← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8996–9035 · переход к 9001.

стр. 8996

النهضة التركية الأخيرة للدكتور عبد الوهاب عزام تتمة بقيت هنات مما اقترف الكماليون لا أبغي إحصاءها، بل اكتفي بواحدة منها هي: لبس القبعة. والأمر في نفسه هين. ولكل أمة أن تتخذ من اللباس ما يلائم هواها، ويواتي حاجاتها، وإن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم؛ ولكن الكماليين اتخذوا القبعة عمارة لهم سيراً على خطتهم في تقليد الأوربيين وإتماماً لسننهم في محاكاتهم، وإمعاناً في هجر ما يميزهم منهم فيحرمهم شرف الفناء فيهم. ولو أن القوم فكروا ثم فكروا فرأوا أن لا مناص لهم من لبس القبعة ضرورة يقتضيها الزمان والمكان لا بدعة يمليها التقليد لكان لهم في العقل مساغ، وفي العذر متسع، ولكان عليهم مع هذا أن يفهموا الأمة بالدليل، ويجادلوها بالحسنى، حتى ترى أن القبعة لباس اختاروه لأنفسهم، لا ذلة ضربت على رؤوسهم، فقد عاشت الأمة التركية أحقاباً ترى هذه القبعة شعار مخالفي دينها، ولباس أعداء تاريخها. فلما أكره التركي في ثورة التقليد أن يضعها على رأسه أحسها ذلة طأطأ لها الرأس الأبي، وعاراً ذلت له النفس الكريمة. وحاولت رؤوس أن تنبذها فقطعت، وأرادت نفوس أن تستهجنها فقتلت. وإنك لتبصر رأس التركي الأصيد، وكأنه حمل من الذل ملء الأرض والتاريخ، وسيم من الخسف ما تنوء به عزته وعزة آبائه. وليس هينا على أمة أن تسام هذه الحطة، وتحمل على هذا العنت. وإن يكن بعض الترك لبس القبعة عزاً وفخاراً، فقد لبسها معظمهم خزياً وشناراً، تنطق بذلك أساريرهم وتبين عنه عيونهم؛ ولو أن القوم، إذ رأوا رأيهم، أخذوا به النشء الصغار، وخيروا فيه الكبار، لهان الأمر بعض الهوان. تصور الشيخ أبن السبعين أو الهم التسعين قد شابت لحيته في الإسلام، ونبتت نفسه وترعرعت ثم ذبلت في كره القبعة، يكره على أن يختم حياته بها، ويتوج شيبته بسوادها. وانظر ذلك الشيخ الجليل الذي كان يدرس العربية في جامعة استانبول فقيل له: البس القبعة وانزع العمامة. قال: أعانوني وعدوني من رجال الدين. قالوا: فاخرج من الجامعة إن لم يكن لك بد من عمامتك. فخرج منها وخلفه فيها معلم ألماني، فكان يأخذ عنه علم العربية ويعلم الطلبة، وكفى الله الطلبة عمامة الشيخ وعلمها، وأسعدهم بقبعة الألماني

стр. 8997

وبركتها وقد جاءت الأنباء بأن الإيرانيين حذوا حذو الترك في لبس القبعة، ولم يقنعوا بالبهلوية (التي ابتدعوها) فهنيئاً لهم تقليد المقلدين فلو كان عبد الله مولى هجوتُه … ولكنّ عبد الله مولى مواليا وأعجب من هذا وأشأم صيحة سمعناها من العراق تدعو إلى الاقتداء بالفرس والترك فيما صنعوا. وهي دعوة إلى هذا التقليد الأشأم الذي يبدأ في ناحية فيسري سريان العلة في جميع النواحي؛ إذا ضل العرب في الضالين، وتهافتوا مع المتهافتين، فبأي وزر تعتصم الحضارة الإسلامية، وبأي ملاذ يلوذ التاريخ الإسلامي؟ وكيف تثبت الأمم الإسلامية في هذه الزعازع إذا مال العرب وهم العماد، وزلزلوا وهم الأوتاد؟ كيف وهم الحلماء إذا طاشت الأحلام، والراسخون إذا زالت الأقدام؟ ما أحسب العراقيين يستجيبون هذه الدعوة، فيسنوا للعرب أقبح سنة، أو يستبدوا دونهم برأي، وهم الدعاة إلى الأخوة العربية، الغلاة في الحماسة القومية؛ الأمر، كما قلت، هين إذا أدت إليه الروية والاختبار، فليجتمع وفود العرب أو وفود المسلمين كافة في مؤتمر عربي أو إسلامي، ولينظروا فيما يلائم كل إقليم من الأزياء، وما يوافق المدنية الحاضرة من ألبسة، ثم ليختاروا على بينة. وليكن ما يختارونه موافقاً لأزياء أوربا أو الشرق، أو مخالفاً لكل أزياء العالم، فلا حرج في هذا ولا بأس به لقد لبس العراقيون منذ سنين عمارة سموها الفيصيلية جمعت مزايا القبعة الأوربية والعقال العربي، يسهل خلعها ووضعها، وتحمي الرأس والرقبة والوجه عند الحاجة، وهج الشمس ولفح الهجير، وتفرغ على راس العربي جمالاً وجلالاً، وتتوجه بمجد الماضي والحاضر. فلماذا لا يدعى إلا تعميمها، ويحتج لها بمزاياها؟ ألا أنها اختراع لم تلده قرائح الأوربيين، ولباس لم تقره سننهم؟ إن لم يكن بد من شهادة أوربية فسلوا أهل أوربا العالمين بأحوال بلادكم فسيقولون إنها خير لكم من القبعة، وأجدى عليكم منها. ليت شعري إلام ندعو إلى اليقظة فتنامون، وإلى الحذر فتستسلمون، وإلى العزة فتهنون، وإلى الاستقلال فتتبعون، وإلى الاجتهاد فتقلدون؟ كفى يا قوم بالزمان واعظاً، وبالتجارب هادياً. إنكم في مهب العواصف، ومفترق الطرق،

стр. 8998

فخذوا حذركم، ونبهوا عقولكم واشحذوا عزائمكم، ولا تصدروا إلا عن بينة، ولا تقولوا إلا عن رؤية، فأنه الحياة أو الموت، والبقاء أو الفناء الخاتمة رأى القراء مما قدمت أن الترك الكماليين لم يأتوا بجديد في هذه (النهضة التركية الأخيرة) ولكنهم ساروا على سنن أوربا فأحسنوا وأساءوا. أحسنوا بما أخذوا بأسباب الحياة فاجتهدوا في تعمير بلادهم وإسعاد أهلها، وتوسلوا لمعارك الحياة بعددها فدربوا الجيوش واستكثروا من السلاح وجعلوا أنفسهم سادة بلادهم. وأساءوا بما تبعوا أهل أوربا في أمور هي من نفايات الحضارة، وحثالات المدنية، وبما هجروا من أجل ذلك كثيراً من سنن دينهم القويم، وأخلاقهم الكريمة، وتاريخهم المجيد. وأذكر في هذه الخاتمة ما قاله في أوربا بعض أولي الرأي منذ سنين: قال: (كأن الكماليين بما يفعلون اليوم يقولون يا أهل أوربا! معذرة، لا تؤاخذونا بما فعل آباؤنا فقد حاربوكم جهدهم، وجالدوكم ما استطاعوا، ودافعوكم جهد طاقتهم، وما كانوا ينشرون حضارة أو يدافعون عن حضارة. وهانحن أولاء نعترف بأن الخير في اتباعكم، والشر في مخالفتكم، وإن آباءنا أثموا إذ منعوا عنا خيركم، فاقبلوا الأبناء في جماعتكم، ولا تأخذوهم بذنب آبائهم. هانحن أولاء نحني رؤوسنا إكباراً لكم، ونلوم أجدادنا من أجلكم.) وبعد. فهذه الكلمات التي كتبتها لا تفي بهذا الموضوع العظيم، ولا بد أن يتعاون الكتاب والمفكرون في هذه السبيل حتى يجلوا عن الأمة هذه الغمة، ويدفعوا عنها هذه الفتن المدلهمة، والشبه المضلة، ثم يسيروا بها على المحجة البيضاء إلى الغاية المجيدة. فإنما نحن في فتن لا عذر فيها لمقصر ولا حجة فيها لمتهاون وما أردت بما كتبت إلا وجه الله، والله هو الحق المبين. وهو حسبنا ونعم الوكيل (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.) عبد الوهاب عزام

стр. 8999

المدنية الأمريكية كما يصفها أندريه موروا للأستاذ محمد روحي فيصل أندريه موروا كاتب فرنسي معاصر، وروائي واسع الشهرة؛ وهو الآن في الخمسين من عمره، يكتب كثيراً ويعمل كثيراً، ولعله (الحركة الدائمة) التي ينشدها علماء الطبيعة، والغريب أن إنتاج موروا على كثرته خصب عميق، فيه ملاحظات نفسية قيمة، وفيه وصف بارع طريف، وفيه حلاوة قل أن تجدها عند غيره من الكتاب والروائيين قام بسياحة إلى أمريكا منذ حين، زار في خلالها مدن الشواطئ الشرقية، ورأى آثارها، وحاضر في جامعاتها، وفهم في شهرين حقيقة المدنية الأمريكية ومظاهرها الصحيحة، ثم عاد إلى وطنه وألقى محاضرة قيمة طويلة نقتطف منها ما يلي: (وصلت باخرتنا إلى نيويورك في الصباح الباكر فراعتني المدينة العظيمة النائمة، وطغى علي شعور غريب جميل. والحق أن مرفأ نيويورك منظر لا أعرف أبهج منه ولا أروع ولا آخذ بلب الرائي الممعن! بقينا على الماء نسير خمسة أيام ثم طلعت علينا نيويورك بوجهها الضخم وهيكليها العريض كما يطلع الجبل الشاهق على المسافر العاني بعد طوال السير وطي الأميال. وجلنا في الشوارع نسير على غير هدى، فإذا المباني ضخمة بالغة الضخامة، متينة بالغة المتانة، تشق الفضاء طولاً وعرضاً واتساعاً. ونلاحظ أن الضخامة مظهر من مظاهر الجمال، وأعني أن جمال الشيء إنما يرجع أحياناً إلى ضخامته الناشزة؛ أرأيت إلى أهرام مصر أو قصر (بيتي) كيف أن علوهما خلع عليهما جمالاً خاصاً على جمال الفن والهندسة) (والأمريكيون شعب يعمل في جنون، فلا يريح جسده ولا يريح عقله، وإنما يجهدهما في التجارة والصناعة والاختراع؛ وهذه الظاهرة هي أقوى ما يلمح العابر السائح من الصور. ويل للمحاضر في أمريكا! إنه يخضع للحركة الأمريكية الطاغية، ففي الصباح يلقي محاضرة، وعند الظهر يرأس حفلة خطابية، ثم يحاضر في نادي النساء، وفي الساعة الخامسة يقول كلمة في جامعة كولمبيا أو الاتحاد الفرنسي؛ وأنى رحل يجد برنامجاً طويلاً سريعاً يبتدئ من الصباح وينتهي في منتصف الليل!)

