Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9136–9175 · переход к 9141.
стр. 9136
سعد باشا زغلول
بمناسبة ذكراه الثامنة
كان ﵀ كالبحر! لا تطالعه من أي جهاته إلا غمر نفسك بجلال العظيم، وشغل رأسك بخيال الشاعر، وأخذ حسك بروعة المجهول! لم يكن إنساناً كسائر الناس عظمته موضع الشذوذ في بشريته، وعبقريته بعض الكمال في نقصه، وقوته عَرَض منتقل في ضعفه؛ إنما كانت العظمة أصلاً في طبعه، والعبقرية فطرة في خَلْقِه، والقوة جوهراً في إرادته. وإذا كان النبوغ قوة في مَلَكَةٍ على حساب ملَكات، وارتفاعاً في جهة بانخفاض جهات، فأن نبوغ سعد باشا كان نظاماً عدلا في نوعه: ظهر في كل موهبة من مواهبه بمقدار واحد، وبهر في كل أثر من آثاره بشعاع ممتاز. فهو في صرامة المنطق مثله في لطافة الشعر، وفي جرأة القلب مثله في رقة الشعور، وفي بلاغة اللسان مثله في براعة الذهن، وفي كيد الخصومة نفسه في شرف الرجولة، وفي قيادة الجمعية التشريعية عينه في قيادة الأمة المصرية!
سعد زغلول ومحمد عبده هما الآية الشاهدة على سمو الجنسية المصرية الخالصة، والحجة القائمة على فضل الثقافة العربية الصحيحة. نشأ كلاهما قرويين لم يَشُبْ دماءهما عنصر دخيل، أزهريين لم يشلَّ تفكيرهما تقليد عاجز؛ ثم مضيا على إلهام الجنس، ورسم التاريخ، وهدى العقيدة، يدعو أحدهما إلى إصلاح الدين، ويدعو الآخر إلى إصلاح الدنيا، برجولة الخلق، وفحولة التفكير، وبطولة التضحية؛ حتى كان من أثر جهادهما المباشر ما نحن والشرق فيه من انتباه العقل وانتعاش الوجدان وثورة الحميّة.
كانت معجزة الرجلين في رسالتهما الإنسانية، من نوع معجزة الرسول في رسالته الإلهية: رجولة قاهرة وفصاحة ساحرة وخلق عظيم. وتلك هي عناصر الشخصية الجبارة التي تأمرك وكأنها تستشيرك، وتقودك وكأنها تتابعك، وتتطامن إليك وأنت منها كما تكون من البحر أو الجبل أو العاصفة!!
إذا شئت أن تختصر رسالة في كلمة فهي (الدفاع عن الحق)؛ تطاوع له منذ شب بدافع من غريزته الحاكمة وطبيعته الناقدة؛ فكان في كل مرحلة من مراحل حياته يذود عنه طغيان القوة، وسلطان الهوى، وعدوان الرذيلة. عُيِّن بعد خروجه من الأزهر محرراً في الوقائع المصرية مع أستاذه الإمام، فكان يكتب في الاستبداد والشورى والأخلاق، وينتقد الأحكام
стр. 9137
التي كانت تصدرها يومئذ (المجالس الملغاة)؛ ثم عين ناظراً لقلم قضايا الجيزة، وكان حكمه حكم القاضي الجزئي، فنزل الحق من عدله وعقله في حمى أمين؛ ثم أصغى لصرخة الحق في الغضبة العرابية ففصل من وظيفته، فزاول المحاماة، وهي يومئذ حيلة الباطل وخصيمة العدل وآفة الخلق؛ فأنقذها من هذه المراغة، وطهرها من ذلك الرجس، وردّها إلى طبيعتها مجلوة الصدر عفيفة الأديم، تساعد القانون وتؤيد الحق.
وكان سعد أفندي زغلول أول محام أقرته المحاكم الأهلية في مصر، فجعل دستور هذه الحرفة النبيلة هذا الجواب الجامع الذي أجاب به ممتحنه وقد سأله عن واجبات المحامي فقال:
(درس القضية، والدفاع عن الحق، واحترام القضاء).
ثم اختير نائب قاض في محكمة الاستئناف، ويومئذ درس الفرنسية ونال إجازة الحقوق، فبرع القضاة الأوربيين بالذهن الغواص، والدرس المحيط، والتوجيه النزيه، والاستدلال الصحيح، والاستنباط الدقيق، والحكم الموفق. ثم انتقل من القضاء إلى وزارة المعارف، وكان لدنلوب فيها استبداد الطاغية، وفساد المستعمر، وعناد القدَر؛ وكان لهذا الفاجر صرعى كثيرون أولهم اللغة العربية والكرامة المصرية؛ فطأطأ سعد بسطوة الحق علو المستشار، وأعز جانب العربية في وطنها فجعلها لغة الثقافة، ووضع الأقدار في مواضعها فرفع بذلك من قدْر الكفاية. ثم انتخبته الأمة نائباً في (الجمعية التشريعية)، فكان بشخصيته الغلابة ولهجته الخلابة وحججه المُلزمة وأجوبته المفحمة رهبة الوزراء، ودهشة النواب، ومُتجه الأفئدة؛ وكان مناهجه فيها قوله المأثور:
(الحق فوق القوة، والأمة فوق الحكومة)
ثم أُعلنت الهدنة ووضعت الحرب العامة قضية العالم كله على مكاتب الغالبين في (فرساي)، فدوى في سمعه صوت الحق الصريع، وعصفت في رأسه نخوة الشعب المستذَل، فنهض للغاصب المزهوّ نهضته المعروفة، فحيّس بها أنف الجبار العنيد، وفتح بفصلها الدامي تاريخ مصر الجديد.
وهكذا اصطفى الله سعداً لرسالة الحق، في أمة سَفِهَتْه في نفسها فلا تأخذه ولا تعطيه، ثم ركَّبه على الصورة التي أرادها لتبليغ هذه الرسالة، ثم هدى به قافلة قومه إلى طريق
стр. 9138
السلامة، وجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة!
(للكلام بقية)
أحمد حسن الزيات
стр. 9139
أيها البحر!
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
إذا احْتَدَم الصيفُ، جعلتَ أنت أيُّها البحر للزمن فصلاً جديداً يسمى (الربيع المائي)
وتنتقل إلى أيامك أرواح الحذائق، فتنبت في الزمن بعض الساعات الشهية، كأنها الثمر الحلو الناضج على شجرة
ويوحي لونك الأزرق إلى النفوس ما كان يوحيه لون الربيع الأخضر، إلا أنه أرق وألطف
ويرى الشعراء في ساحلك مثلما يرون في أرض الربيع، أُنوثة ظاهرة، غير أنها تلد المعاني لا النبات
ويحس العشاق عندك ما يحسونه في الربيع: أن الهواء يتأوَّه. . . .
في الربيع، يتحرك في الدم البشريِّ سرُّ هذه الأرض؛ وعند (الربيع المائي) يتحرك في الدم سرُّ هذه السحُب
نوعان من الخمر في هواء الربيع وهواء البحر، يكون منهما سكرٌ واحدٌ من الطرَب
وبالربيعَيْن الأخضر والأزرق ينفتح بابان للعالم السحريِّ العجيب: عالم الجمال الأرضي الذي تدخله الروح الإنسانية كما يدخل القلب المحبُّ في شعاع ابتسامة ومعناها
في (الربيع المائي)، يجلس المرء وكأنه جالسٌ في سحابة لا في الأرض
ويشعر كأنه لابسٌ ثياباً من الظل لا من القماش؛ ويجد الهواء قد تنزه عن أن يكون هواءَ التراب
وتخفُّ على نفسه الأشياء، كأن بعض المعاني الأرضية انتزعت من المادة. وهنا يدركُ الحقيقة، أن الشرور إن هو إلا تنبُّهُ معاني الطبيعة في القلب
وللشمس هنا معنى جديد ليس لها هناك في الدنيا (دنيا الرزق)
تُشرقُ الشمس هنا على الجسم؛ أما هناك فكأنما تطلُعُ وتغرب على الأعمال التي يعملُ الجسمُ فيها
تطلع هناك على ديوان الموظف لا الموظف، وعلى حانوت التاجر لا التاجر، وعلى مصنع العامل، ومدرسة التلميذ، ودار المرأة
تطلع الشمس هناك بالنور، ولكن الناسَ - وا أسفاه - يكونون في ساعاتهم المظلمة. . .
стр. 9140
الشمسُ هنا جديدة، تُثبت أن الجديد في الطبيعة هو الجديد في كيفية شعور النفس به
والقمر زاهٍ رفَّافٌ من الحسن؛ كأنه اغتسل وخرج من البحر
أو كأنه ليس قمراً، بل هو فجرٌ طلع في أوائل الليل؛ فحصرته السماءُ في مكانه ليستمرَّ الليل
فجرُ لا يوقظ العيونَ من أحلامها، ولكنه يوقظُ الأرواح لأحلامها
ويُلقي من سحره على النجوم فلا تظهر حوله إلا مُسْتبْهمة كأنها أحلامٌ معلّقة
للقمر هنا طريقةٌ في إبهاج النفس الشاعرة، كطريقة الوجه المعشوق حين تقبّله أول مرة
و (للربيع المائي) طيوره المغردة وفراشه المتنقِّل
أما الطيور فنساءٌ يتضاحكنَ، وأما الفراشُ فأطفالٌ يتواثبون
نساءٌ إذا انغمسن في البحر، خيِّلَ إليَّ أن الأمواج تتشاحنُ وتتخاصم على بعضهن. . . .
رأيت منهن زهراء فاتنة قد جلست على الرمل جلسة حواءَ قبل اختراع الثياب، فقال البحر: يا إلهي. قد انتقل معنى الغرق إلى الشاطئ. . . إن الغريق من غرق في موجة الرمل هذه
والأطفال يلعبون ويصرخون ويضجُّون كأنما اتسعت لهم الحياة والدنيا
وخيِّل إلي أنهم أقلقوا البحر كما يُقلقون الدار، فصاح بهم: ويحكم يا أسماكَ التراب. . .! ورأيتُ طفلاً منهم قد جاء فوَكَزَ البحر برجله! فضحك البحر وقال: انظروا يا بني آدم!!
أعَلى الله أن يَعْبأ بالمغرور منكم إذا كفرَ به؟ أعلىَّ أن أعبأ بهذا الطفل كيلا يقول إنه ركلني برجله. . .؟
أيها البحر. قد ملأتك قوة الله لتُثبت فراغ الأرض لأهل الأرض
ليس فيك ممالك ولا حدود، وليس عليك سلطانٌ لهذا الإنسان المغرور
وتجيش بالناس وبالسفُن العظيمة، كأنك تحمل من هؤلاء وهؤلاء قشاً ترمي به
والاختراع الإنسانيُّ مهما عَظُم لا يغني الإنسان فيك عن إيمانه
وأنت تملأ ثلاثة أرباع الأرض بالعظَمَة والهول، رداً على عَظمة الإنسان وهوله في الربع الباقي؛ ما أعظمَ الإنسان وأصغره!
ينزلُ الناسُ في مائك فيتساوَوْن حتى لا يختلف ظاهرٌ عن ظاهر
стр. 9141
ويركبون ظهرك في السفن فيحنُّ بعضهم إلى بعض حتى لا يختلف باطنٌ عن باطن
تُشعرهم جميعاً أنهم خرجوا من الكرة الأرضية ومن أحكامها الباطلة
وتُفرقهم إلى الحب والصداقة فقراً يُريهم النجوم نفسها كأنها أصدقاء، إذ عرفوها في الأرض
يا سحر الخوف. أنت أنت في البحر كما أنت أنت في جهنم
وإذا ركبك الملْحِدُ أيها البحر، فرجفت من تحته، وهدَرْتَ عليه وثُرت به، وأريته رأى العين كأنه بين سماءين ستنطبقُ إحداهما على الأخرى فتقفلان عليه، تركته يَتَطَأطأ ويتواضع، كأنك تهزُّه وتهزُّ أفكاره معاً وتُدَحْرِجَهُ وتدحرجُها
وأطَرْتَ كل ما في عقله فيلجأ إلى الله بعقل طفل
وكشفتَ له عن الحقيقة أن نسيان الله ليس عمَل العقل، ولكنه عملُ الغفلة والأمن وطولِ السلامة
ألا ما أشبه الإنسان في الحياة بالسفينة في أمواج هذا البحر!
