← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

إلى بئر جندلي للأستاذ الدمرداش محمد. مدير إدارة السجلات والامتحانات بوزارة المعارف - ١ - في شتاء سنة ١٩٠٨، وقبيل إجازة عيد الأضحى، دعاني خالي إليه وابتدرني قائلا وفي فمه ابتسامة: _ هيا معي إلى بير جندلي. غداً مساءً سنغادر القاهرة. _ بير جندلي؟ ما هذا؟ _ رحلة صيد في جبل المقطم تستغرق خمسة أيام، وسنكون مع أصدقائنا عائلة رشيد، وقد اعددنا لها العدة. كانت مفاجأة، واترك للقارئ أن يتصور وقع هذه المفاجأة في شاب لم يبلغ الثامنة عشرة، لا يعرف عن جبل المقطم إلا القليل مما التقطه في طفولته من أفواه العجائز في أحاديثهم عن العفاريت والوحوش، أو عرفه من القراءة في كتب وضيعة تصور لك المقطم قفاراً ومفاوز لا نبات فيه ولا ماء، وانه مسكن المردة والجان ومأوى جبابرة اللصوص وقطاع الطرق ومرتع الوحوش الضارية من نوع السباع والأسود التي يرسمها نقاشنا البلدي على واجهات منازل الحجاج العائدين من الحجاز. كان قد أزف الوقت فانصرفت أعد نفسي للرحلة على عجل، وأذكر الآن وقد مضى على الحادث ما يزيد على خمسة وعشرين عاماً، إني صرفت شطراً كبيرا من الليل في تصفح ما كان عندي من الخرائط، متفرساً في أسماء الجبال والسهول والأودية، باحثا بينها عن بئر جندلي، ولكني لم اظفر بطائل، وأذكر كذلك أني لم أنم في تلك الليلة إلا غراراً، فقد كنت مشرد العقل مهموما قلقاً تتوارد على ذاكرتي حكايات الوحوش وقطاع الطرق وقصص الأهوال التي لاقاها رواد الجبال، من عطش، وجوع، ومخاطر، فينقبض لها صدري وتثور هواجسي، ولولا إرادة قوية، وإيمان ثابت لتغلب الضعف على نفسي، ولأحجمت عن مصاحبة الجماعة. بعد الغروب في اليوم الثاني أقلتنا عربة إلى منزل عائلة رشيد بشارع الدرب الأحمر

стр. 947

بالقرب من المحجر على بعد عشر دقائق من القلعة - منزل عتيق من طابقين له باب كبير ثقيل ومن خلفه دهليز يؤدي إلى فناء رحب تحيط به الحجر والمرافق وتطل عليه النوافذ والشرفات - في هذا الفناء شاهدت جملين مناخين حولهما حركة عنيفة صامتة، فقد كان القوم منهمكين في إعداد لوازم الرحلة - فهذا يملأ قرب الماء حتى إذا ملأها تعهد متانتها ثم أحكم ربطها إلى جانبي البعير، وذاك يحزم الملابس والأغطية ثم يضعها على ظهره، وثالث يرتب علب المأكولات داخل صندوقين من الخشب ثم يشدهما بوثاق إلى ظهر البعير الثاني وهكذا - بعد أن تبادلنا التحية دخلنا حجرة واسعة قد جلس في صدرها رجل وسيم المحيا مليء الجسم طويل القامة كبير الشوارب وقد خط الشيب شعره، فاستقبلنا واقفاً مرحباً ثم قدمني إليه خالي قائلا: عمك عبد الله بك كبير الأسرة. فلثمت يده على ما كان متبعاً في ذلك الوقت فضمني إلى صدره وقبّلني في جبيني وقال وهو يلاطفني: إنك الآن يا ولدي تجيب داع التقاليد في أسرتك؟ بعد قليل هدأت الحركة في الفناء، ثم نهضت الجمال وخطت نحو الباب وقد أمسك بزمام الجمل الأول شيخ يناهز الستين في لباس بدوي وقد ارتسمت على وجهه جميع إمارات الثقة بالنفس والتوكل على الله، وكان يقود الجمل الثاني شاب بدوي كذلك ممشوق القامة نحيل الجسم قد عّلق على ظهره بندقيته وتدلّى من صدره حزام للخرطوش ولما مرّت الجمال أمام النافذة أطلّ عليها عبد الله بك وقال بصوت هادئ رزين: - على بركة الله يا شيخ سويلم فأجاب الشيخ بصوت متهدج فيه غنة وبحة: بارك الله فيكم يا بك - أين الانتظار؟ - على نير الفحم يا بك خرجت الجمال إلى الشارع وقد انتصفت الساعة التاسعة وبخروجها شمل المنزل سكون عميق. ثم اتجه عبد الله بك نحو نضد في جانب الحجرة قد ثبتت فيه آلة لحشو الخرطوش فأخذ يديرها بمهارة وخفة، وبعد ان قضى في ذلك نحو نصف ساعة تناول من علاّقة قريبة مناطق الخرطوش وملأ به عيونها ثم خرج.

стр. 948

وبعد قليل عاد يتبعه أخوته الأربعة وهم جميعا في حلة الصيد من سترة مقفلة وسروال قصير وقد لفّوا حول الساق (القلاشين) ووضعوا فوق الرأس قبعات كبيرة على نحو ما يلبسه المهندسون زمن الصيف، فجلسنا نتجاذب أطراف الحديث، وفي نحو الساعة التاسعة والنصف دق الباب فصاحوا جميعا: ها قد أقبل الشيخ محمد - ثم دخل رجل في لباس بدوي فاستقبلوه باحتفاء وترحاب وبعد ان استوى في مجلسه سأل عن الجمال فقيل له أنها بارحت المكان منذ ساعة ثم نظر إليّ وقال من هذا الصغير؟ فقيل له ابن أخت احمد بك، فمال نحوي وقال بلهجة عذبة هل تصاحبنا يا آخي؟ فقلت نعم. فقال هكذا يكون الشباب يا سادة! - كان الرجل يكلمني وأنا مأخوذ فلم أر فيه إلا وجها صغيراً تحيط به لحية خفيف، وجسماً نحيلا وقامة قصيرة. وفي تمام الساعة العاشرة وقف الشيخ محمد وتناول بندقيته وثبتها على ظهره وفعل مثله الآخرون ثم قال هيا بنا يا سادة. توكلنا على الله!، فخفق قلبي خفقاشديدا ثم تقدمنا وسرنا خلفه في صفوف. (لها بقية)

стр. 949

الكتب ثورة الأدبمن هيكل إلى طه أخي طه لم تخلفني موعدك عند ظهور كتابي (ثورة الأدب) فقد عوَّدَتْني أُخُوَّتُكَ الصادقة وصداقتك الخالصة كلما ظهر لي كتاب ان تتناوله بالبحث وان تتناولني بالثناء. بل عودتني هذه الاخوة ان تتناول بعض فصول كتبتها بالبحث فيها وبالثناء عليّ من أجلها. وتحت نظري الآن ثلاثة فصول من قلمك العذب أحدها عن كتابي (في أوقات الفراغ)، والآخر رد على نقدي كتابك في (الأدب الجاهلي)، والأخير عن الفصل الذي كتبت عن النثر والشعر والذي احتواه كتابي الجديد. وفي كل واحد من هذه الفصول كما في غيرها من فصول نشرت السياسة ونشرت الأهرام من قبل هذا الثناء، وهذا البحث الذي يسعدني بما لك من أثر في مجهودي وإنتاجي يجعلك صاحب فضل فيه كبير. ولست أخفيك أني مدين في حيلتي ككاتب لأشخاص كثيرين شجعوني وآزروني وعاونوني بوحيهم وبنقدهم وبحسن توجيههم إياي وأني ما أزال بحاجة إلى هذه المؤازرة وإلى هذا الوحي إن كان قد قدر لي أن أنتج في الكتابة شيئاً جديداً ولعلي أستطيع يوما أن أفي لأصحاب الفضل هؤلاء بفصل على الأقل أكتبه، فما أستطيع اليوم أن أحصيهم وهم كثيرون. لكنك كنت وما تزال يا صديقي في مقدمتهم كنت وما تزال كذلك حين ألقاك وأتحدث إليك وحين أقرؤك واستمتع بجمال ما تكتب، وعظيم لذته ودسم غذائه وحين أفكر فيك وفيما أثرت في الأدب وفي تاريخ الأدب العربي من ثائرات