стр. 9000

(إن العقلية الأمريكية تتطلع إلى عرفان كل شيء، وتولع بالجديد الغريب؛ وهي عقلية فتية تؤمن سريعاً وتكفر كثيراً؛ وأنت لابد ناجح في أمريكا إن كنت روائياً طريفاً ناقدً متفلسفاً. والكاتب الناشئ يغدو معروفاً في أقل من شهرين، تقام له الحفلات الرائعة، وتتحدث إليه الصحف، وتطبع مؤلفاته مراراً ثم. . . ثم يموت في أذهان الجمهور، وينحدر إلى الخمول والنسيان، كأنما هي شهرة خاطفة تمتع بها قليلاً وحلم فيها كثيراً ثم عاد إلى الواقع المجهول يتفيأ ظلال الذكرى وبقايا المجد!) (والشخصية الفردية لا أثر لها في أمريكا على الأطلاق، والسعادة الروحية لم يتمتع بها الأمريكي بعد لذاته؛ دائماً (خدمة الجمهور) هو المذهب السائد الذي يؤمن به الأمريكيون كافة، وهو مذهب، على قيمته، خطر كل الخطر، مفسد للشخصية والنبوغ، لأن المرء الذي لا يبالي بوجوده الفردي يعد آلة تعمل من غير شعور ولا تطور. والواقع أن المصانع قامت مقام اليد العاملة، والآلة طغت على الفن، (والكثرة) هي المقياس الذي توزن به قيم الأعمال ونتائج الأشياء) (وهذه المساوئ التي نذكرها ويذكرها غيرنا ليست مساوئ النفس الأمريكية، وإنما هي مساوئ المدنية الغربية الحاضرة. ولئن مات الفن اليدوي في أمريكا وعاشت الآلة فإنما يموت الفن وتحيا الآلة في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا؛ ونستطيع أن نستثني مهنة النقوش والخياطة والفسيفساء التي يمارسها القليل من الخلائق البشرية؛ أما عامة الشعب فمحشود في المصانع يعمل مجتمعاً من غير تفكير في الذات؛ والأدب الأمريكي أدب الصناعة حقاً، يصور ميكانيكية المعمل وسرعة الحياة واضطراب المجتمع؛ أما أزمات النفس، وثوران العواطف، وانفعالات الأهواء، فهي غريبة نكرة في الأدب الأمريكي الحديث. . . . . الواقع أن الحياة الحاضرة حياتان: حياة آسيوية أخروية متشائمة ساخطة، نظرت إلى الدنيا من خلال منظار أسود كئيب، فرأت جوعاً وفقراً ومرضاً وظلماً، فكرهت المجتمع الحافل، وانعكفت على التصوف وأحبت الأحلام، ثم قالت: إنما الدنيا متاع الغرور!. وحياة أمريكية دنيوية صناعية لا تبالي بالباطن العجيب، ولا تعنى إلا بالأرض؛ فالأمريكي قل أن يلتفت إلى نفسه يطالع فيها ويتأمل جوانبها على نحو ما يفعل الأسيوي الحالم، وإنما هو يطالع في

стр. 9001

الآلة والمصنع والأرض، ثم يحاول أن يجد السعادة فيما يحيط به من الدنيا الواقعة المحسوسة وعندي أن الحياتين على نفعهما لا تصلحان للبشرية، فالتطرف مذهب لا أحبه لنفسي ولا أرضاه لجنسي، وإنما أرجو حياة وسطاً بين الحياتين، قوامها الحس والتفكير، ومادتها الدنيا والنفس، وغايتها التقدم والمرح والإنتاج. ولعل الحياة الأوربية هي الحياة التي تجمع خصائص الحياتين المتطرفتين الأسيوية والأمريكية. . وهنا قد يستطيع الفرنسيون أن يوفقوا بين هذه وتلك، وينشروا الاعتدال؛ فالمدنية الفرنسية مدنية قديمة ذات أدب خصب صحيح، لها أنصار كثيرون، ولها ماض جليل حافل، ولها صناعة قوية جميلة. وإنما المهم أن يعرف الفرنسيون أي سبيل يسلكون لذيوع الثقافة الفرنسية وتأثيرها في العقول. ولقد ينبغي قبل كل شيء أن نفتح أعيننا جيداً حين نطوف البلاد ونجول الأرجاء، ثم نرسل العقل حراً في البحث والتفكير، والمطالعة والاستنتاج) محمد روحي فيصل

стр. 9002

فرقة الخوارج بقلم فريد مصطفى عز الدين فرقة الخوارج من تلك الفرق الهدامة التي نشأت في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي، وكانت حرباً على الدولة الإسلامية، وعقبة كأداء في طريق عزها وازدهارها. أما العوامل التي أدت إلى ظهور الخوارج فكانت في بادئ الأمر سياسية ثم ما لبثت ميولهم أن اتجهت إلى الناحية الدينية فأخذوا يحوكون حولها معتقداتهم ونظرياتهم تسميتهم لا نجد في التاريخ الإسلامي كله فرقة تعددت أسماؤها كهذه الفرقة، غير أن اسم الخوارج قد غلب عليها. وقد سموا بالخوارج لخروجهم على الإمام علي بن أبي طالب في معركة صفين سنة ٣٧ هجرية لقبوله التحكيم وقولهم: لا حكم إلا لله، لا حكم للرجال. ويقول بعض المؤرخين إنهم دعوا بالخوارج لخروجهم بعد ظهور نتيجة التحكيم في رمضان سنة ٣٧ هجرية من الكوفة إلى النهروان. ثم تطور هذا الاسم فأصبح يطلق على كل جماعة خرجت على القانون والسلطة الحاكمة سواء في صدر الإسلام أو زمن التابعين أما الخوارج أنفسهم فيقولون أنهم تسموا بهذا الاسم لخروجهم من بيوتهم طلباً للجهاد والاستشهاد في سبيل إعلاء كلمة الله والدين الحنيف، ويستندون في ذلك على قول الله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفةُ منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولتأت طائفة أخرى لم يصلُّوا فليصلُّوا معك، وليأخذوا حِذرهم وأسلحتهم، وَدّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم مَيلةً واحدة، ولا جُناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعدّ للكافرين عذاباً مُهينا) وهنالك اسم آخر يطلق على هذه الفرقة وهو اسم الشراة، ويقال إن الخوارج يفضلونه على الاسم الغالب عليهم، لأن هذه التسمية تعني أنهم اشتروا الجنة بالدنيا واستبدلوا الباقية بالفانية استناداً على الآية الكريمة: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقلون ويُقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا بِبيْعِكُم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم)

стр. 9003

ودعيت هذه الفرقة أيضاً فرقة المحكمة، وذلك لأنها حكمت الله تعالى ورفضت تحكيم العبيد. ويميز المؤرخون الفرقة الأولى من الخوارج التي انشقت على عليّ بن أبي طالب في صفين عن الخوارج بدعوتها الفرقة المحكمة الأولى أو الحارورية نسبة إلى حاروراء بقرب الكوفة، وهي المكان الذي خرجوا إليه، ويدعون بقية الخوارج فرقة المحكمة نشأتهم من الصعب أن نعين العلاقة بين ظهور الخوارج ومسألة التحكيم، فنقول إن هذه نتيجة لتلك وإنه لولا مسألة التحكيم لما اعترى جيش الإمام علي ذلك الانقسام ولما نشأت فرقة الخوارج؛ وقد عني البعض ببحث هذه النقطة فتبين لهم بعد دراسة عميقة أن نشوء الخوارج ومسألة التحكيم مستقلتان عن بعضهما استقلالاً تاماً. ويعتقد المستشرقون لامانس وكايتاني وولهاوسن أن فرقة الخوارج ظهرت قبل التحكيم مما يدل على صحة الرأي القائل باستقلال المسألتين بعضهما عن بعض. ولكن المستشرق ديلافيدا يخالف رأي لامانس ورفيقه، ويقول إن الخوارج ظهروا بعد التحكيم معركة صفين تولى علي بن أبي طالب الخلافة والعالم الإسلامي في غليان شديد من جراء مقتل الخليفة عثمان بن عفان وعواقب هذه الجريمة، فلم تكن مبايعته بالإجماع كأسلافه. وكان عدوه الأكبر معاوية بن أبي سفيان والي الشام الذي خرج طالباً للثأر من قاتلي قريبه الخليفة المغدور. فلما انتهى علي من أمر طلحة ابن عبد الله والزبير بن العوام في موقعة الجمل بالقرب من البصرة سار طالباً معاوية فالتقى الجيشان في سهل صفين وهو مكان قريب من بلدة الرقة في شمالي شرق الشام وفي أول صفر من سنة ٣٧ هجرية، ابتدأ القتال بين الفريقين فرجحت كفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فخاف معاوية العاقبة، وعمد إلى الحيلة يساعده على إتقانها الداهية الأكبر عمرو أبن العاص. وبينما كانت الحرب مستمرة إذا بجنود الشام يرفعون المصاحف فجأة على أسنة الرماح طلباً للتحكيم. فلم يؤخذ علي بهذه الحيلة، وقرر الاستمرار في القتال إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا. ولكن فريقاً كبيراً من جند علي قبل التحكيم وحمل

стр. 9004

زعيمه على قبوله رغماً عنه. وبعد أن رضي الإمام بالتحكيم قام فريق آخر من جنده يندد بالتحكيم، ويصيح: لا حكم إلا لله، لا حكم للرجال، ويظهر أنه كان بين هذا الفريق بعض من أتباع الفريق الأول. فانقسم بذلك جيش علي إلى شطرين، ونجحت الحيلة التي قال فيها عمرو (إن قبل خصومنا التحكيم اختلفوا، وإن ردوه افترقوا) ولما ظهرت نتيجة التحكيم التي تقضي بخلع علي عن الخلافة - ولا أقول معاوية، لأن إقرار عمرو بن العاص بخلع صاحبه لم يؤثر في مركز معاوية لأن خلعه كان وهمياً، إذ إن معاوية لم يكن خليفة ليخلع عن عرشها - رفض علي قبولها، وهكذا أضعفت نتيجة التحكيم مركز علي وقوت مركز معاوية فقويت برفض علي لنتيجة التحكيم حجة الفريق القائل بعدم قبول التحكيم منذ بادئ الأمر، واكتسب إلى صفه جميع الموتورين من سياسة الإمام. وهكذا نرى أن فريق الخوارج كان مؤلفاً من جماعات متفككة العرى تجمعها مناوأة سياسة علي، إما لأنه لم يقبل التحكيم أولاً أو لأنه قبل التحكيم ثانياً، أو لأنه رفض قبول نتيجة ثالثاً. والقسم الأكبر من الخوارج هم الذين أخذوا على علي قبوله صارخين: لا حكم إلا لله. ثم انظم إلى هذه الفرق المختلفة كل من كان ناقماً على السلطة أو خارجاً على القانون، حتى أصبح معسكر الخوارج ملجأ لهؤلاء، أيام الراشدين والأمويين والعباسيين وبعد انشقاقهم على جيش الخليفة ساروا إلى حاروراء وانتخبوا عبد الله بن وهب الراسبي خليفة عليهم. وقد اضطر علي أن يحمل عليهم قبل أن يسير لقتال معاوية ليأمن شرهم، فقاتلهم في معركة عظيمة تدعى معركة النهراوان في ٨ يوليو سنة ٦٥٨ ميلادية، وتغلب عليهم، غير انه دفع ثمن هذا النصر غالياً، لأن هذه المعركة أضعفت جيشه فأصبح عاجزاً عن المسير إلى سورية لحرب معاوية، وبقي بالكوفة إلى أن قتله ابن ملجم الخارجي سنة ٦٦١ الخوارج في عهد الدولة الأموية اشتدت في عهد الدولة الأموية قوة الخوارج، وكانوا من العوامل الرئيسية التي طاحت بحكم الأمويين، فما من خليفة أموي إلا ثاروا عليه، غير أنهم ظهروا واشتهروا خصوصاً في زمن الخليفة عبد الملك بن مروان، وكانت ميادين القتال العراق وخراسان. وقد بدأ