إن ارتفعت السفينةُ، أو انخفضت، أو مادت، فليس ذلك منها وحدها، بل مما حولها
ولن تستطيع هذه السفينةُ أن تملك من قانون ما حولها شيئاً، ولكن قانونها هي الثبات، والتوازن، والاهتداء إلى قصدها. ونجاتُها في قانونها
فلا يعتبنّ الإنسان على الدنيا وأحكامها، ولكن فليجتهد أن يحكم نفسه
كتبت في شاطئ سيدي بشر (إسكندرية)
مصطفى صادق الرافعي
стр. 9142
مصر وقت الفتح الفاطمي
والعوامل التي مهدت لهذا الفتح
للأستاذ محمد عبد الله عنان
كانت مصر وقت الفتح الفاطمي، فريسة هينة للفاتح؛ بيد أنها لم تكن كذلك قبل الفتح الفاطمي بنصف قرن فقط. وقد ثابت للفاطميين مذ شادوا ملكهم في إفريقية، نية في غزوها وامتلاكها، فغزوها أكثر من مرة، واستولوا على بعض نواحيها، ولكنهم ارتدوا عندئذ أمام جند الخلافة وجند مصر؛ ذلك أن مصر لم تكن فريسة هينة، وكان يشرف على مصايرها باسم الخلافة جماعة من الجند والزعماء الأقوياء ينظمون مواردها وقواها الدفاعية حين الخطر الداهم؛ وكان الفاطميون من جهة أخرى يغالبون في المغرب خطر الانتقاض المستمر، ويقوم ملكهم الفتي على بركان يضطرم بعناصر الخروج والثورة، حتى لقد كادت دولتهم الناشئة تنهار في المهد تحت ضربات القبائل البربرية الخصيمة وذلك في عهد ثاني خلفائهم القائم بأمر لله. على أن الخلافة العباسية التي استطاعت في فوره من القوة في عهد المكتفي بالله أن تسحق الدولة الطولونية وأن تسترد مصر منها، لم تستطع أن توطد سلطانها الفعلي في مصر، وإن كانت قد استعادت سلطانها السياسي والديني فيها، وكان الزعماء الأقوياء الذين يحكمونها باسم الخلافة مثل تكين الخزري، وذكا الرومي، وابن كيغلغ، وابن طغج، يتمتعون بكثير من الاستقلال، وربما نزع بعضهم إلى انتزاعها من يد الخلافة كما فعل أحمد بن طولون من قبل، وكما فعل محمد بن طغج (الأخشيد) فيما بعد، وكانت هذه النزعة الاستقلالية، ذاتها عاملاً في ضعف سلطان الخلافة في مصر، وفي المباعدة بينها وبين مصر، وقلة اهتمامها بشؤون هذا القطر النائي ومصايره؛ ولكنها كانت من جهة أخرى عاملاً في حرص أولئك الحكام والزعماء الطامحين على الدفاع عن مصر وحمايتها من غارات المعتدين عليها والمتطلعين إلى امتلاكها. وكان جل اهتمامهم في ذلك على جند مصر ذاته، ولكن الشعب المصري لم يكن يعطف دائماً على أولئك الحكام الأجانب خصوصاً ومعظمهم من الفرس أو الترك المستعمرين، فكان الزعماء المحليون ينزعون دائماً إلى منافستهم ومناوأتهم، وكان الجند كثير التمرد والثورة، يتبرم بأطماع أولئك الزعماء وجشعهم في استخلاص أرزاقه؛ فكان تعاقب الولاة ومنافساتهم في تلك
стр. 9143
الفترة، وثورات الجند المتكررة، واضطراب الشؤون العامة، وفقدان الأمن، وغلبة الفوضى؛ هذه كلها تزيد مصر ضعفاً على ضعفها، وتدفعها إلى التطلع إلى مصير أفضل من هذا المصير
وبينما كانت الدولة العباسية تجوز مرحلة اضطراب وضعف، كانت دولة خصيمة فتية هي الدولة الفاطمية تسير مسرعة إلى النماء والتوطد؛ وكانت القبائل البربرية التي شدت أزر الفاطميين، وأقامت ملكهم فوق ملك الأغالبة، تحتفظ في هذا القفر بخشونتها وبأسها بعيدة عن تلك العوامل الرخوة التي تحمل عناصر الهرم والفناء إلى دول ومجتمعات يغمرها تيار الحضر والنعماء والترف؛ ولم تكن المعركة الهائلة التي اضطرمت مدى حين بين الدولة الفتية وبين القبائل الخصيمة، وكادت تسحقها في المهد، إلا لتذكى فيها رغبة الحياة وعزم النضال؛ وقد خرجت من المعركة ظافرة قوية، ولكنها أدركت في نفس الوقت فداحة الخطر الذي يهددها من تمرد أولئك الخوارج الأشداء؛ ومع أن الفاطميين استطاعوا فيما بعد أن يدوخوا قبائل المغرب كله وأن ينفذوا بفتوحاتهم في المغرب الأقصى حتى المحيط، فأنهم لم يطمئنوا إلى البقاء في تلك الوهاد الوعرة، ولم يعتبروا أنهم وصلوا بإقامة ملكهم في أفريقية إلى ذروة الأماني والغايات
كانت مصر تلوح لهم خلال هذا القفر النائي درة خضراء؛ وكانت مصر في نظرهم هي ميدان المعركة الحاسمة التي يضطرمون لخوضها مع الدولة العباسية - خصيمتهم السياسية والمذهبية - وقد حاولوا خوضها منذ الساعة الأولى، فزحفوا على مصر أكثر من مرة كما قدمنا، وكما سنفصل بعد؛ ولكن فرصة الظفر لم تكن قد سنحت بعد، واستطاعت مصر بجندها وجند الخلافة أن ترد الغزاة، وشغل الغزاة مدى حين بما يهددهم في أفريقية ذاتها من خطر الانتفاض والفناء. وفي تلك الفترة تطورت الحوادث في مصر وسارت إلى مرحلة جديدة من الاستقرار في ظل الخلافة أيضاً؛ وانتهت المنافسات والثورات العسكرية المتكررة بفوز محمد بن طغج الأخشيد بولاية مصر للمرة الثانية في سنة ٣٢٣هـ (٩٣٥م) من قبل الخليفة القاهر؛ وكان قد وليها لأول مرة قبل ذلك بعامين ولكنه لم يدخلها ولم تطل ولايته أكثر من شهر؛ فلما وليها من قبل القاهر سار إليها من دمشق في قواته، فتعرض له أحمد بن كيغلغ حاكم مصر وقتئذ وحاول رده عن ولايتها بقوة السيف؛ ذلك لأن ابن كيغلغ
стр. 9144
كان من أولئك الزعماء الأقوياء الذين يطمحون إلى الاستقلال بمصر؛ ولكن ابن طغج هزمه ودخل مصر ظافراً وتقلد ولايتها، وأنعم عليه الخليفة بلقب الأخشيد أو (ملك الملوك)
وكان الأخشيد أميراً طموحاً، وافر الذكاء والشجاعة والعزم، فلم تقف همته عند استخلاص الولاية لنفسه على الشام ومصر؛ ولكنه رأى أن ينشئ فيهما لنفسه دولة مستقلة في ظل الخلافة، وأسرة ملوكية يتوارث السلطان من بعده، على مثل ما انتهى إليه ابن طولون بإنشاء الدولة الطولونية. وهكذا قامت بمصر دولة جديدة هي الدولة الأخشيدية؛ واستقرت الأحوال بمصر في ظل الدولة الجديدة، وانتظمت قواتها الدفاعية، واستطاعت أن ترد الغزاة الفاطميين كرة أخرى (سنة ٣٣٢هـ) وسطعت الدولة الأخشيدية بمصر مدى حين، وكادت تتنافس في القوة والبهاء دولة بني العباس ذاتها، ولاح مدى حين أن أمل الفاطميين في فتح مصر قد خبا. ولكن قوة الدولة الجديدة كانت ترجع بالأخص إلى أهمية منشئها الأخشيد وإلى قوة خلاله؛ فلما توفي الأخشيد (سنة ٣٣٤)، وخلفه ولده أنوجور على مصر والشام ثم أخوه علي بن الأخشيد (سنة ٣٤٩)، وآل تدبير الأمور في عهدهما إلى كافور الأخشيدي خادم أبيهما، أخذ صرح الدولة الجديدة في التصدع؛ ولما توفي علي بن الأخشيد، انتزع كافور الإمارة لنفسه (سنة ٣٥٥)؛ وقبض هذا الأسود الخصي مدى حين على مصاير مصر والشام؛ ومع أنه كان كثير الدهاء والعزم، فإنه لم يستطع لأن يحول دون تسرب العوامل المعنوية والاجتماعية الهدامة التي كانت تقضم أسس الدولة الأخشيدية، ولم تطل ولايته مع ذلك أكثر من عامين؛ وخلفه في الإمارة صبي حفيد للأخشيد هو أحمد بن علي بن الأخشيد، وتولى تدبير الأمور وزير مصر القوي جعفر بن الفرات؛ ولكن الأمور كانت قد ساءت يومئذ، فكثرت الأزمات واضطربت أحوال الجند والشعب، وظهرت امارات الذبول والهرم على الدولة الأخشيدية ولاح لها شبح الفناء جاثماً في الأفق
وشغلت الدولة الفاطمية في تلك الفترة بشؤونها الخاصة، فلم تعاود كرة الهجوم على مصر منذ سنة ٣٣٢هـ؛ ومع ذلك فقد لبثت ترقب سير الحوادث في مصر بمنتهى العناية؛ وكانت تعتمد في تنفيذ مشروعها على الشعب المصري ذاته وعلى زعمائه الناقمين على بني الأخشيد، وعلى تمرد الجند الساخط لانتقاص أعطيته؛ وقد كان فريق من أولئك الجند هم الذين دعوا الفاطميين إلى غزو مصر وقت أن غادرها ابن كيغلغ منهزماً أمام الأخشيد
стр. 9145
لسحق الدولة الأخشيدية. ولما توفي كافور، واضطربت أحوال الدولة، وتعارضت الآراء في مسألة الولاية والحكم، وكثر التنافس على السلطة، وقلت أعطية الجند، كتب بعض زعمائه إلى الخليفة الفاطمي المعز لدين الله يدعوه إلى فتح مصر؛ واشترك في هذه الدعوة رجل من أكابر رجال الدولة في عهد كافور، هو يعقوب بن كلس؛ وكان الوزير جعفر بن الفرات قد قبض عليه عقب وفاة كافور وزجه إلى السجن وصادر أمواله فما زال يسعى حتى أفرج عنه؛ وفر من مصر إلى المغرب ودعا المعز إلى فتح مصر، ووصف له خصبها وغناها، وضعفها واضطرب أحوالها؛ وقد كان لابن كلس هذا فيما بعد أعظم شأن في الدولة الفاطمية بمصر في عهد المعز وولده العزيز
وقد رأى الفاطميون في موت كافور خاتمة لذلك الاستقرار الذي تمتعت به مصر في عهد بني الأخشيد، ولم يفتهم أن يلاحظوا عوامل الانحلال والوهن التي سرت سراعاً إلى قوى مصر المادية والمعنوية. والواقع أن مصر كانت تعاني من تقلب الزعماء والدول أسوأ الآثار في مواردها وفي نظمها الاجتماعية وأحوالها المعنوية، وكانت تلك القوة التي تسبغها الزعامة المؤقتة على مركزها خلباً، وكان الشعب مطية المتغلب يسوقه إلى الحرب والسلام طبق أهوائه، ويستنفد موارده وأرزاقه في بذخه ومشاريعه، وكانت العاطفة القومية تتبرم بهذه السيادة الأجنبية التي تمثلها قصور لا تصطبغ بصبغة قوية من العروبة أو الزعامة الدينية، كذلك كانت الأزمات الاقتصادية الخطيرة التي تنتهي غالباً بالغلاء والوباء تفعل فعلها في إذكاء عواطف السخط والاستكانة واليأس؛ وقد كانت مصر وقت الفتح الفاطمي (سنة ٣٥٨هـ) تعاني مصائب الغلاء والوباء، ويقال إنها فقدت من أبنائها في تلك المحنة زهاء ستمائة ألف وكان ذلك بلا ريب عاملاً في إضعاف قواها الدفاعية وفي زهدها في النضال والمقاومة. أضف إلى ذلك كله ما كانت تعانيه مصر يومئذ من ضروب الانحلال والفساد الاجتماعي الشامل؛ وقد انتهت إلينا في ذلك رواية إذا صحت فإنها تمثل ما كان لتلك الظاهرة يومئذ من أهمية في إذكاء همة لفاطميين لفتح مصر؛ وخلاصة هذه الرواية أن أم الأمراء (زوجة الخليفة المعز) أرسلت إلى مصر صبية للبيع فعرضها وكيلها في السوق وطلب فيها ألف دينار، فأقبلت إليه امرأة أنيقة فتية على حمار وساومته في ثمنها واشترتها منه بستمائة دينار، وعلم الوكيل أن هذه السيدة الأنيقة هي ابنة الأخشيد محمد بن
