← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9066–9105 · переход к 9071.

стр. 9066

بعينها وأحوالها؛ فان أديب صناعته أو أديب جماعته، غير أديب قومه وأديب عصره: أحدهما إلى حد محدود من الحياة، والآخر عمل جامع مستمر متفنن، لأن عمله الأدبي هو وجوده، وكل شيء في قومه لا يبرح يقول له: اكتب. . . ومن الأصول الاجتماعية التي لا تتخلف، أنه إذا كانت الدولة للشعب كان الأدب أدب الشعب في حياته وأفكاره ومطامحه وألوان عيشه، وزخر الأدب بذلك وتنوع وافتن وبني على الحياة الاجتماعية؛ فان كانت الدولة لغير الشعب، كان الأدب أدب الحاكمين وبني على النفاق والمداهنة والمبالغة الصناعية والكذب والتدليس، ونضب الأدب من ذلك وقل وتكرر من صورة واحدة؛ وفي الأولى يتسع الأديب من الإحساس بالحياة وفنونها وأسرارها في كل من حوله إلى الإحساس بالكون ومجاليه وأسراره في كل ما حوله. أما الثانية فلا يحس فيها إلا أحوال نفسه وخليطه، فيصبح أدبه أشبه بمسافة محدودة من الكون الواسع، لا يزال يذهب فيها ويجيء حتى يمل ذهابه ومجيئه والعجب الذي لم يتنبه له أحد إلى اليوم من كل من درسوا الأدب العربي قديما وحديثا، أنك لا تجد تقرير المعنى الفلسفي الاجتماعي للأدب في أسمى معانيه إلا في اللغة العربية وحدها، ولم يغفل عنه مع ذلك إلا أهل هذه اللغة وحدهم! فإذا أردت الأدب الذي يقرر الأسلوب شرطا فيه، ويأتي بقوة اللغة صورة لقوة الطباع، وبعظمة الأداء صورة لعظمة الأخلاق، وبرقة البيان صورة لرقة النفس، وبدقته المتناهية في العمق صورة لدقة النظرة إلى الحياة؛ ويريك أن الكلام أمة من الألفاظ عاملة في حياة أمة من الناس، ضابطة لها المقاييس التاريخية، محكمة لها الوضاع الإنسانية، مشترطة فيها المثل الأعلى، حاملة لها النور الإلهي على الأرض. . . وإذا أردت الأدب الذي ينشئ الأمة إنشاء ساميا، ويدفعها إلى المعالي دفعا، ويردها عن سفاسف الحياة، ويوجهه بدقة الإبرة المغناطيسية إلى الآفاق الواسعة، ويسددها في أغراضها التاريخية العالية تسديد القنبلة خرجت من مدفعها الضخم المحرر المحكم، ويملأ سرائرها يقينا ونفوسها حزما وأبصارها نظرا وعقولها حكمة، وينفذ بها من مظاهر الكون إلى أسرار الألوهية. . . . . . إذا أردت الأدب على كل هذه الوجوه من الاعتبار - وجدت القرآن الحكيم قد وضع

стр. 9067

الأصل الحي في ذلك كله. وأعجب ما فيه أنه جعل هذا الأصل مقدسا، وفرض هذا التقديس عقيدة، واعتبر هذه العقيدة ثابتة لن تتغير؛ ومع ذلك كله لم يتنبه له الأدباء ولم يحذوا بالأدب حذوه، وحسبوه دينا فقط، وذهبوا بأدبهم إلى العبث والمجون والنفاق؛ كأنه ليس منهم إلا بقايا تاريخ محتضر بالعلل القاتلة، ذاهب إلى الفناء الحتم! والقرآن بأسلوبه ومعانيه وأغراضه، لا يستخرج منه الأدب إلا تعريف واحد هو هذا: إن الأدب هو السمو بضمير الأمة ولا يستخرج منه للأديب إلا تعريف واحد وهو هذا: إن الأديب هو من كان لأمته وللغتها في مواهب قلمه لقب من ألقاب التاريخ. (طنطا)

стр. 9068

هما للأستاذ أحمد أمين (هما) إنسانان متباينان، لا يجمعهما إلا أني عرفتهما أما (هو) الأول، فنظيف الثوب في غير أناقة، لا يعنيه من ثيابه إلا أنه لا يتأذى بقذارتها، ولا يتأذى من أنها زاهية تستلفت الأنظار - قد طبع على ما يود، فلا هو جميل يقيد النظر، ويغترق البصر؛ ولا هو قبيح الشكل سمج المنظر، تتفاداه العيون، ويلفظه الطرف، لو عهد إليه أن يخلق نفسه ما اختار غير صورته وشكله، لأنه يأبى تكاليف الجمال تكاليف القبح كثير التفكير في نفسه، كأن الله لم يخلق في العالم إلا هي، وإن قد كان خلق أشياء فنفسه مركزها، دائم المحاسبة لنفسه على ما صدر منها للناس، ودائم المحاسبة للناس على ما صدر منهم لنفسه، ففي نفسه محكمة منعقدة باستمرار، تطول فيها المرافعة، ويشتد فيها الخصام، وتكثر منها الأحكام، والنقض والإبرام - حدثني أنه إذا جلس في مجلس استعرض بعد الفراغ منه كل ما دار فيه على الترتيب، كأن ذهنه (شريط ماركوني) ثم وقف عند كل كلمة صدرت منه يفحصها، هل مست شعور أحد، هل ظلمت أحدا، هل جرحت كرامة أحد، ألم يكن غيرها خيرا منها، أما كان يحسن أن يقال في مثل هذا الموقف غير هذا الكلام؟ ووقف عند كل كلمة قالها غيره يحللها، ماذا يريد منها، لقد جرح إحساسي بها، لقد كان يلتفت إلي عندما قولها، وما سبب ذلك والعلاقة بيني وبينه على خير ما يكون صديق لصديقه، لابد أن يكون قد تأثر من كذا وغضب من كذا، ولكن إن كان هذا فلا حق له لأنه لم يفهم قصدي ولم يتبين غرضي. فإذا أتم ذلك وأوى إلى فراشه بدأ يعيد الشريط من جديد، ويعلق على الحوادث تعليقات جديدة، ويفسرها تفسيرا جديدا، حتى يدركه النوم، وقل ألا يحلم بما حدث، وقل ألا تأتيه الرؤيا بتفسيرات جديدة وتعليقات جديدة من أجل هذا يفر من الناس، ويفر من المجتمعات، حتى لا تكثر الأشرطة فيكثر عرضها، والتعليق عليها، فقل أن أجاب دعوة مع كثرة ما وجه إليه من دعوات، لأنه مع هذا ليس ثقيل الظل ولا جامد النسيم، فإذا أظطر إلى دعوة ذهب إليها كارها، وحسب حساب كل كلمة يتكلمها، وكل حركة يتحركها قبل أن يقدم عليها، تفضيلا للحساب العجل على الحساب

стр. 9069

الآجل، فقل أن يأخذ الناس عليه غلطة مع كثرة ما يتوهمه هو من غلطات أداه التفكير الكثير في نفسه إلى أن يكون عميق التفكير في كل ما يعرض عليه، فإذا عرض أمر قلبه على جميع وجوهه، وغاص في نواحيه، واستخرج منها أدق الأفكار وأصعبها وأعقدها، وشغف بالعلم فكان دائب الدرس، كثير الاطلاع، تثقف بالثقافة الإنجليزية فهو يتكلمها ويقرؤها كأحد أبنائها، وسمع بعمق التفكير الألماني فعكف على اللغة الألمانية حتى حذقها، وحدثه الأدباء بالأدب الفرنسي وما فيه من دقة في تحليل العواطف وإجادة الوصف، فدرس اللغة الفرنسية حتى أجادها، وتضلع من آداب اللغات الثلاث، وعرف أشهر ما كتب فيها، فإذا حدثك في أية ناحية منها أبان لك عن علم واسع، ومعرفة دقيقة هذا إلى لغته العربية ومعرفته بها كأنه متخصص فيها - ثم هو بعد لا يرضى عن نفسه، فهو دائم الدرس، دائب العمل، كلما قطع شوطا طمح إلى ما هو أرقى منه؛ فكأنه ومطامحه كالفرس وظله يجري دائما ليسبقه؛ وهيهات أن يلحقه وهو مع كل علومه وكل لغاته وكل عمقه خامل مجهول، لا يعرف حقيقته إلا خلصاؤه، إن جلس مع غيرهم فعيي جهول لا يشاركهم في جدل، ولا يفضي إليهم بحديث، يعرف مواضع السخف من قولهم، ومواضع النقص في تفكيرهم، ويتظاهر بأنه لا يعي ما يقولون، ولا يرقى إلى ما يفكرون ويجادلون، يتغابى وهو الذكي، ويتعايى وهو الفصيح لا يعبأ بالمال إلا بمقدار ما يعيشه عيشة نظيفة من غير ما ترف ولا سرف. عرضت عليه يوم (وظيفة) يكاد ينال منها ضعف مرتبه فرفضها في غير تردد لأنه يرى أنه لا يصلح لها ولا تصلح له، ولا تتفق ونفسه، ولا يتقنها إتقان عمله الذي يقوم به ثم هو - غالبا - لا يحب رؤساءه ولا يحبه رؤساؤه، فهو لا يحبهم لأنه يتطلب فيهم كمالا لا تسمح به الدنيا إلا نادرا، ويقيس الكمال بمقياس محدود معين، مع أن للكمال مناحي مختلفة، وقد يتسامح في نقص يستره كمال، ويغتفر ضعف تسنده قوة، ولكنه في تقديره يجسم النقص، ويكبر الضعف، ويريد في رئيسه الكمال صرفا، والقوة خالصة، فكأنه يريده نبيا أو إلها، وأنى له بذلك؟ فهو في نقد له مستمر، وتجريح دائم - وأما هو فيكرهونه لأنه حنبلي في تصرفه - متزمت في خلقه، صريح لا يلطف صراحته بلباقة، شديد لا يمزج شدته برقة، التصرف عنده كالخط إما أن يكون مستقيما أو أعوج ولا وسط بينهما، ولا

стр. 9070

يأتمر رئيسه ولا ينتهي بنهيه متى ما خالف قانونا - والقانون عنده هو القانون الحرفي الذي لا يحتمل تفسيرا ولا تأويلا - من أجل ذلك تعاقب عليه رؤساء مختلفون وتنقل من مصلحة إلى مصلحة والنتيجة واحدة دائما في نظرهم إليه ونظره إليهم - حتى لقد كان رئيسه يوما ما أقرب الناس إليه وأعرفهم به، ورجوت السعادة له أيام رياسته، فما لبثت أن رأيت الصداقة استحالت إلى فتور فكراهية، ثم كان أعدى له ممن لم يكن يعرفه أما (هو) الآخر فجميل الصورة، ظريف الهيئة، حسن الحلية، ممتلئ البدن، ريان الجسم، واسع البطن، أنيق الملبس إلى آخر حد الأناقة، دقيق الذوق في تناسب الألوان، وتناسق الأشكال، حتى يعد حجة فيما يلبس وما لا يلبس، وما يتناسب وما لا يتناسب، لأنه خبير بأحدث الأزياء بل هو فيها مخترع فنان، يحدثك حديثا مستفيضا عن خير الخياطين ومزاياهم وعيوبهم، ومواضع الإجادة والعيب فيهم وشيء آخر يجيد ذوقه، ويجيد التحدث فيه، ويجيد وصفه ويجيد نقده، وهو الطعام والشراب، فان أردت أن تعرف لونا من الطعام لا يناسب لونا أو أردت حديثا شهيا عن طعام شهي أو عن المائدة وكيف تنظم وعن بيوت مصر وما يجيده كل بيت من الأصناف فهو في ذلك الذي لا يبارى، وله فوق ذلك العلم الدقيق الواسع في صنوف الشراب، فأيها قبل الأكل وأيها على الأكل وأيها بعد الأكل، وأي ألوان الشراب يصح أن تجتمع وأيها لا يصح، وأي أنواع الشراب تجيده بلاد فرنسا وأيها تجيده ألمانيا وأيها أسبانيا - بل كل هذه معلومات أولية بالنسبة إليه فعنده ما هو أدق في ذلك وأعمق هذه هي الدنيا وهذه هي الحياة، وهل أنت آخذ من دنياك إلا ما طعمت وما شربت وما لبست وله كذلك حديث طريف عن النساء وأوصافهن فهو يجيد الحديث عن سحر العيون ورشاقة القد، ولطافة التكوين، وبراعة الشكل، وهيف القوام إلى آخر ما هنالك، ثم يتبع هذا بالكلام عن مغامراته وما شاهده في حياته، كأنه كان له في كل خطوة حادثة نسائية، وفي كل سفر عشق، وفي كل مجتمع غرام - والعشق العفيف، والهوى العذري والحب الأفلاطوني ألفاظ جوفاء لا تدل على شيء إلا على جنون قائلها أو ريائه، ينظر للمرأة نظر الأفعى للعصفور، وله من وسائل الأغراء ونصب الشباك، ورسم الخطط ما يعجز عنه القائد