стр. 9005

بقتال الخوارج مصعب بن الزبير - شقيق عبد الله بن الزبير منافس عبد الملك بن مروان في الخلافة - وكان قائده المهلب بن أبي صفرة. ولما تغلبت قوات عبد الملك على الزبيريين وقتل مصعب كان لا يزال المهلب يحارب الخوارج فبايع عبد الملك بالخلافة حالما بلغه نعي مصعب وتابع قتاله ثم أرسل عبد الملك في سنة ٧٥ هجرية الحجاج بن يوسف الثقفي والياً على العراق فتمكن بشدة بأسه من خضد شوكة الخوارج. وقد امتازت فرقة الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق من فرق الخوارج ببسالتها وشدتها واستماتتها في ميادين القتال والنزال الخوارج في عهد الدولة العباسية ضعف أمر الخوارج في عهد الدولة العباسية ولم تعد فرقهم خطراً على الدولة الإسلامية كما كانت نشأتها في العصر الأموي، غير أنهم لم يعدموا أوقاتاً قاموا فيها ببعض الثورات والفتن. وقد اشتهرت من بين فرقهم في هذا العهد فرقة ألاباضية أتباع عبد الله بن أباض التي ظهرت في عمان وعلى الخليج الفارسي وفي أفريقيا الشمالية أي تونس الخضراء والجزائر والمغرب الأقصى ولما غلب الخوارج على أمرهم في الناحية السياسية أخذوا ينصرفون إلى الناحية الدينية ويحوكون حولها نظرياتهم ومعتقداتهم الدينية تصلب الخوارج وشدتهم في المعتقدات الدينية عرفت فرق الخوارج واشتهرت بتصلبها الديني الشديد وتمسكها بالمعتقدات الدينية التي تدين بها، ولذا كانت كل جماعة منهم ترى أن زعيمها بدأ ينحرف عن المبادئ التي تعترف بها انشقت عنه وعن أفراد فرقتها وكونت لها فرقة خاصة، وهذا هو السبب في تعدد فرق الخوارج وتشعبها. ومن الفرق الفرقة ألاباضية والفرقة الصفارية والأزاردة والعجاردة والنجدات وغيرها. وكانت كل فرقة تنقسم إلى فرق صغيرة عديدة، وقد ذكر الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) ثماني فرق من الأزارقة. ولا ريب أن انقسام الخوارج إلى فرق متعددة كان عاملا قويا في إضعاف شأنهم وزوال هيبتهم معتقدات الخوارج السياسية

стр. 9006

قلنا في صدر هذا المقال إن حركة الخوارج بدأت حركة سياسية ثم تحولت بمضي الوقت إلى حركة دينية. ولذا فان معتقداتهم تدور على وجهين سياسي وديني. فأما معتقداتهم السياسية فتدور حول مسألة الخلافة، ولهم في هذه المسألة مواقف أساسية يخالفون بها السنة والشيعة. فهم مثلا لا يقيدون جنسية الخليفة ولا يمانعون في أن يكون حتى زنجياً، بينما أن السنيين لا يجيزون سوى انتخاب قرشي للخلافة. أما الشيعة فيذهبون إلى أبعد من ذلك ولا يعترفون إلا بالخليفة الذي هو من آل البيت ولا يرى الخوارج أن من الضروري وجود خليفة على رأس الأمة إذا انتظمت أمور الرعية، بينما أن الشيعيين يقولون بوجوب بقاء الإمام في كل عصر ودهر. أما السنيون فليس عندهم إجماع عام على هذه المسائل وليس الخليفة معصوماً عن الخطأ كما هو الحال عند الشيعة، فهم يجوزون القيام عليه حتى قتله إذا بدا منه اعوجاج أو عدل عن الصراط المستقيم الذي يتحتم على الخلفاء أن يتبعوه. وهم لا يعترفون من الخلفاء الراشدين إلا بالشيخين أبي بكر وعمر ﵄، ولا يعترفون بالخلفاء الأمويين والعباسيين وأصحاب موقعة الجمل أي طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام معتقدات الخوارج الدينية أشرت آنفاً إلى التصلب الديني الشديد الذي اشتهر به الخوارج، فهم يطلبون من المؤمن أن يقرن إيمانه بالعمل الحسن إذا أراد الثواب، لأن الإيمان وحده غير كاف لدخول جنة الفردوس. ويكفر الخوارج صاحب الكبيرة، فهم بذلك على عكس فرقة المرجئة التي ترجئ تكفير المؤمن إلى يوم القيامة. ويذهب الأزارقة - ومذهبهم أشد مذاهب الخوارج تصلباً - إلى أن مخالفيهم مشركون، ودرجة الإشراك عندهم أشد وأدهى من درجة الكفر، فهم يستبيحون قتل مخالفيهم مع نسائهم وأولادهم ومن الغريب أن هذه الفرقة المتعصبة لمذهبها، الصلبة في معتقداتها، القاسية على إخوانها من المسلمين متسامحة مع اليهود والنصارى وغيرهم من الذميين. والبعض من الأزارقة يعتبر غير المسلم مؤمناً إذا أعترف برسالة رسول الله ﷺ إلى العالمين.

стр. 9007

ويظهر تسامحهم نحو غير العرب في أنهم يجيزون خلافة كل مسلم سواء أكان حبشياً أم عبداً زنجياً ويتردد بعض الخوارج في قبول سورة يوسف ﵇ في القرآن الكريم لاعتقادهم أنها سورة غرامية، فلا يمكن أن يحويها كتاب الله. والبعض الآخر يتردد في قبول سورة أبي لهب أما في الفقه فهم لا يعترفون من أصوله الأربعة إلا بالقرآن الكريم والسنة الشريفة وإجماعهم فقط لإجماع الأمة الإسلامية. أما القياس فلا يعترفون به ولا يقبلونه ركناً رابعاً للشريعة الإسلامية السمحاء التي سنها الله ﷻ للمسلمين نبراساً ومعواناً. أما التفسير فهم لا يقيدون أنفسهم به ولا يؤولون ويظهر تصلبهم الديني بوضوح في فروض الصلاة، إذا لا يكفي في نظرهم أن يكون الجسم عند الصلاة طاهراً، بل يجب أن يكون الفكر كذلك، لاعتقادهم أن الفكر السيئ يبطل الصلاة كما أن الحسم الملوث يبطلها. ونظراً لتصلبهم الشديد في معتقداتهم السياسية والدينية دعاهم بعض المؤرخين الغربيين فلسفة الخوارج وأدبهم ويمثل الخوارج في إحدى فرقهم حركة فكرية لا يستهان بها جعلت المستشرق الكبير ديلافيدا يجزم بأنه يجب أن يكون من جراء ذلك علاقة وثيقة بين المعتزلة والخوارج. وتنحصر أهميتهم من الناحية الفلسفية في أثارتهم مسألة الإيمان والعمل وكان مجرد تطرف معتقداتهم يجذب إليهم أحياناً البعض من العلماء والأدباء والشعراء الذين تستهويهم المبادئ المتطرفة وقد حفظت لنا كتب الأدب العربي كثيراً من أدبهم وشعرهم وحكمهم وخصوصاً آثار شاعرهم العظيم وخطيبهم المفوه قطري بن الفجاءة الخوارج اليوم لم يبق من فرق الخوارج إلى اليوم إلا فرقة الأباضية، وهي من الفرق المعتدلة، وقد نشأت في الأماكن الإسلامية النائية، في عمان ثم في شرقي أفريقيا الشرقية، ثم في أفريقيا

стр. 9008

الشمالية. وتكون هذه الفرقة الآن دولة مستقلة في داخلية سلطنة عمان على الخليج الفارسي. فريد مصطفى عز الدين

стр. 9009

حديث بقلم الأديب أحمد الطاهر نفض يديه الشريفتين من غبار الحرب وجلس إلى أصحابه وقال: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.) قول على سهولة وضعه، وبساطة لفظه، يدل على فهم وثيق للحياة، وإدراك عميق لأسرارها، ووزن صحيح لحقيقتها. وهو يدل من ناحية على عظمة هذه النفس النبوية التي وازنت بين جهاد الغزو، وكفاح الحرب، - وفي ذلك ما فيه من كرب وبلاء - وبين جهاد الإنسان في الحياة تلقاء ما يلقى من خطوبها، وأحداثها، وصروفها، واعناتها، وما يفرض عليه فيها من حقوق لا مندوحة عن أدائها، فأدرك رسول الله وقال إن الحرب جهادها أصغر، وإن الحياة جهادها أكبر، وإن جهاد الأبدان هين يسير، وجهاد النفوس شاق عسير، وإن جهاد الغزو محدود بوقته قصر أو طال، وجهاد الحياة يبدأ بالحياة وينتهي بانتهاء الآجال وفي كلمة رسول الله تحديد لما بين النفوس والأبدان من صلة تجعل للنفوس على الأبدان سيطرة وسلطاناً، وتسخر الأبدان للنفوس فيما توجهها إليه من غايات ومقاصد وإذا كانت النفوس كباراً … تعبت في مرادها الأجسام وكلما علت النفوس سمت أغراضها، وجلت مآربها، فاشتد الجهاد والنضال بينها وبين ما يتكاءدها في سبيل الحياة من عقبات وحوائل، حتى يصبح جهادها عنيفاً حاراً يهون إلى جانبه جهاد الغزو على ما فيه من سفك للدماء ولا جدال في أن صاحب السلطان والأمر ومن اضطلع بتدبير شؤون الرعية والقيام على حقوقها، والذود عنها يلقى عناء ومشقة وعسراً، يتضاءل أمامها ما يلقاه أوزاع الناس وعامتهم ممن ليس عليهم من الأمر إلا أن يسخروا أبدانهم لنيل غرض أو بلوغ مقصد أدرك رسول الله أنه وقد خرج من ميدان الغزو ونفض عن نفسه وعن أصحابه نقع الحرب، سيلقى ميدان جهاد أوسع وأرحب وأكثر عناء وأشد بلاء، أليس عليه بعد هذا الغزو من أعباء الدنيا والدين، ما لا يقوم به إلا أولو العزم المتين؟ أليس عليه أن يقر هذا النصر الذي أحرز، ويرجع الأمور إلى نصابها في السلم بعد أن نبت بها مواضعها في الحرب؟

стр. 9010

أليس عليه أن يواصل السير في تبليغ الرسالة التي أؤتمن عليها، وأن يسوس بالعدل والرحمة الأمة التي بعث إليها، وأن يثبت بين الناس شرعة قد نشر لواءها، ويسلك بهم ودياناً قد مسح غثاءها؟ أليس عليه أن يؤدي لله شكراً على هذا النصر والتأييد؟ وأداء هذا الشكر لا تعرفه إلا هذه النفس العظيمة التي لا ترضى فيه بما دون الغاية، ولا تنتهي فيه إلى نهاية؟ أليس في ذلك من العناء والجهد ما يهون بجانبه عناء الحرب وجهادها؟ وأهون ما يهون به عناء الحرب وجهادها أن رسول الله المؤيد بروح الله، ليس عليه إلا أن يستنفر الناس فيسعوا إليه زمراً تخضع لآرائه، وتنضوي تحت لوائه؛ وأما جهاد السلم الذي ألممنا ببعض نواحيه إلماماً فمكتوب عليه وحده، يضطلع بالأمر فيه، ويحيط بأسراره وخوافيه، وهو في هذا الجهاد أعزل أكشف لا عدة له إلا نفس عظيمة في صدره، ووعد من الله بنصره! وسوق الناس إلى الحرب ليس بالأمر الشاق العسير: فساعة الحرب تسبقها أحداث وخطوب وإحن وحفائظ: تستنهض الهمم، وتستنفر النفوس، وتستثير العزائم. فما هو إلا أن يستنفروا فينفروا وينساقوا إلى الحرب ورداً، يؤزهم الحماس أزا، حتى إذا (حميت وشب ضرامها) رخصت الأرواح وهان الموت: فما ترى الناس يفكرون أو يترددون، ولكن إلى حياض الردى يتدافعون: لا يصدهم عنها صاد ولا يتكاءدهم في سبيلها عقبة، وأنى لهم أن يترددوا والحافز لا تفتر همته، والدافع لا تهن عزمته. وهم لا يستشعرون عناء للحرب، ولا يرون خطراً للقتال، ولا يفكرون في بلاء الغزو. لأنهم لا يجدون متسعاً لأن يشعروا أو يبصروا أو يفكروا أما في السلم فما أشق الرسالة وما أخطر الجهاد! الناس هادئون وادعون، يجدون من الوقت والطمأنينة متسعاً للتخاذل والتفكير، والتردد والتدبير، والاختلاف والمحال، والتنكر والجدال، أليس شاقاً جهاد الرسول: وهو يدعوهم إلى دين لم يعرفه آباؤهم، وخلق لم تألفه طباعهم، وحياة غير التي ألفوها؟ على أن رسول الله حين أشار إلى الجهاد الأكبر، جهاد الحياة، لم يكن يحدث الناس بما سيلقاه وحده من نصب وإعنات، وإنما أراد أن يذكرهم بما كتب عليهم جميعاً من جهاد في