стр. 9146
طغج وأنها اشترت الصبية لتستمتع بها لأنها تهوى الصبايا الحسان، فلما عاد إلى المغرب حدث المعز لدين الله بأمرها، فدعا المعز شيوخ القبائل، وروى الوكيل لهم حادث الصبية، وعندئذ قال المعز: يا إخواننا انهضوا إلى مصر فلن يحول بينكم وبينها شئ، فان القوم قد بلغ بهم الترف إلى أن صارت امرأة من بنات الملوك فيهم تخرج بنفسها وتشتري جارية لتتمتع بها، فقد ضعفت نفوس رجالهم وذهبت الغيرة منهم، فانهضوا بنا إليهم
وفي هذه الأقوال التي ينسب قولها عن مصر للمعز لدين الله صورة بارزة لما يسود المجتمع المترف الرخو من عناصر الهدم. وقد كان هذا شأن المجتمع المصري في خاتمة كل فترة من النهوض والقوة: ففي نهاية الدولة الطولونية انتهى المجتمع المصري، بعد فترة قصيرة من الفتوة والبهاء والقوة، إلى نوع من الانحلال والتفكك مهد لسقوط الدولة الطولونية وعود السيادة العباسية؛ وقد كان هذا شأنه في خاتمة الدولة الأخشيدية التي سطعت في عهد مؤسسها لمدى قصير فقط. وقد نشأت الدولة الفاطمية وترعرعت في قفار المغرب، في مهاد البساطة والخشونة والفتوة؛ وانتهت في هذا الوقت الذي أزمع الخليفة الفاطمي فيه فتح مصر، إلى ذروة القوة والفتوة والرجولة إذا صح التعبير. وإليك رواية عن المعز تقدم إلينا صورة قوية مؤثرة عن تلك الروح الخشنة الوثابة التي امتازت بها الدولة الفاطمية في تلك الفترة من حياتها: استدعى المعز في يوم بارد إلى قصره بالمنصورية عدة من شيوخ كتامة، وأمر بإدخالهم إليه من باب خاص، فإذا هو في مجلس مربع كبير مفروش باللبود وحوله كساء وعليه جبة وحوله أبواب مفتحة تفضي إلى خزائن كتب وبين يديه دواة وكتب؛ فقال يا إخواننا أصبحت اليوم في مثل هذا الشتاء والبرد، فقلت لأم الأمراء، وإنها الآن بحيث تسمع كلامي: أترى إخواننا يظنون أنا في مثل هذا اليوم نأكل ونشرب ونتقلب في المثقل والديباج والحرير والفنك والسمور والمسك والخمر والقباء، كما يفعل، أرباب الدنيا، ثم رأيت أن أنفذ إليكم فأحضركم لتشاهدوا حالي إذا خلوت دونكم، واحتجبت عنكم؛ وإني لا أفضلكم في أحوالكم إلا بما لا بد لي منه من دنياكم وبما خصني الله به من إمامتكم؛ وإني مشغول بكتب ترد علي من المشرق والمغرب أجيب عنها بخطي؛ وإني لا أشتغل بشيء من ملاذ الدنيا إلا بما يصون أرواحكم ويعمر بلادكم ويذل أعدائكم ويقمع أضدادكم، فافعلوا يا شيوخ في خلواتكم مثلما أفعله، ولا تظهروا التكبر فينزع
стр. 9147
الله النعمة عنكم وينقلها إلى غيركم، وتحننوا على من ورائكم ممن لا يصل إلي كتحنني عليكم ليتصل في الناس الجميل، ويكثر الخير، وينتشر العدل وأقبلوا بعدها على نسائكم، والزموا الواحدة التي تكون لكم، ولا تشرهوا إلى التكثر منهن، والرغبة فيهن، فيتنغص عيشكم، وتعود المضرة عليكم، وتنهكوا أبدانكم، وتذهب قوتكم، وتضعف نحائزكم، فحسب الرجال الواحد الواحدة؛ ونحن محتاجون إلى نصرتكم بأبدانكم وعقولكم. واعلموا أنكم إذا لزمتم ما آمركم به، رجوت أن يقرب الله علينا أمر المشرق كما قرب أمر المغرب بكم؛ انهضوا رحمكم الله ونصركم
(للبحث بقية)
محمد عبد الله عنان
(النقل ممنوع)
стр. 9148
حول الأوزاعي (ثالثا)
للأستاذ أمين الخولي
. . . ولا مفر لي من أن أعد قراء الرسالة ألا أعود إلى هذا الموضوع بعدها؛ ثم سلام على الأخ السيد السنغافوري، وانتصاحٌ خير انتصاح بنصيحته في أن أعدل منطقي؛ وجزاه الله عن هذه النصيحة خير الجزاء؛ ولعله يعمل معي على هذا الإصلاح الرشيد الذي أبادر عليه، فيدعني أضع بين يديه هذه النقط ليصلحها كما يشاء، وله أن يبعث إلى هذا الإصلاح بأي طريق يؤثره. وربما لا يكون لقراء الرسالة بهذا الإصلاح اهتمام فليجعله - إن كان ذلك - بيننا خاصاً
يا سيدي؛ فسرت في حديث عن الأوزاعي التأثر الروماني، بالتأثر بالثقافة والبيئة الذي لابد من تقديره؛ فكتبت تقول لي إن القانون الروماني الحديث مأخوذ من الفقه الإسلامي؛ وإذ ذاك قلت لك هذا الرأي قديم نشر في مصر ولا يؤثر في قولي؛ فقلت لي إني أكتب ذلك للقراء، لا لك وحدك. والذي نشر في الكتب المطبوعة منذ ربع قرن؟ أليس هو للقراء؟ أم مهمة الرسالة أن تذيع ما في الكتب؟ أم أين منطقي. . . وأقول لك لا يؤثر على قولي ولا يتصل به من قرب، فترى من اللازم أن أجيب عن كل ما كتبت أنت وأبسط للقراء رأيي مدعماً ببراهين لا تنقص - على الأقل - عن براهين مناظري؛ ولكن لم أكن مناظرك في هذا، ولا عرضت له؛ وعنونت كلمتي الثانية أيضاً كما عنونت هذه الثالثة، حول الأوزاعي؟ فلا أنا فتحت البحث ولا أنا أردت الخوض فيه؛ وستعرف آخر الأمر لماذا ذلك؛ فالآن أين منطقي. . وأقول لك وقتي - وقتي أنا - وعملي وواجبي ومصالحي، فتقول لي لماذا يضيق الوقت ذرعاً بالخوض في هذا البحث وحده، فبربك أين منطقي؟. . . وأقول لك حين تسوي بين الأخذ والتأثر أنهما متغايران والثاني منهما قد يكون حاداً قوياً، وهو متاركة ومجانبة واحتياط من المخالطة، فلا يعجبك ذلك. وتحدثني عن سد الذرائع، كأنك تريد أن أخوض معك مناظرة أصولية، ولما نفرغ من المناظرة في تاريخ القانون، التي تجبرني عليها، حين تزعم أن أصل البحث الذي نحن فيه أنه وجد في الفقه الروماني تشابه مع الفقه الإسلامي فهم منه البعض وجود علاقة بين الفقهين، وعلم الله أني أرد العلاقة إلى أبسط من هذا التشابه وذاك الأخذ الذي تحب أن تتكلم فيه، فتجبرني على
стр. 9149
المناظرة فيما لا أرى القول فيه أو أكون هارباً منك، فأين منطقي. . .؟
وأقول لك إن قانون البيئة والثقافة ينطبق على الإسلام تمام الانطباق، فتقول لي إنك تريد أنه خارق لا ناقض وتفرق لي بينهما، وفي منطقي - المريض - أن الناقض والخارق كلاهما مخالف وأنا أقول إنه موافق، فما التفريق بين الناقض والخارق؛ وأين منطقي. . .
وتقول إن الشريعة الإسلامية وجدت كاملة دفعة وفي زمن واحد. فأقول لك نمت وزادت وتغيرت بالزمان والمكان واختلف فيها اختلاف هائل؛ فتقول لي إنما أريد الأصول والحدود والفرائض؛ وهل وجود الأصول هو وجود فهم الأصول والاختلاف فيها، والتطبيق عليها؛ وأين منطقي. . .
وأقول لك إن بعد المرامي القرآنية سبب للاختلاف، فتحتج في الرد على هذا بأمر علي لابن عباس أن يتوخى الجدال بالسنة حرصاً على ألا يخطئوا في فهم القرآن وتأويله، وهو عين ما أقوله من تسبيب الاختلاف، فأين منطقي. . .
وأقول لك عدم صراحة النصوص من أسباب الاختلاف، فتقول السبب الأكبر هو كذا، وهذا عندي هو السبب الأكبر، وهل وجود السبب الأكبر - عندك - ينفي السبب، أو الأسباب الكبيرة، والصغيرة وو. . .، وأين منطقي
وأقول لك اختلف الأدباء في فهم معنى الكذب في القرآن واستعماله فيه، فتقول لي فرق بين رسوم الألفاظ وحدودها المنطقية وبين صرائح مؤدياتها اللغوية، وهل ليست مؤدياتها هذه هي معانيها وما يفهم منها، وهل ليس هذا هو ما يحدد ويقدر حين يراد التفريق الدقيق والفهم المحلل والمحرم، وإلا فما هذه الحدود المنطقية وما تلك المؤديات التي تختلف عند السيد. . . وأين منطقي. . .؟ إن منطقي لم يفهم مطلقاً أن خطبة حجة الوداع يفهمها المسلم اليوم بمثل ما فهمها المسلم سنة عشر من الهجرة دون خلاف، لأن الألفاظ يغيرها الاستعمال، وتوسعها وتضيقها الظروف الحيوية والأدبية وغيرها، وهذا معنى قاله قدماء أدبائنا وقاله أصوليونا حين طلبوا فهم القرآن بمثل ما كانت تفهم العرب وقت نزوله، لا بغير ذلك من المعاني؛ ثم منطقي هذا لم يفهم الكلام في التفريق بين العربية وما تطور من اللغات حتى كاد ينقطع عن أصله الأول قبل مائتي سنة، لأنّا لم نكن بصدد دراسة مميزات العربية، بل بصدد صراحة آيات الأحكام ووضوح مراميها أو وقوع المشترك فيها، لا لبعد
стр. 9150
المرمى الدقيق الإعجاز فقط
وتقول إن أغلب النصوص الفقهية من السنة، فلا أفهم ذلك، فتحتج عليه بأن السنة مبينة للكتاب، فهل البيان يثبت الأغلبية والأكثرية وهي أمر إحصائي؟ ثم كيف غلبت وهي تابعة لأصل هو الكتاب لا تجئ بما ليس فيه، فكل ما فيها فيه، فما هذه الأغلبية، وأين منطقي. . . أصلح الله شأني وأصلح شأنك إن قبلت مني هذه الدعوة في غير غضب، وإلا فدع نصيبك منها لي كله
وأقول لك تتأثر الأمم بميراث بعضها؛ فتقول لي قد مضى على الرومان قرن وأكثر، ولم يبق من ثقافتهم عين ولا أثر؛ فرحم الله أسلافنا وعوضنا خير العوض في بعيد ماضينا الذي حالت عليه أحوال وتقلبت أزمان؛ ورحم الله منطقي مع هذا التراث، ما دام قرن أو أكثر لا يدع عيناً ولا أثراً، وما دامت الحياة في الدنيا جارية على القلع والغرس، بل ليتها جارية عند السيد على ذلك، فإن البرسيم يسمد الأرض عندنا للقطن؛ والغارس في مكان القلع مستفيد من المقلوع عند الفلاحين لا عند منطقي أنا. . .
