Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.
стр. 9171
الديوان الأول لأنه غربي قبل كل شيء. .!
فإذا كان الديوان الغربي موجوداً بتمامه ضمن الديوان الشرقي، وبذا يتسنى عزف أية قطعة غربية على أية آلة موسيقية شرقية، مع أنه في كثير من الآلات الغربية لا يمكن عزف أغلب القطع الشرقية. . . وإذا كانت الأرباع الشرقية تتيح ثروة جديدة في علم الأنغام زيادة على الثروة التي نحصل عليها من الأنصاف وحدها، وبذا يتسع المجال أمام الملحن ويمكنه أن يعبر بلحنه عما يشاء. . . . فهل من الحكمة أن نلجأ إلى الديوان الناقص ونترك الديوان الكامل. . .؟
إن كل مزايا الديوان الغربي موجودة في ديواننا الشرقي، وفوق ذلك فإن لديواننا مزايا أخرى عندما نستعمل الأرباع الصوتية، فلا شك حينئذ في أن قرار الحكومة التركية إلغاء الأرباع الشرقية في الموسيقى لم يكن لعيب في هذه الأرباع بل إتماماً للخطة التي رسموها من البعد عن كل ما هو شرقي أو يمت للشرق بصلة. .
الآن. . وقد ظهر للملأ تصرف الحكومة الكمالية وتنصلها من كل ما يقربها من الشرق سواء كان ذلك في الدين أو العلم أو اللغة أو الفن أو الأخلاق والتقاليد، فليس من الخير أن يقتصر موقفنا على مراقبة أعمال هذه الحكومة وعلى مناشدة الكتاب والمفكرين أن يتعاونوا في هذه السبيل (حتى يجلوا عن الأمة هذه الغمة، ويدفعوا عنها هذه الفتن المدلهمة، والشُّبه المضلة، ثم يسيروا بها على المحجة البيضاء إلى الغاية المجيدة) كما يتمنى الأستاذ الفاضل الدكتور عزام، بل يجب أن نفكر تفكيراً جدياً في نقل الفنون الشرقية من تركيا كي نحافظ عليها قبل أن تعفو ويطويها البلى
فإلى مفكري الشرق العربي أرسل هذه الصيحة راجياً أن يولوها حقها من الاهتمام، وأهيب بوزارة المعارف المصرية أن ترسل إلى تركية بعثة من طلبتنا النجباء كي يدرسوا فنون الموسيقى الشرقية الصميمة، وينقلوا لنا كل ما تصل إليه أيديهم قبل أن تتلاشى هذه الفنون ويتم حلول الموسيقى الغربية محلها، وذلك أسوة بالبعوث التي ترسها إلى أوربا؛ وهناك يتشبع الطلبة بالموسيقى الغربية ولا يكونون في المستقبل حرباً على الموسيقى الشرقية التي من العار أن تنهض على حساب الموسيقى الغربية أو تتلوث بدماء دخيلة فيتعكر صفاؤها. .
стр. 9172
إسكندرية
عبد الحميد رفعت شيحة
стр. 9173
دراسات في الأدب الإنكليزي
٣ - وليم وردزورث
بقلم جرجيس القسوس
نظرة ونظرية في الأدب
ظهرت الطبعة الأولى من ديوانه سنة ١٧٩٨ كما بينا سابقاً، أما الطبعة الثانية فقد نشرت سنة ١٨٠٠ حاويةً مقدمته الشهيرة التي ضمنها نظريته في الأدب عامة وشعره خاصة دون خيفة أو تردد. ولكولردج في الطبعة الأولى من هذه المجموعة ثلاث قصائد. غير أنه أضاف إليها قصيدتين أخريين ظهرتا في الطبعة الثانية. وهذه القصائد الخمس هي (الملاح القديم، والعندليب، - والحبّ). وما كاد الأدباء والكتاب يطلعون على آراء وردزورث في مقدمة ديوانه ويقرأون أشعاره في ديوانه حتى تناولوه بأقلام نارية وألسنة حادة، فسخروا ما شاء الله لهم أن يسخروا بآرائه وأشعاره. ولم يبق ديوانه في شكل واحد بل ظهر في أوضاع شتى، وكان الشكل الأخير الذي ظهر فيه سنة ١٨٤٥ جامعاً جزأين مع المقدمة ومذيلاً بملحق في (التعابير الشعرية)
أما النظرية التي أودعها المقدمة فتتلخص فيما يلي: -
(على الشاعر أن ينتزع موضوعاته من الحوادث العادية المألوفة، وأن يعبر عنها بلغة سهلة واضحة ليفهمها (الراعي والعالم) على السواء. أي لا تكون خلواً من البلاغة، ولا تهبط إلى درجة الركاكة والفهاهة. وعليه أيضاً أن يلبس الحوادث كساء من الخيال الرائع لكي تظهر وهي عادية مألوفة غير عادية ولا مألوفة، وأن يقف تجاه كل حادث موقف العالم المدقق المحقق، الذي يحلل الأمور تحليلاً علمياً منطقياً، فيبحث عن المسبَّبات ويرجعها إلى أسبابها، محكماً في كل حالة عقله في التحليل وعاطفته في التعبير. أما الشعر فهو الانبعاث الطبيعي للشعور القوي الزاخر؛ وما الشاعر إلا إنسان يخاطب بشراً، إنسان شديد الإحساس والغيرة متضلّع من درس الطبيعة البشرية، تنكشف له نواح في الحياة ومظاهر في الطبيعة تحتجب عن غيره، وهو يعبّر عن موضوعه بلغته ليتغنى بها الجميع. بهذا يمتاز الشاعر من سائر البشر عموماً ومن علماء الطبيعة بعض الامتياز خصوصاً)
стр. 9174
ولقد نحا وردزورث في انتخاب موضوعات أشعاره منحى إسحاق ملتن ووليم بلايك وروبرت برنز وفراي وغيرهم، غير أنه لم يقتصر على أسلوب واحد في النظم، بل طرق معظم البحور والأوزان الشعرية التي سبقه إليها الشعراء قبله. أما سبكه اللفظي ففي غاية الدقة والبساطة، وتراكيبه خالية من الألفاظ اللاتينية التي يكتظ بها شعر ملتن، ومن قالكية بوب، أو إبهامية بروننج الناجمة عن تطرّفه في الإيجاز. ويندر أن تجد في شعره رجوعاً إلى الأساطير الأولى أو اقتباساً من الأدب (الأصولي) الكلاسيكي أو تقليداً له، ولقد أكثر من دراسة الشعراء الذين سبقوه وخصوصاً شكسبير، وملتن وجوسر وسبنسر وكونز وفراي وتشبع بآرائهم وأساليبهم فنسج على منوالهم في بدء حياته، غير أنه عاد فابتدع له أداة للتعبير خاصة به. أما ميزات شعره فتتلخص فيما يلي:
بساطة الأسلوب وسهولة التعبير، ووضوح المعنى في أغلب الأحيان
انتزاعه موضوعات أشعاره من الطبيعة والحوادث اليومية والأشياء العادية المألوفة. وقد ذكر هاتين الميزتين في الكلام على مقدمة ديوانه
تصوفه:
وهذه إحدى خصائص الحركة الأبتداعية التي كان يمثلها شاعرنا في بلاد الإنكليز أصدق التمثيل. ووردزورث يرى أن الله روحٌ تقطن في جميع مظاهر الكون أو الطبيعة الخارجية من هواء وجبال ورياح وصخور حتى الرعاة والحيوانات. وتظهر لنا هذه الفلسفة جليّة في قصيدته وتعرف عند أهل اللاهوت والصوفية (بشمول الألوهية) أو (وحدة الوجود) (أي أن الله إنما هو القوي والنواميس الطبيعية وأنه حال في كل شيء وليس مستقلاً). على أنه لم يتمسك بهذه العقيدة تمسكاً دينياً ذميماً كما يظن بعضهم، بل اتخذها عقيدة شعرية وقتية دفعته عاطفته وروحه الشعرية إلى إيرادها في سياق الكلام
ولعه بالطفولة والأطفال:
وهذا ظاهر في معظم قصائده مثل (نحن سبعة)، وفي القصائد التي ورد فيها ذكر الطفلة (لوسي). وتتجلى هذه الخاصية بوضوح في قصيدته (خواطر في الخلود من ذكريات الطفولة)؛ ففيها يرى أن الإنسان أقرب ما يكون إلى الله وإلى السماء في أوان الطفولة.