стр. 9071

الماهر، والصائد الحاذق، فما هو إلا أن يضع عينه على فريسته حتى يخلق من الحركات والأفاعيل والأحاديث ما يستلفت النظر، وإذا هو في حديث جذاب مع من أحب وإلى هنا ينتهي علمه الواسع وقدرته الفائقة ثم ما الخلق وما الفضيلة وما الحق؟ ليست إلا كلمات اخترعها الأقوياء ليستغلوا بها الضعفاء. ولا بأس من استعمالها أحيانا متى جلبت خيرا أو دفعت ضيرا، ولم يخلق الله أسخف ممن يزعمون أنهم يتمسكون بمبدأ، فليس في الدنيا مبدأ صحيح إلا المبدأ القائل (الغاية تبرر الوسيلة) على أن تفسر الغاية بغايتي لا غية غيري فكن (وفديا) في دولة الوفد، و (شعبيا) في دولة حزب الشعب، و (حرا دستوريا) في دولة الأحرار الدستورين، والعن الكل في دولة أعداءها، وتغنى بمناقبها متى ما كان هذا ينيلك (درجة) أو على الأقل (علاوة)، وأجعل مبدأك مشايعة الزمان، تقبل على من أقبل عليه، وتدبر عمن أدبر عنه - ولا تأخذ شيئا (جدا) فما الحياة إلا لهو ولعب، فان استطعت أن تجعلها كلها (مزحة) أو (نكتة) فافعل فهكذا خلقها الله صادفته يوما في فندق فلما نزل إلى البهو استلفت نظر الناس بشكله وأناقته ولباسه وأمره للخدم ونهيه، وتحدث بصوت عال قليلا، فإذا ضحك يتصاعد من هنا ومن هنا، وإذا الصوت يرتفع شيئا فشيئا والتفات الناس يزيد شيئا فشيئا وإذا الحديث جذاب، وإذا هو محور من في المجلس وقيد أبصارهم وآذانهم وشأنه في (المصلحة) التي يعمل فيها شأنه في الفندق، كعبة القصاد ونجعة الرواد يقضي الحاجة لتقضى حاجته، وينفذ أغراض من هو أكبر منه لينفذ أغراضه من هو أصغر منه، وهكذا اتخذ (وظيفته) تجارة، يحسب فيها في دقة ما يشتري وما يبيع، وما يدخل وما يخرج، مقدار الرصيد، وبكم هو دائن وبكم هو مدين لعل الذي جعل الإنسان ذكرا وأنثى، وجعل منه من يميل إلى الشعر والخيال، ومن يميل إلى الحقيقة والواقع جعل الناس كذلك أحد هذين الرجلين، وكل ما في الأمر أنه يكون (هو) الأول صرفا أو (هو) الثاني صرفا، وقد يكون خليطا منهما، مزيجا بينهما - هما رجل الآخرة ورجل الدنيا، ورجل الفلسفة ورجل المادة، ورجل الأخلاق والمبادئ، ورجل المصالح والمنافع

стр. 9072

أحمد أمين

стр. 9073

مأساة قضائية شهيرة ذكريات عن قضية دريفوس للأستاذ محمد عبد الله عنان منذ أسابيع قلائل توفي في صمت وسكون، رجل كان أسمه قبل ثلاثين عاما يدوي في أرجاء العالم بأسره، ويقترن أسمه بأعظم وأشهر مأساة قضائية في عصرنا؛ ذلك هو الكولونل الفريد دريفوس الضابط الفرنسوي اليهودي، الذي أثار اتهامه ومحاكمته ومحنته في خاتمة القرن الماضي في فرنسا أعظم ضجة، وشغلت قضيته الأمة الفرنسية بأسرها زهاء عشرة أعوام، وأثارت فيها من الجدل القضائي، والشهوات والأحقاد القومية والجنسية، والعواطف السياسية ما كاد يدفعها إلى معترك الحرب الأهلية والفوضى وقد طويت صفحة قضية دريفوس منذ بعيد، وأسدل الستار على آخر فصل من فصولها منذ ثلاثين عاما. ولكن هذه المأساة القضائية الهائلة، التي طبعت تاريخ العصر بطابعها القوي، وأثرت في كثير من نواحيه السياسية والاجتماعية، مازالت منذ ثلاثين عاما تثير اهتمام البحث التاريخي والقضائي، وتصدر عنها المؤلفات الحافلة بأقلام أكابر الكتاب والساسة، ومنهم من عاصروها واتصلوا بحوادثها وشخصياتها. وكان آخر ما صدر عنها من المؤلفات الهامة كتاب بالألمانية حافل بالشهادات والوثائق الحاسمة، هي مذكرات الجنرال ماكس فون شفارتز كوبن، وهو الذي كان ملحقا عسكريا للسفارة الألمانية في باريس وقت انفجار العاصفة والقبض على دريفوس (سنة ١٨٩٤) متهما بالخيانة العليا وبيع أسرار الجيش لدولة أجنبية؛ وكانت فرنسا بأسرها تتهم ألمانيا بأنها هي الدولة التي تحاول الوقوف على أسرار الدفاع الفرنسي، وتتهم الملحق الحربي الألماني بأنه هو الذي يعمل على ابتياع هذه الأسرار. ولم يكن في وسع الجانب الألماني أن يتكلم يومئذ وأن يفضي بما لديه لإظهار الحقيقة؛ وكانت المأساة القضائية تسير في طريقها، وينزل القضاء الحربي بالضابط البريء أقسى حكمه مستندا إلى طائفة من الوثائق والشهادات المزورة، وفرنسا تضطرب من أقصاها إلى أقصاها سخطا على الخائن وعلى اليهودية التي ينتمي إليها؛ وهناك في الظلام رجل واحد يعرف لب الحقيقة، ويستطيع أن ينقذ البريء، وأن يهتك هذه الحجب كلها بكلمة؛ ذلك الرجل هو فون شفارتز كوبن الملحق الحربي الألماني،

стр. 9074

بطل المأساة الخفي؛ ولكن هذه الكلمة لم يستطع أن يقولها ولم يسمح له بقولها له بقولها يومئذ، وقضت الرسوم والاعتبارات السياسية أن ينوء بالسر حتى مرض موته؛ وعندئذ أفضى به إلى زوجه وأوصاها بنشر مذكراته ووثائقه، وقام بنشرها الكاتب الألماني برنهارد شفر تفجير تحت العنوان الذي اختاره صاحبها لها وهو (الحقيقة عن دريفوس) ولم يك ثمة شك فيما سيقوله الرجل الذي اشترك بنفسه في حوادث المأساة، وعرف سرها في المهد؛ فقد أكد لنا شفارتز كوبن وهو على شفا القبر، ما كشفت عنه من قبل تطورات القضية الشهيرة، وما اضطر القضاء الأعلى لأن يثبته وأن يعلنه بعد تلك الجهود والمحاولات الفادحة التي بذلها أنصار البريء لإعادة النظر وتحقيق العدالة؛ أكد لنا براءة دريفوس مرة أخرى، وأوضح لنا بما يعرض من الناحية الخفية للحوادث كيف كان القضاء بعيدا عن الحقيقة، وكيف كان المجرم الحقيقي ظاهرا غير بعيد عن يد العدالة، ولكن يتمتع بحماية العسكرية المتعصبة المغرضة؛ ويقدم إلينا شفارتز كوبن فوق أقواله الخاصة طائفة هامة من المذكرات والوثائق الرسمية التي تبودلت بخصوص الحادث، ومنها رسائله إلى قلم أركان الحرب الألماني وقد أتيحت لنا الفرصة منذ أعوام فرصة لدراسة قضية دريفوس من الناحيتين القضائية والتاريخية، وكتبنا عنها بحثا مستفيضا في كتابنا (ديوان التحقيق والمحاكمات الكبرى) وشرحنا أدوارها السياسية والقضائية المدهشة، وبينا كيف أنها كانت أثرا بارزا من آثار (خصومة السامية) أو حركة العداء ضد اليهودية، فإلى هذا البحث نحيل القارئ؛ ولكنا نرى أن نقدم هنا خلاصة موجزة لأهم وقائع القضية، لابد منها لفهم ما سيجيء من البيانات والتعليقات في ١٥ أكتوبر سنة ١٨٩٤ قبضت السلطات العسكرية على ضابط بقسم المدفعية هو الفريد دريفوس بتهمة الخيانة العليا، وذلك على أثر ضبط قلم التحريات السرية لوثيقة تتضمن التعريف ببعض أسرار الدفاع الفرنسي، قيل إنها بخطه وإنه قدمها إلى سفارة أجنبية، وقد عرفت هذه الوثيقة فيما بعد باسم (البردرو) وقدم دريفوس إلى المجلس الحربي، وحوكم سرا، وحكم عليه بالنفي المؤبد والتجريد (٢٣ ديسمبر سنة ٩٤)، وكان دريفوس يؤكد بكل قواه أنه بريء من كل تهمة؛ ولكن لم يصغ إليه أحد، وجرت محاكمته بسرعة وتحيز

стр. 9075

ظاهر، ونفذ فيه الحكم بصرامة؛ وكان يؤمن ببراءته جماعة من أكابر المفكرين والساسة ويرونه ضحية الخصومة السامية؛ وكان من بين هؤلاء السياسي شويرر كستنر وكيل مجلس الشيوخ وطائفة من أعلام الكتاب مثل أميل زولا، وإيف جيو، وجوزف ريناخ، وجورج كليمنصو، وجوريس، وكاسنياك؛ فأثار هؤلاء دعوة شديدة ضد رجال العسكرية والقضاء الحربي، وطالبوا بإعادة النظر في القضية؛ وبذلت أسرة دريفوس جهودا كبيرة لإنقاذ وتبيان براءته؛ وكان الكولونيل بيكار من رجال العسكرية الذين يشكون في نزاهة القضاء الحربي، فانتهز فرصة انتدابه لرئاسة قلم التحريات السرية، ودرس القضية ومستنداتها المزعومة؛ فأيقن أن دريفوس كان بريئا وضحية واستطاع بعد البحث أن يعرف كاتب (البردرو) الحقيقي وهو ضابط يدعى (استر هازي). ولم تلبث هذه الحقيقة أن ذاعت رغم اضطهاد زعماء العسكرية لبيكار؛ واستغلها أنصار الإعادة؛ فاضطرت السلطات الحربية أن تقبض على استر هازي، وأن تحاكمه تهدئة لثورة الرأي العام، ولكن المجلس الحربي قضى ببراءته، فكانت هذه البراءة نذير فورة أشد من الأولى. وفي ١٣ يناير سنة ١٨٩٨ نشر أميل زولا في صحيفة (الاورور) خطابه المشهور (إني أتهم!) موجها إلى رئيس الجمهورية، واتهم فيه القضاء الحربي في عبارات عنيفة ملتهبة بأنه انتهك قدس العدالة والقانون، وقضى عمدا على البريء، واستعمل الغش والتزوير في إجراءاته؛ فأحيل زولا على محكمة الجنايات بتهمة القذف، وحكم عليه بالحبس عاما وبالغرامة (٣ فبراير سنة ٩٨) ولكنه فر إلى إنكلترا تفاديا من تنفيذ الحكم؛ ولم تفتر جهود أنصار الإعادة مع ذلك؛ ولم تمض أشهر قلائل حتى اعترف الكولونل هنري وهو رئيس سابق لقلم التحريات، بأنه اشترك في صنع بعض الوثائق السرية التي قدمت كدليل على إدانة دريفوس فقبض عليه وسجن، ولكنه انتحر في سجنه، فزاد الشك في إجراءات القضاء الحربي واشتد سخط الرأي العام؛ واضطر عندئذ وزير الحربية أن يحيل الطلب الذي قدمه الضابط البريء بإعادة النظر إلى محكمة النقض؛ وقضت هذه بنقض الحكم (٢٦ سبتمبر سنة ١٨٩٩) وأحيل دريفوس إلى المجلس الحربي في رن، واستقدم من منفاه في جزيرة الشيطان في حالة يرثى لها؛ ولكن المجلس الحربي قضى ثانية بإدانته مع الظروف المخففة وحكم بسجنه عشرة أعوام؛ وأصدر مسيو لوبيه رئيس الجمهورية عفوا عن المحكوم عليه.

