحب، حتى كانت عند عرش الأولمب فقالت تكلم رب الأرباب زيوس العظيم: - (أدونيس يا أبي!!) - (ماله؟. . .) - (قضى. . . قتله الخنزير. . .) - (وما لك مذعورة هكذا؟. . .) - (مذعورة؟ وحقك إن لم تأمر برده إلى الحياة الدنيا لأذهبن معه إلى هيدز!!) فوقف إله كان يجلس قريباً من السدة وقال: (تذهبين إلى هيدز؟! يا للهول! والجمال والحب أيذهبان في أثرك إلى دار الموتى؟ وهذه الدنيا يا فينوس؟) - (هذه الدنيا تنعى من بناها. . . تخرب. . . لا زهر. . . لا شفق. . . لا طير. . . لا موسيقى. . . لا خمر. . . لا حب. . . لا حنين. . . لا غول. . . لن تكون دنيا كم شيئاً إذا ذهبت إلى هيدز مع حبيبي أدونيس!!) فسجد الإله الذي تكلم أمام زيوس، ثم نهض وقال له: - (أنا بلسان الآلهة أضرع إلى مولاي أن يلبي طلبة فينوس ربة الحب. . .) فتبسم إله خبيث كان قريباً منه، وغمز له وقال: - (وربة الجمال يا أبن العم!!) وأرسل زيوس العظيم إلى أخيه. . . بلوتو. . . إله هيدز، يرجوه عن أدونيس ويستأذنه فيه؛ ولكن بلوتو كان أحرص على الجمال من سكان هذه الحياة الدنيا، فأبى أن يلبي رجاء أخيه، فألح عليه، فلم يقبل. . . ثم أتفق الأخوان، زيوس وبلوتو، على أن يجعلا حياة أدونيس مناصفة، فيقضي ستة أشهر في هيدز، أشهر الخريف والشتاء، وستة أشهر في الدنيا، حيث تأخذ زخرفها في الربيع وتؤتي أكلها في الصيف!! ولما لقيت فينوس حبيبها عائداً أدراجه من دار الفناء قالت له: (أتستطيع اليوم تعريف الحب؟). فقال أدونيس: (هاتي قبلة يا فينوس. . . هاتي قبلة. . . هاتي ألف قبلة. . .) دريني خشبة

стр. 8962

قلعة الرمل بقلم حسين شوقي كانا يسيران على الشاطئ غير معنيين بما حولهما وهما يتبادلان هذا الحديث: هو - عزيزي، إني آسف إذ تأخرت عن موعدك؛ ولكن صديقاً حميماً لم أره من زمان طويل اعترضني في الطريق استوقفني ملياً. . . هي - لا عليك من ذلك، فثمة ما يدعو للاعتذار هو - ولكن لماذا أجدك وحدك؟ لم لم تذهبي إلى السيدة (س) لتأنسي برفقتها؟ هي - أني أوثر العزلة، كي أشهد في سكون تلك الصفحة الزرقاء العجيبة المنبسطة أمامي. . . هو - ولكن البحر ثائر اليوم، إني لا أحبه في مثل هذه الحال؛ إنه ليشبه وجه عجوز قد غضنته السنون هي - أنت تراه كذلك؟. . . أحسبك زعمت لي مرة أنك تحب البحر وهو هائج، لأنه يشبه قطيعاً من الخراف البيضاء اللطيفة!. . . هو (في حيرة) - هل. . . هل ينزل البحر؟ هي - نعم، وأنت؟. . . هو أنا سأنتظرك في المقصف، لأني على موعد هناك؛ أتأذنين لي في الذهاب؟ هي - الآن؟. . . هو - أجل. . . . هي - لك ما تشاء!. . . (ثم افترقا) الفتاة في هم شديد، لأن صاحبها لم يعد يحبها؛ إنها لا تشبهك في أنه بدأ يملها، فقديماً لم يكن يسمح لها أن تنزل إلى البحر وحدها وهو كذلك مضطرب مائج، وهو لم يلاحظ ثوب البحر الجديد الجميل الذي كانت تلبسه، مع انه نال إعجاب جميع الذين شاهدوها تخطر به على الشاطئ. . . تنهدت الفتاة قائلة: (آه! لماذا لم تخلق القلوب البشرية متشابهة كلها؟ لماذا خلق كل قلب يعيش من عواطفه في دنيا وحده؟) وبينما الفتاة غارقة في هذا التفكير، إذ وقع نظرها على أطفال يبنون قلعة من الرمل، وهم

стр. 8963

يهللون ويلغطون فرحين. بدد هذا المنظر البهيج خواطر الحزن التي كانت تستبد بالفتاة، فوقفت ترقب في اهتمام عمل الصغار، ولما انتهى بناء القلعة وضع الأطفال في كل ناحية منها قطعة من الخشب على شكل مدفع، ثم اختلفوا على جنسية العلم الذي يرفع على القلعة، إذ كان كل منهم يحاول أن يرفع رايته؛ وبعد جدال ومداولة، اتفقوا على رفع راياتهم جميعاً عليها ونال كل منها حظه من المجد. عندئذ صاحت الفتاة في دهشة: ولكن ملك أي دولة هذه القلعة؟ فأجابوا ملك جميع الدول فقالت الفتاة: آه ما أمهركم في السياسة أيها الصغار! لو أن آباءكم لم يعرفوا الأثرة لأراحوا العالم من مشاكل عدة! ليت رجال السياسة ظلوا أطفالاً. . .! ولكن، هاهي ذي موجة عظيمة تطغي على الشاطئ فتبتلع القلعة بمدافعها وراياتها؛ فوقف الأطفال لحظة واجمين، ولكن كم كانت دهشة الفتاة عظيمة حينما رأت هذا الوجوم ينقشع بغتة، ثم هو ينقلب إلى ضحك ومرح ونشاط، إذ استقر رأيهم على بناء قلعة أخرى من فورهم، تكون أروع وأفخم من القلعة الأولي. . كم كانت الفتاة تغبط هؤلاء الصغار على تلك السرعة التي سلوا بها أشجانهم، أنها تعطي كل ما تملك لكي تتمكن نمن أن تستبدل بقلبها الكليم أحد هذه القلوب الغضة! ثم أخذت تتذكر طفولتها السعيدة أيام كانت آلامها النفسية لا تدوم أكثر من لحظة. . الفتاة حزينة، حزينة جداً، لأن حبها في دور النزع، فها هو ذا حبيبها يتأخر عن مواعيده، وهو ذا بدأ يتعلل بالمعاذير؛ فهل يكون ذلك إلا المقدمات المألوفة للفراق. . .؟ الفتاة تذكر في حسرة وألم مقدار ما كان تعلق حبيبها بها في بداية حبهما. . وتذكر كيف كان لا يقوى على فراقها لحظة، حتى أن أحد أقاربه الأعزاء قد مات فلم يشترك في جنازته حتى لا يفرق ذلك بينهما وقتاً ما. .! وكم زعم لها أن وجودها بجانبه ضروري له ضرورة الماء للسمك. . والآن، الآن، هو يتلمس الأعذار ليبتعد عنها. .! ما أغلظ قلب هذا الفتى! إن هذه الأمواج الصاخبة لأرق قلباً منه، وإنها لترحب بالفتاة على حين يفرمنها! كم تود الأمواج أن تضم إلى صدرها تلك الدمية الجميلة ذات الجدائل الذهبية! أتذهب الفتاة إلى لقاء صاحبها في المقصف لا! إنه سوف يستقبلها بتلك الابتسامة المصطنعة البغيضة! وإن لقاء الأمواج لأحب إليها من لقاء هذا الحبيب. . اصبري أيتها الأمواج؟ إن الفتاة الجميلة ذات الجدائل الذهبية تراود نفسها أن تهب لك هذا الجسم الغض،

стр. 8964

وما أراها ستمتنع عليك، وما أراها ستكون لغيرك. . . . . . وكان انتظار الفتى صاحبته في هذا اليوم وبعد هذا اليوم عبثاً. . . حسين شوقي

стр. 8965

البريد الأدبي استفتاء السلام تألفت منذ حين في إنكلترا لجنة سميت (بلجنة التصريح القومي) عن عصبة الأمم ومسائل التسليح، ونظمت استفتاءعاماً للشعب البريطاني عن مسائل السلام الدولي ليعرف العالم إلى أي اتجاه يتجه بعواطفه وتأييده؛ وتولى رئاستها الفيكونت سسل، وأنفقت اللجنة مدى أشهر جهوداً عظيمة للدعوة إلى الاستفتاء وتنظيمه، وجمع الإجابات عن الأسئلة التي طرحتها على الجمهور البريطاني. وقد أصدرت أخيراً كتاباً شرحت فيه جهودها والنتائج التي وصلت إليها، وهذه هي الأسئلة الخمسة التي طرحت على الشعب البريطاني لإبداء رأيه فيها: ١ - هل يجب أن تبقى بريطانيا العظمى عظواً في عصبة الأمم؟ ٢ - هل تؤيد تخفيض التسليح تخفيضاً عاماً بمقتضى معاهدة دولية؟ ٣ - هل تؤيد إلغاء الخدمة القومية العسكرية والتسليح الجوي بمقتضى معاهدة دولية؟ ٤ - هل يحضر صنع الأسلحة وبيعها للفائدة الشخصية بمقتضى معاهدة دولية؟ ٥ - هل إذا أصرت أمة ما على مهاجمة أمة أخرى يجب على الأمم الأخرى أن ترغمها على وقف الاعتداء بالإجراءات الاقتصادية، وبالإجراءات العسكرية إذا اقتضى الحال؟ وقد عاونت اللجنة في عملها عدة من الصحف الكبرى، فطرحت هذه الأسئلة للاستفتاء؛ وقسمت اللجنة بريطانيا العظمى إلى مناطق توافق الدوائر الانتخابية؛ وكانت نتائج الاستفتاء التي نشرتها في كتابها كما يأتي: السؤال الأول - أجاب عنه بالإيجاب ١٠ , ٦٢٤ , ٥٦٠ شخصاً، وبالنفي ٣٣٧ , ٩٦٤ السؤال الثاني - أجاب عنه بالإيجاب ١٠ , ٠٥٨ , ٥٢٦ شخصاً وبالنفي ٨١٥ , ٣٦٥ السؤال الثالث - أيده بالإيجاب ٩ , ١٥٧ , ١٤٥ شخصاً، وعارضة ١ , ٦١٤ , ١٥٩ السؤال الرابع - أيده بالإيجاب ١٠ , ٠٠٢ , ٨٤٩ شخصاً وعارضه ٧٤٠ , ٦٣٤ السؤال الخامس - أجاب عنه بالإيجاب عن الشطر الأول أكثر من تسعة ملايين، وبالإيجاب عن شطر الثاني أكثر من ستة ملايين، وأجاب بالنفي عن الشطر الأول نحو ستمائة ألف وعن الشطر الثاني أكثر من مليونين

