Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9101–9140 · переход к 9106.
стр. 9101
وهو حين يهم أن يكتب، يختار موضوعه، ثم يتركه للفكر يعمل فيه عمله، وللواعية الباطنة أن تهيئ له مادته، ويدعه كذلك وقتا ما، يطول أو يقصر، يقيد في أثنائه خواطره؛ لا تكاد تفلت منه خاطرة؛ وهو في ذلك يستمد من كل شيء مادة وحي، فكأن في الموجود الذي يراه صوتا يسمعه، وكأن لما يسمعه لونا يراه، وكأن في كل شيء شيئا زائدا على حقيقته، يملي عليه معنى أو رأيا أو فكرة
فإذا اجتمع له من هذه الخواطر قدر كاف، يأخذ في ترتيبها معنى إلى معنى وجملة إلى جملة، وهذه هي الخطوط من هيكل المقالة
ثم يعود إلى هذه الخواطر المرتبة، ينظر فيها، ويزاوج بينها، ويكشف عما وراءها من معان جديدة وفكر جديد؛ ولا يزال هكذا يزاوج ويستولد، ويستنتج من كل معنى معنى، وينفلق له عن كل رأي رأي، حتى تستوي له المقالة فكرة تامة بعضها من بعض، فيكتبها
ولا تراه حين يكتب أو يملي ينظر إلى أصول المقالة بقدر ما ينظر في أعماق فكره إلى ما يتصل بمعنى ما يكتب؛ فقد يكون المملى منه صفحة أو صفحتين، فيملي صفحات وصفحات
ومذهبه في الكتابة إعطاء العربية أكبر قسط من المعاني؛ فهو لا يكتب الكتابة الصحافية السوقية، لأن الهدف الذي يرمي إليه هو أن يضيف ثروة جديدة إلى اللغة. ولن تجد كاتبا غير الرافعي يجهد جهده فيما يكتب فلا يحاول مرة أن يسخر من قرائه أو يشعوذ عليهم ليملأ فراغا يريد أن يمتلئ
وميزة أخرى تراها في كتابة الرافعي، هي أنه لا ينحرف مرة واحدة عن مذهبه في المادة والموضوع، فهو هو منذ كان إلى اليوم، لم يرجع عن رأي رآه، أو يناقض نفسه في منهج ابتدعه، وهذا بعض أسرار الإيمان في هذا الرجل الذي لم يغالط نفسه قط
وله فلسفة خاصة به، تعرف فيها طابعه وخلقه ومزاجه، على حين ترى أكثر فلسفة المتفلسفين من أدبائنا مزقا مرقعة من آراء فلان وفلان. . . وإني لأشهد أن هؤلاء أكبر من أي فيلسوف في الأرض، لأنهم وعوا في رءوسهم آراء كل فلاسفة الأرض. . . ثم لم يزيدوا. . .!
وحظ الرافعي من لغة العامة كحظه من الفرنسية. . . فأكثر لغته من الكتب، وقد استغنى
стр. 9102
بالاطلاع عن الرواية، وبالقراءة عن المدارسة والاستماع؛ وهو مع ذلك قد يصنع أغاني شعبية بديعة، بالغة الغاية في بلاغة العامية، من دون أن ينحرف في ذلك عن أسلوبه في البيان العربي وطريقته في توليد المعاني؛ ولعل قراء (الرسالة) لم يزالوا يذكرون له (أغنية الزبال!) وتراه إذ يحاول أن يصنع شيئا من ذلك يرجع إليّ ليسألني عن كلمة أو تعبير مما ينطق العامة؛ فأقوم حينئذ منه مقام قاموس العامية. .
وهو مع ذلك لا يرى أكثر ما تكتب الصحف إلا عامية راقية. . . فهو يشكو دائما الجو العامي الذي يحوطه، فكيف به لو كان يسمع لغو الناس. . .؟ ومن ثم لا يهم الرافعي أن يكتب إلا حاول جاهدا أن يتخلص من هذا الجو الذي كان فيه، فيرجع إلى بعض كتب العربية يقرأ منها صفحات كما تتفق، ليعيش لحظة قبل الكتابة في بيئة عربية فصيحة اللسان. وخير ما يقرأ في هذا الباب كتابات الجاحظ وابن المقفع. وأحب الكتب إليه من بعد، كتاب الأغاني لأبي الفرج
ولكتابة الرافعي جرس موسيقي خاص تتميز به، حتى ما يمليه على عجل بلا إعداد ولا توليد؛ وكثيرا ما يملي بلا إعداد صفحات وصفحات، وقد أملى عليّ مرة مقالاً طويلاً في الرد على بعض الأدباء، استغرق تسعة أعمدة من صحيفة يومية، على حين لم يستغرق إملاؤه ساعات؛ ولعل تعبي في كتابته كان أكثر من تعبه في إملائه. . .!
والرافعي على ما يبدع في كتابته، لا يرى ما كتبه يرضيه بعد الفراغ منه بساعات، فهو دائما يطلب الأعلى؛ وهو نوع من التواضع ونوع من الطموح في وقت معاً. . .!
ويتهم الرافعي بالغموض أحياناً؛ وليس ثمة غموض فيما يكتب إلا عند من لم يتزود من الأدب الصحيح، أو يتعود قراءة أدب الرافعي؛ على أن كتابته في مجموعها لاتصل إلى نفس قارئها إلا أن يقرأها قراءة الشعر، بعقله وروحه، لا قراءة القصص والروايات، يفتش بعينيه بين السطور عن معنى يسليه، أو حادثة يزجى بها الفراغ. . . ونصيحتي إلى الذين يطلبون التسلية في الأدب، ألا يقرءوا كتب الرافعي، فإنها لن تجدي عليهم شيئا. . .!
وقد يطلب إليه الكثير من ناشئة الأدب أن يجعل أدبه أهون مما هو أو أقل دسما، فيأبى أن ينزل إلى ذاك؛ ومذهبه أن يحاول جذب الجمهور إلى أعلى، بدل أن يتدلى هو إلى الجمهور، وأن يكتب ما يرضي الفن لا ما يرضي الناس. على أنه لو أراد الرافعي أن
стр. 9103
ينزل لما استطاع أن ينزل إلا أن يصير شيئا غير الرافعي لأنه على مقدار عمق الفكرة، يكون عمق الصورة اللغوية التي تتأدى بها، ولن يستطيع كاتب من الكتاب - فيما أرى - أن يرضي الفن ويرضي الجمهور في وقت واحد، حتى لو كان يكتب بلغة العامة، فان الكتابة لغة وفكر، أفتراه أن كتب بلغة العامة، يكتب أيضا بأفكار العامة. . .؟
وقد أخذ الرافعي منذ أكثر من عام يكتب في (الرسالة) نوعا أحسبه جديدا في الأدب العربي، جمع إلى الرافعي طائفة من القراء لم يكونوا يقرؤون له، وعرفه إلى الذين لم يكونوا يعرفونه إلا من خلال ما يكتب عنه خصومه. ولا أدل على قيمة هذه المقالات، من ترجمة بعضها إلى غير العربية، على ما في ترجمة كتابة الرافعي من عنف ومشقة!
وأذكر أن بعض المستشرقين في الألمان يعنى بوضع كتاب بالإنجليزية عن (زعماء الأدب العربي الحديث) بمعاونة الأستاذ طاهر الخميري المغربي، وقد وضع الجزء الأول منه عن خمسة من كبار كتابنا، فلما قرأ مقالات الأستاذ الرافعي في (الرسالة)، كتب إليه منذ قريب رسالة طويلة يثني عليه ثناء بالغا، ويعده بأن يصحح أغلاطه في الجزء الثاني من الكتاب. . . .!
الرافعي القصصي:
لم يكن الأستاذ الرافعي معروفا بكتابة القصة، حتى جاءت قصصه في (الرسالة) برهانا على نوع جديد من عبقريته، وهو يروي أكثرها عن السلف من الأئمة والخلفاء، فما منزلة هذه القصص من الحقائق التاريخية؟. . . هذا سؤال أحسب الكثير من القراء ينتظر الجواب عنه؛ ذلك لأن كثيرا منهم لا يرى للرافعي فيها يدا إلا أن يجليها لوقتها. وأي يد هذه. . .؟
وطريقة الرافعي في كتابة هذا القصص غريبة، فمعظمه لا أساس له من الواقع، أو أن له أساسا لا يلهم هذه القصص الطوال البديعة في خيالها وموضوعها وفنها، وإنما هو يفكر في موضوع الحكمة التي يريد أن يلقيها على ألسنة التاريخ - على طريقته في تأليف مقالاته - فإذا انتهى إلى ذلك تناول كتابا من كتب التراجم الكثيرة بين يديه، فيقرأ منها ما يتفق حتى يعثر باسم ما، فيدرس تاريخه، وبيئته، وخلانه، ومجالسه، ثم يصنع من ذلك قصة لا تزيد على سطور، يجعلها كالبدء والختام لموضوعه الذي أعده من قبل، وإنه ليلهم أحيانا
стр. 9104
ويوفق في ذلك توفيقا عجيبا، حتى تأتي القصة وكأنها بنت التاريخ، وما للتاريخ فيها إلا سطور، أو إلا أسماء الرجال. . . .
على أن وجه الإبداع في ذلك، هو قدرة الرافعي على أن يعيش بخياله في كل عصور التاريخ، فيحس إحساسه ويتكلم بلسان أهله، حتى لا يشك من يقرؤها في أنها كلها صحيحة من الألف إلى الياء. . . .
فليزدنا الرافعي من هذا الباب ليعرف دعاة الجديد أي رجل هو من رجالات العربية، وما أشك أن هذا النوع من الأدب سيكون له فصل بعنوانه في تاريخ الأدب الحديث
أراني قد أطلت وما استوفيت، على أني ما قصدت إلى دراسة الرافعي، وإنما هو إلمام سريع ببعض جوانبه، على مقدار ما يتهيأ في الذاكرة من الخواطر لوقتها، فمعذرة، وإلى اللقاء بعد جمام. . .