стр. 9175
وهو يؤمن بسابق وجود الإنسان وأزليته أي أن الإنسان كان أصلاً في السماء فهجرتها روحه وظهرت في جسد بشري على الأرض. فالإنسان في عهد الطفولة يكون بحكم الطبع قريباً جداً من الزمن الذي قضته روحه في السماء، لهذا يفضل عهد الطفولة عهدي الكهولة والشيخوخة. إلا أنه يحسن بنا أن نرفق بالشاعر فلا نجري عليه الأحكام الجارفة في كل ما نعزوه إليه من العقائد. فهو - كما بينا سابقاً - لم يكن متعصباً لرأي أو لعقيدة واحدة منظمة شأن كبار الفلاسفة أو اللاهوتيين وإنما كان شاعراً يكتب عن عاطفة شديدة، فهو لا يستقر على رأي من الآراء ما دامت العاطفة لا العقل هي الدافع والمحرك له في أغلب منظوماته
الخيال الرائع
يمتاز وردزورث بإلباسه الأشياء الطبيعية المألوفة كساء من الخيال الراقي، وعنده أنه كلما ازداد الشاعر توسعاً وانطلاقاً في عالم الخيال ازداد لذة واستمتاعاً في الحياة. ويختلف عن كولردج باتخاذه عاديات الأشياء ومألوفها مواضيع تصويره وخياله متوخياً أن يبتدع مما هو عاديٌّ ومألوف شيئاً جديداً مبتكراً. فبينا كولردج يتدرج من عالم الروح والخيال إلى عالم المادة والحقيقة ترى وردزورث يشرع من عالم المادة وينتهي عند التصاوير الشائقة والأخيلة الرائعة
غموض معانيه
وهذه الميزة لا تلازم معظم أشعاره وإنما تصدق على البعض منها. وغموضه ناجم عن عجزه في بعض الأحيان عن التميز بين ما هو عادي مألوف وما يظنه غريباً نادراً؛ هذا عدا جنوحه إلى إلباس الأشياء العادية حلة من رائع الخيال مما يوقع القارئ في ارتباك شديد يجعله غير قادر على إدراك المعنى الصحيح وتفهم ما يتوخى الشاعر إفهامه
وعدا هذا يمتاز وردزورث بوصفه الحيوانات والطيور الأهلية منها والبرية. ويؤخذ عليه ندور ورود النكتة في أشعاره، وأن أشعاره لا تلهب الحماسة في نفس القارئ
ولكي يتم لنا البحث في أشعاره لا بد لنا من أن نقول كلمة في قصيدتين كبيرتين من قصائده ألا وهما الفاتحة والنزهة أما (الفاتحة) فهي ترجمة وافية لحياة وردزورث الشعرية، ففيها يبحث عن تطور نفسه الشعري ونمو سليقته منذ عهد الطفولة. في هذه
стр. 9176
القصيدة ملتقى حاضره وماضيه، وفي هذا الملتقى مبعث لشعوره. إذ أنه كلما ذكر أيام الصبى اللذيذة اختلجت في نفسه عاطفة قوية وتملكه شعور لذيذ لا يتمالك من بعثه شعراً حياً لا أثر للكلفة فيه. وللذاكرة المقام الأول والفضل الأكبر في تصويره أحلام الطفولة وأيام الصبى، إذ لولاها لنضب معين شعوره وإنحبس لسانه عن التعبير عما يجيش في صدره من مشاعر وفي نفسه من خلجات، ووقف قلمه عن وصف الأويقات العذبة الهنيئة التي قضاها تحت كنف أمه الرؤوم: الطبيعة بأبسط معانيها وأجلى مظاهرها. وهذه القصيدة مهداة إلى صديقه الشاعر كولردج، وتقع في عدة أبواب يختص الأول منها بحياة الطفولة، والثاني بحياة المدرسة، والثالث بالسنين التي صرفها في كمبرج، والرابع في حياة لندرة ومؤثراتها، والخامس بزيارته الأولى لفرنسا والألب وإقامته في فرنسا خلال الثورة الفرنسية، غير ذاكر شيئاً عن علاقته بأنيت فالون معشوقته المعهودة
أما (النزهة) ففيها يحلق الشاعر ويسمو في عالم الروحيات إذ هي مجلي تأملاته في الفلسفة والاجتماع وعلم النفس والصوفية، وفيها يطرق شتى الموضوعات العلمية البحتة، كتركيب العقل ونشوئه، وفلسفة العواطف، والتأمل؛ غير أنه يكسوها حلة من الخيال، ويعبر عنها بأبسط التراكيب وأسلس العبارات وأوضحها، هذا إذا ضربنا صفحاً عن جنوحه في بعض الأحيان إلى الغموض في المعنى. (والنزهة) تقع في تسعة أجزاء مقتضبة، كل فصل منها حاو لقسم من أقسام القصة التي يسردها ويجعلها هيكل هذه القصيدة الكبرى
وهو في جميع مباحثه هذه لا يتوخى غير الصدق وإظهار عظمة الخالق. أما مدار بحثه في هذه المواضيع فنفسه، لا لأنه صنع من جبلة غير التي صنع منها سائر البشر، بل لأنه أكثر علماً بنفسه من غيرها من النفوس
ولقد أثارت نظريته هذه وأشعاره جدلاً عنيفاً وبحثاً متواصلاً في البيئات الأدبية، فمن الأدباء من حمل عليه وطعن فيه، ومنهم من انتصر له. ومن الذين انتقدوه فرنسيس جفري وبيرون وهزلت، ومنهم أيضاً صديقه كولردج في فصل من كتابه (تراجم أدبية)، بيد أنه لم يكن هدّاماً في نقده ولا شديد التحامل عليه في تعليقه على آرائه كغيره من النقاد. أما إمرسن الكاتب الأمريكي الشهير فينتصر له، ويعدّ قصيدته (خواطر في الخلود من ذكريات الطفولة) التي تمثل عقيدة شاعرنا الفلسفية ونظريته الأدبية بعض التمثيل، من أروع بل
стр. 9177
أروع ما خلّفه لنا أدباء القرن التاسع عشر من القصائد. ولقد كان ديوان وردزورث معواناً للفيلسوف الإنكليزي الشهير جون ستوارت مِلْ على تخلصه في ربيع حياته من السويداء التي كانت تلازمه من حين إلى آخر، إذ وجد في قراءة القصائد الفلسفية والدينية منها راحة وعزاء بل خير شفاء له من دائه النفساني
ومؤرخو الأدب الإنكليزي يجعلون السنة التي ظهر فيها ديوان وردزورث لأول مرة، أي سنة ١٧٩٨، فاتحة العصر الأبتداعي، لأن أشعاره تمثل الحركة الأبتداعية من الناحية الأدبية خير تمثيل. ولكي يتضح لنا معنى هذا القول علينا أن ننظر بعض النظر في خواص هذه الحركة، وخصوصاً الناحية الأدبية منها
(البقية في العدد القادم)
جرجيس القسوس
стр. 9178
في اللغة والأدب
المثنيات
للأستاذ محمد شفيق
إن من خصائص اللغة العربية التي امتازت بها على غيرها من اللغات الحية هذه المثنيات. وقلما يخلو علم من علوم لغة الضاد من مثنيات إن قليلة أو كثيرة. وقد رأيت أن أقدم إلى قراء (الرسالة الغراء) أمثلة منها مرتبة على العلوم، مبتدئاً بالأدب واللغة لشدة علاقتهما بالرسالة، وإن كانت هي حفية بالثقافات الإسلامية والعربية وغيرها:
المثنيات في اللغة والأدب والنحو والعروض
(الأبردان) الغداة والعشيّ، والظل والفيء، وفي الصحاح: الأبردان: العصران. (الأبيضان) اللبن والماء، أو الشحم واللبن، أو الشحم والبياض، أو الخبز والماء، أو الحنطة والماء، أو الملح والخبز، قال الشاعر:
ولكنه يأتي إلى الحول كاملاً … وماليَ إلا الأبيضينِ شَرابُ
(الأجدّان) الليل والنهار، وكذلك الجديدان، والدائبان والطريدان، والعصران، والملوان، والأحدثان، والأصرمان
(الأحمران) الخمر واللحم، وفي المثل (أفسدَ الناسَ الأحمران) قال الشاعر:
إن الأحامرة الثلاثةَ أهلكتْ … مالي وكنت بهنَّ قدماً مولعا
الرَّاح واللحم السمين وأطَّلي … بالزعفران فلا أزال موَلعا
(الأخضران) النباتان القريب والبعيد، لأن القريب أخضر حقيقةً، والبعيد كما قالوا أسود؛ والأسود عند العرب أخضر، يقال فلان أحرق الأخضرين: يراد المبالغة في ظلمه وتعديه، كأنه يوصل الشرَّ إلى القريب والبعيد. وقيل الأخضران: النبات والإنسان من العرب؛ قال الفضل بن العباس:
وأنا الأخضرُ من يعرفني … أخضر الجلدةِ من نسل العربْ
(الأصرمان) الذئب والغراب لأنهما انصرما عن الناس، أي انقطعا، قال:
وموماة يحارُ الطرفُ فيها … إذا امتنعتْ علاها الأصرمان
стр. 9179
(الأعميان) السيل والفجل، والسيل والحريق، والسيل والليل، والسيل والجمل الهائج: لأنها لا تتقي موضعاً ولا تتجنب شيئاً كالأعمى الذي لا يدري أين يسلك فهو يمشي حيث ذهبت رجله
(البازيان) الأعشى وجرير. كان أبو عمرو بن العلاء يقول:
الأعشى وجرير بازيان يصيدان ما بين العندليب إلى الكركي
(البردان) الغداة والعشي، قال ابن خالويه: حدثنا ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي قال: دعا أعرابي لرجلٍ فقال: أذاقك الله البردين - يعني برد الغنى وبرد العافية - وأماط عنك الأمَرَّين، يعني مرارة الفقر ومرارة العري، ووقاك شر الأجوفين، يعني فرجه وبطنه
(الحكيمان) أبو تمام والمتنبي: سئل أبو العلاء عنهما وعن البحتري فقال: هما حكيمان والشاعر البحتري، كأنه يريد أنهما ينتزعان المعاني من كلام الحكماء ويراعيان الصناعات الشعرية التي أحدثها المتأخرون، وأما البحتري فإنه يجري على عادة العرب في ترك التكلف واختراع المعاني
(الخالدان) هما خالد بن نضلة بن الأشتر بن جحوان، وخالد بن قيس بن المضلل بن مالك، قال الشاعر:
فقبليَ مات الخالدانِ كلاهما … عميدُ بني جحوان وابن المضللِ
(الخالديّان) هما أبو بكر وأبو عثمان ابنا هاشم الشاعران المشهوران، قال الصابي:
أرى الشاعرين الخالديين نشَّرا … قصائدَ يفنَى الدهرُ وهي تقيدُ
تنازع قومٌ فيهما وتناقضوا … ومَرّ جدالٌ بينهم وتردُّدّ
فطائفةٌ قالتْ سعيدٌ مُقدم … وطائفةٌ قالت لهم بل محمدُ
وصار إلى حكمي فأصلحتُ بينهم … وما قلتُ إلا بالتي هي أرشدُ
هما لاجتماع الفضل روحٌ مؤلف … ومعناهما من حيثُ ألفيت مفردُ
كما فرقدا الظلماء لما تشاكلا … علاءً أشكا ذاك أم ذاك أمجدُ
فزوجهما ما مثله في اتفاقه … وفردهما بين الكواكب أوحدُ
فقاموا على صلح وقام جميعهم … رضياً وساوى فرقدَ الأرض فرقد
(السّببان) هما عند علماء العروض خفيف، وهو حرفان ثانيهما ساكن، وثقيل وهو حرفان
стр. 9180
متحركان
(الصادان) هما الصاحب بن عباد والصابي، قال أبو الحسن البنداري: أكتب أهل العصر الصادان
(الجرادتان) هما قينتا معاوية بن بكر أحد العماليق واسمهما بعاد وثماد، وبهما ضرب المثل (ألحن من الجرادتين)
(الصناعتان) هما عند الأدباء صناعة الشعر وصناعة النثر، وللبلغاء فيهما مؤلفات كثيرة، وأما الصنعتان في قول الوراق يرثي أبا الحسين الجزار:
يا عيدنا الأضحى سقى … صوبُ الغمام أبا الحسينِ
لو عاشَ فيك لقد غدا … يشكو بوارَ الصنعتينِ
فالمراد بهما صنعة الجزارة لعدم من يتقدم إلى الله بالأضاحي، وصنعه الشعر لعدم الكرماء
(الفاصلتان) هما عند العروضيين صغرى، وهي ثلاثة أحرف متحركات على التوالي يعقبهن ساكن، وكبرى، وهي ما تجمع أربعة أحرف متحركة على التوالي يعقبهن ساكن
(رهين المحبسين) هو أبو العلاء المعري، سمى نفسه بذلك وكان لزم بيته فلم يخرج منه مطلقاً، فأراد بأحد المحبسين البيت وبالآخر العمى
(ملكا الشعراء) هما امرؤ القيس وأبو فراس الحمداني، قال الصاحب بن عباد: بدئ الشعر بملك وختم بملك، يعني امرأ القيس وأبا فراس
(فعلا المدح والذم) و (جمعا التصحيح) و (اجتماع الساكنين على حدة) و (اجتماع الساكنين على غير حدة) عند النحويين مشهورة
محمد شفيق
стр. 9181
صور من التاريخ الإسلامي:
عبد الله بن الزبير (١ - ٧٣هـ)
بقلم محمد حسني عبد الرحمن
كان القرن الهجري الأول عامراً بالأبطال الذين ترتكز بطولتهم على العقيدة، وتقوم شخصياتهم على العزائم الثابتة، والمبادئ الواضحة القويمة. ولو أن مؤرخاً إسلامياً أراد أن يسجل صفحة ثبتاً بأسماء النابغين من رجالات قريش، في الصدر الأول من الدولة الأموية، لكان خليقاً به أن يضع في طليعتهم بطلاً فذاً، كان لا ينفك شوكة في جنب هذه الدولة، لسموّ نفسه، وطمعه في الخلافة، وعمله لتحقيق غرضه؛ حتى كاد ينتزع اللقمة لنفسه من فم تلك الدولة الفتية؛ كان يطمع في النجم، وكان يؤيد مطامعه عزمٌ قوي، وبأس شديد، ولسان ذربٌ، وشرف واضح، وهمةٌ قعساء، تعضُدها الشهامة والبطولة، ولقد تمت له بكل هذا أدوات الرجولة. ذلك هو عبد الله بن الزبير الأسدي القرشي
أنجبه أبوان كريمان؛ أما أحدهما فالزبير بن العوام بن خويلد من بني أسد بن عبد العُزى، حواريّ رسول الله ﷺ وابن عمته صفية؛ ولم يكن الزبير مغموراً ولا وسطاً في الناس، وإنما كان رجلاً من الطراز الأول، ومن ذوي المقامات الممتازة الذين تقوم الدول على أكتافهم، ولا يُبَتُّ في أمر هام إلا بعد مشورتهم وبذل نصحِهم؛ ولقد كانت له اليد الطويلة في نجدة الإسلام أيام كان المسلمون قلة، كما كانت له مواقف مشهودة وآراء سديدة، في فتح البلدان، ونشر الإسلام؛ أرسله أميرُ المؤمنين عمر إلى مصر نجدة لابن العاص وهو يحاول فتحها، وقال له: إني أرسلت إليك رجلاً بألف! ولقد برهن الزبير بسداد رأيه، ومجيد أعماله أنه أهل لهذا التقدير العظيم. وفي الحق أن الزبير كان يُعدّ في الصف الأول بين أمجاد قريش، وذوي الثروة فيها، وقد رشّحه مركزه ونباهة شأنه، وقوة شخصيته للخلافة؛ فكان أحد الستة الذين عهد إليهم ابن الخطاب، أن يختاروا خليفة منهم بعد وفاته للمسلمين
هذا هو الزبير أبوه؛ أما أمه فحسب القاريء أن يعرف أنها أسماء بنت أبي بكر الصديق، وأخت عائشة أم المؤمنين، وكانت مع شرف أرومتها، ذات حزم وفِكرٍ ثاقب، كما كانت صلبة العود، أبية النفس، لها عزمٌ جبّار؛ فلو أنها لم تكن أنثى، لكانت رجلاً ولا كالرجال!!!