стр. 8966

ولمثل هذا الاستفتاء ونتائجه أهمية عظيمة في بلد كبريطانيا تتمتع بأعرق الأنظمة الديمقراطية، ويحسب فيه اكبر حساب للرأي العام، وتتجه السياسة الخارجية تحت مؤثرات الرأي العام ورغباته. ويتضح من مجموع الإجابات أن الشعب البريطاني يميل بصفة عامة إلى السلام والسياسة السلمية. وقد عقب الفيوكنت سسل على نتائج الاستفتاء بمقال عن حالة السياسة الدولية العامة قال فيه: (أن الموقف الأوربي قد ساء إلى اعظم حد، وقد أخذ العالم يتحرك نحو الحرب، وهزت الحوادث المخربة التي وقعت في الشرق الأقصى كل أنظمة السلام، وقامت أمة عسكرية (يريد اليابان) تتجاهل المعاهدات الدولية فاستولت على أراض شاسعة من أملاك جارتها، وتحدت معارضة جنيف بكل نجاح) (وقد قبلت عدة أمم أوربية نظام الدكتاتورية الذي يدعو إلى استعمال القوة كأداة صالحة لتسوية المسائل الدولية، وأنذرت دولتان عظيمتان عصبة الأمم بالانسحاب، وعاونت القومية الاقتصادية التي نشأت عن الأزمة العالية، على إحياء نظريات العزلة القديمة؛ والخصومات الجنسية التي تخلق بأشنع العصور الوسطى، ولاح أن أوربا تنحدر إلى حالة الطائفية القديمة التي أنقذتها منها المدنية النصرانية) تأريخ للصحافة كانت جريدة (التيمس) قد أصدرت بمناسبة عيدها الخمسين بعد المائة وهو الذي احتفلت به في شهر يناير الماضي، عدداً بتاريخ الصحافة من سنة ١٧٨٥ وهو عام إنشائها حتى يومنا. وقد لقي هذا العدد الخاص يومئذ رواجاً عظيماً وتفند بسرعة مدهشة حتى أن إدارة (التيمس) رأت أن تعيد طبعه ولكن في شكل كتاب يصلح للمكتبة. وقد صدر هذا المجلد أخيراً، وهو في نحو مائتين وعشرين صفحة، وهو يحتوي على تأريخ ضاف للصحافة وتطوراتها في مدى القرن ونصف القرن الذي عاشته الجريدة الإنكليزية الكبرى؛ وقد صدر بصورة فوتوغرافية لكتاب الملك جورج الخامس إلى التيمس وفيه يهنئها بعيدها؛ ونشرت صورة طريفة أخرى منها صورة تخطيطية لمدينة لندن منذ مائة وخمسين سنة حينما صدر العدد الأول من (التيمس) تحت عنوان (السجل اليومي العام). وقد طبع في ثوب قشيب في منتهى الأناقة، وجعلت منه نسخ مذهبة بديعة تناسب هذا التذكار الصحفي العظيم

стр. 8967

آراء جديدة في التربية تتحدث الصحف النمسوية في تلك الآونة عن العلامة المربي (البيدا جوجي) جاك دالكروزي وعن نظرياته في التربية، وذلك لمناسبة احتفاله ببلوغ السبعين من عمره. وجاك دالكروزي سويسري الأصل ولكنه ولد في فينا ونشأ بها في ذلك العهد السعيد، عهد شوبرت ويوهان شتراوس؛ ومال إلى الشعر والموسيقى، وظهر بطريف آرائه في التربية. وأنفق مدة الحرب في ألمانيا، ولكن نظرياته لم تلق هناك نجاحاً؛ ثم نزح إلى براج وهنالك ذاعت نظرياته، وأنشئت المدارس والبرامج الجديدة متأثرة بروحها، ويرى دالكروزي أن الموسيقى تولد مع الإنسان، وأن الإنسان ولا سيما الطفل يحملها في أعمق مشاعره؛ ومن ثم ابتكر دالكروزي نوعاً من الرياضة التوقيعية تتأثر بروح الموسيقى التي هي روح الإنسان. وتقوم نظرية دالكروزي الأساسية في التربية على أن الإنسان يستطيع الابتكار بطبيعته، وأن الإنسان هو الذي يخلق نفسه ويكونها، ولهذا يرى أنه يجب أن يعود الطفل الارتجال في القول والعمل؛ وهذه نظرية تخالف رأي بروكنر القائل بأن الإنسان لا يستطيع الابتكار إلا بعد التحصيل والمران الفني، ولكن جاك دالكروزي يبث روح الابتكار في تلاميذه، وينظمه كفن، ويرى أنه خير وسيلة لسرعة البت وتحقيق المجهود، وإدراك الآراء، وهو يصقل الشعور، ويوجد صلة مباشرة بين الروح الذي يتأثر ويوحي، وبين المخ الذي يفكر ويتصور؛ وقد دلت التجارب على أن الطفل يعشق الارتجال، وانه يتفوق في الابتكار أحياناً على الأحداث، وذلك لأن ذهنه لم يكن قد صفد بعد الأصول والقواعد الموضوعة، ولأن ذهنه يتمتع بالحرية الطبيعية ولنظريات دالكروزي في التربية وتكوين النشء أثر عميق في تربية الجيل الحاضر من الشباب في النمسا وتشكوسلوفاكيا.

стр. 8968

الكتب ١ - المقنع في رسم مصاحف الأمصار مع كتاب النقط لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني ٢ - المختار من شعر بشار للخالديين نشره وعلق حواشيه الأستاذ محمد بدر الدين العلوي للأستاذ محمد بك كرد علي تحدثنا في العدد الماضي عن كتاب التيسير في القراءات السبع للإمام أبي عمرو عثمان بن سعيد الداني الذي نشره العلامة برتزل. واليوم نتحدث عن كتابه الآخر وهو (المقنع) في رسم مصاحف الأمصار مع كتاب النقط نشره كذلك العلامة برتزل، قال المؤلف في مقدمته: (هذا كتاب أذكر فيه إن شاء الله ما سمعته من مشيختي، ورويته عن أئمتي، من مرسوم خطوط مصاحف أهل الأمصار: المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام وسائر العراق، المصطلح عليها قديماً، مختلفاً فيه ومتفقاً عليه، وما انتهى إليّ من ذلك، وصح لدي منهم عن الإمام مصحف عثمان بن عفان ﵁، وعن سائر النسخ التي انتسخت منه الموجه بها إلى الكوفة والبصرة والشام. وذكر كيف جمع عثمان المصحف، وروى أن علياً قال: لو وليت لفعلت الذي فعل عثمان. وقال: إن أكثر العلماء على أن عثمان بن عفان لما كتب المصحف جعله على أربع نسخ، وبعث إلى كل ناحية من النواحي بواحدة منهن، فوجه إلى الكوفة إحداهن، وإلى البصرة أخرى، وإلى الشام الثالثة، وأمسك عند نفسه واحدة. ثم أفاض في رسم المصاحف وذكر ما حذفت منه الياء اجتزاءً بكسر ما قبلها منها، وما حذفت منه الواو اكتفاء بالضمة منها أو لمعنى غيره، وما رسم بإثبات الألف على اللفظ أو المعنى، وما رسم بإثبات الياء على الأصل؛ وما رسم بإثبات الياء زائدة أو لمعنى، إلى ما يتعلق بذلك، وختم هذا الكتاب بقوله: (فان قيل فلم خص زيد (بن ثابت) بأمر المصاحف، وقد كان في الصحابةمن هو أكبر منه كابن مسعود، وأبي موسى الأشعري وغيرهما من متقدمي الصحابة، قلت إنما كان ذلك لأشياء كانت فيه، ومناقب اجتمعت له، لم تجتمع لغيره، منها أنه كتب الوحي للنبي ﷺ ، وأنه جمع القرآن كله

стр. 8969

على عهد رسول الله (ص)، وأن قراءته كانت على آخر عرضة عرضها النبي على جبريل ﵉، وهذه الأشياء توجب تقديمه لذلك وتخصيصه به، لامتناع اجتماعهما في غيره، وإن كان كل واحد من الصحابة رضوان الله عليهم له فضله وسابقته، فلذلك قدمه أبو بكر لكتابة المصاحف وخصه بها دون غيره، من سائر المهاجرين والأنصار؛ ثم سلك عثمان ﵁ طريق أبي بكر في ذلك إذ لم يسعه غيره، وإذ كان النبي (ص) قد قال اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر فولاه ذلك أيضاً وجعل معه النفر من القرشيين ليكون القرآن مجموعاً على لغتهم، ويكون ما فيه من لغات ووجوه على مذهبهم، دون ما لا يصح من اللغات ولا يثبت من القراءات. . .) وأتبع المؤلف كتاب المقنع في مرسوم المصاحف بكتاب نقط المصاحف وكيفية ضبطها على ألفاظ التلاوة، ومذاهب القراءة، بدأه بذكر من نقط المصاحف أولاً من التابعين ومن كره ذلك، ومن ترخص فيه من العلماء، ثم عرض لكل ما يتعلق بهذا الباب. وقد وضع الناشر فهرساً للآيات الواردة في كتاب التيسير وكتاب المقنع وكتاب النقط فجاء مسهلاً للمطالع والمراجع هذه عناية علماء المشرقيات بكتب الإسلام، أما خاصة أهله اليوم فساهون لاهون. وليت سادتنا علماء الأزهر والمعاهد المماثلة له في القطر، وأساتذة دار العلوم وغيرهم يتروون في عمل هؤلاء الأعاجم، وقد كان عليهم هم أن يأخذوا باليمين آثار السلف ليحيوها قبل أن تنتظر في الخزائن عطف الغرب أننا مدينون لعلماء المشرقيات من الهولانديين والجرمانيين والفرنسيين والبريطانيين والإيطاليين والأسبانيين، وغيرهم من شعوب أوربا وشمالي أمريكا، بما تفضلوا به علينا من نشر أسفارنا. أحسن الله إليهم بقدر ما أحسنوا لمدنيتنا وآدابنا. - ٢ - عني السيد محمد بدر الدين العلوي من أساتذة جامعة عليكرة الإسلامية في الهند بتصحيح (المختار من شعر بشار) اختيار الخالدين وشرحه لأبي طاهر إسماعيل بن أحمد بن ذيادة الله النجيبي الرقي من أهل القرن الخامس، فوقع في ٣٤١ عدا فهارس قوافي الأبيات والمصاريع وأسماء الشعراء وأسماء الرجال والنساء والقبائل والأصنام والأفراس والجمال.

стр. 8970

وهذا من الكتب التي يزيد أحياؤها مادة الأدب القديم، وتفيد في بث الجيد من الشعر والنثر وفصيح اللغة، وفيه جواب كاف شاف لمن حاولوا أن يحذفوا من كتب القدماء ما لم يروه منطبقاً بزعمهم على مصطلح هذا العصر في هزل الأدب ومضحكاته؛ فقد نقل من صفحة ٢٠١ إلى ما بعدها قصصاً وأشعاراً من هذا القبيل، أجاد الناشر ومعلق الفوائد على الكتاب السيد العلوي في إبقائها بحالها، على ما تقضي بذلك أمانة العلم، إذ الناس يحبون أن يروا الكتاب كما ألفه مؤلفه، لا كما راق ناشره، وقد يجوز هذا لنفسه حذف مواضع لم ترقه، وعبارات لا يستحن إثباتها أصحاب الذوق الجديد، فيجيء الكتاب المشذب على هذا النحو كتاب الناشر لا كتاب المؤلف، ولو كانت هذه الطريقة من إثبات ما يسمونه الفحش اليوم مما يستنكر لما رأينا الراغب الأصفهاني في محاضراته، ولا ابن حزم الضاهري في طوق الحمامة، وهما ما هما من المكانة الدينية والعلمية، يجوزان أن ينقلا أشياء من هذا القبيل يعدها بعضهم في عصرنا نابية عن حد الادب؛ فالناشر المستعرب الهندي إذن جدير بكل احترام وإعجاب لعنايته بنشر مصنف قديم على النحو الذي وضعه واضعه والشكر الكثير للجنة التأليف والترجمة والنشر على أحيائها هذه الكتب خدمة للمعارف والآداب سيذكرها التأريخ لجماعة متشاكلين في العلم والتربية تألفوا على غاية نبيلة واحدة، وهي خدمة العلم والأدب في مظاهره المنوعة. محمد كرد علي خواطر الخيال وإملاء الوجدان تأليف محمد كامل حجاج للدكتور عبد الوهاب عزام الأديب الأريب محمد كامل حجاج له فضل قديم على قراء العربية بما عرفهم من الأدب الغربي في كتابه الكبير (بلاغة الغرب) وأنا اعترف أني عرفت الأدب الغربي أول ما عرفته، في هذا الكتاب، وأحسب كثيراً من المتأدبين يشاركونني في هذا الاعتراف وقد اخرج الأديب الفاضل عام أول كتاباً سماه (خواطر الخيال وإملاء الوجدان)، وهو كتاب من إنشائه يتضمن خمسة وسبعين مقالاً في موضوعات شتى. والكتاب أربعة أقسام.

