← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9031–9070 · переход к 9036.

стр. 9031

أياصوفيا بقلم أمجد الطرابلسي أياصوفيا حان التفرق فاذكري … عهود كرام فيك صلوا وسلموا حافظ إبراهيم (أياصوفيِا) تُذْرِي الدُّموعَ وتَسفَحُ … وتُمْسِي على مُرَّ الأنينِ وَتُصْبِحُ تنَكَّرَ أهلوها لها وأذاقَهَا … فَوَادِحَهُ صَرْفُ الزمانِ المُفَدَّحُ وهانَتْ على مَنْ كانَ بالأمْسِ مُشفِقاً … يُدافِعُ عنْهاَ الطامِعينَ وَيَنْفَحُ فوا أسفا! ماذا أساَءتْ وأذْنَبَتْ … وقد يُغْفَرُ الذَّنْبُ العظيمُ الُمبَرَّحُ أَيَهجُرُها أبناؤها دونَ رحمةٍ … وتتْرَكُ في أيدي الأسى تَتَصَوَّحُ ألم تَكُ مِحْرَابَ الخِلافة أعصُراً … يرفُّ عليها المجدُ والعِزُّ يَصْدَحُ إذا سمعَ الناسُ الأذانَ رأيتَهَا … تكادُ بأفْواجِ المصلّينَ تَطْفحُ وإن تُلِيَ الفُرْقانُ فيها رأيتَهَا … تمايَلُ مِنْ تَرْتيلِهِ وتَرَنَّحُ فأضْحَتْ خَلاءً لا الحمائِمُ خُشَّعُ … لديْهَا، ولا الدَّاعي المؤذِّنُ يُفصحُ وُعُطِّلَ فيها الدينُ فَهْيَ وَجِيعةُ … تَضِجُّ شَكاةً وَالمَنابِرُ نُوَّحُ (أتاتُورْكُ) لا يغْررْكَ أنكَ حاكمٌ … مُطاعُ، تُرَدِّى إنْ أردتَ وتصفح رُوَيْدَكَ إنَّ الدهْر َ - مذْ كان - قُلَّبٌ … يَعُودُ فيستَقْضي الذي كان يمنح لَعَمْركَ إنْ أمسيْتَ رَبَّا مُسَوَّداً … أتعلمُ ما يُبدْي الصَّبَاحُ وَيفضح؟ إذ العينُ نامَتْ عَنْ أذى الدهْرِ غَفْلَةً … تُفيقُ على الهَوْل الفظيع وتُفْتَحُ وأنْتَ الذي يدعونَكَ اليومَ مُصْلحاً … فَهلْ يَهْدِمُ التاريخَ والمجدَ مصلح لئِنْ كان قُبحاً نَبْذكَ العُرْبَ جانباً … فَنَبْذُك للدينِ المقَدَّسُ أقبح حُقودٌ على الُرْبِ الِكرامِ صَبَتْها … على الدين، ما تَنْفِكُّ تُورى وتُقْدَح تبينَ فيها الغَدْرُ والّؤمُ والأذى … (وكُلُّ إناءٍ بالذي فيهِ ينضح) تَجَرّأَتْ مغتراً على الدينِ أهْوَجاً … ولكِنَّ دينَ اللهِ أسمى وأسمحُ وشَمًّرتَ للدينِ الحنيفِ مغالباً … فَوا عجَباَ! أنتَ الأجَمُّ وتنطَحُ وما ناصَبَ الدينَ العداوَةَ أحمقٌ … مِنَ الناسِ إلا عادَ وَهْوَ مُجرَّح

стр. 9032

وَللهِ عيْنٌ تَكْلأُ الدينَ برَّةٌ … وتدفَع عنه كلَّ من جاء ينبح بَنيتم على الإسْلَام شامخَ مُلكِكم … فلَسْتَ إذَا هَدّمْتَهُ اليْومَ تُفْلِحُ وإِنَّ أَيادِي العُربِ فيكم كثيرَةٌ … وما ضَرَّها أنْ تُنكِرهَا وَتقْدَحُوا ولوْلَا تهاوِلُ الخِلافةِ لم يكُنْ … (لعثمانَ) في ضَخْم المَملِكِ مَطمحُ فإِنْ تَهْجُرُوا الدِّينَ المقَدَّسَ فارْجِعُوا … سَوَائِمَ ترْعَى في المُرُوجِ وَتَسرَحُ (أتاتُورْكُ) حاذِرْ مِنْ بنِي الغَرْبِ وَثْبةً … وإنْ غَرَّدُوا بالسِّلْمِ يوْماً ولَوَّحوا فَحُبُّهُمُ حُبُّ الذِّئَابِ لنَعْجةٍ … وسِلْمُهُمُ البرَّاقُ سِلْمٌ مُسَلَّحُ فَصَمتَ عُرى الشَّرْقِ العزِيزِ بِنزْوَةٍ … من الْحمقِِ مَا تَنْفكُّ تنْزُو وتَجْمحُ وقَطَّعْتَ أَسبابَ القرَابةِ عَامِداً … وهذا الذي يُرضِي عِداكَ وَيفْرِحُ أأنْتَ إِذَا خُنُتَ القَرابةَ وَاجِدٌ … من الأهْلِ من يَحنو عليكَ وَيَنْصحُ وواللهِ لا يُبدى لك الغَرْبُ حُرْمةً … ولوْ رُحْتَ في أذيالهِ تَتَمَّسحُ يقولُ لَكَ الغَرْبُ المُدِلُّ بِنَابهِ … وقد جئُتَ تَستَجدِي رضاهُ وَتمدَحُ مكانكَ ياشرْقيُّ وارْجعْ بِذلَّةٍ … فمنْ ذَا رَأَى الشَّرْقيَّ لِلعزَّ يَصْلُحُ ومهمَا سَما الشَّرْقيُّ فالشرقُ نعجةٌ … تُسمَّنُ لِلغْربِ النَّهُومِ وَتذْبَحُ فلا تَلتمسْ عَطفاً من الغَرْبِ صَاغراً … ذَليلاً فما يَحْنُو القوِيُّ ويَسْمَحُ ولا تَعُبِد الغَربيَّ جَهْلاً فإنما … ستكْسبُ منه كلَّ ذُلٍّ وتربح ألستَ تراهُ رابِضاً متَربِّصاً … يَودّ لَو أنّ الصيدَ يبدو ويسنحُ دمشق أمجد الطرابلسي

стр. 9033

نجوى أنت لحن الفؤاد في الخفقان … يا نجيّ الضمير في كل آن رافق القلب ذكرك العذب كالما … ءِ رفيقاً لخاطر الضمآن إن هذى الحياة - وهي شوؤن - … ليس فيها سواك لي من شان أنا من أجلك احتملت حياتي … حين ظللّت في الحياة مكاني ربَّ ليل مضى عليك هنيئاً … بتُّ فيه مؤرق الأشجان طيفك العابث الكذوب يمني … ني فأحيى ليلي سمير الأماني وأرى عطفك البعيد قريباً … فيفيض السرور في وجداني ثم يحنو عليّ طيفك حتى … تتهادى مواثق الرضوان ونحلُّ الوصال لثما وضما … وحديثاً باللحظ أو باللسان ثم أصحو فلا أراك حيالي … فيثور الدفين من أشجاني أيها الظالم الجميل ترفق … بأسير معذَّب ولهان بغداد ابن عباس

стр. 9034

فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية ١٦ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا فرديدريك نيتشه للأستاذ خليل هنداوي غزوات نيتشه الغزوة الأولى حمل نيتشه في الغزوة الأولى على الكاتب الألماني (دافيد ستراوس) وعلى كتابه الذي أخرجه في درس الدين والمدينة، والإيمان قديمه وحديثه. وقد يحتدم في نقده للجزء الثاني من الكتاب حيث يعلن (ستراوس) المثل الأعلى الذي يجده خير ما وجده لأبناء الأجيال القادمة. ونيتشه يصب سوط نقده على الرجل الذي لم يعل ولم يسفل، بل وقف وسطاً قانعاً بما آل إليه، يأخذ من كل علم بحزمة، ويقنع من كل فن بضمة، ويعتقد بأنه بلغ الدرجة القصوى من الكمال الإنساني لا يؤمن (ستراوس) بجنة المسيح، ولا يرتاح لوجود الله، وإنما يعمل على أن يوحي إلى أنصاره أن العالم ما هو إلا رحى ميكانيكية لا تهدأ عن دورانها، وما على الإنسان إلا أن يسلم من الوقوع تحت ثفالها. وهو في الأخلاق كذلك، فلا يبشر بمذهب خطر، ولا يجرؤ على أن يطلب إلى الفرد أن يستخدم مواهبه وأن يكون كما تريد نفسه في الوجود. وإنما يقول هذه الجملة بعد تثبته من اختلاف الناس في حظوظهم ومواهبهم، (لا تنس أبداً أيها الإنسان أن الآخرين هم أناس مثلك، لهم نفس حاجاتك وذات مآربك) يحسب كل ما تجاوز حد الفهم الوسط قبيحاً، لأن العبقرية تتجلى في التوسط لا في التطرف. فالنشيد التاسع (لبتهوفن) لا يقع موقع الرضا إلا عند من يرون الغريب عبقرية، والخروج عن المألوف والوزن سمواً. وقد ظن بنفسه أنه قهر (شوبنهاور) ببرهانه الركيك الذي رآه (إذا كان الوجود قبيحاً، فالعقل الذي أوجده هو قبيح أيضاً، فالمتشائم إذن هو مفكر قبيح، والوجود هو حسن وجميل!. . .) إن ستراوس في نظر نيتشه هو مثال العقل المتوسط الذي يدعى معرفة كل شيء، ويريد

стр. 9035

بفرض سلطته على الوجود. هو مفكر هياب لا يبلغ بفكره إلا منتصف الطريق، ولا يستطيع أن يقصد نهايته. إنه متفائل يغلق عينيه عن الآلام الضرورية للبشر خوفاً ورهبة. وهو مفكر يدعوا الناس إلى حياة قانعة خانعة، وبدلاً من أن يكرم رجال العبقرية يعمل على معاكستهم لأنهم - بزعمه - خالفوا نظامه ومثله الأعلى باختراقهم حدود النبوغ المتوسط الغزوة الثانية: وتصدى نيتشه في تأملاته الثانية للتاريخ، وهو لا يجابه رجلاً معلوماً أو طائفة مشهورة، وإنما ينازل مذهباً حديثاً يهم بأن يشيع ويطبع الحضارة العصرية بطابعه، فالتاريخ هو خير راع للحضارة وناقل لها ما ظل يعمل على خدمة الحياة، وبحث الناس على نشدان الحياة السامية، فالتاريخ الموقوف على نشر المآثر يمثل للإنسان آثار الأقدمين الرائعة ويبعث في روحه الأمل الملتهب والعزم المتأجج لإكمال معنى هذه الآثار، ويعمل على رفع مثل الإنسانية الأعلى ناقضاً من قلبه التلهي بحب الحاضر والاستسلام لملذاته. أما التاريخ التقليدي الذي يوحي للإنسان احترام الأشياء الفانية، وحب الآثار الماضية، فهو خير حقير يحمل أصحابه على الرضا بالحاضر الممقوت، يسكرهم بذلك الماضي الذهبي البعيد ويسكب في وجودهم القاتم المستكين مخدراً شعرياً يبعثهم على الركود. وهنالك التاريخ الناقد المحاكم، يعرض الماضي كله على محكمة العقل ويبحث فيه ثم ينفيه، لأن كل ما كان من حقه أن يزول. - إن مثل هذا التاريخ هو سلاح محمود عند من أثقلت ظهورهم أعباء الماضي الثقيل، وهم يريدون أن يطرحوها عنهم ويمشوا قدماً إلى ما خطت لهم الحياة ولقد يستحيل التاريخ إلى قوة غاشمة سيئة حين ينفصل في طريقه عن الحياة، وحين يود أن يفرض مذهباً خاصاً بعيداً عن مذاهبها، إنه يصبح رسول موت لا رسول حياة. ينشئ من الإنسان مجموعة محشوة علوماً ومعارف. ويقتل فيه القوة التي تسوقه إلى العمل. . . إنه مجموعة أثرية لاحظ فيها لسطر من سطور العمل. صاحبها ضعفت شخصيته، ونشأ في تفكيره عالة على غيره، وتعلم أن التاريخ يجب أن يتلقنه تلقيناً، وألا يضعه بنفسه. على أن المؤرخ الحقيقي الذي ينبغي لمثله أن يسطر التاريخ هو من يقف تجاه المسألة التي يدرسها وقفة الخلي، ويعمل دائباً على تشييد بناية الحاضر. رجل التجارب والسمو هو الذي يسطر التاريخ