стр. 9182
من هذه الأنساب الواضحة، والدوحة الباسقة، خرج عبد الله وورَّثه آباؤه وأقرباؤه جُل الصفات الممتازة التي تغَذى الطموح وتذكيه؛ وساعدت بيئته التي نشأ فيها على تنمية خلال البطولة والإقدام في نفسه، فامتاز بالفصاحة، وذلاقة اللسان، وقوة الحجة، حتى كان يعد من خير خطباء الإسلام؛ واشتهر كذلك فضله وزهده، وطول صيامه وقيامه، بين الخاصة والكافّة. أما شجاعته فحدِّثْ عن الليث ولا حرج! فهو الذي يقول: (ما أبالي - إذا وجدت ثلثمائة من الرجال، يصبرون صبري - لو أجلب بهم على أهل الأرض!!) ويشهد له أبو عبيد بأكثر من هذا فيقول (إن عبد الله كان لا يُنازع في ثلاث: شجاعة، وبلاغة، وعبادة) وتلك عدةُ الرجولة الكاملة، وخاصة في ذاك العصر
كان عبد الله أول مولود للمهاجرين بالمدينة عام الهجرة، فدرج بها، ونشأ فيها، حتى نال من التعليم المنتشر في عصره ما أكسبه ثقافة دينيةً محضة، فعرف الكتابة والقراءة، على طريقة عصره، وحفظ الكتاب، وروى الأحاديث؛ واقتدى في حياته وعبادته بمن كان يخالطهم ويعاشرهم من جلة الصحابة الكرام؛ فأثر هذا في أخلاقه تأثيراً كبيراً، كان من ثماره تلك النزعة، نزعة العبادة وطول القيام والتهجد التي غلبت عليه فيما بعد. وكان أهم ما يجذب النظر إليه وهو صغير، جراءته النادرة، وميله إلى العناد، مع الثقة بنفسه، والاعتداد بقوته؛ (كان ذات يوم يلعب مع الصبيان، فمرّ رجل فصاح بهم، ففروا ومشى عبد الله القهقري (بظهره) ثم قال: يا صبيان اجعلوني أميركم، وشدوا بنا عليه فنهزمه!). ومرَ به عمر بن الخطاب، وكان عبد الله مع صبيان يلعبون، ففروا وبقي هو؛ فقال له عمر: لماذا لم تفر مع رفاقك؟ فأجابه بجراءة وفصاحة: (لم أُجرم فأخافك، وليست الطريق ضيقة فأوسع لك). هذه أمثلة صغيرة، ولكنا نلمس فيها روحاً متحركة وثابة، في زمن الطفولة والتنشئة، ونستنبط منها أن للعظمة بوادر تلوح في الحوادث الحقيرة، كأنها إرهاصاتٌ لظواهر أخرى كبيرة، تكون حينما تكون عظائم الأمور، ومن هذه المثل وأشباهها نعرف أيضاً مدى اعتداده بنفسه، وثقته بها؛ ولا ريب أن الحبّة الجيدة إذا صادفت أرضاً خصبة فإنها تشق الأرض شقاً، لتحيا على أنضر ما تكون النبتةُ الطيبةُ حياة وبهجة!
ولما بلغ أشده وأطاق حمل السلاح، ثقف صناعة الحرب، ثم صحب الجيوش الغازية، وأبلى في العدوّ بلاء محمودَ الأثر؛ روى الزبير بن بكّار (أنه - عبد الله - قتل بيده في
стр. 9183
فتح إفريقية أميرَ جيوش الروم) فأرسله عبد الله بن أبي سرح (وكان قائد جيش المسلمين) بشيراً إلى أمير المؤمنين عثمان، فلما سمع بشارته أعجبه كلامه وشجاعة قلبه، ثم سأله: أيمكنه أن يخطب الناس بمثل ما أخبره به؟ فأجابه: وما يمنعني من ذلك؟ ثم قام خطيباً، وتدفّقت من فيه آيات البلاغة، وأطنب في وصف الفتوح، وفصّل هزيمته العدو، حتى أسر القلوب، وأدهش السامعين، بفرط بلاغته وقوة عبارته، وتمكنه من ناصية القول والموقف؛ فقام أبوه وقبله بين عينيه، وانفضّ الجمع، وليس فيهم إلا معجبٌ ببيانه، مثنٍ على شجاعته
ولم أطلع في وصف عبد الله على عبارة وافية موجزة أبلغ من قول أبي عمرو بن عبيد: (كان عبد الله شهماً ذَكَراً ذا أنَفَةٍ، وكان له لَسَنٌ وفصاحة، وكان كثير الصلاة والصوم والعبادة، شديد البأس، كريم الجدات والأمهات والخالات).
بهذا الوصف الكريم الجامع أستأهل ابن الزبير أن يكون في الطبقة العالية بين رجال عصره، وما فتئ عثمان يتفرس في مخايله قوة الشكيمة، وفرط النبوغ؛ ويرمقه بعين ملؤها الحبُّ والرضا، حتى كان يوم الدار، فاستخلفه عليها قبيل مصرعه. . .
ومن ثمَّ دبَّ الطمع إلى قلبه في طلب الخلافة لنفسه، وأبقى ذلك سراً مكتوماً، ولكنه لم يأل جهداً في تحقيق هذا الحلم الجميل، الذي يلائم طبعه ويشبع رغباته الكامنة؛ ولم لا يكون خليفة وقد استخلفه أمير المؤمنين عثمان على داره التي هي دار الخلافة؟ ولِمَ لا يكون خليفة وجدُّه أبو بكر أول الخلفاء؟ بمثل هذا تحّدث إلى نفسه، ولكن أنىَّ له هذا، وفي القوم كثيرٌ ممن يكُفُّونه بمجرد وجودهم عن ذلك المرتقى السامي؟؟ وإذن فليرتقب سنوح الفرصة، وليأخذ أهبته ريثما تواتيه الظروف المسعدة، عسى أن ينال ما يبتغيه!! وقد قضت عليه سياسة الترقب هذه أن يناوئ كل خليفة يلي الأمر من بعد عثمان، فما هو أن بويع عليٌّ بالخلافة حتى قام عبد الله يؤلب عليه أهل الحجاز بزعامة أبيه الزبير وطلحة بن عبيد الله، وتحت راية خالته عائشة، وما كانت أم المؤمنين لتخرج من تلقاء نفسها لملاقاة عليٍّ بالعراق، وإنما زجها عبد الله ودفع بها في هذا المأزق الحرج، بعد أن بين لها فظاعة الجريمة التي ارتكبها الثائرون ضد عثمان، وبعد أن هوّل ما بينها وبين علي من الأحن القديم، فاستجابت طبيعة المرأة لما أُلقي إليها من دواعي الإغراء، وأجمعت أمرها على النزال، فقامت تخطب المسلمين، تحرضهم على الانتقام لعثمان. . . . حتى كان ما كان يوم
стр. 9184
الجمل. روى المسعودي (أن عائشة قالت يوماً: إذا مرَّ ابن عمر فأرونيه، فلما مرَّ قالوا هذا ابن عمر؛ فقالت: يا أبا عبد الرحمن، ما منعك أن تنهاني عن مسيري إلى العراق؟ قال: رأيت رجلاً قد غلب عليك، ورأيتك لا تخالفينه!! (يعني عبد الله بن الزبير)
يؤخذ من هذا ومن قول الرواة أن عبد الله كان هو المحرك الخفي لجيش عائشة على علي، وأنه كان قطب الرحا يوم الجمل، والدافع له إلى هذا إنما هي نيته المستورة، ورغبته المكبوتة في أمر الخلافة
ثم تجري الأمور على قدر، ويتولى معاوية الأمر بعد مقتل علي، فيتمنى عبد الله أن لو كان معه جند يشد أزره أمام الخليفة الجديد! ولكن أنى له ذلك الآن! وقد انقسم المسلمون فرقتين، ظفرت سياسة إحداهما بزعامة معاوية، وخذلت الأخرى بمصرع ابن أبي طالب، فلم يبق إلا الإذعان للواقع، والحزم إذن في المداورة لمن يبغي أمراً جللاً كهذا، ولا بد حينئذ من المبايعة، مع الترقّب من جديد لفرصةٍ أخرى أمثل من هذه
بايع ابن الزبير معاوية، وفي نفسه غصة، ولقد كانت المطامع الكبيرة التي ينطوي عليها توقفه من معاوية موقف الند للند، بل موقف المشاكس المناقض، حتى ليهم الخليفة أن يبطش به، فلا يحجزه عن ذلك إلا مركز عبد الله من جهة، وخشية الانقلاب والفتنة من جهة أخرى، يروي أن معاوية حجّ سنة، ثم رحل إلى الشام ليلاً، فلم يعلم بسفره من غير خاصته إلا عبد الله، فقفا أثره على فرس ومعاوية نائم في هودجه، فانتبه على وقع الحافر، وقال من صاحب الفرس؟ قال أنا عبد الله! لو شئت يا معاوية قتلتك الآن!! (يمازحه بهذه الكلمة) قال معاوية لست هناك، ثم دار بينهما حوار طويل، وكان مما قال عبد الله: أفعلتها يا معاوية! أما إنا قد أعطيناك عهداً، ونحن وافون لك به مادمت حياً، ولكن ليعلمنَّ من بعدك!!! وفي هذا التهديد ما ينم عن ثورة عنيفة يتأجج بها صدر عبد الله، وإنما كان يكتمها إلى أجل؛ وكثيراً ما كان يضيق به معاوية فيغمز عليه عمرو بن العاص ليُحرجه ويستثير دفائنه، فيقع بينهما في مجلس الخلافة الجدال الشديد، والتفاخر بالآباء والأحساب، ولكن ابن الزبير كان يفحم عمراً بالقول الرادع، والحجة الدامغة. قال له مرة: (يا ابن العاص. إنما طال بي إلى الذُّرى مالا يطول بك مثله: أنفٌ حمي، وقلبٌ ذكي، وصارم مشرفي، في تليد فارع، وطريف مانع). فعبد الله - كما قلنا - يطوي نفسه على طلب الخلافة، ويستسر
стр. 9185
الأمر، ولم يكن هذا ليخفى على أحد، حتى على الخليفة نفسه؛ وتتضح نيته، وتظهر مطامعه لمعاوية حينما يطلب منه أن يبايع لابنه يزيد. يروي الرواة أنه لما طلب منه ذلك أطرق مفكراً، فقال معاوية مالي أراك مطرقاً إطراق الأفعوان في أصول الشجر؟ قال: (أنا أناديك ولا أناجيك؛ أخوك من صدقك، ففكِّر في الأمر قبل أن تندم) فهو لم يرض البيعة ليزيد، ولم يوافق معاوية على ما أراد لابنه من المُلك؛ وبهذه اللهجة الحازمة جابه خليفة المسلمين، مع قدرته على الفتك به. ولقد حذّر معاوية ابنه يزيد منه، إذ كان لا يخشى عليه أحداً سواه؛ قال لابنه: (إياك منه - ابن الزبير - إنه الثعلب الماكر، والليث يصول بالجراءة عند إطلاقه، فوجَّه إليه كلَّ جدك وعزمك، وأما ما بعد ذلك فقد وطّأت لك الأمم، وذللت لك أعناق المنابر. . .). فمعاوية السياسي الخطير، والداهية العظيم، لم يكن يخشى على خلافة ولده إلا عبد الله؛ وإنما كان يتوقع الشر والوثوب من جانبه، لما يعهده فيه من قوة الشكيمة، وصدق العزيمة، وأنه لا يستكين ولا يستخذي، وأن صدرَه مطويٌّ على أمور جسام