стр. 950

لما تهدأ. والحق انه إذا كانت ثورة الأدب مدينة في هذا العهد الأخير لعدد غير قليل من الكتاب والأدباء فهي مدينة لك بأعنف ما فيها، مدينة لك بأشد ما فيها طرافة. وبحسبي أن أذكر ذلك لتعلم كم يفكر فيك من فكر وما يزال يفكر في ثورة الأدب، ومن يعتقد بل من يلمس هذه الثورة ويرى أنها ما تزال لما تهدأ وأنها ما تزال تحطم وتهدم وتحاول أن تبني كما حطمت الثورة الفرنسية النظم والطبقات. ولست أحاول الرجم بما عسى ان تتمخض عنه هذه الثورة حين يستقر الأمر إلى التوليد الهادئ المطمئن، ولعل صديقنا المازني أقدر مني على هذا الرجم. ولست أخفيك كذلك ان فصلك عن (ثورة الأدب) أثار مني ابتسامات دهشة وخجل متصلين من أوله إلى آخره فقد رأيتك تصورني فيه صورة لا أعرفها لنفسي، صورة جن لا ينقطع إنتاجه وأب لا يبخل على أسرته بحقها عليه، وصديق لا يضن على أصدقائه بحقوقهم عليه. فلست أعرف لنفسي من هذا كله شيئا. إنما أنا مقصر في حقوق أصدقائي، أكثر من مقصر في حق أسرتي. ثم ماذا تراني يا صديقي أنتجت؟ دعك من فصول يومية تكتب في الصحف فأنت أعرف الناس بتفاهة ما ينفق من مجهود في هذه الفصول. ودعك من العمل في حزب سياسي فأنت أدري بالسياسة المصرية: ما هي وما مبلغ الجد فيها. دعك من هذين وانظر وإياي فيما أنتجت. إنه لا شيء أو لا يكاد يكون شيئا، فأنا رجل بيني وبين الخامسة والأربعين شهور، وهذا أنا لا خيل عندك تهديها ولا مال، فليسعد النطق ان لم تسعد الحال. أم تحسب هذه الكتب القليلة مجهود جني؟! إن يكن ذلك فهو جني بليد ويطوف في الآفاق ثم يرضى من الغنيمة بالإياب، أو هو كما ذكرت جني هادئ مطمئن أفاق منذ حين قصير من نوم مريح. ولعلي لا آسف إذ أصف نفسي في ذلك على حقيقتها. وكل رجائي أن أصل من الحياة إلى حظ هادئ مطمئن يكفيني بعده أن أفي لأصدقائي بحقوقهم ولأسرتي بحقها وألا أكون هذا الرجل المقصر الذي يعذر الناس تقصيره ويتوهمونه لكثرة

стр. 951

عمله، وما هي كثرة العمل وإنما هو تقصير من جعله الحظ مقصرا. وتذكر يا صديقي انك دهشت حين رأيتني أعلنت عن (ثورة الأدب) إعلانا أميركياً وإني سارعت في إهدائي وكنت تعرفني أشد الناس فتورا في الإعلان والإهداء، وتتساءل إن كان الله قد رزقني عفريتا في الإعلان، وتكرر انك ما تزال دهشا لأنك لم تفهم بعد مصدر هذه السرعة في الإهداء والإعلان. وإني لجد حريص على أن تزول دهشتك. فلأدلك على هذا العفريت الذي رزقني الله في الإعلان والإهداء. هو النظام الجديد للمطبوعات والصحف. فقد تعلم أن هذا النظام يقتضي إجراءات، منها تقديم عدد من النسخ إلى إدارة المطبوعات ومنها أن أية هيئة علمية أو أدبية أو دينية أو ما أدري ماذا تستطيع أن توحي إلى الحكومة فتصادر الكتاب الذي يطبع، وقد تصادر المطبعة التي طبع الكتاب فيها. ولعلك لم تنس قصة كتاب الخطيب البغدادي في السنة الماضية وحسن بلائك في الإفراج عنه. وقد ابتلينا نحن من قبل بشيء من هذا حين طبعت وصاحبي المازني وعنان كتاب (السياسة المصرية والانقلاب الدستوري) فقد قدمنا منه خمس نسخ لإدارة المطبوعات وأخذنا بها إيصالا وأردت بنفسي أخذ خمسمائة نسخة من الكتاب فإذا البوليس يحيط بي ويقتادني وكتابي إلى قسم عابدين، وإذا به يأمر ألا ينشر الكتاب وإذا بي اضطر إلى الالتجاء للنائب العام وإلى انتظار أسبوع أو نحوه حتى يفرج عن الكتاب. أفليس من حقي وذلك ما رأيت أن احتاط لنفسي حتى لا يقودني البوليس والجند مرة أخرى إلى القسم. فإني لأؤكد لك يا صديقي طه إن مثل هذا الموقف ليس مما تستريح له نفسي ولا نفس أي رجل مثقف. ولتلاحظ يا صديقي أن عنوان كتابي (ثورة الأدب). . وإذا كنت مهما آثر ألاّ أخيفك أو كانت الثورة لا تخيفك مهما تكن فيخيل إلي إن غيرك يخاف حين أثور وإن لم أر نفسي يوماً في حاجة إلى أن أثور، ويخيل إلي أن غيرك يخاف من كلمة الثورة كما كان الأتراك في العهد الحميدي يخافون كلمة الثورة وكلمة الحرية ولا يأذنون بنشرها أو نشر ما يماثلها. ولكي أتقيِ البوليس والجند والذهاب إلى القسم أعلنت الكتاب للناس وسارعت إلى إهدائه أصدقائي حتى إذا صودر قبل نشره أو أصابته مصيبة من مصائب هذا العهد أكون قد تعزيت بما أهديت من بعض نسخه، وبأني أعلنته للناس فحل بي وبه ما حل من ظلم وهضم.

стр. 952

هذا هو العفريت الذي لم تعرف يا صديقي مصدره. ولعلي إذ دللتك عليه وذكرت لك ما أصاب كتابي (السياسة المصرية والانقلاب الدستوري) عزيري عن خروجي على ما طبعت عليه من فتور في الإعلان والإهداء يعادل فتوري في حق أصدقائي وفي حق أسرتي. فان رأيتني مع ذلك بالغت في الاحتياط فظهرت في غير ما كان يليق بي أن أظهر فليس لي إلا أن أعتذر إليك وأن أعدك أني لن أعود إليها. هذا عن شخصي. وما أدري يا صديقي ما عساي أقول لك فيما كتبت عن (ثورة الأدب) لقد أثار دهشتي وأثار خجلي فما كنت أحسبه ينال منك كل هذا التقدير، ولا كنت أحسبه جديراً به. وما عساي أقول في تقديرك الكتاب بأنه (تاريخ صحيح دقيق للأدب العربي المصري في هذه الأعوام الأخيرة من جهة وهو فلسفة أدبية رفيعة موضوعها أدبنا الحديث من جهة أخرى) وانه كتاب (تمضي فيه فيخيل إليك انك تمضي في كلام مألوف ولكنك لا تكاد تفكر قليلاً فيما تقرأ، أو لا تكاد تلح في القراءة حتى يفح لك هذا الكتاب أبواباً ويبسط أمامك آفاقاً ما كنت تعرفها أو تفكر فيها من قبل). وإذا كل شيء جديد. وإذا كل شئ طريف. وإذ الكاتب يخدعك ويمكر بك وان لم يرد خداعا ولا مكرا، (وان المؤلف هو المؤرخ العربي للأدب العصري الحديث، وانه قد فرض بذلك نفسه، لا أقول على هذا الجيل وحده، بل أقول على الأجيال المقبلة أيضا. . . وان كتابه هذا سيصبح من المصادر القيمة للذين يريدون أن يدرسوا أدبنا المصري في نهضته هذه الحاضرة) ما عساي يا صديقي أقول في هذا كله. أقول انه كثير. وانه أثار دهشتي وخجلي. واحسب صدق مودتك وإخلاص اخوتك كان لهما أثر غير قليل في إملاء هذه العبارات ومثلها عليك، كما كان لهما اثر غير قليل فيما كتبت عن شخصي. ولعلك أنت شعرت بهذا، وخشيت من أن يتهمك الناس بالإسراف في الثناء على صديقك إسرافا بصرفهم عن حسنِ الاستماع له فأردت أن تحصي عليه وعلى كتابه بعض هنات تجعلهم أدنى إلى الإيمان بعدالة ثنائك. وأنت على حق فيما أحصيت من بعض الهنات وإن كنت قد أسرفت في بعضها. فقد ذكرت أن هيكلا: (من أصحاب المعاني بين الكتاب وأنه يهمل لغته إهمالا شديداً ويتورط في ألوان من الخطأ واضطراب الأسلوب، يدنيه أحيانا من الابتذال. والغريب أنه لا يضيق بذلك ولا يجد به بأسا ولا يعترف بأنه يسيء إلى نفسه