стр. 8971

وليست خواطر الخيال إلا القسم الأول منه الذي يحوي مقالات الربيع، والزمان، والزهرة، والشيطان الجميل، والأمل، والنور، والظلام ونحوها من الموضوعات الخيالية والوجدانية والقسم الثاني فيه أبحاث فلسفية ونفسية مثل الموسيقى والحب، الموسيقى والسحر، الموسيقى والتربية، أغاني الحب عند هنود امريكا، وأكثر ما في هذا القسم يتصل بالموسيقى. وكاتبنا الفاضل له ولع بالموسيقى، وخبرة بها، واهتمام بتاريخها. وقد ألف فيها كتاباً طبعه مؤتمر الموسيقى الذي اجتمع بالقاهرة منذ سنتين والقسم الثالث من الكتاب باب النقد وفيه مقالات كثيرة منها (بين القديم والحديث) ورواية عائدة، وألف ليلة وليلة، وعلى ضفاف الكنج، ونابغة شرقي مجهول، وفيه تراجم جماعة من أدبائنا في القرن الماضي مثل عبد الله باشا فكري، ومحمود باشا قدري، ورفاعة بك، وعبد الله نديم، ومحمود صفوت الساعاتي والقسم الرابع سماه الكاتب متفرقات وفيه أربع مقالات والأديب الفاضل محمد كامل حجاج مولع بالجمال حيثما تجلى. فهو كلف بالجمال في الحدائق، ذو دراية ودربة في زراعة البساتين، وهو كلف بالجمال في الموسيقى يكثر التحدث بها والكتابة عنها، وله فيها ذوق سليم. وهو كلف بالجمال في التصوير وله فيه حسنات. وهو كلف بالجمال في الفضيلة والأخلاق الطيبة، كريم الخلق مولع بالتحدث عن الخلق الكريم والدعوة إليه الخ الخ وهو إلى هذا كله واسع المعرفة بالأدب الفرنسي، حريص على إقناع قراء العربية بطرفه وروائعه هذا الكلف بالجمال في مظاهره المختلفة والبصر بالأدب الفرنسي يتجلى في صفحات الكتاب. ولست أستطيع تفصيل ما في الكتاب هنا ولكني أدعو المتأدبين إلى أن يقرأوا في الكتاب تفصيل ما أجملت، وبرهان ما أدعيت، فالكتاب جدير بالقراءة خليق باهتمام الأدباء وكاتبه جدير منا بالشكر والثناء عبد الوهاب عزام

стр. 8972

العدد ١٠٩ - بتاريخ: ٠٥ - ٠٨ - ١٩٣٥

стр. 8973

أساليب الاستعمار قضية الحبشة قضية الشرق وقضية الحرية للاستعمار الغربي تاريخ أسود، حافل بصنوف الاعتداءات الدموية على حقوق الأمم الضعيفة، وعلى أرواح الشعوب الآمنة وحرياتها وأرزاقها؛ ولكن هذا الاستعمار الدموي الغادر، لم يبلغ في عصر من العصور، ولا في ظرف من الظروف، ما يبلغه اليوم من الجرأة والاستهتار، بل من الإجرام والتوحش، فهو لا يحاول حتى أن يستر نياته كما عهدناه في الماضي أو يسبغ على تصرفه أي لون مشروع أو معقول، بل يتقدم بكل بساطة، مسفرا عن براثنه، شاهراً سلاحه للقضاء على الفريسة، متغنياً في غير حياء ولا وجل بما يستطيع أن يغنم من وراء الدم المسفوك، والحريات المغصوبة، والبلد المباح تلك هي الصورة التي يعرضها لنا النزاع الإيطالي الحبشي. ونقول النزاع من باب التجاوز، إذ أي نزاع هنالك؟ بلد حر مستقل منذ أحقاب التاريخ، وشعب آمن مطمئن في أرضه التي خصه الله بها، يريد الاستعمار الفاشستي الغاشم أن يلتهمه نهاراً جهاراً؛ ولا عذر له - إن صح التعبير - إلا أنه يريد أن يزيد في أرضه وفي ثرواته وفي سلطانه، وأن يحقق شهوة عرضت له في استباحة الهضاب الحبشية الغنية بكنوز الطبيعة، التي يضطرم جشعاً للحصول عليها. وأي طريق هذا الذي يلجأ إليه لتحقيق هذه الشهوة الوضيعة الغاشمة؟ هو القتل المنظم يسميه الحرب، والفتك الذريع يسميه الفتح؛ هو القرصنة المجردة، وهو السلب الجهر، وهو قطع الطريق؛ وهو أخيراً كل ما في الجريمة من عدوان وانتهاك وكل ذلك باسم المدنية الغربية والتهذيب الأوربي وأوربا المتمدينة، ما هو موقفها من ذلك العدوان الآثم؟ وشرائع الله وشرائع الأمم ما

стр. 8974

مصيرها؟ أما أوربا المتمدينة فهي تأتمر جمعاء مع هذه الفاشستية الدموية المتوحشة؛ وإذا شذت دولة فعرضت بعدوانها فإنما ذلك لغيرة أو منافسة؛ وإنما عصابة الاستعمار كلها يد واحدة تؤيد إيطاليا القوية الزاخرة بالجند والسلاح، لا باعتبارها دولة أوربية وقوة استعمارية فقط، ولكن باعتبارها دولة غربية تزمع أن تفترس أمة شرقية، وأمة بيضاء تزمع أن تفترس شعباً أسمر (ملوناً)؛ وكلها تأتمر مع القوي المعتدي ضد الضعيف المعتدى عليه، فتمتنع عن بيع السلاح للحبشة مصانعة لإيطاليا ومؤازرة لقضية الاستعمار المشتركة، لكي تعجز الحبشة عن الدفاع عن نفسها، ولكي يستطيع المعتدي أن يحصد أبنائها المدافعين عنها بأيسر أمر وأما شرائع الله وشرائع الأمم، فإن هذا الاستعمار الباغي ينتهكها شر انتهاك؛ بل إنه ليتيه كبرياء إذ يستطيع انتهاكها دون وازع، ويزعم أنه يستطيع بما لديه من القوى والعدد أن يسخر من رأي العالم ومن الإنسانية كلها؛ فحقوق الأمم وحرياتها المقدسة، وأمن الشعوب وحياة الأمم والأفراد كلها لغو في نظره؛ ثم هو يطأ قانون الأمم (القانون الدولي) بقدميه ويسحقه سحقاً، فلا ترده عن مشروعه الآثم معاهدات سلم وتحكيم يرتبط بها، ولا يحترم معاهدات خاصة عقدها مع الأمة التي ينوي افتراسها يوم كان يخطب ودها تلك هي إيطاليا الفاشستية، وذلك هو موقفها كما يعرضه ذلك الرجل! ذلك الطاغية الذي يزعم أنه بعدوانه الصارخ على حرية الأمم، يقود أمته في سبيل المجد والعظمة والثراء، وما يقودها إلا في سبيل الدمار والفناء لقد كانت إيطاليا لأقل من قرن أمة ذليلة تصفدها أغلال الحكم الأجنبي، وكانت أوربا والعالم كله يعجب بكفاحها في سبيل حرياتها؛ وما زالت أسماء أولئك الزعماء الذين قادوها في سبيل الحرية أمثال مازيني وأورسيني وكافور وجاريبالدي تستثير إعجاب الخلف وتقديره. ولكن إيطاليا، ولكن ذلك الطاغية الذي يسيطر على مصايرها اليوم، يوشك أن يقضي بمعوله المخرب على ذلك الصرح النبيل الذي ما زالت تتخذه الأمم الطامحة إلى حرياته مثلا أعلى إن هذا النزاع الذي تهتز له اليوم أرجاء العالم كله، ليس قضية إيطاليا والحبشة بل هو أجل شأناً من ذلك وأبعد مدى؛ هو قضية الغرب الظافر والشرق المغلوب، وهو قضية

стр. 8975

الاستعباد والحرية؛ وإذا كانت قوى الاستعمار تتضافر اليوم مع إيطاليا لتزيدها جرأة على جرأتها، وقوة على قوتها، فذلك لأنها ترى في سحق الحبشة سحق آخر معقل للحرية الأفريقية؛ وإذا كانت بعض الدول الاستعمارية تحاول أن تبذل باسم عصبة الأمم جهوداً لاتقاء الحرب الأفريقية، فليس ذلك حباً منها للسلام أو عطفاً على الحبشة، ولكن لأنها تشفق أن يثير هذا الفصل الجديد في الصراع بين الشرق والغرب، وبين الاستعمار وفرائسه، اضطراباً في أملاكها ومستعمراتها، وأن يذكي في الأمم المستعبدة روح الانتقاص والثورة فتعمل على تقويض سلطانها المغصوب إن فرصة تلوح في الأفق للأمم الشرقية، فهل تعنى الأمم الشرقية بمراقبة الحوادث، وهل تعد نفسها لانتهاز فرصتها؟ (. . .)

стр. 8976

كلمات عن حافظ للأستاذ مصطفى صادق الرافعي ذهبت بقلبي إلى كل مكان فوجدت أمكنة الأشياء ولم أجد مكان قلبي؛ أيها القلب المسكين أين أذهب بك؟ هذا ما أجبت به (حافظ) حين سألني مرةً: ما لك لا ترضى ولا تهدأ ولا تستقر؟ وكان يخيل إلي أنه هو راضٍ مستقر هادئ، كأنما قضى من الحياة نهمته ولم يبق في نفسه ما تقول نفسه ليت ذلك لي. وكنت أعجب لهذا الخلق فيه ولا أدري ما تعليله إلا أن يكون قد خلق مطبوعاً بطابع اليتم فلم يعرف منذ أدرك ألا أنه أبن القدر؛ تأتيه الأفراح والأحزان من يد واحدة مقبلة كما تنال الصبي ألطاف أبيه ولطمات أبيه. . . . وقد قلت له مرة: كأنك يا حافظ تنام بلا أحلام؛ فضحك وقال. أو كأنني أحلم بغير نوم. . . . ولقد عرفته منذ سنة ١٩٠٠ إلى أن لحق بربه في سنة ١٩٣٢ فما كنت أراه على كل أحواله إلا كاليتيم محكوماً بروح القبر، وفي القبر أوله. ولما أزمع السفر إلى اليونان قلت له: ألا تخشى أن تموت هناك فتموت يونانياً. . . . فقال: أو تراني لم أمت بعد في مصر. . .؟ إن الذي بقي هين ومن عجائب هذا اليتيم الحزين أنه كان قوي الملكة في فن الضحك، كأن القدر عوضه به ليوجده في الناس عطف الآباء ومحبة الأخوة. ولم يخل مع فقره من ذريعة قوية إلى الجاه، ووسيلة مؤكدة إلى ما هو خير من الغنى؛ فكانت أسبابه إلى الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، ثم حشمت باشا، ثم سعد باشا زغلول؛ وهذا نظام عجيب في زمن (حافظ) يقابل الاختلال العجيب في نفس حافظ؛ فالرجل كالسفينة المتكفئة تميل بها موجة وتعدلها موجة، وهي بهذه وبهذه تمر وتسير وأولئك الرؤساء العظماء الذين جعلهم القدر نظاماً في زمن حافظ كانوا من أفقر الناس إلى الفكاهة والنادرة، فكان لهم كالثروة في هذا الباب، ووقع إصلاحاً في عيشهم وكانوا إصلاحاً في عيشه؛ ولو إن الأقدار تشبه بالمدارس المختلفة لقلنا إن (حافظ) تخرج منها في مدرسة التجارة العليا. . . . فهو كان أبرع من يتاجر بالنادرة