ويلحق معاوية بربه، فيتجلى نزوع ابن الزبير للخلافة بصورة واضحة قوية، حيث يتولى يزيد الأمر، ويميل إلى السرف في المتع والشهوات، وينغمس في ملاذه، حتى لينسيه ذلك أن يعني بأمور المسلمين على الوجه الذي يرضي جمهرتهم في سائر الأمصار، ويضمن التفافهم حوله. حينئذ يغلي صدر عبد الله بمكنوناته، فيتحفز، وتزداد حرارة نفسه، ثم ينطلق إلى منبر المدينة، فيلقى من أعلى ذروته على أهل الحجاز كلمة الثورة على الخليفة الأموي؛ يخطب القوم خطبة حماسية حارة، يسب فيها يزيد، ويذكر مقابحه وعيوبه، ثم يبلغ كلامه مسامع يزيد، فيؤدي هذا إلى وقعة الحرَّة، التي انتهك فيها جيش الخليفة حرمات المدينة، مدينة الرسول ﷺ ، وهذه نقطة سوداء أثيمة، كان من شأنها تحويل قلوب كثيرة من مختلف الأقطار الإسلامية عن الخلافة الأموية، وساعدت ابن الزبير كثيراً على مطلبه؛ وقد قلنا إنه كان يتطلع إلى منصب الخلافة وزعامة المسلمين منذ زمن بعيد، وكانت نزعته هذه تعتمد على عدة أمور: منها أن عثمان استخلفه على الدار يوم حصارها، فتدخَّله من هذا الاستخفاف طموح إلى الأمر، ولذا كان يقول لئن أُصبتُ بأبي فلقد أصبت بإمامي عثمان؛ وقوّاه على هذا أن طلحة والزبير قدّماه للصلاة بالناس أيام وقعة
стр. 9186
الجمل، وكأني به يقول لنفسه: لم لا أكون خليفة المسلمين، والأمر لا يجري على ميراث ولا يتبع قانوناً؟ ولم لا يؤسس أسرة زبيرية، كما أراد معاوية أن يقيم دولة سفيانية؟ وقد نمى عنده هذه الخواطر ما أنسه من قوة الشخصية، وشدة الاعتداد، مع شرفه وجراءة قلبه. سأله ابن عباس مرة: بماذا تروم هذا الأمر؟ قال بشرفي!، وقد وجد في أهل الحجاز ضراماً لناره، فهم يؤيدونه على الأموية، ولذا اتخذ الحجاز مقراً لدعوته
(البقية في العدد القادم)
محمد حسني عبد الرحمن
стр. 9187
الشباب
للأستاذ عبد الرحمن شكري
مقدمة
مستقبل الإنسانية رهن بطموح الشباب إلى المثل العليا وعزوفه عن حقيرات الأمور وإبائه الضيم للناس ولنفسه، وبألا يقنع من الحياة بما يرى، وبأن يحاول أن يبلغ من جليلات أمورها البعيد الداني إلى قلبه ونفسه، وبأن يحاول أن يقهر طاغوت الأمور وجبروتها، وأن يستنقذ الدهر من عبث العابثين الذين جعلوا الحياة مهزلة رخيصة ومأساة وضيعة
الناظم
إن الشباب حديقة الأزمان … عَطِر الروائح ناصع الألوان
مثل الربيع إذا جلوت بسحره … نَوْرَ الرُّبَى وأطايب البستان
روحٌ من الفردوس يُثمِل نَشْرُه … تغدو الحياة به رياض جِنَان
ما راعه حكم الحِمَام وصَوْلُه … إن الشباب من الخلود لَدَاني
لا اليأس يضنيه ولا جزع إذا … كثر العثار وزلت القدمان
ينسى الذي يمضي لينشد مقبلاً … مستأنفاً للعيش بالنسيان
ولو أن رفضا للقضاء يذيقه … كأْساً تذيب القلب من ذيفان
والشيب بالتسليم يكسر سمها … حيث الشباب لِغِرَّة الأسوان
وهو المغامر في الحياة بنفسه … نشوان لا من خمرة النشوان
نشوان من خمر الحياة وكأسها … تغنيه عن نشوات بنت الحان
فكأنما فك الزمانُ قيودَه … عنه وما للدهر من سلطان
ويصوغ من أحزانه نغماً له … فكأنه خلْوٌ من الأحزان
يسمو إلى الغرض البعيد طموحه … ويرد خطب الدهر بالإيمان
متحصن منه بأمنع معقل … متكفِّل إيمانه بأمان
ويكاد من فرط الهناءة والهوى … يدع الثرى ويهم بالطيران
والشيب يرسب في الحضيض تخلفاً … وترى الشباب كذروة الأكوان
ما أرَّقته ذكرة من أشيب … جم التردد خَطْوُهُ متداني
стр. 9188
وله على إدبار دَهْرٍ عزةٌ … تنأى به عن ذلة وهوان
كِبْرُ الشباب ولا اعتداد مُسَوَّدٍ … بالجاه والأجناد والأعوان
إن كان صعلوكاً فليس بخانع … فكأنه ذو التاج والإيوان
إن العزيز هو العزيز على الصِّبى … والشيب مهما عز ذل جَنَان
ذل الجَنَان لوهن جثمان ولا … ذل كذل الوهن في الأبدان
ورث المراح ذخيرةً لمبذر … خال الحياة رخيصة الأثمان
لَذَّاتُه دَيْنٌ يؤديه إذا … حل المشيب وهد من جثمان
تتعادل اللذات في ريعانه … ولواعج للشيب في ميزان
عهد الصراحة والمروءة والندى … وتَألُّفِ الخلان بالخلان
عهد المحبة والأخاء وربما … تُلْفِيها في القلب يمتزجان
عهد إذا طلب الكرى لم يُعْيِه … وكرى المشيب مؤرَّق الأحزان
عهد الصِّبى عهد المنى، فإذا مضى … لم يبق الأمُرُّ سُؤْرِ دنان
وتكاد ذكراه إذا فات الصبى … تحيي الصبى وترد غرب زمان
أطماعه عُلْوِيَّةٌ، أحلامه … ذهبية الآمال كالعقيان
عهد الصيال ولا صيال لأشيب … هاب الحياة وصولة العدوان
والخطب أن يَهْوِي المشيب بصائل … ما كان يخشى جولة الحدثان
حتى تراه بالحياة مُرَوَّعاً … قلق الضلوع مؤرَّق الأجفان
والخوف طبع في المشيب وقلما … تلقى الشباب على غرار جبان
ولربما جمح الشباب بِسادر … عَبَدَ الحياة عبادة الشيطان
ولربما عبد الحياة أخو النهى … كعبادةٍ لله والأوطان
قال المشيب ورُبَّ قولة صامت … تعظ المصيخ له بغير لسان
ما سَرَّني أني فطنت وإنني … والحلم والتبيان في أكفان
ونسيت ما نَشْرُ الجنان وخلدُها … وذكرت أن العيش مهلة فاني
ولقد علمت الآن ما عهد الصبى … من بعد جهلي فيه والنسيان
والآن عالجت الحياة كما أرى … لا ما أريد من البعيد الداني
стр. 9189
وعددت من سُنَنِ الحياة وحكمها … ما يفعل الإنسان بالإنسان
في حرصه أو قَسْوِهِ أو رِقِّهِ … من فتكه بالروح والأبدانِ
وفزعت من ظُلْمِ الحياة وطالما … ذَلَّلْتُ منها أيَّمَا طغيان
وتلوت في التاريخ آيات الأسى … مسطورةً بمدامع الأحزان
فعسى الشباب بمقبل من دهره … يبلو الحياة بعزمة وأماني
ويَسُنُّ للدنيا الوسيعة سُنَّةً … لا سنة للحرص والحرمان
يستنقذ الأزمان من عبث الورى … ويُطَهَّر الأحشاء من أضغان
ويُذِل طاغوت الأمور فيحتذي … شرعُ الحياة شريعةَ الرحمن
ويُحيلُ ظلم العيش عدلاً سائغاً … يُنسَى به ما كان من عدوان
عبد الرحمن شكري
стр. 9190
ذكرى سعد
للأستاذ فخري أبو السعود
تهفُو لذكرِكَ أنْفُسٌ ومَشاعر … وتجود أفئدةٌ له وخواطر
ويُضيءُ شِعرٌ من عَلائك قابِسٌ … ويَتِيه فخراً في مديحك شاعر
وعلوتَ أنت فما يزيدك مادحٌ … مجداً ولا يُعلى مكانك ذاكر
يا فخر مصرٍ في الشعوب على المدى … ما قام فيها بالرجال مُفاخر
كانت حياتك صفحةً كم سُطِّرَتْ … فيها لمصرَ محامدٌ ومآثر
أنت الذي أعلَيْتَ خافتَ صوتها … والخصم يُرعِد والخطوبُ بوَاسِر
فَشَدَتْ بذكرك ألسُنُ وصحائفُ … وبذكرِ مصرَ عواصمٌ وحواضر
رَوَّعْتَ عنها غاصباً متجبراً … الموتُ من أسيافه متقاطر
ليثٌ يَرُوعُ العالمين مهابةً … قد راعهُ مِن ليث مصر زَماجر
لما رأَوك تُثير شعباً هامداً … وتمُجُّ سِحرَ القول قالوا: ساحر
لو أنصفوا قالوا: نبيٌّ مرسل … الوَحْيُ يَتْبَعُ خَطْوَهُ ويُساير
أدَّيْتَ أمس رسالةً عُلوِيَّةً … العِزُّ أولُ آيِها والآخِر
في عهدك الزاهي الأغَرِّ - ولم يَطُل - … يَنَعَتْ أمانٍ للبلاد زواهر
شَرَقَتْ لمصر سيادةٌ كانت خَبَت … من عهد فرعون وعزٌّ باهر
وطَلَعْتَ في دست الرياسة قائداً … في راحتيه أزمَّةٌ ومصائر
ومَثَلْتَ في دار النيابة مِدْرَهاً … شَخَصَتْ إليه جوارحٌ ونواظر
أنَّى حَللْتَ سما بمجدك منصبٌ … أن زانه سعد العظيمُ الكابر
اسُتقبلِتْ بك مصرُ سالفَ رفعةِ … وبدَتْ لمأْمُول النهوض بشائر
فأتتْ ثمان بعد ذاك كأنها=دهرٌ على الوادي المروَّع داهر
وئُدَتْ بها الآمال في إبَّانِها … وتَلَتْ سناك على البلاد دياجر
سَرَقتْ زمامَ الحكم فيها عصبةٌ … لا عاد عهدهم الأثيم الدَّاثر
من كان قاعُ السجن مأوى مِثلِهمْ … عَمَرَتْ محافل باسمهم ومنابر
أجْرَوْا على الأهلين ما لم يُجْرِهِ … في سالف الأحقاب غازٍ فاجر
стр. 9191
وتحكموا والأجنبيُّ مُظاهرٌ … لهمُ وجُندُ الأجنبيِّ مُناصر
أوْهَى وَأوْهَنُ ما رأوه شرائعٌ … عَبَثوا علانية بها ودساتر
أعداءُ مِصرَ همُ كواشحُ سعدِها … قد شفَّهم حقدٌ عليه ساعر
نَقِمُوا عليه في النفوس مكانةً … مَسعاتهم عن دَرْكها تتقاصر
ضنُّوا على سعدٍ بتمثال وقد … ضَمَّتْ جوانحُ رَسْمَهُ وسرائر
في موطنٍ كم فاز بالأنصاب في … ساحاته عِلْجٌ دخيل ماكر
وحَموْا بَقِيَّتَه ضريحاً شادَهُ … لرُفاته الشعبُّ الحفِيُّ الشاكر
ولو استطاعوا فوق ذاك لما ثَوَى … في مِصرِهِ جسد الزعيم الطاهر
حَسَدٌ لعلياءِ الرئيس وفضلهِ … حيّاّ وميْتاً ما يزال، يُساور
إن يَمنعُوا عنه بناَء حجارة … فلهُ البناءُ المشمَخِرُّ الفاخر