стр. 9036

وللتاريخ وجهة ثانية رائعة يستخلصها نيتشه: هي أن التاريخ يكرم من التفاؤل ما كان محفوفاً بالكدر والخطر. ويحترم الميول الفظة ويعبد الظفر. يعتقد المؤرخ أنه يرى في الحركة الإنسانية أثراً لا أعلم من أي سام منحدره. يجهد العقل ليدرك أنى بدأت هذه الحركة وأين يجب أن تنتهي؟ والإنسان لم يكن عظيماً إلا حين كان يشن الغارة على القدر ويعلن الحرب على القضاء الأهوج، ولكنه يفعل ذلك دون أن يخرج من نفسه ليس التاريخ الحقيقي بذلك التاريخ الذي يأتي على كل شيء وإنما هو تاريخ أبناء العبقرية، وسيأتي عصر تتبدل فيه صورة هذه الحركات التي ألف التاريخ تسجيلها. وسترسم هذه الصورة بصورة أدنى إلى الحقيقة، فلا يكتب التاريخ بعمومه وخصوصه، وإنما يقصر فيه على رجال العبقرية الذين أثروا في العالم؛ هم لا يأتون ويتعاقبون حسب شريعة تاريخية، ولكنهم يعيشون وراء الزمن! يمثل وجودهم المتصل المتماسك معبراً ترابطت أجزاؤه واستمكنت عقده فوق الأمواج العاصفة. ولنعمم هذا التاريخ الذي يرسم هذه الصورة ويخرج هذا المثل! وهذه هي جمهورية العباقرة التي تحدث عنها (شوبنهاور). عبقري ينادي عبقرياً في أثناء العصور وأهضام الأجيال. ووظيفة التاريخ أن يجمع شتاتهم، ويدني بعضهم من بعض، وأن يهيئ - في كل مهلة - ولادة جديدة لعبقري جديد. إذ ليست غاية الإنسانية من سيرها ذلك الغرض الذي تزحف إليه وإنما غايتها تتمثل في النماذج الكاملة التي تخرجها وتنشئها في الوجود الغزوة الثالثة: ولم يقف الأمر عند تهديم العمارة القديمة وتعاليمها المخطرة. فهو يقصد إلى تشييد عمارة المستقبل على دعائم جديدة، فتحرى عن عباقرة أحياء يستطيعون أن يذهبوا بالشباب إلى هذه العمارة وإلى هدف جديد، ينزع عنهم هذا التفاؤل المخدر ويعرضهم أمام أنفسهم مجردين، وسعى إلى أن يرى له معلمين يساعدونه على كشف نفسه ويعرفونه بنفسه؛ من أين نشأت وإلى أين تذهب؟ وقع - أو شاءت المصادفات - أن يقع نيتشه مصادفة على كتاب شوبنهاور (العالم إرادة وتمثيل) وما كان نيتشه ليقدر أن هذا الكتاب سيقلب كل أطوار حياته، ويترك ثورة مستعرة في نفسه، ثم تشتعل هذه الثورة وتزيدها الأيام ضراماً، فلا تهدأ إلا بعد أن تأكل نفسها،

стр. 9037

وتمد ألسنة شواظها إلى نفسها فتهدأ الثورة بثورتها على ذاتها. . . فكان أول ما شغله من هذا الكتاب الجديد شخصية صاحبه المتجلية في كل حرف من حروفه؛ وهو الذي يقول: (أنا من قراء شوبنهاور، ممن يدركون أنهم سيتلون شوبنهاور من فاتحته إلى خاتمته، وسيصغون إلى كل حرف تهمسه شفتاه. إن ثقتي به ثقة عمياء ما زادها كر الأيام إلى ثباتاً) (يتبع) خليل هنداوي

стр. 9038

القصص من أساطير الإغريق القرية الظالمة للأستاذ دريني خشبة ذهبا يدلجان في هدأة الليل، ويضربان في ظلام الوادي، ويتحدث أحدهما إلى الآخر حديث الآلهة؛ وكلما نال منهما الجهد، جلسا يتسامران، أو ينصت الشيخ ذو اللحية البيضاء المرتعشة، إلى السحر الذي تنفثه قيثارة الفتى اليافع - (حسبك يا بني، فلقد كادت موسيقاك تبطل عمل العاصفة) - (وفيم تريد أن تستيقظ العاصفة يا أبتاه؟) - (أريد أن تستيقظ العاصفة لأريك عجباً هذه الليلة من طباع الناس. أترى إلى هذه القرية! النائمة في أكناف الجبل؟) - (أين يا أبي؟) - (أنظر جيداً) - (الظلام دامس، ويكاد الحلك يختلط بسواد الصخر فلا أرى شيئاً. . .) - (أنظر في الجهة التي تشير إليها يدي) وأشار الشيخ بيده فانبعثت منها شعاعة من نور شديد، كشفت القرية للفتى - (آه. هذه هي. عمش خفيف أصابني الليلة يا أبتاه!) وكان الفتى حلو الدعابة رقيق النكتة، ثرثاراً، فقال له الشيخ يحذره: - (إذا كنا عند القرية فلا تبدأ حديثاً، ولا تخاطبني إلا أن أخاطبك؛ وإياك أن تأتي بإشارة تسقط هيبتنا في أعين القوم، فانهم لؤماء سفهاء، وقد تفسد علينا ثرثرتك ما جئنا من أجله الليلة إلى هذه القرية. . .) (نسيت القفل يا أبتاه!!) - (أي قفل؟) - (الذي أقفل به فمي فما يتحرك ببنت شفة)

стр. 9039

- (يا خبيث. .: اصمت) وأشار الشيخ بيده إلى السماء فأربدت وتكلحت وأورى برقها وقرقع رعدها، وانصبت ميازبها بماء منهمر. وانطلقا إلى القرية. . . ووقفا عند منزل فخم ضخم ذي شرفات، فقال الشيخ: - (تشبث يا بني بأحياد الحائط حتى تكون عند النافذة، فانظر ماذا ترى) وفعل الفتى، ونزل، وقال للشيخ: - (أبتاه! نسوة عاريات يرقصن، وندامى وخمر، و. . . موسيقى. . . وفتيان وفتيات. . . . و. . .) - (وماذا يا صغيري العزيز؟) - (ودعارة وعهر يا أبتاه. . . . لماذا جئنا هنا؟ لماذا جئنا هنا؟. . .) - (قلت لك جئنا لأريك عجباً هذه الليلة من طباع الناس، هلم إلى باب المنزل) وطرقا الباب، فبرز لهما فتاىً غرانق وقال: ماذا؟ شحاذان قذران!) فقال الشيخ: - (على رسلك يا بني. أنا رجل شيخ غريب، وهذا ابني، وقد دهمتنا العاصفة فلجأنا إليكم نرجو أن تضمنا غرفة صغيرة إلى الصباح، ونطمع أن نتبلع لديكم بلقمات. . .) - (غرفة ولقمات؟ ها ها. . . اذهبا اذهبا. . . لصوص! هذه حيل قطاع الطريق والسفاحين بلوناها من قبل) ثم قذف بمصراع الباب في وجهيهما. فنظر الشيخ إلى ولده وقال: (أرأيت؟ سر إلى هذا البيت القريب) وقال لابنه: (هلم إلى النافذة فانظر. . .) وتسلق الفتى وحملق قليلاً، ثم قفز وقال: (أبتاه! أناس يخزنون الذهب في خواب عظيمة ويختمون عليها بالرصاص المذاب؛ من أين لهم هذا الذهب كله يا أبي؟. .) فقال الشيخ: (هم لصوص يا بني، وإن كانوا لا يقطعون طريقاً، ولا يسطون على دار؛ ولكنهم يمتصون دم الفقير والمعتر، ويصهرونه ذهباً ويكنزونه هكذا؟! إنهم أصحاب هذه الضياع والبساتين! هلم إلى بابهم. . . . . .) وطرقا الباب، وسألا طعاماً، ومبيت ليلة، فقالت لهم العجوز صاحبة الدار:

стр. 9040

- (إن هذا العام عام شدة، ولم تبق لنا المجاعة على زرع ولا ضرع، ماذا عندنا لنعطيكم؟ هيكل زيوس قريب من هنا ناما فيه، وكهنته أسخياء كرماء، وعندهم في كل آونة خمر. . . سيطعمونكما ويسقونكما! وربما قدموا لكل منكما غادة! فهم فساق عرابيد. . . اقصدا إليهم. . . اذهبا. . .) وقذفت بالباب في وجهيهما. . . . . . قال الشيخ: (أرأيت يا بني؟) فقال الفتى مداعباً: (نحن نستحق أضعاف هذا الهوان! ما لنا وللناس؟!)؛ فقطب الرجل جبينه وقال: (مالنا وللناس؟ إذن ما نحن في هذه الدنيا يا بني؟ ولكن ليس الآن ما أعددت لك من عبرة هذه الليلة؛ سر بنا إلى ذلك القصر العتيق) فلما كانا عنده، تطلع الفتى فرأى صحباً كثيراً ما يزال يتعشى، والموائد حافلة بالأشربات والأشواب، وبكل ما لذ وطاب. والندامى البيض كالنجوم رافلات، ورافلون، في وشى وأواف. وكأن الفتى استطير من العجب، فقال للشيخ: (كل الناس يا أبتاه هانئون هذه الليلة المقرورة إلا نحن!! الجميع يأخذ في نشوة ولذة ونحن نضرب في وحل وننشق من غيظ؟!) قال أبوه: (ألم أقل لك ألا تبدأ حديثاً حتى أبدأك؟ هلم إلى الباب) وقرعا الباب فبرز لهما شاب مفتول العضل كأنه هرقل. فلما سألاه حاجتهما، قادهما إلى البهو الواسع حيث القوم فيما هم فيه من متاع قال الشاب المفتول: (إليكم أيها الأخوان لصين من لصوص الدجاج عاثا كثيراً في قريتنا هذه، ولولا طول الحذر ما ذقتم الليلة رجل دجاجة. . . . . . إنهما يطلبان مبيتاً وعشاءً، ولا أدري لِمَ لمْ يقصدا إلى هيكل الأب زيوس حيث المبيت الوثير والعشاء الكثير؟! وحيث أشياء أخرى. . . . . .) وقهقه السمار وتكبكبوا حول الغريبين، ثم أخذوا معهما في ألوان غير محتشمة من المزاح الثقيل. هذا ينتف شعرات من ذقن الشيخ، وذلك يرفع ذيل الفتى مما وراء، وهذه تعانق الشيخ وتقبله وتقدم له كأساً من الخمر، وتلك تركب الفتى (زقفونة!). . . . . . ولما فاضت الكأس بالشيخ والفتى، نظر أحدهما إلى الآخر نظرات، ثم غابا عن أنظار الجماعة، كأنما تحولا إلى هواء. . .؟!