стр. 8977

وهذه النوادر كأنها هي أيضاً صنعت (حافظ) في شكل نادرة. فكان فقيراً، ومع هذا كان للمال عنده متمم هو إنفاقه وإخراجه من يده؛ وكان يتيماً، ولكنه دائماً متودد؛ وكان حزيناً، ولكنه أنيس الطلعة؛ وكان بائساً، ولكنه سليم الصدر، وكان في ضيق، ولكنه واسع الخلق؛ وتمام النادرة فيه أنه كان طوال عمره متبسطاً مهتزاً كأن له زمناً وحده غير زمن الناس، فتتراكم عليه الهموم وهو مستنيم إلى الراحة، ويعتريه من الجوع مثل مكسلة الشبع، ويسترسل إلى البطالة وكأنه مشمر للجد، ويستمكن الحزن منه في ساعة فيتهدد حزنه بالساعة التالي. . . . رأيته في أحد أيام بؤسه الأولى قبل أن يتصل عيشه وكان يعد قروشاً في يده فقلت: ما أمر هذه القروش؟ قال: كنت أقامر الساعة فأضعت ثلاثين قرشاً ولم يبق لي غير هذه القروش الملعونة، فهلم نتعش. ودخل إلى مطعم كان وراء حديقة الأزبكية فزعمت له أني تعشيت. . . فأكل هو ودفع ثمن طعامه ثلاثة قروش. وكنت أطالع في وجهه وهو يأكل، فما أتذكره الآن إلا كما طالعته بعد عشرين سنةً من ذلك التاريخ حين دعاني (حافظ) إلى مطعم بار اللواء وقد فاضت أنامله ذهباً وفضة. وكان ﵀ قد أصدر الجزء الثاني من (البؤساء) ورآني في القاهرة فأمسك بي حتى قرأت معه الكتاب كله فيما بين الظهر والمغرب؛ وركبنا في الأصيل عربة وخرجنا نتنزه أي خرجنا نقرأ. . . وكان على وجه (حافظ) لون من الرضى لا يتغير في بؤس ولا نعيم كبياض الأبيض وسواد الأسود. وهذا من عجائب الرجل الذي كان في ذات نفسه فناً من الفوضى الإنسانية حتى لكأنه حلم شعري بدأ من أبويه ثم انقطع وترك لتتممه الطبيعة! ومن نظر إلى (حافظ) على اعتبار أنه فن من الفوضى الإنسانية رآه جميلاً جمال الأشياء الطبيعية لا جمال الناس؛ ففيه من الصحراء والجبال والصخور والغياض والرياض والبرق والرعد وأشباهها. وكنت أنا أراه بهذه العين فأستجمله، ويبدو لي جزلاً مطهماً، وأرى في شكله هندسةً كهندسة الكون تتم محاسنها بمقابحها. وكم قلت له: إنك يا حافظ أجمل من القفر. . . . . . أما هو فكان يرى نفسه دميماً شنيع المرآة متفاوت الخلق كأنه إنسان مغلوط في تركيبه. . .

стр. 8978

وقد سألته مرة: هل أحب؟ فقال: النساء اثنتان: فأما جميلة تنفر من قبحي، وإما دميمة أنفر من قبحها؛ ولهذا لم يفلح في الغزل والنسيب، ولم يحسن من هذا الباب شيئاً يسمى شيئاً؛ وبقي شاعراً غير تام، فإن المرأة للشاعر كحواء لآدم، هي وحدها التي تعطيه بحبها عالماً جديداً لم يكن فيه. وكل شرها أنها تتخطى به السماوات نازلاً. . . وتهدم حافظ في أواخر أيامه من أثر المرض والشيخوخة، وكان آخر العهد به أن جاء إلى إدارة (المقتطف) وأنا هناك فلم يرني حتى بادرني بقوله: ماذا ترى في هذا البيت في وصف الأمريكان: وتخِذتُم مَوْج الأثير بَريداً … حين خِلتُم أن البرُوق كُسالى فنظرت إلى وجهه المعروق المتغضن وقلت له: لو كان فيك موضع قبلة لقبلتك لهذا البيت؛ فضحك وأدار لي خده؛ ولكن بقى خده بلا تقبيل. . . وشهرة هذا الأديب العظيم بنوادره، ومحفوظاته من هذا الفن أمر مجمع عليه؛ وكان يتقصص النوادر والفكاهات ومطارحات السمر من مظانها في الكتب ورجال الأدب وأهل المجون، فإذا قصها على من يجالسه زاد في أسلوبها أسلوبه هو، وجعل يقلبها ويتصرف فيها ويبين عنها أحسن الإبانة بمنطقه ووجهه ونبرات في لسان ونبرات في يده وهو أصمعي هذا الباب خاصة، يروي منه رواية عريضة، فإذا استهل سح بالنوادر سحاً كأنها قوافي قصيدة تدعو الواحدة منها أختها التي بعدها وقد أذكرتني (القوافي) مجلساً حضرته قديماً في سنة ١٩٠١ أو ١٩٠٠ وكان (مصباح الشرق) قد نشر قصيدة رائية لأبن الرومي، فتعجب المرحوم الشيخ محمد المهدي من بسطة أبن الرومي في قوافيه، فقال له (حافظ) هلم نتساجل في هذا الوزن حتى ينقطع أحدنا. وكانت القافية من وزن: قدرها، أحمرها، أخضرها الخ، وجعلت أنا أحصي عليهما؛ فلما ضاق الكلام كان الشيخ المهدي يفكر طويلاً ثم ينطق باللفظ ولا يكاد يفعل حتى يرميه حافظ على البديهة، فيعود الرجل إلى الإطراق والتفكير؛ ثم انقطع أخيراً وبقي حافظ يسرد له من حفظه الغريب أما في لنوادر فالعجيبة التي اتفقت له في هذا الباب أنه جاء إلى طنطا في سنة ١٩١٢

стр. 8979

ومديرها يومئذ المرحوم (محمد محب باشا) وكان داهية ذكياً وظريفاً لبقاً، وكنت أخالطه وأتصل به، فدعا (حافظ) إلى العشاء في داره؛ فلما مدت الأيدي قال الباشا: لي عليك شرط يا حافظ. قال وما هو؟ قال: كل لقمة بنادرة فتهلل حافظ وقال: نعم لك علي ذلك. ثم أخذ يقص ويأكل، والعشاء حافل، وحافظ كان نهماً فما انقطع ولا أخل حتى وفى بالشرط. وهذا لا يمنع أن الباشا كان يتغافل ويتغاضى ويتشاغل بالضحك فيسرع حافظ ويغالط بفمه. . . . ولكن هذه المضحكات أضحكت من (حافظ) مرة كما أضحكت به. فلما كان يترجم (مكبث) لشكسبير - وهي كأعماله الناقصة دائما - دعوه لإلقاء (محاضرة) في نادي المدارس العليا، والنادي يومئذ يجمع خير الشباب حميةً وعلماً، وكان صاحب السر فيه (السكرتير) زينة شباب الوطنية المرحوم أمين بك الرافعي. فقام حافظ فأنشدهم بعض ما ترجمه نظما عن شكسبير ومثله تمثيلاً أفرغ فيه جهده فأطرب وأعجب. ثم سألوه (المحاضرة) فأخذ يلقي عليهم من نوادره. وبدأ كلامه بهذه النادرة: عرضت على المعتصم جارية يشتريها، فسألها: أنت بكر أم ثيب؟ فقالت: كثرت الفتوح على عهد المعتصم. . . ونظر حافظ إلى وجوه القوم فأنكرها. . . وبقيت هذه الوجوه إلى آخر المحاضرة كأنها تقول له: إنك لم تفلح ولقد كان هذا من أقوى الأسباب في تنبه (حافظ) إلى ما يجب للشباب عليه إن أراد أن يكون شاعره، فأقبل على القصائد السياسية التي كسبهم بها من بعد. ونادرة المعتصم كالعورة المكشوفة؛ ولست أدري أكان حافظ يعرف النادرة البديعة الأخرى أم لا. فقد عرضت جارية أديبة ظريفة على الرشيد فسألها: أنت بكر أم إيش؟ فقالت: أنا (أم إيش) يا أمير المؤمنين. . . وفن (الشعر الاجتماعي الذي عرف به حافظ؛ لم يكن فنه من قبل ولا كان هو قد تنبه له أو تحراه في طريقته. فلما جاءت إلى مصر الإمبراطورة (أوجيني) نظم قصيدته النونية التي يقول فيها: فاعذرينا على القصور كلانا … غيرته طوارئ الحدثان ولقيته بعدها فسألني رأيي في هذه القصيدة، وكان بها مدلاً معجباً شأنه في كل شعره؛

стр. 8980

فانتقدت منها أشياء في ألفاظها ومعانيها وأشرت إلى الطريقة التي كان يحسن أن تخاطب بها الإمبراطورة. فكأنني أغضبته؛ فقال: إن الشيخ محمد عبده، وسعد زغلول، وقاسم أمين، أجمعوا على أن هذا النمط هو خير الشعر، وقالوا لي: إذا نظمت فانظم مثل هذا (الشعر الاجتماعي)، ثم كأنه تنبه إلى أنها طريقة يستطيع أن ينفرد بها فقال: إن كل قصائد شوقي الآن غزل ومدح، ولا أثر فيها لهذا الشعر، على أنه هو الشعر وتتابعت قصائده الاجتماعية، فلقيني بعدها مرة أخرى فقال لي: إن الشاعر الذي لا ينظم في الاجتماعيات ليس عندي بشاعر. وأردت أن أغيظه فقلت له: وما هي الاجتماعيات إلا جعل مقالات الصحف قصائد. . .؟ فالأستاذ الإمام وسعد زغلول وقاسم أمين: أحد هؤلاء أو جميعهم أصل هذا المذهب الذي ذهب إليه حافظ. وهو كثيراً ما كان يقتبس من الأفكار التي تعرض في مجلس الشيخ محمد عبده من حديثه أو حديث غيره فيبني عليها أو يدخلها في شعره. وهو أحياناً رديء الأخذ جداً حين يكون المعنى فلسفيا إذ كانت ملكة الفلسفة فيه كالمعطلة، وإنما هي في الشاعر من ملكة الحب، وإنما أولها وأصلها دخول المرأة في عالم الكلام بإبهامها وثرثرتها. . . وكنت أول عهدي بالشعر نظمت قصيدة مدحت فيها الأستاذ الإمام وأنفذتها إليه، ثم قابلت حافظ بعدها فقال لي إنه هو تلاها على الإمام، وإنه استحسنها. قلت: فماذا كانت كلمته فيها؟ قال: إنه قال: لا بأس بها. . . فاضطرب شيطاني من الغضب، وقلت له: إن الشيخ ليس بشاعر، فليس لرأيه في الشعر كبير معنى. قال: ويحك إن هذا مبلغ الاستحسان عنده قلت: وماذا يقول لك أنت حين تنشده؟ قال: أعلى من ذلك قليلاً. . . فأرضاني والله أن يكون بيني وبين حافظ (قليل)، وطمعت من يومئذ وأنا أرى أن (حافظ إبراهيم) إن هو إلا ديوان (الشيخ محمد عبده)، لولا أن هذا هذا، لما كان ذلك ذلك ومن أثر الشيخ في حافظ أنه كان دائماً في حاجة إلى من يسمعه، فكان إذا عمل أبياتاً ركب إلى إسماعيل باشا صبري في القصر العيني، وطاف على القهوات والأندية يسمع الناس بالقوة. . . إذ كانت أذن الإمام هي التي ربت الملكة فيه، وقد بينا في مقالنا في (المقتطف)