بُنيان مجدٍ شادَهُ بيمينه … هيهاتَ يَبلُغه الحسود الخاسر
يمضون في غدهم حُطاماً مُغْفَلاً … وهو المخلَّدُ في العصور الظافر
فخري أبو السعود
стр. 9192
راتبي
للأستاذ محمود غنيم
ولى راتبٌ كالماء تحويه راحتي … فيُفلت من بين الأصابع هاربا
إذا استأذن الشهر التفتُّ فلم أجد … إلى جانبي إلا غريماً مطالبا
فأمسيتُ أرجو نعيهُ يومَ وضعِه … وليس الذي يمضي من العمر آيبا
لعمرك ما فوق المكاتب راحةٌ … ولا تحتها كنز يدِرُّ المكاسبا
قضيت حياتي بين داري ومكتبي … فألفيتُ وجهَ العيش أصفر شاحبا
تشابهت الأيام عندي كأنما … مضى العمر يوماً واحداً متعاقبا
فقل لشباب النيل قالةَ ناصحٍ … تعاف له أخلاقه أن يواربا
إذا مصرُ لم ترفعْ قواعد مجدها … بساعدها لم تقض منه مأربا
وإن نَكُ في كل المرافق عالةً … على غيرنا عشنا بمصرَ أجانبا
أما من سبيل للحياة وغيرُنا … يرى سبلاً شتى ومذاهباً؟
محمود غنيم
стр. 9193
فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية
١٧ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا
فرديدريك نيتشه للأستاذ خليل هنداوي
غزوات نيتشه
أثرت في نيتشة تعاليم شوبنهاور تأثيراً ظهر في كتابه (نشأة المأساة) وعنه اقتبس قواعد كتابه. فاتخذ الإرادة منه كشيء قائم بنفسه؛ والذاتية في الوجود مصدر كل ألم، والموسيقى كلغة أصيلة للإرادة. وفي الكتاب ذاته يرحب بشوبنهاور ويحييه تحية العبقرية، يرى فيه هاديه إلى الحقيقة، ويحلل تأثيره وما يمكن لهذا التأثير أن يفعله في الأرواح الحديثة. يقول: (إن الإنسان اليوم يتحرى عن ذاته، ولا يفتأ يتحرى حتى تهديه المصادفات إلى معلم نافع فيتبعه، لا يعمل هذا المعلم على تخطيط آثار وتعيين طريق من الطرق المختلفة، ولكنه يعمل على استنقاذه من كل ما يمسك عليه حريته ويحول بينه وبين الوصول إلى هذه (الذات) الغامضة المتوارية في أحناء كل إنسان)، ولم يكن معلمه إلا شوبنهاور
شاهد فيه للوهلة الأولى ذلك الفيلسوف الصادق المستقيم الذي يتحرى عن الحقيقة في كل ما حبر وسطر. وفي مدرسة شوبنهاور تعلم نيتشه أن يرى الحقيقة كما هي بما فيها من قبح وبما تنطوي عليه من ألم. وتعلم أن العبقرية يجب أن تناضل عصرها وأبناء عصرها حتى تحمل الناس على الاعتقاد بوجودها، فهي حين تناضل الضعف وتحارب الرذيلة، تحاول في هذا كله أن تطهر ذاتها من كل الأوضار التي دخلت عليها من مجتمعها
وأخيراً وجد نيتشه في شوبنهاور تعريفه لحياة البطولة؛ (أما الحياة السعيدة فهي ضرب من المحال. ولكن الذي يمسح الإنسان بمسحة الجلال هو أن يعتنق حياة البطولة، وأن يقضي وجوداً تزينه الرجولة. لا تحفل بأن تكافأ على حياتك، فخير ما تكافئ به نفسك أن تكون عظيماً ظافراً، ذكراك تبقى حية، وأنت تمجد تمجيد الأبطال؛ وإرادتك نثب من خطر إلى خطر. وتصعد من قدر إلى قدر، حتى تتلاشى في (النرفانا)) وهكذا خال نيتشه أنه وجد في شوبنهاور روح (ديونيزيوس) التي تعتمد على الإرادة وحدها
الغزوة الرابعة
стр. 9194
وهناك صداقته القديمة للموسيقى الفنان (ريشادر فاجنر) هذه الصداقة التي يعود عهدها إلى أيام الحداثة، ما عمرها إلا إعجاب نيتشه بآثار هذا الفنان إعجاباً تسامى عن إعجاب فنان بفنان إلى امتزاج إنسان بإنسان؛ فقد تقاربا وتعاشرا ردحاً طويلاً من الزمن، كانا خلاله مثلين للثقة العمياء والمودة الراسخة؛ وظلا ثابتين على هذه الصداقة حتى شاءت الظروف أن تفرق بينهما فمضى (فاجنر) إلى (بابروت) حيث أسس فيها داراً للتمثيل، فكان نيتشه يعوده بذات الإعجاب؛ وفي إحدى مطالعاته الأخيرة وصف (فاجنر) كبطل من أبطال العبقرية على النحو الذي ذهب إليه في معلمه (شوبنهاور)، ولكن هذا أدى رسالته عن طريق الفلسفة، وذاك يؤديها عن طريق الفن بأسلوب حي يمازجه شيء من الغموض، هو ذلك العبقري (الديونيزوسي) الذي لا يستطيع أن يعبر عن عالم عواطفه الزاخرة في نفسه بطريقة الكلام والبيان الناقص؛ فهو عبقري جمع إليه جملة فنون متصاحبة: فيه براعة الممثل، وعبقرية الموسيقى، وسمو الشعر؛ تساعده كلها على التعبير عما يخالج نفسه ويغشي حسه، وقد كان هدف (فاجنر) من افتتاحه لدار التمثيل أن يخلق درامة موسيقية يحي بها عهد المأساة عند اليونان؛ وإن تحقيق هذه الدرامة لَيُعد أول محاولة من نوعها في تاريخ أدب الغرب الحديث؛ لأنها محاولة لا ترمي في الحقيقة إلا إلى إحياء العبقرية اليونانية الهامدة، ولو أن هذا العمل قُدر له الانتصار والبقاء، لاعتبر طليعة صادقة من فجر جديد في تاريخ الإنسانية
ولكن نيتشه بعد إنجازه ما كتب بأسابيع قفل راجعاً إلى أهله، وقد تراكم عليه اليأس والضجر، فجعته الأيام في أحلام صباه، وانتصر فيه إعجابه بفاجنر على كل شيء
هذا نيتشه الذي كان قذفه كل خاطرة طفق يدنو من استقلاله الفكري الذي قهره عليه سلطة هذين المعلمين، وهو أحد المتعصبين لأفكارهما وآرائهما، وأحد العاملين على بثها، لأنهما في اعتقاده أكمل ما جاد به المثل الأعلى. ولكن نيتشه أخذ يعمل بينه وبين نفسه على الانفصال من قيودهما. وقد عرفنا كيف انفصل عن (شوبنهاور) في مسائل واضحة من مذهبه. فقد أصبح يرتاب في كل ما ينطوي عليه هذا المذهب من المسائل التصورية، وفي الخاصيات التي يعزوها صاحبها إلى الإرادة، وفي الإرادة التي يزعم صاحبها أنها كنه أكناه الكون، وفي الشيء القائم وجوده بنفسه. وبعد قليل حمل على التشاؤم الذي يدعو إليه
стр. 9195
شوبنهاور، فأبى الخضوع والاستسلام ورفض الجنوح للسكون الفلسفي. وبهذا قضى على فلسفة الحكمة (الراكدة) اللابسة لباس اليأس. هو يريد الحقيقة مهما كان ثمنها. ولو كان للعلم فوز في تضحية بني البشر لفعل. ويمدح الحكمة الممزوجة بالمأساة، التي تكفر بعلم ما وراء الطبيعة ثم تخضع المعرفة لها لتخدم أجمل شكل في أشكال الحياة، ويعيد للفن حقوقه التي انتزعها العلم منه، هذه الحقوق التي تخول الإنسان حق التخيل وحق التوهم
ولم يكن حكم نيتشه على (فاجنر) أقل جرأة وقسوة. فقد أخذ يبدي فيه مواضع ضعف يحسبها الناظر ذخائر جمال، ويظهر ما يطغى على روحه من روح الفوضى والاضطراب. ويقارن بينه وبين (باخ وبيتهوفن) اللذين هما أصفى مزاجاً منه. وأصبح في شك من قيمته الفنية التي تدس فيه الموسيقى والشاعر والمفكر. وأخذ عليه تشبثه بالقديم وعودته إلى الآراء القديمة. منها توقانه إلى القرون الوسطى وميله إلى المسيحية والذهول البوذي، وحبه للأشياء الغريبة. أصبح في شك من أي تأثير يحمله (فاجنر) إلى الشعب الألماني
هذا نيتشه الذي كان يرى في موسيقى (فاجنر) المثل لأسمى قد انقلب عليها وجحد بها، فما هي علة هذا الانقلاب؟
يقول نيتشه جواباً على هذا السؤال أثناء تحدثه عن شوبنهاور (إننا نخاله فيلسوفاً: ثم نرى: إذا خدع في الأسلوب الذي أبدى به ملحوظاته فإن هذه الملحوظات لا يشوبها خلل. لأن منازل هذه الملاحظات لا خلاف فيها، فهو كفيلسوف يُعلِّم قد يكون مخطئاً مائة مرة. ولكن شخصيته ذاتها لا تظهر إلا على حقيقة، مرتدية أزياء الحقيقة. . . وههنا مجال النظر والتأمل؛ ففي الفيلسوف شيء لا تنطوي عليه الفلسفة، هذا الشيء هو الذي يخلد الفلسفة ويولد العبقرية)، وفي هذا الرأي يكاد يتبين لنا هوى نيتشه وميله لهذين الرجلين، فهو قد مال إليهما بآثارهما والتعصب لهما. ثم انقلب هذا الميل والتعصب إلى الآثار إلى إعجاب مجرد بالشخصية، فأحبهما كرجلين عبقريين منفصلين عن آثارهما. ثم عمل على أن يتجنب كل ما يعكر هذه الصداقة أو يشوش أسبابها، ولكنه اضطر إلى نقد مالا يوائم فكرته نقداً عاماً، وأخيراً اقتربت تلك لساعة التي وجد فيها أن الفواصل التي تفصله عنهما هي أكبر من أن تُخنق
وألفى أن في سكوته عنها خيانة لنفسه، فبدأ ينقد آثارهما ويظهر أخطاءهما. وهو في كل
стр. 9196
ذلك لا يحاول أن يفهمهما بحقيقتها ولكنه عامل على تفهم نفسه بالاتصال بهما؛ وهو بدلاً من أن يصور نفسه بصورتها رأيناه قد حوّل صورتهما إلى صورته، وأذاب ذاتهما في ذاته، كالحر الذي يحول فيه الفرات أجاجاً. وصورة (شوبنهاور) التي رسمها نيتشه ليس بينها وبين صورة الفيلسوف الحقيقية مشابهة، وإنما هي صورة للمثل الأعلى للفيلسوف (التراجيدي) كما يتخيلها نيتشه. وهكذا قل في صورة (فاجنر). وهو دائماً لا يعبر في كل ما يصف ويصور إلا عن حلمه الباطن
(يتبع)
خليل هنداوي
стр. 9197
القصَص
صور من هوميروس
حروب طروادة
التفاحة المشؤمة
للأستاذ دريني خشبة
نشيد الزمان!