стр. 9041

فشده القوم، وأوجسوا خيفة لم يبرح الرجل وابنه يتنقلان في شوارع القرية الموحلة من بيت إلى بيت، وكلما طلبا المبيت والعشاء استهزئ بهما وطردا شر طردة وأخسها، حتى ضجر الفتى وبرم بحكمة والده في هذه الرحلة المضنية في ذلك البلد البخيل. . . فقال له: (اذهب أنت فسأنتظرك على هذه الصخرة الناتئة في حيد الجبل، وسأتسلى بموسيقاي حتى تعود) فقال الشيخ: (وحكمتي التي أردتك أن تراها بعينيك؟ هلم، هلم. . . أترى ذلك الكوخ؟ لندلج نحوه وليكن آخر مطافنا) وكانت في الكوخ كوة صغيرة ينبثق منها نور خافت. فلما نظر الفتى تمتم يقول: (أبتاه امرأة متهدمة وشيخ محطم! يا لبؤس الحياة، ويا لشظف العيش! لماذا أثرت العاصفة يا أبي؟ إن الماء ينز عليهما ويبلل فراشهما. . .) - (سترى أن هذا الكوخ هو وحده الذي يبقى) - (ماذا تعني يا أبي؟ هل تهدم القرية؟) - (صه! هلم فاطرق باب الكوخ.) - (قم يا فيلمون. إن بالباب طارقاً) - (نامي يا بوسيز! إنه البرد ترجم به العاصفة) - (لا. ليس برداً. إسمع! أناس ينادون. قد تكون بهم حاجة) ونهض فيلمون متهالكاً على نفسه ففتح الباب. وما كاد الشيخ يذكر حاجته حتى هش صاحب الكوخ وبش، وتلقى الرجل وابنه أحسن لقاء - (مرحباً مرحباً. . . أنتما في حاجة إلى دفء. بوسيز. انهضي يا امرأة فأوقدي ناراً. أنا أعرف أن الحطب مبلل، ولكن حاولي. . . مرحباً يا كرام معذرة، فنحن نستعين على الحياة هنا بالصبر. بوسيز، هاتي قربة النبيذ أولاً. ليس فيها إلا صبابة! لا بأس! سيبارك زيوس للضيفين فيها. . . هاتي شيئاً من المشمش الجاف يا امرأة!. . .) وتأتي بوسيز بقربة النبيذ، وما يكون فيها إلا ثمالة، فيتناوله الشيخ ذو اللحية البيضاء، فيتمتم بكلمات فتمتلئ نبيذاً من خير ما عصر باخوس؛ وبعد أن يروي منها هو وابنه، يدفع بها إلى صاحب الكوخ ممتلئة كأن لم يمتد إليها فم! فيتولى الرجل دهش عظيم ويقول:

стр. 9042

(بحق زيوس إلا ما أخبرتني أيها الصفي الصالح من أنت؟) فيقول الشيخ: (أنا أيها العزيز رجل نقلة وأسفار وهذا ابني الموسيقي البارع. أتطرب للموسيقى؟) ويهتز الرجل، ويوقع الفتى على قيثارته لحناً كأنه لسان العاصفة بما فيها من سنا برق وهزيم رعد ومكاء ريح وتنقير مطر، ثم هو مع ذاك لحن مشرق متألق يأسر اللب ولا يستأذن على القلب. . . وطرب فيلمون، ورقصت جوانح بوسيز، وأحضرت طبقاً به قليل من المشمش الجاف فقدمته للفتى، ناسية أن تقدمه للشيخ، وهذا من أثر الموسيقى على أعصابها، فقدمه هذا إلى أبيه في أدب واحترام. وما كادت اليد البيضاء الناصعة تمس الفاكهة حتى عادت إليها النضارة، وتأرجت عنها أنفاس الحديقة، وتضاعفت في الطبق حتى ملأته. فأكل الشيخ، وأكل ابنه، وأكل فيلمون وزوجه، وهما لا يصدقان ما يريان! وظلا يقدمان للضيفين كل ما استطاعاه من خبز وأدم، فكان القليل يزداد والمشفوف يتضاعف. وكانت لديهما إوزة عجفاء حاولا أن يجريا عليها التجربة فهما بذبحها ليصنعا منها شواءً يقدمانه للضيفين، ليريا ماذا يكون من أمرها. ولكن الإوزة فزعت فزعاً شديداً، وانطلقت في ناحية الشيخ تستجير به كأنها تكلمه. فابتسم وربت على ريشها الناعم النظيف، وأجارها من سكين فيلمون وكان نسيم السحر قد أخذ يهب في الأفق الشرقي، فقال الشيخ: - (أيها العزيز فيلمون. أيتها التقية الكريمة بوسيز، من إلهكما!) - (إلهنا زيوس تبارك في علياء الأولمب؟) - (أو يسركما أن يكون معكما الآن؟) - (معنا هو دائماً معنا!) - (أجل. هو دائماً مع عباده المخلصين. ولكن، أيسركما أن تكونا الآن في حضرته يحدثكما وتحدثانه؟) فيصيح فيلمون: - (أنت هو زيوس. تقدست. تقدست) ويسجد الرجل وزوجه، وما تفتأ تأخذهما رعدة شديدة - (أجل. أنا زيوس. أتيت أبتلي هذه القرية. وهذا ولدي هرمز. انهضا. والآن. ستزلزل

стр. 9043

الأرض زلزالها فلا تنزعجا. . .) ووقف زيوس، وأشار بيده إشارة خفيفة إلى الشرق، ثم إلى الغرب، ثم إلى الجنوب، ثم إلى الشمال؛؛؛ ثم نظر إلى فوق وتمتم بكلمات، وجلس وما كاد يفعل حتى رقصت الأرض، وسمع كأن الجبل القريب يندك، وكأن الصواعق تنقض على المنازل فتقوضها، وتنقلب القرية إلى جحيم ملتهب، وكلما أطل فيلمون أو أطلت امرأته من الكوة سرت فيهما رجفة أروع من رجفة الزلزال، فيطمئنهما زيوس - (الكوخ يا إلهي! أنا رجل فقير!) - (مال كوخك يا فيلمون!) - (إذا انهدم عشت في العراء!) - (لا عليك! فلن تقوض الزلازل إلا قصور العتاة؟) وأشرقت الشمس، فنهض الإله الأكبر، ونهض الجميع معه. وما كاد فيلمون يفتح باب كوخه الحقير حتى أخذه العجب وارتد على عقبيه مذعوراً: - (مولاي! لمن هذا القصر المشيد؟) - (هو لك يا فيلمون، أمرت الآلهة فبنى لك في ساعة السحر جزاء كرمكما. هلما نشهد غرفاته) وانطلق الجميع يتنقلون في غرفات القصر وردهاته، وكلما مر فيلمون وزوجه بتمثال إله سجدا واخبتا، حتى إذا كانوا في أكبر ردهات القصر، وقف زيوس وقال: (فيلمون! هذا هيكلي! وقد جعلتك كاهني الأكبر، فتمن الآن علي، فسأجيبك إلى كل ما تطلب) فتبسم فيلمون وقال: (مولاي! الشباب يا مولاي! ليعد الشباب إلي وإلى زوجي بوسيز، ولنعش طويلاً فإذا جاء وعدك فلنمت في يوم واحد في ساعة واحدة!) وسجد يقبل الأرض بين قدمي الإله الأكبر! فقال زيوس: (انهض يا فيلمون فطلبك مجاب، وستعيشان راغدين!) وسلم الإلهان وغابا عن الأنظار، وخرج فيلمون وزوجه ليريا إلى القرية، فلم يشهدا شيئاً غير بحيرة تعج أمواجها، وجزيرة كبيرة خضراء في وسطها قصرهما المنيف! فآمنا بزيوس وسبحا له!

стр. 9044

وعاشا طويلا، وماتا في يوم واحد وساعة واحدة، ونبتت دوحتان عظيمتان من أشجار السرو أمام باب القصر تخلدان ذكراهما في العصور دريني خشبة

стр. 9045

البريد الأدبي المؤتمر المصري الثالث للطلبة المصريين بإنجلترا أقام الطلبة المصريون في إنجلترا مؤتمرهم الثالث من مساء يوم الأربعاء ١٠ يوليه إلى يوم الاثنين ١٥ منه، فحاضر في اليوم الأول الملازم حسن بكير في البوليس المصري والأمن العام: حالتهما وما يجب أن يكونا عليه؛ وفي يوم الخميس ألقت الآنسة أسماء فهمي محاضرة عن (علاقة علم النفس بالتربية ومقاييس الذكاء)، وكذلك ألقى الأستاذ عبد العزيز أمين عبد المجيد محاضرة عن (عيوب النظام المدرسي الحالي بمصر ووسائل إصلاحه)؛ وفي يوم الجمعة تكلم الأستاذ يحيى نامق عن (حركات الشباب المصري وكيف يجب أن تتجه)، والأستاذ حسن محمد الشعراني عن (رقي الصناعة في مصر)، ثم تحدثت الآنسة حنينة خوري عن (الحبشة وعاداتها وعلاقتها بمصر)؛ وفي يوم السبت تكلم الأستاذ إبراهيم حسن الموجي عن (فضل الإسلام في رفع منزلة المرأة)؛ وفي يوم الأحد تكلم الأستاذ سليمان أحمد حزين عن (مشكلتي السكان والدفاع القومي ومكانتهما من سياستنا التعليمية)، والأستاذ يحيى عبد السلام العلايلي عن (علاقة الطلبة المصريين بإنجلترا وكيف يجب أن تكون) وفي يوم الاثنين انعقد المؤتمر بشكل جمعية عمومية لمراجعة النتائج التي وصل إليها في المحاضرات السابقة ولمناقشة شؤون المؤتمر الرابع المقبل وانتخاب اللجنة المعدة لإدارته بين الرصافي والريحاني نشرنا في عدد مضى ما رواه الريحاني عن الرصافي في كتابه الجديد (قلب العراق) وانتظرنا كلمة الأستاذ الرصافي في هذه الرواية. وقد قرأنا أخيراً في جريدة الاستقلال البغدادية كتاباً من الأستاذ الرصافي ينكر فيه كل ما عزاه الريحاني إليه إنكاراً يؤيد تعليقنا على هذا الخبر أو ذاك، وهذا كتاب الرصافي بنصه: حضرة الأستاذ الفاضل صاحب جريدة الاستقلال الغراء أرجو نشر الكلمة التالية في جريدتكم ولكم الفضل والشكر: أطلعني بعض معارفي على ما رواه الريحاني عني في كتابه قلب العراق فعجبت منه واستغربته كل الاستغراب. لقد اجتمعت بالريحاني عدة مرات في أزمنة مختلفة، ومجالس

стр. 9046

مؤتلفة وغير مؤتلفة، تجاذبنا فيها أطراف الأحاديث من كل نوع، ولا أتذكرها اليوم لمرور الزمان ولاختلال ذاكرتي بالنسيان، فأنا من هذه الناحية لا أستطيع أن أناقشه في صحة تلك الأقوال التي أسندها إلي ورواها عني. ولكنني الآن أستطيع أن أنفي نفياً باتاً صحة كثير مما رواه في كتابه المذكور بدليل أن في تلك الأقوال ما لو قاله اليوم أحد غيري لأنكرته عليه أشد الإنكار. إذن فكيف أقول للريحاني ما أنكره لو قاله غيري؟ وفي الأخير أقول: إن كان كل ما يرويه الريحاني في كتبه من هذا القبيل فويل للحقيقة منه، وويل له من الحقيقة! معروف الرصافي معهد شرقي في برلين من أنباء برلين الأخيرة أن الحكومة الألمانية قررت إنشاء معهد جديد يسمى (المعهد الشرقي) يلحق بجامعة برلين ويعنى بدراسة اللغات الشرقية ومسائل الشرق وحضاراته. وسيدمج في هذا المعهد الجديد، معهد اللغات الشرقية القديم الذي كان ملحقا بجامعة برلين، ومعهد اللغات السامية والعلوم الإسلامية، والمعهد الصيني، والمعهد الهندي الألماني. أما المعهد الياباني المخصص لدراسة المسائل والحضارة اليابانية، فسيبقى مستقلاً كما هو الآن نظراً لمهمته الخاصة وفي هذا النبأ ما يلفت النظر، لأن الحكومة الألمانية الحالية وهي الحكومة الهتلرية قد اضطهدت حركة الاستشراق، أعني المباحث الشرقية والإسلامية، اضطهاداً شديداً، لأن معظم أقطاب المباحث الشرقية والإسلامية من اليهود، وقد طاردت الحكومة الهتلرية العلماء اليهود أشد مطاردة وشردتهم من معاهدهم، وركدت بذلك حركة الاستشراق في ألمانيا؛ وكانت هذه الحركة زاهرة بألمانيا قبل الحرب لأنها كانت يومئذ كانت تجيش بالمطامع الاستعمارية في الشرق وتشجع المباحث الشرقية والإسلامية وتغذيها بالمال والبعوث؛ ثم ضعفت هذه الحركة بعد الحرب، وفترت همم العلماء المستشرقين لتخلي الحكومة عنهم وقصورها عن إمدادهم بالمال اللازم؛ فهل نفهم من إنشاء (المعهد الشرقي) الجديد أن الحكومة الهتلرية تزمع العودة إلى تشجيع المباحث الشرقية، وأن لهذه الخطوة علاقة بمطامعها السياسية والاقتصادية فيما وراء البحار؟ هذا ومن جهة أخرى فالمعروف أن