стр. 8981

وكان تمام الشعر الحافظي أن ينشده حافظ نفسه؛ وما سمعت في الإنشاد أعرب عربية من البارودي، ولا أعذب عذوبة من الكاظمي، ولا أفخم فخامة من حافظ؛ ﵏ جميعاً وكان لأديبنا يجل البارودي إجلالاً عظيما، ولما قال في مدحه: فمُرْ كلَّ معنى فارسيّ بطاعتي … وكلَّ نَفور منه أن يتودَّدا قلت له: ما معنى هذا؟ وكيف يأمر البارودي كل معنى فارسي وما هو بفارسي؟ قال: إنه يعرف الفارسية، وقد نظم فيها، وعنده مجموعة جمع فيها كل المعاني الفارسية البديعة التي وقف عليها. قلت: فكان الوجه أن تقول: أعرني المجموعة التي عندك. . . أما الكاظمي فكان حافظ يجافيه ويباعده، حتى قال لي مرة وقد ذكرته به: (عققناه يا مصطفى!) وما أنس لا أنس فرح حافظ حين أعلمته أن الكاظمي يحفظ قصيدة من قصائده. وذلك أنهم في سنة ١٩٠١ - على ما أذكر - أعلنوا عن جوائز يمنحونها من يجيد في مدح الخديو، وجعلوا الحكم في ذلك إلى البارودي وصبري والكاظمي. ثم تخلى البارودي وصبري، وحكم الكاظمي وحده، فنال حافظ المدالية الذهبية ونال مثلها السيد توفيق البكري ولما زرت الكاظمي وكنت يومئذ مبتدئاً في الشعر ولا أزال في الغرزمة قال: لماذا لم تدخل في هذه المباراة؟ قلت: وأين أنا من شوقي وحافظ وفلان وفلان؟ فقال: (ليه تخلي همتك ضعيفة؟) ثم أسمعني قصيدة حافظ وكان معجباً بها، فنقلت ذلك إلى حافظ فكاد يطير عن كرسيه في القهوة وكان تعنت حافظ على الكاظمي لأنه غير مصري. ففي سنة ١٩٠٣ كانت تصدر في القاهرة مجلة اسمها (الثريا) فظهر في أحد أعدادها مقال عن الشعراء بهذا التوقيع (*). وانفجر هذا المقال انفجار البركان، وقام به الشعراء وقعدوا، وكان له في الغارة عليهم كزفيف الجيش وقعقة السلاح، وتناولته الصحف اليومية، واستمرت رجفته الأدبية نحو الشهر؛ وانتهى إلى الخديو، وتكلم عنه الأستاذ الإمام في مجلسه، واجتمع له جماعة من كبار أساتذة العصر السوريين كالعلامة سليمان البستاني، وأديب عصره الشيخ إبراهيم اليازجي، والمؤرخ الكبير جورجي زيدان - إذ كان صاحب المجلة سورياً - وجعلوا ينفذون إلى صاحب المجلة دسيساً بعد دسيس ليعلموا من هو كاتب المقال

стр. 8982

وشاع يومئذ أني أنا الكاتب له؛ وكان الكاظمي على رأس الشعراء فيه، فغضب حافظ لذلك غضباً شديداً، وما كاد يراني في القاهرة حتى ابتدرني بقوله: ورب الكعبة أنت كاتب المقال؛ وذمة الإسلام أنت صاحبه ثم دخلنا إلى (قهوة الشيشة) فقال في كلامه: إن الذي يغيظني أن يأتي كاتب المقال بشاعر من غير مصر فيضعه على رءوسنا نحن المصريين. فقلت: ولعل هذا قد غاظك بقدر ما سرك ألا يكون على رأسك هو شوقي. . . وغضب السيد توفيق البكري غضباً من نوع آخر، فاستعان بالمرحوم السيد مصطفى المنفلوطي استعانة ذهبية. . . . وشمر المنفلوطي فكتب مقالا في (مجلة سركيس) يعارض به مقال (الثريا)، وجعل فيه البكري على رأس الشعراء. . . ومدحه مدحا يرن رنيناً أما أنا فتناولني بما استطاع من الذم وجردني من الألفاظ والمعاني جميعاً، وعدني في الشعراء ليقول إني لست بشاعر. . . فكان هذا رد نفسه على نفسه وتعلق مقال المنفلوطي على المقال الأول فاشتهر به لا بالمنفلوطي؛ وغضب حافظ مرة ثانية، فكتب إلي كتاباً يذكر فيه تعسف هذا الكاتب وتحامله، ويقول قد وكلت إليك أمر تأديبه فكتبت مقالاً في جريدة (المنبر) وكان يصدرها الأستاذان محمد مسعود وحافظ عوض، ووضعت كلمة المنفلوطي التي ذمني بها في صدر مقالي أفاخر بها. . . وقلت: إني كذلك الفيلسوف الذي أرادوه أن يشفع إلى ملكه فأكب على قدم الملك حتى شفّعه؛ فلما عابوه بأنه أذل حرمة الفلسفة بانحنائه على قدم الملك وسجوده له، قال: ويحكم، فكيف أصنع إذا كان الملك قد جعل أذنيه في رجليه. . . . . . ولم يكن مضى لي في معالجة الشعر غير سنتين، حين ظهر مقال (الثريا)، ومع ذلك أصبح كل شاعر يريد أن يعرف رأيي فيه؛ فمررت ذات يوم (بحافظ) وهو في جماعة لا أعرفهم، فلما اطمأن بي المجلس قال حافظ: ما رأيك في شعر اليازجي؟ فأجبته؛ قال: فالبستاني، فنجيب الحداد، ففلان، ففلان؛ فداود بك عمون؟ قلت: هذا لم أقرأ له إلا قليلاً لا يسوغ معه الحكم على شعره. قال: فماذا قرأت له؟ قلت: رده على قصيدتك إليه: شجتنا مطالع أقمارها. قال فما رأيك في قصيدته هذه؟ قلت: هي من الشعر الوسط الذي لا يعلو ولا ينزل

стр. 8983

فما راعني إلا رجل في المجلس يقول: أنصفت والله! فقال حافظ: أقدم لك داود بك عمون. . . . . . رحم الله تلك الأيام (طنطا) مصطفى صادق الرافعي

стр. 8984

قضايا التاريخ الكبرى ٢ - من قضايا السحرة صفحة من الجرائم المروعة للأستاذ محمد عبد الله عنان كان لظهور هذه الحقائق المروعة عن جرائم السحرة وقع عميق في باريس وفي فرنسا بأسرها؛ ولم يكن القضاء العادي ليكفي لسحق هذه الطغمة الآثمة وتطهير المجتمع من عيثها الذريع، فرأى لويس الرابع عشر ووزرائه أن يعهد بعقابها إلى القضاء الاستثنائي، وانتدبت لذلك محكمة خاصة هي (الغرفة الساطعة) الشهيرة في ذلك العصر، وسميت كذلك لأن المحاكم الخاصة التي تنتدب للنظر في الجرائم الكبرى كانت تجلس في غرفة تجلل جدرانها بالسواد وتنار بالمشاعل والمصابيح وعقدت (الغرفة الساطعة) جلستها الأولى في العاشر من أبريل سنة ١٦٧٩، وقررت أن تكون إجراءاتها وتحقيقاتها سرية حتى لا يقف الجمهور على شيء من الأعمال السحرية أو أسرار السموم؛ وتولى الرآسة المستشار لوي بوشرا كونت دي كومبان يعاونه عدة من أعضاء مجلس الدولة؛ وتولى لاريني مهمة القاضي المحقق؛ وكانت إجراءاتها تتلخص في أن كل من تقع عليه شبهة الاتهام يقبض عليه بأمر الملك أعني بواسطة (اللتر دي كاشيه) (أو رقعة السجن)، وتقدم نتيجة التحقيق الأول إلى النائب العام، وله وحده أن يقرر المواجهة بين الشركاء، وعند انتهاء التحقيق يرفع به تقرير ضاف إلى (الغرفة الساطعة)؛ وهي تقرر ما إذا كان يجب الاستمرار في اعتقال المتهم، فإذا قررت ذلك، أستمر التحقيق معه؛ وعند نهايته، ترفع أوراق الاتهام إلى المحكمة، فيقرؤها القضاة، ويقدم نائب الملك (النائب العمومي) طلباته سواء بتبرئة المتهم أو بالحكم عليه؛ ثم تسمع أقوال المتهم فوق منصة المحكمة وبعدها تصدر المحكمة حكمها غير قابل للاستئناف وكانت (الغرفة الساطعة) تعقد في قصر (الأرسنال)؛ واستمر انعقادها باستمرار حتى يوليه سنة ١٦٨٢ عدا فترة أشهر وقفت فيها جلساتها؛ وبلغ عدد المتهمين الذين قدموا إليها ٤٤٢ متهماً، تقرر استمرار اعتقال ١١٨ منهم؛ وحكم بالإعدام على ستة وثلاثين، وتقرر تعذيبهم

стр. 8985

بالتحقيق العادي وبالتحقيق الاستثنائي، ثم أعدموا حرقاً كما سيجيء؛ ومات اثنان في السجن؛ وحكم على خمسة بالأشغال الشاقة، وبالنفي على ثلاثة وعشرين؛ وأطلق سراح الباقين لا لأنهم أبرياء، ولكن لأن لهم شركاء في التهم المسندة إليهم من أكابر الدولة والسادة وأرفع سيدات البلاط يقول فولتير في كتابه (عصر لويس الرابع عشر) في حديثه عن قضية السحرة، إن أعظم رؤوس في المملكة استدعوا لإبداء أقوالهم أمام (الغرفة الساطعة) ومنهم ابنتا أخت الكردينال مازاران؛ والدوقة دي بويون، والكونتة دي سواسون والدة البرنس أوجين، والمارشال دي لوكسمبورج؛ وقد كان لهؤلاء جميعاً ولغيرهم من أكابر المملكة علائق ومعاملات مع السحرة وقد كشف التحقيق عن واقعة أشنع وأفظع هي أن حياة الملك ذاتها كانت موضعاً لائتمار السحرة، وأن التحريض على اغتيالها لم يجيء إلا من أعماق القصر، ومن أقرب المقربين لشخص الملك ذاته كانت مدام دي مونتسبان حظية لويس الرابع عشر الشهيرة، قد وصلت في ذلك العصر إلى ذروة القوة والنفوذ، وتبوأت في البلاط أرفع مكانة، وبسطت سلطانها على المليك المتيم على مدى أعوام طويلة؛ ولكن حل عهد السأم والهجران أخيراً، ومال الملك عن حظيته القديمة إلى حظية جديدة هي فتاة من وصيفات الشرف تدعى الآنسة دي فونتاج، فلما شعرت مدام مونتسبان بأفول نجمها اضطرمت سخطاً ويأساً، وفكرت في أن تنتقم من الملك وحظيته الجديدة معاً، واتصلت بالساحرة لافوازان وزميلة لها تدعى لاتريانون، فتعهدتا بتدبير مشروع لاغتيال الملك؛ وتعهد الساحران المسممان روماني وبرتران بقتل الآنسة دي فونتانج، وبذلت مدام دي مونتسبان للسحرة مالا وفيراً وكانت مدام دي مونتسبان إبان نفوذها وسلطانها وثيقة الصلات بلافوازان وشركائها؛ وكانت تلجأ إلى السحرة التماسا لتوطيد نفوذها بفعل السحر والتمائم؛ وكانت هذه الحسناء المتكبرة تنزل عند دجل السحرة، وتقبل الاشتراك في إجراءات السحر الأسود، فترقد عارية أمام أولئك الطغام، وتقوم لافوازان وزملاؤها بإجراء القربان الدموي والسحر الأسود، وتعتقد الحظية الهائمة أنها بذلك تذكي نار حبها في نفس الملك وتوطد دعائم نفوذها