стр. 9011

الحياة. فما كتب الجهاد على الزعماء دون الدهماء، ولا كتب على القواد دون الأجناد، ولا على الرعاة دون الرعية، ولا على الكبير دون الصغير، إنما جهاد الحياة فرض يستقبل الناس حين يستقبلون الحياة، ولا ينصرف عنهم حتى تنصرف عنهم الحياة لما تؤذن الدنيا به من صروفها … يكون بكاء الطفل ساعة يولد إذا أبصر الدنيا استهل كأنه … بما سوف يلقى من أذاها مهدد وإلا فما يبكيه منها وإنها … لأفسح مما كان فيه وأرغد وهذا الطفل إذا اشتد جاهد في الحياة جهاداً يتسق مع شأنه في الحياة، ولا يزال ينمو ويخطو في حياته، ونصيبه من الجهاد ينمو ويخطو ألزم له من ظله حتى مماته. وجهاده في مراحل حياته يعتريه من الأعراض والصور وما يعتري كل كائن حي في أطوار حياته من نمو وقوة ونشاط وضعف وعجز وفتور وغير ذلك فالرضيع لا يجاهد إلا فيما يشعر به من ألم أو حاجة. ولذا يكون جهاده (ذاتياً) محدوداً، يستعين فيه بأعضاء بدنه؛ فإن ألح عليه الألم والحاجة استعان فيه بالبكاء حتى يغاث فيظفر، أو يعي فينام فيقهر. ثم ينمو الطفل فيدرك معنى (الملكية) فيجاهد في الاحتفاظ بما ملك ويسعى لملكية ملا يملك، فيزداد جهاده، ويشتد ويحول إلى غير ما كان عليه جهاد الرضيع والشاب في شبابه يدرك معنى الحياة فيستشرف إلى نعيمها وملذاتها، وتتعدد حاجاته ومطامعه، ويسعى حثيثاً للاستمتاع بالنعيم واللذة، ويعد نفسه لما تفرضه عليه سنن الحياة، فيجاهد في ذلك جهادا عنيفاً، ويلقى في جهاده نصباً والكهل يسعى وراء الرزق: يدبره لنفسه، ويدر أخلافه على أهله وأبنائه، ويدخر منه لعقبه وأخلافه. وإنه لواجد في سبيل الرزق عقبات وعوائق. وإنه لجاهد مجاهد في تذليلها، والتغلب عليها، وإن جهاده لشديد، وإنه لأكثر بلاء وعناءً والشيخ الفاني الذي نفض يديه من الدنيا، تنتابه الأمراض والعلل، ويلح عليه الفناء، وتخذله قواه؛ فيجاهد في الحياة الباقية له جهادا عنيفاً جباراً، ولكنه خافت صامت؛ يكسر من حدته صبر الشيوخ وأناتهم، وضعف آمالهم واستسلامهم أولئك جميعاً تفرض عليهم الحياة فروضاً، وتلوح لهم بمطامع وهم يبسطون إليها آمالاً: ثم

стр. 9012

تقيم لهم في السبيل عقبات، وتنصب بينهم وبين مطامعهم حجاباً، وتجعل أمانيهم سراباً، وهم لا ينفكون يجاهدون: تنزل بهم البأساء، فيطمعهم الرجاء، وتنقطع بهم أسباب الأمل، فيغريهم طول الأجل حتى الرجل الذي لا تشغله الدنيا بزخرفها. والذي يصدف عن مطامعها، والذي يؤثر الآخرة على الأولى: ذلك جهاده قوي حاد. فهو أبداً في جهاد مع نفسه ولنفسه: يروضها على الزهد والاستغناء، ويدفع عنها عوامل الأغراء، ويسوقها إلى الفضيلة، ويباعد بينها وبين الرذيلة، وهو جهاد لا يهون، ولا يصبر عليه إلا القليلون وأهون الناس شأناً في الحياة وأقلهم تقديراً لشأنها وأكثرهم استخفافاً بها لا محيد له عن الجهاد فيها: أليس عليه أن يجاهد الحر والبرد والمطر والشمس والعلل والأمراض؟ ذلك جهاد على سذاجته شاق وعسير ما أصدق رسول الله فيما قال، وما أبعد نظره فيما رأى. اليوزباشي أحمد الطاهر

стр. 9013

من مشاهد الشرق ٣ - طائفة البهرا في الهند في حضرة داعي الدعاة بقلم محمد نزيه مضى محمد علي بخش رئيس الوزارة البهرية وأنا في أثره، في بعض جادة القصر، حتى انتهى وانتهيت معه إلى باحة فسيحة أمام سلم مديد، ذي ست درجات من رخام أبيض يشف عن زرقة رقيقة، فلما أن درجناه كنا أمام بابين رحيبين، كلاهما سبيل إلى تلك الحجرة الرهيبة التي يستقبل داعي الدعاة زواره فيها؛ وإذا كانت غرفة الانتظار قد تقاضتنا خلع الأحذية قبل ولوجها، فأحر بغرفة الشيخ الأكبر أن تطالب قصادها بمثل ذلك وأكثر منه. وكذلك هتفت بي نفسي هذه المرة بما هتف به سائق السيارة من قبل، أن اخلع نعليك فإنك قادم على أنيس المهدي المنتظر وجليسه، وأمينه سرا وعلانية، وأبى بكره من دون الخلق أجمعين! ولقد ظللت مذ أسري بي في غرفة الانتظار إلى غرفة الملتقى - وكلاهما حرام - منصرفاً عن كل ما عسى أن يتداول سمع المرء وبصره، إلى التفكير في ذلك الرجل الذي يتقاضى جميع الناس كل أسباب التقديس له، بين مؤمن بمذهبه ومستريب به ومنكر له، ثلاثتهم من تقديس الشيخ في أوضاع متشاكلة ما أرادوا لقاءه، بل وما يكون هذا التقديس من ثالث الثلاثة تكلفا ولا صناعة ولا زيفا، فقد كنت أحسبه كذلك من قبل، وهأنذا الآن في منتصف الطريق بين الحجرتين، مفعم النفس برهبة شديدة تكاد تطغى على الرغبة الشديدة في رؤية الشيخ، بل وما فتئت هذه الرهبة تشتد سريعاً، حتى لقد بلغت شأوها في ثلاث من خطواتي، وإذا بالحواس الخمس قد رقت في بعض الدقيقة ودق إرهافها، فكأنما غادرت عالم الملموس والمحسوس إلى عالم الإلهام؛ ومادام هذا العالم الجديد لا يدرك مما يحيط بالمرء وإنما يدرك من باطنه، من دخائل نفسه، فقد انقلبت حواسي كلها إلى نفسي، وكأنني بت لا أعي من الوجود شيئاً، ولم تزل هذه النفس المرتهبة تتسع حتى تملأ كل فضاء داخل الجسد، وتشمل القلب كله، وتغير على ما فوقه وما تحته، وما عن يمينه وما عن يساره،

стр. 9014

وما أمامه وما خلفه، كل ذلك في خطى الكهرباء، فلم أكد أتم الخطوة الرابعة حتى كنت نفساً ولا جسد وأخذت هذه القوة الجديدة تتخيل صورة الشيخ وتحاول رسمها، فإذا دأبت في هذا السبيل جاهدة، انبعثت ذرات الرهبة، فتوثبت على القلب فاختل نظام دقاته، وهنالك تضطرب النفس فلا تقوى على المضي في مهمتها، لذلك لم ترسم الصورة حتى صرت على قيد خطوات من صاحبها، فتقدمت إليه حتى استويت أمامه. لم يكن في وسعي ولا في وسع سواي أن يصافح الشيخ دون أن ينحني، إلا أن يركع، ما لم يكن قصيرا، ولست بقصير. ذلك أنه يجلس على كرسي لعل مقعده أدنى إلى الأرض مما يعهد في كل كرسي، ولم ينهض الشيخ عنه ليصافحني واقفاً، وربما كان لا يعرف الوقوف من أسباب التحية، فلا مناص لمن شاء مصافحته من الانحناء، ثم لا مناص لمن استأذن عليه من المصافحة، ومن يدري؟ لعل هذا الكرسي القصير إنما دبر تدبيراً، ثم إن هذا الكرسي قد عوض عن قصر أرجله رحابة في صدره، حتى لقد تبينت الشيخ من الكرسي ولم أتبين الكرسي من الشيخ صافحت الشيخ منحنياً ولا بد، فإذا كف نحيل لعل الرف يؤذي عظمه، فلقد أحسست أنني أقبض على حزمة من الأقلام، بل أحسست أكثر من ذلك بالمفاصل الدقيقة لكل إصبع، وكأنما انفرطت عظامها في يدي فما يستعصي عدها علي! لكأن هذه الكف ترتفع من تلقاء نفسها إلى فمي، فلقد علمت إنني رففتها، ولعل ذلك إكبار ولعله رفق بالضعف، ولا سيما وهو ضعف الكبر؛ ولشد ما يحنو بعض القوة على بعض الضعف؛ إذن فقد انحنيت فصافحت ثم قبلت، وخطوت بعد ذلك إلى الكرسي الواحد الذي يشاطر الغرفة كرسي الشيخ، ثم تحركت حدقتا عيني فطافتا ببعض الحجرة وميضا حتى استقرتا لحظة على صاحبي محمد علي بخش وقد ألصق ظهره بالجدار، وأمال رأسه إلى الأمام قليلا، وشبك أصابع كفيه على صدره تحت لحيته؛ وجمد كذلك كأنه التمثال سألني داعي الدعاة عن موقع المدينة من نفسي، ثم عن الصحافة المصرية وحظها من النهوض، فلما أن فرغ من أسئلته وحان دوري في السؤال، وكنت أعلم أن التحدث في مسائل الدين هو أشهى الأحاديث لدن رجاله، وأعلم إلى ذلك علماً ليس بالظن أن أقران الشيخ لا يفتأون ينعون على الناس تركهم أمر الآخرة، فكل امرئ عندهم مفرط مهما تخفف

стр. 9015

من زخارف العاجلة وتولى يرتجي الآجلة، ما يألونه إذ يرونه ذلك النصح الممزوج بالتعنيف والاتهام، فهم متسخطون متبرمون رغما من رغم، أثرة بالكمال من دون الناس، فقد استهللت بالأسف لإهمال المسلمين أمور دينهم وأمور دنياهم معاً، وكأنما قلت للسيل انهمر، فقد تدفق الشيخ فلم يترك في معجم الألم كلمة إلا قالها، ولا حركة إلا أتاها، بعينيه وشفتيه وكفيه، قال بلسانه العربي المبين - وقد أسلفت أنه من سلالة عربية قريبة العهد بموطنها الأول، اليمن: (إن دولة الإسلام قد انهارت أركانها في كل مكان، ودكت حصون الدين وسقطت معاقله، حتى عادت أطلالاً نناجيها) ثم راح يبعث قول الشريف الرضي: ولقد مررت على ديارهمُ … وطلولها بيد البلى نهبُ فبكيت حتى ضج من لغب … نضوى ولج بعذلي الركب وتلفتت عيني فمذ خفيت … عني الطلول تلفت القلب قلت: هل يرى مولانا أن تخلف العالم الإسلامي ناجم عن إهمال الدين؟ قال: (عن إهماله فقط، وليس في أداء فرائضه وحسب، بل في التأدب بآدابه، بل في الاستمساك بأسباب التعاون والمودة، وإطراح الخصومة والعداوة والبغضاء، وحدب الغني على الفقير، واطمئنان الفقير إلى الغني، وخشية الله والآخرة، واتقاء الخزي والندامة، والحسرة والعذاب يوم القيامة) قلت: وهل من أمل في إصلاح ما انهدم؟ فانبسطت أسرة الشيخ دفعة واحدة والتمعت عيناه، وطالعني منه صوت يتجلى فيه الحزم والعزم والإيمان والبأس الشديد وهو يقول: (نعم. إن الأمر لله في دين الله، وإنه ليحميه ويعلي كلمته حين يشاء، ولكنما يترك الأمر للناس حتى يسلموا بالفشل ويتئسوا من النهوض، وإذ ذاك يقضي الله فإذا الحق في الذروة والباطل في الرغام) قلت: أفلا يحاسب رجال الدين على شيء مما نرى من أمر الدين.؟ فسكن الشيخ لحظة ثم قال: (أعلم أن كثيراً من الناس يقومون برجال الدين ويقعدون، ولكن ما لذي يسع رجال الدين أن يفعلوا إن كانوا في شعب متخاذل مستضعف؟ إنهم إذ ذاك لا يفضلون أبناء شعبهم، ولعلك تعلم أن الفساد جرثومة سريعة العدوى؛ وهب أن بين رجال الدين من امتنع من جرائم الفساد، فماذا يفعل وأهل أمته كلهم ذلك الحواري الذي شهد على عيسى بن