стр. 9047

الحكومة الهتلرية تقيم سياستها على فكرة الجنس، وأنها تنادي بانحطاط الأجناس الشرقية وعدم كفايتها (لإنشاء الحضارات) وتعتبرها فرائس مشروعة لاستعمار الجنس الآري إلى آخر ما هنالك من مبادئ ومزاعم جديدة يعمل الهتلريون على بثها وتدعيمها؛ ولذا فإنا نجد ما يدعو إلى التأمل في اهتمام الحكومة الهتلرية بإنشاء (المعهد الشرقي) عميد أطباء فرنسا من أنباء فرنسا أن الدكتور الكسندر جنيو عميد الأطباء الفرنسيين سناً قد توفي في سن الثالثة بعد المائة؛ وأنه لبث محتفظاً بصفاء ذهنه وقوة حواسه حتى اللحظة الأخيرة. وقد كان مولد هذا الطبيب المعمر في سنة ١٨٣٢؛ ودرس الطب، ونال أجازته سنة ١٨٥٧؛ ثم نال شهادة العالمية الطبية سنة ١٨٦٩، واشتهر بنبوغه في الجراحة؛ وانتخب عضواً في أكاديمية الطب، ثم رئيساً لها، وانتخب أيضاً رئيساً لجمعية الجراحين؛ وله مؤلفات قيمة في فن الجراحة ما زالت حجة في بابها. وقد كان الدكتور جنيو طوال حياته شهيراً ذائع الصيت لا كطبيب نابغ فقط، ولكن كرجل اجتماع جم الفكاهة، وقد اشتهر بالأخص برسالة ألفها في أواخر حياته عن (طول الحياة)، وما يجب على الإنسان أن يتبعه من نظم التغذية والرياضة إذا أراد أن يعيش مائة سنة، وخلاصة نصحه في ذلك أنه يجب الامتناع عن الإفراط في أي شيء، في العمل أو في الراحة أو في الطعام أو في الشراب؛ ويجب الامتناع بالأخص عن التدخين والخمر وغيرهما من المواد والعناصر المهلكة التي تبثها المدنية الحديثة المرأة والاستكشاف نظمت أخيراً في إنكلترا بعثة استكشافية جديدة لارتياد (الأرض الخضراء) (جرينلاند) في منطقة المنجمد الشمالي؛ ورحلت البعثة فوق السفينة القطبية الشهيرة (كوست) وهي سفينة السير أرنست شاكلتون الذي اشتهر باكتشافاته في تلك المناطق، وعهد برئاسة البعثة الجديدة إلى الأستاذ واجر؛ وبين أعضائها عدد ن العلماء القطبيين المعروفين بين إنكليز ودانماركيين ومنهم الأستاذ كورتولد الذي اشتهر بمخاطراته في الجزيرة الخضراء وقضى بها وحده شتاء كاملاً فوق الجليد في سنة ١٩٣١. ومما يلفت النظر أن هذه البعثة القطبية

стр. 9048

ترافقها أربع سيدات هن زوجات أربعة من الأعضاء، وسيقضين الشتاء مع البعثة في الجليد، ويحتملن نفس المشاق التي يحتملها باقي الأعضاء. وقد سافرت البعثة من ثغر ابردين في اسكتلندا في أوائل شهر يوليه صوب البحار القطبية، ويتولى تسيير السفينة بحارة من النروجيين الذين عرفوا بخبرتهم في هذه البحار، واحتمالهم لهذه الأجواء وعلى ذكر مخاطرة المرأة في ارتياد المجاهل والوهاد الخطرة في سبيل الغايات الاستكشافية نذكر أن امرأة بمفردها هي الدكتورة ماري آكلي أرملة المثال الشهير كارل آكلي تزمع السفر بمفردها إلى مناطق أفريقية الوسطى في روديسيا وفي سوالي لاند وزولولاند لدرس حياة الحيوان في تلك الأنحاء، ولتعرف رسوم القبائل وعاداتها الوثنية. وقد سبق أن قامت الدكتورة آكلي بمثل هذه الدراسات في بعض أنحاء أفريقية الجنوبية، وقامت أيضاً برحلات شاقة في الجبال الكندية بأمريكا، ولها اكتشافات معروفة في تلك الأنحاء استحقت من أجلها عدة أوسمة وتقديرات علمية خليل بك مطران وفرقة التمثيل الحكومية أصدرت وزارة المعارف قراراً بتعيين الشاعر الكبير الأستاذ خليل بك مطران مديراً للفرقة التمثيلية التي اعتزمت الحكومة إنشاءها تنفيذاً لاقتراح لجنة ترقية المسرح المصري بمرتب قدره خمسون جنيهاً في الشهر؛ وهو تعيين معناه الجد في إنهاض هذا الفن الذي عبثت به الأهواء والفوضى فخرجت به عن سبيل النهضة العامة

стр. 9049

الكتب قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث نشره (مكتب النشر العربي بدمشق) للأستاذ الأمير شكيب أرسلان اطلعت في مجلة (الرسالة) المصرية على كلام للأخ الأستاذ العلامة محمد بك كرد علي ينتقد فيه كتاب (قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث) للمرحوم العلامة الأستاذ الشيخ جمال القاسمي بأنه كتاب قد جمع جمعاً ولم يأت صاحبه فيه إلا برأي واحد وهو ترجيح قول الجلال الدواني على قول الشهاب الخفاجي في عدم التسامح بالأحاديث الضعيفة ولو كانت في مقام الترغيب في الفضائل. وقال: إن طريقة التأليف في عهد الارتقاء العلمي هي أن يأتي كلام المؤلف أكثر من شواهده، وأنه لما ضعفت ملكة التأليف أصبحت الكتب عبارة عن نسخ أقوال من سلف، وربما كان الشيخ جمال القاسمي آخر من جرى على هذهالطريقة وهي بسط أراء غيره؟ وأنه قد حدثت في التأليف طريقة جديدة اليوم وهي أن المؤلف في فن يقتصر على لباب ما قرأ فيه، ويدعم أقواله بشواهد من كتب القدماء أو المحدثين بأسلوب سهل سائغ خال من الخطابيات والسجع؟ فالأستاذ كرد علي ينتقد هذا التأليف رأساً من جهة أنه ليس على طريقة التأليف العصرية التي هي بزعمه إلا اكتفاء بالإشارة إلى ما كتبه القدماء أو التلخيص لأقوالهم بدون التزام النقل إلا ما جاء في سبيل التأييد والدعم. ثم أنه لم يكتف بنقد الكتاب نفسه بل أنتقد ناشره بأنه قدم له أربع مقدمات، ثلاثة لبعض المعاصرين ورابعة للمؤلف، وأن هذه المقدمات استغرقت أكثر من عشرين صفحة وما خرج الكلام في بعضها عن الدعاية والتمجيد؟ وكأن الأستاذ كرد علي يريد انتقاد أخيه هذا في المقدمة التي من قلمي والتي اذكر فيها ما أعرفه عن الشيخ جمال القاسمي ﵀. وبعبارة أخرى قد ثقل على أخينا الأستاذ ما صدرنا به كتاب (قواعد التحديث) من مناقب مؤلفه، ولقد كنت أتمنى ألا يكون الأستاذ كرد علي جعل من هذا موضعاً لنقده. وأنا أتمنى الآن أن أكون أسأت فهم كلامه. فأما من جهة مؤلف هذا

стр. 9050

الكتاب الشيخ جمال القاسمي فأنه من مفاخر الشام بالاتفاق، وممن سار ذكر فضائلهم في الآفاق، وليس محمد بك كرد علي بالذي يجهل ذلك أو يقدر أن يماري فيه، وأني لجد مستغرب منه ضيق صدره بثنائي على رجل لا يتمارى أثنين في دمشق الشام في كونه من أفذاذ هذا العصر ومن العلماء الذين تحتج بمثلهم دمشق في كل مقام مباهاة فأنا لم أكتب عن الشيخ جمال القاسمي إلا ما أعلمه وأعتقده، وإذا كان أخونا كرد علي يسمي ذلك (تمجيداً) فأن التمجيد في محله لا يكون موضع نقد، فأن لم يمجد الإنسان مثل الشيخ جمال القاسمي في علمه وإحاطته، وقوة حجته، ودماثة خلقه، ورقة طبعه؛ وسائر ما أمتاز به من خلال الخير الكثيرة، فيكون هو المقصر، وهو الذي يستحق النقد. ما كنت أحب أن يغمز الأخ كرد علي بي في مسألة كهذه، ولا أعلم لماذا فعل ذلك؟ وأما من جهة التأليف نفسه فأن الأستاذ الأكبر السيد رشيد رضا قد أعطاه حقه في إحدى المقدمات الأربع التي أشار إليها حضرة الأخ، وقد ذكر كل ما يلزم من بيان مزايا الكتاب وقال أنه لا يعرف كتاباً مثله في موضوعه وسيلة ومقصداً ومبدأ وغاية، ونظن أن السيد رشيد رضا هو من يضع الهناء موضع النقب، ولا يكون مخالفاً للواقع إذا قلت أنني أنا والأخ كرد علي لا نقدر أن نتكلم في علم الحديث إذا كان السيد رشيد رضا قد تلقف فيه كرة البحث وبعد هذا فلست أرى ما يراه الأخ من أن القاسمي جمع جمعاً، وان الجمع في التأليف هو خطة عهد التأخر، بل قد وجد الجمع في كل من عهدي التقدم والتأخر. وفي أوربا اليوم كتب كثيرة لا يزيد فيها أصحابها على الجمع، وهم يتركون الحكم لأرباب النظر، وقد يوجد الإنسان في ظروف زمانية أو مكانية تمنعه من التصريح برأيه ومن الترجيح والترجيح لاختلاف أذواق من يخاطبهم، فيكون الجمع حينئذ هو أمثل الطرق، ويكون كل قارئ قادراً أن يستقي من هذا الجمع ما يستعذبه. فالشيخ جمال القاسمي كان يعلم ما في عصره ومصره من طبقات مختلفة ومنازع متباينة، وكان هدفه ألا يصادم مشرباً خاصاً ولا يحكم لمذهب على مذهب، بل يجمعها جميعا تحت راية الهدى النبوي، وينظم كلام ابن تيمية مثلاً إلى كلام الشعراني والشيخ الأكبر بحيث يكون كل من الطبقتين السلفية والصوفية واجدين في هذا الكتاب طلبتهم. وقد نسى أخونا الأستاذ كرد علي محنة الشيخ جمال القاسمي عام ١٣١٣ عندما اتهم بالاجتهاد هو والمرحوم الشيخ عبد الرزاق البيطار وآخرين من رفاقهما