стр. 953

وإلى أدبه معا) والحق يا صديقي إنني لا أضيق بشيء ولا أجد به بأساً. لكني أستأذنك في أن أوجه إليك شيئا من اللوم غير قليل. فنحن حقا مختلفان في أمر اللغة والأسلوب خلافاً سأتلو عليك سببه. لكني لم أعرف قط منك أن لغتي وأسلوبي يدنياني من الابتذال. بل عرفت منك غير هذا. ولعلي لا أخطئ إذا وضعت تحت نظرك بعض عبارات كتبتها أنت في هذا الشأن. فقد ذكرت حين كتبت في السياسة الأسبوعية في ١٣ مارس ١٩٢٦ عن كتابي (في أوقات الفراغ). و (. . . كذلك كنت منذ عشرين سنة أو نحو ذلك حين كنت تكتب في (الجريدة) وكذلك أنت الآن. وإن يكن قد جد شيء فهو أنك ازددت فيما أنت فيه من القوة ثباتاً ورسوخ قدم، وانك استطعت ان تملك اللغة العربية وتسخرها لأغراضك، وقد كانت تستعصي عليك وتنتهي بك أحيانا إلى ما يكره سيبويه والخليل، وصديقك طه حسين. وأنت تذكر ما كان بيني وبينك من جدال متصل في هذا الموضوع. فقد كنت أتهمك بقلة البضاعة في اللغة العربية وكنت تجيبني بأني أزهري. وكان أستاذنا لطفي السيد يسخر منك ومني في رفق وحنان. وقد مضت أيام وأعوام وما زلت أنا أزهرياً كما كنت، أما أنت فقد أتقنت اللغة العربية إتقاناً وروّضتها حتى ذلت لك. فأنت تستطيع ان تقول إني أزهري وأنا لا أستطيع أن اتهمك بالضعف في اللغة العربية. ولكن لكل شيء حداً. فما رأيك في أنك أتقنت اللغة العربية، حتى لقد تسرف في هذا الإتقان وتصطنع من الألفاظ والأساليب ما يصح أن تعاب به لأنه أدنى إلى التقعر منه إلى شيء آخر. صدقني فأنت أزهري في بعض الأحيان. وكم لي عليك من فضل أيها الصديق العاق. ما زلت أعيب لغتك حتى أصبحت شيخاً قحاً). . . وقد ذكرت حين كتبت عن فصل الشعر والنثر في السياسة الأسبوعية بتاريخ ٩ أغسطس سنة ١٩٢٧: (أنت لا تكتب إلا اضطررت قرّاءك إلى الثناء والإعجاب، وأنت لا تسمع ثناءً ولا تحس إعجابا إلا ازددت إجادة وأمعنت في الإتقان. ولست ادري إلى أين يذهب بك هذا الإمعان في إجادة البحث وإتقان التفكير والتوفيق إلى الجمال الفني فيما تكتب. الخ) لعلي لم أخطئ إذ وضعت تحت نظرك هذه العبارات وما قد تذكر من مثلها لأوجه إليك شيئاً من اللوم غير قليل. فمالك يا صديقي وكلنا نعرف دقة ذوقك الأدبي، لم توجه نظري منذ تلك السنوات الطويلة إلى ما أتورط فيه من خطأ واضطراب في الأسلوب يدنيني أحيانا من الابتذال. لقد كان لي أثناءها متسع من

стр. 954

الوقت لأوجه شيئا من الجهد أسلم به من هذا الذي لم تنبهني إليه إلا اليوم. أما ولم تفعل فلعلي لا أغلو يا صديقي إذا اتهمتك بأنك خدعتني كل هذه السنين وعبثت بي كل هذا العبث، وتركتني حتى تقدمت بي السن إلى حيث لا يستطيع الإنسان إصلاح ما أفسد الدهر. أم أن الأمر ليس كذلك يا صديقي وأنك أنت قد ازداد ذوقك الفني دقة، زادت نقدك للغة والأساليب بأساً وشدةً، فأخرجني ذلك من حظيرة رفقك وتسامحك. إن يكن ذلك فأنت جدير من أجله بكل ثناء، جدير بكل تقدير على ما حباك الله مما كنت أود لو جاد عليّ ببعض منه. أم إنني كنت يا صديقي على ما وصفت في سنة ١٩٢٦ وسنة ١٩٢٧ ثم عادت بضاعتي من اللغة العربية إلى مثل ما كنت تذكر قبل خمس وعشرون سنة من قلة، وعاد أسلوبي إلى الاضطراب أحيانا. إن يكن ذلك فلا حول ولا قوة إلا بالله. وإنّا لله وإنا إليه راجعون. فإما إن لم يكنه فلومي شديد إياك وعتبي عليك يقضي به عليك وفاؤك لصديقك أن تراجع كتبه كلها ما ظهر منها وما قد يظهر وان تزيل منها ما قد يكون فيها من اضطراب وخطأ، فان لم تفعل وجهت إليك اليوم ما وجهت أنت إلي في سنة١٩٢٦ من تهمة عقوق الصداقة وعدم الوفاء بما لها من حق. أحسبك ستبتسم حين تقرأ هذه العبارة لأنك تعلم أني لا أضيق بأسلوبي، ولا أجد به بأساً. ولعلك يا صديقي على حق. بل انك لعلى حق. فليكن أسلوبي ما يكون فلن أرضى به بديلا: فأسلوب الكاتب هو الكاتب. ولن أرضى لنفسي أن أكون إلا أنا. أنا بما فيّ من حسن وقبيح. من خير وشر. من عرف ونكر. والحمد لله الذي جعلني كما أنا، ولم يجعلني شراً مما أنا. والحمد لله الذي جعل كثيرين ممن تناولوا كتابي هذا وغيره من كتبي يعجبهم أسلوبي اكثر مما أعجبك يا صديقي. وما لي أضيق بأسلوبي ولم اتخذ الأدب يوما صناعة ولا أنا توفرت على دراسة الأدب. إنما أنا رجل درس القانون ودرس الاقتصاد والسياسة ومال إلى قراءة الفلسفة والأدب لا إلى دراستهما دراسة انقطاع وتمحيص، وطبيعي أن يكون أسلوبي أسلوب الذين درسوا القانون والذين يرون ان تؤدي المعاني بألفاظ لا تزيد عليها ولا تضيق بها، والذين لا