وقصيدة الماضي!
وغناء السلف!
وحُداء القافلة التي لا تفتأ تخب في بيداء الأزل، إلى الواحة المفقودة في متاهة الأبد؛ رُكبانها الآلهة، وأبوللو وكيوبيد ومَلؤهما وِلدانها المخّلدون!
أنشد يا هوميروس!
واملأ الأحقاب موسيقى!
واللانهاية جمالاً وسحراً!
فالأرواح ظامئة، والقلوب متعبة، والإنسانية واجفة، والآذان مكدودة من دويّ العصر، فهي أبداً تحنّ إلى سكون الماضي!
لن تصمت يا هوميروس!
فالقيثارة الخالدة ما تزال بيديك!
والقلوب هي القلوب!
فدع أوتارها تملأ الدنيا رنيناً، فلقد أوسعتنا هذه الدنيا أنيناً؛ ورنينك العذب أذهب لأنين الشاكين الباكين!
- ١ -
رآها تخطر فوق الثبج، وتميس على رؤوس الموج؛ فهام بها، وشغلته زماناً عن أزواجه في قصور الأولمب، فكان يقضي عند شاطئ البحر أياماً يترقب الفرصة السانحة، ويفتش في كل موجة عن حبيبته (ذيتيس). . . عروس الماء الفاتنة، (ذات القدمين الفضيتين)،
стр. 9198
ابنة نريوس، رب الأعماق؛ الثاوي مع زوجته الصالحة دوريس، في قصور المرجان. . . هناك. . . هناك تحت العُباب. . .
ورقت له الفتاة، حين علمت أنه رب الأرباب، وسيد آلهة الأولمب، زيوس العظيم، فوصلت بحبالها حباله، تطمع الخبيثة أن تصبح زوجة أولمبية عظيمة، تصاول حيرا أم مارس وفلكان، وتفاخر لاتونا أم ديانا وأبوللو، وتدِل على ديون أم فينوس. . . وعلى سائر ربات الأولمب!
وابتسم لهما الزمان، وتساقيا كؤوس الغرام دهاقاً؛ وأوشك الإله الأكبر أن يبني بها لولا وسواس خامر قلبه، فآثر أن يستشير ربات الأقدار قبل أن يبت في الأمر أو يقطع فيه بشيء
ولقد شاء حسن طالع الإله الأكبر أن يفعل؛ إذ أخبرنه أن ذيتيس الجميلة التي يهواها سيد الأولمب، تلد غلاماً ما يزال يقوى ويشتد حتى يخلع أباه ويستأثر بالملك من دونه؛ أو على الأقل، تكسف شمسُ عظمته شمس أبيه، فيعيش إلى جانبه إمَّعةً لا شأن له. وهَو لن فحدثنه عما يكون للغلام من مقام حين يثأر النقع، ويستحر القتال، بين شعبه (الإغريق) وجيرانه (الطرواديين). . .
وخفق قلب زيوس، وذكر تلك الحرب الضروس التي انتصر فيها على أبيه ساترن بعد فظائع وأهوال، فأشفق أن يكون له ولد يصنع به ما صنع هو بأبيه
لذلك قصر هواه، وأصدر على غفلة من كل آلهة الأولمب إرادة سامية تقضي أن تتزوج ذيتيس من بليوس ملك فيتيا، الذي كان هو الآخر مولعاً بها، مشغوفاً بجمالها حباً. . . حتى لقد خطبها إلى أبيها غير مرة فرفض رب الأعماق أن تبني ابنته على بشريٍّ هالك واو كان ملكاً. بيد أنه صدع بأمر الإله الأكبر، وقبل بليوس لابنته بعلاً. . .
وحزنت ذيتيس، وانعكفت في غرفتها المرصعة باللآلئ تشكو وتبكي؛ فلما علم زيوس ما حل بها، زارها من فوره، وطفق يلاطفها ويترضاها، حتى رضيت أن تكون زوجة لبليوس الملك: (على أن تحضر بنفسك، أنت وجميع الآلهة ليلة الزفاف، وليعزف أبوللو على موسيقاه، ولترقص ديانا ربة القمر. . .)
- ٢ -
стр. 9199
ودُقَّت البشائر، واضطرب بطن اليم، وانشق الماء عن طريق رحب يتهادى فيه موكب الآلهة إلى قصر نريوس في أعماق المحيط، ووقفت الأوسيانيد والنيرييد وسائر عرائس الماء صفوفاً صفوفاً تحي الضيوف الأعزاء، الأودّاء الأحبّاء، وتغني وتنشد وترسل ألحانها الخالدة موقعة على الموسيقى المشجية
وانبرى أبوللو يوقع على قيثارته الذهبية. أبوللو!! الذي اشترك في بناء أسوار طروادة، فلم يكن يصنع شيئاً أكثر من أن يلعب بأنامله على أوتار القيثارة، فتقفز الحجارة مترنحةً من الطرب إلى مكانها من الأسوار!!
وانطلقت ديانا ترقص. . . فما علم أحد من الآلهة أخطرات نسيمتهبط من القمر الفضي، وتعلو في السماء، أم ديانا الهيفاء ترقص في القلوب والأحشاء!!
ونهض الجميع إلى المقصف الفاخر الذي تفننت في تنويع آكاله وأشرباته أيدٍ إلهية ماهرة، فأكلوا ما لذ، وشربوا ما طاب، وأخذوا في سمر جميل. وكان هرمز يرسل نكاته الطريفة فيقرقع المكان الحاشد بالضحك. وتُدَوّي الأكف بالتصفيق.!
وبينما الآلهة في قصفهم، لا يفكر أحدهم إلا في هناء العروسين، إذا بالرَّبَّة الخصيم أيريس تظهر فجأة في وسط الجماعة، ثم شرعت تقلب فيهم عينين تقدحان بالشرر، وتنفثان سم البغض، وعلى رأسها الفاحم الأسود تتلوى خِصَلٌ ثعبانية شائهة ذات فحيحٍ وصلصلة، وعلى صدغيها الأبرصين يخشخشن عقربان منكران لكل منهما ذُنَابَي يقطر الموت الأسود منها ههنا وههنا
ظهرت إيريس غاضبة حانقة، لأن القائمين بالدعوة إلى العرس أغفلوها فلم يرسلوا إليها بالدعوة التي أرسلت إلى الأرباب جميعاً. وهم قد قصدوا إلى ذلك عن عمد، لأنهم خشوا على العروسين من أذاها الذي ما تفتأ تثيره في كل مكان وطئته قدماها. أليست هي ربة الخصام، النافخة في نار العداوة التي تتضرم منذ الأزل في الجوانح والقلوب؟
لكنها لم تنس لهم هذا الإهمال، بل أقبلت، وهي تتميز من الغيظ، لتقلب هذا العرس الكريم إلى مأتم أليم
ولقد أوجس الآلهة جميعاً خيفةً حين رأوا إليها تُقلّب فيهم ناظريها المشتعلين، غير أنهم اطمأنوا قليلاً، حين رأوها تنصرف بعد إذ ألقت على الخِوان الفخم تُفَّاحةً كبيرة من الذهب،
стр. 9200
نُقشت عليها هذه الكلمة المقتضبة: (للأجمل!)
- ٣ -
باريس:
درجت عادة القدماء أنه كلما ولد لأحدهم غلام توجه من تَوّه إلى الهيكل يقدم القرابين ويزف الهدى، ثم يستوحي المعبود عما يكون من مستقبل ولده وما يفيض به من سعادة أو شقاء، ليأخذ للأمر أهبته، وليعد لكل شيء عدته
فلما وضعت هيكيوبا، ملكة طروادة، غلامها باريس، حمله أبوه الملك، بريام، إلى هيكل أبوللو، ليرى رأي الإله فيه
واربدّ وجه الملك الشيخ، وتغضَّنت أساريره، حين قال له كاهن المعبد: إن ولده سيكون كارثةً على قومه وعلى بلده! يأتي من الإثم ما يجر إلى قتل إله وبني جلدته، ويُفضي إلى سقوط طروادة في يد أعدائها
وتحدث بريام إلى هيكيوبا في ذلك، فصمما على الخلاص من الطفل بتركه في العراء، فوق واحدةٍ من جنبات الجبل، ينوشه طير جارح، أو تفترسه ذئاب البرية. وأنفذا فعلتهما الشنعاء! ولكن القضاء ينبغي أن يتم، والقدر يجب أن يأخذ مجراه! فلقد جاز بهذا المكان من الجبل أحد رعاة الأغنام فوجد الغلام وفرح به، واتخذه لنفسه ولداً؛ ثم سهر عليه واعتنى به، ونَشَّأه تنشئة الفروسية التي كانت أحب مزاولات الحياة هذا الزمن
وشب باريس فتى يافعاً، جميلاً ممشوقاً، فعمل مع الراعي الذي أنقذه. وكان مولعاً بالبحر، تشوقه أمواجه، وتفتنه أواذيه، فكان يختلف إليه ريثما تفيء الأغنام من الحر، يلهو بالسباحة، ويتربص بمصارعة الموج. وبدت له إحدى عرائس الماء - إيونونيه - وكانت قسيمةً وسيمة، فهويها وعلقها قلبه، وما لبثت أن أصبحت أعز شيء عليه في هذه الحياة
وعشقته إيونونيه، وأخلصت له الحب، وكانت تنتظر أوبته من رعي الغنم كما ينتظر الظمآن جرعة الماء، والعليل برد الشقاء
وا أسفاه!
لقد قضت ربات الأقدار - كلوتو وأختاها - ألا يدوم هذا الحب طويلاً!
- ٤ -
стр. 9201
اجتمع الغانيات حول التفاحة كل تريدها لنفسها، وكل تدعي أنها أجمل من في الحفل جميعاً. . . ثم ساد صمت عميق حين نهضت حيرا ومينرفا وفينوس، ميمماتٍ شطر الجهة التي يتنازع فيها الغانيات من سائر الربات على التفاحة الثمينة. . .
- (أنا حيرا العظيمة، مليكة الأولمب، وصاحبة الحول والطول فيه، وآثركنّ إلى قلب الإله الأكبر، أنا، أحقكن بهذه التفاحة العلوية، وأعرفكن بقدرها. . . سأضمها إلى تفاحات هسبريا، فهي بهن ألبق، وهن عليها أحفظ. . . سيعلقنها مع أخواتها الثلاث لتزدان بها حدائقهن. . .)