стр. 9076

ولكن الضابط البريء وأسرته وأنصاره لم ترضهم هذه الخاتمة العرجاء، فضاعفوا جهودهم في سبيل الإعادة ومحو كل أثر للحكم؛ وانقسمت فرنسا عندئذ إلى شطرين، فريق وهو الأغلبية إلى جانب الإعادة وإنصاف البريء والحد من طغيان العسكرية؛ وفريق الوطنيين يؤازر الجيش ويقاوم الإعادة؛ وأشتد الجدل بين الفريقين، واتخذ مظهر سياسيا عنيفا يغشى كل الحياة العامة في فرنسا؛ وفي أثناء ذلك وقف أنصار الإعادة على وثائق وحقائق جديدة تؤيد البراءة، وقدم دريفوس طلبا ثانيا بإعادة النظر، ورأت الحكومة القائمة تهدئة للرأي العام أن تحيل طلبه ثانية إلى محكمة النقض؛ فقررت المحكمة أن تنظر فيه بنفسها، وأصدرت حكمها في ١٢ يوليه سنة ١٩٠٦ بإلغاء محكمة رن وبراءة الضابط اليهودي؛ وفي الحال أعيد دريفوس إلى فرقته ومنح وسام الشرف، وأسدل الستار على تلك المأساة القضائية الهائلة، وهدأت العاصفة السياسية الكبرى التي أثارتها زهاء عشرة أعوام يقول الكاتب الأشهر أميل زولا في كتابه الذي وضعه عن القضية بعنوان (الحقيقة تسير) (إن فون شفارتز كوبن وحده هو الذي يستطيع أن يذيع الحقيقة الناصعة)، وقد كان ذلك إبان اضطرام الصراع بين الحق والباطل وبين البريء وجلاديه؛ ولكن شفارتز كوبن كان يومئذ مرغما على الصمت كما أسلفنا. أما اليوم فبين يدينا أقواله وشهادته الحاسمة، وقد فاه شفارتز كوبن وهو على شفا الموت في أواخر ديسمبر سنة ١٩١٦ بهذه الألفاظ التي حرصت زوجه على تدوينها (أيها الفرنسيون؛ استمعوا إلي: إن الفريد دريفوس بريء، ولم يرتكب جرما قط؛ وكان الأمر كله دسائس وتزويرا، إن دريفوس بريء) وفي المذكرات والوثائق التي تركها شفارتز كوبن أدلة الحقيقة الناصعة التي طالب زولا بكشفها؛ فان (البردرو) الذي كان أساس الاتهام، والذي نسب زورا إلى دريفوس، كان من صنع استر هازي وبخطه، وكان المجرم الخائن هو استر هازي؛ وتلك حقيقة ثبتت إبان المأساة القضائية ذاتها؛ بيد أن شفارتز كوبن يفصل لنا علائقه بذلك الضابط المجرم، وكيف انه لبث في خدمته عامين يمده بأسرار الدفاع الفرنسي؛ ثم يقول لنا إن (البردرو) لم يصل إلى يده قط، ولم تلتقطه مدام بستيان خادمة السفارة الألمانية من سلة الأوراق المهملة، وتوصله إلى قلم التحريات الفرنسية، كما هو ذائع؛ ولكن المرجح أن استر هازي وضعه في صندوق الخطابات الخاص بالسفارة فاستلبه شخص ثالث لم يعرف قط؛ وهذه شهادة تهدم

стр. 9077

الرأي الحديث الذي يقول به بعض الكتاب الفرنسيين، وهو أن شفارتز كوبن نفسه كانت (البردرو) مقلدا فيه خط استر هازي وأنه ألقاه في سلة الأوراق المهملة عمدا لكي يصل إلى قلم التحريات السرية عن يد مدام بستيان وتتم بذلك الدسيسة؛ والواقع أن شفارتز كوبن لم يقف على أمر (البردرو) إلا بعد القبض على دريفوس والحكم عليه بعامين حيث رأى صورة الوثيقة منشورة في جريدة (الماتان) فعرف لفوره أنها من خط استر هازي، وأدرك في الحال روعة الخطأ القضائي الذي ارتكب وفي الرسائل التي تبادلها شفارتز كوبن مع الكونت منستر سفير ألمانيا في باريس وقتئذ ما يدل على التأثر العميق الذي كانت تتبع به السلطات الألمانية يومئذ تطورات المأساة القضائية؛ وقد لبث الكونت منستر نفسه مدى حين بعيدا عن فهم الحقيقة معتقدا مسؤولية شفارتز كوبن حتى أنه حمل عليه في بعض رسائله بقسوة، واتهمه بأن تصرفاته المريبة كانت أكبر سبب في الحملات الصارمة التي شهرتها الصحافة الفرنسية على ألمانيا، والتي اضطرت حكومة القيصر أن تسعى لدى الحكومة الفرنسية لوقف هذه الحملات؛ وقد وقف الكونت منستر بعد ذلك على طرف من الحقيقة؛ وكان أركان الحرب الألماني يعرفها منذ الساعة الأولى، ويعرفها القيصر أيضا. وكان القيصر يعرف ويثق بأن السفارة الألمانية في باريس لم تتصل بدريفوس قط؛ ولما صرح له الكونت منستر حين مقابلته بأنه لا يشك لحظة في براءة دريفوس، أجابه القيصر بأنه لا يشك فيها كذلك؛ ونجد تفصيل المحادثات والتقارير الرسمية الألمانية المتعلقة بقضية دريفوس في المجلدين التاسع والثالث عشر من مجموعة الوثائق الرسمية التي أصدرتها ألمانيا عن تاريخ ما قبل الحرب. هذا وفي مذكرات الجنرال فون شفارتز كوبن كثير من الوثائق والتفاصيل التي تلقي أكبر ضوء على الحقائق المأساة القضائية الكبرى، وتعرضها في كثير من نواحيها عرضا جديدا مؤثرا ولقد كانت فورة الخصومة السامية التي بعثت قضية دريفوس، ضربة شديدة لليهودية، استنفدت كثيرا من مواردها وقواها؛ ولكنها كانت لها نذير الخطر والكفاح؛ فقد لبثت اليهودية مدى حين آمنة مطمئنة في ظل الديموقراطية الظافرة؛ ولكنها أفاقت مذعورة من هذه الدعة الظاهرة، ونهضت تكافح طغيان القومية والعسكرية والكنسية معا؛ وكانت هذه اليقظة اليهودية وقود الحركة الصهيونية التي أذكى تيودور هرتسل الكاتب اليهودي

стр. 9078

جذوتها. وكان هرتسل يشهد مأساة دريفوس وتطوراتها منذ البداية كمراسل لجريدة (نوية فرايه بريسه) النمسوية، ويصور حوادث المأساة بقلمه الملتهب تصويرا قويا مؤثرا يثير روح الكفاح والمقاومة في الملايين من بني جنسه؛ واستطاعت اليهودية غير بعيدا أن تستجمع قواها؛ وغدا هرتسل روح الحركة الجديدة التي انتهت بتنظيم الصهيونية السياسة؛ ثم الفت اليهودية فرصتها أثناء الحرب الكبرى، واتجهت صوب فلسطين، وما زالت حتى ظفرت ببغيتها من الحلول بأرض الميعاد والاحتشاد فيها وتحقيق حلمها القديم بالعودة إلى أرض سليمان محمد عبد الله عنان

стр. 9079

وقفة بالعقيق! للأستاذ على الطنطاوي وقفة بالعقيق تطرح ثقلاً … من دموع بوقفة في العقيق ماثل بين أربع ماثلات … ينزع الشوق من فؤاد علوق البحتري تتمة ما نشر في العدد الماضي وأرى عروة وقد أقبل من سفره، فدخل القصر، وحار الناس كيف ينعون إليه محمدا، حتى جاء عيسى بن طلحة فدخل عليه، فقال عروة لبعض بنيه: اكشف لعمك عن رجلي ينظر إليها، ففعل فقال عيسى: إنا لله وإنا إليه راجعون، يا أبا عبد الله! ما أعددناك للصراع ولا للسباق، ولقد أبقى الله لنا منك ما كنا يحتاج إليه: رأيك وعلمك قال عروة: ما عزاني أحد عن رجلي مثلك قال: فإني معزيك بمحمد! فوثب فزعا يقول: ما له؟ قال: لقد لقي الله فاصفر عروة ثم جلس يسترجع ويقول: اللهم أخذت عضوا وتركت أعضاء، وأخذت ابنا وتركت أبناء، فإنك إن كنت أخذت لقد أبقيت، وإن كنت ابتليت لقد عافيت! ويتبدل المنظر فإذا أنا أرى قصر سعيد بن العاص الذي يقول فيه عمرو بن الوليد: القصر فالنخل فالجماء بينهما … أشهى إلى النفس من أبواب جيرون وأرى فيه حركة وازدحاما، وأرى على الوجوه سحابة من غم، وعلى الجباه سطورا من كآبة، فأغشى القوم أسألهم وأعلم علمهم فإذا هم واجمون، لأن سعيد بن العاص يحتضر! وأي نبأ في المدينة أروع من موت سعيد؟ وفيه يقول الفرزدق: ترى الغرّ الججاجح من قريش … إذا ما الأمر في الحدثان غالا

стр. 9080

قياما ينظرون إلى سعيد … كأنهمُ يرون به هلالا وأدخل القصر فأسمع عمرا ابنه يقول له: لو نزلت إلى المدينة! فيقول له سعيد: يا بني إن قومي لن يضنوا علي بأن يحملوني على أعناقهم ساعة من نهار، فإذا أنا مت فآذنهم؛ فإذا واريتني فانطلق إلى معاوية فانعني له، وانظر في ديني، واعلم أنه سيعرض قضاءه فلا تفعل، ولكن اعرض عليه قصري هذا، فإني إنما اتخذته نزهة وليس بمال وما هي إلا أن يموت فيحمله الناس من قصره حتى يدفنوه في البقيع. ورواحل عمرو بن سعيد مناخة، فيعزيه الناس على فبره ويودعونه، ويمضي من ساعته إلى معاوية فيكون أول من ينعاه له. فيتوجع له معاوية ويقول: هل ترك دينا؟ فيقول: نعم، فيقول معاوية: هو علي فيقول: قد ظن ذلك وأمرني ألا أقبله منك، وأن أعرض عليك بعض ماله فتبتاعه، فيكون قضاء دينه منه فيقول: اعرض علي فيقول: قصره بالعرصة فيقول معاوية: قد أخذته بدينه قال نوفل أبن عمارة: وكان دين سعيد ثلاثة آلاف ألف درهم، فاشترى معاوية القصر بألف ألف درهم، والمزارع بألف ألف، والنخيل بألف ألف درهم فيقول عمرو: هو لك على أن تحمله إلى المدينة، وتجعلها بالوافية. فيحملها له إلى المدينة، فيرقها عمرو في غرمائه، وكان أكثرها عدات وعدها سعيد، فيأتيه شاب بصك فيه عشرون ألف درهم بشهادة سعيد على نفسه، وشهادة مولى له عليه، فيرسل عمرو إلى المولى فيقرئه الصك، فيبكي حين يقرؤه ويقول: نعم، هذا خطه وهذه شهادتي عليه فيقول عمرو: ومن أين لهذا الفتى عليه عشرون ألف درهم؟ وإنما هو صعلوك من صعاليك قريش.! فيقول المولى: أنا أخبرك: مر سعيد بعد عزله فاعترض له هذا الفتى، ومشى معه حتى