وإذا رأيت أن الإسلام يؤثر ولا يتأثر، فتلك منك رغبة في إكرامه، لعله لا يحرص عليها، لأنه لا يحب أن يخالف سنن الله التي لا تتبدل
وقلت: (الواجب ألا يعتقد مسلم خلافه هو كذا وكذا) فقلت لك فهذا الاعتقاد أصل من أصول الإسلام لا يصح أن يجري فيه الخلاف إذن، فعجبت من ذلك، وسألتني بأي منطق استنتجت من قولك ذلك، وأقول لك إنه بهذا المنطق المحتاج إلى الإصلاح وقع هذا الكلام في عبارتك ففهمته، ثم كنت ذكرت يا سيدي في هذا المجال أول ما ذكرت: الضلال والزيغ ومحاربة الإسلام فتركت لك ذلك أولاً ثقة بجميل غيرتك؛ وأما الآن فأقول لك: إن هذا الكلام الذي كنت ذكرته عن عجبك من وزارة الأوقاف الإسلامية كيف تقول كذا وكذا في الفقه، ومني كيف أقرر هذه الضلالة وأفسرها؛ هذا الكلام كله هو الذي يجعلني أفهم - ولو لم تقل - أنك ترى هذا أصلاً من أصول الدين يكفر منكره؛ ولا تتأول للمخالف فيه حتى يهون أمره عليك ولا تغضب
وأخيراً أقول للسيد بجرأة المؤمن، وواجب النصح، ولو غضب أو قذف: أولى لي - أنا أولاً - ثم لحضرتك ثانياً، أن تدع المناقشة في تاريخ القانون الروماني لدراسة يحق لها أن
стр. 9151
تتكلم في هذا أو ترتئي فيه؛ لا لمقال ينشر في سنغافورة بعد خمسة وعشرين عاماً من نشره في مصر؛ وهو كل بضاعتنا وما تدور عليه مناقشتنا. والأمثل لنا أن ندرس فقهنا درساً جيداً، وندرس تاريخه درساً عميقاً؛ ويدرس قوم منا الرومان وتاريخ قانونهم، ثم نلتقي بعد ذلك لنبحث عن الحقيقة، ونتعاون على الوصول إليها، لا لنكفر كل قائل، ونتهم كل متكلم، ونتحدث عن الرومان والإسلام واليونان والعرب والفرنجة والمستشرقين والمبشرين في صفحة وبقطرة مداد واحدة. تلك نصيحتي إليك يا سيدي أكررها جزاء لك على خالص نصحك لي بأن أغير منطقي؛ وإني لعلى أتم استعداد لتغييره لو كان منطقي أنا، لكنما المنطق وحده عقلية إنسانية لا يد لي فيها ولا يد لك بتغييرها. فنبهني أصلحك الله إلى ما أحيد عنه من منطق الإنسانية، ولا تخلق لنا منطقاً خاصاً بنا فننعزل عن الدنيا؛ وكفانا ما كان من عزلة وانقطاع. وهذا الذي بينت هو الذي منعني من الخوض معك في مناقشة العلاقة بين القانونين - الروماني والإسلامي - وهو الذي تجنبته منذ كتبت أول ما كتبت وحين كتبت آخر ما كتبت
وإذا كنت - وحق المنطق وكرامة العقل - لم أغالطك مطلقاً، فإني وحرمة الأخوة الإسلامية لم يدر بخلدي أن أحقرك بل أنا أحقر من ذلك، والحق أجلُّ مني ومنك. والسلام عليك ورحمة الله
أمين الخولي
стр. 9152
إلى الشيخ اللغوي. . . و (فلان)
الوظيفة والموظفون
للأستاذ علي الطنطاوي
اعلم - أعزّك الله - أن الوظيفة ليست غُلاًّ في العنق، ولا قيداً في الرجل، وليست مقايضة أو مباددة، آخذ فيها الوظيفة باليمين، لأعطى الوجدان بالشمال؛ ولو أنها كانت كذلك، لعزفت عنها وأجوبتها، ونفضت يدي منها، ولآثرت أن أبيع خزانة كتبي كرّة أخرى، أو أقضي وأسرتي خمصا، على أن آكل خبزي مغموساً بدم الضمير. . . وعليّ أن أكفر بالفضيلة، وأومن بالمصلحة، فأزن كلّ شيء في الدنيا بميزان صنجاته الدنانير، وأبصر كلّ ما في الكون من ثقب القرش، وأفكر إذ أفكر بعقلي الذي في كيس نقودي، لا بعقلي الذي في رأسي، فاختزل المنطق كله في قضية واحدة، هي الأولى والأخرى، وهي الحق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهي الكتاب المعجز الذي لا يُفرط فيه من شيء، ولا يعجزه شيء، فيكون المنطق كله هذه القضية: تحصيل المال واجب، وفي هذا الأمر تحصيل مال، فهذا الأمر واجب. . وضَع مكان (هذا الأمر) ما تشاء من أفعال اللؤم والخسّة، والكذب والنّذُولة، والضّعة والفُسُولة، تنتظم القضية وتستقم، وتصح وتطرد. . . . . ولا يبقى في الدنيا رديء ولا فاسد، ولا منكر، ما دام معه المال!
لا - يا سيدي - لست أسلك هذه الطريق التي لا أزال أحذر منها من لم يسلكها، وأصرف عنها سالكيها، وإن كان السالكوها هم الكثرة من موظفينا وعلمائنا، ومن كل ذي وظيفة، أو صاحب صلة بالحكومة، حتى أن الرجل من هؤلاء ليأتي الأمر يعترف أنه مؤذٍ للأمة، منافٍ للفضيلة، مناقضٌ للشرف، فيحتج له بأن مصلحته تقتضيه، ومعيشته تستلزمه، وأنه رجل (عاوز يعيش. .) ولا يعيش من لا يساير وينافق، ويذل ويتزَلَّف، لا يدري الجاهل أن المعيشة على الصَّعتر مع الشرف، خير من حياة النعيم والترف، من غير فضيلة ولا شرف!
ومن أنبأك - أعزّك الله - أن الموظف لا يحق له أن يفكر إلا بعقل رؤسائه، ولا يرى إلا بعين امرأته، فلا يحقق من الآراء ما أبطلوا، ولا يقبل ما ردّوا، ولا يوقر ما سفّهوا، ولا يرى ما استقبحوا حسناً، ولا ما كتموا ظاهراً، ولا ما صغّروا كبيراً، ولا ما عظموا حقيراً؟
стр. 9153
أو لو كان رؤساؤه مخطئين، أو لو كانوا لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون؟
ومن ذا حظر عليه ما أبيح للناس، ومنعه ما منحوا من حرية التفكير، وحرية الرأي، وحرية القول، ولماذا يشتهي من الطعام ما يعافه رئيسه، ويستحسن من أبيات الشعر وأصوات الغناء ما يستهجنه ويستثقله، ولا يكون عليه في ذلك من حرج، ثم لا يتخذ له من الآراء غير رأيه، ومن المذاهب غير مذهبه؟ ولماذا لا ينشر هذا الرأي، ويؤيد هذا المذهب، ما دام لا يأتي محرماً في الشرع، ولا ممنوعاً في القانون؟. .
والوظيفة - يا سيدي - عقدٌ بين الدولة والموظف، على أن يعمل عملاً بعينه، على جُعْلٍ بذاته، أفهل يعمل الأجير في الدكان، والعامل في المصنع، والنادل في الفندق، والخادم في البيت، وكلُّ مأجور من الناس في عمل جلَّ أو قلَّ، علا أو سفل، فإذا أكمل عمله وجوّده، استحق الأجر، وانطلق حراً في وقته، يقضيه على ما أحب، حراً في ماله ينفقه على ما شاء، حراً في رأيه ينحو به النحو الذي أراد، ويسوقه المساق الذي اختار. . . ثم لا يكون الموظف حراً أبداً، ولا يملك من أمر نفسه شيئاً؟
وماذا عليّ وأنا مدرس إذا أنا أعددت درسي وألقيته، وقرأت وظائف تلاميذي وصحّحتها، وفعلت كل ما يوجب عليّ القانون أن أفعل وزدت على الواجب النوافل، أن أُؤلًّف وأكتب، وأنقد الأخلاق والكتب والعادات، وأساهم في الجهاد الإصلاحي، وأحمل القسط الذي أطيقه من أثقال الأمة، ومن ذا يحمله إذا لم أحمله أنا وأمثالي من الموظفين والمتعلمين؟ وكيف تتقدم الأمة وتسير في طريقها إلى غايتها، إذا لم تجد من أبنائها من يحمل أثقالها؟
أفهل يريد سيدي - أعزّه الله - أن أمحو ملكة الكتابة من رأسي، وأطمس نور البصيرة من قلبي، وأسدل على عيني حجاباً حتى لا أرى فأسرّ فأشكر، أو أبتئس فأنقد، وأهجر الكتب حتى لا أقرأ فيفتح على الكتاب طريقاً إلى مقالة، وأعتزّل الناس حتى لا أسمع حديثاً فأكتب هذا الحديث، أو قصة فأدون هذه القصة، وأدل على مكان العبرة منها، وموطن العظة فيها؟ أفهل يريد سيدي أن أذهب إلى غار في الجبل فأحبس نفسي فيه كيلا أكتب فأزعج حضرته؟
أو هل توجب الوظيفة على صاحبها أن يكون عبداً لرؤسائه، مسخراً لأغراضهم ساعياً في مصالحهم، ولو كانت الطريق إلى إرضائهم طريقاً ملتوية معوجة لا يسلكها رجل يعرف ما
стр. 9154
هي الفضيلة، ويدري ما هو الشرف؟
وهل توجب الوظيفة على الموظف أن يكون مبتوراً من جسم الأمة، فلا يشعر بشعورها، ولا يألم لألمها، ولا يحس أنه منها، ولا يشاركها في شئ من عواطفها، في حين أن المفروض في الموظف أنه من أرقى أبناء الأمة فكراً، وأوسعهم اطلاعاً، وأشدهم شعوراً (بالواجب العام)؟
أو هل يأخذ الموظفون رواتبهم من صندوق الأمة، ثم ليناموا آمنين إذا هي خافت، ويضحكون فرحين إذا هي تألمت، وينعموا فارهين إذا هي شقيت، ويأكلوا مسرفين إذا هي جاعت؟
كلا! كلا يا سيدي، فالموظف من الأمة وإلى الأمة، وليس في البلد شعب وموظفون، ولكنّ فيه شعباً واحداً، يشعر بشعور واحد، ويصدر عن مبدأ واحد ويسعى إلى غاية واحدة، ولأن تعرف أنت هذه الحقيقة فتعمل بها، أولى من أن أنزل أنا على رأيك، وأخضع لإرادتك، فيما يؤذي الحقيقة وينافيها
كلا! لقد انقضى ذلك العهد كان الموظف فيه مسؤولا أمام رئيسه، وأصبحنا اليوم وكلنا مسئولون أمام الأمة والتاريخ؛ وليس هذا الراتب منحة منك حتى تمنّ به عليّ، ولكن راتبك أنت منحة من الأمة - التي أنا من أبنائها تمن هي بي - عليك!
وبعد؛ أفليس مما يجب على قادة الفكر، وأرباب الأقلام، أن يعرّفوا الناس حقيقة الوظيفة والموظفين، وحق الأمة عليهم، وأمل الأمة فيهم؟ أوليس يجب عليهم معالجة هذه النواحي من أخلاقنا، وبسط الكلام فيها، وتحذير السالمين منها، ومداواة المصابين بها؟. . .
علي الطنطاوي
стр. 9155
إلى الأستاذ محمد كرد علي
أغراض الاستشراق
للأستاذ محمد روحي فيصل
العجالة التي أسوقها اليوم إنما كتبت منذ عهد بعيد، وهي كما ترى أو كما سترى تحكي أغراض المستشرقين الدينية والسياسية، وتبين البواعث النفسية التي قام عليها تاريخ الاستشراق، وتعدد ألوان التخاذل العلمي والوجداني التي خضعت لها هذه الطائفة منذ نشأتها الأولى! ولقد كنت أريدها دراسة قوية مستفيضة موفقة تشرح ما تتوغر به صدور القوم من الحقد والموجدة، وتفضح ما ألم بالقلوب من النزوات البشعة والأهواء المريضة؛ وأذكر أني ما قرأت كلمة في هذا الصدد لكاتب من الكتاب إلا أعادني الحنين إلى تكملة ما شرعت فيه قديماً، واستئناف تبيان ما عميت أو تعامت عنه البصائر والأفهام
كان يعوقني عن ذلك أمران، هما الدعامة التي ترتكز عليها أسباب الكتابة والنشر، أولهما فقدان الصحيفة العربية الإسلامية الشرقية التي ترحب ببحوث كهذه التي نعتزم إذاعتها في الناس، والتي تشجع الكاتب الباحث على المضي فيما أخذ به نفسه من الدراسة الحرة الخالصة؛ وثانيها غموض الحجة وهلهلة المنطق والتواء التاريخ للظهور على المستشرقين والتغلب على مزاعمهم ودحض آرائهم واثبات خطئهم؛ فليس يكفي عندنا أن نتهمهم في إبهام، ونبغضهم لغير سبب، ثم نحمل عليهم ونرشقهم بقارص الكلام وعنيف السباب؛ إذن لتجنينا عليهم فظلمناهم ظلماً كبيراً، ولكانت دعوانا التي نتقدم بها عاثرة خاسرة!!
أما الصحيفة العربية الإسلامية فقد عثرنا عليها واهتدينا إليها، و (الرسالة) السمحة لن تضيق أبداً بما تعتقد أنه الحق، أو تتبرم بنفي ما غشى العرب والإسلام من ضعة الخطأ والعدوان، وهي المجلة الراقية التي تعتز بالكرامة وتعتصم بالنبل ثم تصل الماضي بالحاضر وتربط الشرق بالغرب على هدى وبصيرة؛ وأما الحجة والمنطق والتاريخ فقد توفرت لدينا وأسلست عناصرها لنا واتضحت في ذهننا، وإنا لنرجو أن نؤثر في الأسلوب والعرض جانب الحق والإنصاف والهدوء على جانب التحامل والملامة والغضب
وأحب قبل كل شيء أن أقول لعلامة الشام الأكبر ومؤرخها البارع الأستاذ محمد كرد علي إنه إذا قدر أن ينشر المستشرق برتزل كتابي المقنع والنقط نشراً حسناً ويضع لهما فهرساً
стр. 9156
خاصاً يسهل على المطالع أمر المراجعة والتنقيب، فما ينبغي أن توجه الشكر والثناء إلا للناشر الفاضل وحده، أما أن ترسل الكلام إرسالاً وتمتدح المستشرقين كافة فهذا ما ينكره العلم ولا يرضاه الحق، فتقول: (هذه عناية علماء المشرقيات بكتب الإسلام، أما خاصة أهله اليوم فساهون لاهون! وليت سادتنا علماء الأزهر والمعاهد المماثلة في القطر وأساتذة العلوم وغيرهم يتروون في عمل هؤلاء الأعاجم، وقد كان عليهم أن يأخذوا باليمين آثار السلف ليحيوها قبل أن تنتظر في الخزائن عطف الغرب. إننا مدينون لعلماء المشرقيات من الهولنديين والجرمانيين والفرنسيين والبريطانيين والإيطاليين والأسبانيين وغيرهم من شعوب أوربا وشمالي أمريكا بما تفضلوا به علينا من نشر أسفارنا، أحسن الله إليهم بقدر ما أحسنوا لمدنيتنا وآدابنا)
لقد تعودنا أن نكيل المديح للمستشرقين كيلاً، وأن ننعت جهودهم بأنها بذلت لخدمة لغتنا وأدبنا وتاريخنا، وأن ما نشروه من البحوث والمخطوطات إنما كان لذات العلم خالصاً، ونرانا نرجع إليهم كلما اختلفنا في رأي أو حزَّ بنا أمر لنستوحي منهم الحكمة وفصل الخطاب. هم يتمتعون منا بثقة لا حد لها، ولكن هل عرفنا أغراضهم وغاياتهم؟ هل تبينا حقيقة مقاصدهم؟ ذلك ما نحاول الكشف عنه اليوم، وسيتضح لكل ذي عينين باصرتين أن وراء الأكمة ما وراءها. . .!!