(طنطا)
محمد سعيد العريان
стр. 9105
دراسات في الأدب الإنكليزي
٢ - وليم وردزورث
بقلم جريس القسوس
المتاخمون -
وعلى أثر هذه الهبة أخلد وردزورث إلى السكينة في بيته الجديد في (راسيدوم لودج) في مقاطعة دور تشاير منقطعا عن العالم وعاكفا على المطالعة والإنتاج، وفي بيته هذا نظم مأساته الشعرية المشهورة (المتاخمون)، وقد ضمنها خلاصة عقيدته التي أقتبسها من (وليم فودون) وفيها يدعو إلى حل الشرائع والسنن الاجتماعية وهدم الفروق بين الطبقات البشرية والمناداة بتأسيس هيئة اجتماعية جديدة شعارها المساواة والديمقراطية، أما تأسيسا فعن طريق الدعاية والجدل، لا عن طريق العنف والشدة كما كان يؤمن في بدء حياته. ولعل هذه الفلسفة أقرب ما تكون لمبدأ الشيوعية الجديدة. بيد أن وردزورث لم يطل تمسكه بهذه العقيدة بل نبذها حالما تحقق صعوبة نجاحها وتنفيذها
كولردج ووردزورث
كان كولدرج الشاعر الشهير يقطن في بيت قريب من مسكن شاعرنا، فلما علم بوجود ناظم (المقطعات الوصفية) في جواره رأي أن يزوره. ولما التقيا كان أول ما فعلاه أن تبادلا قراءة منظوماتهما وخصوصا (الكوخ المتهدم) أو (مرغريت) وقد ضمت مؤخرا إلى قصيدته المشهورة (النزهة والمتاخمون لوردزورث ومأساة أوساريا لكولردج
ولقد كتبت دوروثي رسالة إلى أحد أصدقائها تقول فيها: (لقد كانت خسارتك عظيمة في عدم مشاهدتك كولردج. إنه لرجل عظيم حقا، ولا ينطق إلا بحديث طلي عذب يشف عن سمو روحه وقوة إدراكه، وإنه لأسود الحاجب صلت الجبين) وعلى أثر زيارة كولردج له كتب عنه يقول: (أنني لأستصغر نفسي إذا ما قورنت به). وفي رسالة له يشير إلى دوروثي بأنها (امرأة حقا، وتتجلى أنوثتها في طبيعتها وفي روحها وعقلها. هي ساذجة الطبع، قوية العاطفة عفيفة النفس، ذات عين ثاقبة دقيقة الكشف والملاحظة). ويقول
стр. 9106
وردزورث عن صديقه كولردج: (لم أر مثيلا بين الرجال)
فلا غرو إذن أن نجد شاعرنا وشقيقته بعد تبادل مثل هذه العواطف مع كولدرج ينزحان إلى قرية صديقهما غب زيارته لهما بشهر. هناك وجد كل منهما له في الآخر مكملا. فبينا كان كولدرج رجل خيال وأحلام، كان وردزورث شاعر الطبيعة والحقيقة. وليس أحوج من المصادقة بين الشعراء إلى التباين في الأهواء والأذواق الأدبية والفنية
وما كاد يستتب أمرهما حتى شرعا في مراسلة (نيو منثلي مقزين)، فساهما في نظم قصة موضوعها (الملاح القديم أما مصدر هذه القصة فهو حلم قصة عليهما أحد الأصدقاء فرأيا أن يحوكاه في قصة شعرية. غير أنهما عدلا عن الاشتراك في نظمها لما لقياه من المشقة في اقتسام مواضيعها الرئيسية. فقد قررا أولا أن ينظم وردزورث الأجزاء التي تتجلى فيها الأشياء والحوادث عادية مألوفة، وأن يقتصر كولردج على ما يعتمد فيه على الخيال الرائع والتصوير الشائق. ولالتباسهما في التمييز ما بين هذين النوعين من الفن آثر كولدرج أن يختص بنظمها وحده، ففعل ذلك بعد أن نظم وردزورث بضعة أبيات منها. ويعزى إلى وردزورث استنباط الطائر الميمون أحد أبطال هذه القصة. أما الفلسفة التي تتضمنها هذه القصة فهي أن يحب الإنسان ما على الأرض على السواء حيوانا كان أو إنسانا أو جمادا، ما دامت كلها من خلقه تعالى
ولقد عزم الشاعران على دراسة اللغة الألمانية والإلمام بثقافتها ذريعة إلى تفهم فلسفتها الغنية. لهذا قررا السفر إلى ألمانيا، بيد أن أحوالهما المادية كانت مضعضعة إلى حد رأيا معه أن يسدا عوزهما عن طريق النشر. لهذا أصدرا في سبتمبر ١٧٩٨ مجلدا جامعا لأشعارهما أسمياه (قصص شعرية غنائية) ولم يكن لكولدرج فيه غير ثلاث قصائد إحداها (الملاح القديم) ولسوء الحظ لم يصادف الكتاب رواجا كبيرا في بدء الأمر، كما يظهر من رسالة بعثت بها سار زوج كولدرج إليهما بعيد سفرهما إلى ألمانيا تقول فيها من ضمن ما كتبته لهما (لم يلق الكتاب الإقبال المرجو)
سافر الشاعران ودوروثي إلى ألمانيا مخلفين زوجة كولدرج وأطفالها في رعاية بول أحد أصدقائهم. وقد رأوا أنهم بانفصالهم يقلون من المحادثة باللغة الإنكليزية ويكثرون من ممارسة اللغة الألمانية، لهذا قصد كولدرج راتزبرج ليقضي هناك بقية الشتاء؛ أما
стр. 9107
وردزورث وشقيقته فآثرا البقاء في مدينة غوسلار حيث نظم قصائده في (الطفولة الإنكليزية). ولم يستفد وردزورث من هذه السياحة بقدر ما استفاده صديقه كولدرج، فقد أصبح كولدرج قادرا على النطق باللغة الألمانية كأبنائها، وعلى أثر رجوعه من ألمانيا ترجم كتاب (ولنشتين) للفيلسوف شيلر. إلا أن إلمام وردزورث اليسير بهذه اللغة لم يكن بعيد الأثر في حياته الأدبية. رجع وردزورث وشقيقته من ألمانيا يحدوهما الشوق والحنين إلى أرض الطفولة، وكان ذلك في ربيع سنة ١٧٩٩، وفي طريقهما عرجا على سوكبرن ليزورا أصدقاءهما آل هتشنسن. وما كاد كولدرج يسمع بذلك حتى لحق بهما إلى سوكبرن في صيف تلك السنة
في إقليم البحيرات مرة ثانية
وفي هذه الزيارة أتيح لوردزورث أن يرود هو وكولردج ودوروثي وبعض الأصدقاء إقليم البحيرات مرة ثانية، وخصوصا مع عصبة كهذه دأبها التأمل، وفي حين اكتملت فيه عقلية وردزورث وأرهف حسه للتشبع من جمال الطبيعة في هذا الإقليم الذي ألفه منذ صباه. وإقليم البحيرات من أجمل البقاع في بلاد الإنكليزي على الإطلاق، وهو يقع على حدود سكوتلندا في مقاطعتي وستمولند وكمبولند حيث ولد شاعرنا. وفيه نحو ست بحيرات متقاربة، تحيط بها جبال شاهقة وتطوقها مناظر طبيعية رائعة. في هذا الإقليم قضى كل من كولدرج وسذي قسما من حياته، وفي هذا المحيط نشأ شاعرنا وترعرع، فلا غرو إذا أمه بعيد رجوعه من ألمانيا. ولاستطابته المقام والعيش في هذه البقعة استأجر فيها بيتا سماه (كوخ الحمامة). وفي القسم الأول من قصيدته (المعتزل صورة رائعة لحياةأولئك الأدباء في ذلك البيت. ولقد ذاع صيت هذا الإقليم واشتهر باشتهار أصحابه الشعراء ورواده الأدباء فأصبح ولا يزال محجة لأهل الأدب والفن يقصدونه من جميع الأقطار الأوربية ليتعرفوا إلى البقعة التي خلدت أسماء شعراء البحيرة وخلدت في أشعارهم. وجعل مؤخرا من بيت وردزورث ورفاقه متحفا أودع فيه كل ما خلفه من آثار تظل تدل عليه وتنطق بنبوغه على مدى الأيام. ولقد وضع وردزورث سنة ١٨١٠ مقدمة لكتاب (مناظر منتخبة من كمبرلند) لولكنسن، وهو وصف بارع لهذه البيئة وسكانها
في تلك البقعة أخذ نجم وردزورث يسطع في سماء الشعر إذ ثم شرع ينظم قصائده الخالدة
стр. 9108
التي تعد فتحا جديدا في الأدب الإنكليزي، كيف لا وقد أتيح له أن يحتك بزهرة الأدباء في ذلك العصر كسر هتشنسون ولامب ودي كونس وسكوت وسر همفري ديفي. فكانت عصبة دأبها البحث والتأمل والتحقيق والإنتاج الأدبي. وكثيرا ما كان يقوم بنزهات قصيرة مصطحبا شقيقته دورثي وأخاه يوحنا، فيرتادون شواطئ البحيرات ويتسلقون الجبال والآكام ويهبطون الوديان والمنعرجات وشاعرنا في تنقلاته هذه كثير التأمل دقيق الملاحظة والاستقراء، فلا يفوته منظر جميل دون أن يصفه، ولا خاطر رقيق إلا ويسجله. في ذلك الإقليم أتم قصائده الكبرى التي تمثل نزعته وتشرح فلسفته، أهمها (المعتزل والفصل الأول من (النزهة (والفاتحة وفي قصائده هذه وفي غيرها من منظومات هذا الأوان تلمح روحا وثابة ونفسا نزاعة مستعصية؛ وسنقول كلمة في (النزهة) و (الفاتحة) عند الكلام على شعره
(يتبع)
جريس القسوس
стр. 9109
حول الفقه الإسلامي
والفقه الروماني
قرأنا في (الرسالة) الثامنة بعد المائة مقالة الأستاذ محسن البرازي، في الرد علينا، فإذا الأستاذ برغم تفوقه على أكثر أقرانه من الشباب الذين درسوا في أوربا بذكاء كان موضع إعجابنا، قد أخطأ فهم كلامنا، فأخذ منه بعضا وترك منه بعضا. وحمل كلامنا ما لا يحمل، وأخذ منه عبارة على غير الوجه الذي وضعناها عليه، ثم لم يدخر وسعا في ردها، ولم يتورع عن أن يسميها زعما لا يمكن لعاقل أن يزعمه، وما لم يمكن للعاقل يمكن للمجنون. . . . فكان الجنون جزاؤنا لأنا لم نذهب إلى الأستاذ فنقرأ له كلمتنا كلها، التي لم يقرأ منها إلا ما فيه الرد علينا، فكان أمرنا معه كما قال المثل الفقهي:
(زَنَّاهُ فَحَّده. . .)
لا يا أستاذ! أنا ما قلت: (إن الفقه الروماني جديد لفقه طائفة من العلماء الخ. . .) وسكت، ولكني أوردت هذه الجملة في معرض الفرض والتقدير، فقلت (وهذه عبارتي بالنص):
(. . . على حين أنه لا يمكن أن يقوم دليل علمي واحد على أن الفقه الإسلامي مأخوذ من الفقه الروماني، (وقد علق على هذه الكلمة أستاذنا الجليل الزيات بالتفريق بين الأخذ والتأثر) إلا إذا كان القرآن مترجما عن لغة الرومان، وكان سيدنا محمد ﷺ رومانيا خرج من أبوين غير عربيين، والذي نقوله، (ولينتبه القراء للذي نقوله) إنه إذا كانت هناك علاقة بين الفقهين (إذا كانت) فإن الفقه الروماني هو المقتبس عن الفقه الإسلامي؛ ودليلنا على ذلك أن الفقه الروماني الحاضر جديد لفقه طائفة من العلماء بعد أن اندثر الفقه الروماني القديم، وهذا الدليل على علاته (تأمل قولنا على علاته) أقوى من دليلهم على دعواهم، فليثبتوا إن استطاعوا أن الفقه الروماني الحاضر هو القديم بذاته، وليأتونا بالأسانيد الصحيحة، والروايات المضبوطة، كما نأتيهم نحن بأسانيد حديثنا، وروايات سنتنا)
هذه هي الجملة، وليس معناها يا سيدي أنا نعتقد بأن الفقه الروماني جديد الخ. . ولم يكن موضوع مقالنا الفقه الروماني، ولكنها كلمة جاءت عرضا، ومعناها أن هذه الدعوى على علاتها (أي مع اعترافنا بان فيها شيئا) أقوى من دليلهم على دعواهم أن الفقه الإسلامي
стр. 9110
مأخوذ من الروماني، أي أن دليلهم ليس بشيء مطلقا، مادام دليلنا على هذه الدعوى الغريبة أصح منه، هذا هو المقصد، وهذا أسلوب من أساليب البيان يفهمه من كان من أهله!
ثم إن هذا كله على فرض أن هناك علاقة بين الفقهين، ووجود العلاقة هو المقدمة المنطقية اللازمة لهذه النتيجة، ونحن ننكر هذه العلاقة، والأستاذ قد أنكرها وبين أنه لا تشابه في أحكام الفقهين في الأحوال الشخصية الخ. . فنحن إذن متفقون على إسقاط هذه النتيجة
ولست أقول هذا الآن، ولكن يقوله كلامي المنشور في (الرسالة) الواحدة والتسعين منذ أربعة أشهر كاملة
فهل يصح للأستاذ أن يقيم القيامة علينا، ويزلزل بنا الأرض، من أجل هذه الكلمة؟. . .