стр. 9051

واعتقلوا من أجل ذلك وأهينوا، فأصبح مثل الشيخ جمال وقد عضته الصراحة بأنيابها يتجنب الخوض فيما يؤدي به إلى نكبة، ويجد الاكتفاء بعرض الآراء أسلم، وربما أعلم أيضاً، لأن مثل هذه الآراء لا ينتهي الخلاف فيها، ولا تزال كل طائفة تجادل في كونها على حق إلى يوم القيامة. ففي بعض المواقف يكون السكوت أفصح من البيان، وأبعد عن مثار الشبهات لا سيما عندما يكون العالم الخبير بأمور عصره وشؤون قطره واثقاً بأن المصلحة هي في جمع الكلمة، وأن جمع الكلمة تحت راية الهدى النبوي لا يتأتى بالترجيح والترجيح والقول بأن هذا فاسد وهذا صحيح إلا في المسائل التي لا خلاف فيها بين العلماء والتي إنما يختلف فيها العوام. . . فكتاب (قواعد التحديث) لو كان يؤتي من هذه الجهة لما أطراه صاحب المنار هذا الإطراء كله وهو في علم الحديث الجبل الذي لا يطاول والبحر الذي لا يساجل، كما أنه يعلم من طرق التأليف القديمة والمتوسطة والعصرية ما لا يقدر أن ينكره العلامة الكرد علي. ثم إن هناك غمزاً بالسجع، وليس الأخ كرد علي وحده الذي بدأ بهذا الغمز، بل كان أحد الأصحاب أطلعني على كتاب للدكتور زكي مبارك لمحت فيه كلاماً يشبه أن يكون استصغاراً للسجع أو استكباراً لأتيانه؛ وهذا باب جديد عجيب إذا أردنا أن ندخل فيه يطول بنا الأمر. فنكثر بالقول إن السجع وجد في الجاهلية وجاءت منه أمثلة لأفصح فصحائها، ثم جاء في القرآن الكريم، بل القرآن الكريم كله سجع وهو أبلغ الكلام العربي وغير العربي، وجاء في كلام الصحيح والمخضرمين ثم في الطبقة التي تليهم، ثم في التي تليهم ثم في التي تليهم إلى يومنا هذا. ولم نعلم أحداً عاب السجع من حيث هو وإنما يعاب السجع بالنسبة إلى المقام الذي يستعمله فيه الكاتب أي إنه لما كان السجع تقييداً بفواصل كما هو الشعر تقييد بقوافي فلم يكن السجع مستحسناً في المواطن التي يجب أن ينطلق فيها عقال القلم لكمال تأدية المعاني على وجهها. وأما في المواطن التي هي أقرب إلى الشعر منها إلى المباحث العلمية الصرفة، فليس السجع بالذي يعد سبة على العربية، بل هو من محاسن هذه اللغة. وإن كان يجب حذفه من هذه اللغة من أجل كونه طريقة قديمة ومن أجل أنه عبارة عن زينة كلامية فأن هذا يؤدي بنا إلى اقتراح حذف الشعر أيضاً، فأن الشعر هو من قبيل السجع طريقة قديمة وزينة كلام تتوخى فيها المحاسن اللفظية كما تتوخى المحاسن

стр. 9052

المعنوية ويراعى فيه الوزن والقافية وهو من قبيل الموسيقى. والموسيقى هي أيضاً قديمة والطبيعة البشرية تألفها بل تحتاج إليها بل تهتف بها. والشعر ضرب من الموسيقى، فهو إذن من مقتضيات الطبيعة البشرية. والسجع وإن لم يكن مقيداً بكل تقييد الشعر فهو مقيد أيضاً بقيود لها مواقع في النفوس، وهي في محلها مطربة مستعذبة ولا غبار عليها، ولا يقدر أحد أن يقول إنني أنا مفرط في هذا المذهب لأنه ليس لأحد من الكلام المرسل أكثر مما لي، ولكني لا أزال أرى السجع حلية الكلام العربي عندما يكون في محله، وذلك مثل مقدمات الكتب ومثل الخطب التي تلقى على الجماهير. وإن العرب قد اصطلحوا على السجع في أسماء الكتب ولم يخطئوا في ذلك لأن الكلام المسجع أعلق في الذهن من غيره. وعسى كلامي هذا يكون مقبولاً عند أخي الأستاذ الكرد علي، ولا تتأثر به آصرة الإخاء القديم الذي بيننا والذي لا يمكن أن يطرأ عليها ما يوهنه مهما كان السبب ثقيلاً. فكيف إذا كان خفيفاً. وإن أدري فقد يكون أراد أن يداعبني ولا تكون هذه أول مداعبة بيننا جنيف شكيب أرسلان

стр. 9053

العدد ١١٠ - بتاريخ: ١٢ - ٠٨ - ١٩٣٥

стр. 9054

مصر والشرق الإسلامي إذا قلت إننا أمة من غير منهج ودولة من غير سياسة لا تبعد عن الصدق! فإن التبعية المثلثة التي ضربتها علينا الأقدار الخصيمة في السياسة والاقتصاد والأدب قتلت في عقولنا الرأي الأصيل، وفي نفوسنا العزم المستقل، وفي مواهبنا العمل المرتجل. فنحن في مجموع الناس أتباع وأوزاع ننظر إلى الأمم تعمل، وإلى العالم يسير، بعين بلهاء لا يجاوز بصرها مدى العجب! وعلتنا أن ساستنا وقادتنا كلهم من رجال القول لا من رجال الفعل، ومن أرباب القلم لا من أرباب السيف، ومن جنود القانون لا من جنود (الأوامر)؛ ربوا على مقاعد المدارس، وثقفوا على مباحث الكتب، ودربوا على مكاتب الدواوين، وحرموا التربية العسكرية وهي وحدها القائمة على الخطة والنظام والأمر والتنفيذ والشرف؛ فكانت سياستهم سياسة الترقب والتردد والخوف، لا يصدرون ولا يوردون إلا عن فتوى فقيه، أو تقرير خبير، أو إشارة (مندوب)، أو رغبة سلطان، أو إرادة حزب؛ وذلك هو الفرق بين ساسة مصر وفلسطين وسورية، وبين ساسة العراق وإيران وتركية؛ فبينما تجد الأولين - وهم رجال قانون - مشغولين بالمفاوضات والمعاهدات والاحتجاجات والشكوى، تجد الآخرين - وهم رجال حرب - لا يتبعون غير قانون الطبيعة، ولا يفهمون غير سطور الجيش، ولا يعبأون إلا بالواقع، ولا يمضون إلا على العزم ولا يأوون إلا إلى الأمة ففي مجلس من مجالس الحكم، أو في ناد من أندية السمر، تجول في خواطرهم الفكرة، أو تجري في نفوسهم الأمنية، فما هي إلا صيحة القائد حتى تصبح قانوناً مرسوماً كالخطة، ماضيا كالنظام، شاملا كالتعبئة؛ والعسكري لا يتردد ولا يتلكأ، وإنما ينطلق ماضي الصريمة قدما إلى وجهه: مبدؤه الأمر، وطريقه المعركة، وغايته النصر! تدبر ذلك ووازن بين هذه السياسة الدبلوماسية التي تضطرب ولا تستقر، وتدور ولا تتقدم، وتناقش ولا تنتج؛ وبين تلك السياسة العسكرية التي تهجم ولا تضطرب، وتقدم ولا تتقهر، وتعمل ولا تناقش، فلعلك واجد في الموازنة تعليل هذا الشذوذ الذي نحن فيه: أمة لا تقل عن أكثر الأمم رجالا ولا مالا ولا قوة، يدفعها ماض مجيد، ويحفزها حاضر ملح، ويغريها مستقبل واعد؛ ثم موقعها من أعظم المواقع، ومغرسها من أكرم المغارس، وعدتها الممكنة من خير العدد، وتراها مع ذلك لا تزال صاغرة تعطي بالقهر، وقاصرة لا تملك التصرف! هل تجد بربك علة خمودها ووناها في غير قيادتها الرخوة وسياستها المستكينة وإرادتها

стр. 9055

المعطلة؟ ما دستور سياستنا في الغرب؟ متابعة إنجلترا على هوى الاحتلال، ومصانعة الدول على حكم الامتيازات، وإطفاء هذه البقعة المشرقة في وجهه أفريقية بهذا المظهر الكاسف. وما دستور سياستنا في الشرق؟ إن كنت تسمي الإغفال سياسة والقطيعة خطة، فدستورهما ما ترى بيننا وبين الحجاز من تناكر لا يسوغه عرف ولا تقتضيه طبيعة ولا تجره منفعة، وما تشهد بيننا وبين جاراتنا الأخوات من تدابر لا يسلم عليه تضامن ولا يجري معه تعاون ولا تنتظم به وحدة، ثم ما تسمع بيننا وبين الشرق الإسلامي من تغاضب على التمثيل السياسي، وهو أقل ما توجبه الروابط الدينية والتاريخية والجنسية من التواصل والتعاطف والمجاملة سخونا إلى حد السرف على تمثيلنا الخارجي في أوربا، حتى في العواصم التي لا تصلنا بها سياسة ولا تجارة ولا جالية؛ فلما نبهنا إخواننا في آسية إلى أنهم أمم كأولئك الأمم، لهم ما ليس لنا من استقلال صحيح وسيادة كاملة، فضلا عما بينهم وبيننا من أواصر التاريخ ووشائج القربى، مثلنا أنفسنا هناك في الغالب بمن تنفيهم الأهواء لا بمن تدعوهم الحالة، وجعلنا للعراق وإيران وأفغانستان سفيرا واحدا يقيم في طهران! فمس ذلك من كبرياء الأمتين والأختين فتثاقلت العراق عن تعيين سفيرها في القاهرة، ونقلت الأفغان وزيرها المعين إلى مكة! ذلك الغرب كله يتحلب فوه إلى ازدراد الشرق، فهو يستعين عليه (بالعصبة)، ويحتال له بالتجارة، ويتدسس إليه بالعلم، ويدور من ورائه بالمعاهدات، ثم يرى أن العرب صلبه والإسلام روحه، فيهجم عليهما بالمودة، ويتسابق إليهما بالخديعة؛ ولكن الإسلام والعرب يريدان أن يظل الشرق مطلع النور ومصدر الحرية ومنبت العزة؛ وتحقيق هذه الإرادة موكول إلى اجتماع الكلمة واتحاد الوجهة وتساير الهوى في الأمم الإسلامية التي ألفت بين قلوبها العقيدة، وفرقت بين جسومها المطامع ومن أحق من مصر إذا استقلت إرادتها وتقررت سياستها وتحررت كفايتها بجمع هذه القلوب المخلصة على جهاد الاستعمار، وقيادة هذه النفوس المؤمنة إلى نصرة الحق؟ إن وطننا يا قوم مترامي الحدود، فلماذا تحدونه على الضيق، وقومنا ضخام العديد، فلماذا تحصرونهم على القلة، وإخواننا كرام يصفون المودة ويولون المعونة، فلماذا تجعلون بيننا وبينهم سدا من الإهمال والغفلة؟ إن الأمم القوية الناضجة لترخص الأموال والأنفس في

стр. 9056

التمكين لأدبها ونفوّها وتجارتها في الشرق، فكيف نعرض نحن عن ذلك وهو يأتينا عفوا عن طريق القرابة في البلد والنسب، والوحدة في اللغة والأدب، والمشابهة في الحظ والحالة؟! أحمد حسن الزيات