стр. 955

يعنيهم لذلك بهرجة اللفظ للفظ، وقد زادني حرصا على هذا الأسلوب إني رأيت مثله موضع الإطراء من طائفة من كبار الكتاب والفلاسفة. وأنت لا ريب يا صديقي قد قرأت نقد (تين) لفلسفة كوزن في أحد الأجزاء الثلاثة من كتابه (رسائل في النقد والتاريخ) ورأيت كيف جعل من أشد ما آخذه به أنه يطيل من حيث لا تقتضي الفكرة الإطالة، وكيف جعل ينقل الصفحة الكاملة من كوزن فيضع فكرتها في سطرين أو ثلاثة اسطر. هذا والأدب الذي أقرأ ينحو اليوم نحو هذا الأسلوب. فبعد أن كانت روايات روسو تقع في خمسمائة صفحة أو اكثر نزعت القصة شيئا فشيئا بأسلوبها إلى الإيجاز. لا في وقائعها، ولكن في بهرجة الألفاظ التي تقص بها تلك الوقائع، ولعل ميل العالم الحاضر إلى السرعة في كل شيء هو الذي عفى على الإطالة، فملّ الاستماع إلى الأشخاص الذين يعجبون بالاستماع إلى كلامهم حين يتكلمون فيطيلون القول لتطول لهم لذة هذا الاستماع، وملّ قراءة الأشخاص الذين يعجبون بألفاظهم حين يكتبون فيطيلون رسائلهم وكتبهم. لعل هذا الميل إلى السرعة هو الذي مال حتى بالأدب إلى أسلوب القانون، وهو الذي جعل الذين درسوا القانون في فرنسا وفي مصر وفي كل أمة من الأمم يجددون في الأساليب كما يجدد فيها الذين توفروا على دراسة الأدب، أو أكثر مما يجدد فيها هؤلاء في بعض الأحايين، والفن الحديث هو الآخر ينحو هذا النحو، فالبساطة والقوة هما اليوم أساسه، ويخيل إلي أن أسلوب هذا الفن وأسلوب الأدب وأسلوب القانون قد اتفقت اليوم وقد نفت الزخرف للزخرف، وأصرت على أن يكون اللباب هو الأساس في أساليبها جميعا. اللباب الذي يعطي القطعة الفنية طابعها والذي يقيم نظريات القانون ويحقق رسالة الأدب، اللباب الذي يقف من هذه جميعا كالبيت المشيد من غير حاجة إلى ما تعودته القرون الماضية من زخرف عصور الرومانتسم ومن زخرف الكلاسيك أنفسهم. ولعلك توافقني يا صديقي على الأسلوب هذا ولا ترى رأيا غبره وإن كان الخلاف بيننا على اللغة وعلى الأسلوب قديما. فقد درجت أنت من أزهريتك التي أشرت إليها إلى أسلوبك الجديد وجاهدت أنا ما استطعت الجهاد حتى وصلت إلى ما أنا اليوم. لكني أعترف يا صديقي بأنك على حق حين آخذتني بأنني أسرع فيفوتني لذلك التحقق من بعض الشؤون وانك وقعت على هنّة ما كان يجوز لي أن أقع فيها حين أردت أن أذكر

стр. 956

الأوديسا فذكرت الأنياد. وإذا ذكرت لك أنني أنا الذي قمت بتصحيح تجارب الكتاب فقرأته عدة مرات قبل طبعه رأيت أني أكبر جريرة. لكني اختلف وإياك وإن كنت لا أحسب ذلك خلافا فيما ذكرت عن لابرويير وموليير. فما اشك في انهما تأثرا بكتّاب اليونان ممن ذكرت ومن تعرف أكثر مما أعرف لأنك درستهم دراسة خاصة. ولكنني إنما أردت أن موليير ولابرويير لم يتخذا من تاريخ اليونان والرومان إطار أدبهما كما فعل راسين وكورني. بل اتخذا الحياة المحيطة بهما وتأثرا بها إطار أدبهما. وهذه خطوة في التحرر من آثار اليونان والرومان مهدت للخطوات التي بعدها. فان تكن إشارتك يا صديقي إلى طائفة من الخطأ تأخذ به كتابي إنما هي إلى خطأ من هذا النوع، فلعله لا يكون خطأ. ولعلنا نستطيع أن نتفق عليه اتفاقنا على أكثر ما في كتابي من آراء، وليس شيء احب إلى من أن أتفق وإياك وأن كنت أجد في اختلافنا لذة لا أجدها في خلاف يقع بيني وبين أحد غيرك. وقد لاحظت يا أخي أن اشتغالي المتصل بالسياسة قد أثر في تصوري الأشياء وفي حكمي عليها بعض الشيء وذكرت لذلك مثلين: أحدهما إني أسرفت حين أسأت الظن بما يكتبه الأوربيون عن حياتنا الأدبية بينما أنت تظن أن (جب) وأمثاله لا يأخذون السياسة وأهواءهامقياساًلدراستهم الأدبية. والثاني إنني أسرفت حين أحسنت الظن بنا وبحظنا من الخيال وقدرتنا على الإنتاج وإني إنما فعلت ذلك لأرضي المصريين والشرقيين في الأدب كما أفعل في السياسة. وانك أنت ترى هذا شرا لأنه تغيير للحقائق العلمية إرضاء لمصر والشرق، والحقائق آثر عندك من أي شئ، ومن أي إنسان. وإنني لأؤكد لك صادقا ان الحقائق العلمية آثر عندي أنا أيضا من كل شئ ومن كل إنسان. وإذا كان اشتغالي المتصل بالسياسة قد اثر في تصوري الأشياء وفي حكمي عليها فإنما كان أثره أن زادني تقليباً للأشياء، وامتحانا لها وتعمقاً في بحث ما تنطوي عليه وما ترمي إليه، وأنا معك في أن (جب) وأمثاله لا يتخذون السياسة وأهواءهامقياسا لدراستهم الأدبية. لكن دراساتهم هذه، ودراسات الكثيرين منهم على الأقل، يقصد بها أكثر الأمر إلى تنوير الساسة من أهل بلادهم، وإلى اطلاعهم على عنصر من عناصر حيوية الشرق هو في رأيهم، وهو في الواقع، أجلّ هذه العناصر خطراً. فإذا كانت الأهواء السياسية ليست هي التي توجه دراساتهم فدراساتهم يقصد بها في كثير من الأحيان إلى

стр. 957

خدمة هذه السياسة وإن قصد بها كذلك إلى أغراض علمية بحتة. وما أحسبك تخالفني يا صديقي في أن كتاب (وجهة الإسلام) الذي ألفه خمسة من كبار المستشرقين المشتغلين بالأدب الحديث في بلاد الشرق المختلفة إنما هو كتاب سياسي مداه بحث ما وصلت إليه أوربا مما يسميه الأستاذ (جب) تغريب الشرق، وما يرجى لهذا (التغريب) في المستقبل من نجاح. وأنا لا أعيب هؤلاء العلماء المحترمين بهذا بل أحسدهم عليه أعظم الحسد. فهم به يخدمون أوطانهم ويخدمون العلم ويخدمون الحقيقة من ناحية سياسة بلادهم ومن ناحية الحضارة الغربية التي يريدون ان تظل المدنية الحاكمة في العالم. وهذه الخدمة الجليلة التي يقومون بها لأوطانهم وللعلم ولحضارتهم حقيقة علمية يسرّ لي اشتغالي بالسياسة الوقوف عليها. ولو أنك انقطعت للسياسة يا صديقي انقطاعي وأفنيت من تفكيرك فيها ما أفنيت أنا لوافقتني على هذه الحقيقة ولم تتهمني بالإسراف إذ علمتها، وما ذكرت أنا في مقدمة (ثورة الأدب) عن الحضارة التي نعمل جميعا لبعثها، وهل هي حضارة إسلامية أم حضارة عربية، واهتمام بعض الطلاب والطالبات الأوربيين برأينا في ذلك وحرصهم على إقناعنا بأنها حضارة عربية وليست حضارة إسلامية، إذاً صدق ظني، ففيه جانب من السياسة يعادل ما فيه من جانب البحث عن الحقيقة العلمية. أما إني أسرفت متأثراً باشتغالي المتصل بالسياسة في حسن الظن بنا وبحظنا من الخيال وقدرتنا على الإنتاج فاحسب صديقي يوافقني على انه إذا زالت عوامل الفتور والضعف مما أشرت إليه في تضاعيف كتابي لما كان فيما قلت شيء من الإسراف. وإذا جاء اليوم الذي ينفسح فيه عندنا ميدان العلم وتزول كل العوائق التي تقف اليوم في سبيله والذي تتقرر فيه حرية العاطفة وحرية الحس وحرية الأدب، والذي يبعث فيه تراث هذا الشرق العظيم، والذي يكثر فيه المتعلمون تعليما صحيحاً منا كثرة تسمح بالتخصص في الأدب والانقطاع لفرع من فروعه، يومئذ يكون القول بقصورنا في الخيال وفي القوة على الإنتاج تجنياً على هذه البلاد وعلى الحقيقة، هذا إلا أن تكون يا صديقي من الذين يقولون بان الأوربيين ينتمون إلى الجنس الآري وهم لذلك أرقى منا ونحن ننتمي إلى الجنس السامي بالطبع. وما أحسبك تقول بهذا أو تعتبره حقيقة كما يود بعض العلماء في أوربا اعتباره بل أحسبك ترى هذه حقيقة سياسية يراد بترويجها تغريب الشرق والقضاء عليه بان يبقى