стр. 8986

وسلطانها ويتلخص مشروع اغتيال الملك كما دونه لاريني من أقوال لافوازان وشركائها في أن الجناة فكروا أولاً في أن يزهقوا الملك بالسم، وذلك بأن ينثروه على ثيابه أو حيثما أعتاد أن يمر، فيستنشقه تباعاً ويموت ببطء، وتعهدت الآنسة ديزييه وصيفة مدام دي مونتسبان بتأدية هذه المهمة. ولكن لافوازان رأت بعد التفكير أن تلجأ إلى وسيلة أخرى. وذلك أن لويس الرابع عشر اعتاد طبقاً لعادة قديمة أن يتلقى بنفسه في أيام معينة العرائض التي يرفعها إليه رعاياه بالتظلم والالتماس، ويسمح لكل بالدخول عليه عندئذ دون فارق أو تمييز، ففكرت لافوازان أن تعد عريضة من هذا النوع تضمخها بنوع من السم الزعاف، فإذا تناولها الملك بين يديه سرى إليه السم وهلك؛ وتعهدت الساحرة لاتريانون بإعداد هذه العريضة، وتعهدت لافوازان بتقديمها إلى الملك. ورؤى أن يكون موضوعها طلب الغوث لشخص يشتغل بالسيميا ويدعى بلسيس ويعتقله المركيز دي ترم في قصره، وسعت لافوازان لدى وصيف بالقصر من معارفها ليسهل لها مهمة تقديم العريضة بنفسها وارتاع الجناة لجرأة لافوازان، وتنبئوا لها بالوقوع بين براثن القضاة متهمة بجريمة دولة؛ ولم يكن الموت شر ما يخشاه السحرة في تلك العصور، بل كان التعذيب أشد ما يروعهم، بيد أن لافوازان كانت تخلبها وتغريها مائة ألف جعلتها مدام دي مونتسبان ثمناً للجريمة (نحو مليون فرنك من النقد المعاصر)، فقصدت إلى سان جرمان في يوم ٥ مارس سنة ١٦٧٩، ثم في التاسع منه، محاولة أن تصل إلى الملك فتقدم إليه العريضة المسمومة، ولكنها لم تفز ببغيتها، فعادت مكتئبة إلى باريس، ولكن مصممة على أن تعود في أول فرصة. بيد أن عين لاريني كانت ساهرة ترقب أعمال السحرة؛ وفي الثاني عشر من مارس قبض عليها وعلى أبنتها مرجريت، وعلى عدة من شركائها حسبما أسلفنا ولما ذاع نبأ القبض على لافوازان وشركائها، ارتاعت مدام دي مونتسبان، وغادرت البلاط في الحال إلى الريف، فمكثت هنالك مدى حين أنفقت المحكمة الخاصة أو (الغرفة الساطعة) أشهراً طويلة في تحقيقات وإجراءات يتسع نطاقها يوماً عن يوم، وكان التحقيق يمتد شيئاً فشيئاً إلى طائفة من الرؤوس الكبيرة، حتى أن المحقق لاريني اضطر أن يطلب حرساً خاصاً لمرافقته في زيارته لسجن فنسان حيث

стр. 8987

اعتقل المتهمون، وكثر الهمس والوعيد حول قضاة الغرفة الساطعة، واهتم الملك ووزراؤه بالأمر، وكتب لوفوا رئيس الوزراء إلى رئيس المحكمة يقول له: إنه لمناسبة ما نمى إلى جلالته من الحديث حول (الغرفة) وإجراءاتها، فإن جلالته قد أمر بتبليغ القضاة أنه يؤكد لهم حمايته، وأنه يطلب إليهم أن يستمروا في إقامة العدالة بثبات. ثم زاد الملك على ذلك فاستدعى إليه قضاة المحكمة ليطمئنهم ويشجعهم؛ ويقول لنا لاريني تعليقاً على تلك المقابلة، إن جلالته قد أوصاه بتحقيق العدالة والواجب، وإنه يرجو تحقيقاً لخير المجموع أن ننفذ جهد الاستطاعة إلى أسرار جرائم السموم، وأن نجتث جذورها إذا استطعنا وذلك دون تفريق بين الأشخاص والمقامات بيد أنه قد طلب إلى القضاة من جهة أخرى أن يلزموا التحفظ في بعض الأمور، وظهر أثر هذا التحفظ في الحرص على عدم إحالة لافوازان إلى التعذيب، وذلك خوفاً من أن ينطلق لسانها حين التعذيب بما لا يريد أن يذاع وأن يعرف؛ ومع ذلك فقد صرحت لافوازان في ساعاتها الأخيرة عقب الحكم عليها بالإعدام (أنها مضطرة لأن تقول إراحة لضميرها إن عدداً كبيراً من الناس من جميع الطوائف والطبقات قد لجأ إليها سعياً إلى إزهاق الكثيرين، وإن الباعث الأول لهذه الجرائم إنما هو الفجور) ولما وقف لويس الرابع عشر على أقوال مرجريت مونفوازان ابنة لافوازان عقب إعدام أمها، كتب إلى لاريني يطلب إليه أن يدون اعترافاتها وما يترتب على هذه الاعترافات من مواجهات ومناقشات في ملف خاص، وكذلك أقوال الساحرين روماني وبرتران، وهما من شركاء لافوازان. وقد كانت أقوال مرجريت مونفوازان ذات أهمية كبيرة لأنها تتعلق بمشروع تسميم الملك، ومن جهة أخرى فقد وعد لوفوا الساحر ليساج بأن ينقذ حياته إذا قال كل شيء، ولكنه لما ذهب في اعترافاته إلى حدود مروعة، رمي بالكذب ولم يقبل المحقق أن يصغي إليه بعد؛ وأدلت متهمة أخرى تدعى فرانسواز فيلاستر بمعلومات مثيرة مدهشة، فأمر الملك بأن تودع أقوالها في ملف خاص، وأن ترفع إلى مجلسه؛ وهكذا بلغ من اهتمام لويس الرابع عشر بهذه القضية أن لبث يتتبع كل أدوارها، وأن يسحب من أوراق التحقيق كل ما لا يرغب في إذاعته؛ والواقع أن لويس الرابع عشر تأثر أيما تأثر لما كشفت عنه التحقيقات من الوقائع والحقائق المؤلمة التي تصيبه في أعز عواطفه وفي كرامته الملوكية.

стр. 8988

ألم تلجأ حظيته التي كان يعبدها إلى السحرة، وتلوث نفسها وجسمها في معاهدهم سعياً إلى إزهاقه؟ أليست مدام دي مونتسبان أم أولاده المحبوبين؟ ومع ذلك فقد كظم الملك العظيم ألمه وتأثره؛ ولبثت هذه الوثائق الهائلة التي تكشف عن عاره في خزائنه السرية أعواماً طويلة حتى أمر بإحراقها بعد ذلك في مدفئه في يوم من أيام سنة ١٧٠٩، أعني بعد هذه الحوادث بثلاثين عاما كانت (الغرفة الساطعة) حاسمة صارمة في أحكامها، فقد حكمت بالإعدام والتعذيب على ستة وثلاثين متهماً ثبتت إدانتهم في مزاولة التسميم والأعمال السحرية الإجرامية، وذلك من مجموع قدره مائة وثمانية عشر متهماً. ونفذ الإعدام في المحكوم عليهم تباعاً؛ وكان إعدام السحرة يجري بطريق الحرق دائماً. وكانت لافوازان ولافيجوريه ولبساج في مقدمة المحكوم عليهم بهذا الموت المروع. وقد احرقوا معاً في (ميدان جريف). وتصف لنا مدام دي سفينية الكاتبة الشهيرة منظر إحراق الساحرة لافوازان - وقد شهدته بنفسها - وتقول لنا (لقد أسلمت لافوازان روحها للشيطان في لطف). وينقل ألينا الكاهن الذي تولى مرافقة الساحرة إلى المحرقة كلماتها الأخيرة وهي: (إنني مثقلة بأكداس من الجرائم، ولست أدعو الله أن ينقذني من النار بمعجزة، لأن ما سألقاه من الجزاء لا يقاس بشيء مما ارتكبت) ويقدم إلينا فوليتر في كتابه (عصر لويس الرابع عشر) خلاصة لهذه الحوادث والمحاكمات المثيرة ثم يعلق عليها بقوله: (نستطيع أن نتصور أية إشاعات مروعة أذيعت خارج باريس. بيد أن حكم الإعدام الذي قضي به على لافوازان وشركائها قد وضع في الحال حداً لهذه الأعمال وهذه الجرائم؛ وقد كانت هذه الحرفة المروعة محصورة في شرذمة من الناس، ولم تلوث أخلق الأمة كلها؛ بيد أنها طبعت أذهان الناس بميل سقيم إلى اعتبار الوفيات الطبيعية، نتيجة الجريمة) والواقع أن هذا الثبت من الآثام والجرائم المروعة يلقي ضياء كبيراً على روح هذا العصر وخلاله - ويؤيد حقيقة تاريخية خالدة، هي أن عصور العظمة القومية، تتكشف في الغالب عن صنوف من الانحطاط المعنوي والاجتماعي تتناسب مع ما تبثه نعماء العصر وترفه من ألوان الفساد الروحي والأخلاقي، ومع ما يذكيه العصر من الشهوات الإنسانية الوضيعة. وقد كان عصر لويس الرابع عشر بلا ريب على ما بلغه من العظمة والبهاء

стр. 8989

يعاني فعل هذه العناصر الهدامة التي انحدرت بالمجتمع الفرنسي غير بعيد إلى درك من التفكك والانحطاط، كان نذير الثورة الفرنسية الكبرى تم البحث محمد عبد الله عناق

стр. 8990

وقفة بالعقيق! للأستاذ علي الطنطاوي وقفة بالعقيق نطرح ثقلا … من دموع بوقفة في العقيق مائل بين أربع مائلات … ينزع الشوق من فؤاد علوق (البحتري) . . . أصابتنا في المدينة عين من المطر، فحبستنا في الدار أياماً، وجاءت بعد محل من الأرض، وشح من السماء، فروت الأرض، وأسالت الأودية، فاستبشر الناس بنا إذ كان قدومنا خيراً، وزيارتنا غيثاً، ومقامنا ربيعاً؛ وليس أجمل في أرض العرب من الربيع، ولا أجدى من الغيث؛ ثم انقشعت الغيوم بعد أيام، إلا جهاماً من السحاب هفاً رقيقاً، وأفتق قرن الشمس فخلع على الدنيا حلةً نسجت من خيوط النور. . . . وحلى اليوم وطاب، فخرجنا من دورنا نستمتع بجماله وطيبه، ونملأ صدورنا بهذا النسيم الناعش، وعيوننا بهذه المناظر الخلابة، وآنافنا بهذا الأرج يتضوع من هذه التربة المعطرة (بعطر السماء). . . وسرنا في (شارع العنبرية) نريد الحرم،، فلم نكد نتعدى (المناخة) حتى قيل: قد سال العقيق. . فإذا الوجوه تطفح بالبشر، وتفيض بالسرور، وإذا على كل لسان: قد سال العقيق. . . وإذا الناس يستعدون للخروج! وهل يملك الناس نفوسهم، فيقعدون لا يخرجون إلى العقيق، وقد سال العقيق؟ وهل يذكر عربي العقيق ثم لا يذكر الحب والشعر، والفن والجمال، والحياة الناعمة والعيش الرغيد؟ أولم يكن وادي العقيق رمز الهوى والشباب، ومغنى الغنى والغناء، ومثابة الفن والأدب، ومجمع العشاق، وندى الشعراء؟ ألم يكن العقيق قلب المدينة حين كانت المدينة قلب العالم؟ ألم يولد على جنبات العقيق ديوان كامل من أبرع دواوين الأدب العربي وأحلاها؟ ألم تعش على أطراف العقيق العشرات من القصور الفخمة، والرياض النضرة، والمغاني التي فاض منها الشعر والسحر والعطر على الدنيا كلها؟ أليس لاسم العقيق حلاوة؟ أما عليه طلاوة؟ ألا يحلو في الأذن تكراره، ويلذ اللسان ترداده؟. . . ألم يقرأ أحاديث العقيق، ويرو أشعار العقيق، من لم ير قط العقيق، فيهوى العقيق، ويحن إلى العقيق؟ فكيف يسيل العقيق ثم لا يخرج أهل المدينة إلى العقيق؟. . .