стр. 9057

محمد طاهر باشا نور مثل نادر من المثل العليا في كرم الخلق وعفة الضمير وصدق النية؛ استأثر به الله وأمته وأسرته أحوج ما تكونان إلى كفايته ورعايته؛ فكان الأسى على فقده شاملا يتبين في كل وجه، ويحز في كل قلب؛ والمصيبة في الأخيار النوابغ مصيبة الإنسانية جمعاء، لأن كمالها قائم على كمالهم، وتقدمها سائر على أعمالهم، وسلامها معقود بما ينبعث عن فطرهم النبيلة من إلهام الجمال والخير والحق. كان ﵀ على كرم أبوته وأمومته، وشرف منصبه وأسرته، متواضع النفس لين الجانب؛ وكان على هذا التواضع وذلك اللين أبي الطبع شديد الأنفة، لا يطمئن على مكروه ولا يصبر على غضاضة. ومن العجب النادر أنه استطاع على سلامة قلبه النفاق، وبراءة لسانه من الملق، ونزاهة نفسه عن الخنوع، أن يصعد في مناصب الدولة الخطيرة صعود الشمس في الفلك، فلم تعقه مكاره العزة والأباء عن بلوغ الغاية منها؛ وفي ذلك ولا ريب نجاح للكفاية في استقلالها، وانتصار للحق في ذاته لم يكن طاهر باشا رجل حزب، ولكنه كان رجل أمة. حصر جهد في عمله، وحدد عمله بواجبه، وانطوى قلبه منذ نشأ على صراحة القانون ونزاهة القضاء ونصاعة العدل؛ فكان في كل عمل تولاه مظهرا لهذه الأخلاق وموئلا لأصحاب الحق وفي سنة ١٩٢٤ كان زعيم الأمة الخالد سعد باشا زغلول رئيسا للحكومة، وكان رضى الله عنه حريصا على أن يقيم حكومته على الإخلاص في العمل والنزاهة في التصرف والفناء في الواجب؛ فخلا يومئذ منصب النائب العمومي، وهو ألصق المناصب القضائية بسلامة الناس، لأنه يد القانون وعين العدالة ولسان الحق؛ فدار الزعيم الجليل بعينه وقلبه في رجال القانون وكبار الدولة يتوسم صفات النائب التي يريدها في الوجوه، ويتعرفها من الماضي، ويتجسسها من الأسئلة، فلم يقع اختياره الموفق إلا على طاهر نور مدير الإدارة القضائية، وهو من غير العاملين معه ولا المقربين إليه ولا المتصلين به. فقام النائب المختار بما حمل من أعباء العدل على ما تحققه فيه الزعيم من الفطانة والأمانة والذمة والحكمة، لا يضطرب في مهب الأهواء، ولا يسخر سلطانه لشهوات الرؤساء، ولا يعرض

стр. 9058

أخلاق الناس وأعراضهم لهوان السياسة، حتى طغى في مصر الحكم وفشا في الناس الظلم، فلم يستطع في ذلك العهد البغيض أن يوفق بين جور الحاكم وعدل القانون، فنقل وكيلا لوزارة الحقانية سنة ١٩٣٠، وظل فيه على عهد الناس به حتى قبضه الله إليه. ﵀ رحمة الله واسعة، وعوض أمته وأسرته منه خير العوض. الزيات

стр. 9059

الأدب والأديب للأستاذ مصطفى صادق الرافعي إذا اعتبرت الخيال في الذكاء الإنساني وأوليته دقة النظر وحسن التمييز، لم تجده في الحقيقة إلا تقليدا من النفس للألوهية بوسائل عاجزة منقطعة، قادرة على التصور والوهم بمقدار عجزها عن الإيجاد والتحقيق وهذه النفس البشرية الآتية من المجهول في أول حياتها، والراجعة إليه آخر حياتها، والمسددة في طريقه مدة حياتها، لا يمكن أن يتقرر في خيالها أن الشيء الموجود قد انتهى بوجوده، ولا ترضى طبيعتها بما ينتهي؛ فهي لا تتعاطى الموجود فيما بينها وبين خيالها على أنه قد فرغ منه فما يبدأ، وتم فما يزاد، وخلد فلا يتحول؛ بل لا تزال تضرب ظنها وتصرف وهمها في كل ما تراه أو يتلجلج في خاطرها، فلا تبرح تتلمح في كل وجود غيبا، وتكشف من الغامض وتزيد في غموضه، وتجري دأبا على مجاريها الخيالية التي توثق صلتها بالمجهول. فمن ثم لابد في أمرها مع الموجود مما لا وجود له، تتعلق به وتسكن إليه؛ وعلى ذلك لابد في كل شيء - مع المعاني التي له الحق - من المعاني التي له في الخيال؛ وهاهنا موضع الأدب والبيان في طبيعة النفس الإنسانية؛ فكلاهما طبيعي فيها كما ترى وإذا قيل الأدب، فاعلم أنه لابد معه من البيان؛ لأن النفس تخلق فتصور فتحسن الصورة؛ وإنما يكون تمام التركيب - في معرضه وجمال صورته ودقة لمحاته، بل ينزل البيان من المعنى الذي يلبسه منزلة النضج من الثمرة الحلوة، إذا كانت الثمرة وحدها قبل النضج شيئا مسمى أو متميزا بنفسه، فلن تكون بغير النضج شيئا تاما ولا صحيحا، وما بد من أن تستوفي كمال عمرها الأخضر الذي هو بيانها وبلاغتها وهذه مسئلة كيفما تناولتها فهي هي حتى تمضيها على هذا الوجه الذي رأيت في الثمرة ونضجها؛ فإن البيان صناعة الجمال في شيء جماله هو فائدته، وفائدته من جماله؛ فإذا خلا من هذه الصناعة التحق بغيره، وعاد بابا من الاستعمال بعد أن كان بابا من التأثير؛ وصار الفرق بين حاليه كالفرق بين الفاكهة إذ هي باب من النبات، وبين الفاكهة إذ هي باب من الخمر. ولهذا كان الأصل في الأدب البيان والأسلوب في جمع لغات الفكر الإنساني، لأنه

стр. 9060

كذلك في طبيعة النفس الإنسانية فالغرض الأول للأدب المبين أن يخلق للنفس دنيا المعاني الملائمة لتلك النزعة الثابتة فيها إلى المجهول وإلى مجاز الحقيقة، وأن يلقى الأسرار في الأمور المكشوفة بما يتخيل فيها، ويرد القليل من الحياة كثيرا وافيا بما يضاعف من معانيه، ويترك الماضي منها ثابتا قارا بما يخلد من وصفه، ويجعل المؤلم منها لذا خفيفا بما يبث فيه من العاطفة، والمملول ممتعا حلوا بما يكشف فيه من الجمال والحكمة. ومدار ذلك كله على إيتاء النفس لذة المجهول، التي هي نفسها لذة مجهولة أيضا؛ فإن هذه النفس طلعة متقلبة، لا تبتغي مجهولا صرفا ولا معلوما صرفا، كأنها مدركة بفطرتها أن ليس في الكون صريح مطلق ولا خفي مطلق؛ وإنما تبتغي حالة ملائمة بين هذين، يثور فيها قلق أو يسكن منها قلق وأشواق النفس هي مادة الأدب؛ فليس يكون أدبا إلا إذا وضع المعنى في الحياة التي ليس لها معنى، أو كان متصلا بسر هذه الحياة فيكشف عنه أو يومي إليه من قريب، أو غير للنفس هذه الحياة تغييرا يجيء طباقا لغرضها وأشواقها؛ فانه كما يرحل الإنسان من جو إلى جو غيره، ينقله الأدب من حياته التي لا تختلف إلى حياة أخرى، فيها شعورها ولذتها وإن لم يكن لها مكان ولا زمان؛ حياة كملت فيها أشواق النفس، لأن فيها اللذات والآلام بغير ضرورات ولا تكاليف. ولعمري ما جاءت الجنة والنار في الأديان عبثا؛ فان خالق النفس بما ركبه فيها من العجائب، لا يحكم العقل أنه قد أتم خلقها إلا بخلق الجنة والنار معها؛ إذ هما الصورتان الدائمتان المتكافئتان لأشواقها الخالدة إن هي استقامت مسددة أو انعكست حائلة وقد صح عندي أن النفس لا تحقق من حريتها ولا تنطلق انطلاقتها الخالدة فتحس وحدة الشعور ووحدة الكمال الأسمى - إلا في ساعات وفترات تنسل فيها من زمنها وعيشها ونقائضها واضطرابها إلى (منطقة حياد) خارجة وراء الزمان والمكان؛ فإذا هبطنها النفس، فكأنما انتقلت إلى الجنة واستروحت الخلد؛ وهذه المنطقة السحرية لا تكون إلا في أربعة: حبيب فاتن معشوق أعطي قوة سحر النفس، فهي تنسى به؛ وصديق محبوب وفي أوتى قوة جذب النفس، فهي تنسى عنده؛ وقطعة أدبية آخذة، فهي ساحرة كالحبيب أو جاذبة كالصديق؛ ومنظر فني رائع، ففيه من كل شيء شيء

стр. 9061

وهذه كلها تنسي المرء زمنه مدة تطول وتقصر؛ وذلك فيها دليل على أن النفس الإنسانية تصيب منها أساليب روحية لاتصالها هنيهة بالروح الأزلي في لحظات من الشعور كأنها ليست من هذه الدنيا وكأنها من الأزلية. ومن ثم نستطيع أن نقرر أن أساس الفن على الإطلاق هو ثورة الخالد في الإنسان على الفاني فيه؛ وأن تصوير هذه الثورة في أوهامها وحقائقها بمثل اختلاجاتها في الشعور والتأثير - هو معنى الأدب وأسلوبه ثم إن الاتساق والخير والحق والجمال - وهي التي تجعل للحياة الإنسانية أسرارها - أمور غير طبيعية في عالم يقوم على الاضطراب والأثرة والنزاع والشهوات؛ فمن ذلك يأتي الشاعر والأديب وذو الفن علاجا من حكمة الحياة للحياة، فيبدعون لتلك الصفات الإنسانية الجميلة عالمها الذي تكون طبيعية فيه، وهو عالم أركانه الاتساق في المعاني التي يجري فيها؛ والجمال في التعبير الذي يتأدى به؛ والحق في الفكر الذي يقوم عليه؛ والخير في الغرض الذي يساق له؛ ويكون في الأدب من النقص والكمال بحسب ما يجتمع له من هذه الأربعة، ولا معيار أدق منها إن ذهبت تعتبره بالنظر والرأي؛ ففي عمل الأديب تخرج الحقيقة مضافا إليها الفن، ويجيء التعبير مزيدا فيه الجمال، وتتمثل الطبيعة الجامدة خارجة من نفس حية، ويظهر الكلام وفيه رقة حياة القلب وحرارتها وشعورها وانتظامها ودقها الموسيقي؛ وتلبس الشهوات الإنسانية شكلها المهذب لتكون يسبب من تقرير المثل الأعلى، الذي هو السر في ثورة الخالد من الإنسان على الفاني، والذي هو الغاية الأخيرة من الأدب والفن معا؛ وبهذا يهب لك الأدب تلك القوة الغامضة، التي تتسع بك حتى تشعر بالدنيا وأحداثها مارة من خلال نفسك، وتحس الأشياء كأنها انتقلت إلى ذاتك من ذواتها. وذلك سر الأديب العبقري؛ فانه لا يرى الرأي بالإعتقاب والاجتهاد كما يراه الناس، وإنما يحس به؛ فلا يقع له رأيه بالفكر، بل يلهمه إلهاما؛ وليس يؤاتيه الإلهام إلا من كون الأشياء تمر فيه بمعانيها وتعبره كما تعبر السفن النهر، فيحس أثرها فيه فيلهم ما يلهم، ويحسبه الناس نافذا بفكره من خلال الكون، على حين أن حقائق الكون هي النافذة من خلاله ولو أردت أن تعرف الأديب من هو، لما وجدت أجمع ولا أدق في معناه من أن تسميه الإنسان الكوني، وغيره هو الإنسان فقط؛ ومن ذلك ما يبلغ من عمق تأثره بجمال الأشياء ومعانيها، ثم ما يقع من اتصال الموجودات به بآلامها وأفراحها؛ إذ كانت فيه مع خاصية