هذا، وغن في مقال الأستاذ شيئا عن الموازنة بين رواية الحديث ونقل الفقه الروماني، قد يفهم منه أن الفقه الروماني أصح سندا، وأثبت نقلا، لأنه - كما يقول الأستاذ - قد دون في عصر جامعه ومصلحه جوستنيان، والحديث إنما شرع في تدوينه بعد زهاء قرن ونصف قرن من تاريخ الهجرة، ولأنه لا دليل على الصحة بعد الوثائق الأثرية، والنسخ المخطوطة القديمة. فنحن ننبه من قد يفهم منه هذا الأمر بأنه باطل وليس بشيء
ونحن نكرر وصية الأستاذ (الشاب) لشبابنا ألا يكونوا أسرى عواطفهم من تعصب للدين والقومية (ونزيد: أو تعصب عليهما)، وكره لأوربة والثقافة الغربية (ونزيد: أو موت في عشقهما) فيسرفوا في القول حتى يجانبوا المنطق
ونسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا أتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه. ونشكر للأستاذ الفاضل جهده وفضله
علي الطنطاوي
стр. 9111
٨ - شاعرنا العالمي
أبو العتاهية
للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
عقيدته الدينية والسياسية: كان لنشأة أبي العتاهية بالكوفة أثر في عقيدته الدينية والسياسية، فقد كانت الكوفة مهد التشيع للعلويين من يوم أن اتخذها علي ﵁ عاصمة خلافته، وآثرها بذلك على المدينة التي كانت عاصمة الخلافة قبله، فنشأ بها أبو العتاهية متشبعا بمذهب الزيدية البترية، لا يتنقص أحدا ولا يرى مع ذلك الخروج على السلطان؛ وكان مجبرا، يقول بالتوحيد، ويزعم أن الله خلق جوهرين متضادين لا من شيء، ثم بنى العالم هذه البنية منهما، وهو حادث العين والصنعة لا محدث له إلا الله تعالى، وسيرد الله كل شيء إلى الجوهرين المتضادين قبل أن تفنى الأعيان جميعا؛ وكان يذهب إلى أن المعارف واقعة بقدر الفكر والاستدلال والبحث طباعا، ويقول بالوعيد وتحريم المكاسب. ولما ظهر الخلاف في خلق القرآن كان ممن يقولون بخلقه، وقد حدث أبو شعيب صاحب أبن أبي دؤاد قال: قلت لأبي العتاهية: القرآن عندك مخلوق أم غير مخلوق؟ فقال: أسألتني عن الله أم عن غير الله؟ قلت عن غير الله، فامسك؛ واعدت عليه فأجابني هذا الجواب حتى فعل ذلك مرارا، فقلت له مالك لا تجيبيني؟ قال: قد أجبتك ولكنك حمار
فهذه هي عقيدة أبي العتاهية لا شيء فيها مما ينسبه إليه بعضهم من الزندقة، وإن كان يخالف فيها المعروف من مذهب الجماعة، ولكن بني العباس كانوا قد نقضوا ما اتفقوا عليه مع بني علي قبل قيام دولتهم، من جعل الأمر شورى بينهم، فاستأثروا به لأنفسهم، وثار بذلك بنو علي عليهم، وتحركت نفوس كثير من العلماء ووجوه الناس لنصرتهم، فلم ير بنو العباس حيلة تنفعهم في ذلك إلا أن يأخذوهم باسم الدين، ليخدعوا به العامة، ويرهبوا به الخاصة، وأحدثوا في ذلك ما لا يعرفه الإسلام من التجسس على الناس في أمور عقائدهم؛ وقد أمر الإسلام أن يؤخذ الناس في ذلك بما يظهر منهم، وأن يترك باطنهم لله تعالى وحده، وإنما السياسة وحدها هي التي أخذت من أخذت في ذلك العهد باسم الزندقة، والدين بريء من هذه الدماء التي سفكت بالشبهة واستبحت بالظنة
فما انتقل أبو العتاهية من الكوفة إلى بغداد، وعرف العباسيون أخذه بالتشيع لأبناء علي،
стр. 9112
حتى أسترابوا به، وأحاطوه بجواسيسهم الذين بثوهم في الناس لإرهابهم بإلصاق تهمة الزندقة بهم، إذا رأوا فيهم ميلا إلى أعدائهم، فعاش أبو العتاهية في بغداد تحوم حوله هذه الشبهة من أجل تلك الغاية السياسية، واغتر بها بعض الناس فطعنوا بها في عقيدته، وهو أبعد الناس من تلك التهمة الشائنة؛ وقد أمكنه مع هذا أن يقوم بتلك الدعاية الشعرية التي فهم العباسيون غرضه السياسي منها، وأنه يقصد محاربة دولتهم بذلك السلاح الذي أعياهم أمره، وجعل يفتح أعين الناس إلى عيوبهم فلا يعرفون كيف يكسرونه من غير أن يفتضح أمرهم، ولم يجدوا إلا أن يداوروا في أمره، ويأخذوا صاحبه بالشدة مرة وباللين أخرى، ويشككوا الناس في أمر عقيدته ليضعف أثر شعره فيهم، ولا يصل إلى ما يريده منهم، فكانت محاربة بارعة من الجانبين، قام فيها الدهاء السياسي مقام السيف، وأدى فيها أبو العتاهية رسالته الشعرية بدون أن يمكن سيف العباسين من رقبته، وعملوا هم على إفساد غايته بدون أن يفضحوا أمرهم أمام الناس بسفك دمه لأنه ينشر فيهم تلك الدعاية المحبوبة، ويحاول إصلاح نفوسهم بالزهد الذي بعدوا عنه كل البعد، وشغفوا بدنيا العباسيين كل الشغف، وإنا نسوق بعد هذا بعض ما كان يلقاه أبو العتاهية في ذلك لنعرف كيف كانوا يتكلفون إلصاق تلك التهمة به
ذكر النسائي عن محمد بن أبي العتاهية أنه كان لأبيه جارة تشرف عليه، فرأته ليلة يقنت فروت عنه أنه يكلم القمر، واتصل الخبر بحمدويه صاحب الزنادقة، فصار إلى منزلها ليلا وأشرف على أبي العتاهية فرآه يصلي، فلم يزل يرقبه حتى قنت وانصرف إلى مضجعه، وانصرف حمدويه خاسئا
ومن من كان يشنع على أبي العتاهية بهذا رجاء بن سلمة ومنصور ابن عمار، وقد حدث العباس بن ميمون عن رجاء قال: سمعت أبا العتاهية يقول: قرأت البارحة عم يتساءلون، ثم قلت قصيدة أحسن منها. قال وقد قيل إن منصور بن عمار شنع عليه بهذا. ولما قص منصور على الناس مجلس البعوضة قال أبو العتاهية إنما سرق منصور هذا الكلام من رجل كوفي، فبلغ قوله منصورا، فقال أبو العتاهية زنديق، أما ترونه لا يذكر في شعره الجنة ولا النار، وإنما يذكر الموت فقط، فبلغ ذلك أبا العتاهية فقال فيه:
يا واعظ الناس قد أصبحت متهماً … إذ عبت منهم أموراً أنت تأتيها
стр. 9113
كالملبس الثوبَ من عرى وعورته … للناس بادية ما إن يُواريها
فأعظم الإثم بعد الشرك نعلمه … في كل نفس عماها عن مساويها
عِرفانُها بعيوب الناس تُبصرها … منهم ولا تبصر العيب الذي فيها
فلم تمض إلا أيام يسيرة حتى مات منصور، فوقف أبو العتاهية على قبره وقال: يغفر الله لك أبا السرى ما كنت رميتني به
وحدث الخليل بن أسد النوشجاني قال: جاءنا أبو العتاهية إلى منزلنا، فقال زعم الناس أني زنديق، والله ما ديني إلا التوحيد، فقلنا له فقل شيئا نتحدث به عنك، فقال:
ألا إننا كلُّنا بائد … وأيُّ بني آدمٍ خالدُ
وبدؤهم كان من ربهم … وكلٌّ إلى ربه عائد
فيا عجبا كيف يُعصي الالـ - هـ أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكة … وفي كل تسكينة شاهد
وفي كل شيء له آية … تدل على أنه الواحد
وحدث محمد بن أبي العتاهية قال: لما قال أبي في عتبة:
كأنما عتبة من حسنها … دُمية قَسٍّ فتنت قَسها
يا رب لو أنسيتنيها بما … في جنة الفردوس لم أنسها
شنع عليه منصور بن عمار بالزندقة، وقال يتهاون بالجنة ويبتذل ذكراها في شعره بمثل هذا التهاون. وشنع عليه أيضا بقوله:
إن المليك رآك أحـ - سن خلقه ورأى جمالك
فحذ بقدرة نفسه … حورَ الجنان على مثلك
وقال أيصور الحور على مثال امرأة آدمية والله لا يحتاج إلى مثال، وأوقع له هذا على ألسنة العامة فلقي منهم بلاء
ولا تخفى سماجة هذا النقد، وأن الدين لا يصل في الحرج على الشعراء إلى هذا الحد، وأين ابن عمار في هذا من عبد الملك بن مروان وقد اجتمع ببابه عمر بن أبي ربيعة وكثير عزة وجميل بثينة، فقال لهم أنشدوني أرق ما قلتم في الغواني، فأنشده جميل:
حلفت يميناً يا بثينة صادقا … فان كنت فيها كاذبا فعميتُ
стр. 9114
إذا كان جلد غير جلدك مني … وباشرني دون الشِّعار شربتُ
ولو أن راق الموت يرْقى جنازتي … بمنطقها في الناطقين حييتُ
وأنشد كثير:
بأبي وأمي أنت من مظلومةٍ … طَبِنَ العدوُّ لها فغير حالها
لو أن عزَّة خاصمت شمس الضحى … في الحسن عند موفق لقضى لها
وسعى إليَّ بصرْم عزة نسوةُ … جعل المليك خدودوهن نعالها
وأنشد ابن أبي ربيعة:
ألا ليت قبري يوم تقضى منيتي … بتلك التي من بين عينيك والفم
وليت طهوري كان ريقك كلَّهُ … وليت حنوطي من مُشاشك والدَّم
ألا ليت أم الفضل كانت قرينتي … هنا أو هنا في جنة أو جهنم
فقال عبد الملك لحاجبه: أعط كل واحد منهم ألفين، وأعط صاحب جهنم عشرة آلاف. ولكن هذا عصر وذاك عصر، والناس في كل عصر دين ملوكهم، وإذا كان العباسيون قد تغالوا في أخذ الناس بالزندقة في عصرهم، فلماذا لا يتغالى ابن عمار وغيره في ذلك أيضا؟
عبد المتعال الصعيدي
стр. 9115
دموعي وصباباتي
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
دموعيَ يا ليلىَ إليك رسائل … أبثّ صباباتي بها أو أحاول
ومن فشلت آماله في حياته … فليس له غير الدموع وسائل
من السَّبْح قد كلًّت يداي وأرجلي … أما لك يا بحر المحبة ساحل
أقول لقلبي يوم مات رجاؤه … عزاَءك يا قلبي فإنك ثاكل
وقد أَتداعى للمنيَّة في غد … كأني جدار ضعضعته الزلازل
على الأرض أيام الشقاء كثيرة … تُمضّ وأيامُ السرور قلائل
تقرّبت يا نفسي من الهُلك بعدما … تكلَّفتِ عمراً أفعمته الغوائل