стр. 9016

مريم؟!. أفتدري كيف تقهر الأمراض العصية في الأجساد، إن أحدث أسباب ذلك وأصدقها نتيجة أن يلقح الجسد المريض بعين الجراثيم التي تمرح فيه، ولم ينتبه الطب إلى ذلك إلا بعد قرون من تنبه الحكام إلى أثر هذه الوسيلة نفسها في أخلاق المحكومين، ولن يعدم زمن من الأزمان، ولن تبرأ جماعة من الجماعات، من أشرار وإن قلوا، وتلك سنة الحياة، وقد احتال الظلمة وافتنّوا في الاحتيال، حتى استكشفوا أن رجل الدين الصالح لا يقهر إلا برجل الدين الطالح، ثم هم يزودون صاحبهم بقوة المال وسطوة البطش والعدوان، ويذودون عنه بعد ذلك إن أحدق به خطر، فإذا سئلوا في ذلك قالوا، إنما نرفع كلمة الدين ونعيذه من الهوان وتنفس الشيخ برهة ثم قال: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، وقد نزل الدين سهلاً مفهوماً، فلنأخذ بمبادئه التي لا تحتاج إلى رجال الدين، فإذا استقرت هذه الأوليات في النفوس، سهل علينا أن نميز الصالح من الطالح من رجال الدين فنأخذ عن أولهما وندع الآخر. على الآباء والأمهات جميعاً بهذه المهمة، كل يؤدب أبناءه بأدب الدين منذ الصغر، قبل أن يبلغ الطفل أشده، فيصبح تحت رحمة القانون والبيئة والمطامع) قلت: وهل من سبيل إلى تخفيف الفساد؟ قال: (نعم، ولكن أسباب التخفيف لا تعرض هكذا على بساط الريح، فلابد من البحث والروية والتثبت، ولا سيما ونحن نريد أن نعالج جماعات كثيرة مختلفة العلل، وقد يصلح لهذه من الدواء ما يزيد تلك علة على علة، ولذا وجب أن يجتمع أطباء الدين والأخلاق من كل جماعة أطباؤها، فإذا تذاكروا جميعاً حتى اهتدوا إلى العلة المشتركة، تذاكروا حتى يهتدوا إلى الدواء المشترك. المؤتمرات، على أن تكون خالصة لله وحده، نقية من الدخلاء، بريئة من الشبهات، حرة أكمل حرية، مطبوعة بإنكار الذات والإيثار دون الأثرة) وسكن الشيخ برهة وقد بدا على محياه أنه يطلب الراحة؛ ثم ضغط على جرس كهربائي مثبت على منضدة صغيرة أمامه، فإن هي إلا ثوان معدودة حتى أقبل من داخل الحجرة خادم يحمل بيمينه لفافة من قماش، تقدم بها إلى الشيخ فتناولها منه، ثم مد بها يده إلى ناحيتي، فخطوت إليه وأخذتها شاكراً، وودعت داعي الدعاة بعد أن ألقيت على سمعه ما واتاني به الله من كلمات الشكر والتقدير أما لفافة القماش، فقد تبينت بعد أن باينت الغرفة أنها (شال) من الكشمير وسط في صنعته

стр. 9017

وقيمته، ثم علمت أنه نفحة الشيخ لكل زائر غريب، وإنما تختلف قيمتها بقدر ما للزائر من مكانة في قومه، وأما غرفة الزيارة فرحيبة تكاد تتسع ثلاثين متراً من نصفها، يرتفع سقفها على عمد من رخام، عارية الجدران من الصور، حافلة الأديم ببساط أبيض عار من زهو النقوش، وقد أسلفت أنه لم يكن بها إلا كرسيان للشيخ ولي، ولعل هذه البساطة في مظاهرها والرحابة في اتساعها مما يزيدها رهبة ويزيد صاحبها إجلالاً. أما الشيخ فأنه من نحول الجسد ورقته كأنما إياه كان المتنبي يعني لما قال: كفى بجسمي نحولاً أنني رجل … لولا مخاطبتي إياك لم ترني وهو على شدة نحوله ليس بالطويل القامة، كأنه غاندي، لولا أن وجهه المستطيل خفيف السمرة، مشرق الديباجة، متسع العينين حتى لتملأن نصف وجهه، حديد البصر، كأنما تطل نفسه المطمئنة من عينه، ضاحك السن في وقار كثير، تنبئك مظاهره كلها بأنه رجل موطأ الأكناف حقا. وقد استتر رأسه تحت طاقية بيضاء، وغطى جسمه بجلباب أبيض، وهو في غرفته مثال نادر الأنداد للبساطة في الغنى، والتواضع في الجاه كررت إلى جادة القصر يصحبني محمد علي بخش، فمضينا إلى مسجد القصر متحدثين بالإنجليزية فأنه لا يعرف العربية، فإذا نحن حيال مسجد حديث البناء أنيقة، متوسط السعة، مفروش بالسجاد، ذي ثلاثة أبواب، اثنان منها لدخول المصلين من الرجال، والثالث لدخول المصليات من النساء، وقد فصل بينهن وبين الرجال في رواق المسجد جدار رقيق لا يتصل بسقفه، أما المنبر فمن الخشب الثمين المتين وقد خلا من كل زخرف، كل ما في المسجد ناطق ببساطته، خلا ثرياته الثمينة التي تؤلف في انتظامها أروع الشكول. فلما فرغنا من تفقد المسجد دعاني صاحبي إلى التدريج إلى أعلى القصر، حيث أعد به موضع يشرف على المدينة كلها، فترى منه واضحة المعالم جلية الرسوم، ولولا سدول الليل لاستطعت في هذه القمة إحصاء مساجد (بمبي) وعد حدائقها، وتبين أعلامها والتحديق في ميادينها، على أنك لا ترى المدينة وحدها من هذه القمة، بل ترى البحر وعبابه ينساب إلى عالم المجهول. القاهرة محمد نزيه

стр. 9018

للأدب والتاريخ ٢ - الرافعي بقلم تلميذه وصديقه الأستاذ محمد سعيد العريان الرافعي الأديب مضى الرافعي في قرض الشعر، معنياً به، متصرفاً في فنونه، ذاهباً فيه مذاهبه، إلى جانب عنايته بالتأليف والكتابة، وانكبابه على العلم والتحصيل، فوضع في سنة ١٩١١ كتابه (تاريخ آداب العرب)، وحسبك به من كتاب أن يقضي الأستاذ الكبير أحمد لطفي السيد بك أسبوعاً يخطب عنه في مجالس العاصمة وقد كتب عنه الأمير شكيب أرسلان - وهو أشهر كتاب العربية في ذلك الوقت - مقالة في صدر (المؤيد) جاء فيها: (لو كان هذا الكتاب في بيت حرام إخراجه للناس منه، لكان جديراً بأن يحج إليه؛ ولو عكف على غير كتاب الله في نواشئ الأسحار، لكان جديراً بأن يعكف عليه. . .) وقال عنه المقتطف: (إنه كتاب السنة. . .) وما كتب المقتطف مثل هذه الكلمة من قبل ومن بعد لغير هذا الكتاب ومن يقرأ كتاب الرافعي (تاريخ آداب العرب) يعرفه عالماً عميق البحث، مرتب الفكر، واسع المعرفة؛ إلى جانب معرفته به شاعراً عربي الديباجة، مشرق المعنى، مشبوب العاطفة؛ على أنه كان يومئذ لم يجاوز الثلاثين. . . ثم ألف الرافعي (كتاب المساكين) الذي يقول عنه فقيد العربية العلامة أحمد زكي باشا: (لقد جعلت لنا شكسبير كما للإنجليز شكسبير، وجوته كما للألمان جوته، وهوجو كما للفرنسيين هوجو.) وتألق نجم الرافعي الشاعر العالم الأديب، وبرز اسمه بين عشرات الأسماء من أدباء عصره براقاً تلتمع أضواؤه وترمي أشعتها إلى بعيد؛ على أن هذه المنزلة الكريمة التي نالها الرافعي بين الكتاب إلى جانب منزلته في الشعر - لم تكن غريبة؛ فقد حدثني أديب فاضل كانت له صلة بالعلامة الشيخ إبراهيم اليازجي: أن الرافعي لما طبع الجزء الأول

стр. 9019

من ديوانه سنة ١٩٠٣ وأهدى منه نسخة إلى الأستاذ اليازجي - أبطأ في الكتابة عن الديوان؛ فسأله هذا الأديب الفاضل في ذلك الوقت فقال: لقد قرأت مقدمة الديوان فأكبرت أن يكون كاتبها من عصرنا؛ فأنا منذ أسبوعين أبحث عنها في مظانها من كتب العربية، مما أخادع نفسي في قدرة هذا الشيخ على كتابة مثلها. فقال له: إنه ليس بشيخ، بل هو فتى لم يبلغ الثالثة والعشرين. . وليس عجيباً أن يكون هذا كلام اليازجي، فقد برهن الرافعي من بعد ألف برهان على ذاك. وإنما كتب هذه المقدمة وعني بها حتى جاءت ما جاءت، ليعارض بها مقدمة حافظ لديوانه الذي نشره قبل ذلك بقليل؛ وكان لمقدمة حافظ هذه حديث طويل، حتى نسبها بعضهم يومئذ إلى المويلحي؛ ولكن مقدمة ديوان الرافعي جاءت بعدها تقطع قول كل خطيب؛ واحتفل بها (المؤيد) أيما احتفال فنشرها في صدره، والمؤيد يومئذ جريدة العالم العربي بين الجديد والقديم: ثم بدأ الرافعي يميل عن الشعر رويداً رويداً حتى هجره منذ عامين، لم ينظم فيهما غير قصديتين اثنتين نشرتا له في مجلة المقتطف. وإنها لخسارة كبيرة أن ينصرف الرافعي عن الشعر ويترك ميدانه خالياً. . على أنه لم يهجر غير الشعر المنظوم، وهذه كتاباته المنثورة ضرب من الشعر أفسح مدى وأبعد غاية، وإنه لينشئ بها أدباً جديداً في العربية على رغم ما يتهم بالتقليد والمحافظة على القديم؛ بل معانيه كما قال الأستاذ الدكتور منصور فهمي في تقريظه رسائل الأحزان: (إنها من آخر طراز بأني من أوروبا. . .) على أن الرافعي إلى ذلك ليس له حظ من لغةٍ أجنبية، ومعرفته الفرنسية لا تجدي عليه اليوم أكثر مما كانت تجدي عليه يوم كان يتعلمها بالمدرسة وهو غلام! وللجديد والقديم حديث طويل في تاريخ الرافعي؛ فهو قد وقف نفسه على الدفاع عن الدين والحفاظ على لغة القرآن. ذلك مذهب درج عليه وأعانته عليه نشأته وتربيته؛ وهل يأخذ أحد عليه هذا المذهب أو ينكره؟. . فهو إنما (يحرص على اللغة من جهة الحرص على الدين، إذ لا يزال منهما شيء قائم كالأساس والبناء، لا منفعة فيهما معاً إلا بقيامهما معاً. . .) وإنه بسبيل ذلك ليسأل: ما الجديد وما القديم؟ لو أنهم يعنون بالجديد الابتداع والطرافة بمقدار ما يتطور الفكر، أو الإنشاء والابتكار على