- (أنت تفاخرين بملك الأولمب، وبالجاه والسلطان؟ إذن أين جمال الحكمة، وأبهة الموعظة الحسنة، وجلال الرأي السديد؟ بل أنا. . . مينرفا. . . ربة الهدى والسبيل الحق. . . أحق منك بهذه التفاحة. . .)
- (فيم تختصمان يا أختي العزيزتين؟ أليس قد كتب الحكم على التفاحة نفسها؟ أليست هي للأجمل؟ أولست أنا. . . فينوس جميعاً. . . ربة الجمال؟ لِم تربعت على عرش الفتنة إذن؟ هي لي من دونكما!. . .)
واختلف الآلهة، وساد هرج ومرج، ولم يجسر أحد ممن احتشد حول الخوان أن يفوه بكلمةٍ يفضل بها إحدى الرَّبات الثلاث حتى لا يقع في سخط الأخريين، وحتى لا يكون أبداً عرضة لنقمتهما. . .
وتفرق الجميع بدداً
وقصدت الربات الثلاث جبلاً شامخاً يشرف على البحر فتلبَّثن به، واتفقن على أن يفصل أول عابر، مهما يكن شأنه بينهن في أمر التفاحة، وتعاهدن، بالإيمان المغلَّظة، أن يخضعن لحكمه، وأن تكون كلمته فصل الخطاب فيما اختلفن فيه
وتنظرن طويلاً؛ وكان البحر يضطرب من تحتهن فيقذف باللآلئ والمرجان، كأن إلهاً حاول أن يشبع نهم الربات بالجواهر الغالية فلا يتشاجرن من أجل تفاحة، ولكنهن ما كن يأبهن لحصباء الدر المنثور على الشاطئ، بل ما كانت أعينهن تريم عن لُقية إيريس!!
وكانت عروس فتانةٌ من عرائس الماء تعلو وتهبط مع الموج ولا تفتر تحدق ببصرها في الجهة التي جلست بها الربات يتربصن. . .
стр. 9202
وكانت إيونونيه من غير ريب! وكان الجبل مُستراد باريس الذي يُريح فيه قُطعانه، ثم ينطلق للقاء حبيبته، فيتباثان ويتشاكيان
وأقبل باريس يشدو لشأنه ويغني، فزلزل قلب إيونيه، وهلعت نفسها، وفرقت على حبيبها فرقاً شديداً، ذلك أن أخبار النزاع الذي انتهى إليه يوم الزفاف من أجل تفاحة إيريس قد ذاعت وشاعت، وتسامع بها كل عرائس البحار؛ فلما عرفت إيونونيه ما اجتمع الربات في هذه الناحية من الجبل من أجله، اضطربت أيما اضطراب، وقلقت على باريس أيما قلق. لأنه وحده هو الذي يجوز بهذا الطريق، حين ينفذ إليها يحلمان ويتناجيان. وكان مصدر قلقها هو ما عساه أن يجره على نفسه - إذا قضى بينهن - من سخط الربتين اللتين لا يقضي لهما بالتفاحة. . .
- ٥ -
وصاحت حيرا: (قف أيها الراعي الجميل فاحكم بيننا فيما نحن مختلفون فيه. تلك تفاحة من الذهب ساقتها السماء إلينا منحة منها لأكثرنا جمالاً وأسطعنا رونقاً، وأنا - حيرا - مليكة الأولمب وذات الحول والطول فيه، وربة التاج والصولجان، وصاحبة القوة والسلطان، وآثر أزواج ربك، كبير الآلهة؛ واحبّهن إليه. . . أنا - حيرا ذات الجبروت - وولدي مارس إله الحرب، ورب الطعن والضرب، أقوى أبناء زيوس العظيم. . . وولدي فالكان كذلك، إذا شئت سرد لك الدروع من حديد فتصبح سيد أبطال لعالم، لا يشق لك غبار، ولا يجري معك في مضمار! إذا خضت حرباً حماك مارس وأيدك، ونصرك فلكان وآزرك. . . ألست ترى أيها الراعي الجميل أنني أحق من هاتين بتلك التفاحة؟ أنا - حيرا مليكة الأولمب - سأمنحك الثروة التي لا تفنى، والسلطان الذي لا يبيد. . . سأجعلك ملك هذه الديار التي ترى. . . ستكون صاحب عرش وتاج، وستستريح إلى الأبد من هذه الحياة الضنك التي تحياها. . . أنت جميل يا فتى. . . وأنت بعرش عظيم أولى منك بهذا القطيع الذي يثغو. . .)
وصمتت حيرا. . . وجع باريس يقلب في التفاحة ناظريه، وفي قلبه مما رأى وسمع فرَقٌ عظيم. . .
لقد كانت حيرا تختال في ثوبها الأولمبي الموشى، وكان طاووسها الجميل - الذي اتخذته
стр. 9203
منذ الأزل رمزاً لها - يتشبث بناصيتها ويميس، فيزيدها جلالاً وكبرياء
- وأوشك الفتى الراعي أن يقدم التفاحة لحيرا، لولا أن صاحت به مينرفا:
- (على رسلك أيها الشاب. . . اسمع منا جميعاً ثم اقض بيننا. . . أنا لن أزخرف عليك بملك ولا سلطان، فأنت أعقل من أن تنخدع للعرض الزائل، وأعلى من أن يهيمن جسمك على عقلك، وهواك على قلبك. . . أنا مينرفا ربة الحكمة وإلهة الروح الأعلى المقدس. . . سأمنحك السداد، وسأكشف لك حجب الجهالة، وسيضيء مصباح المعرفة بين يديك فتكون أهدى الناس، وأعلم الناس، وأحكم الناس. . .)
- وسكتت مينرفا؛ وسمع هاتف من جهة البحر يصيح:
- (باريس! أعطها لمينرفا يا باريس. . .)، وكانت أيونونيه ما في ذلك شك!!
وكاد باريس يلقي بالتفاحة في يدي مينرفا. . . لولا أن تقدمت فينوس الصنَاع. . . فينوس الحلوة. . . فينوس الساحرة. . . فينوس ذات الدل. . . فينوس التي تكفي غمزة ماكرة من طرفها الفاتر الساجي لإذلال ألف قلب. . . . . . لولا أن تقدمت فينوس كلها تطارد قلب باريس وتحاصر عينيه حتى ما يقعان إلا على عينيها. . . . . . . . . تقدمت فينوس ترنو وتبتسم، وتتبرّج وتهتز، وتشد هذا الثدي وتثني هذا الذراع، وتميل برأسها الذي كله خدود وعيون وأصداغ. . . تقدمت فينوس تبسم للراعي الجميل عن فم حلو رقيق، تتلألأ ثناياه، ويتضوع عبير خمره، وقالت: (باريس! هل لك عينان تعرفان الغزل، وقلب يعرف الحب؟. . . باريس! أنا فينوس التي صليت لها بالأمس، والتمست منها التوفيق. . . هاأنا ذي يا باريس. . . أليست التفاحة للأجمل! ألست تحب أن أهبك أجمل زوجة في العالم؟ ستكون زوجتك مثلي، تغمرك بجمال لا نهائي لا حدود له، ولن تشعر معها إلا أنك تعيش منها في جنة. . . قبل. . . نظرات حلوة. . . خدٌّ مورّد. . . أهدابٌ كظلال الخلد. . . ساق ملتفة عبلة. . . جسم ممشوق طوال. . . جيد مهتز ناضج. . . ثدي مثمر يتحلّب نعيما. . . . . . هاتها يا باريس. . . هاتها يا حبيبي. . .)
وقبل أن تتم الخبيثة سحرها، كان الفتى البائس قد ألقى التفاحة في يديها الجميلتين، برغم الصيحات المتتالية التي كانت تهتف به من البحر: (لا يا باريس. . . لا يا باريس. . . أعطها لمينرفا يا باريس. . .!)
стр. 9204
وجر على نفسه غضب حيرا ومينرفا، وكتبت التعاسة عليه وعلى قومه. . . ولم يلق إيونونيه بعدها!!
(لها بقية)
دريني خشبة
стр. 9205
البريد الأدبيّ
نصوص سريانية عن العلوم الإسلامية في بغداد
صدرت أخيراً في إنكلترا موسوعة نفيسة للعلوم العربية وأحوالها في بغداد في أوائل القرن التاسع الميلادي (أوائل القرن الثالث الهجري) وعنوانها: (موسوعة للعلوم الفلسفية والطبيعية كما كانت تدرس في بغداد حوالي سنة ٨١٧م) أو (كتاب كنوز أيوب الرهاوي)، وقد نشرت هذه الموسوعة بالسريانية وهو نصها الأصلي مقرونة بترجمة إنكليزية وملاحظات نقدية بقلم العلامة الشهير الدكتور منجانا صاحب مكتبة (رينولدز) الشهيرة لتي تحتوي طائفة كبيرة من أنفس المخطوطات الئرقية؛ وقد سبق أن نشر الدكتور منجانا بعض هذه النصوص والتراجم نقلا عن المخطوطات السريانية والجرشونية التي تحتويها مكتبته. وهو يقول لنا في مقدمته إن هذا الجزء هو المجلد الأول في سلسلة جديدة علمية يراد إصدارها
وأهمية النصوص السريانية في تفهم أحوال العلوم الإسلامية الأولى تبدو جلية متى ذكرنا أن العرب حينما بدأوا ترجمة العلوم اليونانية، استعانوا في نقلها بالسريانية، فكانت تنقل أولاً إلى السريانية ثم تنقل بعد ذلك إلى العربية، وكان أعظم أولئك المترجمين كما هو معروف حنين بن إسحاق، أما أيوب الرهاوي هذا صاحب (الكنوز) التي أصدرها الدكتور منجانا، فهو من أشهر المترجمين الذين نقلوا المؤلفات اليونانية العلمية إلى السريانية، وقد ذكره ابن النديم في كتابه (الفهرست)، وعرفه العرب بالأخص من تراجمه للكتب اليونانية الطبية؛ وقد انتفع حنين بن إسحاق بترجمة الرهاوي لمؤلفات جالينوس، وترجم الرهاوي أيضاً بعض مؤلفات أرسطو، وألف رسالة دينية عنوانها (كتاب الإيمان). وقد ولد هذا لعلامة في مدينة إذيسا أو (الرها) حوالي سنة ٧٦٠م وتوفي حوالي سنة ٨٤٠
ولا شك أن المجلد الأول الذي أصدره الدكتور منجانا من النصوص السريانية التي اتخذت واسطة لنقل العلوم اليونانية إلى العربية سيكون له شأن يذكر في درس الحركة العلمية الإسلامية في بغداد في أواخر القرن الثامن وأوائل القرن التاسع أعني في أزهر عصور الدولة العباسية
لجنة الفتاوي في الأزهر والمعاهد الدينية
стр. 9206
رأى فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر أن رسائل الاستفتاء عن مختلف المسائل الفقهية تنثال كل يوم على الرياسة الدينية من مصر ومن جميع الأقطار الإسلامية فأراد أن يجعل لهذا التثقيف المثمر جهة خاصة تتولى الفتوى على هذه الأسئلة وترجمتها إلى لغة المستفتى ثم عرضها على الرياسة العليا. فأصدر قراراً بتأليف لجنة تسمى (لجنة الفتاوي في الأزهر والمعاهد الدينية) وأسند رياستها إلى العالم الجليل الأستاذ حسين وإلى عضو هيئة كبار العلماء، وعضو مجمع اللغة العربية الملكي. وجعل أعضاءها أحد عشر عضواً يمثلون المذاهب الأربعة المشهورة، وسيكون دستورها في الفتوى أن تجب الطالب على المذهب أو المذاهب التي يريد الإجابة على مقتضاها. فإذا لم يعين المستفتى مذهباً أجابته بحكم الله المؤيد بالأدلة من غير تقيد بمذهب من المذاهب الشرعية