دنا أنَ تكوني للمنايا فريسة … فلا تجزعي مما بكِ الدهرُ فاعل
ولا تحزني إِمًّا أَلمَّ بكِ الردى … فقبلكِ يا نفسي تردَّت فطاحل
وما قيمةُ القلب الذي تحت أضلعي … فتُنصَبَ أشراكٌ له وحبائل
على الحق قد عَوَّلتَ يا قلب مؤثرا … ومَن لك ألا يزُهِق الحق باطل
ومهما تزدني غيهباً فوق غيهبٍ … فإنك عند الصبح يا ليلُ زائل
إذا كنتَ تستهدي بعقلك وحده … فما أنت في يوم إلى الله واصل
وإن كان إيمان الفتى عن عقيدة … فأضيعُ شيء في الحوار الدلائل
يلومونني في حب ليلى بشدة … ومن حبّ ليلى لي عن النوم شاغل
لقاؤكِ يا ليلى لنفسي لبانةٌ … فأيَّ رقيبٍ بيننا هو حائل
وإن تك روحي هذه ثمناً له … فما أنا بالروح العزيزة باخل
ونفسي إذا فتَّشتِ نفسي وجدتِها … كعصفورة قد هدّدتها الأجادل
ولِلْهَمَّ إمَّا جنّني الليل داجيا … جحافلُ في آثارهن جحافل
إذا كان لي ذنبٌ به تأخذينني … فإني لذاك الذنب بالدمع غاسل
سهامك يا دهرَ الأديبِ كثيرةٌ … وكلّي إذا سدّدتَ سهماً مَقاتل
ويا طيف ليلى أنت أكرم من سرى … إلى مغرمٍ قد أعجزته الوسائل
ويا طيف ليلى أنت في الأرض صنوُها … وأنت لها في كل شيء تماثل
стр. 9116
ويا طيفها مالي شكاةُ من النوى … فإنك في عيني وقلبيَ ماثل
تمُاطلني ليلى إذا هي واعدت … وأنت إذا واعدتني لا تُماطل
وإن بخلت ليلى فإنك محسنٌ … وإن هجرت ليلى فإنك واصل
لقد جعل الدنيا إليّ حبيبةً … هوًى هو في أعماق نفسيَ داخل
لئن كان يا نفسي شديداً بك الصدى … لقد نضبت يا نفس تلك المناهل
وما هذه الدنيا سوى دارِ محنةٍ … قليل بها مَن لم تصبه النوازل
إذا سلم الإنسان من غيظِ أرضهِ … أصابته من صوب السماء القنابل
حياة إذا إِنفَتْ تُزايل أهلَها … وموتٌ إذا استولى فليس يزايل
ولا تحسب الأخرى أقل قساوةً … فأكثرنا منها على النار نازل
أراك تخاف النارَ نارَ جنمٍ … وإنك أنت المؤمن المتُفائل
يقولون شيطانُ القريض موسوسٌ … وهل مصدر الوسواس إلا الخلاخل
وما منتدى الآداب إلا كروضة … محبّبة أبكارها والأصائل
وكل امرئ يصبو لما اختاره ذوقهُ … وفي الروض غربانٌ وفيه عنادل
وللعندليب الزهرُ في الروض باسمُ … وللزهر فيه العندليبُ يُغازِل
وأكبرُ مَن حاك القريضَ هو الذي … يهزّ جماهيراً بما هو قائل
وأكبر منه مَن إذا قال أصبحت … تَنَاقَلُ أقوال الحكيم المحافل
وأكبرُ من هذا وذلك شاعرٌ … عن الحق في نظم القوافي يُناضل
بغداد
جميل صدقي الزهاوي
стр. 9117
العصر الذهبي
للأستاذ عبد الرحمن شكري
مقدمة:
أولع الناس من قديم الزمن بالتفكير في عصر الإنسانية السعيد: عصر الخير العميم الشامل؛ فبعضهم كان ينشده في الزمن القديم ويبكي انقضاءه، وبعضهم ينشده في المقبل من العصور، يدينه رقي الإنسان. وكثيرا ما استخدم شعاره أهل الحرص لنيل أطماعهم، واقتياد الناس لاستثماراتهم واستذلالهم؛ وكثيرا ما علق الأذلاء بكماله حتى إذا تحكموا ساروا على نهج الطغاة؛ وهو مثل عال ولا تحلو حياة الإنسان إلا به؛ ولئن صدق ما يقوله بعض المفكرين الذين يزعمون تحققه نذير الفناء، فمرحبا بالفناء يكون نذيره الخير كله والسعادة الشاملة والمثل العالي، وقد لا يصدق تشاؤمهم!
الناظم
عصرَ السلام تحية وسلام … خلعتْ عليك رجاَءها الأقوام
من كل عصر في نسيجك لحْمَة … أَلأجل صنعك تدلفُ الأعوام
إمَّا دنوت وما عهدتك دانياً … عَفَّى على نقص الأنام تمام
نستقبل الأيام وهي كوالح … مستبشرين إذِ التمام إمام
خالوك في الماضي - ولم تك ماضياً - … إذ زان منه البعد والأوهام
ويرون في غدهم سراباً نائياً … فيطول نحس العيش والإجرام
تتغير المُثُلُ التي شاقتهمُ … تتبدل الآمال والأحلام
حسب الورى من حسن عهدك قدوة … علياء ما إنْ شانها استبهام
ما فاتهم طب الطبيب وإنما … تتباين الأرواح والأفهام
ولَانت في سير النفوس إذا صفت … يدنى إليك البر والإكرام
عطف النفوس على النفوس ولن تُرَى … أبداً ونفس في الأنام تضام
هيهات يكرم فاضلاً ذو خسة … أو يغفر الجاني شآه كرام
استبطأوك وأنت بين جنوبهم … وتَنَظَّروك ودأبك الإلمام
стр. 9118
ورأوك في الدهر البعيد ولو دروا … أنْ لو أرادوا كان منك لِمَام
لرأوا مشيئتهم تشاء ولا تشاء … هاموا وتحسب أنهم ما هاموا
ومن المشيئة ما يجيء فجاءة … ليست تجزئ أمره الأيام
ونأى بهم عن وِرْدِ خيرك أنهم … للحرص حادٍ بينهم وزمام
أمباغتا بالخير بعد تمنع … حب الأنام لعهدك استقدام
ولقد يتوب أخو المجانة بغتة … من بعد عيشِ كله آثام
ويتوب هذا الخلق من شر ومن … إثمٍ فتحمد خَيْرَك الأيامُ
كم فتنة أجحتَ نار جحيمها … شوقاً لعهدك والأنام حُطام
وشعار حق كم غدا أُحْبُولة … أثرى بحقك في الأنام لئام
وإذا العبيد تحكموا في فتنة … ساروا على نهج الظَّلُوم وضاموا
أترى العبيد ببابلٍ وبطيبةٍ … أغرتهمُ بكمالك الآلام
لو أنهم ملكوا لعافوا مسلكا … يدني إليك وطاشت الأحلام
ولطالما حن اليهود لشرعه … ودعا المسيح له ورِيمَ سلام
وتَنَظَّر المهديَّ قوم أمَّلوا … ركباً له يحدو به الإسلام
ثار الفرنس وخيرهم يبغي له … عهداً تدين لشرعه الأحكام
يبكي ويعتنق الغريب مُبَشَّراً … بالشر زال وبالكمال يُشام
ما زال شر - لا - ولم يمهد به … نهجَ السلام الحكمُ والحكام
أنَّى تكون وفي الأنام تفاوتٌ … أُسْدٌ لها في الصاغرين سَوام
عِرٌّ وذو مكر فلست بكائن … حتى تَساَوَى في الأنام الْهَام
فمتى يدين لسُنَّةٍ لك جمعهم … ويراك خيراً شَرُّهم فترام
لا يصدق الكُهّان إن هم أنبأوا … بدوام ما لم يُلْف فيه دوام
كم من عهودٍ كان يحسب أهلها … أنْ زل عنها النقض والإبرام
نَسِىَ الأنام عهودهم فعهودهم … أقصى وأدنى منهمُ الأوهام
فقد الأنام صفاتِ أجداد لهم … وتحولت وتبدلت أجسام
والطبع في غدد الجُسوم فَعَلَّها … يوماً تصح فلا يكون أثاَم
стр. 9119
وتعود من فرط الصفاء حياتهم … ذهبيةً أيامها والعام
خير مَرَى الحرصُ الخسيسُ أقل من … خير لديك تردوه الأحلام
والنحس عدوى ليس يُقصِى شرَّها … إلا التضافر شاده الأقوام
كذبوا فما أبقى التقاتل بينهم … إلا الضعيف وقد قَضَى المقدام
خلفت في سير النفوس مباهجاً … وتجملت بجمالك الأيام
كغناء حادي الركب رَفهَ عنهمُ … نعم النشيد ونعمت الأنغام
حُلُمٌ هو المثل الأجلُّ وإنهم … لولا مثال كمالك الأنعام
ولعل عمر الشر ليس بدائم … ينمو سناك فينمحي الإظلام
قالوا إذا ما جاء خيراً كله … لم يبق خير في الحياة يشام
لولا جهاد في الشرور تعطلت … سبل المكارم واستنام أَنام
إن لم يكن نقص ففيم رجاحة … وبضدها تتميز الأقوام
لا يطعم السعدُ الشَّهِيّ وشُهْدَهُ … من لا ترود فؤادَه الآلام
والوهن يسعى للفناء دنيبه … إن لم يكن حذرٌ وعَمَّ سلام
لغز الحياة وليس يفقه لغزها … بين الأنام مُفَهَّمٌ عَلاَّم
والشر أهون بعضه من بعضه … فاطلب كمالاً كي يقل الذام
أهلاً بغائلة الفناء نذيرها … عهد يَشُوق سلامُه وتمام
إن لم يصح العيش إلا أن ترى … شرع التنافس في الأنام يقام
فعسى التنافس في المحامد ينثني … طبعاً وإن قيل الأنام لئام
يدنوا إذا بطلت ضرورة كائدٍ … يُزْجَي بها رزق له وحطام
إن نال كلٌّ مطمئناً رزقَه … فعلام لؤم للورى وخصام
دِيْنُ التنافس في المكارم ربما … أنماه نصح فيهمُ وحسام
فترى الورى دينَ الورى وصلاحُهم … فرض يدين لشرعه الأقوام
عبد الرحمن شكري
стр. 9120
القصص
من أساطير الإغريق
مأساة أم
للأستاذ دريني خشبة
رآها زيوس تقطف الزهر وتتيه في حدائق السوسن، وتنشد مع البلابل ألحان الشباب، فتنصت الطبيعة وتتفتح آذان الورود، وتحملق نواظر النرجس ترى إلى كليستو الرقيقة رقة النسيم، الحلوة كأنها حلم جميل في أجفان عاشق، الموسيقية التي يستطيل نغمها حتى يبلغ السماء، ويتسع حتى يغمر الكون، فيثوي بكل أذن، ويستقر في كل قلب، ويخفق مع نبضات المحبين، وينسكب ذوبا من دموع المدنفين المعذبين!
رآها زيوس فجن بها! وبالرغم مما أعطى على نفسه من ومواثيق لزوجه حيرا ألا يصبو إلى أنثى غير أزواجه اللائى كن إلى هذه اللحظة ستا أو أكثر من ست، فقد ذهب يقتفي أثر كليستو، ويرهف سمعيه ليملأ بموسيقاها قلبه
كانت تمشي بين صفين من أعواد الزنبق، تنمقهما ورود ورياحين؛ وكانت تنثني وتميس، فيهتز الروض وينتشي الزهر، وكلما ترنمت بأغنية من أغانيها الساحرة، رددت الأزهار والأطيار ما تغنت، كأن كل شيء في تلك الطبيعة الرائعة الفنانة عضو في فرقة كليستو الموسيقية
وجلست تتفيأ ظل خوخة وارفة كانت تداعبها فتساقط عليها من ثمرها الجني، ورطبها الشهي، فتتذوقه كليستو وهي تبتسم
وأسكر النسيم الخمري عينها الساجيتين، فاستسلمت للكرى الطارئ والغفوة العارضة، وتمددت على البساط السندسي ليحسر الهواء عن ساقيها، ولتكون فتنة يضل في تيهها قلب زيوس، وتضرب في بيدائها نفسه. . . على غير هدى!!. . .