стр. 9081

صار إلى منزله، فوقف له سعيد وقال: ألك حاجة؟ قال: لا. إلا أني رأيتك تمشي وحدك، فأحببت أن أصل جناحك فقال لي سعيد: ائتني بصحيفة، فأتيته بهذه، فكتب له على نفسه هذا الدين، وقال: إنك لن تصادف عندنا شيئا فخذ هذا، فإذا جاءنا شيء فأتنا فيقول عمرو: لا جرم والله لا يأخذ إلا بالوفية، يا غلام! أعطه إياه، فيعطيه عشرين ألف درهم وافية ويجيئه مولى لقريش فيقول: إني أتيت أباك بابن مولاي (فلان)، وقد هلك أبوه ليزوجه. فقال: ما عندي، ولكن خذ ما شئت في أمانتي فيقول له عمرو: كم أخذت؟ فيقول: عشرة آلاف فيقبل عمرو على القوم فيقول: من رأى اعجز من هذا؟ يقول له سعيد: خذ ما شئت في أمانتي، فلا يأخذ إلا عشرة آلاف، والله لو أخذ مائة ألف لديتها ويتبدل المنظر، فأرى العقيق قد ازدحم بالناس حتى كأنه المحشر، وانتقلت إليه المدينة حتى لم يبق فيها كهل ولا غلام، ذلك أن خبرا سرى في المدينة سريان الأمل في النفوس اليائسة، فترك الناس ما هم فيه وأقبلوا على قصر سعيد يسمعون منه ما يسمعوا. . . وإذا ابن عائشة وهو أضن خلق الله بالغناء، وأسو الناس فيه خلقا، ومن إذا قيل له غن: قال: ألمثلي يقال هذا وإذا ابتدأ بغناء وقيل له أحسنتن قطع الغناء مغضبا وقال: ألمثلي يقال أحسنت؟ وإذا هو يغني أطيب غناء وأطربه، فلا ينتهي من صوت حتى يشرع في آخر، لا يسكت ولا يستريح، حتى عدوا عليه مائة صوت، وإذا خبره أن العقيق طغى وازداد ماؤه، فاعتصم ابن عائشة بقصر سعيد بن العاص فملأ الماء عرصة القصر، فصعد على قرن البئر ورآه الحسن بن الحسن، وكان قادما على بغلة له وخلفه غلامان أسودان كأنهما شيطانان، فقال لهم: امضيا رويدا حتى تقفا بأصل القرن الذي عليه ابن عائشة؛ فخرجا حتى فعل ذلك، ثم ناداه الحسن: كيف أصبحت يا ابن عائشة؟ قال بخير! فداك أبي وأمي، قال: انظر إلى من بجنبك، فنظر فإذا العبدان؛ قال: أما تعرفهما؟ قال: بلى، قال: فهما حران لئن لم تغني مائة صوت لآمرنهما بطرحك في البئر، وهما حران لئن لم يفعلا لأقطعن

стр. 9082

أيديهما. فغنى فلم ير الناس أحسن يوما منه ثم أرى فتيانا من فتيان المدينة فهم يونس الكاتب وجماعة ممن يغني قد خرجوا إلى واد يقال له رومة من بطن العقيق، فغنوا، فأثار غناؤهم أهل الوادي، فاجتمع إليهم الرجال والنساء حتى كان حولهم مثل مراح الضأن؛ وأرى محمد بن عائشة مقبلا معه صاحب لهو، حتى يرى جماعة النساء عندهم فيأخذه الحسد، وتحز في نفسه الغيرة، فيقول لصاحبه: كيف بك إذا فرقت هذه الجماعة؟ فيسخر منه صاحبه، فيهيج ابن عائشة فيأتي قصرا من قصور العقيق فيعلو سطحه، ويلقي رداءه، فيتكئ عليه ويغني بشعر عبيد بن حنين: هذا مقامُ مُطَرَّدٍ … هدمت منازله ودوره نمت عليه عداته … كذباً فعاقبه أميره ولقد قطعت الخرق بع_د الخرق معتسفاً أسيره حتى أتيت خليفة الر - حمن ممهوداً سريره حييته بتحيّة … في مجلس حصرت صقوره فلا ينقضي الصوت إلا والنساء كلهن تحت القصر الذي هو عليه، وقد تقوض مجلس يونس ولم يبقى فيه أحد! وأرى غلاما خلاسيا، مديد القامة أحول، قد ارتقى صخرة في العقيق منفردة، فاضطجع عليها ضجعة خفيفة، ثم هب فزعا وهو يغني غناء ما سمع مثله السامعون، يزعم أن الشيطان أجراه في مسامعه وهو نائم، ويعيد الغناء وهو يتصيد الطير بحبالة في يده، فيمر به شيخا مغني مكة ابن سريج والغريض، وقد أقبلا على بعيرين لهما يزوران المدينة ويتعرضان لمعروف أهلها، ويلقيان من بها من صديقهما، فيسمعان ثم يستعيدان الصوت: القصر فالنخل فالجماء بينهما … أشهى إلى النفس من أبواب جيرون فيعيده، وهو مشغول عنها بصيده، فيقبل أحدهما على صاحبه فيقول: هل سمعت كاليوم قط؟ فيقول: لا والله! فيقول: فما هو رأيك؟ فيقول: هذا غناء غلام يصيد الطير، فكيف بمن في الجوبة؟ أما أنا (فثكلته أمه) إن لم أرجع! فكرا راجعين وكان الغلام (معبد) سيد من غنى صوتا في الحجاز!

стр. 9083

ويتبدل المنظر فأرى حميدة بنت عمر بن عبد الرحمن بن عوف، وقد خطبها رجل عبشمي من أهل الشام، فلما أزداد أن يرتحل بها وحف بهما الناس يودعونهما سمعت رجلا يغني بشعر أبي قطيفة: لا ليت شعري هل تغير بعدنا … جنوب المصلى أم كعهدي القرائن وهل ادؤر حول البلاط عوامر … من الحيّ أم هل بالمدينة ساكن إذا برقت نحو الحجاز سحابة … دعا الشوق منى برقها المتطامن ولم أتركنها رغبة عن بلادها … ولكنه ما قدر الله كائن فتسقط وقد أغمي عليها، فيعالجونها كيما تفيق، فإذا أفاقت سمعته يغني: ألا ليت شعري هل تغير بعدنا … قباء وهل زال العقيق وحاضره وهل برحت بطحاء قبر محمد … أرهط غرّ من قريش تباركه لهم منتهى حبي وصفو مودتي … ومحض الهوى مني وللناس سائره فتغشت بين النساء وسقطت ميتة. . . . . . . . . واضطربت الصورة وتضاءلت، ثم توارت واختفت، وإذا صفحة الماء بيضاء ليس فيها صورة، وإذا المجد والجلال، والعطر والنور، وإذا الدور والقصور، والأنس والحبور؛ كل أولئك قد غطى عليه الفناء، وابتلعه هذا السيل الدفاع، ثم عاد يجري بين الآكام الجرداء، وله خرخرة وله دردرة. . . وإذا كل ما بقي من هذه الدنيا الواسعة، قهوة قامت على جذوع النخل، وبئر نصبت عليه سانية، وجماعة قد تحلقوا يشربون الشاي، ويطربون، وما بهم لو حققت من طرب؛ وإذا قصر سعيد أنقاض ماثلة، وإذا سائر القصور تلال من الرمل الأحمر. . . . . وإذا المجد والجلالة والجا - هـ كما يطرس السطورَ البنان! دمشق علي الطنطاوي

стр. 9084

عاقبة سليمة للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني لم يتفق الناس إلى الآن على وسيلة يدفع المرء بها عنه ثقيلا يتصدى له، ويلح عليه بما لا يسعه أن يجيبه إليه، فالأمر متروك إلى صدق الروية، وسرعة الخاطر، وحسن البديهة، ولكل موقف ما يقتضيه، ويدفع إليه ويغري به، والذي يلهمه الواحد في موقف لا يلهمه واحد آخر في الموقف عينه؛ فإذا بدا لي أو لك ما لجأ إليه (حامد) غريبا أو شاذا أو غير لائق، فلا تلمه ولا تنع ذلك عليه، فان عذره أنه لم يخطر له سواه، وأن الموقف كان يتطلب السرعة واتقاء الجدل، فقد كان - كما لا تعلم - في قهوة (الحمام) - بفتح الحاء - وكانت معه (فريدة) (وهي بنت عمه، وكان بينهما من الود أكبر مما يكون في العادة بين ذوي القربى؛ وكانت تنطوي له على حب هادئ، وتحس - بفطرتها الذكية - أنه يصبو إليها، ولكنها كانت تراه لا يصارحها بشيء ولا يبثها أمرا، ولا يدع لفظا أو عملا يشي بهواه هذا، فجنحت إلى الشك، ثم يئست. ولما تقدم أحد أغنياء الريف يخطبها، أغرت أباها بالتلكؤ، لعل حامدا يتحرك، ولكنه لم يفعل. فقالت لنفسها إذا لم أتزوج من أحب، فانه لا يبقى أمامي إلا زواج المال والوجاهة. . . وهكذا حدث، أعني أنه لم يحدث، وإنما احتفل بقبول هذا الوجيه الريفي، وبتقديم (الشبكة) إلى عروسه المستقبلة، على أن يكون العقد ليلة الجلوة ومضت أيام، والتقى حامد بها خارجة من متجر كبير، فخفت إليه وهو يهم بركوب سيارته وسألته: (لماذا هذه الجفوة؟) فضحك وقال: (الجفوة؟ إنما أفسح لمن هو أحق مني) فتلفتت ثم قالت: (سأصرف سيارتي وأركب معك، فهل تقبلني؟) قال: (ليس لي خيار، أنك كهذا الهواء، لا غنى عنه) قالت: (أشكرك) وصعدت إلى جانبه وأشارت إلى سائقها أن ينصرف. وسألها حامد: (إلى أين بنا؟) قالت: (إلى مكان فيه هواء، وطعام، فإني جائعة وحرى)

стр. 9085

فمضى بها إلى قهوة الحمام على النيل؛ فأكلا شيئا وشرب هو قدحا من البيرة - أو الجعة كما تسمى - وقالت له على الطعام (لماذا لم تهنئني؟) قال: (أهنئك من أعماق قلبي، ولكن بأي شيء؟) قالت: (بخطيبي - ثم إنك لم تحضر - لماذا؟) قال: (آه صحيح، مبروك! لقد سمعت أنه غني جدا، ووجيه في بلده) قالت: (نعم، إن غناه مضاف إلى غناي خليق أن يساعدني على ما يميل إليه طبعي من البذخ والترف. صحيح، فإني لا أطيق الفقر، ولا أستطيع أن أحيا حياة رقيقة الحال) قال: (أعرف ذلك - أو أنا على الأصح قدرته) فحدقت في وجهه فقال: (نعم، لقد انتهى كل شيء الآن فلا ضير من الصراحة، ومن الممكن أن أكاشفك بالحقيقة. . .) فقاطعته وقالت: (هل تعني أنك. . . .) ولم تتمها، فقال: (نعم، قدرت أن لا أمل لي، فأن عمي غني وأنا فقير، وقد عطفه علي أني ابن أخيه) فقالت: (ولكنك لست بفقير!) قال: (أعني نسبيا. . كل ما أكسب بعد الجهد والعناء ستون جنيها في الشهر. وما خير في ستين لمن تنفق وحدها - وهي فتاة في بيت أبيها - أكثر من هذا القدر؟) فلم تقل شيئا، وفتر الحديث بعد ذلك، وصار متقطعا، وإن كان حامد لم يقصر في توجيهه إلى كل ناحية تخطر بالبال. ثم قاما، وإنهما ليتخطيان باب القهوة وإذا بفريدة تشد على ذراع حامد وتقول بصوت يكاد يكون همسا: (حامد! هذا هو!) فتلفت وهو يسأل: (من؟) ولكنها ذهبت تعدو إلى السيارة وفتحت الباب الخلفي وأغلقته وراءها، وانطرحت على أرضها - لا مقعدها - فأهمل حامد السؤال والجواب، ودخل سيارته وأدر المحرك، ولم يفته أن يحكم إيصاد الأبواب حتى لا يفتحها أحد من الخارج، وأسدل الستائر الخلفية فاستحال أن يرى أحد فريدة وهي راقدة. ولم يكن حامد يعرف ممن تجري ولا كان يدري ما يخفيها ويدفعها إلى التخفي، وإنما كان يدري أنها تريد ذلك، فعليه أن يكون عونا لها