ولسنا ننكر أن بين المستشرقين طائفة معتدلة قد أخلصت في دراستها الإخلاص كله، فنظرت إلى الأدب العربي والتاريخ الإسلامي وإلى كل ما أنتجه الشرقيون من دين وعلم وفلسفة نظرة مجردة عن الهوى كما يتطلبها البحث العلمي الحديث، وهي لذلك تستحق أجزل الثناء، بل إنها لما ينبغي أن نفاخر به أبد الدهر، إلا أن أفراد هذه الطائفة إذا عدُّوا لا يتجاوزون عدد الأصابع، وهم إزاء هذه الكثرة الهائلة المغرضة من المستشرقين لا يذكرون شيئاً؛ وقد قيل إن النادر لا حكم له. فأنت لو تصفحت هذه الأسماء: مرجليوث، لامنس، ماسبرو، دي ساسي، فلوغل، كارليل، كولنبرك، جنستون، ستونتن، هوغتن، غابلنتس، سيدليو، كوسان دي برسفال، كلابروت، جيب، دي لاغرانج رينو، مونك، يرون، كازميرسكي، كسغارتن، برنستين، فتزر، وولف، بورغستال، جونس، غوتوالد، كريستيا نوفتش، خانيكوف، بوتجانوف، سيانكوفسكي، سافلياف، غريغورياف، تورنبرغ، دوزي،
стр. 9157
بروكلمان، غويدي، غولد زهير، هيار، فمبري، زترستين، ناللينو، هوداس، موسل، بيكر، دي فو، ماسينيون، هرغروني، فولرس، ارنولد، مورتمان، لشالتييه، بوفا، كاباتون، هاليفي، مكدوبل، دوفال، بارت، ليفي، كازانوفا، شوفين، كولينيون، دافيدس، لامبروز، نافيل. لشككت في حسن الغاية من أعمال الكثير منها، ولحرصت على أن تقصر الثناء على بعضها في تحفظ واعتدال!!
كان الباعث الأصلي للأوربيين على تعلم اللغات الشرقية دينياً محضاً. فقد هالهم أمر العرب، وأدركوا سريعاً أن هؤلاء القوم الفاتحين إنما يريدون فيما يريدون الاستيلاء على أوربا بأسرها لنشر تعاليمهم الجديدة والقيام بما أوصاهم به سيدهم الأعلى ونبيهم الكريم محمد بن عبد الله، والتاريخ يحدثنا أنهم امتلكوا حقاً أسبانيا الواسعة، وأجتاحوا جزءاً كبيراً من جنوب فرنسا حتى مدينة بواتيه أو بلاط الشهداء كما يطلق عليها مؤرخو العرب، ثم احتلوا جزيرة صقلية وشرعوا في بسط نفوذهم الأدبي على إيطاليا. . . وإيطاليا كما تعلم معقل المسيحية الحصين، ومصدر أشعة الدين، فعزم الغربيون على أن يحاربوا الإسلام والشرق بكل قواهم متخذين جميع الوسائل الفعالة
لجأوا إلى السيف أولاً فقاتلوا وقاتلوا حتى إذا لم يفلحوا كل الفلاح ولم ينالوا ما يبتغون عمدوا إلى وسيلة أخرى أمرُّ من تلك وأدهى! فقد عقدوا مؤتمراً كبيراً في فينا عام ١٣١١ ميلادية ترأسه البابا كليمان الخامس، وقرروا أن تؤسس في باريس وبولون واكسفورد وسلمنكة مدارس خاصة تدرس فيها العربية والعبرانية والكلدانية لتخريج وعاظ أشداء يستطيعون تنصير المسلمين واليهود أو تشكيكهم فيما فيه مؤمنون. وأنشأ الدومينيكان والفرنسيسكان في أديارهم دروساً في هذه اللغات، فغدت إيطاليا في ذلك العهد موطن علم المشرقيات. على أنهم كانوا يعنون بصورة خاصة بالعربية والعبرية، يأخذون الأولى عن السوريين الموارنة كبني السمعاني، والثانية عن الأحبار الربانيين. فانتشرت العربية بين الطليان انتشاراً عظيماً، حتى أن تجار البندقية وجنوة وبيزا ونابولي كانوا ينظرون إلى أن تعلمها من الحاجات الماسة للحياة على نحو ما ننظر اليوم إلى اللغة الفرنسية أو الإنجليزية. وعقيب اختراع الطباعة كان قانون ابن سينا أول كتاب عربي طبع في روما. ولما قامت الحركة البروتستانية في القرن الخامس عشر وأمدها لوثر بروحه ازدادت عناية الغربيين
стр. 9158
بالعبرية والسريانية والكلدانية للبحث عن النص الأصلي للتوراة، وتتبع ذلك قيام البابا غريغوار الثالث عشر وأُربان الثامن بتعليم اللهجات الشرقية عملياً ليستفيد منها المبشرون بالنصرانية. وفي عام ١٦٢٧ أنشئت مدرسة (انتشار الإيمان) التي خرَّجت الألوف من علماء المشرقيات؛ وكذلك أنشئت في فرنسا على عهد الوزير كولبير مدرسة (الشبان) التي أذاعت الفارسية والتركية وكثيراً من القصص الشرقية كألف ليلة وليلة وغيرها من الرسائل. وفي نهاية القرن السابع عشر نشر اليسوعيون أتباع لوَيُّولا اللغتين اليابانية والصينية وثقافتهما
على أن الاستشراق بعد ذلك قد تبدلت بواعثه، فغدا يخدم السياسة بعد أن كان يخدم الدين، ذلك لأن في القرن الثامن عشر ظهرت طائفة من الكتاب كفولتير وغيره حملت على الدين ورجاله جملة منكرة، وتناولته بالسخرية والتهكم المر، غير مبقية على شيء من احترامه القديم وسلطانه النافذ؛ ولأنه قامت في ذلك الحين ضجة الاستعمار وثار الغرب على الشرق يريد استعباده. فوضع المستشرقون أنفسهم تحت تصرف رجال السياسة، يُدلون إليهم بما يعلمون عن الشرقيين لتتمكن أقدامهم في بلاد الشرق، وتكون لهم على أهله سلطة خالدة.!!
ونلاحظ في هذا الطور الجديد تأليف الجمعيات في مختلف المدن الشرقية، فقد أنشأ المستشرقون جمعية العلوم والفنون في باتافيا عام ١٧٧٨، والجمعية الأسيوية في لبنغال عام ١٧٨٤، والجمعية الأسيوية في بومباي عام ١٨٠٥، والجمعية الأسيوية في باريس عام ١٨٢٢؛ وقد بذلت هذه الأخيرة جهوداً جبارة في دراسة الشرق ولغاته وتاريخه لا سيما اللغة العربية والعقلية العربية والثقافة العربية وما يتصل بذلك كله من دين وفلسفة، وعلم وأدب، لتقدم للحكومة آخر السنة تقريرها المعروف الذي لا يضم بين جوانبه حقائق تمليها لعدالة ويبعثها الواقع، وإنما ينطوي على سموم من الحقد وأثر من المغالطة! وهذه المجلة الأسيوية التي ما تزال حتى الآن تصدر في باريس مرة كل شهرين إنما هي أثر من آثار هذه الجمعية. . .
لقد كان المستشرقون على اتصال دائم بوزارة الخارجية ووزارة المستعمرات، يترددون على رجالاتهما لمعرفة ما جدّ وتغير من القرارات، وأن هذه البعثات التي يقومون بها إلى بلاد الشرق بين حين وآخر ليست بعثات علمية كما يزعمون تقصد وجه العلم خالصاً؛
стр. 9159
وإنما هي في الحقيقة بعثات سياسية مصدرها هذه الرؤوس المفكرة الماكرة الجاثمة في الوزارتين المذكورتين، تطوف أنحاء الشرق باسم منقبة باحثة، حتى إذا ما ملأت حقائبها بما تريد عادت إلى وزارة الخارجية ووزارة المستعمرات تصب فيهما معلوماتها طروبة فخورة! وكثيراً ما كانت هذه البعثات (العلمية) تمنع من دخول بعض البلاد الشرقية، وقد تطرد منها أحياناً على أسوأ حال!!
وبعد، فلو نظرنا إلى بحوث علماء المشرقيات التي خطوها عن الأدب العربي والعقلية العربية، وفلاسفة العرب لاستخرجنا من ثناياها براهين جمة تبين لنا بوضوح كيف تندفع هذه الطائفة وراء الهوى والغرض لتثبت قضية من القضايا على أساس تجاهل الواقع وطمس الحقيقة؛ هذه نظرية (السامية والآرية) التي يؤمن بها أغلب المستشرقين والتي تصبغ دراساتهم بلون خاص تصف العرب والجنس السامي على العموم بأنهم قوم غرباء عن العلم والفلسفة، لا يحسون بالجمال والفن، ولا يعرفون ما يسمى بالأنظمة السياسية والمدنية. يقول أرنست رينان في الفصل الأول من كتابه في تاريخ اللغات السامية: (إن اللفظين اللذين استعملا ولا يزال استعمالهما جارياً إلى الآن، للدلالة على سير العقل نحو الحقيقة، وهما علم وفلسفة، قد كانا غريبين عن الجنس السامي تقريباً. فالبحث التفكيري المستقل الدقيق العميق، أو بعبارة أخرى التفكير الفلسفي للبحث عن الحقيقة، يبدو أنه كان وقفاً على الجنس المسمى بالهندي الأوربي (الآري) الذي كان يبحث منذ أقدم العصور إلى الآن لتفسير الله والإنسان والعالم تفسيراً عقلياً، والذي ترك وراءه في كل مراحل تاريخه آثاراً فلسفية خاضعة لنواميس تطور منطقي، أما الساميون فإنهم بدون تفكير أو تدليل توصلوا إلى أصفى صورة دينية عرفها التاريخ فالمدرسة الفلسفية موطنها اليونان والهند، في وسط قوم طلعة يهتمون كثيراً بمعرفة أسرار الأشياء. أما المزامير والأناشيد والكتب المنزلة والحكم الرمزية أو الموضوعة في شكل ألغاز فهي من نصيب الجنس السامي
(والجنس السامي أدنى من الجنس الآري إذا قورن به، فهو - أي الجنس السامي - ليست له هذه الروحانية السامية التي عرفها الهنود والألمان فقط، وليس له الإحساس بالجمال الذي بلغ حد الكمال عند اليونان، وليست له هذه الحساسية الرقيقة العميقة التي هي الصفة الغالبة عند الكلتيين (فرنسا وجزء من البلجيك)، وإنما الساميون بديهتهم ولكنها محدودة،
стр. 9160
وهم يفهمون الوحدة بشكل غريب، فالتوحيد هو أهم خصائصهم وهو الذي يلخص ويفسر جميع صفاتهم
(من آثار التوحيد عند الساميين التعصب، فعدم التسامح الديني عند الساميين هو نتيجة ضرورية لمذهبهم التوحيد، ومسألة النبوات والوحي هي من المسائل التي الساميين، حتى أن القرآن لم يجد تقسيماً للشعوب غير تقسيمهم إلى كتابيين وغير كتابيين
(والساميون تنقصهم الدهشة التي تدعو إلى التساؤل والتفكير، والتي تدعو إلى البحث عن الحقيقة، لأن اعتقادهم في قدرة الله يجعلهم لا يدهشون لشيء، فإذا رأوا شيئاً عجيباً قالوا: (ربنا قادر على كل شيء) كما أنهم في حالة الشك يختمون رأيهم بقولهم (الله أعلم) فإذا اعترض على ذلك بظهور حركة علمية فلسفية عند العرب في عصر العباسيين وجب أن يكون الجواب على ذلك إنه من الخطأ وسوء الاستعمال أن نسمي فلسفة منقولة عن اليونان بالفلسفة العربية، مع أنه لم تظهر لها أي مبادئ أو مقدمات في شبه جزيرة العرب مكتوبة بالعربية، وهذا هو كل ما في الأمر، كما أنها تزدهر إلا في الجهات البعيدة عن العرب مثل أسبانيا ومراكش وسمرقند، وكان معظم القائمين بها من غير الساميين وكثرتهم من الفرس
(والتوحيد له تأثير أيضاً في الشعر العربي، لأن الشعر العربي يعوزه الاختلاف والتنويع، فموضوعات الشعر أي أغراضه محدودة قليلة العدد جداً عند الساميين؛ والواقع أن هذا الجنس لم يعرف إلا نوعين من الشعر هما الشعر المجازي عند اليهود والشعر الشخصي الغنائي عند العرب، والأبطال في هذا الشعر هم نفس منشئيه. وهذه الصفة الشخصية إلى الغاية التي تجدها في الشعر العربي واليهودي ترجع إلى خصيصة أخرى من خصائص النفس السامية وهي انعدام المخيلة الخالقة عندهم، وتبعاً لذلك عدم القدرة على الاختراع. .!!