وبدا الإله الأكبر أن يرتد فتى موفور الشباب ريان الأهاب؛ ثم يسوق آلهة الأحلام فترقص في أجفان كليستو، تبهرج لها من الرؤى ما يشب في نفسها رغائب الهوى ولذائذ الحب، ويثير فيها حرارة الحياة
стр. 9121
ونام الخبيث إلى جانبها، وطفق يروح على وجهها، ثم نثر ذراعه على جيدها الناهد، وراح يضغط قليلا. . . قليلا
ولقد فعلت الأحلام الحلوة فعلها في قلب كليستو، فلما استيقظت، ووجدت نفسها في حضن هذا الشاب اليافع الجميل، لم تنفر، بل خجلت خجلة زادتها جمالا، وضاعفت سحرها وفتونها؛ وفترت أهدابها فاسترخت، وفنيت في حبيبها المفاجئ. . . وفنى هو الآخر فيها
وجاءها المخاض!
ووضعت غلاما أحلى من القبلة الحارة على الثغر الحبيب، وأعذب من ابتسامة الزهرة طلها الندى
فلما زارها زيوس وبشرت به، اهتز الإله الأكبر وشاعت الكبرياء في أعطافه، وأخذ الغلام فباركه، وطبع على جبينه الوضاح قبلة أولمبية خالدة؛؛ ثم زف إلى كليستو تلك البشرى التي ظل يخفيها عنها طوال حبه لها، وذلك حينما أشار إلى ابنه بيمينه البيضاء هاتفا:
- (بوركت يا أركس! يا أجمل أطفال الأولمب!)
وقد اضطربت الأم الصغيرة حين سمعت هذا الدعاء ونظرت إلى حبيبها كأنها تستريب، وقالت له:
- (أجمل أطفال الأولمب؟ إذن من أنت أيها الحبيب؟)
- (بشرك يا كليستو! فأنا ربك وزوجك وحبيبك زيوس!) ولم يسع كليستو إلا أن تسجد لربها وهي ترتعد من الخوف؛ فقال لها:
- (انهضي! انهضي! ماذا تصنعين يا حبيبة! انهضي فقد رسمت ابننا أركس إلها، فاكفليه حتى يشب، وإياك أن تراكما حيرا فتسحقكما. . .)
وقبل الغلام وقبل الأم،،، وغاب في الأفق. . .
وكانت كليستو أحرص على فتاها من أن تدعه وحده لحظة واحدة، فإذا خرجت للصيد في الغابات القريبة، أقامت عليه حارسين من كلابها الكواسر، يكفي أحدهما لتشتيت شمل جيش بأكمله. وكانت تحمل إليه أثمار اللوز والبندق كلما عادت من الغابة؛ حتى إذا اشتد ساعده، علمته الرماية وألعاب الفروسية، مستعينة بذلك بالسنتور العظيم، شيرون، مؤدب هرقل ومدربه
стр. 9122
وذاعت الأنباء في دولة الأولمب، أن لزيوس خليلة يختلف إليها في الفينة بعد الفينة، وأنه أولدها طفلا بارع الحسن، وسيما قسيما، يكاد يكون في مستقبله هرقل آخر، يضارع هذا الهرقل الهائل، ابن ألكمين، الذي كان يدوخ أبطال العالم في ذلك الوقت. . .
وقد مدت الأرض بحيرا حين علمت هذه الأنباء، لأنها كانت تغار من أزواج زيوس، وتخشى أن تلد إحداهن بطلا يكسف شمس ولديها مارس وفلكان. وكانت الحرب بينها وبين هرقل على أشدها، فكم نثرت في طريقه شوكا، وكم فجرت تحت قدميه ينابيع من نار. أفلا يحزنها إذن أن يبرز لها خصم آخر يغطش حياتها، ويراوحها بالأشجان والآلام!!
وكانت كليستو تصدح في أصيل يوم من أيام الربيع، فتستجيب لها الغابة، ويردد غنائها الطير، ويمشي في إثرها الدوح، وتهتز الأرض والسماء؛ وكانت حيرا قد عرفت أوصافها من شيرون، مدرب فتاها أركس؛ فلما سمعتها تغني، ويمشي وراءها العالم بأسره، عرفت أنها هي!!
وكاد قلب حيرا يصبو إلى كليستو، مسحورا بروعة الغناء، مأخوذا بترجيع البلابل. . . حتى لكانت تخال الورد نفسه يغني معها!! وكادت بذلك تنسى غيظها، بل كادت تنخرط في هذا الحشد الموسيقي الذي يصفق لكليستو ويستجيب لألحانها! ولكن!
لقد ذكرت ابنيها مارس وفلكان، وذكرت يوم صرعهما هرقل في حفل الأولمبياد، حتى لكانا ضحكة كل راء! فنسيت الغناء وأصمت أذنيها، وغرفت من ماء قريب بيديها غرفة جعلت تتمتم عليها بتعاويذ سحرية، ورقى في غيبية، ثم صاحت بالفتاة فسمرت مكانها دهشة مأخوذة، فنثرت حيرا في وجهها الماء وهي تقول: (شاهت دبة! شاهت دبة!)
وا أسفاه!!
لقد أحست كليستو في ذراعيها الجميلتين بخدر شديد، ثم نظرت فرأت شعرا خشنا ينمو بسرعة فيغطي جسمها البض الجميل كله!
وأحست أظافر طويلة غليظة تنبت في أطارف أصابعها، ومخالب مرعبة تبرز من أصابع رجليها المعبودتين!
وشعرت بوجهها الوضاء المشرق يتغير ويتحول، ثم يتغير ويتحول حتى لقد ركب فيه أنف كبير أسود، وفم مغبر في منتهى القبح، يسيل على جنباته لعاب شائه كريه!
стр. 9123
وخيل لها أن ذنبا ينبت وراءها، فتحسسته فأيقنت أنه ذيل خبيث. . . ما في ذلك ريب!
وفزعت كليستو، فأردت أن تصيح تستنصر الغابة، ولكن. . . يا للهول! لقد راحت تصرخ كما تصرخ الحيوانات، وتعوي كما تعوي الذئاب!!
وانخلع قلب الفتاة فحاولت أن تغادر هذا المكان الساحر، ولكنها لم تستطع أن تنهض على قدمين، بل انطلقت تعدو على أربع كأنها بهيمة من بهائم الأرض!
وأصابتها حيرا بظمأ كاد يصهر حلقها فذهبت إلى غدير ترتوي، ولما انحنت ترشف الماء رأت صورتها المفزعة تتقلب في صفحته، وأنها لم تعد كليستو الحسناء بعد، بل إنها قد انسحرت فصارت دبة قبيحة قذرة ذات أنف طويل أسود، وعينين رجراجتين تقدحان بالشرر
وانطلقت في الغابة تعدو وتعدو، وتتوارى بين الأشجار حتى لا يراها أحد، وكانت الحيوانات - حتى ضواريها - تفزع منها كلما مرت بها، وهكذا شاءت المقادير الظالمة ألا يكون لها صديق حتى من سباع الغابة الموحشة، التي كانت قبل لحظات ترقص بين يديها. . . وتنشد وتغني!!
وضربت في القفار والفلوات، مؤثرة ألا تعود إلى ابنها الحبيب أركس فتفزعه؛ وكانت تختلف إلى الغابة، فإذا مر بها بعض أصدقائها القدماء عرفتهم ولكنها تتوارى عنهم، وفي نفسها هموم وحسرات
خمس عشرة سنة!!
قضتها كليستو التاعسة في هذا الشقاء الطويل، لا تمر بها هنيهة دون أن تفكر في ابنها وتبكي. . . وتفكر في مآلها. . . وتبكي، وتفكر في ذكريات شبابها. . . وتبكي، وتذكر الموسيقى والغناء. . . وتبكي!!
واشتعل قلبها شوقا إلى أركس، فجلست إلى أيكة حزينة تتناجى:
(ترى! ماذا تصنع الآن يا بني؟ أما تزال تنهل كأس هذه الحياة المرة؟ أم أنت قد طواك الردى ونسيك كبير الأولمب؟. هل أنت مريض يا أركس؟ هل في جنبك جرح يتفجر دما لبعد أمك عنك، كهذا الجرح الذي تنزف منه نفسي، وتنسكب حياتي؟ وهل إذا أصابك ضر، فأنت واجد قلبا يحنو عليك ويترفق بك. . . . ويرعاك؟ ومن هو صاحب هذا القلب
стр. 9124
الرقيق يا ترى؟
يا ولدي!!. . . يا حبة القلب يا أركس. . .!!)
وتبكي البائسة بكاء يذيب الصخر، ويحرق فحمة الليل، ويزلزل أركان الكهف المظلم الذي تعودت قضاء لياليها فيه. . .
أما أركس فقد كان هو الآخر يبكي أمه، حتى استطاع مؤدبه شيرون أن يفل بنصائحه غرب حزنه، ويطفئ بمواعظة نار أساه، فنسى، أو تسلى. . . أو تناسى. . .
واستد ساعده، وثقف الرماية حتى ما يطيش له سهم، ولا تخيب له رمية؛ وأحبه شيرون من سويدائه، ولازمه طويلا، حتى كانت حرب السنتور فودعه وعاش الفتى وحيدا. . . يحيا حياة هي بحياة أمه في شبابها الأول أشبه، فيختلف إلى الغابة يصيد منها الثعالب، وإلى البرية يرمي فيها الوعول، ويعود مع الغروب مثقلا بالصيد
وفيما هو يرتاد الغابة في ضحى يوم شديد القيظ، إذا أمه المسكينة تلمحه فجأة، وتعرف فيه ابنها، وأعز الناس عليها. . .! فتذهل عن نفسها وتقف مشدوهة باهتة لا تنبس ولا تحير!
فهل عرفت هذا التماثيل المرمرية التي تقف صامتة كالألغاز في المتاحف ودور الآثار؟ لقد كانت كليستو أشد منها تحجرا عندما شاهدت ابنها بعد هذه السنين الطوال!
ولقد خشيت أن تزعجه بوجودها، لأن الصيادين لا يرهبون من ضواري الغاب شيئا كما يرهبون الدباب، فحاولت أن تختبئ وراء شجرة أو نحوها، ولكن. . هيهات!! فلقد عجزت عن الحركة المجردة لما تولاها من الحيرة والارتباك!
والتفت أركس ففزع أيما فزع لوجود دبة متوحشة كبيرة الجرم على مقربة منه، وهو غير متهيئ للرماية، فارتبك حين تناول قوسه بيد مرتجفة، وأصابع مرتعشة. . . . ولكنه، ويا للعجب! أحس ببريق غريب ينبعث من عيني الدبة، وشعر بحنان وعطف يتحركان في صميمه من أجلها، وحاول أن يتعرف مصدر هذا الحنان فلم يستطع، وضاعف دهشته أن الدبة سمرت مكانها دون ما حراك، وأن دموعا حارة أخذت تنسكب بغزارة من عينيها اللتين ترنوان إليه، وما تريمان عنه!!
وكم كانت كليستو تتمنى لو تقدر الكلام فتقص حكايتها على ابنها، بيد أنها خافت أن تضاعف انزعاجه بصراخها الحيواني المخيف. . . فصمتت. . . وتكلمت عبراتها!!
стр. 9125
ثم. . . . . . . .
سدد أركس سهمه إلى رأس أمه، وكاد السهم المميت يمرق فيؤدي بحياة أعز الأمهات. . . . لولا أن زيوس. . . الإله الذي طال رقاده!. . . كان يسمع تلك الآونة ويرى، ولولا أن تحركت في قلبه الرحمة هذه المرة، فلم يبال التدخل في سحر زوجته - حيرا الخبيثة - فأطلق لسان كليستو، وصاحت فجأة: (أركس!. . . بني العزيز!. . . أنا هي. . . أنا هي أمك. . .)