стр. 9086

ومد يده إلى ناقل السرعة، يريد أن يضعه في المكان الأول، وإذا برجل ضخم هائل الأنحاء، ولكنه أنيق الثياب محبوكها بقول له: (لحظة! لقد رأيت فتاة تدخل هذه السيارة، فافتح الباب من فضلك لتخرج) فابتسم حامد وقال: (رأيت فتاة تدخل في هذه السيارة؟ أواثق أنت؟) ويلتفت وراءه ليطمئن فقال الرجل بلهجة جافية: (أقول لك أفتح الباب) فقال حامد: (معذرة، ولكنك مخطئ. . . . إني لست سائق سيارتك) فاحتد الرجل وصاح به: (إنها. . . إنها. . . ألا تنوي أن تفتح؟) وعالج الباب، ولكنه كان موصدا من الداخل، فأعياه فتحه، فارتد إلى نافذة حامد وقال بصوت اجتمع له الناس: (افتح. . . أقول لك افتح. . . أخرج هذه الفتاة) وصار المحتشدون على الرصيف جمعا حافلا، وأكثرهم من العامة والنوبيين، والصبيان، وسائقي السيارات المختلفة، وعلت أصواتهم بالنكات والضحك، فزاد الرجل حماقة، وجعل يدق الباب بجمع يده، وتهور فوضع قدمه على سلم السيارة وهم أن يدخل رأسه من نافذتها لينظر، فلم يبق مفر من عمل يعمله حامد ليدفعه عنه ويتخلص منه؛ ولو غيره في مكانه لكان الأرجح أن يلكمه، ولكن حامد لم ير أن يتقي شرا بشر، واكتفى بأن يطير له طربوشه عن رأسه، فطار عقله وراءه، وارتد عن السيارة لينقذه من التراب البليل - أو الوحل - وسر الناس هذا المنظر فضحكوا، وقهقهوا، واغتنمها الصبيان فرصة فاقبلوا على الطربوش يدفعونه بأرجلهم كأنه كرة ويصيحون ويصخبون، والرجل يسبهم ويلعنهم ويحاول أن يدرك واحدا منهم، ولكنه ثقيل وهم خفاف، فكف، وعاد إليه الرشد مع التعب، ونظر فإذا السيارة قد غابت! وقالت فريدة لحامد في بيتها عصر يوم: (هل تعرف لماذا دعاك عمك؟) قال: (لا) قالت: (ليسألك عما حصل في قهوة الحمام، وعلى بابها) قال: (من أخبره؟ أنت؟)

стр. 9087

قالت: (بل هو) قال: (هو؟) قالت: (نعم، ألا تعرفه؟ الخطيب! واتهمني بالسكر أيضا) قال: (اتهمك أنت؟ ولكنك لم تذوقي شرابا سوى الماء. أنا الذي شربت بيرة) قالت: (ولا أنت - فاهم؟) قال مستغربا: (ولا أنا؟ ولكني شربت بيرة - ولم لا أشرب؟ وماذا يدعوني أن أقول غير الحق؟) فهزت كتفيها وقالت: (كما تشاء! ولكني أنذرك إذا اعترفت) فسألها متعجبا: (تنذرينني؟ لست فاهما؟) قالت: (يا صاحبي، لا أستطيع أن أتزوج سكيرا - أنا هكذا - من الطراز القديم المحافظ) فانتفض واقفا وصاح: (ماذا تقولين؟) قالت بضحك: (أليس كلامي مفهوما؟) قال: (ولكنك مخطوبة. . . .؟) قالت: (كنت مخطوبة. . . أما بعد أن كشفت لي عن حبك المكتوم، فقد اغتنمت الفرصة وقذفت بالشبكة في وجهه) قال: (ولكني فقير. . . .) قالت: (وأنا أحب الفقر. . . ليس أمتع منه، لا تخف أن أجيء إليك بغناي الثقيل المنفر. . . والآن ألا تقبلني؟) فدنا منها وهو يقول: (لم ألثم شفتيك منذ. . . .) فقالت: (منذ يناير سنة ١٩٢٧. . . دونت ذلك في مذكراتي. . . (اليوم لثم ثفتي. . . . . .) إبراهيم عبد القادر المازني

стр. 9088

التطور والتقليد في الأدبين العربي والإنجليزي للأستاذ فخري أبو السعود التطور والتقليد، أو التجديد والمحافظة، عملان خالدان يعملان جنبا لجنب ويتنازعان كل كائن حي من فرد أو مجتمع أو نظام أو نحوه. فهما يتنازعان كل أدب حي؛ وقد كان لكل من الأدبين العربي والإنجليزي نصيب من كليهما، غير أنا إذا دققنا النظر رأينا أن الأدب العربي كان أوفر حظا من التقليد أو المحافظة أو الاتباع، بينما كان الأدب الإنجليزي أوفى نصيبا من التطور والتجديد والابتداع تطورت لغة الأدب الإنجليزي وأسلوبه: فهما اليوم يخالفان ما كانا عليه في عهد شكسبير مخالفة كبيرة، وتطورت أغراضه عامة: فصار اليوم أشد اتصالا بالمجتمع أخذا منه وتأثيرا فيه، وتطورت أشكاله: فظهرت فيه على التتابع المقالة الدورية والصورة والترجمة والقصة الطويلة والقصيرة وتتابعت مذاهبه: فخلت المدرسة الرومانسية التي ازدهرت في عهد اليزابث، وكان شكسبير وسبنسر من أينع ثمراتها؛ وكان الخيال ووقاع البطولة وحياة الملوك والأمراء والقواد وقصص الأولين وخرافتهم مداد نظمها ونثرها؛ وتلتها المدرسة الدينية التي أطلعت ملتون وبنيان اللذين كانت أمور الدين وأخبار البعث والحساب والخلود مدار كتاباتهما؛ ثم كانت المدرسة الكلاسية في القرن الثامن عشر فافتتن زعماؤها في الشعر أمثال درايدن وبوب، وفي النثر أمثال أديسون وستيل، بمحاكاة الآثار الكلاسية القديمة من إغريقية ولاتينية في حسن الصياغة وإحكام الأسلوب؛ ثم أعقبت هذه مدرسة رومانسية أخرى في مستهل القرن التاسع عشر كان من أقطابها وردزورث وشلي وكيتس، فنبذت الاهتمام بتنميق الأسلوب وأطلقت لخيالها العنان؛ وفي أواسط ذلك القرن قامت المدرسة الواقعية تحد من ذلك الخيال الجامح وتربطه برباط الواقع، وكان من رجالها تنيسون ثم هاردي. وكانت كل مدرسة من هذه المدارس الأدبية مرآة للحياة في عصرها: فمدرسة شكسبير كانت مرآة عصر الاستكشاف الجغرافي وكشف كنوز الأدب القديم، والمخاطرات والمغامرات في الكشف والقتال. ومدرسة ملتون الدينية كانت مرآة عصر التشدد الديني

стр. 9089

الذي كان زعماؤه (المطهرين)؛ والمدرسة الكلاسية المنمقة الأسلوب كانت صدى لمجتمع القرن الثامن عشر المنمق الآداب والأقوال المتهافت على حياة المدن المزدري بمظاهر الطبيعة؛ والمدرسة الرومانسية في مستهل القرن التاسع عشر كانت تعبيرا في عالم الأدب عما عبرت عنه الثورة الفرنسية إذ ذاك في عالم السياسة: من نزعة إلى التحرر من قيود المجتمع وأغلال الفكر والعودة إلى الطبيعة ما أمكن؛ والمدرسة الواقعية التي تلت ذلك كانت متأثرة بالاستكشافات العلمية البعيدة المدى التي شهدها القرن الماضي. وقد تتابعت هذه المدارس جيلا بعد جيل وكانت كل واحدة منها ثورة على سابقتها تحاول إصلاح معايبها وتدارك ما أهملته هكذا تطور الأدب الإنجليزي مع تطور السياسة والعلم والدين، وكذاك تطور الأدب العربي: فلغة الجاهلية الوعرة تلتها لغة صدر الإسلام الفحلة، فللغة الصدر العباسي الجزلة، ثم جاءت بعد ذلك لغة لينة مبالغة في اللين والأناقة، والأسلوب المرتجل المرسل تلاه الأسلوب الفني المتعمل المرصع الذي تزايد تعمله وترصيعه شيئا فشيئا؛ وتطورت أغراض الأدب وشملت من أسباب الحضارة ما لم تشمل قبل: من شؤون الإمارة ومظاهر الترف وآثار العلم والفلسفة؛ وتطورت أشكاله: فظهرت كتب التراجم والأخبار والنقد والمقامات والرسائل المطولة. فالأدب العربي قد تطور تطورا عاما اتجه إلى ترقيق العبارة وتوسيع أغراض القول، وكان مرجع هذا التطور العام هو تحضر أبناء العربية واشتغالهم بالعلوم ولكنه تطور عام غير محسوس كتلك التطورات السالف ذكرها في مجرى الأدب الإنجليزي؛ ومعظم أغراض الأدب العربي وصفاته توورثت جيلا عن جيل: فأغراض الفخر والمدح والهجاء والرثاء ونحوها في الشعر ظلت أبوابا ممتازة محددة يتبارى الشعراء في تناولها ولا تتم لأحدهم البراعة حتى يطرق كلا منها؛ وكتب الأخبار الأدبية والتاريخية المختلطة ظلت على وتيرة واحدة من أول ظهورها لا يختلف بعضها عن بعض في طريقة البحث والسرد وتهذيب الأبواب والفصول ولا غرو فقد كانت تحيط بالأدب العربي ظروف كلها تدعوا إلى المحافظة والتقليد: فالمجتمع العربي ذاته كان مجتمعا محافظا لم يكد يطرأ عليه جديد من الأفكار والأنظمة بعد

стр. 9090

تشبعه بحضارة الأقدمين وعلومهم، ولم يختلف عليه من الأحداث الاجتماعية والسياسية ما تترك صداها في الأدب: فقد كانت القصة من أولها إلى آخرها على وتيرة واحدة: أسر وأمراء يتوارثون الحكم ويتجاذبونه، وأمم مكفوفة عن شؤون الحكم إلا أن تثور ثائرتها في الفينة بعد الفينة فتقمع وتعود الأمور إلى وتيرتها، وما من نزعة جديدة أو اتجاه جديد يحول عنان الأمور إلى غير ما هي سائرة فيه والأدباء أنفسهم كانوا منعزلين بآدابهم عن مجتمعهم قلما يعبرون عن أمانيه أو يحاولون قيادته، وكانوا أقرب مكانا إلى الأمراء منهم إلى صف الشعب، لأنهم كانوا يعتمدون على الأولين في معاشهم ثم إن قيام الإمبراطورية الإسلامية أدى من بادئ الأمر إلى نتيجتين كانت كلتاهما ذات أثر بالغ في الأدب العربي، وكانتا عاملي محافظة وتقليد فيه: وهما فساد اللغة الفصحى تدريجيا، ودخول الأعاجم في اللسان العربي فان فساد اللغة تدريجيا جعل الأدباء يحتذون دائما حذو المتقدمين من العرب الأقحاح، ويتخذون من كلامهم نماذج وشواهد، وصار حسب الشاعر المتأخر أن يجاري المتقدمين في جزالة القول وإحكام النسج ليكون قد بلغ مبالغ الشاعرية، ولا يكاد يخطر له أن يبرز على أولئك المتقدمين ويبتكر ما لم يعرفوا، وهو وإن لم يرد إلا محاكاة أسلوبهم إلا أن ذلك مؤديه حتما إلى محاكاة أفكارهم، ومن ثم التقليد والمحافظة والأعجام الذين دخلوا في اللسان العربي انكبوا كذلك على دراسة المتقدمين وانصرفوا إلى محاكاتهم تقويما لعربيتهم وطلبا لأسرار اللغة وقواعدها؛ ولا يخفى أن كثيرا من أقطاب الأدب المتأخرين كانوا من هؤلاء الأعجام المستعربين، فكان تأثيرهم في الأدب تأثير محافظة وتقليد ونظر إلى القديم وقد تزايد تبجيل كل ما ورد عن المتقدمين حتى قارب منزلة التقديس وإن قام من الأدباء من ينكره ويثبت الفضل للمتأخرين، وكان من آثار هذا التقديس وهذه المحاكاة الدائبة ما نرى في الأدب العربي دون غيره من الآداب من ظواهر بتراء ليست من التعبير عن الواقع ولا من الابتكار في شيء: كالغزل الاستهلالي، وذكر الإبل والحداء والبيد، ومعارضة القصائد المشهورة بمماثلاتها في الغرض والوزن والقافية

стр. 9091

وهناك بابان من أبواب الشعر كان مجرد بقائهما عامل تقليد ومحافظة في الأدب: هما المدح والهجاء المتكلفان طلبا لصلات الممدوح أو لهبات خصم المهجو، فقد كان الشاعر مثلا يمدح قائد الخليفة أو وزيره مادام مرضيا عنه، فان نكب تقرب الشاعر إلى الخليفة بذمه؛ وقد كان أكثر المدح والهجاء من هذا النوع المتكلف المستمنح، وما لم يصدره الشاعر عن شعور حقيقي فسبيله فيه أن يحاكي ويأخذ ممن تقدم نقصا وزيادة وتخريجا وتوليدا، لذلك ظلت معاني المدح والهجاء وتشبيهاتهما في مختلف العصور تحوم حول أقوال المتقدمين، وأثر هذا جلى في جمود الأدب وتقيده بالقديم بدل اتجاهه إلى مناح جديدة ثم هناك عامل كبير بين عوامل محافظة الأدب العربي، هو اعتزال ذلك الأدب غيره من الآداب، فالأدب ككل كائن حي يجمد ويتضاءل إذا لم يتصل بغيره، فتتجاوب الاحساسات والأفكار، وقد كان من أكبر عوامل رقي الأدب الإنجليزي وتطوره اتصاله بالآداب المعاصرة ورجوه إلى الآداب الكلاسية، أما الأدب العربي فلم يكن له مرجع عدا ماضيه، فظل دائما ينظر إلى الخلف بدل أن ينظر إلى الأمام، ولو استفاد من الأدب الإغريقي مثلا لكان له تاريخ غير تاريخه المعروف كل هذه عوامل سياسية واجتماعية وأدبية أدت إلى ضعف رغبة التجديد واستفحال نزعة التقليد في الأدب العربي، ومن ثم ظل طوال العصور يردد ألحانا بعينها حتى بلغ ما يمكن أن يبلغه مثله من الرقي، ثم انحدر في طور تدهوره الطويل، وكان من أكبر عوامل هذا التدهور تغلب نزعة التقليد فيه على نزعة التطور. فخري أبو السعود