(والساميون ينقصهم الإحساس بالتنويع، فالتشريع السامي البحت لم يعرف مطلقاً إلا نوعاً واحداً من القصاص هو الموت. وملكة الضحك معدومة عند الساميين، حتى إن الفرنسيين وهم شعب ضحوك ينظر إليهم عرب الجزائر باستغراب، ويعتبرون ذلك منهم موضع دهشة بالغة
(والساميون عندهم نقص تام في كثير من الفنون الجميلة مثل صناعة التماثيل والتصوير،
стр. 9161
وقد حال دون وجودهما عندهم تحريم الدين من جهة وانعدام الخيال والاختراع من جهة أخرى وهما شرطان لازمان لهذين الفنين. والموسيقى وهي الفن الشخصي إلى الغاية هي الفن الوحيد الذي عرفه الساميون
(والأخلاق نفسها ينظر إليها الساميون نظرة تخالف نظرتنا إليها، فالسامي لا يعرف مطلقاً أن عليه واجبات إلا لنفسه، وإذا طلبت إليه أن يحافظ على كلمته ويبر بوعده وأن يقيم العدل بلا تحيز فإنما طلبت إليه مستحيلاً، فالأنانية تتمثل فيهم بأجلى مظهرها)
لن نناقش الآن هذه النظرية أو نقول فيها رأياً، لأن ذلك مما يطول بنا، وحسبنا أن ندل على شيء مما يعتقد المستشرقون، ومع أن تسعين في المائة من هذه النظرية خطأ واختلاق فقد أحلها الغربيون من نفوسهم المحل الأرفع لأنها توائم نزعاتهم وتتفق وميولهم الطافرة إلى السيطرة والاستعمار
لست أدري ما الذي يرضينا في المستشرق!؟ العلم النزيه، وقد رأينا أنه إنما كان لأراب أخر، أم الذوق الأدبي، وليس من شك عندنا أنه بعيد عنه بعد الأرض عن السماء! فالمستشرق مهما تضلع من اللغة العربية، وأخذ من الثقافة الأدبية، وتغلغل إلى الروح الإسلامية فلن يدرك أبداً غاية الأدب وأثره وحدوده ولن يستطيع بحال من الأحوال أن يتذوق جمال قطعة أدبية أو قصيدة فنية على نحو ما يتذوقها العربي! هو يفهم القرآن ولكنه لا يخشع عند سماعه أو تلاوته، ويشرح القصيدة العربية غريبها وبديعها وعروضها ولكن أذنه لا تطرب لهذه الرنة الموسيقية المبثوثة في أطواء الشعر العربي.
حمص
محمد روحي فيصل
стр. 9162
صورة وصفية
عبد السميع
للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
كان كل امرئ يعرفه - أهل الحي، وزوّار الأمام الشافعي، والأجانب السياح الذين يجيئون إلى هذه الناحية، ليروا مقابر الخلفاء والمماليك ومدافن (الباشوات). وكان (عبد السميع) - كاسمه - سميعاً، ولكنه غير بصير؛ وكان له حجر عال عريض يقعد عليه، ولا يريمه، في الشتاء والصيف؛ ولم يكن يبالي لا الشمس ولا الرياح، ولا المطر ولا التراب؛ وكان يظل نهاره على هذا الحجر، فإذا غابت الشمس ودخل الليل، اختفى، كأنما ابتلعته الأرض، أو انشق له الحجر فغاب فيه، فكل ما يعرفه الناس من أمره أن هذا مكانه قبالة المسجد، وأن كل راكب يميل إليه ويترجل عنده، ويضع بين أصابعه زمام دابته، حتى يفرغ من الصلاة في المسجد أو غيرها مما جاء له، فينقده القرش أو المليم ويتناول منه العنان ويحييه ويمضي. وكان (عبد السميع) يعرف كل رجل وامرأة وطفل في الحي، وكل غريب ألقى إليه بزمام حماره أو بغلته أو فرسه أو مهره، من صوته؛ وكان من عجائبه أنه يعرف - وهو ممسك بالأعنة - حمار من الذي نهق، وأي هذه الدواب تعلك لجامها، وأي البغال مزنوقٌ فيرفه عنه ويرخي له الرباط الذي تحت حنكه، وأي حمار تفلتت الشكيمة من فمه، فينهض إليه ويردها إلى مكانها من فيه، وأي الأفراس انحل إبزيم منطقته فيعقده، أعني يدخل لسانه في طرفه الآخر. وكان كثيراً ما يشير على أصحاب الدواب باتخاذ المراشح تحت لبد السروج لتنشيف العرق، أو بتضمير الفرس إذا وجدها سمينة، أو برفع المهماز إذا أحس بيده آثار وخزه في جلدها، أو بتغيير السرج إذا وجد له عقراً بظهرها، فقد كان رحيماً رقيق القلب
وكان يأبى أن يتخذ عصاً يتوكأ عليها، ويجس بها الأرض ويقدر لرجله موضعها قبل الخطو، فكان يمشي مطمئناً واثقاً، كأنما يرى الطريق، ويلقي التحية إلى الناس بأسمائهم، في دكاكينهم حين يبلغها، بل كان يعرف المرء من دبة رجله على الأرض، فيقول له: (مالك مستعجلاً يا فلان؟ خيراً، إن شاء الله!) وكان - ولا يزال - هناك طريق أعلى من الميدان الذي أمام المسجد يؤدي إليه سلم، درجاته متهدمة، فكان إذا بلغها يرقى فيها كأنه
стр. 9163
صبي في العاشرة من عمره؛ ولكن أعجب من هذا كله أنه كان يركب الخيل والحمير والبغال، ويركضها في الطرق والسكك التي ألفها، فإذا اعترضته زحام أو قطيع من الغنم، حبس الدابة، ثم أرخى لها اللجام، وتركها تتخلل الزحمة حتى إذا أحس خلو السكة نقرَ بها، ليزعجها ويستحثها؛ فقد كان كما أسلفت شديد الرفق بالحيوان، لا تطاوعه نفسه حتى على نَكْزِه بقدمه العارية
وكان دائم البشر، لا يتجهم ولا يكتئب، ولا يبدو للناس إلا طلق المحيا، ضحوكاً، طيب النفس، حلو الدعابة؛ ولكن غزله كان فيه بعض العنف، فقد كان إذا داعب فتاة لا يحلو له إلا أن يقبض على شعرها ويجذبه إليه بقوة فينتف بعضه؛ وكانت الفتيات يحذرن ذلك ويتقين أن يكن منه بحيث تنالهن يده
وجاء الشتاء، وجاء معه طبيب عيون ألماني، فأدار عينه في الصحراء فرأى على جبل المقطم شيئاً كالبناء فأشار إليه وسأل عنه فقالوا هذا قبر الجيوشي - أمير الجيوش - فرجا منهم أن يكون أحدهم دليله إليه، فقالوا: (بل يكون دليلك عبد السميع) وجاءوه به، فتعجب، ولو كان يعرف العربية معرفتها لتمثل بقول القائل:
أعمى يقود بصيراً، لا أبالكم … قد ضل من كانت العميان تهديه
ولكن عبد السميع لم يضله، ولم يندم الطبيب على ثقته به واطمئنانه إليه، ووجد في صحبة هذا الدليل الغريب كل ما طالعه به وجهه الصبيح من الأنس، فنشأت بينهما بعد هذه الرحلة صداقة فريدة، فكان الطبيب يزوره كل بضعة أيام، ويجلس إلى جانبه على حجره العالي، ويراعيه وهو يحرس الخيل والحمير لأصحابها؛ ووقع من نفسه رفقه بها وحسن تعهده لها، فقال له يوماً - بعربيته المحطمة - إنه يريد أن يعمل له في عينيه شيئاً، وإنه يرجو أن يرد بذلك بصره عليه، فضحك (عبد السميع) وقبل. وكان قد ألف أن ينظر الأطباء في عينيه وأن يسمعهم يتلاغطون بما لا يفهم، ثم يمضون عنه ويبقى هو على حجره
وجاء يوم نظر فيه الناس فإذا الحجر خال، ولا (عبد السميع) هناك، فصارت الأعنة تلقى إلى صبيان يشدونها إلى مسامير في الحائط، وينامون ويتركون الحمير تترافس
وكان (عبد السميع) راقداً على سرير نظيف في مستشفى، وعلى رأسه ووجهه - إلى أرنبة أنفه - الضمادات، وهو ساكن لا يقول شيئاً، ولا يبدي ألماً أو ضجراً، ولا يدع شكه يغلب
стр. 9164
بشره أو شكره لصديقه، وكان من العسير أن يعرف أحد في أي شيء يفكر هذا الراقد المعصوب الرأس. ولعله - لطول صمته على خلاف عادته - كان يجاهد أن يتصور الدنيا الجديدة التي سيرثها حين يفتح عينيه عليها ويبصرها لأول مرة؛ ولعله كان يستهول أن يبصر كل ما عرفه وألفه بحواسه الأخرى، وكان كل ما يجيب به الطبيب حين يحدثه وهو يغير له الضمادات (إن شاء الله! إن شاء الله!) ثم يتحرك كالقلق المضطرب على هذا الفراش الناعم تحت الملاءة النظيفة
وكان الطبيب واثقاً من نجاحه، فجمع إخوانه - زملاءه - في صباح يوم، وحل الأربطة بعناية وحذر، ثم ترك ضوءاً خفيفاً يدخل في الغرفة، وتناول يد (عبد السميع) برفق، وهو أشد ما يكون اضطراباً وسأله (أترى شيئاً؟) فقال عبد السميع - وعلى فمه ابتسامته التي لا تزايله - (صبراً، صبراً)، فصبر الطبيب لحظة ثم فتح النوافذ فغمر النور الحجرة وملأتها الشمس ورقدت أشعتها على السرير والجالس عليه، والأطباء حافون به، منحنون إليه، يحدقون في وجهه وأنفاسهم مسرعة، وقلوبهم في حلوقهم، و (عبد السميع) ساكن، ووجهه الباهت من طول الرقاد، إلى النافذة التي تطل على النيل؛ ثم تحركت يداه، وارتفعت كفه إلى محياه، وجعلت أصابعه المرتعشة تتحسس عينيه، فأدرك القوم أن الطب أخفق، وتوجع الطبيب الألماني وارفض دمعه، فغطى وجهه بكفيه ليحبس عبراته أو يكتم نشيجه، وسمع (عبد السميع) ما يتردد من البكاء المكتوم فنهض، وعلى وجهه ابتسامة رزينة، وتحسس طريقه إلى صديقه المحزون، ومد يده الخشنة فلمست لحيته المبللة، فنقلها إلى كتفه وقال بصوت لا يشي بما عسى أن يكون مطوياً تحت ضلوعه
(لا تبك يا صاحبي! ازجر عينيك، إنه قضاء الله، ولا حيلة لنا فيه، ومن نكون نحن حتى ندفعه أو نغيره!) ثم تلفت، فأقبلوا عليه يسألونه هل يريد شيئاً؟ قال: (نعم - صبي يعود بي)
وعاد إلى حجره، وخيله وحميره، فلم يغب عنها بعد ذلك مرة أخرى، ولم يقل لأحد أين كان
إبراهيم عبد القادر المازني
стр. 9165
من مشاهد الشرق
٤ - طائفة البهرا في الهند
ملاحظات في المجتمع البهري بقلم محمد نزيه
تتمة
يقول الكهل الوقور محمد علي بخش رئيس الوزارة البهرية في وصف طائفته، إنها (طائفة تجارية) لا يحيد عن سبيل التجارة واحد من أبنائها، فإذا تنكب أحدهم هذه الطريق أو ضلّها، فلاذ بكرسي للحكومة، أو زاول حرفة من الحرف لم تكن التجارة جل همه منها، فقد انحرف عن تقاليد الطائفة، وعق ديانتها، ورماها في أمنع حصونها، فأصاب منها منازل القدسية والحرية والجاه
هي جماعة أقسمت مذ وضعت في كف الحياة كفها، ألا تعرف خفض العبودية ولا يعرفها رق هذا الزمان، وإنهما ليقتحمان كل شيء إلا هذه الأمة التي أجمعت على ألا يكون الوطن المقدس رقعة من الأرض يهون امتلاكها، ولا يعز اغتصاب ما فيها ومن فيها، بل هم استغنوا عن الوطن المقدس بالعهد المقدس أن يكون صغيرهم ابن كبيرهم، وكبيرهم أبا صغيرهم، وكل كبارهم أشقاء وكل صغارهم أشقاء، وأولئك وهؤلاء كأنما انتظم أرواحهم جميعاً سمط واحد من شعاع الشمس لا يقطع أبداً. وإذ كان لا بد لهذا الجوهر الأحد من معارف وبواطن تفرقُ بينه وبين سواه، فإن أجلى معارف البهري ابتعاده عن مخالطة أي امرئ من غير طائفته؛ ومعظم بواطنه الحب والمودة والأهبة الدائمة لمعاونة أخيه في مذهبه، دون تفريق بمختلف الأجناس والمراتب، فاستغنوا بقوادهم عن كل حاجة إلى سواهم، حتى (الحكومة) يعزفون عن أعمالها، ترفعاً بأنفسهم عن شعور الحاجة إليها يوماً من الأيام