стр. 9062

الإنسان خاصية الكون الشامل. فالطبيعة تثبت بجمال فنه البديع أنه منها، وتدل السماء بما في صناعته من الوحي والأسرار أنه كذلك منها، وتبرهن الحياة بفلسفته وآرائه أنه هو أيضا منها، وهذا وذاك وذلك هو الشمول الذي لا حد له، والاتساع الذي كل آخر فيه لشيء، أول فيه لشيء وهو إنسان يدله الجمال على نفسه ليدل غيره عليه، وبذلك زيد على معناه معنى، وأضيف إليه في إحساسه قوة إنشاء الإحساس في غيره؛ فأساس عمله دائما أن يزيد على كل فكرة صورة لها، ويزيد على كل صورة فكرة فيها، فهو يبدع المعاني للأشكال الجامدة فيوجد الحياة فيها، ويبدع الأشكال للمعاني المجردة فيوجدها هي في الحياة، فكأنه خلق ليتلقى الحقيقة ويعطيها للناس ويزيدهم فيها الشعور بجمالها الفني. وبالأدباء والعلماء تنمو معاني الحياة كأنما أوجدتهم الحكمة لتنقل بهم الدنيا من حالة إلى حالة؛ وكأن هذا الكون العظيم يمر في أدمغتهم ليحقق نفسه ومشاركة العلماء للأدباء توجب أن يتميز الأديب بالأسلوب البياني، إذ هو كالطابع على العمل الفني، وكالشهادة من الحياة المعنوية لهذا الإنسان الموهوب الذي جاءت من طريقه، ثم لأن الأسلوب هو تخصيص لنوع من الذوق وطريقة من الإدراك، كأن الجمال يقول بالأسلوب: إن هذا هو عمل فلان وفصل ما بين العالم والأديب، أن العالم فكرة، ولكن الأديب فكرة وأسلوبها؛ فالعلماء هم أعمال متصلة متشابهة يشار إليهم جملة واحدة، على حين يقال في كل أديب عبقري: هذا هو، هذا وحده. وعلم الأديب هو النفس الإنسانية بأسرارها المتجهة إلى الطبيعية، والطبيعية بأسرارها المتجهة إلى النفس، ولذلك فموضع الأديب من الحياة موضع فكرة حدودها من كل نواحيها الأسرار وإذا رأى الناس هذه الإنسانية تركيبا تاما قائما بحقائقه وأوصافه، فالأديب العبقري لا يراها إلا أجزاء، كأنما هو يشهد خلقها وتركيبها! وكأنما أمرها في (معمله)، أو كأن الله - سبحانه - دعاه ليرى فيها رأيه. . . . وبذلك يجيء النابغ من أدب العباقرة وبعضه كالمقترحات لتجميل الدنيا وتهذيب الإنسانية، وبعضه كالموافقة وإقرار الحكمة، وأساسه على كل هذه الأحوال النقد ثم النقد، ولا شيء غير النقد، كأن القوة الأزلية تقول لهذا الملهم: أنت كلمتي،

стр. 9063

فقل كلمتك. . . . وترى الجمال حيث أصبته شيئا واحدا لا يكبر ولا يصغر، ولكن الحس به يكبر في أناس ويصغر في أناس؛ وهاهنا يتأله الأدب، فهو خالق الجمال في الذهن، والممكن للأسباب المعينة على إدراكه وتبين صفاته ومعانيه، وهو الذي يقدر لهذا العالم قيمته الإنسانية بإضافة الصور الفكرية الجميلة إليه، ومحاولته إظهار النظام المجهول في متناقضات النفس البشرية، والارتفاع بهذه النفس عن الواقع المنحط المجتمع من غشاوة الفطرة، وصولة الغريزة، وغرارة الطبع الحيواني وإذا كان الأمر في الأدب على ذلك، فباظطرار أن تتهذب فيه الحياة وتتأدب، وأن يكون تسلطه على بواعث النفس دربة لاصلاحها وإقامتها، لا لأفسادها والانحراف بها إلى الزيغ والضلالة؛ وباظطرار أن يكون الأديب مكلفا تصحيح النفس الإنسانية، ونفي التزوير عنها، وإخلاصها مما يلتبس بها على تتابع الضرورات؛ ثم تصحيح الفكرة الإنسانية في الوجود، ونفي الوثنية عن هذه الفكرة، والسمو بها إلى فوق، ثم إلى فوق، ودائما إلى فوق! وإنما يكلف الأديب ذلك لأنه مستبصر من خصائصه التمييز وتقدم النظر وتسقط الإلهام، ولأن الأصل في عمله الفني ألا يبحث في الشيء نفسه، ولكن في البديع منه؛ وألا ينظر إلى وجوده، بل إلى سره، ولا يعنى بتركيبه، بل بالجمال في تركيبه، ولأن مادة عمله أحوال الناس، وأخلاقهم، وألوان معايشهم، وأحلامهم، ومذاهب أخيلتهم وأفكارهم في معنى الفن، وتفاوت إحساسهم به، وأسباب مغاويهم ومراشدهم، يسدد على كل ذلك رأيه، ويجيل فيه نظره، ويخلطه في نفسه، وينفذه من حواسه، كأنما له في السرائر القبض والبسط، وكأنه ولي الحكم على الجزء الخفي في الإنسان، يقوم على سياسته وتدبيره، ويهديه إلى المثل الأعلى. وهل يخلق العبقري إلا كالبرهان من الله لعباده على أن فيهم من يقدر على الذي هو أكمل والذي هو أبدع، حتى لا ييأس العقل الإنساني ولا ينخذل فيستمر دائبا في طلب الكمال والإبداع اللذين لا نهاية لهما؟ فالأديب يشرف على هذه الدنيا من بصيرته، فإذا وقائع الحياة في حذو واحد من النزاع والتناقض؛ وإذا هي دائبة في محق الشخصية الإنسانية، تاركة كل حي من الناس كأنه شخص قائم من عمله وحوادثه وأسباب عيشه؛ فإذا تلجلج ذلك في نفس الأديب اتجهت هذه

стр. 9064

النفس العالية إلى أن تحفظ للدنيا حقائق الضمير والإنسانية والإيمان والفضيلة، وقامت حارسة على ما ضيع الناس، وسخرت في ذلك تسخيرا لا تملك معه أن تأبى منه ولا يستوي لها أن تغمض فيه، ونقلت الإنسانية كلها ووضعت على مجاز طريقها أين توجهت فتأكد الأمر فيها، ووصل بها، وعلمت أنها من خالصة الله، وأن رسالتها للعالم هي تقرير الحب للمتعادين، وبسط الرحمة للمتنازعين؛ وأن تجمع الكل على الجمال وهو لا يختلف في لذته؛ وتصل بينهم بالحقيقة وهي لا تتفرق في موعظتها؛ وتشعرهم الحكمة وهي لا تتنازع في مناحيها. فالأدب من هذه الناحية يشبه الدين، كلاهما يعين الإنسانية على الاستمرار في عملها، وكلاهما قريب من قريب؛ غير أن الدين يعرض للحالات النفسية ليأمر وينهي، والأدب يعرض لها ليجمع ويقابل، والدين يوجه الإنسان إلى ربه، والأدب يوجهه إلى نفسه، وذلك وحي الله إلى الملك إلى نبي مختار، وهذا وحي الله إلى البصيرةإلى إنسان مختار فان لم يكن للأديب مثل أعلى يجهد في تحقيقه ويعمل في سبيله، فهو أديب حالة من الحالات، لا أديب عصر ولا أديب جيل؛ وبذلك وحده كان أهل المثل الأعلى في كل عصر هم الأرقام الإنسانية التي يلقيها العصر في آخر أيامه ليحسب ربحه وخسارته. . ولا يخدعنك عن هذا أن ترى بعض العبقريين لا يؤتي في أدبه أو أكثره إلا إلى الرذائل، يتغلل فيهان ويتملأ بها، ويكون منها على ما ليس عليه أحد إلا السفلة والحشوة من طغام الناس ورعاعهم؛ فان هذا وأضرابه مسخرون لخدمة الفضيلة وتحقيقها من جهة ما فيها من النهي، ليكونوا مثلا وسلفا وعبرة؛ وكثيرا ما تكون الموعظة برذائلهم أقوى وأشد تأثيرا مما هي في الفضائل؛ بل هم عندي كبعض الأحوال النفسية الدقيقة التي يأمر فيها النهي أقوى مما يأمر الأمر، على نحو ما يكون من قراءتك موعظة الفضيلة الأدبية التي تأمرك أن تكون عفيفا طاهرا؛ ثم ما يكون من رؤيتك الفاجر المبتلى المشوه المتحطم الذي ينهاك بصورته أن تكون مثله. ولهذه الحقيقة القوية في أثره - حقيقة الأمر بالنهي - يعمد النوابغ في بعض أدبهم إلى صرف الطبيعة النفسية عن وجهها، بعكس نتيجة الموقف الذي يصورونه أو الإحالة في الحادثة التي يصفونها؛ فينتهي الراهب التقي في القصة ملحدا فاجرا، وترتد المرأة البغي قديسة، ويرجع الابن البر قاتلا مجنونا جنون الدم؛ إلى الكثير

стр. 9065

مما يجري في هذا النسق، كما تراه لأناطول فرانس، وشكسبير وغيرهما، وما كان ذلك عن غفلة منهم ولا شر، ولكنه أسلوب من الفن، يقابله أسلوب من الخلق، ليبدع أسلوبا من التأثير. وكل ذلك شاذ معدود ينبغي أن ينحصر ولا يتعدى، لأنه وصف لأحوال دقيقة طارئة على النفس، لا تعبير عن حقائق ثابتة مستقرة فيها والشرط في العبقري الذي تلك صفته وذلك أدبه، أن يعلو بالرذيلة. . . في أسلوبه ومعانيهن آخذا بغاية الصنعة، متناهيا في حسن العبارة؛ حتى يصبح وكأن الرذائل هي اختارت منه مفسرها العبقري الشاذ الذي يكون في سمو فنه البياني هو وحده، الطرف المقابل لسمو العبارة عن الفضيلة؛ فيصنع الإلهام في هذا وفي هذا صنعه الفني بطريقة بديعة التأثير، أصلها في أديب الفضيلة ما يريده ويجاهد فيه، وفي أديب الرذيلة ما يقوده ويندفع إليه؛ كأن منهما إنسانا صار ملكا يكتب، وإنسانا عاد حيوانا يكتب. . . وإذا أنت ميلت بين رذيلة الأديب العبقري في فنه، ورذيلة الأديب الفسل الذي يتشبه به - في التأليف والرأي والمتابعة والمذهب - رأيت الواحدة من الأخرى كبكاء الرجل الشاعر من بكاء الرجل الغليظ الجلف: هذا دموعه ألمه، وذاك دموعه ألمه وشعره. وفي كتابه هذه الطبقة من العبقريين خاصة يتحقق لك أن الأسلوب هو أساس الفن الأدبي، وأن اللذة به هي علامة الحياة فيه، إذ لا ترى غير قطعة أدبية فنية، شاهدها من نفسها على أنها بأسلوبها ليست في الحقيقة إلا نكتة نفسية لاهتياج البواعث في نفوس قرائها، وأنها على ذلك هي أيضا مسئلة من مسائل الإنسانية مطروحة للنظر والحل، بما فيها من جمال الفن، ودقائق التحليل واللذة بالأدب غير التلهي به واتخاذه للعبث والبطالة فيجيء موضوعا على ذلك فيخرج إلى أن يكون ملهاة وسخفا ومضيعة؛ فان اللذة به آتية من جمال أسلوبه وبلاغة معانيه وتناوله الكون والحياة بالأساليب الشعرية التي في النفس، وهي الأصل في جمال الأسلوب؛ ثم هو بعد هذه اللذة منفعة كله كسائر ما ركب في طبيعة الحي إذ يحس الذوق لذة الطعام مثلا على أن يكون من فعلها الطبيعي استمراء التغذية لبناء الجسم وحفظ القوة وزيادتها. أما التلهي فيجيء من سخف الأدب، وفراغ معانيه، ومؤاتاته الشهوات الخسيسة، والتماسه الجوانب الضيقة من الحياة؛ وذلك حين لا يكون أدب الشعب ولا الإنسانية، بل أدب فئة