стр. 958

خاضعا للغرب إلى الأبد. واختم رسالتي هذه إليك يا صديقي بشكرك شكراً لا حد له وبان أشير عليك أن تقرأ كتيباً صغيراً كتبه بول جيزل عقب وفاة أناتول فرانس عنوانه ما ذكر فيه عن موليير وشكسبير وغيرهما من كبار الكتاب وما قاله النقاد فيهم. وإذا كنت أنت اكبر من هؤلاء النقاد، وكنت أنا لا شيء إلى جانب هؤلاء الكتاب الذين خلقهم القدر أعلاما في حياته الإنسانية بل في حياة الوجود كله فان فيما قرأت أنا من ذلك ما عزاني عن أسلوبي وعن بعض ما أخذت عليّ بحق من هنّات أؤكد لك إني سعدت بتنبيهك إليها اكثر ما سعدت بثنائك علي. أفليست الحياة جهاداً متصلا نحو الكمال، كل في حدود ما يطيق، وهل للكمال سبيل إلا المجهود المتصل والتهذيب الدائم لهذا المجهود وتشذيب ما يند عن الطريق السوي فيه حتى لا ننساق وراء الشذوذ فنضل الطريق السوي. وهذا فضل لك جديد أضيفه إلى سابق أفضالك علي وأرجوك أن تعتقد إني دائما. صديقك الوفي المخلص محمد حسين هيكل ١

стр. 959

العدد ١٢ - بتاريخ: ٠١ - ٠٧ - ١٩٣٣

стр. 960

ذكرى المولد في مثل هذا الأسبوع من مثل هذا الشهر لسنة ثلاث وخمسين قبل الهجرة أعلن الله كلمته من جديد، في استهلال هذا العربي الوليد!! وكانت قافلة الحياة يومئذ جائرة السبيل حائرة الدليل خائرة العزيمة. والعالم الإنساني يكابد في هيكله المنحل عوامل البلى من وثبة توبق الروح، وجاهلية توثق العقل، ومادية ترهق الجسد. وكانت الولاية عليه في ذلك الحين لأعقاب من الروم شفهم الفسوق والترف، وإخلاف من الفرس هدهم الغلول والطمع، والناس عدا هؤلاء وأولئك أوزاع وهمج. . اللهم إلا شعبا نبيل الفطرة اعتصم بالصحراء من هذا الفساد الشامل، فما عبث بضميره سلطان، ولا عدا على خلقه طاغية. . . نشّأته الطبيعة على سجاياها المرسلة، وراضته على نظمها المحتومة، وصفّاه (الانتخاب الطبيعي) بالغزو المتلاحق والدفاع المتصل، فأودى بضعيفه، وأبقى على قويه، حتى لم يدم على أديم الجزيرة إلا سيف صارم، وفرس جواد، ودارع بطل! ثم تنخل من هذه الصفوة الباقية في القرن السادس أمّة وسطا تحمل في قوة الحيوية، وكمال الرجولة، وصفاء الحس، المثل الأعلى للإنسان الأعلى (سوبرمان). تلك هي الأمة العربية التي اختارها الله لقيادة شعوبه الحائرة، واختار منها محمدا لتبليغ رسالته الأخيرة. . . بين إيوان كسرى وبلاط قيصر اهتز مهد العربي اليتيم في أرض مكة! فتصدّع لهزّته الإيوان، وتطامن لهيبته القصر!! وكأنما هتف بالعاهلين العظيمين من جانب الغيب هاتف: (اليوم ينتهي تاريخ ويبتدئ تاريخ! ليس بعد اليوم ملك ولا كاهن ولا سيد! إنّما العبادة لله، والقيادة للرسول، والسيادة للدين، والحكومة للعرب، والدنيا للجميع!!) وبين عرش قيصر وعرش كسرى انتصب منبر النبي الكريم في سماء (المدينة) فتضاءل لجلاله عرش، وتقوّض لدعائه عرش! ثم انبثق نوره القدسي في مجاهل البدو ومعالم الحضر، كما يبتسم الأمل في قطوب اليأس، وتومض المنارة في ظلام المحيط! هنالك ظهرت الوحدانية على الوثنية، والغيرية على الأنانية، والإنسانية على العصبية، والإسلام على الجاهلية، ثم عرف الإنسان قدر الإنسان، وأدركت النفوس جمال الإحسان، ووجدت قافلة الحياة طريقها القاصد! كان العالم يقاسي حين ولد محمد بن عبد الله تفكك الخلق، وتحلل الرجولة، وضياع المثل

стр. 961

الأعلى، فكان أكمل ما في حياة (الأمين) هذه الصفات النوادر: خلق عظيم شهد به الله، ورجولة كاملة خضع لها الناس، ودين يجمع إلى سعادة الدنيا سعادة الآخرة، ورسالات الرسل إنما تعالج بظهورها الفساد الذي استشرى في العالم، والداء الذي استفحل في الناس. فإذا كانت معجزة الرسول في القرآن، فان مجده في الخلق، وفوزه بالرجولة. والشعوب المختلفة التي صهرتها شخصية العرب، وطبعتها ثقافة العرب، لم تصل إلى الإخاء والوحدة إلا على منهاجه وهديه.! ظهر رسول الله والعرب أشتات من غير جامع، وهمل من غير رابط، وأحياء من غير غرض، فاضت في نفوسهم الحياة، وزخرت في صدورهم القوّة، وصرفوا هذا النشاط العجيب إلى نزاع لا ينقطع، وصراع لا يفتر. فحمل إليهم وحده رسالة الله لا يسنده سلطان، ولا يؤيده جيش، ولا يمهّد له مال، فنفروا منها نفور الوحش المروّع! ثم رأوا فيها سيادةً لأسرة، وخضوعا لقانون، وخروجا على عرف، فقابلوها بالعناد وعارضوها بالحجاج ودافعوها بالكيد. آذوا الرسول في أهله وفي صحبه وفي نفسه، فما وهن عزمه ولا لانت قناته. وإنما قابل الأذى بالصبر، والسفه بالحلم، والفضاضة بالرقة، وهذا هو الخلق؛ ثم قارع الجدال بالتحدي، والمكابرة بالسيف، وهذه هي الرجولة: وبذلك الخلق وهذه الرجولة انتصر محمد وحده على العرب! وبذلك الخلق وهذه الرجولة انتصر العرب بعده على العالم! فلينظر اليوم شعب محمد وأتباع محمد ماذا في نفوسهم من دينه. وفي أخلاقهم من خلقه، وفي أيديهم من تراثه؟؟ فإن وجدوا أن دينهم أصبح رسما محيلا في نفوس الخاصة، وأثرا مشوها ضئيلا في نفوس العامة، وأن أخلاقهم فقدوها يوم فقدوا الحرية، وأضاعوها يوم أضاعوا الملك، وأنّ تراثهم أصبح نهبا مقسّما بين شذاذ الشعوب وذؤبان الأمم، فليفيقوا من النوم، وليخففوا عن القدر اللوم، فإن الله لا يظلم الناس مثقال ذرّة! ومن عاند طبيعة الحياة فقتل في نفسه الطموح، وفي فكره التجدد، وفي عمله الابتكار، ورضى أن يكون في الدنيا كالأثر في المتحف، إنما يدل على ملك باد وشعب انقرض، كان يسيرا عليه أن يدع دينه للمبشرين، ووطنه للمستعمرين، ثم يقعد مقعد الخوالف يتحسّر على المجد المفقود، ويتعلل بالأماني الكواذب!!

стр. 962

إن ذكرى مولد الرسول ذكرى انطلاق الإنسانية من أسر الأوهام، وطغيان الحكّام، وسلطان القوة. وتحكّم الجهالة. فما أجدر النفوس الذاكرة الحرة على اختلاف منازعها أن تخشع إجلالا لذكرى رسول التوحيد والوحدة، ونبي الحرية والديمقراطية، وداعية السلام والوئام والمحبة!! وما أخلق الزعماء الذين يحاولون اليوم توحيد العرب من جديد، أن يتخذوا منهاجه سبيلا إلى هذا العمل المجيد!! أحمد حسن الزيّات.