стр. 8991

أولم يسمع عبد العزيز بن الماجشون أن قد سال العقيق، وهو خارج من صلاة الصبح، فلا يتريث ولا يمر بداره، ويمضي إليه من ساعته، فيلهو فيه بعض اللهو، ويسمع فيه الغناء، وهو هو في مكانته ووقاره؟ فكيف بعامة الناس وشبابهم؟ خرجنا مع من خرج، فلم نجاوز السور ونترك عن أيماننا المحطة العظيمة، الخالية الخاوية، الكابية الباكية، التي أضاعها أهلوها، وأهملوها حتى نسوها. . . حتى بدت لنا الحرة السوداء الواسعة فسلكنا طريقاً فيها جديدة، على يسار الطريق القديمة التي تهبط الحرة على سلم منقورة في الصخر، وهذه النقرة هي ثنية الوداع، التي طلع منها رسول الله ﷺ ، فاستقبله الولائد بالدفوف ينشدن: طلع البدر علينا … من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا … ما دعا لله داع والتي منها أشرق (البدر) على القلوب والعقول، فأنارها فهي منه في نور إلى يوم القيامة! وسرنا في هذه الطريق نحواً من كيلين اثنين فانتهينا إلى بئر عروة، التي حفرها الإمام الزاهد العلم عروة بن الزبير، فكانت في قصره العظيم الذي اندثر، ولم يبق له من أثر، وهي أعذب بئر في المدينة وأطيبها، وكان ماؤها يحمل إلى الرشيد في قوارير وهو مقيم في الرقة؛ وإلى جانب البئر قهوة جديدة، قامت على جذوع النخل، فجلسنا فيها على كراسي مستطيلة، تتخذ في مقاهي الحجاز مجلساً وسريراً، تطل على الوادي العظيم والوادي رغيب، بين عدوتيه أكثر من مائة متر، وعلى العدوة الأخرى جبال حمراء جميلة المنظر، وقد غنى الوادي وامتلأ، والسيل دفاع يلتطم آذيه، وتصطخب أمواجه، يرمي بالزبد، ويطوح بالفقاقيع، ويجري متكسراً وله خرخرة، وله دردرة، وعلى جانب الماء حصباء واسعة، قد جلس فيها المدنيون حلقاً، يحفون بـ (سماورات) الشاي البراقة العالية، ويغنون ويطربون، ما سمحت لهم (الحكومة) أن يغنوا ويطربوا. . . جلس إخواننا يتجاذبون أطراف الحديث، فيذكرون بلادهم وأوطانهم، ويحنون إلى الغوطة الغناء، والعين الخضراء، والزبداني وبلودان، وتلك الجنان، وجلست أحدق في ماء العقيق، وأحن إلى أيامه الغر، وماضيه الفخم، وأفكر في حاضره الممض، وودايه القاحل، فأطيل التحديق، وأمضي في التفكير حتى أذهل عن نفسي، وأنسى مكاني، فأرى صفحة الماء

стр. 8992

تضطرب وتهتز، وتختلط فيها الأنوار، وتمتزج فيها الأضواء، كأنما هي سبيكة ذهب، أو قطعة ياقوت، ألقي عليها نور وهاج، ثم أراها قد استقرت وسكنت، فإذا العقيق غير العقيق، وإذا هو غارق في العطر والنور، وإذا من حوله العشرات من القصور، تضيء كأنها الثريا في السماء، فتنعكس أنوارها في الماء، فتتوارى النجوم استحياء، وتغص العين خجلاً، ثم تستتر ببرقع الغمام وتبكي، فيضحك العقيق لبكاء السماء، وتضحك الأرض لضحك العقيق! وأرى قصر عروة العظيم، قد سطعت في شرفاته الأنوار، وحف به الشعراء والمغنون ينتظرون نزيله الجليل، الشاعر الغزل الفقيه المحدث عروة بن أذينة، ليأخذوا من شعره، ويحفظوا من حديثه، فإذا طال بهم الانتظار، وتصرم الليل، ولم يفوزا بطائل، ذهبوا إلى دورهم وقد أيسوا من لقائه تلك الليلة، وأزمعوا أن يباكروه من الغد. وسكن العقيق وخلا إلا من عاشق أرق (يناجي طيف من يهوى، ويبغي عنده السلوى) وخشع الليل، وأنصت الكون، فقام عروة على شرفة القصر، فراقه سكون الليل، وفتنه منظر العقيق، فهاج في نفسه الشوق، فاندفع ينشد: إن التي زعمت فؤادك ملّها … خلقت هواك كما خلقت هوى لها فبك التي زعمت بها وكلاكما … يبدي لصاحبه الصبابة كلها ويبيت بين جوانحي حب لها … لو كان تحت فراشها لأقلها ولعمرها لو كان حبك فوقها … يوماً وقد ضحيت إذن لأظلها بيضاء باكرها النعيم فصاغها … بلباقة فأدقها وأجلها لما عرضت مسلماً لي حاجة … أرجو معونتها وأخشى ذلها منعت تحيتها فقلت لصاحبي … ما كان أكثرها لنا وأقلها فدنا فقال: لعلها معذورة … من أجل رقبتها، فقلت: لعلها فلما كان الصباح، غدا أبو السائب المخزومي علي عبد الله، فقال له: أسمعت أبيات عروة أمس؟ قال: وأية أبيات؟ قال: وهل يخفى القمر؟ قوله: إن التي زعمت فؤادك ملّها. . . . فأنشده إياها، فلما بلغ إلى قوله: لعلها، قال أبو السائب: أحسن والله، هذا والله الدائم العهد، الصادق الصبابة، لا الذي يقول:

стр. 8993

إن كان أهلك يمنعونك رغبة … عنيّ فأهلي بي أضنّ وأرغب وإني لأرجو أن يغفر الله لصاحبك (يعني عروة) حسن ظنه بها، وطلبه العذر لها؛ ثم يعرض عليه عبد الله طعاماً فيقول: لا والله ما كنت لآكل بهذه الأبيات طعاماً إلى الليل! وينتظر عبد الله حتى إذا حان المساء، وأثر الجوع في أبي السائب ذهب إليه فقال له: (جئت أنشدك وأحدثك) فيقول: (هات ما عندك)، فيحدثه وينشده، حتى ينشده بيتي العرجي: باتا بأنعم ليلة حتى بدا … صبح تلوّح كالأغرّ الأشقر فتلازما عند الفراق صبابة … أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر فيقول أبو السائب: أعده عليّ، فيعيده أبو مصعب، فيستفز المخزومي الطرب فيحلف بالطلاق لا ينطق بحرف غيره حتى يرجع إلى بيته! ويمرّ بهما عبد الله بن حسن بن حسن وهو منصرف من مال له يريد المدينة فيسلم عليه ويقول: كيف أمسيت أبا السائب؟ فيقول: فتلازما عند الفراق صبابة … أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر فيقول أبن حسن: مالك يا أبا السائب، إني لا أكاد أفهم عنك فيقول: فتلازما عند الفراق صبابة … أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر فيقبل عبد الله بن حسن علي عبد الله، فيقول: متى أنكرت صاحبك؟ فيقول: منذ الليلة، فيقول: إنا لله! أي كهل أصيبت به قريش! ثم يمضي ويمر بهما عمران بن محمد التميمي قاضي المدينة يريد مالاً له على بغلة له ومعه غلام على عنقه مخلاة فيها قيد البغلة، فيسلم ويقول: كيف أنت يا أبا السائب؟ فيقول: فتلازما عند الفراق صبابة … أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر فيقول القاضي لعبد الله: متى أنكرت صاحبك؟ فيقول: آنفاً، فيسترجع القاضي ويهم بالمضي، فيمكر عبد الله بصاحبه ويقول: أفتدعه هكذا أيها القاضي وتمضي؟ والله ما آمن أن يتدهور في بعض آبار العقيق، قال القاضي: صدقت، يا غلام! قيد البغلة، فيضع القيد

стр. 8994

في رجله وهو يشير بيده ويصيح: فتلازما عند الفراق صبابة … أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر! ثم يضطرب الماء ويموج، فتنطمس الصورة فلا أرى في الماء إلا أشباحاً مبهمة، مهتزة متداخلة، ثم تبين وتضح، فإذا أنا أرى قصر عروة، وقد هيئ وفرش، ودارت به الخدم والعبيد، واجتمع من حوله السراة والأعيان، وهم يتحدثون تبدو عليهم أمارات الملل والقلق، فعل الذي ينتظر شيئاً ويبطئ عليه، وأدنو منهم فأفهم من حديثهم أن القادم صاحب القصر عروة بن الزبير، أحد الفقهاء السبعة، وقد كان في دمشق فأصابته الأكلة في رجله، فأراده الأطباء على قطعها وإلا سرى الداء فأفسد عليه جسده، وقيل له نسقيك الخمر حتى لا تجد ألماً! فقال: لا أستعين بحرام الله على ما أرجو من عافية. قالوا: نسقيك المرقد. قال: ما أحب أن أسلب عضواً من أعضائي وأنا لا أجد ألم ذلك فاحتسبه قالوا: فما تصنع إذن؟ فأخذ في التهليل والتكبير، وقال: شأنكم بها! ودخل عليه قوم أنكرهم، فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: يمسكونك. فإن الألم ربما عزب معه الصبر، وأنت شيخ كبير! قال: أرجو أن أكفيكم ذلك من نفسي. فقطعت كعبه بالسكين، حتى إذا بلغ العظيم وضع عليه المنشار. . . فقطعت، وهو يهلل ويكبر. . . ثم أغلى له الزيت في مغارف الحديد، فحسم به. فغشى عليه ثم أفاق وهو يمسح العرق عن وجهه، فلما رأي القدم بأيديهم، دعا بها فقلبها في يده، ثم قال: أما والذي حملني عليك، إنه ليعلم إني ما مشيت بك إلى حرام. . . . وأسمعهم يتحدثون كيف دخل ابنه محمد - وهو فتى المدينة جمالاً وكمالاً، وأدباً ونسباً - كيف دخل اصطبل الوليد فرمحته دابة فقتلته، وما يعلم عروة بشيء من ذلك، وكان عروة رجلاً صالحاً قد عاف الدنيا، وانصرف عنه، ولم يرد منها إلا زاداً يقطع عليه الطريق إلى الجنة: ذكر العتبي أن المسجد الحرام جمع مرة بين عبد الملك أبن مروان وعروة وأخويه عبد الله ومصعب، على عهد معاوية أبن أبي سفيان فقال بعضهم لبعض: هلم فلنمن فقال عبد الله: منيتي أن أملك الحرمين، وأنال الخلافة

стр. 8995

وقال مصعب: منيتي أن أملك العراقين، وأجمع بين عقيلتي قريش: سكينة بنت الحسين، وعائشة بنت طلحة وقال عبد الملك: منيتي أن أخلف الأرض كلها - وأخلف معاوية فقال عروة: لست في شيء مما أنتم فيه، منيتي الزهد في الدنيا، والفوز بالجنة بالآخرة، وأن أكون ممن يروى عنه هذا العلم فصرف الدهر من صرفه - إلى أن بلغ كل واحد منهم إلى أمله - فكان عبد الملك يقول: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى عروة؟ (البقية في العدد القادم) علي الطنطاوي

стр. 8996

النهضة التركية الأخيرة للدكتور عبد الوهاب عزام تتمة بقيت هنات مما اقترف الكماليون لا أبغي إحصاءها، بل اكتفي بواحدة منها هي: لبس القبعة. والأمر في نفسه هين. ولكل أمة أن تتخذ من اللباس ما يلائم هواها، ويواتي حاجاتها، وإن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم؛ ولكن الكماليين اتخذوا القبعة عمارة لهم سيراً على خطتهم في تقليد الأوربيين وإتماماً لسننهم في محاكاتهم، وإمعاناً في هجر ما يميزهم منهم فيحرمهم شرف الفناء فيهم. ولو أن القوم فكروا ثم فكروا فرأوا أن لا مناص لهم من لبس القبعة ضرورة يقتضيها الزمان والمكان لا بدعة يمليها التقليد لكان لهم في العقل مساغ، وفي العذر متسع، ولكان عليهم مع هذا أن يفهموا الأمة بالدليل، ويجادلوها بالحسنى، حتى ترى أن القبعة لباس اختاروه لأنفسهم، لا ذلة ضربت على رؤوسهم، فقد عاشت الأمة التركية أحقاباً ترى هذه القبعة شعار مخالفي دينها، ولباس أعداء تاريخها. فلما أكره التركي في ثورة التقليد أن يضعها على رأسه أحسها ذلة طأطأ لها الرأس الأبي، وعاراً ذلت له النفس الكريمة. وحاولت رؤوس أن تنبذها فقطعت، وأرادت نفوس أن تستهجنها فقتلت. وإنك لتبصر رأس التركي الأصيد، وكأنه حمل من الذل ملء الأرض والتاريخ، وسيم من الخسف ما تنوء به عزته وعزة آبائه. وليس هينا على أمة أن تسام هذه الحطة، وتحمل على هذا العنت. وإن يكن بعض الترك لبس القبعة عزاً وفخاراً، فقد لبسها معظمهم خزياً وشناراً، تنطق بذلك أساريرهم وتبين عنه عيونهم؛ ولو أن القوم، إذ رأوا رأيهم، أخذوا به النشء الصغار، وخيروا فيه الكبار، لهان الأمر بعض الهوان. تصور الشيخ أبن السبعين أو الهم التسعين قد شابت لحيته في الإسلام، ونبتت نفسه وترعرعت ثم ذبلت في كره القبعة، يكره على أن يختم حياته بها، ويتوج شيبته بسوادها. وانظر ذلك الشيخ الجليل الذي كان يدرس العربية في جامعة استانبول فقيل له: البس القبعة وانزع العمامة. قال: أعانوني وعدوني من رجال الدين. قالوا: فاخرج من الجامعة إن لم يكن لك بد من عمامتك. فخرج منها وخلفه فيها معلم ألماني، فكان يأخذ عنه علم العربية ويعلم الطلبة، وكفى الله الطلبة عمامة الشيخ وعلمها، وأسعدهم بقبعة الألماني