стр. 9066

بعينها وأحوالها؛ فان أديب صناعته أو أديب جماعته، غير أديب قومه وأديب عصره: أحدهما إلى حد محدود من الحياة، والآخر عمل جامع مستمر متفنن، لأن عمله الأدبي هو وجوده، وكل شيء في قومه لا يبرح يقول له: اكتب. . . ومن الأصول الاجتماعية التي لا تتخلف، أنه إذا كانت الدولة للشعب كان الأدب أدب الشعب في حياته وأفكاره ومطامحه وألوان عيشه، وزخر الأدب بذلك وتنوع وافتن وبني على الحياة الاجتماعية؛ فان كانت الدولة لغير الشعب، كان الأدب أدب الحاكمين وبني على النفاق والمداهنة والمبالغة الصناعية والكذب والتدليس، ونضب الأدب من ذلك وقل وتكرر من صورة واحدة؛ وفي الأولى يتسع الأديب من الإحساس بالحياة وفنونها وأسرارها في كل من حوله إلى الإحساس بالكون ومجاليه وأسراره في كل ما حوله. أما الثانية فلا يحس فيها إلا أحوال نفسه وخليطه، فيصبح أدبه أشبه بمسافة محدودة من الكون الواسع، لا يزال يذهب فيها ويجيء حتى يمل ذهابه ومجيئه والعجب الذي لم يتنبه له أحد إلى اليوم من كل من درسوا الأدب العربي قديما وحديثا، أنك لا تجد تقرير المعنى الفلسفي الاجتماعي للأدب في أسمى معانيه إلا في اللغة العربية وحدها، ولم يغفل عنه مع ذلك إلا أهل هذه اللغة وحدهم! فإذا أردت الأدب الذي يقرر الأسلوب شرطا فيه، ويأتي بقوة اللغة صورة لقوة الطباع، وبعظمة الأداء صورة لعظمة الأخلاق، وبرقة البيان صورة لرقة النفس، وبدقته المتناهية في العمق صورة لدقة النظرة إلى الحياة؛ ويريك أن الكلام أمة من الألفاظ عاملة في حياة أمة من الناس، ضابطة لها المقاييس التاريخية، محكمة لها الوضاع الإنسانية، مشترطة فيها المثل الأعلى، حاملة لها النور الإلهي على الأرض. . . وإذا أردت الأدب الذي ينشئ الأمة إنشاء ساميا، ويدفعها إلى المعالي دفعا، ويردها عن سفاسف الحياة، ويوجهه بدقة الإبرة المغناطيسية إلى الآفاق الواسعة، ويسددها في أغراضها التاريخية العالية تسديد القنبلة خرجت من مدفعها الضخم المحرر المحكم، ويملأ سرائرها يقينا ونفوسها حزما وأبصارها نظرا وعقولها حكمة، وينفذ بها من مظاهر الكون إلى أسرار الألوهية. . . . . . إذا أردت الأدب على كل هذه الوجوه من الاعتبار - وجدت القرآن الحكيم قد وضع

стр. 9067

الأصل الحي في ذلك كله. وأعجب ما فيه أنه جعل هذا الأصل مقدسا، وفرض هذا التقديس عقيدة، واعتبر هذه العقيدة ثابتة لن تتغير؛ ومع ذلك كله لم يتنبه له الأدباء ولم يحذوا بالأدب حذوه، وحسبوه دينا فقط، وذهبوا بأدبهم إلى العبث والمجون والنفاق؛ كأنه ليس منهم إلا بقايا تاريخ محتضر بالعلل القاتلة، ذاهب إلى الفناء الحتم! والقرآن بأسلوبه ومعانيه وأغراضه، لا يستخرج منه الأدب إلا تعريف واحد هو هذا: إن الأدب هو السمو بضمير الأمة ولا يستخرج منه للأديب إلا تعريف واحد وهو هذا: إن الأديب هو من كان لأمته وللغتها في مواهب قلمه لقب من ألقاب التاريخ. (طنطا)

стр. 9068

هما للأستاذ أحمد أمين (هما) إنسانان متباينان، لا يجمعهما إلا أني عرفتهما أما (هو) الأول، فنظيف الثوب في غير أناقة، لا يعنيه من ثيابه إلا أنه لا يتأذى بقذارتها، ولا يتأذى من أنها زاهية تستلفت الأنظار - قد طبع على ما يود، فلا هو جميل يقيد النظر، ويغترق البصر؛ ولا هو قبيح الشكل سمج المنظر، تتفاداه العيون، ويلفظه الطرف، لو عهد إليه أن يخلق نفسه ما اختار غير صورته وشكله، لأنه يأبى تكاليف الجمال تكاليف القبح كثير التفكير في نفسه، كأن الله لم يخلق في العالم إلا هي، وإن قد كان خلق أشياء فنفسه مركزها، دائم المحاسبة لنفسه على ما صدر منها للناس، ودائم المحاسبة للناس على ما صدر منهم لنفسه، ففي نفسه محكمة منعقدة باستمرار، تطول فيها المرافعة، ويشتد فيها الخصام، وتكثر منها الأحكام، والنقض والإبرام - حدثني أنه إذا جلس في مجلس استعرض بعد الفراغ منه كل ما دار فيه على الترتيب، كأن ذهنه (شريط ماركوني) ثم وقف عند كل كلمة صدرت منه يفحصها، هل مست شعور أحد، هل ظلمت أحدا، هل جرحت كرامة أحد، ألم يكن غيرها خيرا منها، أما كان يحسن أن يقال في مثل هذا الموقف غير هذا الكلام؟ ووقف عند كل كلمة قالها غيره يحللها، ماذا يريد منها، لقد جرح إحساسي بها، لقد كان يلتفت إلي عندما قولها، وما سبب ذلك والعلاقة بيني وبينه على خير ما يكون صديق لصديقه، لابد أن يكون قد تأثر من كذا وغضب من كذا، ولكن إن كان هذا فلا حق له لأنه لم يفهم قصدي ولم يتبين غرضي. فإذا أتم ذلك وأوى إلى فراشه بدأ يعيد الشريط من جديد، ويعلق على الحوادث تعليقات جديدة، ويفسرها تفسيرا جديدا، حتى يدركه النوم، وقل ألا يحلم بما حدث، وقل ألا تأتيه الرؤيا بتفسيرات جديدة وتعليقات جديدة من أجل هذا يفر من الناس، ويفر من المجتمعات، حتى لا تكثر الأشرطة فيكثر عرضها، والتعليق عليها، فقل أن أجاب دعوة مع كثرة ما وجه إليه من دعوات، لأنه مع هذا ليس ثقيل الظل ولا جامد النسيم، فإذا أظطر إلى دعوة ذهب إليها كارها، وحسب حساب كل كلمة يتكلمها، وكل حركة يتحركها قبل أن يقدم عليها، تفضيلا للحساب العجل على الحساب

стр. 9069

الآجل، فقل أن يأخذ الناس عليه غلطة مع كثرة ما يتوهمه هو من غلطات أداه التفكير الكثير في نفسه إلى أن يكون عميق التفكير في كل ما يعرض عليه، فإذا عرض أمر قلبه على جميع وجوهه، وغاص في نواحيه، واستخرج منها أدق الأفكار وأصعبها وأعقدها، وشغف بالعلم فكان دائب الدرس، كثير الاطلاع، تثقف بالثقافة الإنجليزية فهو يتكلمها ويقرؤها كأحد أبنائها، وسمع بعمق التفكير الألماني فعكف على اللغة الألمانية حتى حذقها، وحدثه الأدباء بالأدب الفرنسي وما فيه من دقة في تحليل العواطف وإجادة الوصف، فدرس اللغة الفرنسية حتى أجادها، وتضلع من آداب اللغات الثلاث، وعرف أشهر ما كتب فيها، فإذا حدثك في أية ناحية منها أبان لك عن علم واسع، ومعرفة دقيقة هذا إلى لغته العربية ومعرفته بها كأنه متخصص فيها - ثم هو بعد لا يرضى عن نفسه، فهو دائم الدرس، دائب العمل، كلما قطع شوطا طمح إلى ما هو أرقى منه؛ فكأنه ومطامحه كالفرس وظله يجري دائما ليسبقه؛ وهيهات أن يلحقه وهو مع كل علومه وكل لغاته وكل عمقه خامل مجهول، لا يعرف حقيقته إلا خلصاؤه، إن جلس مع غيرهم فعيي جهول لا يشاركهم في جدل، ولا يفضي إليهم بحديث، يعرف مواضع السخف من قولهم، ومواضع النقص في تفكيرهم، ويتظاهر بأنه لا يعي ما يقولون، ولا يرقى إلى ما يفكرون ويجادلون، يتغابى وهو الذكي، ويتعايى وهو الفصيح لا يعبأ بالمال إلا بمقدار ما يعيشه عيشة نظيفة من غير ما ترف ولا سرف. عرضت عليه يوم (وظيفة) يكاد ينال منها ضعف مرتبه فرفضها في غير تردد لأنه يرى أنه لا يصلح لها ولا تصلح له، ولا تتفق ونفسه، ولا يتقنها إتقان عمله الذي يقوم به ثم هو - غالبا - لا يحب رؤساءه ولا يحبه رؤساؤه، فهو لا يحبهم لأنه يتطلب فيهم كمالا لا تسمح به الدنيا إلا نادرا، ويقيس الكمال بمقياس محدود معين، مع أن للكمال مناحي مختلفة، وقد يتسامح في نقص يستره كمال، ويغتفر ضعف تسنده قوة، ولكنه في تقديره يجسم النقص، ويكبر الضعف، ويريد في رئيسه الكمال صرفا، والقوة خالصة، فكأنه يريده نبيا أو إلها، وأنى له بذلك؟ فهو في نقد له مستمر، وتجريح دائم - وأما هو فيكرهونه لأنه حنبلي في تصرفه - متزمت في خلقه، صريح لا يلطف صراحته بلباقة، شديد لا يمزج شدته برقة، التصرف عنده كالخط إما أن يكون مستقيما أو أعوج ولا وسط بينهما، ولا

стр. 9070

يأتمر رئيسه ولا ينتهي بنهيه متى ما خالف قانونا - والقانون عنده هو القانون الحرفي الذي لا يحتمل تفسيرا ولا تأويلا - من أجل ذلك تعاقب عليه رؤساء مختلفون وتنقل من مصلحة إلى مصلحة والنتيجة واحدة دائما في نظرهم إليه ونظره إليهم - حتى لقد كان رئيسه يوما ما أقرب الناس إليه وأعرفهم به، ورجوت السعادة له أيام رياسته، فما لبثت أن رأيت الصداقة استحالت إلى فتور فكراهية، ثم كان أعدى له ممن لم يكن يعرفه أما (هو) الآخر فجميل الصورة، ظريف الهيئة، حسن الحلية، ممتلئ البدن، ريان الجسم، واسع البطن، أنيق الملبس إلى آخر حد الأناقة، دقيق الذوق في تناسب الألوان، وتناسق الأشكال، حتى يعد حجة فيما يلبس وما لا يلبس، وما يتناسب وما لا يتناسب، لأنه خبير بأحدث الأزياء بل هو فيها مخترع فنان، يحدثك حديثا مستفيضا عن خير الخياطين ومزاياهم وعيوبهم، ومواضع الإجادة والعيب فيهم وشيء آخر يجيد ذوقه، ويجيد التحدث فيه، ويجيد وصفه ويجيد نقده، وهو الطعام والشراب، فان أردت أن تعرف لونا من الطعام لا يناسب لونا أو أردت حديثا شهيا عن طعام شهي أو عن المائدة وكيف تنظم وعن بيوت مصر وما يجيده كل بيت من الأصناف فهو في ذلك الذي لا يبارى، وله فوق ذلك العلم الدقيق الواسع في صنوف الشراب، فأيها قبل الأكل وأيها على الأكل وأيها بعد الأكل، وأي ألوان الشراب يصح أن تجتمع وأيها لا يصح، وأي أنواع الشراب تجيده بلاد فرنسا وأيها تجيده ألمانيا وأيها أسبانيا - بل كل هذه معلومات أولية بالنسبة إليه فعنده ما هو أدق في ذلك وأعمق هذه هي الدنيا وهذه هي الحياة، وهل أنت آخذ من دنياك إلا ما طعمت وما شربت وما لبست وله كذلك حديث طريف عن النساء وأوصافهن فهو يجيد الحديث عن سحر العيون ورشاقة القد، ولطافة التكوين، وبراعة الشكل، وهيف القوام إلى آخر ما هنالك، ثم يتبع هذا بالكلام عن مغامراته وما شاهده في حياته، كأنه كان له في كل خطوة حادثة نسائية، وفي كل سفر عشق، وفي كل مجتمع غرام - والعشق العفيف، والهوى العذري والحب الأفلاطوني ألفاظ جوفاء لا تدل على شيء إلا على جنون قائلها أو ريائه، ينظر للمرأة نظر الأفعى للعصفور، وله من وسائل الأغراء ونصب الشباك، ورسم الخطط ما يعجز عنه القائد
следующие страницы →