стр. 963

لغو الصيف للدكتور طه حسين من هنا يا آنسة؟ من هنا؟ ثم أشار إلى مائدة منعزلة كأنّما هيئت لقوم يريدون الخلوة واعتزال الناس. فلما انتهيا إليها أعجبهما مكانها الجميل على شاطئ النيل في ظل هذه الشجرة الضخمة الباسقة، قد مدّت أغصانها في قوة إلى أمام، حتى إذا تجاوزت بها الشاطئ حنتها نحو الماء، وغمستها فيه كأنما تريد أن ترتشف منه، ونظر الصديقان من حولهما فلم يريا أحدا، ومدّ الصديقان بصرهما أمامهما وأطالا النظر إلى النيل وهو يجري من تحت أقدامهما في قوة الشاب وهدوء الحكيم، ثم جلسا، وقال الرجل لصاحبته: هنا يحسن الحديث، قالت: ويحسن الصمت أيضا. وقد ظهرت على وجه صاحبها علائم تدل على أنّه لم يفهم عنها ما أرادت إليه، وأحسّت هي منه السؤال الذي لم ينطق به، فقالت وكأنها تجيب، إن تحدثنا تساقينا موسيقى الحوار، وإن سكتنا تساقينا نجوى الضمائر ووحي القلوب. ولنا في كلتا الحالين لذّة، ولنا في كلتا الحالين متاع، فخذ بأيهما شئت. قال فأيهما تريدين؟ قالت لا أريد شيئا إلاّ أن نترك أنفسنا على سجيتها. فإن انطلقت ألسنتنا سمعتها آذاننا، وإن آثرت نفوسنا الحديث الصامت وعته قلوبنا. قال وهو يضحك: أيسر من هذا كله وأدنى إلى التناول أن نتساقى ما يبرد الغليل، ويرد عنّا حرّ هذا القيظ، ثم دقّ يدا بيد في شيء من الرفق. فأقبل الخادم وتلقى عنه أمره وأنصرف. وكان هو طويلا نحيفاً، ظاهر النشاط، خفيف الحركة، مكتمل القوة، لا يظهر عليه ما يدل على سنه إلاّ خيوط بيض متفرقة قد انتثرت في شعر رأسه انتثارا. وكان عذب الصوت، حازم اللهجة، معتدل الحديث، ولعله كان إلى الإبطاء فيه واصطناع الأناة أدنى منع إلى الإسراع والتعجل، وكان صوته يمتد من حين إلى حين، لا غضباً ولا تحمساً، ولكنه كان مقتنعا بما يقول، فكانت حدّة صوته ولينه يمثلان حظه من الإيمان والاقتناع بما يقول. وكانت هي ربعة. ممتلئة الجسم، مستقيمة القد، معتدلة القامة، وكان وجهها مشرقا شديد الإشراق، منسقا بديع التنسيق، تمر به من حين إلى حين سحابة رقيقة جدا من حزن لا يكاد يتبيّنها إلاّ من اعتاد أن يلقاها ويطيل صحبتها والتحدّث إليها. وكانت هذه السحابة الطارئة لا تمر بها وهي تتحدّث، إلاّ قطعت عليها الحديث فجأة، ثم لا

стр. 964

تلبث أن تزول فيتصل الحديث، ولا تمر بها وهي تسمع إلاّ لهت عن محدثها لحظة ثم تزول، وإذا هي ترفع إلى محدّثها طرفا فيه شيء كثير جداً من الحياء والإشفاق، وتستعيده ما قال في صوت عذب، ولفظ حلو، يحسن مسّه للآذان ووقعه في القلوب. وكان صوتها هادئاً عريضاً يمثل نفسا هادئة غنية ممتلئة بالعواطف الخصبة والشعور الحي والعلم الغزير. وكأن الفرصة أرادت أن ترضي حاجتها إلى الصمت، وحاجة صديقها إلى الكلام، فقد أقاما صامتين للحظة غير قصيرة ينظران إلى سعى النهر أمامهما، كأنهما ينتظران شيئا، وكأنهما يلهوان بالنهر وسعيه الهادئ القوي عمّا يضطرب في نفوسهما من الخواطر والآراء، ومن العواطف والأهواء، حتى إذا أقبل الخادم فهيأ المائدة وصفّ أكوابه وأطباقه، وانصرف راضياً عن نفسه مبتسما لضيفيه، نظرت هي إلى صاحبها كأنها تسأله أن يبدأ الحديث فقال: وقد فهم عنها ما كانت تريد، لسنا في حاجة إلى أن نبتدئ الحديث، وما علينا إلاّ أن نأخذه حيث تركناه حين انتهينا إلى هذا المكان الهادئ الجميل. قالت فإن هدوء هذا المكان وجماله قد أنسياني حدّة ما كنّا فيه من حوار، واضطراب ما كنّا نتبادل من رأي، فلننظر القضية من أولها، فلعل هذا الهواء الطلق وهذا المنظر الحلو، وهذا السكون الساكن، أن تكون قد ردتك إلى شيء من الصواب وصدتك عما كنت فيه من جموح. فما أرى إلاّ أنّك تظلم الأدب والأدباء جميعا، وتقسط على الشبّان والشيب. وكم أحبّ لك أن تكون سمح النفس، رضيّ الطبع، مستعداً لشيء من التجاوز، تعذر طيش الشباب، وترفق بحدة الشيوخ. قال فأحب أن أعلم أين الشباب وأين الشيب، ومتى يكون الأديب شابّا، ومتى يكون الأديب شيخا. فهذا حديث طريف لم أسمع به في مصر قبل هذه الأيام، ولقد رأيت الأدباء منذ عرفت الأدب ينشئون النثر ويقرضون الشعر على اختلاف أسنانهم وتفاوت حظوظهم من القوة والضعف، فلا يختصمون في شباب ولا شيخوخة، وإنّما يختصمون في الرأي ويختصمون في الفن، يعين بعضهم بعضا، ويدافع بعضهم بعضا، لا يعتز الشيخ على الشاب بتجاربه وكثرة ما أنتج من الآثار، ولا يعتز الشاب على الشيح بحداثته وقوته، ونظرة شبابه، واتساع الأيام أمامه، وانبساط الآمال له. قالت لم تر ذلك من قبل ولكنك قد رأيته الآن. فأيّ غناء في أن تنكر شيئا حدث الآن لأنه لم يحدث من

стр. 965

قبل، وأي فرق بينك وبين عامة الناس الذين يضيقون بالجديد، لا لشيء إلاّ لأنهم لم يألفوه ولم يطيلوا عشرته. إنّ في الشباب نزوعا إلى الفوز، وطموحا إلى الظفر، وتعجلا لأتساع الشهرة وبُعد الموت، وكل هذا طبيعي، وكل هذا مألوف لأنه يلائم فطرة الشباب وأخلاقهم. ولا تنكره عليهم. ولا تصرفهم عنه، فإنّي أخشى أن يفت ذلك في أعضادهم. وأن يضعف من نشاطهم، وأن يرد جذوتهم هذه الجميلة إلى الخمود. قال لقد كنّا شبابا كما كانوا. وكان لنا من رفاقنا في الأدب أساتذة قد سبقونا إلى الحياة وتقدمت بهم علينا السن، وأخذوا من التجارب العلمية والفنية بحظوظ لم نأخذ بمثلها. فما حسدناهم وما أنكرناهم، ولا جاهدناهم ولا قصدنا إلى المكر بهم والكيد لهم، وإنما كنّا نقفوا آثارهم ونسمع لنصائحهم ونستعذب أحاديثهم، ولعلنا كنّا نحس ما بينهم وبيننا من خلاف، فلم يكن ذلك يغرينا بهم، ولا بصرفنا عنهم، وإنك لتذكرين كم كنّا نستعذب أحاديث حفني ناصف، وكم كنّا نحرص على أن نروي عنه كل ما كان يحدثنا به من هزل القول وجدّه. وإنك لتذكرين إنّا كنّا ننصرف عنه بعد الجلسة الطويلة معجبين به محبين له، ثم لا نلبث أن نستعيد ما سمعنا منه فننكر بعضه ونعرف بعضه الآخر، ولا يمنعنا ذلك من أن نتعجّل عودته إلى القاهرة آخر الأسبوع لنلقاه ونسمع منه ونتحدّث إليه. وما خطر لك ولا خطر لي ولا خطر لواحد من أصحابنا أن ينكر حفني ناصف لأنّه كان شيخا ولأننا كنا من الشبّان، أو يلوم حفني ناصف، لأنه سبقنا إلى الحياة والإنتاج، فسبقنا إلى الشهرة وبعد الصوت، إنّما كنّا نستعينه على أن نكون خيراً منه، وكان يعيننا على ذلك راضيا به مبتسما له راغبا فيه. قالت: فإنّي أحب لكم معشر الشيوخ أن تكونوا كحفني ناصف وأمثاله من أساتذتكم، لا تضيقون بأبنائكم إن ثاروا أو تمرّدوا أو لعبت برؤوسهم نزوات الشباب. هنا قال صاحبها في شيء من الغضب الضاحك: ومن زعم لك إنّي شيخ، هذا شيء لا أقرّه ولا أرضاه. قالت وهي مغرقة في الضحك، وما يعنيني أن تقرّه أو لا تقرّه، وإن ترضاه أو لا ترضاه، فأنت شيخ سواء أردت أم لم ترد. ألست قد أنفقت أكثر من ربع قرن تنشئ الرسائل وتنشر الفصول وتذيع الكتب؟ أليس قد اختلف إليك أجيال من الشباب فقرءوا ما كتبت، وسمعوا لما قلت، وتأثروا بهذا وذاك. فمنهم من ذهب مذهبك، ومنهم من ذهب مذهب فلان أو فلان من أصحابك. فكن شيخا أو لا تكن، فأنت أب على