يقدم البهري من أقاصي إفريقية على بمبي، فينزل من قلوب أبناء الطائفة هناك، منزلة من عاد إلى أمه وأبيه من سفر طويل، كل بيت من بيوتهم هو ملك يمينه حتى تقر نفسه وتذهب وحشته، فينفح بما يحتاج التجارة إليه من مال، يبدأ به عمله، فإذا لمح وجه الفشل، أسرع فوضع أمره بين يدي طائفته، فلا يكاد ذلك يضح لهم، حتى ينهالوا على بضاعته ابتياعاً، إلى أن تروج سوقه، وتبدو طلائع نجاحه، فلن تجده مهما نقبت عنه، ذلك البهري
стр. 9166
الذي لم يفيء الله عليه بنعمة السعة واليسار
وإذ كانت شؤون هذه الأمة الواحدة في حاجة إلى الراعي، يصرفها ويسهر على تدبيرها، فلا بد لها من قاض يفرق بالعدل بين أبنائها جميعاً فيرضيهم جميعاً، وهذا القاضي هو داعي الدعاة في بمبي، وهو نائبه في كل بلد اتخذها بعض هذه الطائفة منزلاً، يخولونه أمرهم فيقضي بينهم بما شاء، لا يرد له حكم ولا يراجع في أمر؛ ملك لا يملك من أسباب السلطان إلا عدل القاضي، فكيف يبرم عدله ولا ينال للمظلوم من ظالمه، وإنما يحكم بالعدل ويأمر ضمير الظالم أن يجزي صاحبه وأن يردعه، بل لعل المظلوم لا يشكو، وإنما ظالمهم هو الذي يشكو أن ضميره يخزه ويشتد عليه مذ ظلم، فيادعي القوم اكفني عذاب الضمير فإنه ليوشك أن يكون كالموت لا يُعتِبُ. . . هذا قاض أمره عجيب، وقضاؤه أعجب، أتراه يمضي على شرعة مدونة؟ أتراه يستلهم قانوناً بعينه ماله عنه من محيد؟ كلا، وإنما يستلهم قوة روحه، وقد استُمِدت من معالم الشيعة وأعلام كتبهم
يعدل الداعي بقوة الروح، ومن مظاهرها أنها تسترقُّ الناس حولها، مرتغبين لا مرتهبين، بدافع الحب، ومظهر الحب الخضوع، يسمو حتى يصير تفانياً. تتجه القلوب إلى الداعي، لأنه عظيم من عظمة الله عظمته؛ ثم تتعلق القلوب به، لأنه مقدس من قدسية الله قدسيته، ثم تتقبل ظلمه قبول الرضا، لأنه ولي المالك المتصرف - في رأيها - فإذا عدل، تفانت فيه، فإذا أحب فنيت في روحه، وذاك داعي الدعاة عند طائفة البهرا هو فرد ولكنه الجماعة كلها، وهم جماعة ولكنهم فرد واحد يقل ويقل حتى تتسع له سويداء قلب واحد كبير، هو قلب هذا الرجل، يحدب عليهم وما يحدب إلا على نفسه، ويحدبون عليه فهم على أنفسهم يحدبون. ولقد علمت أن الحب شريعتهم، فأعلم أن أول أحكام هذه الشريعة أن ما يحوزه كل بهري هو للشيخ قبل أن يكون لصاحبه، يتصرف فيه متى شاء أينما شاء كيفما شاء، وما جار. أليس رب الدعوة إلى التعاون والتساند والتعاضد وهي التي أثمرت كل ما أوتيت الطائفة من مال أو أكثره؟ نعم فلكم أغنت هذه المبادئ عائلاً، وأعزت يتيماً، وروّت صادياً! وهل يكون ساقي البذرة إلا رب ثمارها. . . وفيم ينفق الأمين العادل المحب ماله إلا على الأمانة والعدل والحب؟ إنه ليأخذها صاعاً فيردها بأمانته وعدله وحبه عشرة
على أن الشيخ لا يَهْنِئُه طعامه إلا إذا كان من كد يمينه؛ ولهذا يشتغل بالتجارة، ولأمر آخر
стр. 9167
هو القدوة، ويربي تجارته كأي من أبناء طائفته، ولا ينسى حادث ذلك الشيخ الذي عاش في المدينة على عهد رسول الله ﵊، فكان لا ينقطع عن العبادة في ليله أو نهاره، إلا ريثما يتأهب لرجع ما انقطع، وإنه لراقد بالعراء لا يحمل لدنياه هماً، وإن حمل لأخرته هموماً، يخف الناس إلى تزويده بالطعام سراعاً وهم يغبطونه على تزوده للآخرة، حتى مر النبي به في بعض غدواته، فدنا ممن أحاطوا به، وسألهم ما خطبكم حتى تكأكأوا على هذا الشيخ، قالوا: رجل صالح يا رسول الله، نهاره وليله صيام وقيام، فعجب النبي ﵊! وأسرع يسأل، ومن يقوم بطعامه؟. من يقوم بطعامه؟! رسول الله يسأل؟ فيا فخرنا عند رسول الله إن كنا نطعم الشيخ الصالح، ويا حظنا من رضا رسول الله إن علم أننا نؤثره على أنفسنا بالطعام. . . لم يكد النبي يسأل، ومن يقوم بطعامه؟ حتى تسابقت أصوات كثيرة تقول، ترجو ثواب الله. . . كلنا نطعمه يا رسول الله، وأحاطت أبصارهم بوجه النبي ترصد ابتسامة الرضا، فإذا بالوجه المشرق الكريم يعبس، ويضطرب، ثم تجتمع في غضبته حكمة الأبد من قوله: (كلكم خير منه). داعي الدعاة الشيخ المسن لا ينسى هذا الحديث، وإن قومه ليقدسونه، وتطيب نفوسهم له بكل ما يملكون، ويبلغ من تقديسهم شخصه أن يستكبروا على الأرض أن تمسها قدماه، فيحملونه إذا أراد الانتقال من حجرة من قصره إلى أخرى، وهو على رغم ذلك كله حريص على أن يغدو إلى متجره كل يوم، فيقضي بعض نهاره عاملاً لدنياه، كأنه على شيخوخته وضعفه، يعيش أبدا
إن الدين لله، فما يحفظ رجل الدين عليه حرمته، إذا وزن الدعوة إليه بالدرهم والدينار، إنما يسمو رجل الدين، وتخلص روحه، وتصقل نفسه فلا تمسها شائبة من أكدار الدنيا، إن يلتمس على جهده مثوبة الله وحده، مزدرياً للوظيفة تجري عليه فتذكره كلما أوشك أن ينسى، بأن دعوته رهن بوظيفته، ووظيفته رهن بدعوته. . . . فهل نوجب على رجل الدين أن يكون زاهداً؟ كلا بل نريده مع ذلك مكفول الرزق موفوره، بادي النعمة واليسار، عالي الكف يعطي ويتعفف أن يأخذ، وكيف السبيل؟
سبيل واحد يسلكه داعي الدعاة البهري، وعماله في مختلف البلاد، وقد سلكه من قبله أشرف البشر وسيد سادتهم محمد ﵊، إذ كان تاجراً؛ وفي التجارة وهي أم
стр. 9168
(المعاملات)، ألوان من الخير والأمانة والصدق والاستقامة والقناعة والدأب، ومن كل فضيلة في الأرض، وهي التي توجت (بالأمين) اسم محمد، و (بالصادق) أمانة محمد، فكانا شافعيه لدى الله في اختياره، ولدى الخلق في دعوته
وفي هامش هذا الحديث فلنذكر، أن داعي دعاة البهرا، أراد في العام الماضي، وكنت حينئذ في بمبي، أن يحج إلى كربلاء موطن قبر الحسين، ومفيض نفسه ودمه، وإذا سار الشيخ كانت الطائفة كلها تسير، فلا بد من مظاهر العظمة ومطالع الجلال، وأسباب التحدث بنعمة الله، وفي سبيل ذلك اكترى الشيخ باخرة من عظام البواخر، عبرت به إلى البصرة في ستمائة بهري، وما فتئ مذ وطئت قدماه أرض العراق يمجد الناس من عطاياه، بأكرم ما يتسع له كرم، وأكمل ما يفيض به جاه. . فمن أين؟ من تجارة الشيخ وكد يمينه وثانيهما
فلينته هذا الحديث الذي لا يفرغ منه، بأمرين، أولهما أن التعاون والمحبة هما روح الجماعة الصالحة المفلحة، وعلى قدر القلة في عدد الجماعة تكون قوة الروح، فكأن أجدادنا لم يخطئوا حين اتخذوا نظام القبيلة، وكأننا أحفادهم، لم نتقدم خطوة واحدة حين خلّفنا نظامها
وثانيهما أن التجارة أشرف حرفة وأعف حرفة، وأكفل حرفة بالنعمة واليسار، وأيسر حرفة مع الفضيلة، فإذا أهبنا برجل الدين، وإنه لأعظم الناس خطراً أن يعوّل عليها، ويلتمس شرفها، فأخلق بكل رجل أن يُحمِّلَها أمنيتيه من الغنى: غنى النفس وفي أعقابه غنى المال
القاهرة
محمد نزيه
стр. 9169
النهضة التركية الأخيرة والموسيقى الشرقية
بقلم عبد الحميد رفعت شيحة
قرأت بشغف عظيم ما خطه يراع الأستاذ القدير الدكتور عبد الوهاب عزام عن (النهضة التركية الأخيرة) وما تناوله من بحث ونقد أبرز الإصلاحات الكمالية بقلم نزيه مخلص يظهر منه بجلاء الأسف الشديد الذي يشاركه فيه كل شرقي يعتز بشرقيته على ما قام به الترك من قطع كل ما يصلهم بالشرق، وتجنبهم كل ما يدنيهم منه كما يتجنب السليم الأجرب. .! معتقدين أنهم بذلك يضمنون عطف الغرب عليهم، في حين أنهم لن ينالوا إلا سخرية تلك الأمم التي تقدس الشخصية والجنس
ولما لم يشر حضرة الأستاذ الدكتور إلى حملة الكماليين على الموسيقى الشرقية رأيت أن أتناول هذه الناحية بهذه الكلمة:
للموسيقى الشرقية تاريخ مجيد لم يبق خافياً على أحد. إلا أنه من الإنصاف أن نعترف بفضل الأتراك وخدمتهم لها. . فإننا لم نعد نقرأ فقط ما استحدثوه من علوم وفنون فيها، ومن اشتهر بينهم من أعلام الموسيقى، بل حفظوا لنا ثمارهم الفنية بتدوينهم لها بعد استعمالهم (النوتة الغربية)
وهم وإن كانوا إلى وقت قريب يستعملون التدوين الموسيقي على أخطاء كثيرة، إلا أنهم على كل حال قد صانوا ثروة فنية عظيمة يحق لنا أن نفخر بها أمام الموسيقى الغربية
هذب الأتراك الموسيقى الشرقية وأحدثوا بها فنوناً لم يكن للشرق عهد بها، وتبحروا في علم الأنغام ووضعوا لكل نغم شروطاً دقيقة تميزه وتظهر شخصيته بجلاء، ولهم في هذا الميدان جولات موفقة، حتى أنهم استنبطوا كثيراً من الأنغام الشائعة بيننا، ووجهوا عنايتهم كذلك إلى علم الإيقاع ووضعوا لأوزانه طريقة حديثة تدون بها، كما أن لهم فضلاً لا يستهان به في ابتكار جملة ضروب زادت من جمال الموسيقى الشرقية. هذا إلى اهتمامهم بضبط مسافات السلم الموسيقي الشرقي وعدم تركهم كبيرة ولا صغيرة في الموسيقى النظرية أو العملية إلا قتلوها بحثاً وتمحيصاً
إنه حق وفضل لا ينبغي إنكارهما. . وقد كنا إلى عهد قريب نعترف فخورين بزعامة تركيا للموسيقى الشرقية
стр. 9170
فلما قامت (النهضة التركية الأخيرة) تهللنا بشراً وقلنا لا بد أن القوم لن يقنعوا بما وصلت إليه موسيقاهم من تقدم ونجاح، وسيدأبون على البلوغ بها إلى أوج المجد والعظمة. . ولكن أحلامنا اللذيذة لم تلبث طويلاً عندما فوجئنا بقرارات الكماليين القاسية التي منها: استعمال الحروف اللاتينية بدل العربية، وهجر ألفاظ لغة الضاد، والترحيب بالمصطلحات اللاتينية و. . . وأخيراً. . عدم استعمال الأرباع الشرقية، وإلغاء الموسيقى التركية وإحلال الغربية محلها. .!
نزلت علينا تلك القرارات نزول الصاعقة وهدمت ما كنا نبنيه من آمال. . وظهر لنا ما يضمره الكماليون من إسراف في هجر الشرق والشرقيين، ومن رغبة في الفناء في الغرب والغربيين. .!