стр. 9092

إلى الشباب الناهض الأدب الاهي. . . للأستاذ محمد روحي فيصل قال صاحبي: (والأدب لو تدبرت متعة تلهو بها النفوس، ولذة تنشط لها العقول، وفن جميل نقرؤه فتبرز الأحلام، وتتدافع الخواطر، وتخف الحياة، ثم نخلص إلى عالم حلو لا تجثم عليه أثقال السعي والعيش، ولا تحده قيود الجد والوقار. .) وسكت هامسا قد انفجرت عيناه الصغيرتان تستطلعان في وجهي أثر الحديث، وتتبينان ما عسى أن أقول، فراعه أن أجمع الأنف وأزوي اللحظ وأقطب ما بين الحاجبين، ثم أقوم هادئا إلى مكتبتي المتواضعة فأنزع منها رسالة في مائة صفحة قد ألفت النظر إليها والإنعام فيها منذ سنوات، فما أتركها إلا لنوم أو طعام، أو شأن من شؤون الدنيا. وشرعت أتلو على صاحبي صفحة موجزة ليست جديدة في روحها ومعناها لدى القراء، ولكنها جديدة طريفة في عيني، أريد أن أذيعها اليوم في الناس ليتدبروها وليروا الرأي الذي يرتئون فيها فافتح إن شئت أية مجلة عربية، فانك لا شك واجدها قد جردت كثيرا من صفحاتها للشعر، أو للشعر المنثور، أو لغير هذا من القطع الفنية مما يسمونه أدبا، وما هو من الأدب الصادق الصحيح في شيء! والظاهر أن اعتبار الأدب وسيلة للتعابث والمفاكهة، أو للتظرف والمنادمة، هو علة هذا الهراء والهذيان، وسبب قوي لكل ما يعتري الآداب والفنون من انحطاط وإسفاف، وما يتدسس إليها من ألوان المجانة وفضول الكلام. ونحن في هذه العجالة إنما نبغي تبيان أوجه الخطأ في هذه النظرة اللاهية الهازلة، والكشف عن عقمها وفسادها، وعن نتائجها الخطيرة التي تقتل في الأدب روح الجد والصدق والطبع وقبل أن نخوض في هذا الحديث الذي يستشرف له القلم اليوم نقرر أن النهضات القومية التي تحدو بالأمم في مدارج العظمة والمجد، وتنفث في الشعوب معنى القوة والاستقلال، لا تطلع عليها إلا إثر النهضات الأدبية التي تهتاج فيها النفوس، ويتيقظ الشعور، وتلتهب العواطف، ويتحرك الكامن من الهواجس والأماني، فيكون الأدب بمثابة ناقوس يهيب بالركب الغافي إلى المسير والعمل. فهذه ألمانيا لم يستطع بسمارك تأليف وحدتها وضم

стр. 9093

دويلاتها بعضها إلى بعض إلا بعد أن تذوق الألمانيون آثار جوت وشيلر وهيني وليسنغ وهردر. وهذه فرنسا ما نهضت في الثورة الكبرى إلا بعد أن شاعت بين أبنائها مؤلفات روسو وفولتير ومونتسكيو. وشبيه بذلك إنجلترا في القرن السابع عشر يوم هبت للحياة العالية وللفتح والسيادة، فقد كان شكسبير وغير شكسبير نشروا قبل ذلك في الأمة الإنجليزية أرواحهم الحية ونفثاتهم القدسية هذا ما تستفيده الجماعات من الأدب؛ ولعل ما يعود منه على الفرد أجل وأرفع، ذلك بأن الأدب باب كبير من أبواب السعادة، وطريق ناعم ناضر تشم من جوانبه روائح الورد، وتمتع باصريتك في مسالكه بأكمام الزهور، وتتسمع في أجوائه إلى أناشيد البلابل الثائرة الخافقة. انك بالأدب تحيا حياة طيبة راضية، تحيا حياة موسعة (مضاعفة) تحسها في أعماق قلبك، وفي رجع شهيقك وزفيرك! إن العطف والألفة قوام الهيئة الإنسانية، فلا ينعم امرؤ بالانفراد ولا يهنأ بالوحدة، وأحسب لو أن الناس جميعا كانوا فجرة خسرة لا يجوز منهم إلى جنة الله غير رجل واحد لكان هذا الرجل الصالح أنكد حظا وأسوا مقاما ممن هم على النار يتقلبون! كأني أراه في جنبات الفردوس وعلى ضفاف الأنهار يمشي على غير هدى وإلى غير غاية حتى تبلى قدماه، وينظر إلى أفاويق النعيم وألوان الجمال فتبدو له كئيبة محزونة، ثم يرتمي في الجحيم الصالي يفضله على هذا النعيم الذي لا يرى فيه من يقول له: ما أرغده! ويحب ذو النعمة الحسد، ولو نزع من الصدور لاشتراه وفرقه على الناس مجانا ليحسدوه على ما به من نعمة! ويرتاح العاشق إلى من يتحدث إليه عن فرحة حبيبة وغضبة عذولة. . . فالسعادة كما ترى لا تتم حتى تستجلي مثالها في المرآة، والإنسان لا يطرب حقا إلا إذا رأى كلا م النفس مسطورا على قطعة من طرس فما دام التعاطف عماد الحياة فلن يوجد بغير تعبير، لأن الحياة لا يمكن أن تكون بغير أدب؛ تصور أمة تتملى في نفسها شعورا ساميا: هذا تطمح آماله إلى السيادة، وهذا يدفعه حب الخطر إلى جوب البحار ومجاهل الأرض، وذاك تترع قلبه بهجة الجمال وفتنة الحسن؛ تصور أمة تجيش في نفوس أبنائها مختلف الميول والأهواء ملحة قاسية، مكتظة دافقة؛ أفتستطيع أن تتمثلها حريبة من الأدب؟ أما أنا فلست أعرف أمة حية لم يكن لها أدب

стр. 9094

جميل؛ فان أمة لا تعرف الشعور مكتوبا لا تعرفه محسوسا فالأدب كما ترى ليس حلية تزين بها الأمة جيدها، وليس هو ألهية من الألاهي كما يزعم الأستاذ شفيق جبري لأنه لو كان كذلك لانتظم في سمط الكماليات، والأدب إنما هو ضرورة من ضرورات الحياة، وشرط لازم لها، لا يمكن تخيلها ولا تكمل سعادتها بدونه ما ينبغي أن يكون الأدب ألهية من الألاهي نعبث بها على ما تقتضيه المآرب وترتضيه الأهواء، فان الشر كل الشر في هذه النظرة الخاطئة، ذلك بأن الألهية تصدفنا عن جليل الحياة وعظيمها، وتدفعنا إلى عالم البطالة نلهو ونعبث؛ فإذا نحن رحنا نصور ذلك ظفرنا بما لا خطر فيه ولا قيمة له، ونكون كمن فاز بالقبض على الريح. واعتبار الأدب ألهية يهيب بالمتأدب إلى أن يتحرر من ربقة الجد واللمحة الصادقة، فيهذي لغوا تقرؤه العقول في ساع كلالها وفتورها، أو يستمع الناس إليه كما يستمع الوالدان إلى ولدهما المحبوب وهو يلثغ بالألفاظ والكلمات، فإذا كذب أو أخطأ أو مسخ الحقيقة أو شوه الفضيلة غفر له ذلك ولعل في النظر إلى الأدب كألهية مدعاة إلى التزويق في البيان، والإكثار من المحسنات البديعية من جناس وتورية وطي ونشر، فينعدم الطبع ويغدو الشعر مجموعة من الألاعيب اللفظية والتهريج الكلامي. والحق أننا بلغنا في هذا غاية ننكرها ونأسف لها، فنحن ما نزال نخطئ في تقديرنا للشعر، وفهمنا للمعاني، ونقدنا لفنون القول والبيان، وما نزال بسطاء سذجا تخدعنا البهرجة الكاذبة والطلاوة العابثة، وتفتتنا الألاعيب اللفظية والأناقة الكلامية، وترانا على ثقافتنا وجلال نهضتنا نجهل كل الجهل مقاييس الأدب الصحيحة، وحدود الجودة والرداءة، ومواطن الجمال والدمامة، نستحسن ما تغثى منه النفس وما هو حقيق بالنبذ والإهمال، ثم نستقبح ما قد يكون في الذروة من البلاغة الرائعة! فما أحوجنا إلى إصلاح هذه النظرة العقيمة التي نزن بها الآثار الفنية، وتصحيح الذوق الأدبي المقلوب! وما أفقرنا إلى من يأخذ بأيدينا إلى النماذج الحية فيدلنا على قوتها وحسن تمثيلها، وإلى السخافة المرذولة فيرينا وجه ضعفها وعبثها! وعندي أن كل إنتاج في الأدب لم يبدأ بهذا الإصلاح على هذا النحو فإنما هو محاولة فاشلة فائلة، ومضيعة للجهود المبذولة في غير طائل. . .

стр. 9095

لقد كنا إلى عهد قريب أمواتا نرتدي معالم الأحياء، أمواتا في حسنا وشعورنا وتفكيرنا، أمواتا في أهدافنا ومثلنا العليا، أمواتا في نظمنا ومراقفنا الاجتماعية، أمواتا في كل شيء لا يسمع لنا نبض ولا خفق حياة. كنا أحياء نعيش في العدم أو يعيش العدم فينا، كأن الغيب الجليل الهازل قد قذفنا من جوفه جثثا هامدة تغدو من المهد في لحد ومن اللحد في مهد! فأنت، إذ تدرس الأدب العربي في هذه الفترة الغافلة من الزمان التي دامت ما يقرب ألف عام، لا تجد أثرا لما يعتلج في النفوس الخافقة من ضروب العواطف وشتى الانفعالات، وما يجري في الهواجس من الأحلام والأوهام، وما ينتاب الضمائر من قلق أو يأس أو ألم، وإنما تلفي أدبا فارغا أجوف يفيض بالإحساس المعكوس والإسفاف المخل والصناعة البديعية أو التدجيل الذي يعتمد على الطباق والجناس والمقابلة وما إليها! وحسبك أن تقرأ شعر أبن نباتة وأبن معتوق والحلي لتلم بطرف من شعر اللفظ البالي الهزيل الذي يحبس المعاني المشبوبة في أضيق الآفاق! ثم اتصلنا بالغرب في يوم إسماعيل وبعده، وكان اتصالا وثيقا تناول بالتغيير بعضا من العادات والأوضاع المعيشية، وكثيرا من طرائق التفكير والتعليم؛ وكان للآداب من هذا التطور نصيب وافر، فإن المتأدبين الذين درسوا في معاهد أوربا عادوا إلى ديارهم بعد ذلك يحملون رؤوسا وقلوبا غير التي كانوا يحملون، ذلك بأنهم تذوقوا أشتاتا من الأدب الحي، وبلوا شخصيات من الشعر متمايزة، وفقهوا أساليب النقد الحديث، ولما أرادوا القيام برسالة (الحياة) شرعوا في الهدم وإزالة الأنقاض وتنبيه الأمة إلى مواطن النقص والهزل والكذب هذا جماع ما يعتري الأدب في اعتباره ملهاة وتسلية؛ ولو أننا شئنا التمثيل لأتينا بهذا الغرض الوضيع الذي يكاد يكون كله غلوا وعبثا، ذلك هو المدح، ومن البديهي أن يكثر فيه الغلو البشع لأن الممدوح ليس يرضى إلا إذا خلعت عليه صورة ترفع من قدره وتعظم من شأنه، ولأن المادح إنما جل همه التكسب والاستجداء. فلا بد إذن من المبالغة والكذب في الإحساس والتوشية المموهة، ولذلك كان المدح من أنواع الأدب الرخيص وإنما الأدب العالي الرفيع تصوير لما يتردد في أطواء النفس من النزعات والمشاعر، وترجمة لما يجول في الخاطر من الهواجس والأحلام، أو لغير هذا من صروف الحياة وأحداثها - يرسم الشاعر ذلك كله لا هازلا ولا عابثا وإنما جادا كل الجد، صادقا تمام