стр. 966

كل حال، ماذا أقول؟ بل أنت جد. فلم يختلف إليك جيل واحد وإنما اختلفت لديك أجيال، ولم تتخرج عليك طبقة من الكتّاب، وإنّما تخرجت عليك طبقات. ولست أدري ماذا يغيضك من الشيخوخة. وماذا يسوؤك منها؟ ولم تكره أن يراك الناس كما أنت؟ بل لم تكره أن ترى نفسك كما أنت. ولم تريد أن تطمع في غير مطمع؟ وتطلب ما لا سبيل إليه؟ فليس التصابي من الأشياء التي تحب أو يرغب فيها الرجل المحتشم، وقد عرفتك رجلا محتشما فأجعل نفسك حيث أراد الله أن تكون. قال في لهجة ماكرة وصوت عابث: فأنت شيخة إذن، فقد كتبت الكتب وأذعت الرسائل ودبجت الفصول، منذ عشرين سنة. قالت: بل منذ خمس عشرة سنة. قال: بل منذ عشرين. قالت: لم أكن أكتب حين شبّت الحرب. قال: بل كنت تكتبين، وإنّي لزعيم أن أذكرك بعض ما كتبت قبل أن تشب الحرب. قالت: فإنّي لم أكن قد بلغت الخامسة عشرة. قال: لن أقول إنّك شيخة في السن، ولو قلت ذلك لكذّبني ما أرى وما أسمع. فعلا وجهها احمرار شديد، ومسّت يده في رفق كأنّما تريد أن تضربه. وهي تقول: متى تدع هذا العبث. ومضى هو في الحديث. فقال: أنت على نضرة شبابك شيخة في الأدب. قد كتبت منذ زمن طويل، وعلّمت أجيالا مختلفة من الشباب وتخرّجت عليك طبقات مختلفة من الكتّاب. قالت تعال نتفق. لسنا شيخين ولا شابّين، وإنّما نحن شيء بين ذلك وأنت أدنى إلى الشيخوخة وأنا أدنى إلى الشباب. قال ولا هذا، فلا بدّ من أن نتفق على معنى الشيخوخة في الأدب، فليس يكفي أن نكون قد اصطنعنا الأدب منذ زمن طويل. وأثرنا في أجيال مختلفة من الكتّاب لنكون شيوخا، وليس من الحق أن كل أب شيخ، ولا أن كل جد شيخ. فقد نكون آباء، وقد نكون أجدادا، ولكننا على ذلك لسنا شيوخا، إنّما الشيخوخة ضعف. وما أرى إلاّ أنّ الشيخ هو الذي أخذه الضعف، وبلغ منه العجز والفتور، فاضطر إلى العقم، وحيل بينه وبين الإنتاج. أفترين إنّا قد انتهينا إلى هذه الحال؟ إنّك تكتبين في كل يوم، وإنّي أكتب في كل يوم. والناس يقرؤون لك ويقرؤون لي، والناس يعجبون بك ويرضون عن بعض ما أكتب. قالت بعض هذا التواضع، ولكنه مضى في الحديث فقال: وما زالت آمالك وآمالي في الأدب أبعد من أن تحد، وأوسع من أن تحصر، وما زلنا نتم الفصل أو الكتاب وإذا نحن نفكر في

стр. 967

فصل جديد أو كتاب طريف، نريد أن نكتبه أو نذيعه، وما دمنا نجد هذه القوة، ونملك هذا النشاط ونعرض آثارنا على الناس، ومنهم هؤلاء الشباب، فلسنا شيوخا ولا قريبين من أن نكون شيوخا، قالت ليهلك هذا الشباب الذي تحبه وتحرص عليه، وتخشى أن يغتصبه منك الشبان، ولقد كدت أرضى منك بهذا الحديث وأحمد لك إحياء الأمل في نفسي لولا أجد من الضعف ما لا تجده، وأحس من الهزيمة ما لا تحس. فأنت تكتب وتفكر في الكتابة، وأنت تنشئ وتتهيأ للإنشاء، أما أنا فلا اكتب ولا أفكر في الكتابة وان كتبت فلا أكتب للناس وإنما أكتب لنفسي، ولا أتحدث إلى الناس وإنما أتحدث إلى نفسي. ولعلي لا أذكر الناس في هذا الحديث وإنما أذكر نفسي. إنما أنا شيخة قبل أن ابلغ سن الشيوخ. أمحزونة أنا لذلك أراضيه أنا به؟ لا أدري، ولعلي أحزن له حينا وأرضى عنه حينا آخر. ولكني على كل حال لا أجد في نفسي هذا النشاط الذي يمكنني من رفض الشيخوخة. قال في صوت هادئ حار: كلا يا سيدتي، هذه أزمة من أزمات الشباب ليس بينها وبين الشيخوخة سبب، وأنا زعيم بأن هذا الصيف لن ينقضي حتى يتحدث الناس عنك فيطيلوا الحديث، ويعجب الناس بك فيكثروا الإعجاب. وسأكون أنا أحد هؤلاء المتحدثين وأحد هؤلاء المعجبين ولكن حديثي عنك وإعجابي بك لن يقعا من نفسك إلا كما يقع منها حديث غيري من الناس وإعجابهم. قالت فأنت إذن تريد الثناء. قال: كلا وإنما أريد شيئاً آخر خيرا من الثناء , أريد أن اسبق الناس إلى قراءة شيء مما تكتبين. قالت دعني ودع ما أكتب ومالا أكتب وحدثني عن ظاهرة أخرى في الأدب المصري ظهرت عنيفة في هذه الأيام. قال وما هي؟ قالت ألست ترى غضب الأدباء من الشيوخ والشبان. قال دعي لفظ الشيوخ. فليس في أدبائنا شيوخ. فضحكت وقالت: ألست ترى أن الأدباء جميعا يضيقون بالنقد ولا يحتملونه، ولا يطيقون الصبر عليه. وكيف تفسر هذه الحدة؟ وأين تجد العلة لهذا الضيق؟ لقد كنت أريد أن أجد في هذه الحدة والضيق دليلا على شيوخة الأدباء، ولكني أراهما شائعين حتى عند الذين لا أشك ولا تشك أنت في انهم من الشبان. فهم أبغض للنقد والناقدين من كل إنسان. ومهما أعجب فلن ينقضي عجبي من كاتب أو شاعر ينشر نثره أو شعره على الناس في كتاب مطبوع أو في صحيفة سيارة فيخرجه بذلك عن ملكه الخاص، ويجعله بذلك ملكا للناس جميعا. ثم يأبى على الناس بعد ذلك أن يتصرفوا في ملكهم كما يريدون. قال: إن