стр. 9020

مقدار ما ينفعل الزمن في احساسات أهله، أو التنويع والخلق على قياس ما يزيد في المعاني ويستجد من انفعالات النفس - لو أنهم يعنون بالجديد شيئا من ذلك، أو كل شيء من ذلك، لوجدوا الرافعي مجدداً مع المجدين؛ يل لما كان لشيء من هذا أن يسمى جديداً، لأنه حكم الزمن وسنة التطور من قديم. . أما أن يكون التجديد هو ابتداع لغة ليست من اللغة، وإنشاء دين من شهوات النفس لا من وحي السماء، والتزوير على التاريخ القديم باختراع تاريخ من الأحلام - أما أن يكون ذلك كذلك فما هو التجديد، ولكنه التبديد الذي يوشك أن يتبعه الفناء. . .! في النقد: هذا هو الرافعي في موقفه من الجديد والقديم؛ وما نحب أن ننتهي منه حتى نعرض لأسلوب الرافعي في النقد؛ فما نعرفه ناقداً عنيفاً إلا حين يتناول الجديد والقديم؛ وإذا نحن تدبرنا ما أسلفت من تلخيص رأيه في الجديد والقديم، ومن مقدار حماسته في الذود عن الدين والعربية - عرفنا لماذا يؤثر الرافعي ذلك الأسلوب العنيف في مهاجمة خصومة والطعن عليهم، إذ هو لا يعتبر حينئذ إلا شيئاً واحداً، هو الدفاع عن الدين وتراث السلف، مؤمناً بأنك (لن تجد ذا دخلة خبيثة لهذا الدين إلا وجدت له مثلها في اللغة. . .) وأنت لا ترى الرافعي مرة يأخذ في أسباب النقد ليدفع كيداً يراد باللغة والدين، إلا كما ترى البدوي الثائر لعرضه، يطرح كل اعتبار من دون هذا الشرف المثلوم؛ فمن ثم يكون في كلامه معنى الدم. . . على أن الرافعي إلى شدته وعنفوانه، ناقد بصير بأساليب النقد، مم عالج من مختلف فنون الأدب، ووقف على أسرار العربية؛ من ذلك لما كتب المرحوم السيد مصطفى لطفي المنفلوطي مقالته عن الشعراء ونشرها في مجلة (سركيس) سنة ١٩٠٣، كتب المرحوم حافظ إبراهيم إلى الرافعي يقول: (. . . . قد وكلت أمر تأديبه إليك. . .!) وقد تعجب أشد العجب أن ترى الرافعي ينسى حين يجرد قلمه للنقد كل اعتبار مما تقوم به الصلات بين الناس؛ ولكنه هو يعتذر من ذلك بقوله: (. . . إنما نعمل على إسقاط فكرة خطرة، إذا هي قامت اليوم بفلان الذي نعرفه، فقد تكون غدا فيمن لا نعرفه؛ ونحن نرد على هذا وعلى هذا برد سواء، لا جهلنا من نجهله يلطف منه، ولا معرفتنا من نعرفه تبالغ

стр. 9021

فيه. . . فان كان في أسلوبنا من الشدة، أو العنف، أو القول المؤلم، أو التهكم، فما ذلك أردنا، ولكنا كالذي يصف الرجل الضال ليمنع المهتدي أن يضل، فما به زجر الأول، بل عظة الثاني. . .) وقد خسر الرافعي كثيراً بالأمساك على مذهبه ذاك، ووضع نفسه بحيث تنوشه من كل جانب سهام مسددة، وألب عليه كثيراً من الخصوم؛ ولكنك لن تسمع منه أبدا كلمة الندم، وتراه على تربص دائم لكل (ذي دخلة للدين والعربية. . .) وهو ضرب من التضحية والشجاعة يدعو إلى الإعجاب وكما ترى هذا الموقف للرافعي من دعاة الجديد في الأدب، ترى له موقفاً قريباً منه من دعاة الجديد في الأخلاق والاجتماع؛ فله آراء في الاختلاط، والحجاب، والتعليم، والحرية، والحب والزواج؛ تراها منبثة في عديد الكتب والمقالات؛ ولكن قليلاً من القراء من يستطيع أن يفهمها بروح مجردة من هوى، ليعرف أي مذهب في الاجتماع يدعو إليه الرافعي؛ وله في هذه المقالات روح رفافة، وشعر ساحر، وحجة قوية؛ وهو فيها من أنصار المرأة عند من يعرف أين يكون انتصار المرأة؛ ولست واجدا أحداً يرد عليه رأيه في ذاك على قلة من تجد من أنصاره؛ وقد جلست مرة إلى أديب كبير ومرب فاضل، نداول الرأي في أدب الرافعي ومذهبه الاجتماعي، فقال لي: (إنك لن تجد أحداً من أنصار الجديد يرضي هذا المذهب، ولكنك لن تجد أحداً - أيضاً - يستطيع أن يصاول الرافعي في ميدانه بمثل حجته وقوة إقناعه. . .) الرافعي والمرأة: وإذ تكلمت عن مذهب الرافعي في الاجتماع، فإني أقف قليلاً لأتحدث عن الرافعي والمرأة وعجيب أن يكون الرافعي صاحب (إعجاز القرآن، وأسرار الإعجاز، والبلاغة النبوية، والإنسانية العليا، وسمو الفقر؛ والمحدث، المفسر، المتصوف، الذي يصف عن عصر النبوة، ومجالس الأئمة، وكأنه يعيش في جوهم وينقل عن حديثهم؛ والذي تتصل روحه فيما يكتب من وراء القرون بروح الغزالي، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وغيرهم وغيرهم من أئمة السلف - عجيب أن يكون هذا الرافعي هو صاحب (رسائل الأحزان، والسحاب الأحمر، وأوراق الورد، وسمو الحب، واليمامتان، وسحر المرأة، والطائشة،

стр. 9022

وغيرها وغيرها؛ فيصف عن المرأة والحب، ويتحدث في ذلك حديث الرجل الذي عرف وذاق وجرب، ولبس المرأة ولبسته، واستبدل قلباً بقلب، وتقلب بين مجالس ومجالس، وسمع (لا) بمعنى (نعم)، و (إليك عني) في موضع (اتبعني يا حبيبي)؛ والذي يترجم معنى النظرة والابتسامة وما بعدهما. . .! وإنك لتراه أحياناً يمزج بين حديث الحب وحديث الدين، ويصل بين وحي السماء ووحي العيون الدعج. . . . فتسأل: أي رجل هو؟ ولقد خالطته زماناً، فإني لأعرفه عرفاني لنفسي، فما وجدته في حاليه إلا الرجل العف الكريم، ولكن له عالماً من وراء هذا العالم، يصل إليه في سبحات فكرية لطيفة، ليستوحيه من معاني المرأة ما لا سبيل إلى معرفته في دنيا الناس. ولو أنك أردت أن تسأله مرة: أي رجل أنت؟ لما جاءك الجواب إلا أنه رجل وحسب. . .! وتسأل نفسك: هل عرف الرافعي الحب فخف بجناحيه إلى تلك العوالم غير المنظورة ينقل عنها فلسفة الجمال والمرأة والحب. . .؟ فاستمع إليه يقرر: (إن النابغة في الأدب لا يتم تمامه إلا إذا أحب وعشق. . .!) ثم ارجع إلى كتبه الثلاثة: رسائل الأحزان، والسحاب الأحمر، وأوراق الورد؛ لتعرف (إنها كانت عواطف ثارت وقتاً ما، ليحدث منها تاريخ؛ وسكنت بعد ذلك ليحدث منها شعر وكتابة. . .) ولكن، من تكون تلك الفتانة التي تيمها وتيمته زماناً، (هي بروعتها ودلالها وسحرها، وهو بأحزانه وقوته وفلسفته. . .؟) ذلك سره هو، أو سرها هي. . .! وطنيته: وللرافعي رأي في معنى (الوطن الإسلامي)، والوطنية الإسلامية، تلمحه في كثير مما يكتب، قوامه (أن يظهر المسلم الأول بأخلاقه وفضائله في كل بقعة من الدنيا مكان إنسان هذه البقعة، لا كما نرى اليوم؛ فان كل أرض إسلامية يكاد لا يظهر فيها إلا إنسانها التاريخي بجهله وخرافاته وما ورث من القدم، فهنا المسلم الفرعوني، وفي ناحية المسلم الوثني، وفي بلد المسلم المجوسي، وفي جهة المسلم المعطل. . . وما يريد الإسلام إلا نفس المسلم الإنساني. . .)

стр. 9023

فلا يمنع أن يكون إلى جانب إحساسه بمعنى (المصرية) إحساس آخر بمعنى (الإسلامية) على أنها الوطن الأكبر، كما لا يمنع الطنطاوي أن يكون إلى جانب حبه (طنطا) حب أعمق يشمل (مصر) كلها؛ فإذا تحدث الرافعي عن الشام، أو العراق، أو بقعة أخرى من الوطن الإسلامي، فما يعني ذلك أنه قد خلع مصريته والوطن عند الهمجي دار تؤويه، وحقل يغل عليه، وكلما زاد الإنسان في معنى الإنسانية انبسطت له رقعة الوطن، فمن ثم كان الوطن فيما يرى الإنسان المسلم هو كل أرض يخفق فيها لواء الإسلام، وما مصر، والعراق، والشام، والمغرب، وغيرها إلا أجزاء صغيرة من هذا الوطن الإسلامي الأكبر، كالأقاليم من الدولة، والمناطق من الأقاليم، والشوارع من المنطقة، والدور من الشارعن، والغرفتين من الدار، حين يتدابر الأخوان وتدب بينهما الشحناء التي توشك أن تنسيهما أنهما أخوان لأب وأم. . .! (البقية في العدد القادم) محمد سعيد العريان

стр. 9024

دراسات في الأدب الإنكليزي وليم وردزورث بقلم جريس القسوس نشأته وطفولته: هو زعيم طائفة شعراء البحيرات وسيد شعراء الإنكليز بعد شكسبير وملتن. ولد هذا الشاعر في السابع من شهر أبريل سنة ١٧٧٠ في كوكرموث في إقليم البحيرات من مقاطعة كمبر لند. وهو من أسرة متوسطة في الجاه والثروة، توفيت أمه وهو ابن ثماني سنين، وكانت تؤمل لو فسح لها في الأجل أن تشاهد الدور الذي سيمثله على مسرح الحياة، لأنها لمحت فيه طفلا حدة طبعه ورجاحة عقله يميزانه عن بقية أخواته الخمسة. ولقد كان والداه مرشديه، فهما اللذان تعهدا إنماء قواه العقلية، وتوجيه مداركه الشعرية في أقوم السبل وأرشد الطرق، وذلك بتلقيه أشعار القدماء والمحدثين، وإلى ذلك يشير وردزورث في قصيدته (الفاتحة) كان مواطنه مزدانا بالمناظر الشعرية الخلابة التي استهوت فؤاده، ووجدت منفذاً إلى عقله فظهر أثرها في شعره وبعيد وفاة والدته قصد مدرسة هوكشد حيث تلقى مبادئ العلوم والفنون. وكانت هذه المدرسة في محيط ريفي ساذج، تكتنفها المناظر الطبيعية من جميع الأطراف، مما أغوى شاعرنا وجعله يصرف أويقات فراغه في حضن الطبيعة. فتارة تلقاه يتمشى على شواطئ البحيرة، وأخرى تجده يصطاد الأسماك ويداعب العصافير في أعشاشها، أو يمرح بين التلال والشعاب يلاعب المعزى ويعبث بالحملان. وكثيراً ما كان يصطحب الكتب إلى تلك الحقول فيطالع منها ما يستسيغه ويبعث في نفسه أملا ورغبة في الحياة في كمبردج: توفي والده قبل أن يتم دروسه الابتدائية، ولكن أريحية عمه وليم كفلت له الالتحاق بكلية القديس يوحنا في جامعة كمبردج. وقد كره الشاعر هذه البيئة الجديدة، ومجت نفسه هذه