وسقطت القوس من يد أركس. . . وكانت مفاجأة مشجية! وظل الفتى يرمق الدبة عن كثب وهو لا يصدق!! وقال لها:
- (ماذا تقولين؟ أدبة تتكلم؟ أم من؟. . . من أنا؟. . .)
- (أنا هي يا بني. . . أنا كليستو أمك البائسة. . . فعلت بي حيرا ما ترى. . . خمسة عشر عاما يا أركس وأنا أتعذب وأبكي من أجلك في هذه الغابة الموحشة. . .!)
ولم ينبس أركس ببنت شفة، بل تقدم مهدما من الهم، فعانق أمه. . . ووقفا لحظة يبكيان!!
ثم تدفق حنان السماء، وأمطرت رحمة الإلهة، وأمر زيوس فحملا إلى الأولمب - أركس وأمه - ومن ثمة أطلقها رب الأرباب في السماء الخالدة ليكونا برجين من أبراجها، ما نزال نراهما إلى اليوم، وما نزال نحتفظ لهما بعنوان المأساة المؤلمة، إذ نسمي الأم (الدب الأكبر)، ونسمي الابن، أركس الحبيب (الدب الأصغر. . .). . . وما تزال حيرا القاسية تنظر إليهما وتتميز من الغيظ
دريني خشبة
стр. 9126
البريد الأدبي
موسم الثقافة الإسلامية
فكرت رابطة الإصلاح الاجتماعي في اجتماعها الأخير - في القيام بدعاية واسعة النطاق لتنظيم (موسم للثقافة الإسلامية) يبتدئ من ٢٠ أغسطس وينتهي في ٢٠ من سبتمبر القادم وإعداد برنامج حافل يشتمل على ما يأتي:
١ - إصدار أعداد خاصة من الصحف الأسبوعية الإسلامية، تدعوا لفكرة الجامعة الإسلامية وتتحدث عن التاريخ الإسلامي وتشرح الثقافة الإسلامية الحق
٢ - إصدار صفحات خاصة من الصحف اليومية تحتوي على آراء الزعماء والقادة في الدعوة للوحدة الإسلامية وحث الشباب الإسلامي على القيام بنشر الثقافة الإسلامية في مختلف الأقطار
٣ - إعداد محاضرات يومية تلقى في المساجد والجمعيات والأندية والروابط وفي المذياع
٤ - إقامة حفلات تعارف وإخاء بين شبيبة العالم الإسلامي
اللغات الأجنبية في الأزهر
بحثت لجنة تعديل قانون الأزهر في تعليم اللغات الأجنبية فيه فرأت بالإجماع وجوب تعليمها في كلية أصول الدين لمختلف السنين الدراسية، ولطلبة التخصص جميعا، واختلف في تقريرها على طلاب كليتي اللغة العربية والشريعة، ويقال إن ذلك الخلاف قد انتهى بتقريرها عليهم كذلك بحجة أن العالم الذي يتخرج في الأزهر وفقا لنظامه الحديث يجب أن يعد إعدادا اجتماعيا يؤهله لطلب الرزق في كل ميدان من ميادين العمل، ولا يكون هذا الإعداد صحيحا إلا إذا ألم بلغة أو لغتين من اللغات الأجنبية، أما اللغات التي ستقرر دراستها في كليات الأزهر الثلاث فهي الإنجليزية والفرنسية والألمانية والفارسية واليابانية والصينية واللاتينية
نسبة بيتين
اطلعنا في العدد ١٠٥ من الرسالة: على مقال: (ساعات مع الكاظمي) للأستاذ كمال إبراهيم نسب فيه هذين البيتين: إلى ابن هانئ الأندلسي:
стр. 9127
ما ضرني أن لم أجئ متقدماً … السبق يعرف آخر المضمار
وإذا اغتدى ربع البلاغة بلقعا … فلرب كنر في اسار جدار
وهذا سبق قلم من الكاتب؛ والبيتان هما خاتمة قصيدة لشاعر المغرب والأندلس في وقته غير مدافع أبي عبد الله لسان الدين ابن الخطيب: دفين فاس؛ وقد أثبتهما معزوزين إليه معاصره وصديقه أبو القاسم محمد الشريف الغرناطي في شرحه لمقصورة (حازم)؛ وكذلك أثبتهما له من المتأخرين أبو العباس المقري في النفح؛ وابن الخطيب هذا أحد مفاخر المغرب وشعرائه المكثرين، وله من الشعر ما يملأ الدنيا على سعتها، توقن بهذا إذا ما علمت أنه جمع مطولاته خاصة في ديوان أسماه (الصيب والجهام، والماضي والكهام) في سفرين، وجمع مقطوعاته خاصة في ديوان سماه (فتات الخوان، ولقط الصوان)، واختار من مطالع ماله من الشعر سفرا دعاه (أبيات الأبيات)، وجمع موشحاته وغيرها من الموشحات التي عرضها في سفر أسماه (جيش التوشيح)
وقد نقبت فيما أعلمه من المكاتب العامة والخاصة علني أعثر على كنز من هاته الكنوز الثمينة فلم أفلح!
ثم دعاني هذا إلى أن أزمعت منذ حين على جمع ما يمكنني الوصول إليه من شعر هذا الشاعر، فاجتمع لدي من ذلك - بعد إفراغ الجهد وطول المراجعة - نحو الثلاثة آلاف بيت، جمعتها مما أمكنني الإطلاع عليه من كتب لسان الدين وغيره من الذين عاصروه أو شغفوا به فعنوا بجمع أخباره، والتقاط كتاباته وأشعاره، ما بين مخطوط منها ومطبوع؛ وسأتربص طويلا علني أصل إلى ما لم يمكني الوصول إليه من شعر هذا الشاعر فأضيفه إلى ما جمعته، وأطبع الجميع مع مقدمة أقصر فيها القول على تحليل شاعرية لسان الدين، وبهذا نصل إلى معرفة شاعر كبير قد جهلناه زمنا طويلا. . . .
فاس (المغرب الأقصى)
أحمد بن المليح
أرنولد تسفايج
يقيم منذ عامين في فلسطين كاتب من أعظم كتاب ألمانيا المعاصرين هو القصصي الأشهر
стр. 9128
أرنولد تسفايج وقد لجأ إلى فلسطين فرارا من عسف الطغيان الهتلري، لأنه يهودي تنكره ألمانيا الهتلرية؛ ونزل في ضيعة في جبل الكرمل على مقربة من حيفا، وكان مولد هذا الكتاب العظيم في كلوجاد سنة ١٨٨٧؛ ودرس القانون وأمتهن المحاماة، ولكن جرفه تيار الأدب. وقد لفتت إليه الأنظار أولى قصصه: (مذكرات أسرة كلوبفر)، وهي تاريخ أسرة يهودية هاجرت من بولونيا إلى ألمانيا ويظن أنها أسرته الخاصة، ثم اتبعها برواية (أخبار كلوديا ثم هجر تسفايج القصة مدى حين وانقطع للتأليف المسرحي فنالت قطعه المسرحية نجاحا عظيما في ألمانيا والنمسا وفي كثير من الأمم الأخرى التي ترجمت قطعه إلى لغاتها. بيد أنه ترك التأليف للمسرح وعاد إلى القصة منذ عشرة أعوام فنجح فيها نجاحا عظيما، وأعظم قصصه هي بلا ريب (الجاويش جريشا) التي يصف فيها مناظر الحرب الكبرى في الميادين الشرقية وصفا قويا رائعا ويصور فيه قائدا ألمانيا يظن أنه لوندورف في صور لاذعة، ثم اتبعها برواية (عذراء سنة ١٩١٤) ١٩١٤، والتربية في فردون
وقد عاد أرنولد تسفايج أخيرا إلى معالجة التأليف المسرحي، وأخرج قطعة مسرحية جديدة أوحت بها إليه إقامته في مروج فلسطين عنوانها (بونابارت في يافا) ويقول الكاتب الشهير تعليقا على عوده التأليف المسرحي أنه شعر أثناء اشتغاله بكتابة القصة بأن شهوة المسرح تضطرم فيه مرة أخرى، وأنه في فترة فراغ وعزلة وضع قطعته الأخيرة في خمس فصول، ثم يلخص موضوعها وظروف كتابتها فيما يلي:
(وقفت بطريق المصادفة على رواية تتعلق بحملة بونابارت على مصر ومشروعه في غزو فلسطين وسورية، والذي سحرني بنوع خاص هو المشروع الهائل بل الجنوني الذي تصوره نابليون، وهو أن يشق لنفسه طريقا من عكا وحلب واستانبول ثم البلقان إلى فينا ومن ثم فرنسا، وذلك بعد أن حطم الإنكليزي سفنه في أبي قير، ولقد قرأت قصة الغزوة الفلسطينية باهتمام كبير خصوصا وأن مسرح الحوادث كله يبدو أمام عيني، من شرفة منزلي. فأمامي خليج حيفا، ثم عكا على قيد أميال قليلة، ثم جبل تابور الذي اضطرمت فيه المعارك، حتى خيل إلي وأنا أكتب أنني أرقب حركات الجنود بكل تفاصيلها. وأما عن باعث القصة، فأنا نعرف أن نابليون قد أسر في يافا ثلاثة آلاف من الأتراك؛ ولما لم
стр. 9129
يستطع إطعامهم أمر بقتلهم، ولكن الواقع أن الفرنسيين غنموا من الجيش التركي الذي قدم من دمشق وهزم في جبل تابور نحو ستة آلف قدر من المؤن، وهذه تكفي لإطعام ثلاثة آلف أسير مدى عشرين يوما. فإذا كان نابليون قد تصرف طبقا للضرورات العسكرية فان عمله مع ذلك يبقى بعيدا عن كل عاطفة إنسانية
(ولم اتبع في القطعة المسرحية التي وضعتها الأسلوب التاريخي؛ ولكني راعيت فيها الأسلوب الواقعي وعالجت مسألة العمل الوحشي (غير الإنساني) وإذا لم يكن من شأنه أن يقع على عاتق ذلك الذي يرتكبه رغما عن كل البواعث الواقعية. وفي الفصل الأخير الذي تقع حوادثه في يافا كباقي فصول القطعة، ولكن بعد هزيمة عكا، أتناول باعث مقتل الثلاثة آلاف تركي في أسلوب ساخر أرمي به إلى تصوير شخصيات الرواية. وقد حاولت أيضا أن أكشف عن أنانية نابليون، وكيف أن هذه الأنانية كانت متأصلة في أعماق روحه؛ وإذا كنت قد وفقت في صوغ الخاتمة، فان النظارة لابد أن يذكروا واترلو، وفشل نابليون، وخاتمته المحزنة)
مكتبة لموسى بن ميمون
يذكر القراء أنه قد احتفل أخيرا في مصر وفي كثير من الجامعات والهيئات العلمية الأوربية بذكرى الطبيب الأندلسي اليهودي الأشهر موسى بن ميمون وذلك لمناسبة مرور ثمانمائة عام على وفاته. وقد عاش ابن ميمون في قرطبة وفي مصر، وكان طبيبا خاصا للسلطان صلاح الدين؛ وكتب مؤلفاته بالعبرية والعربية معا، وفي أنباء فلسطين الأخيرة أن بلدية مدينة تل أبيب اليهودية قد قررت أن تنشئ مكتبة خاصة بموسى بن ميمون تودع فيها ما انتهى إلينا من مؤلفاته سواء بالعربية أو بالعبرية أو تراجمها اللاتينية، وكذلك جميع المؤلفات التي كتبت عنه في جميع اللغات وفي مختلف العصور
стр. 9130
الكتب
١ - تاريخ القرآن للأستاذ أبي عبد الله الزنجاني
٢ - الخلق الكامل للأستاذ محمد أحمد جاد المولى بك
للأستاذ محمد بك كرد علي
- ١ -