تتأثر موسيقى كل أمة - كما يتأثر أي فن - بعوامل شتى: منها الجو والأخلاق والعادات وغير ذلك. فليس من السهل أن نبدل بقرار ذوق أمة في غمضة عين، لأنها لم تكتسب هذا الذوق إلا بمرور الزمن وبفعل مؤثرات البيئة التي تعيش فيها. فقرار التركي الأب (أتاتورك) إلغاء الموسيقى التركية لا محالة خاطئ لأنه يجبر الأتراك على موسيقى لم يتذوقوها ولن يتأثروا بها مطلقاً. . فإذا سمع التركي مثلاً قطعة حماسية غربية فلن تهز مشاعره بقدر ما تفعل فيها قطعة تركية، لأن الأولى لم تصل إلى طريقة استفزاز شعور التركي، ولم تصدق في التعبير عن نفسيته، بعكس الثانية؛ وإذا كان الألماني مثلاً لا يتأثر بموسيقى الفرنسي أو الروسي كما تؤثر موسيقاه، فكيف بالتركي، والفرق شاسع جداً بين تقارب أمزجة هؤلاء وبُعد هذا الأخير عنهما. .!
كان الأجدر لو أريد قتل الموسيقى التركية أن تشجع الموسيقى الغربية ويشجع الاقتباس منها والتطعيم بها؛ فعلى مر الزمان تزول تلك الموسيقى التي لا نصير لها، بدل هذا التصرف الذي استعملت فيه الطفرة. ولكن من يجرؤ منهم على إعلان هذا الرأي يكون نصيبه شراً مما نال الأستاذ المدرس بالجامعة في المؤتمر اللغوي، وحسين جاهد، وقد أشار إليهما حضرة الدكتور عزام في إحدى مقالاته القيمة. .!
من هذا نلاحظ أن الديوان الموسيقي الغربي مكون من أصوات كاملة وأنصافها؛ بينما الديوان الشرقي يتكون من أصوات كاملة وأنصافها وأرباعها أيضاً. . ولكنهم مع ذلك آثروا
стр. 9171
الديوان الأول لأنه غربي قبل كل شيء. .!
فإذا كان الديوان الغربي موجوداً بتمامه ضمن الديوان الشرقي، وبذا يتسنى عزف أية قطعة غربية على أية آلة موسيقية شرقية، مع أنه في كثير من الآلات الغربية لا يمكن عزف أغلب القطع الشرقية. . . وإذا كانت الأرباع الشرقية تتيح ثروة جديدة في علم الأنغام زيادة على الثروة التي نحصل عليها من الأنصاف وحدها، وبذا يتسع المجال أمام الملحن ويمكنه أن يعبر بلحنه عما يشاء. . . . فهل من الحكمة أن نلجأ إلى الديوان الناقص ونترك الديوان الكامل. . .؟
إن كل مزايا الديوان الغربي موجودة في ديواننا الشرقي، وفوق ذلك فإن لديواننا مزايا أخرى عندما نستعمل الأرباع الصوتية، فلا شك حينئذ في أن قرار الحكومة التركية إلغاء الأرباع الشرقية في الموسيقى لم يكن لعيب في هذه الأرباع بل إتماماً للخطة التي رسموها من البعد عن كل ما هو شرقي أو يمت للشرق بصلة. .
الآن. . وقد ظهر للملأ تصرف الحكومة الكمالية وتنصلها من كل ما يقربها من الشرق سواء كان ذلك في الدين أو العلم أو اللغة أو الفن أو الأخلاق والتقاليد، فليس من الخير أن يقتصر موقفنا على مراقبة أعمال هذه الحكومة وعلى مناشدة الكتاب والمفكرين أن يتعاونوا في هذه السبيل (حتى يجلوا عن الأمة هذه الغمة، ويدفعوا عنها هذه الفتن المدلهمة، والشُّبه المضلة، ثم يسيروا بها على المحجة البيضاء إلى الغاية المجيدة) كما يتمنى الأستاذ الفاضل الدكتور عزام، بل يجب أن نفكر تفكيراً جدياً في نقل الفنون الشرقية من تركيا كي نحافظ عليها قبل أن تعفو ويطويها البلى
فإلى مفكري الشرق العربي أرسل هذه الصيحة راجياً أن يولوها حقها من الاهتمام، وأهيب بوزارة المعارف المصرية أن ترسل إلى تركية بعثة من طلبتنا النجباء كي يدرسوا فنون الموسيقى الشرقية الصميمة، وينقلوا لنا كل ما تصل إليه أيديهم قبل أن تتلاشى هذه الفنون ويتم حلول الموسيقى الغربية محلها، وذلك أسوة بالبعوث التي ترسها إلى أوربا؛ وهناك يتشبع الطلبة بالموسيقى الغربية ولا يكونون في المستقبل حرباً على الموسيقى الشرقية التي من العار أن تنهض على حساب الموسيقى الغربية أو تتلوث بدماء دخيلة فيتعكر صفاؤها. .
стр. 9172
إسكندرية
عبد الحميد رفعت شيحة
стр. 9173
دراسات في الأدب الإنكليزي
٣ - وليم وردزورث
بقلم جرجيس القسوس
نظرة ونظرية في الأدب
ظهرت الطبعة الأولى من ديوانه سنة ١٧٩٨ كما بينا سابقاً، أما الطبعة الثانية فقد نشرت سنة ١٨٠٠ حاويةً مقدمته الشهيرة التي ضمنها نظريته في الأدب عامة وشعره خاصة دون خيفة أو تردد. ولكولردج في الطبعة الأولى من هذه المجموعة ثلاث قصائد. غير أنه أضاف إليها قصيدتين أخريين ظهرتا في الطبعة الثانية. وهذه القصائد الخمس هي (الملاح القديم، والعندليب، - والحبّ). وما كاد الأدباء والكتاب يطلعون على آراء وردزورث في مقدمة ديوانه ويقرأون أشعاره في ديوانه حتى تناولوه بأقلام نارية وألسنة حادة، فسخروا ما شاء الله لهم أن يسخروا بآرائه وأشعاره. ولم يبق ديوانه في شكل واحد بل ظهر في أوضاع شتى، وكان الشكل الأخير الذي ظهر فيه سنة ١٨٤٥ جامعاً جزأين مع المقدمة ومذيلاً بملحق في (التعابير الشعرية)
أما النظرية التي أودعها المقدمة فتتلخص فيما يلي: -
(على الشاعر أن ينتزع موضوعاته من الحوادث العادية المألوفة، وأن يعبر عنها بلغة سهلة واضحة ليفهمها (الراعي والعالم) على السواء. أي لا تكون خلواً من البلاغة، ولا تهبط إلى درجة الركاكة والفهاهة. وعليه أيضاً أن يلبس الحوادث كساء من الخيال الرائع لكي تظهر وهي عادية مألوفة غير عادية ولا مألوفة، وأن يقف تجاه كل حادث موقف العالم المدقق المحقق، الذي يحلل الأمور تحليلاً علمياً منطقياً، فيبحث عن المسبَّبات ويرجعها إلى أسبابها، محكماً في كل حالة عقله في التحليل وعاطفته في التعبير. أما الشعر فهو الانبعاث الطبيعي للشعور القوي الزاخر؛ وما الشاعر إلا إنسان يخاطب بشراً، إنسان شديد الإحساس والغيرة متضلّع من درس الطبيعة البشرية، تنكشف له نواح في الحياة ومظاهر في الطبيعة تحتجب عن غيره، وهو يعبّر عن موضوعه بلغته ليتغنى بها الجميع. بهذا يمتاز الشاعر من سائر البشر عموماً ومن علماء الطبيعة بعض الامتياز خصوصاً)
стр. 9174
ولقد نحا وردزورث في انتخاب موضوعات أشعاره منحى إسحاق ملتن ووليم بلايك وروبرت برنز وفراي وغيرهم، غير أنه لم يقتصر على أسلوب واحد في النظم، بل طرق معظم البحور والأوزان الشعرية التي سبقه إليها الشعراء قبله. أما سبكه اللفظي ففي غاية الدقة والبساطة، وتراكيبه خالية من الألفاظ اللاتينية التي يكتظ بها شعر ملتن، ومن قالكية بوب، أو إبهامية بروننج الناجمة عن تطرّفه في الإيجاز. ويندر أن تجد في شعره رجوعاً إلى الأساطير الأولى أو اقتباساً من الأدب (الأصولي) الكلاسيكي أو تقليداً له، ولقد أكثر من دراسة الشعراء الذين سبقوه وخصوصاً شكسبير، وملتن وجوسر وسبنسر وكونز وفراي وتشبع بآرائهم وأساليبهم فنسج على منوالهم في بدء حياته، غير أنه عاد فابتدع له أداة للتعبير خاصة به. أما ميزات شعره فتتلخص فيما يلي:
بساطة الأسلوب وسهولة التعبير، ووضوح المعنى في أغلب الأحيان
انتزاعه موضوعات أشعاره من الطبيعة والحوادث اليومية والأشياء العادية المألوفة. وقد ذكر هاتين الميزتين في الكلام على مقدمة ديوانه
تصوفه:
وهذه إحدى خصائص الحركة الأبتداعية التي كان يمثلها شاعرنا في بلاد الإنكليز أصدق التمثيل. ووردزورث يرى أن الله روحٌ تقطن في جميع مظاهر الكون أو الطبيعة الخارجية من هواء وجبال ورياح وصخور حتى الرعاة والحيوانات. وتظهر لنا هذه الفلسفة جليّة في قصيدته وتعرف عند أهل اللاهوت والصوفية (بشمول الألوهية) أو (وحدة الوجود) (أي أن الله إنما هو القوي والنواميس الطبيعية وأنه حال في كل شيء وليس مستقلاً). على أنه لم يتمسك بهذه العقيدة تمسكاً دينياً ذميماً كما يظن بعضهم، بل اتخذها عقيدة شعرية وقتية دفعته عاطفته وروحه الشعرية إلى إيرادها في سياق الكلام
ولعه بالطفولة والأطفال:
وهذا ظاهر في معظم قصائده مثل (نحن سبعة)، وفي القصائد التي ورد فيها ذكر الطفلة (لوسي). وتتجلى هذه الخاصية بوضوح في قصيدته (خواطر في الخلود من ذكريات الطفولة)؛ ففيها يرى أن الإنسان أقرب ما يكون إلى الله وإلى السماء في أوان الطفولة.
стр. 9175
وهو يؤمن بسابق وجود الإنسان وأزليته أي أن الإنسان كان أصلاً في السماء فهجرتها روحه وظهرت في جسد بشري على الأرض. فالإنسان في عهد الطفولة يكون بحكم الطبع قريباً جداً من الزمن الذي قضته روحه في السماء، لهذا يفضل عهد الطفولة عهدي الكهولة والشيخوخة. إلا أنه يحسن بنا أن نرفق بالشاعر فلا نجري عليه الأحكام الجارفة في كل ما نعزوه إليه من العقائد. فهو - كما بينا سابقاً - لم يكن متعصباً لرأي أو لعقيدة واحدة منظمة شأن كبار الفلاسفة أو اللاهوتيين وإنما كان شاعراً يكتب عن عاطفة شديدة، فهو لا يستقر على رأي من الآراء ما دامت العاطفة لا العقل هي الدافع والمحرك له في أغلب منظوماته
الخيال الرائع
يمتاز وردزورث بإلباسه الأشياء الطبيعية المألوفة كساء من الخيال الراقي، وعنده أنه كلما ازداد الشاعر توسعاً وانطلاقاً في عالم الخيال ازداد لذة واستمتاعاً في الحياة. ويختلف عن كولردج باتخاذه عاديات الأشياء ومألوفها مواضيع تصويره وخياله متوخياً أن يبتدع مما هو عاديٌّ ومألوف شيئاً جديداً مبتكراً. فبينا كولردج يتدرج من عالم الروح والخيال إلى عالم المادة والحقيقة ترى وردزورث يشرع من عالم المادة وينتهي عند التصاوير الشائقة والأخيلة الرائعة
غموض معانيه
وهذه الميزة لا تلازم معظم أشعاره وإنما تصدق على البعض منها. وغموضه ناجم عن عجزه في بعض الأحيان عن التميز بين ما هو عادي مألوف وما يظنه غريباً نادراً؛ هذا عدا جنوحه إلى إلباس الأشياء العادية حلة من رائع الخيال مما يوقع القارئ في ارتباك شديد يجعله غير قادر على إدراك المعنى الصحيح وتفهم ما يتوخى الشاعر إفهامه
وعدا هذا يمتاز وردزورث بوصفه الحيوانات والطيور الأهلية منها والبرية. ويؤخذ عليه ندور ورود النكتة في أشعاره، وأن أشعاره لا تلهب الحماسة في نفس القارئ
ولكي يتم لنا البحث في أشعاره لا بد لنا من أن نقول كلمة في قصيدتين كبيرتين من قصائده ألا وهما الفاتحة والنزهة أما (الفاتحة) فهي ترجمة وافية لحياة وردزورث الشعرية، ففيها يبحث عن تطور نفسه الشعري ونمو سليقته منذ عهد الطفولة. في هذه
следующие страницы →