стр. 9025

الحياة المقيدة في بدء الأمر، إلا أنه عاد فألفها وتشبع بروح ذلك المكان بعد أن جالت في ذهنه صور الشعراء الذين قضوا قسما من حياتهم فيه. فقد أمده خياله الخصب بعالم روحي مطلق يعيش فيه ويستأنس بأهله لما لم تتح له الظروف أن يعيش طليقاً في الحياة. ولقد كان يتردد على أهله في بيرنث أو في هوكشد كلما سنحت له الفرص. وجرى له ذات يوم حادث غريب كان له أثر بعيد في حياته الأدبية، إذ بينما كان يتسلق أحد التلال في هوكشد رأى رؤيا غريبة ظن أنه أوحى إليه فيها بالعمل العظيم المعد له. وقد ورد ذكر هذا الحادث باختصار في قصيدته (الفاتحة) ولا نعلم عنه أكثر من ذلك رحلته الأولى: اتفق شاعرنا وصديقاً له على القيام برحلة كبيرة في جبال الألب في إحدى فرص الصيف، وكان ذلك على أثر انتشار الأخبار الأولية عن الثورة الفرنسية. أستأجر الصديقان سفينة وأبحرا فيها إلى ميناء كاليس ونزلا في اليوم الذي حلف فيه لويس السادس عشر يمين الإخلاص للدستور الجديد. ومن ثم قصدا الجنوب إلى بحيرات إيطاليا وسويسرا، فصرفا على شواطئها بعض الوقت الممتع، ثم قطعا سمبلون ومن هناك كارا عائدين إلى الأوطان، وفي طريقهما لقيا جيوش الثوار ناشرين لواء الحرية ومنتضين سيف العصيان على الملكيين. ولقد كان لهذه الرحلة أثر كبير في نفس وردزورث، إذ أوحت إليه بروح شعرية وثابة ونفس متمردة تنزع إلى الحرية وتطلب التجديد، فلا غرو إن انتصر للثوار الفرنسيين ورفع صوته معهم منادياً بسقوط باستيل الاستعباد في فرنسا مرة ثانية: ما كاد الشاعر يتسلم شهادته من كمبردج حتى عن له أن يزور فرنسا مرة ثانية ليتصل بالثوار الذين تشبعت نفسه بمبادئهم في رحلته الأولى. شرع في ذلك ماشياً سنة ١٧٩٠، فمر بباريس عش الثوار حيث قضى بضعة أيام يرصد في أثنائها حركات الثوار عن كثب، ومن ثم رحل إلى أورليان فبلوا حيث تعرف بابنة جراح فرنسي اسمها أنيت فالون وأقام هناك برهة يتعلم عليها مبادئ الفرنسية. ولقد كانت هذه الفتاة على حظ وافر من الجمال مما استهوى شاعرنا وأوقعه في الشرك، فوضعت على أثر ذلك طفلة. رأى وردزورث أن

стр. 9026

يمحو إثمه هذا بالزواج منها، لكن الظروف لم تسمح له بالبقاء طويلاً في أرض الثوار لنفاد دراهمه وقطع عمه المساعدة المالية عنه متوخياً بذلك إرغامه على الرجوع إلى بلاده لئلا يقع في حبائل الملكيين. وإننا لنحمد الأقدار التي أوحت إلى عمه ذلك، إذ لولاه لقضى شاعرنا كما قضى غيره من عباقرة الرجال أنصار الثورة الفرنسية، ولم يخلف لنا بعد تراثاً أدبياً يذكر ولقد أثارت عليه فعلته حرباً عواناً في الأوضاع الاجتماعية والأدبية فبعد أن كان متصفاً بالفضيلة والكمال إلى حد القداسة أمسى اسمه مقروناً بالكفر والإثم خصوصاً بعد أن كشف لنا الدكتور هارير عن هذه الصحيفة السوداء من حياته في فرنسا في كتابه (حياة وردزورث). ولقد ظهر في سنة ١٩٢٢ كتاب لأميل ليجوس اسمه (وليم وردزورث وأنيت فالون) يصف فيه علاقة الشاعر بمعشوقته المنكودة الحظ في بلوا. ولم يشر الشاعر إلى هذه الحادثة في جميع أشعاره أوكتاباته النثرية إلا بعض الإشارة والتلميح في قصيدته فودراكور وجوليا & وفي أثناء إقامته في بلوا اتصل بفيلسوف وزعيم جمهوري كبير هو ميشيل بيوباي، فصرف معه طوال الليالي على ضفة اللوار في الجدل والبحث في حرية الإنسان السياسية والاجتماعية مما غذى عقيدة شاعرنا الثورية وأذكى في نفسه نار التمرد والخروج على المبادئ القديمة. ولقد سولت له نفسه الانخراط في عداد الثوار وحضهم على مهاجمة معاقل الملكيين. بيد أنه لم ينفذ رغبته هذه لنفاذ دراهمه كما بينا فعاد إلى إنكلترا وفي نفسه غصة وفي فؤاده حرقة لحبوط مسعاه وتلوث اسمه بذلك الفعل المنكر شقيقته: كان للشاعر شقيقة اسمها دورثي لا تقل عنه في توقد الذهن وحدة الذكاء ونفاذ البصر، وكثيراً ما كانت توجه نظره إلى أمور دقيقة، وحوادث غريبة، ومناظر بديعة فيتخذها مواضيع لقصائده. وقد أخذت على نفسها مرافقته في غدواته وروحاته منذ صباهما رغم معارضة أمها لها. فعند ما لمحت فيه وميض العبقرية وفيض الشاعرية هبت إلى مناصرته وتشجيعه على المضي في سبيله. وكانت في أكثر الأحيان تقرأ أشعاره وتنظر فيها قبيل إعدادها للنشر نظر الناقد الشفيق. وقد وجد في أخته هذه كل العزاء والأنس بعيد رجوعه

стр. 9027

من فرنسا كاسف البال كسير القلب لما جنته يداه من إثم في فورنست: كانت أخته تقطن آنئذ فورنست فقصدها شاعرنا، وهناك نظم عدة قصائد جمعها في مؤلفين سماهما (سير في الليل) (ومقطعات وصفية) ولقد أعجب كولردج بهما وتكهن لناظمهما بمستقبل باهر في عالم الأدب رغم ما وجه إليه من نقد على صفحات (منثلي ريفيو) و (ادنبرج ريفيو). وفي تلك الأثناء خاض الشاعر المعامع السياسية فنادى بتحرير الزنوج ومعاضدة ثوار الفرنسيين، ويعالج في بحث له يرد به على أحد أنصار الملكية مبادئ الحرية منادياً باتساع نطاق الديمقراطية على حين لم يكن فيه الرأي العام قابلاً للأخذ بهذه الآراء المبتسرة فضى شاعرنا ردحاً من الزمن حائراً بين الكنيسة والأدب لضيق ذات يده. على أن المنية وافت صديقه الحميم ريسلي كالفرت فأوصى هذا قبيل مماته لوردزورث بتركته البالغة نحو ٩٠٠ ج مما حداه إلى الانصراف بكليته إلى الأدب وقرض الشعر. ولقد كان لهذه المبرة أثر ظاهر في حياته، وقد أشار إليها في (الفاتحة) وفي قصيدة موضوعها (إلى كالفرت) والظاهر أن شاعرنا لم يكن على وئام تام مع أقاربه. نستنتج هذا من رسالة بعثت بها شقيقته دوروثي إلى أحد أصدقائها تقول فيها: (إن أخي لناقم على أقاربه، ولا يصفو قلبه إلا لأخويه يوحنا وخريستو) (يتبع) جريس القسوس

стр. 9028

شهداء الإنسانية للأستاذ عبد الرحمن شكري مقدمة شهداء العلم والإصلاح يزدحمون على باب الحياة ويسألون كل هالك: هل تحقق الخير الذي بذلوا حياتهم من أجله؟ فتدركه الحيرة! أيكذب كي يدخل على قلوبهم الاطمئنان، أم يصدق فيفجعهم في آمالهم، أم يغريهم بالصبر الطويل كصبر الأحياء على الشر، أم يغريهم بالعودة إن استطاعوا إلى كفاح الحياة. وإذا استطاع أن يعزي الشهداء الموتى فماذا يقول للشهداء الأحياء: الناظم على باب الحياة أرى زحاَماً … من الأشباح عجَّ بهم وسالا من العهد القديم إلى زمان … حديث قد مضوا زُمراً تَوالى هُمُ ضَحَّوْا بهذا العيش كيما … يطيبَ العيش للأحياءِ حالا إذا ما هالك ألفوه ظلوا … على شغف يعيدون السؤالا: بربك هل مضى قدرُ بِشَرِّ … وخبث النفس هل أودى وزالا وهل جفَّت دموع الناس طرا … وهل بلغوا من العيش الكمالا وذل الجوع هل قد زال عنهم … وكان سوادهم هَمَلاً مُذالا وجهل يغتدي بالناس بُهمْاً … يُصَرَّفها يميناً أو شمالا وهل غلبوا من الشهوات ما قد … عدا سلطانه فيهم وغالا أصار العيش من مِقَةٍ وأَمن … وكان العيش لؤماً واقتتالا أعاد العيش عدلاً واعتدالا … وكان العيش مكراً واغتيالا بربك لا تقل إنّا غُبِنّا … وإن هزأ الحِماَمُ بنا وصالا أيفجعهم بآمالٍ عِزَازٍ … وما نال الردى منها منالا يقول لهم: لقد رُمُتْمُ خيالا … وأسديتم وضحيتم ضلالا أيسكت والسكوت له معانٍ … أيخدعهم وما ألفوا احتيالا أيغريهم بصبر مثل صبر … لدى الأحياء دام لهم وطالا

стр. 9029

أَيَأْسَى أن مَوْتى لم ينالوا … من العرفان ما يُرْجَى نوالا أيغريهم بِبَخْع النفس يأساً … إذا اسطاعوا عن الأخرى انتقالا أيسخر أنهم - وهُمُ رفات - … أبوا للعيش سقماً واعتلالا فيا عيش الورى ماذا تراه … يقول لهم إذا ألْفَى مقالا يقول لهم إذا اسْطعُتمْ فعودوا … دفاعاً للنوائب أو صيالا إذا الأحياء لم يرعوا عهوداً … لأحياءِ فلا تشكوا انخذالا يقول لمعشر الأحياء منهم … ليقضوا العيش صبراً أو نزالا أيفدح أن تقاسوا العيش نحسا … ليِسُعِد بعدكم صحباً وآلا وكم من نعمة لولا شقاء … قديماً لم تكن إلا وبالا فكم خَبرَ الأوائلُ من شقاء … فنلنا من شقائهم نوالا عبد الرحمن شكري مفتش بوزارة المعارف

стр. 9030

خمر الرضا للدكتور إبراهيم ناجي يا حبيبي اسْقيِني الأمانِيَّ واشْرَبْ … بوُرِكَتْ خمرةُ الرضَا وَهْيَ تُسكَبْ بُوركَ الكَأْسُ والحَبَابُ الذي يَرْ … قُصُ في الكَأْسِ والشُّعاَعُ المُذَهَّبْ نَضَبَتْ رَحمةُ الوجودِ جميعاً … وَبِكَ الرحمةُ التي ليس تَنْضَبْ وَلئن ضاقَتِ السماءُ بِشَجْوِى … فالسماءُ التي بِعَيْنيْكَ أرْحَبْ وشَقَائي وساَدُ إذا نِمْ … تُ وَمَرْساَيَ حيثمُا أَتَقَلَّبْ كمْ تَمَنَّيتُ والصُّدُورُ تُجاَفي … ني وَتَزْوَرُّ والوجوهُ تقَطَّبْ كم تمنيْتُ صَدْرَكَ البَرَّ، يَرْتا … حُ على خَفْقِهِ الطَّريدُ المَعَذَّبْ هاَتِ وَسّدنِيَ الحَنَانَ عليهِ … جَسَدي مُتْعَبُ وَرُحىَ متَعبْ إبراهيم ناجي