تاريخ القرآن هو كما قال المؤلف وجيز في سيرة النبي الأكرم والقرآن الكريم والأدوار التي مرت به من كتابته وجمعه وترتيبه وترجمته إلى سائر اللغات، طبعته مؤخرا مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر. وقد استند المؤلف، وهو من المستنيرين من علماء إيران ومن أسرة نبيلة بشرفها وعلمها في مدينة زنجان، في تأليفه على مصادر لكبار علماء السنة والشيعة وجود الكلام على ما تقتضيه بيئته، وربما تجاوزها إلى أبعد غاية كان في مقدوره تجاوزها. وحبذا لو كان قد توسع في القراءات واستخدم لذلك مثلا كتاب النشر في القراءات العشر لأبن الجزري المتوفى سنة ٨٣٣هـ والمطبوع في مدينة دمشق. وليته قال لنا شيئا في القراءات وما هي عليه اليوم في بلاد فارس والهند والصين وتركستان وجاوه والحجاز ومصر والعراق والشام وشمالي أفريقية، وتوسع في كلامه على ما قاله العلامة نولدكه في هذا المعنى ورد عليه؛ ومثله من يحسن عليه الرد؛ وبسط القول في الترجمات الإفرنجية وأيها أجدر بالعناية والقبول، إلى غير ذلك مما نرجو أن يتعرض له العلامة المؤلف في طبعة ثانية مزيدة
وقد صدر الكتاب الأستاذ أحمد أمين صاحب فجر الإسلام وضحى الإسلام بمقدمة موجزة قال فيها: ولئن ساغ في العقل أن يقتتل المسلمون أيام كان هناك نزاع على الخلافة، ومن أحق بها، ومن يتولاها؛ فليس يسوغ بحال أن يقتتلوا على خلاف أصبح في ذمة التاريخ، وأنه لولا ألاعيب السياسة، واستغفال الماكرين لعقول العامة، واحتفظ أرباب المطامع والشهوات بجاههم وسلطانهم، لا نمحى الخلاف بين الشيعي والسني، ولأصبحوا بنعمة الله أخوانا، ولنظر بعضهم إلى بعض كما ينظر حنفي إلى مالكي ومالكي إلى شافعي؛ ورجا أن يفكر عقلاء الفريقين في أحياء عوامل الألفة، وأن يترك للعلماء البحث حرا في التاريخ،
стр. 9131
ويتلقوا النتائج بصدر رحب، كما يتلقون النتائج في أي بحث علمي وتاريخي
ورأى صديقي أحمد أمين هو رأي فريق كبير من علماء المسلمين اليوم، وفي مقدمتهم الأستاذ الأكبر الشيخ المراغي، فقد قال في خطابه البديع الذي أجاب به من كرموه في الحفلة الأخيرة في القاهرة: إن من منهاجه العمل على إزالة الفروق المذهبية وتضييق شقة الخلاف بينها، فان الأمة في محنة من هذا التفرق، ومن العصبية لهذه الفرق، ومعلوم لدى العلماء أن الرجوع إلى أسباب الخلاف ودراستها دراسة بعيدة عن التعصب المذهبي، يهدي إلى الحق في أكثر الأوقات، وإن بعض هذه المذاهب والآراء قد أحدثتها السياسة في القرون الماضية لمناصرتها، ونشطت أهلها وخلفت فيهم تعصبا يساير التعصب السياسي، ثم انقرضت تلك المذاهب السياسية وبقيت تلك الآراء الدينية لا ترتكز إلا على ما يصوغه الخيال وما أفتراه أهلها. وهذه المذاهب فرقت الأمة التي وحدها القرآن الكريم وجعلتها شيعا في الأصول والفروع، ونتج عن ذلك التفرق حقد وبغضاء يلبسان ثوب الدين، ونتج سخف مثل ما يقال في فروع الفقه الصحيح أن ولد الشافعي كفء لبنت الحنفي، ومثل ما يرى في المساجد من تعدد صلاة الجماعة، وما يسمع اليوم من الخلاف العنيف في التوسل والوسيلة، وعذبات العمائم وطول اللحى، حتى أن بعض الطوائف لا تستحي اليوم من ترك مساجد جمهرة المسلمين وتسعى لإنشاء مساجد خاصة)
هذه أمنية عقلاء المسلمين، ويا حبذا لو عني بعض علماء الأزهر فكتبوا كتابا بل كتبا في منشأ هذا الخلاف بين السنة والشيعة، والطرق العملية لأزالته على ما يحب كل مسلم دراكة، ولا سبيل إلى ضم الشمل المبتوت، والخلاص من هذا الاختلاف الممقوت، بغير الرجوع إلى الكتاب وما صح من السنة، والقاء الخلافات جانبا بين أرباب المذاهب الإسلامية
- ٢ -
طالعت بالأمس لمؤلف كتاب (الخلق الكامل) كتابا جميلا أسماه (محمد (ص) المثل الكامل) فأكبرت بحثه وغبطته على استخراج العبر من هذه السيرة الشريفة التي تدعو المؤمنين وغيرهم إلى التأسي بها. واليوم طالعت كتابه (الخلق الكامل) وهو في مجلدين ضخمين يتبعهما مجلد ثالث، فرأيت مؤلفا يجمع بين الثقافتين الإسلامية والغربية، ويكتب كتابه من
стр. 9132
تمثل فنه، وأخذ به، ودعا إليه مخلصا مؤمنا. ولقد فزع في وضع كتابه إلى أصح المصادر الإسلامية: فزع إلى الكتاب والسنة وإلى آراء علماء الأخلاق من سلف هذه الأمة وبعض رجالها المعاصرين، وفزع إلى آراء علماء التربية وفلاسفة الغرب، واعتبر الإسلام جامعا لكل الفضائل النفسية والمدنية، لو تذوقه أهله حق تذوقه، وعملوا بكل ما أمر به لكانوا خير أمة أخرجت للناس في هذا العصر
عالج المؤلف كل ما يخطر بالبال من النقائص، وما يقابلها من الحسنات والمكارم، وهو يرى مثلا من نقائصنا الخلقية أن يضحك الوالد عند سماع السب والفحش من طفله، واحتقار بعضهم الأعمال الحرة كالزراعة والصناعة والتجارة، ولطم الخدود والعويل على الشبان الذين يجندون لخدمة بلادهم والدفاع عنها، واحتقار كثير من عاداتنا القديمة وإن كانت حسنة، والتعلق بالعادات الغربية وإن كانت سيئة، والانغماس في الترف ومحاكاة الفقير الغني، وتطلع الشبان إلى الزوجات الغنيات وإن كن وضيعات الأخلاق، وتطلع الشابات إلى الأزواج الأغنياء وأن كانوا فاسدي الأخلاق، وشهادة الزور وحلف اليمين الغموس وإعانة الظالم على ظلمه، والإقبال على الروايات الهزلية الممقوتة والزهد في الكتب الجيدة المفيدة، والامتعاض من سماع الحق ومقت قائله، وازدراء المعتصم بدينه المحافظ على شعائره، وتقريب المستخفين والمستهزئين، وتكريم الزنادقة والملحدين إلى آخر ما عدد
ويتألف من كل باب من الأبواب التي عالجها رسالة جديرة بأن تقرأ ويستفاد منها. ومما قال إن فلاسفة الغرب وإن كان يرجع إليهم فضل السبق في بحث أمهات الفضائل فهم لم يبينوا مناطها، ولم يضعوا لها حدا فاصلا بين ما يحقق الفضيلة ومالا يحققها، فانهم لم يذكروا متعلق العفة ولا أي شيء تكون ولا مقدارها الذي إذا تجاوزه المرء وقع في الفجور، وكذلك الحلم لم يذكروا مواقعه ومقداره، وأين يحسن وأين يقبح وكذلك الشجاعة. وأفاض في الفلسفة الخلقية وينابيع الخلق والعواطف والانفعالات النفسية وينابيع الأخلاق والعادة والبيئة ووسائل تقويم الخلق والموازين الخلقية ووجوه الخير ومظاهر التربية الخلقية في الأمم الغربية والشرقية ومظاهر الأخلاق الإسلامية ومظاهر الأخلاق الفردية ومظاهر الخلال الاجتماعي إلى غير ذلك من الأبحاث التي خاض عبابها وجزأها أجزاء،
стр. 9133
ومزج فيها الكلام في القديم والحديث على النحو الذي تقبله النفوس، ولا يكون مثالا غير حي لا ينتفع به قارئه لبعده عن مستوى عقله وخلقه وعاده وحاجته
وعلى الجملة فان كتاب الخلق الكامل استجمع صفات التأليف النافع، وظهرت شخصية مؤلفة في صفحاته، وتحمسه لما يريد أن يدعو إليه ليستقيم حال هذا المجتمع الذي كثرت شروره ومفاسده على صورة لم تكن للمسلمين في الدهر السالف؛ دهمتهم سيئات الحضارة الجديدة فسهل عليهم قبولها أكثر من حسناتها التي صعب عليهم الأخذ بها كلها، ومن الغريب أننا بقدر ما يعلو مستوانا في العلم نزداد ضعة في الأخلاق إلا قليلا، وبعدا عن الجميل من حسنات الأجداد ولآباء، حتى لقد تجد في المتعلمين أخلاقا شاذة واستهتار رديئا قد لا تقع على مثله في العامة والأميين، وهذا من جملة سيئات المدنية المادية التي تجردت من عاطفة الدين وعاطفة الخلق، وقاست كل أمر على المادة والنفع العاجل
محمد كرد علي
تاريخ العرب
في الجاهلية وصدر الإسلام
تأليف الأستاذ عبد المتعال الصعيدي
المدرس بكلية اللغة العربية
اشتمل هذا الكتاب على تاريخ دول العرب الجاهلية، وعلى السيرة النبوية، وعلى تاريخ دولة الخلفاء الراشدين. وفي تاريخ العرب في تلك العهود الثلاثة مسائل كثيرة تحتاج إلى التمحيص، وشهادات للشعوبية في القديم والحديث، فعني هذا الكتاب بتمحيصها، وكشف أمر تلك الشبهات فيها، وسلك في دراسة السيرة النبوية منهجا جديدا كشف فيه غامضها، ورد بأقوى الأدلة كل ما يحاول به تشويه شيء منها، ومن ذلك غزوات النبي ﷺ مع يهود المدينة، فقد أراد صاحب كتاب (تاريخ اليهود في بلاد العرب) أن يرجع أسبابها إلى طمع المسلمين في أموال أولئك اليهود، وذكر أنه من أجل ذلك تعرض النبي ﷺ لدينهم، وكلفهم أن يعترفوا برسالته وهم لا يمكنهم أن يعترفوا
стр. 9134
برسول من غير بني إسرائيل، ولو أنه اقتصر على محاربة الوثنية العربية وحدها لما وقع نزاع بينه وبين اليهود الذين يشاركونه في أمر تلك الوثنية
فأثبت له صاحب كتاب (تاريخ العرب في الجاهلية وصدر الإسلام) أن اليهود هم الذين بدءوا المسلمين في ذلك النزاع بعد أن جمع النبي ﷺ بين الفريقين في حلف واحد، وجعل منهم أمة واحدة تجمع بينها رابطة الوطن، وإن اختلف دينها إلى الإسلام واليهودية. أما ذلك المال فكان الإسلام يحرم أن ينظر إليه المسلمون في قتالهم، وكان الله جل شأنه يؤدبهم بالقول والفعل إذا خالف بعضهم ذلك كما حصل منهم في غزوة بدر وغزوة أحد، وإنما كان سبب قتال اليهود نقضهم ذلك الحلف، وكراهتهم أن ينهض العرب بذلك الدين الجديد وهم أصحاب البلاد، واليهود قوم طارئون عليهم، فكان شأنهم في ذلك شأن الأجانب الآن في بلادنا، وإذا كان من حق الأجنبي على صاحب الوطن أن يكرم جواره، فمن حق صاحب الوطن على الأجنبي أن يراعي ذلك منه فلا يكره الخير له، ولا يقف حجر عثرة في سبيل نهوضه، فإذا لم يراع ذلك له كان من حقه أن يخرجه من وطنه، وألا يكرم جواره كما لم يكرم جواره
ومن ذلك أيضا تلك الفتن التي حدثت بين الصحابة في عهد الخلفاء الراشدين، فقد أدى للتاريخ حقه فيها، كما أدى لأولئك الأصحاب حقهم في صحبتهم لصاحب الرسالة، وفي عظيم جهادهم في نشر تلك الديانة. وهكذا سار المؤلف في كتابه يعينه تحقيق مسائل التاريخ أكثر من عنايته بسرد أخبارها، ويشفي في ذلك غليل من يريد الوصول إلى الحق فيها.