стр. 9096

الصدق مخلصا أوفي الإخلاص! ارجع إلى نفسك حين تكتب، فخذ عنها واستوحها، وليكن لك من صدق إحساسك ودقة تأملك وصفاء بصيرتك ما تكشف به عن ألوان الحياة النامية الزاخرة التي تسعى في تلافيف قلبك وثنايا ضلوعك بحيث تجد لها صورتين: أولاهما في الضمير وأخراهما على القرطاس. فلن يكون الأدب أدبا إلا إذا صدر عن صاحبه كما تصدر الزفرة عن فؤاد المصدور والدمعة عن عين المحزون؛ وإذا بهرك أن الشاعر أو الكاتب يبدع في التصوير ويسمو في البيان فينبغي أن تؤمن أن الرجل إنما يذيب من لحمه وعصبه، ويريق من مائه ودمه في سبيل الفن والأدب! والاستحسان إنما يجب أن يكون في إطار هذا الأدب السامي الرفيع يرسله المبين لا خادعا ولا مشعوذا وإنما مصورا مشاعره البينة النيرة ونزواته الخفية المكبوتة. فأنا إذ أنقد أنظر إلى إحساس الشاعر هل كان نافذا عميقا؟ وإلى نظرته هل كانت عامة شاملة؟ ثم إلى تعبيره هل كان فيه مجيدا موفقا؟ فإذا تبين لي هذا كله على نحو ما أريد استحسنت وفضلت، وأنا محق فخور في استحساني وتفضيلي. وقد يكون من الخير أن نضرب لذلك مثلا نوضح فيه هذا الذي نزعم، فقد تغني الأمثلة عن تقرير القواعد النظرية والشروح المستفيضة ما اختلف عربي إلى جامع بني أمية في الشام إلا أخذته حالة نفسية خاصة ببقايا المجد والعظمة، يحسبها في أطوائه غامضة مبهمة، كئيبة متحسرة! فإن كان مبينا فصيحا وشاء نشرها وتوضيحها لم يزد على قول أمير الشعراء: مررتُ بالمسجد المحزون أسأله … هل في المصلى أو المحراب مروان تغير المسجد المحزون واختلفت … على المنابر أحرار وعبدان فلا الأذان أذان في منارته … إذا تعالى ولا الآذان آذان! هذه أبيات صادقة لا تمويه فيها ولا تضليل، نظمها الشاعر في قالب رائع جميل، ولعل في بسط الحزن على المسجد ما يضاعف هذه الروعة التي لا تلمحها في الكلمات منفردة، وإنما تلحظها منبثقة من خلال الاتساق والانسجام. إنه ليحلو لي هذا التساؤل عن مروان، وهذا الترجيع للمحزون فاقبع في مكاني هامسا في خفوت (وا حسرتاه على شوقي!) ولنتأمل - في روية وإنعام - صورة هذا العزيز المهان التي يعرضها علينا شوقي:

стр. 9097

بنت فرعون في السلاسل تمشي … أزعج الدهرَ عريُها والجفاءُ وأبوها العظيم ينظر لما … رُدِّيت مثلما تُردى الأماءُ أُعطيتْ جرة وقيل إليك النهـ - ر قومي كما تقوم النساءُ فمشت تظهر الأباء وتحمي الدمـ - عَ أن تَسترقه الضراءُ فبكى رحمة وما كان من يبـ - كي، ولكنما أراد الوفاءُ! ما أريد أن أتناول هذه الصورة الشعرية الرائعة بالتحليل أبين مواضع قوتها وجمالها، فأنني إن لمستُها أخشى تشويهها والحط من شأنها، فحسبي وحسب القارئ تلاوتها في هدوء نتملى معا حلاوتها ونستشعر نضارتها. . إنما أطلب في رفق ولين، إلى الشباب الناهض، أن ينظر الأدب بعين الجد والصدق حتى ينتج مثل إنتاج شوقي الخالد حمص (سورية) محمد روحي فيصل

стр. 9098

للأدب والتاريخ ٣ - الرافعي بقلم تلميذه وصديقه الأستاذ محمد سعيد العريان تتمة أيمانه: والرافعي رجل مؤمن إيمان فكر وعقيدة، تشرق قلبه وعقله حقائق هذا الدين، فهي كأنما تأتيه تلتمس في كتابته وشعره حياة تكون بها في الناس معنى يقدرون على فهمه، إذ لا يستطيعون أن يفهموه بأنفسهم، فمن ثم تراه حين يكتب عن الدين يتدفق تدفق البحر، وتتدافع معانيه تدافع الموج، وتزدحم أفكاره ازدحام اللجة؛ ومن هنا تغمض معانيه على بعض من لم تشرق حقائق هذا الدين على روحه وفكره وما سهل أن تجد كاتبا غير الرافعي يكتب بهذا الأسلوب في هذه المعاني؛ فأنك لترى إيمان أكثر من تعرف، فكرة يستبد بها العقل المتقلب، فهو إيمان متقلقل يتنازعه الشك، لا يأخذ ولا يدع إلا بحذر؛ أو تراه إيمان عقيدة موروثة تستبد بصاحبها استبداد الجهل والتقليد، فهو إيمان جامد، لا يأخذ ولا يدع إلا ما أريد على أن يأخذ وأن يدع. وقلما تجد غير هذين من يؤمن إيمان الفكر والعقيدة معا؛ ولو قد وجد من يؤمن هذا الأيمان، لرأيت الإسلام ينبعث اليوم كأوله، ولعادت المعجزة الإسلامية تكتب فصلا جديدا في تاريخ الإنسانية والرافعي بأيمانه ذاك ينقاد للمقدور انقياد الطاعة، واثقا أن لا مفر للإنسان مما قدر عليه؛ فلا تراه يتبرم أو يتسخط لشيء يناله، وتسمعه يقول: (جئنا إلى هذه الحياة غير مخيرين، ونذهب غير مخيرين، إن طوعا وإن كرها؛ فمد يدك بالرضى والمتابعة للأقدار أو انزعها إن شئت، فأنك على الطاعة ما أنت على الكره، وعلى الرضى ما أنت على الغضب؛ ولن تعرف في مذاهب القدر، إذا أنت أقبلت أو أدبرت أي وجهيك هو الوجه؛ فقد تكون مقبلا والمنفعة من ورائك، أو مدبرا والمنفعة أمامك، والقدر مع ذلك يرمي بك في الجهتين أيهما شاء. وحري يمن يوقن أنه لم يولد بذاته، ألا يشك في أنه لم يولد لذاته، وإنما هي الغاية

стр. 9099

المقدورة المتعينة، فلا الخلق يتركونك لنفسك، ولا الخالق تارك نفسك لك. . .) فمن ثم ترى الرافعي دائما يحسن الظن بالغد ويراه خير أيامه، فهو يحاول أن يجعل من كل ألم يناله لذة يشعر بها نفسه، ومن كل فادحة تنزل به خيرا يترقبه ويهيئ له، وهو يفصح عن ذلك المعنى في مقالاته: سمو الفقر، وحديث قطين، وبين خروفين، والانتحار، وكتاب المساكين، أدق إفصاح وأبلغه ولعل أحدا لا يعرف أن الرافعي لا يرى في تلك العلة التي أودت بسمعه وهو غلام بعد، إلا نعمة هيأته لهذا النبوغ العقلي الذي يملي به في تاريخ الأدب فصلا لم يكتب مثله في العربية منذ قرون. ولا شيء غير الإيمان بحكمة القدر وقانون التعويض، يجعل الإنسان أقوى على مكافحة أحداث الزمن، فلا تأخذ منه النوازل بقدر ما تعطيه. . . حياته الخاصة: وبعد، فأنا قد رأيت الرافعي يكتب، وجالسته وهو يفكر، وجلست إليه ليملي علي، وصحبته في غدواته وروحاته، وأشركني في مطالعاته، وأخذ مني وأعطاني؛ فمن حق العربية علي أن أصف بعض ما أستطيع مما رأيت وحياة الرافعي بسيطة كل البساطة؛ فهو في أشيائه بعيد كل البعد عن التأنق، ولا يعتد بالعرف اعتدادا كبيرا. تراه في الديوان، وفي البيت، وفي الشارع، وفي القهوة - رجلا كبعض من تعرف. ولو أنك ذهبت إليه في الديوان، ورأيته جالسا إلى مكتبه، يوقع على هذه الورقة، ويراجع تلك الحسبة، ويحادث الناس ويحادثونه. . . لشككت أن يكون هذا هو الرافعي؛ وقد يميز مكتبه عن مكاتب غيره من الموظفين بضع صحف مركومة إلى جانب، أو كتاب جديد مستند إلى كتاب، على أنه في عمله معروف بشدته وعنفوانه، وكثرة دلاله أيضا. . .! وفي البيت قلما تجد الرافعي إلا جالسا إلى مكتبه مطالعا أو كاتبا، وتكاد غرفة كتبه أن تكون كل نصيبه من الدار. . . وله صبرا عجيب على العمل؛ فهو حين يجلس للمطالعة قد يظل ثماني ساعات لا يزايل موضعه. ولا يسهر خارج الدار عادة إلا ليلة أو ليلتين في الأسبوع، وسائر لياليه عمل مستمر في الكتابة أو المطالعة؛ ويندر أن يأوي إلى فراشه ليلة قبل الثانية عشرة؛ وقد كان له عناية كبيرة بالرياضة البدنية إلى عهد قريب، وهو يحاول

стр. 9100

معظم تمرينات (صاندو) الرياضي المشهور؛ وترى صورته قريبة من مكتبه، إلى جانب صورة محمد عبده، وجمال الدين، و. . . وملكة الجمال التركية كريمان هانم خالص. . .! وهو لأولاده أخ أكبر، لا يدخل أحدهم إليه في مكتبه لأمر إلا داعبه بكلمة عذبة أو إشارة لطيفة، ولكنه قلما يدخل إليه أحد منهم إلا إذا دعاه، لتخلو له جلوته وإذا أراد الرافعي أن يسهر ليلة خارج الدار؛ فليس إلا في السيما أو القهوة، وذهابه إلى السيما عمل أدبي أيضا. . . فهو لا يميل إلا لمشاهدة نوع خاص من الروايات الفنية، يكون له منها مادة وحي. . . وحتى في القهوة لا يريد أن يمضي وقته عبثا؛ فلابد من صحف أو كتب أو مجلات، يمضي بها الوقت، أو يفرغ منها مع الوقت؛ فتراه مكبا على كتابه، وفي يمينه قلم يشير به إشاراته، وفي يساره لي الكركرة، وفمه إلى فمها يبادلها أنفاسا بأنفاس. . . فإذا فرغ من الكتاب ومن الكركرة أقبل على جليسه بحديث عذب، أكثره دعابة وأقله هزل. . . وإذا أردت أن تستمع إلى الجد الهازل، أو الهزل الجاد، فاجلس إلى الرافعي لحظات. . . ولصوته رنة عذبة، كانت حبسة من مرض فعادت لحنا من الموسيقى؛ فأنت تميّز صوته بلهجته ورنينه بين مئات الأصوات. ولو سمعت الرافعي خطيبا لما حسبته هو الواقف أمامك يخطب؛ فإن صوته يعلو ويعلو، ويمتد امتداده في الجهات الأربع، ثم يعود إليك عود الصدى من مكان بعيد، أرن أغن مندفعا متحمسا ينسيك الزمان والمكان والناس، فإذا أنت حيث يريد أن ينقلك. ولكنك مع الأسف قلما تسمعه خطيبا، لأنه يجهد في الخطابة جهدا كبيرا يبلغ منه. فهو لا يخطب إلا حين يدعو نفسه أو يدعوه الموضوع، فيحمل نفسه على ما يكره. . . فإذا دعوته أنت أنكر على نفسه أنه خطيب؛ ومن أين له أن يعرف. . .؟ وفي الرافعي كثير من الاعتداد بالنفس بقدر ما فيه من التواضع، ولا أحسب أحدا يؤمن باجتماع هاتين الصفتين فيه من جلسة واحدة، فقد يستقبلك لأول ما يعرفك بدعابة أو نادرة، أو ينصرف عنك إلى كتابه، أو يقبل عليك في صمت وأنت تتحدث إليه، أو يأخذ عليك أشتات الحديث فلا يدع لك أن تتكلم، فتنصرف وما عرفت إلا لونا واحدا من أخلاقه. وجلساء الرافعي قليلون على كثرة من يعرفهم ويعرفونه. كيف يكتب؟