стр. 9031

أياصوفيا بقلم أمجد الطرابلسي أياصوفيا حان التفرق فاذكري … عهود كرام فيك صلوا وسلموا حافظ إبراهيم (أياصوفيِا) تُذْرِي الدُّموعَ وتَسفَحُ … وتُمْسِي على مُرَّ الأنينِ وَتُصْبِحُ تنَكَّرَ أهلوها لها وأذاقَهَا … فَوَادِحَهُ صَرْفُ الزمانِ المُفَدَّحُ وهانَتْ على مَنْ كانَ بالأمْسِ مُشفِقاً … يُدافِعُ عنْهاَ الطامِعينَ وَيَنْفَحُ فوا أسفا! ماذا أساَءتْ وأذْنَبَتْ … وقد يُغْفَرُ الذَّنْبُ العظيمُ الُمبَرَّحُ أَيَهجُرُها أبناؤها دونَ رحمةٍ … وتتْرَكُ في أيدي الأسى تَتَصَوَّحُ ألم تَكُ مِحْرَابَ الخِلافة أعصُراً … يرفُّ عليها المجدُ والعِزُّ يَصْدَحُ إذا سمعَ الناسُ الأذانَ رأيتَهَا … تكادُ بأفْواجِ المصلّينَ تَطْفحُ وإن تُلِيَ الفُرْقانُ فيها رأيتَهَا … تمايَلُ مِنْ تَرْتيلِهِ وتَرَنَّحُ فأضْحَتْ خَلاءً لا الحمائِمُ خُشَّعُ … لديْهَا، ولا الدَّاعي المؤذِّنُ يُفصحُ وُعُطِّلَ فيها الدينُ فَهْيَ وَجِيعةُ … تَضِجُّ شَكاةً وَالمَنابِرُ نُوَّحُ (أتاتُورْكُ) لا يغْررْكَ أنكَ حاكمٌ … مُطاعُ، تُرَدِّى إنْ أردتَ وتصفح رُوَيْدَكَ إنَّ الدهْر َ - مذْ كان - قُلَّبٌ … يَعُودُ فيستَقْضي الذي كان يمنح لَعَمْركَ إنْ أمسيْتَ رَبَّا مُسَوَّداً … أتعلمُ ما يُبدْي الصَّبَاحُ وَيفضح؟ إذ العينُ نامَتْ عَنْ أذى الدهْرِ غَفْلَةً … تُفيقُ على الهَوْل الفظيع وتُفْتَحُ وأنْتَ الذي يدعونَكَ اليومَ مُصْلحاً … فَهلْ يَهْدِمُ التاريخَ والمجدَ مصلح لئِنْ كان قُبحاً نَبْذكَ العُرْبَ جانباً … فَنَبْذُك للدينِ المقَدَّسُ أقبح حُقودٌ على الُرْبِ الِكرامِ صَبَتْها … على الدين، ما تَنْفِكُّ تُورى وتُقْدَح تبينَ فيها الغَدْرُ والّؤمُ والأذى … (وكُلُّ إناءٍ بالذي فيهِ ينضح) تَجَرّأَتْ مغتراً على الدينِ أهْوَجاً … ولكِنَّ دينَ اللهِ أسمى وأسمحُ وشَمًّرتَ للدينِ الحنيفِ مغالباً … فَوا عجَباَ! أنتَ الأجَمُّ وتنطَحُ وما ناصَبَ الدينَ العداوَةَ أحمقٌ … مِنَ الناسِ إلا عادَ وَهْوَ مُجرَّح

стр. 9032

وَللهِ عيْنٌ تَكْلأُ الدينَ برَّةٌ … وتدفَع عنه كلَّ من جاء ينبح بَنيتم على الإسْلَام شامخَ مُلكِكم … فلَسْتَ إذَا هَدّمْتَهُ اليْومَ تُفْلِحُ وإِنَّ أَيادِي العُربِ فيكم كثيرَةٌ … وما ضَرَّها أنْ تُنكِرهَا وَتقْدَحُوا ولوْلَا تهاوِلُ الخِلافةِ لم يكُنْ … (لعثمانَ) في ضَخْم المَملِكِ مَطمحُ فإِنْ تَهْجُرُوا الدِّينَ المقَدَّسَ فارْجِعُوا … سَوَائِمَ ترْعَى في المُرُوجِ وَتَسرَحُ (أتاتُورْكُ) حاذِرْ مِنْ بنِي الغَرْبِ وَثْبةً … وإنْ غَرَّدُوا بالسِّلْمِ يوْماً ولَوَّحوا فَحُبُّهُمُ حُبُّ الذِّئَابِ لنَعْجةٍ … وسِلْمُهُمُ البرَّاقُ سِلْمٌ مُسَلَّحُ فَصَمتَ عُرى الشَّرْقِ العزِيزِ بِنزْوَةٍ … من الْحمقِِ مَا تَنْفكُّ تنْزُو وتَجْمحُ وقَطَّعْتَ أَسبابَ القرَابةِ عَامِداً … وهذا الذي يُرضِي عِداكَ وَيفْرِحُ أأنْتَ إِذَا خُنُتَ القَرابةَ وَاجِدٌ … من الأهْلِ من يَحنو عليكَ وَيَنْصحُ وواللهِ لا يُبدى لك الغَرْبُ حُرْمةً … ولوْ رُحْتَ في أذيالهِ تَتَمَّسحُ يقولُ لَكَ الغَرْبُ المُدِلُّ بِنَابهِ … وقد جئُتَ تَستَجدِي رضاهُ وَتمدَحُ مكانكَ ياشرْقيُّ وارْجعْ بِذلَّةٍ … فمنْ ذَا رَأَى الشَّرْقيَّ لِلعزَّ يَصْلُحُ ومهمَا سَما الشَّرْقيُّ فالشرقُ نعجةٌ … تُسمَّنُ لِلغْربِ النَّهُومِ وَتذْبَحُ فلا تَلتمسْ عَطفاً من الغَرْبِ صَاغراً … ذَليلاً فما يَحْنُو القوِيُّ ويَسْمَحُ ولا تَعُبِد الغَربيَّ جَهْلاً فإنما … ستكْسبُ منه كلَّ ذُلٍّ وتربح ألستَ تراهُ رابِضاً متَربِّصاً … يَودّ لَو أنّ الصيدَ يبدو ويسنحُ دمشق أمجد الطرابلسي

стр. 9033

نجوى أنت لحن الفؤاد في الخفقان … يا نجيّ الضمير في كل آن رافق القلب ذكرك العذب كالما … ءِ رفيقاً لخاطر الضمآن إن هذى الحياة - وهي شوؤن - … ليس فيها سواك لي من شان أنا من أجلك احتملت حياتي … حين ظللّت في الحياة مكاني ربَّ ليل مضى عليك هنيئاً … بتُّ فيه مؤرق الأشجان طيفك العابث الكذوب يمني … ني فأحيى ليلي سمير الأماني وأرى عطفك البعيد قريباً … فيفيض السرور في وجداني ثم يحنو عليّ طيفك حتى … تتهادى مواثق الرضوان ونحلُّ الوصال لثما وضما … وحديثاً باللحظ أو باللسان ثم أصحو فلا أراك حيالي … فيثور الدفين من أشجاني أيها الظالم الجميل ترفق … بأسير معذَّب ولهان بغداد ابن عباس

стр. 9034

فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية ١٦ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا فرديدريك نيتشه للأستاذ خليل هنداوي غزوات نيتشه الغزوة الأولى حمل نيتشه في الغزوة الأولى على الكاتب الألماني (دافيد ستراوس) وعلى كتابه الذي أخرجه في درس الدين والمدينة، والإيمان قديمه وحديثه. وقد يحتدم في نقده للجزء الثاني من الكتاب حيث يعلن (ستراوس) المثل الأعلى الذي يجده خير ما وجده لأبناء الأجيال القادمة. ونيتشه يصب سوط نقده على الرجل الذي لم يعل ولم يسفل، بل وقف وسطاً قانعاً بما آل إليه، يأخذ من كل علم بحزمة، ويقنع من كل فن بضمة، ويعتقد بأنه بلغ الدرجة القصوى من الكمال الإنساني لا يؤمن (ستراوس) بجنة المسيح، ولا يرتاح لوجود الله، وإنما يعمل على أن يوحي إلى أنصاره أن العالم ما هو إلا رحى ميكانيكية لا تهدأ عن دورانها، وما على الإنسان إلا أن يسلم من الوقوع تحت ثفالها. وهو في الأخلاق كذلك، فلا يبشر بمذهب خطر، ولا يجرؤ على أن يطلب إلى الفرد أن يستخدم مواهبه وأن يكون كما تريد نفسه في الوجود. وإنما يقول هذه الجملة بعد تثبته من اختلاف الناس في حظوظهم ومواهبهم، (لا تنس أبداً أيها الإنسان أن الآخرين هم أناس مثلك، لهم نفس حاجاتك وذات مآربك) يحسب كل ما تجاوز حد الفهم الوسط قبيحاً، لأن العبقرية تتجلى في التوسط لا في التطرف. فالنشيد التاسع (لبتهوفن) لا يقع موقع الرضا إلا عند من يرون الغريب عبقرية، والخروج عن المألوف والوزن سمواً. وقد ظن بنفسه أنه قهر (شوبنهاور) ببرهانه الركيك الذي رآه (إذا كان الوجود قبيحاً، فالعقل الذي أوجده هو قبيح أيضاً، فالمتشائم إذن هو مفكر قبيح، والوجود هو حسن وجميل!. . .) إن ستراوس في نظر نيتشه هو مثال العقل المتوسط الذي يدعى معرفة كل شيء، ويريد

стр. 9035

بفرض سلطته على الوجود. هو مفكر هياب لا يبلغ بفكره إلا منتصف الطريق، ولا يستطيع أن يقصد نهايته. إنه متفائل يغلق عينيه عن الآلام الضرورية للبشر خوفاً ورهبة. وهو مفكر يدعوا الناس إلى حياة قانعة خانعة، وبدلاً من أن يكرم رجال العبقرية يعمل على معاكستهم لأنهم - بزعمه - خالفوا نظامه ومثله الأعلى باختراقهم حدود النبوغ المتوسط الغزوة الثانية: وتصدى نيتشه في تأملاته الثانية للتاريخ، وهو لا يجابه رجلاً معلوماً أو طائفة مشهورة، وإنما ينازل مذهباً حديثاً يهم بأن يشيع ويطبع الحضارة العصرية بطابعه، فالتاريخ هو خير راع للحضارة وناقل لها ما ظل يعمل على خدمة الحياة، وبحث الناس على نشدان الحياة السامية، فالتاريخ الموقوف على نشر المآثر يمثل للإنسان آثار الأقدمين الرائعة ويبعث في روحه الأمل الملتهب والعزم المتأجج لإكمال معنى هذه الآثار، ويعمل على رفع مثل الإنسانية الأعلى ناقضاً من قلبه التلهي بحب الحاضر والاستسلام لملذاته. أما التاريخ التقليدي الذي يوحي للإنسان احترام الأشياء الفانية، وحب الآثار الماضية، فهو خير حقير يحمل أصحابه على الرضا بالحاضر الممقوت، يسكرهم بذلك الماضي الذهبي البعيد ويسكب في وجودهم القاتم المستكين مخدراً شعرياً يبعثهم على الركود. وهنالك التاريخ الناقد المحاكم، يعرض الماضي كله على محكمة العقل ويبحث فيه ثم ينفيه، لأن كل ما كان من حقه أن يزول. - إن مثل هذا التاريخ هو سلاح محمود عند من أثقلت ظهورهم أعباء الماضي الثقيل، وهم يريدون أن يطرحوها عنهم ويمشوا قدماً إلى ما خطت لهم الحياة ولقد يستحيل التاريخ إلى قوة غاشمة سيئة حين ينفصل في طريقه عن الحياة، وحين يود أن يفرض مذهباً خاصاً بعيداً عن مذاهبها، إنه يصبح رسول موت لا رسول حياة. ينشئ من الإنسان مجموعة محشوة علوماً ومعارف. ويقتل فيه القوة التي تسوقه إلى العمل. . . إنه مجموعة أثرية لاحظ فيها لسطر من سطور العمل. صاحبها ضعفت شخصيته، ونشأ في تفكيره عالة على غيره، وتعلم أن التاريخ يجب أن يتلقنه تلقيناً، وألا يضعه بنفسه. على أن المؤرخ الحقيقي الذي ينبغي لمثله أن يسطر التاريخ هو من يقف تجاه المسألة التي يدرسها وقفة الخلي، ويعمل دائباً على تشييد بناية الحاضر. رجل التجارب والسمو هو الذي يسطر التاريخ
следующие страницы →