(ص)
стр. 9135
العدد ١١١ - بتاريخ: ١٩ - ٠٨ - ١٩٣٥
стр. 9136
سعد باشا زغلول
بمناسبة ذكراه الثامنة
كان ﵀ كالبحر! لا تطالعه من أي جهاته إلا غمر نفسك بجلال العظيم، وشغل رأسك بخيال الشاعر، وأخذ حسك بروعة المجهول! لم يكن إنساناً كسائر الناس عظمته موضع الشذوذ في بشريته، وعبقريته بعض الكمال في نقصه، وقوته عَرَض منتقل في ضعفه؛ إنما كانت العظمة أصلاً في طبعه، والعبقرية فطرة في خَلْقِه، والقوة جوهراً في إرادته. وإذا كان النبوغ قوة في مَلَكَةٍ على حساب ملَكات، وارتفاعاً في جهة بانخفاض جهات، فأن نبوغ سعد باشا كان نظاماً عدلا في نوعه: ظهر في كل موهبة من مواهبه بمقدار واحد، وبهر في كل أثر من آثاره بشعاع ممتاز. فهو في صرامة المنطق مثله في لطافة الشعر، وفي جرأة القلب مثله في رقة الشعور، وفي بلاغة اللسان مثله في براعة الذهن، وفي كيد الخصومة نفسه في شرف الرجولة، وفي قيادة الجمعية التشريعية عينه في قيادة الأمة المصرية!
سعد زغلول ومحمد عبده هما الآية الشاهدة على سمو الجنسية المصرية الخالصة، والحجة القائمة على فضل الثقافة العربية الصحيحة. نشأ كلاهما قرويين لم يَشُبْ دماءهما عنصر دخيل، أزهريين لم يشلَّ تفكيرهما تقليد عاجز؛ ثم مضيا على إلهام الجنس، ورسم التاريخ، وهدى العقيدة، يدعو أحدهما إلى إصلاح الدين، ويدعو الآخر إلى إصلاح الدنيا، برجولة الخلق، وفحولة التفكير، وبطولة التضحية؛ حتى كان من أثر جهادهما المباشر ما نحن والشرق فيه من انتباه العقل وانتعاش الوجدان وثورة الحميّة.
كانت معجزة الرجلين في رسالتهما الإنسانية، من نوع معجزة الرسول في رسالته الإلهية: رجولة قاهرة وفصاحة ساحرة وخلق عظيم. وتلك هي عناصر الشخصية الجبارة التي تأمرك وكأنها تستشيرك، وتقودك وكأنها تتابعك، وتتطامن إليك وأنت منها كما تكون من البحر أو الجبل أو العاصفة!!
إذا شئت أن تختصر رسالة في كلمة فهي (الدفاع عن الحق)؛ تطاوع له منذ شب بدافع من غريزته الحاكمة وطبيعته الناقدة؛ فكان في كل مرحلة من مراحل حياته يذود عنه طغيان القوة، وسلطان الهوى، وعدوان الرذيلة. عُيِّن بعد خروجه من الأزهر محرراً في الوقائع المصرية مع أستاذه الإمام، فكان يكتب في الاستبداد والشورى والأخلاق، وينتقد الأحكام
стр. 9137
التي كانت تصدرها يومئذ (المجالس الملغاة)؛ ثم عين ناظراً لقلم قضايا الجيزة، وكان حكمه حكم القاضي الجزئي، فنزل الحق من عدله وعقله في حمى أمين؛ ثم أصغى لصرخة الحق في الغضبة العرابية ففصل من وظيفته، فزاول المحاماة، وهي يومئذ حيلة الباطل وخصيمة العدل وآفة الخلق؛ فأنقذها من هذه المراغة، وطهرها من ذلك الرجس، وردّها إلى طبيعتها مجلوة الصدر عفيفة الأديم، تساعد القانون وتؤيد الحق.
وكان سعد أفندي زغلول أول محام أقرته المحاكم الأهلية في مصر، فجعل دستور هذه الحرفة النبيلة هذا الجواب الجامع الذي أجاب به ممتحنه وقد سأله عن واجبات المحامي فقال:
(درس القضية، والدفاع عن الحق، واحترام القضاء).
ثم اختير نائب قاض في محكمة الاستئناف، ويومئذ درس الفرنسية ونال إجازة الحقوق، فبرع القضاة الأوربيين بالذهن الغواص، والدرس المحيط، والتوجيه النزيه، والاستدلال الصحيح، والاستنباط الدقيق، والحكم الموفق. ثم انتقل من القضاء إلى وزارة المعارف، وكان لدنلوب فيها استبداد الطاغية، وفساد المستعمر، وعناد القدَر؛ وكان لهذا الفاجر صرعى كثيرون أولهم اللغة العربية والكرامة المصرية؛ فطأطأ سعد بسطوة الحق علو المستشار، وأعز جانب العربية في وطنها فجعلها لغة الثقافة، ووضع الأقدار في مواضعها فرفع بذلك من قدْر الكفاية. ثم انتخبته الأمة نائباً في (الجمعية التشريعية)، فكان بشخصيته الغلابة ولهجته الخلابة وحججه المُلزمة وأجوبته المفحمة رهبة الوزراء، ودهشة النواب، ومُتجه الأفئدة؛ وكان مناهجه فيها قوله المأثور:
(الحق فوق القوة، والأمة فوق الحكومة)
ثم أُعلنت الهدنة ووضعت الحرب العامة قضية العالم كله على مكاتب الغالبين في (فرساي)، فدوى في سمعه صوت الحق الصريع، وعصفت في رأسه نخوة الشعب المستذَل، فنهض للغاصب المزهوّ نهضته المعروفة، فحيّس بها أنف الجبار العنيد، وفتح بفصلها الدامي تاريخ مصر الجديد.
وهكذا اصطفى الله سعداً لرسالة الحق، في أمة سَفِهَتْه في نفسها فلا تأخذه ولا تعطيه، ثم ركَّبه على الصورة التي أرادها لتبليغ هذه الرسالة، ثم هدى به قافلة قومه إلى طريق
стр. 9138
السلامة، وجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة!
(للكلام بقية)
أحمد حسن الزيات
стр. 9139
أيها البحر!
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
إذا احْتَدَم الصيفُ، جعلتَ أنت أيُّها البحر للزمن فصلاً جديداً يسمى (الربيع المائي)
وتنتقل إلى أيامك أرواح الحذائق، فتنبت في الزمن بعض الساعات الشهية، كأنها الثمر الحلو الناضج على شجرة
ويوحي لونك الأزرق إلى النفوس ما كان يوحيه لون الربيع الأخضر، إلا أنه أرق وألطف
ويرى الشعراء في ساحلك مثلما يرون في أرض الربيع، أُنوثة ظاهرة، غير أنها تلد المعاني لا النبات
ويحس العشاق عندك ما يحسونه في الربيع: أن الهواء يتأوَّه. . . .
في الربيع، يتحرك في الدم البشريِّ سرُّ هذه الأرض؛ وعند (الربيع المائي) يتحرك في الدم سرُّ هذه السحُب
نوعان من الخمر في هواء الربيع وهواء البحر، يكون منهما سكرٌ واحدٌ من الطرَب
وبالربيعَيْن الأخضر والأزرق ينفتح بابان للعالم السحريِّ العجيب: عالم الجمال الأرضي الذي تدخله الروح الإنسانية كما يدخل القلب المحبُّ في شعاع ابتسامة ومعناها
في (الربيع المائي)، يجلس المرء وكأنه جالسٌ في سحابة لا في الأرض
ويشعر كأنه لابسٌ ثياباً من الظل لا من القماش؛ ويجد الهواء قد تنزه عن أن يكون هواءَ التراب
وتخفُّ على نفسه الأشياء، كأن بعض المعاني الأرضية انتزعت من المادة. وهنا يدركُ الحقيقة، أن الشرور إن هو إلا تنبُّهُ معاني الطبيعة في القلب
وللشمس هنا معنى جديد ليس لها هناك في الدنيا (دنيا الرزق)
تُشرقُ الشمس هنا على الجسم؛ أما هناك فكأنما تطلُعُ وتغرب على الأعمال التي يعملُ الجسمُ فيها
تطلع هناك على ديوان الموظف لا الموظف، وعلى حانوت التاجر لا التاجر، وعلى مصنع العامل، ومدرسة التلميذ، ودار المرأة
تطلع الشمس هناك بالنور، ولكن الناسَ - وا أسفاه - يكونون في ساعاتهم المظلمة. . .
стр. 9140
الشمسُ هنا جديدة، تُثبت أن الجديد في الطبيعة هو الجديد في كيفية شعور النفس به
والقمر زاهٍ رفَّافٌ من الحسن؛ كأنه اغتسل وخرج من البحر
أو كأنه ليس قمراً، بل هو فجرٌ طلع في أوائل الليل؛ فحصرته السماءُ في مكانه ليستمرَّ الليل
فجرُ لا يوقظ العيونَ من أحلامها، ولكنه يوقظُ الأرواح لأحلامها
ويُلقي من سحره على النجوم فلا تظهر حوله إلا مُسْتبْهمة كأنها أحلامٌ معلّقة
للقمر هنا طريقةٌ في إبهاج النفس الشاعرة، كطريقة الوجه المعشوق حين تقبّله أول مرة
و (للربيع المائي) طيوره المغردة وفراشه المتنقِّل
أما الطيور فنساءٌ يتضاحكنَ، وأما الفراشُ فأطفالٌ يتواثبون
نساءٌ إذا انغمسن في البحر، خيِّلَ إليَّ أن الأمواج تتشاحنُ وتتخاصم على بعضهن. . . .
رأيت منهن زهراء فاتنة قد جلست على الرمل جلسة حواءَ قبل اختراع الثياب، فقال البحر: يا إلهي. قد انتقل معنى الغرق إلى الشاطئ. . . إن الغريق من غرق في موجة الرمل هذه
والأطفال يلعبون ويصرخون ويضجُّون كأنما اتسعت لهم الحياة والدنيا
وخيِّل إلي أنهم أقلقوا البحر كما يُقلقون الدار، فصاح بهم: ويحكم يا أسماكَ التراب. . .! ورأيتُ طفلاً منهم قد جاء فوَكَزَ البحر برجله! فضحك البحر وقال: انظروا يا بني آدم!!
أعَلى الله أن يَعْبأ بالمغرور منكم إذا كفرَ به؟ أعلىَّ أن أعبأ بهذا الطفل كيلا يقول إنه ركلني برجله. . .؟
أيها البحر. قد ملأتك قوة الله لتُثبت فراغ الأرض لأهل الأرض
ليس فيك ممالك ولا حدود، وليس عليك سلطانٌ لهذا الإنسان المغرور
وتجيش بالناس وبالسفُن العظيمة، كأنك تحمل من هؤلاء وهؤلاء قشاً ترمي به
والاختراع الإنسانيُّ مهما عَظُم لا يغني الإنسان فيك عن إيمانه
وأنت تملأ ثلاثة أرباع الأرض بالعظَمَة والهول، رداً على عَظمة الإنسان وهوله في الربع الباقي؛ ما أعظمَ الإنسان وأصغره!
ينزلُ الناسُ في مائك فيتساوَوْن حتى لا يختلف ظاهرٌ عن ظاهر
следующие страницы →