стр. 9101

وهو حين يهم أن يكتب، يختار موضوعه، ثم يتركه للفكر يعمل فيه عمله، وللواعية الباطنة أن تهيئ له مادته، ويدعه كذلك وقتا ما، يطول أو يقصر، يقيد في أثنائه خواطره؛ لا تكاد تفلت منه خاطرة؛ وهو في ذلك يستمد من كل شيء مادة وحي، فكأن في الموجود الذي يراه صوتا يسمعه، وكأن لما يسمعه لونا يراه، وكأن في كل شيء شيئا زائدا على حقيقته، يملي عليه معنى أو رأيا أو فكرة فإذا اجتمع له من هذه الخواطر قدر كاف، يأخذ في ترتيبها معنى إلى معنى وجملة إلى جملة، وهذه هي الخطوط من هيكل المقالة ثم يعود إلى هذه الخواطر المرتبة، ينظر فيها، ويزاوج بينها، ويكشف عما وراءها من معان جديدة وفكر جديد؛ ولا يزال هكذا يزاوج ويستولد، ويستنتج من كل معنى معنى، وينفلق له عن كل رأي رأي، حتى تستوي له المقالة فكرة تامة بعضها من بعض، فيكتبها ولا تراه حين يكتب أو يملي ينظر إلى أصول المقالة بقدر ما ينظر في أعماق فكره إلى ما يتصل بمعنى ما يكتب؛ فقد يكون المملى منه صفحة أو صفحتين، فيملي صفحات وصفحات ومذهبه في الكتابة إعطاء العربية أكبر قسط من المعاني؛ فهو لا يكتب الكتابة الصحافية السوقية، لأن الهدف الذي يرمي إليه هو أن يضيف ثروة جديدة إلى اللغة. ولن تجد كاتبا غير الرافعي يجهد جهده فيما يكتب فلا يحاول مرة أن يسخر من قرائه أو يشعوذ عليهم ليملأ فراغا يريد أن يمتلئ وميزة أخرى تراها في كتابة الرافعي، هي أنه لا ينحرف مرة واحدة عن مذهبه في المادة والموضوع، فهو هو منذ كان إلى اليوم، لم يرجع عن رأي رآه، أو يناقض نفسه في منهج ابتدعه، وهذا بعض أسرار الإيمان في هذا الرجل الذي لم يغالط نفسه قط وله فلسفة خاصة به، تعرف فيها طابعه وخلقه ومزاجه، على حين ترى أكثر فلسفة المتفلسفين من أدبائنا مزقا مرقعة من آراء فلان وفلان. . . وإني لأشهد أن هؤلاء أكبر من أي فيلسوف في الأرض، لأنهم وعوا في رءوسهم آراء كل فلاسفة الأرض. . . ثم لم يزيدوا. . .! وحظ الرافعي من لغة العامة كحظه من الفرنسية. . . فأكثر لغته من الكتب، وقد استغنى

стр. 9102

بالاطلاع عن الرواية، وبالقراءة عن المدارسة والاستماع؛ وهو مع ذلك قد يصنع أغاني شعبية بديعة، بالغة الغاية في بلاغة العامية، من دون أن ينحرف في ذلك عن أسلوبه في البيان العربي وطريقته في توليد المعاني؛ ولعل قراء (الرسالة) لم يزالوا يذكرون له (أغنية الزبال!) وتراه إذ يحاول أن يصنع شيئا من ذلك يرجع إليّ ليسألني عن كلمة أو تعبير مما ينطق العامة؛ فأقوم حينئذ منه مقام قاموس العامية. . وهو مع ذلك لا يرى أكثر ما تكتب الصحف إلا عامية راقية. . . فهو يشكو دائما الجو العامي الذي يحوطه، فكيف به لو كان يسمع لغو الناس. . .؟ ومن ثم لا يهم الرافعي أن يكتب إلا حاول جاهدا أن يتخلص من هذا الجو الذي كان فيه، فيرجع إلى بعض كتب العربية يقرأ منها صفحات كما تتفق، ليعيش لحظة قبل الكتابة في بيئة عربية فصيحة اللسان. وخير ما يقرأ في هذا الباب كتابات الجاحظ وابن المقفع. وأحب الكتب إليه من بعد، كتاب الأغاني لأبي الفرج ولكتابة الرافعي جرس موسيقي خاص تتميز به، حتى ما يمليه على عجل بلا إعداد ولا توليد؛ وكثيرا ما يملي بلا إعداد صفحات وصفحات، وقد أملى عليّ مرة مقالاً طويلاً في الرد على بعض الأدباء، استغرق تسعة أعمدة من صحيفة يومية، على حين لم يستغرق إملاؤه ساعات؛ ولعل تعبي في كتابته كان أكثر من تعبه في إملائه. . .! والرافعي على ما يبدع في كتابته، لا يرى ما كتبه يرضيه بعد الفراغ منه بساعات، فهو دائما يطلب الأعلى؛ وهو نوع من التواضع ونوع من الطموح في وقت معاً. . .! ويتهم الرافعي بالغموض أحياناً؛ وليس ثمة غموض فيما يكتب إلا عند من لم يتزود من الأدب الصحيح، أو يتعود قراءة أدب الرافعي؛ على أن كتابته في مجموعها لاتصل إلى نفس قارئها إلا أن يقرأها قراءة الشعر، بعقله وروحه، لا قراءة القصص والروايات، يفتش بعينيه بين السطور عن معنى يسليه، أو حادثة يزجى بها الفراغ. . . ونصيحتي إلى الذين يطلبون التسلية في الأدب، ألا يقرءوا كتب الرافعي، فإنها لن تجدي عليهم شيئا. . .! وقد يطلب إليه الكثير من ناشئة الأدب أن يجعل أدبه أهون مما هو أو أقل دسما، فيأبى أن ينزل إلى ذاك؛ ومذهبه أن يحاول جذب الجمهور إلى أعلى، بدل أن يتدلى هو إلى الجمهور، وأن يكتب ما يرضي الفن لا ما يرضي الناس. على أنه لو أراد الرافعي أن

стр. 9103

ينزل لما استطاع أن ينزل إلا أن يصير شيئا غير الرافعي لأنه على مقدار عمق الفكرة، يكون عمق الصورة اللغوية التي تتأدى بها، ولن يستطيع كاتب من الكتاب - فيما أرى - أن يرضي الفن ويرضي الجمهور في وقت واحد، حتى لو كان يكتب بلغة العامة، فان الكتابة لغة وفكر، أفتراه أن كتب بلغة العامة، يكتب أيضا بأفكار العامة. . .؟ وقد أخذ الرافعي منذ أكثر من عام يكتب في (الرسالة) نوعا أحسبه جديدا في الأدب العربي، جمع إلى الرافعي طائفة من القراء لم يكونوا يقرؤون له، وعرفه إلى الذين لم يكونوا يعرفونه إلا من خلال ما يكتب عنه خصومه. ولا أدل على قيمة هذه المقالات، من ترجمة بعضها إلى غير العربية، على ما في ترجمة كتابة الرافعي من عنف ومشقة! وأذكر أن بعض المستشرقين في الألمان يعنى بوضع كتاب بالإنجليزية عن (زعماء الأدب العربي الحديث) بمعاونة الأستاذ طاهر الخميري المغربي، وقد وضع الجزء الأول منه عن خمسة من كبار كتابنا، فلما قرأ مقالات الأستاذ الرافعي في (الرسالة)، كتب إليه منذ قريب رسالة طويلة يثني عليه ثناء بالغا، ويعده بأن يصحح أغلاطه في الجزء الثاني من الكتاب. . . .! الرافعي القصصي: لم يكن الأستاذ الرافعي معروفا بكتابة القصة، حتى جاءت قصصه في (الرسالة) برهانا على نوع جديد من عبقريته، وهو يروي أكثرها عن السلف من الأئمة والخلفاء، فما منزلة هذه القصص من الحقائق التاريخية؟. . . هذا سؤال أحسب الكثير من القراء ينتظر الجواب عنه؛ ذلك لأن كثيرا منهم لا يرى للرافعي فيها يدا إلا أن يجليها لوقتها. وأي يد هذه. . .؟ وطريقة الرافعي في كتابة هذا القصص غريبة، فمعظمه لا أساس له من الواقع، أو أن له أساسا لا يلهم هذه القصص الطوال البديعة في خيالها وموضوعها وفنها، وإنما هو يفكر في موضوع الحكمة التي يريد أن يلقيها على ألسنة التاريخ - على طريقته في تأليف مقالاته - فإذا انتهى إلى ذلك تناول كتابا من كتب التراجم الكثيرة بين يديه، فيقرأ منها ما يتفق حتى يعثر باسم ما، فيدرس تاريخه، وبيئته، وخلانه، ومجالسه، ثم يصنع من ذلك قصة لا تزيد على سطور، يجعلها كالبدء والختام لموضوعه الذي أعده من قبل، وإنه ليلهم أحيانا

стр. 9104

ويوفق في ذلك توفيقا عجيبا، حتى تأتي القصة وكأنها بنت التاريخ، وما للتاريخ فيها إلا سطور، أو إلا أسماء الرجال. . . . على أن وجه الإبداع في ذلك، هو قدرة الرافعي على أن يعيش بخياله في كل عصور التاريخ، فيحس إحساسه ويتكلم بلسان أهله، حتى لا يشك من يقرؤها في أنها كلها صحيحة من الألف إلى الياء. . . . فليزدنا الرافعي من هذا الباب ليعرف دعاة الجديد أي رجل هو من رجالات العربية، وما أشك أن هذا النوع من الأدب سيكون له فصل بعنوانه في تاريخ الأدب الحديث أراني قد أطلت وما استوفيت، على أني ما قصدت إلى دراسة الرافعي، وإنما هو إلمام سريع ببعض جوانبه، على مقدار ما يتهيأ في الذاكرة من الخواطر لوقتها، فمعذرة، وإلى اللقاء بعد جمام. . . (طنطا) محمد سعيد العريان

стр. 9105

دراسات في الأدب الإنكليزي ٢ - وليم وردزورث بقلم جريس القسوس المتاخمون - وعلى أثر هذه الهبة أخلد وردزورث إلى السكينة في بيته الجديد في (راسيدوم لودج) في مقاطعة دور تشاير منقطعا عن العالم وعاكفا على المطالعة والإنتاج، وفي بيته هذا نظم مأساته الشعرية المشهورة (المتاخمون)، وقد ضمنها خلاصة عقيدته التي أقتبسها من (وليم فودون) وفيها يدعو إلى حل الشرائع والسنن الاجتماعية وهدم الفروق بين الطبقات البشرية والمناداة بتأسيس هيئة اجتماعية جديدة شعارها المساواة والديمقراطية، أما تأسيسا فعن طريق الدعاية والجدل، لا عن طريق العنف والشدة كما كان يؤمن في بدء حياته. ولعل هذه الفلسفة أقرب ما تكون لمبدأ الشيوعية الجديدة. بيد أن وردزورث لم يطل تمسكه بهذه العقيدة بل نبذها حالما تحقق صعوبة نجاحها وتنفيذها كولردج ووردزورث كان كولدرج الشاعر الشهير يقطن في بيت قريب من مسكن شاعرنا، فلما علم بوجود ناظم (المقطعات الوصفية) في جواره رأي أن يزوره. ولما التقيا كان أول ما فعلاه أن تبادلا قراءة منظوماتهما وخصوصا (الكوخ المتهدم) أو (مرغريت) وقد ضمت مؤخرا إلى قصيدته المشهورة (النزهة والمتاخمون لوردزورث ومأساة أوساريا لكولردج ولقد كتبت دوروثي رسالة إلى أحد أصدقائها تقول فيها: (لقد كانت خسارتك عظيمة في عدم مشاهدتك كولردج. إنه لرجل عظيم حقا، ولا ينطق إلا بحديث طلي عذب يشف عن سمو روحه وقوة إدراكه، وإنه لأسود الحاجب صلت الجبين) وعلى أثر زيارة كولردج له كتب عنه يقول: (أنني لأستصغر نفسي إذا ما قورنت به). وفي رسالة له يشير إلى دوروثي بأنها (امرأة حقا، وتتجلى أنوثتها في طبيعتها وفي روحها وعقلها. هي ساذجة الطبع، قوية العاطفة عفيفة النفس، ذات عين ثاقبة دقيقة الكشف والملاحظة). ويقول
следующие страницы →