стр. 8997

وبركتها وقد جاءت الأنباء بأن الإيرانيين حذوا حذو الترك في لبس القبعة، ولم يقنعوا بالبهلوية (التي ابتدعوها) فهنيئاً لهم تقليد المقلدين فلو كان عبد الله مولى هجوتُه … ولكنّ عبد الله مولى مواليا وأعجب من هذا وأشأم صيحة سمعناها من العراق تدعو إلى الاقتداء بالفرس والترك فيما صنعوا. وهي دعوة إلى هذا التقليد الأشأم الذي يبدأ في ناحية فيسري سريان العلة في جميع النواحي؛ إذا ضل العرب في الضالين، وتهافتوا مع المتهافتين، فبأي وزر تعتصم الحضارة الإسلامية، وبأي ملاذ يلوذ التاريخ الإسلامي؟ وكيف تثبت الأمم الإسلامية في هذه الزعازع إذا مال العرب وهم العماد، وزلزلوا وهم الأوتاد؟ كيف وهم الحلماء إذا طاشت الأحلام، والراسخون إذا زالت الأقدام؟ ما أحسب العراقيين يستجيبون هذه الدعوة، فيسنوا للعرب أقبح سنة، أو يستبدوا دونهم برأي، وهم الدعاة إلى الأخوة العربية، الغلاة في الحماسة القومية؛ الأمر، كما قلت، هين إذا أدت إليه الروية والاختبار، فليجتمع وفود العرب أو وفود المسلمين كافة في مؤتمر عربي أو إسلامي، ولينظروا فيما يلائم كل إقليم من الأزياء، وما يوافق المدنية الحاضرة من ألبسة، ثم ليختاروا على بينة. وليكن ما يختارونه موافقاً لأزياء أوربا أو الشرق، أو مخالفاً لكل أزياء العالم، فلا حرج في هذا ولا بأس به لقد لبس العراقيون منذ سنين عمارة سموها الفيصيلية جمعت مزايا القبعة الأوربية والعقال العربي، يسهل خلعها ووضعها، وتحمي الرأس والرقبة والوجه عند الحاجة، وهج الشمس ولفح الهجير، وتفرغ على راس العربي جمالاً وجلالاً، وتتوجه بمجد الماضي والحاضر. فلماذا لا يدعى إلا تعميمها، ويحتج لها بمزاياها؟ ألا أنها اختراع لم تلده قرائح الأوربيين، ولباس لم تقره سننهم؟ إن لم يكن بد من شهادة أوربية فسلوا أهل أوربا العالمين بأحوال بلادكم فسيقولون إنها خير لكم من القبعة، وأجدى عليكم منها. ليت شعري إلام ندعو إلى اليقظة فتنامون، وإلى الحذر فتستسلمون، وإلى العزة فتهنون، وإلى الاستقلال فتتبعون، وإلى الاجتهاد فتقلدون؟ كفى يا قوم بالزمان واعظاً، وبالتجارب هادياً. إنكم في مهب العواصف، ومفترق الطرق،

стр. 8998

فخذوا حذركم، ونبهوا عقولكم واشحذوا عزائمكم، ولا تصدروا إلا عن بينة، ولا تقولوا إلا عن رؤية، فأنه الحياة أو الموت، والبقاء أو الفناء الخاتمة رأى القراء مما قدمت أن الترك الكماليين لم يأتوا بجديد في هذه (النهضة التركية الأخيرة) ولكنهم ساروا على سنن أوربا فأحسنوا وأساءوا. أحسنوا بما أخذوا بأسباب الحياة فاجتهدوا في تعمير بلادهم وإسعاد أهلها، وتوسلوا لمعارك الحياة بعددها فدربوا الجيوش واستكثروا من السلاح وجعلوا أنفسهم سادة بلادهم. وأساءوا بما تبعوا أهل أوربا في أمور هي من نفايات الحضارة، وحثالات المدنية، وبما هجروا من أجل ذلك كثيراً من سنن دينهم القويم، وأخلاقهم الكريمة، وتاريخهم المجيد. وأذكر في هذه الخاتمة ما قاله في أوربا بعض أولي الرأي منذ سنين: قال: (كأن الكماليين بما يفعلون اليوم يقولون يا أهل أوربا! معذرة، لا تؤاخذونا بما فعل آباؤنا فقد حاربوكم جهدهم، وجالدوكم ما استطاعوا، ودافعوكم جهد طاقتهم، وما كانوا ينشرون حضارة أو يدافعون عن حضارة. وهانحن أولاء نعترف بأن الخير في اتباعكم، والشر في مخالفتكم، وإن آباءنا أثموا إذ منعوا عنا خيركم، فاقبلوا الأبناء في جماعتكم، ولا تأخذوهم بذنب آبائهم. هانحن أولاء نحني رؤوسنا إكباراً لكم، ونلوم أجدادنا من أجلكم.) وبعد. فهذه الكلمات التي كتبتها لا تفي بهذا الموضوع العظيم، ولا بد أن يتعاون الكتاب والمفكرون في هذه السبيل حتى يجلوا عن الأمة هذه الغمة، ويدفعوا عنها هذه الفتن المدلهمة، والشبه المضلة، ثم يسيروا بها على المحجة البيضاء إلى الغاية المجيدة. فإنما نحن في فتن لا عذر فيها لمقصر ولا حجة فيها لمتهاون وما أردت بما كتبت إلا وجه الله، والله هو الحق المبين. وهو حسبنا ونعم الوكيل (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.) عبد الوهاب عزام

стр. 8999

المدنية الأمريكية كما يصفها أندريه موروا للأستاذ محمد روحي فيصل أندريه موروا كاتب فرنسي معاصر، وروائي واسع الشهرة؛ وهو الآن في الخمسين من عمره، يكتب كثيراً ويعمل كثيراً، ولعله (الحركة الدائمة) التي ينشدها علماء الطبيعة، والغريب أن إنتاج موروا على كثرته خصب عميق، فيه ملاحظات نفسية قيمة، وفيه وصف بارع طريف، وفيه حلاوة قل أن تجدها عند غيره من الكتاب والروائيين قام بسياحة إلى أمريكا منذ حين، زار في خلالها مدن الشواطئ الشرقية، ورأى آثارها، وحاضر في جامعاتها، وفهم في شهرين حقيقة المدنية الأمريكية ومظاهرها الصحيحة، ثم عاد إلى وطنه وألقى محاضرة قيمة طويلة نقتطف منها ما يلي: (وصلت باخرتنا إلى نيويورك في الصباح الباكر فراعتني المدينة العظيمة النائمة، وطغى علي شعور غريب جميل. والحق أن مرفأ نيويورك منظر لا أعرف أبهج منه ولا أروع ولا آخذ بلب الرائي الممعن! بقينا على الماء نسير خمسة أيام ثم طلعت علينا نيويورك بوجهها الضخم وهيكليها العريض كما يطلع الجبل الشاهق على المسافر العاني بعد طوال السير وطي الأميال. وجلنا في الشوارع نسير على غير هدى، فإذا المباني ضخمة بالغة الضخامة، متينة بالغة المتانة، تشق الفضاء طولاً وعرضاً واتساعاً. ونلاحظ أن الضخامة مظهر من مظاهر الجمال، وأعني أن جمال الشيء إنما يرجع أحياناً إلى ضخامته الناشزة؛ أرأيت إلى أهرام مصر أو قصر (بيتي) كيف أن علوهما خلع عليهما جمالاً خاصاً على جمال الفن والهندسة) (والأمريكيون شعب يعمل في جنون، فلا يريح جسده ولا يريح عقله، وإنما يجهدهما في التجارة والصناعة والاختراع؛ وهذه الظاهرة هي أقوى ما يلمح العابر السائح من الصور. ويل للمحاضر في أمريكا! إنه يخضع للحركة الأمريكية الطاغية، ففي الصباح يلقي محاضرة، وعند الظهر يرأس حفلة خطابية، ثم يحاضر في نادي النساء، وفي الساعة الخامسة يقول كلمة في جامعة كولمبيا أو الاتحاد الفرنسي؛ وأنى رحل يجد برنامجاً طويلاً سريعاً يبتدئ من الصباح وينتهي في منتصف الليل!)

стр. 9000

(إن العقلية الأمريكية تتطلع إلى عرفان كل شيء، وتولع بالجديد الغريب؛ وهي عقلية فتية تؤمن سريعاً وتكفر كثيراً؛ وأنت لابد ناجح في أمريكا إن كنت روائياً طريفاً ناقدً متفلسفاً. والكاتب الناشئ يغدو معروفاً في أقل من شهرين، تقام له الحفلات الرائعة، وتتحدث إليه الصحف، وتطبع مؤلفاته مراراً ثم. . . ثم يموت في أذهان الجمهور، وينحدر إلى الخمول والنسيان، كأنما هي شهرة خاطفة تمتع بها قليلاً وحلم فيها كثيراً ثم عاد إلى الواقع المجهول يتفيأ ظلال الذكرى وبقايا المجد!) (والشخصية الفردية لا أثر لها في أمريكا على الأطلاق، والسعادة الروحية لم يتمتع بها الأمريكي بعد لذاته؛ دائماً (خدمة الجمهور) هو المذهب السائد الذي يؤمن به الأمريكيون كافة، وهو مذهب، على قيمته، خطر كل الخطر، مفسد للشخصية والنبوغ، لأن المرء الذي لا يبالي بوجوده الفردي يعد آلة تعمل من غير شعور ولا تطور. والواقع أن المصانع قامت مقام اليد العاملة، والآلة طغت على الفن، (والكثرة) هي المقياس الذي توزن به قيم الأعمال ونتائج الأشياء) (وهذه المساوئ التي نذكرها ويذكرها غيرنا ليست مساوئ النفس الأمريكية، وإنما هي مساوئ المدنية الغربية الحاضرة. ولئن مات الفن اليدوي في أمريكا وعاشت الآلة فإنما يموت الفن وتحيا الآلة في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا؛ ونستطيع أن نستثني مهنة النقوش والخياطة والفسيفساء التي يمارسها القليل من الخلائق البشرية؛ أما عامة الشعب فمحشود في المصانع يعمل مجتمعاً من غير تفكير في الذات؛ والأدب الأمريكي أدب الصناعة حقاً، يصور ميكانيكية المعمل وسرعة الحياة واضطراب المجتمع؛ أما أزمات النفس، وثوران العواطف، وانفعالات الأهواء، فهي غريبة نكرة في الأدب الأمريكي الحديث. . . . . الواقع أن الحياة الحاضرة حياتان: حياة آسيوية أخروية متشائمة ساخطة، نظرت إلى الدنيا من خلال منظار أسود كئيب، فرأت جوعاً وفقراً ومرضاً وظلماً، فكرهت المجتمع الحافل، وانعكفت على التصوف وأحبت الأحلام، ثم قالت: إنما الدنيا متاع الغرور!. وحياة أمريكية دنيوية صناعية لا تبالي بالباطن العجيب، ولا تعنى إلا بالأرض؛ فالأمريكي قل أن يلتفت إلى نفسه يطالع فيها ويتأمل جوانبها على نحو ما يفعل الأسيوي الحالم، وإنما هو يطالع في
следующие страницы →