العارية الدولية للكتب
اجتمع في شهر مايو الماضي المؤتمر الدولي الثاني للمكتبات وفنونها بمدريد واشبيلية وسلمنكا وبرشلونة، وكان الغرض من اجتماعه إيجاد اتحاد أدبي بين الدول لنشر العلوم والثقافة بالتعاون بين مكتبات العالم. وكان من أهم ما نظر فيه مسألة (العارية الدولية للكتب) فاتخذ فيها قراراً ننقل خلاصته عن تقرير المندوب المصري فيما يلي:
١ - أن تكون المعاملة بين الدول في مسألة العارية الدولية للكتب على قاعدة المثل في أوسع معانيها
٢ - أن تتعهد المكتبة المستعيرة بضمان كل ما ينشأ من ضياع أو تلف للكتب التي ترسل إليها
٣ - تتعهد المكتبة المستعيرة بأن تتحمل كل نفقات الإرسال والتأمين
٤ - أن تنفذ عملية الاستعارة بأسهل الطرق وأسرعها وبأقل النفقات الممكنة
٥ - أن تكون الاستعارة بين الدول بطرقة مباشرة
٦ - يجب على كل مكتبة قبل أن تطلب مؤلفات من الخارج أن تتأكد من عدم وجود هذه المؤلفات في بلادها
٧ - يحسن أن يعين في كل مكتبة موظف خاص باستعارة الكتب وهو الذي يرسل ويتسلم
стр. 9207
الكتب المطلوب استعارتها
٨ - وعلى المكاتب المنضمة إلى الاتحاد أن تعمل إحصائية عن الكتب التي أعارتها أو استعارتها كل عام
الإنكليز واللغات الأجنبية
المعروف عن الإنكليز أنهم أقل الشعوب الأوربية ميلا إلى تعلم اللغات الأجنبية، وقد يرجع ذلك من وجوه كثيرة إلى انتشار لغتهم في كثير من البلاد والأمم التي يبسطون عليها سيادتهم أو نفوذهم؛ ولكن الواقع أن الإنكليز يرغب بطبيعته عن بذل أي جهد لتعلم لغة أخرى؛ بيد أنه لوحظ منذ بداية هذا القرن أن الشباب الإنكليزي قد أخذ يميل إلى تعلم لغة أجنبية، وأنه يؤثر الفرنسية في ذلك على كل لغة أخرى، وتليها اللغة الألمانية؛ وقد أذاع أحد كبار الأساتذة الفرنسيين الذين يتولون التدريس في جامعة لندن أخيراً تقريراً عن تقدم اللغة الفرنسية في إنكلترا وفيه يقول إنها أصبحت اللغة الأجنبية الوحيدة التي تدرس في المدارس الابتدائية الممتازة في إنكلترا وعددها نحو خمسمائة مدرسة؛ وأنه يوجد زهاء خمسين ألفاً من الشبان الإنكليز يتعلمون الفرنسية في المدارس الليلية، وعشرين ألفاً يتعلمون الألمانية، وتسعة آلاف يتعلمون الأسبانية. ويغلب تعلم الفرنسية في المدارس الابتدائية الحرة وفي المدارس الثانوية. ويختار الفرنسية كلغة أجنبية إضافية نحو تسعين في المائة من تلاميذ هذه المدارس. غير أنه يلاحظ من جهة أخرى أن الطلبة بعد تعلم الفرنسية في المدارس لا يجرؤن على التكلم بها بعد تخرجهم، لأنهم يجدون صعوبة كبيرة في التحدث بها سواء من جهة النطق أو النحو؛ ويلاحظ من جهة أخرى أنهم لا يقرأون بها سوى القليل من الكتب والنشرات السخيفة. وإلى جانب ذلك التقدم يتعلم اللغة الألمانية خصوصاً في الأقسام العلمية للجامعات
جائزة نوبل للسلام
من المعروف أن معهد نوبل يخصص جائزة سنوية لسلام يمنحها للشخص أو الأشخاص الذين يقدمون أعظم خدمات لقضية السلام العالمي. وقد منحت هذه الجائزة في العام الماضي للمستر ارثور هندرسون الوزير الإنكليزي السابق ورئيس مؤتمر نزع السلاح،
стр. 9208
والسير نورمان آنجل الكاتب الإنكليزي الذي اشتهر بمقالاته وكتبه لتأييد قضية السلام. وفي أنباء (أوسلو) الأخيرة أنهم يرشحون لنيل جائزة السلام عن سنة ١٩٣٥، المسيو مازاريك رئيس جمهورية تشيكوسلوفاكيا، والهير كارل فون اسيوتسكي. والأول معروف بحبه وخدماته للسلام، وأما الثاني فهو كاتب ألماني ذو نزعة ديموقراطية، كان يحرر صحيفة (دي فلث بينه) (المسرح العالمي)، وقد اشتهر بحملاته على الجمعيات الوطنية النازية السرية. فلما تولى النازي الحكم في يناير سنة ١٩٣٣، قبض عليه وأودع في معسكر الاعتقال. ولا يزال معتقلاً حتى اليوم
مشروع أدبي ضخم
وضع أحد كبار الناشرين في السويد مشروع مباراة أدبية ضخمة، خلاصتها أن يتقدم اثنا عشر ناشراً يمثلون كبرى الدول الأوربية، ويقدم كل ناشر منهم أنفس ما لديه من مخطوطات كبار المؤلفين المعدة للنشر إلى لجنة من المحكمين من أكابر المفكرين؛ وتنتخب كل لجنة مما يقدم إليها أنفس وأجمل رواية؛ ثم ترسل الروايات الاثنتا عشرة المختارة إلى السويد وتعرض هنالك على لجنة عليا من المحكمين، وهذه تختار أنفس وأجمل رواية من الجميع؛ ويمنح مؤلف هذه القصة المختارة مكافأة مالية قدرها ثلثمائة ألف فرنك (نحو أربعة آلاف جنيه). ثم تترجم إلى معظم اللغات الحية وتنشر في مختلف بلاد العالم؛ ويقدر واضع المشروع أنه يمكن أن يجتني من تنفيذه نحو مليون فرنك. بيد أن المهم في ذلك كله هو ما يصيب المؤلف الذي يسعده الحظ بأن تفوز قصته بالجائزة الكبرى، فهو يغدو بالحصول عليها من أصحاب الثراء
стр. 9209
الكتب
روض الشقيق في الجزل الرقيق
ديوان المرحوم الأمير نسيب أرسلان ١٢٨٤ - ١٣٤٦هـ
للأستاذ محمد بك كرد علي
بيت الأمراء أرسلان في لبنان عريق في النسب والأدب، وأشهرهم في هذا العصر الأمير شكيب أرسلان أحد من انبغتهم الشام من أرباب الأقلام، ويليه في الشهرة الأدبية شقيقاه الأمير عادل والأمير نسيب صاحب هذا الديوان. طبعه في دمشق شقيقه الأمير شكيب وقدم له مقدمة التزم فيها السجع على عادة أهل القرن الماضي، وعلق عليه حواشي وأردفه بترجمة الناظم ونسب العائلة الأرسلانية التي تنتسب إلى الأمير عون المتوفى سنة ١٣هـ. وكان قد حضر وقعة أجنادين، حضر مع خالد بن الوليد من العراق إلى الشام لنجدة أبي عبيدة بن الجراح، وحضر الأمير مسعود المتوفى سنة ٤٥هـ وقعة اليرموك بألف وخمسمائة من أصحابه، وشهد وقعة قِنَّسرين. وأرومة هذا البيت ترتقي بعد ذلك إلى المنذر بن الملك النعمان الشهير بأبي قابوس ممدوح النابغة الذبياني. وقد فصل الأمير شكيب كل ذلك تفصيلاً وافياً استغرق أكثر من نصف هذا الديوان، وهو في ٢٧٠ صفحة متوسطة القطع، وترجم لمن ورد ذكرهم من القضاة والعدول وغيرهم ممن شهدوا لهذا النسب، وردّ على بعض المؤرخين الذين أغفلوا لمقاصد حزبية ذكر آل أرسلان في بعض المواضع والمواقع، وقديماً قالوا: الناس مصدّقون بأنسابهم.
سمى الأمير أرسلان ديوان أخيه بروض الشقيق، في الجَزْل الرقيق، وذلك لجمعه بين متانة التركيب، ورقة الشعور؛ وفي لفظة الشقيق من التورية ما لا يخفى. وقد أشار إلى أصحاب الأدب الجديد، وهو من أنصار الأدب القديم بقوله: (لا ينبغي لناشئة العرب أن يعدلوا بهذه الأم العربية البرة أماً، ولا يجوز أن يجعلوا لها من بين اللغات نِداً، بل يجب أن يجعلوها قطب رحى المثافَنة، ويعلموا أنها نعم السند يوم المماتنة. فلا يرتبوا أفكارهم في لغة قبلها، ولا يضلوا في الأبانة عن ذات نفوسهم سبلها، حتى إذا صفت لهم مشارعها، وحنَت عليهم أجارعها، وصارت مَلَكتها جارية مجرى المهج من نفوسهم، نازلة منزلة
стр. 9210
الأدمغة من رءوسهم، كان لهم أن يستزيدوا من آداب الغرب والشرق ما شاءوا وتطالت إليه عزائمهم، وأن يضموا إلى البلاد العربي القديم طريف البضائع، وأن يضيفوا إلى الإرث العُدُملي الكريم حديث البدائع، مشروطاً في نقلها إلى خزانة العربية، لأجل تمام المقصد واجتناب الهجنة، أن يكون الأسلوب العربي الأصيل ظلها وماءها، وديباجة النطق بالضاد أرضها وسماءها، وأن تكون لغة الكتاب المنزل على أفصح العرب ألفها وياءها. .).
وهاكم نموذجاً من شعر هذا الأمير الشاعر من قصيدة يصف الفقير في ضنكه ويحث الموسر على إعانته، (وهي قصيدة فذة في بابها في وصف الفقر وشدته على المرء واستجلاب الرحمة والتحنان على الفقراء والتحذير من مغبة إرهاقهم):
رأيت سليل الفقر يعمل في الثرى … مكباً على محراثه يتلهف
يخدُّ أديم الأرض خداً كأنه … له قِبَل الغبراء ثار مخلف
كأني به نادته للحرب فاغتدى … يكرُّ عليها بالحديد ويعطف
كأني به إذ فرق الترب والحصى … يفتش هل في باطن الأرض منصف
كأني به إذ خط في الأرض قبره … يهمُّ على جثمانه ثم يصدف
به آية الجهد الذي ليس ناهضاً … بهِ بشر غض البنان مهفهف
جبين بمرفضِّ الصبيب مضمَّخٌ … وشعر بملتصِّ الغبار مغلف
وجِيد خفوق الأخدعين كأنما … تبينت من أوداجه الدم ينطف
رثيت لمكروب سحابة يومه … إذا قرَّ منه معطف ماج معطف
إذا زلزلته سرعة الخطو أوشكت … أضالعه في زوره تتقصف
كأن أزيز الجوف عند وجيبه … حسيسُ هشيم والندى يتوكف
يشقق عنه الثوب فالريح قد غدت … تصافح منه جلده حين تعصف
وأثبت حَمْىُ الشمس في أم رأسه … نبالاً فراس العظم منها منقف
تبطن منثور الغبار جفونه … فضرَّج منها مقلة تتحسف
كأن حماة الشوك في ذيل برده … طراز حواه العبقري المفوَّف
يمدُّ إلى الجبار كفاً تكدحت … أناملها والله بالعبد أرأف
следующие страницы →