стр. 968

الكتاب والشعراء يسرفون على قرائهم ويكلفونهم شططاً، فهم يغضبون إن لم يقرأهم الناس، وهم يغضبون إن قرأهم الناس، ونالوهم بشيء من النقد ولو خفيفا. ولقد أتردد أحيانا في أن أقرأ الكتاب أو الديوان يرسله إلي صاحبه، لأني واثق باني قد أرى فيه غير ما يحب الكاتب أو الشاعر. فان سكت عنه أثمت في حق الأدب وفي حق نفسي، ولم يرض مني صاحب الكتاب أو الديوان بهذا السكوت، وان قلت ما أرى فتحت بابا من أبواب الجدال ليس إغلاقه بالأمر اليسير، ولعله لا يغلق الا على كثير من الموجدة. قالت: هذا اعوجاج في أخلاق الأدباء كنا ننكره على شيوخنا المتقدمين، وكنا نقدّر أن أدباء الحيل الحديث سيقومونه في أنفسهم والناس، فاخلفوا الظن، وكذبوا الرأي، وأصبحوا خليقين أن يقومهم المقومون سواء أرضوا بذلك أم كرهوه. فهمّ أن يتكلم، ولكنها مضت في الحديث قائلة: على انهم لا يضيقون بالنقد فحسب، ولكنهم يتهالكون على الثناء فما أشد ثورتهم على الناقدين! وما أحسن لقائهم للمقرظين! قال ومع ذلك: فإني اتهم كل مقرظ، وأسيء الظن بكل تقريظ، واعتقد اعتقاد الموقن أن النقد مهما يشتد ومهما يسرف صاحبه فهو أنفعوأجدى. لأن الكاتب إلى أن يعرف عيوبه ويتبين مواضع الضعف في آرائه وألفاظه وأساليبه، أحوج منه إلى أن يقال له أحسنت حين يحسن، وأصبت حين يصيب. ومر فتى لم يبلغ السادسة عشرة، صبيح الوجه رث الزي حافي القدمين يحمل سلة فيها باقات من زهر، فوقف على الصديقين وقدم إليهما أزهاره. قال الصديق لصاحبته: اختاري. قالت أليس من الاختيار بد؟ قال الفتى لا بد من ذلك يا سيدتي فإني في حاجة إلى العشاء. هنالك اضطرب بصرها بين باقتين في إحداهما ورد، وفي الأخرى قرنفل. قال الرجل للغلام: ضع هاتين الباقتين، ثم التفت إلى صاحبته وهو يقول: أما أنا فأحب لثم الورد وشم القرنفل.

стр. 969

الكيف لا الكم للأستاذ أحمد أمين روي أن ابن سينا كان يسأل الله أن يهبه حياة عريضة وإن لم تكن طويلة، ولعلّه يعني بالحياة العريضة حياة غنية بالتفكير والإنتاج، ويرى أن هذا هو المقياس الصحيح للحياة. وليس مقياسها طولها إذا كان الطول في غير إنتاج، فكثير من الناس ليست حياتهم إلاّ يوما واحدا متكررا، برنامجهم في الحياة أكل وشرب ونوم، أمسهم كيومهم، ويومهم كغدهم، هؤلاء إن عمّروا مائة عام فابن سينا يقدره بيوم واحد، على حين أنه قد يقدّر يوما واحداً (طوله أربع وعشرون ساعة) بعشرات السنين إذا كان هذا اليوم عريضا في منتهى العرض، فقد يوفق المفكر في يومه إلى فكرة تسعد الناس أجيالا أو إلى عمل يسعد آلافا، فحياة هذا (وإن قصرت) تساوي أعمار آلاف بل قد تساوي عمر أمّة، لأن العبرة بالكيف لا بالكم. وليس على الله بمستنكر … أن يجمع العالم في واحد وتقدير الأشياء بالكيف لا بالكم منزلة لا يصل إليها العقل إلاّ بعد نضوجه. أمّا الطفل في نشأته، والأمة في طفولتها فأكثر ما يعجبهما الكم، فالريفي عنده خير (الخيار) ما كبر حجمه وبيع بالكوم، والمدني خير (الخيار) عنده ما نحف جسمه وكان (كالقشّة) وبيع بالرطل. والطفل وأشباهه يرغبون بكثرة العدد لا بجودة الصنف، فحيثما مررت في الشارع أو زرت متجراً رأيت أكثر الترغيب في الكم (فأربعون ظرفا وجواباً بتعريفة)، و (دستة أقلام رصاص بصاغ)، وهكذا، وسبب هذا أن البيع والشراء يعتمدان على أدق قوانين علم النفس، والباعة من أعرف الناس بهذه القوانين التي تتصل بعقلية الجمهور، فهم يعلمون أنهم أكثر تقويما للكم، وأكثر انخداعا بالعدد، فهم يأتونهم من نواحي ضعفهم وموضع المرض منهم، وقل أن يرغبوهم في الشيء بأنه من (العال) أو (عال العال) لأن هذا تقدير للكيف وليس يقدره إلاّ الخاصة. وكل إنسان قد مرّ بدور الطفولة، والأمم جميعها مرّت كذلك بهذا الدور فعلق بأذهانهم تقدير الكم ولم يستطيعوا أن يتحرروا منه مهما ارتقوا، وأصبحوا (حتى الخاصة منهم) ينخدعون بالكم من غير شعور وبلا وعي، وصار هذا مرضا ملازما، إنما يتحرر منه الفلاسفة وإلى

стр. 970

حد، ألاّ ترانا نرى الرجل الضخم حسن الهيئة جميل الطلعة فنمنحه الاحترام، ولو لم نعرف قيمته، ونرى الرجل صغير الجسم غير مهندم الثياب فنحتقره لأول وهلة من غير أن نعرفه، وأساس معاملتنا بالإجمال احترام ذوي المظاهر الجميلة حتى يثبت العكس واحتقار ذوي المظاهر الوضيعة حتى يثبت العكس، وليس ذلك إلاّ من خداع الكم ولو أنصفنا لوقفنا على الحياد من الجميع حتى نتبين الكيف. ونرى ذا العمامة الكبيرة واللحية الطويلة فنعتقد فيه العلم والدين، مع أن لا علاقة بين كبر العمامة وطول اللحية وبين العلم والدين وإن كان ثمّة علاقة فعلاقة الضدية، لأن الدين محلّه القلب والعلم موطنه الدماغ، وإذا مليء القلب دينا والدماغ علما أحتقر المظهر وأبى أن يدل على دينه أو علمه بمظهر خارجي بل هو إن امتلأ دينا وعلما أنكر على نفسه الدين والعلم وأعتقد أنه أبعد ما يكون عمّا ينشده من دين وعلم، وكذلك الشأن في اللباس الجامعي واللباس الكهنوتي. وقديما أدرك العرب خداع الكم فقالوا: (ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل.) وقال شاعرهم: ترى الرجل النحيف فتزدريه … وفي أثوابه أسد مزير ويعجبك الطرير فتبتليه … فيخلف ظنّك الرجل الطرير وفي كل شأن من شؤون الحياة وضرب من ضروب العلم والفن ترى خداع الكم ولنأخذ الأدب مثلا. فالمؤلفون يعلنون عن كتبهم أنها في أربعمائة صفحة - مثلا - من القطع الكبير، والمتعلمون كثيراً ما باهوا بكثرة ما قرءوا والكتّاب بكثرة ما كتبوا، والصحافة كثيرا ما خدعت القرّاء بالكم. فكان مما اصطنعته زيادة عدد الصفحات في الجرائد والمجلات مع أن الصفحات وحدها كم ولا قيمة لها ما لم يصحبها الكيف، وكم أتمنى أن أرى جريدة أو مجلة ترغِّب قرّاءها بالكيف فقط وإن كنت أجزم بأن مصيرها الفشل لأن أكثر الناس لم يمنحوا بعد ميزان الكيف. وقد جرت كثرة الصفحات في الجرائد والمجلات إلى تحوير الأسلوب إلى ما يناسبها فكان الأسلوب أحيانا كالعهن المنفوش يصاغ في صفحة، ما يصح أن يصاغ في عمود وفي

стр. 971

عمود ما يصح أن يصاغ في سطر ولست أدري لم كان الناس إذا أرسلوا تلغرافا تخيروا أوجز الألفاظ لأغزر المعاني، ولم يفعلوا شيئا من ذلك في كتبهم ورسائلهم ومقالاتهم؟ ولعلهم يفعلون ذلك لأن الكلمات في التلغراف تقدر بالقروش وليس كذلك فيما عداها، إن كان هذا هو السبب دلّ على تقدير القرش اكثر مما يقدر زمن القارئ والكاتب، وفي هذا منتهى الشر، وفي هذا أقسى مثل لغفلة الناس في تقدير الكم لا الكيف. وقديما عرض علماء البلاغة للكيف والكم في الأدب وسموهما اسماً خاصاً هو الإيجاز والإطناب، وعدوا الإيجاز أشرف الكلام والإجادة فيه بعيدة المنال لما فيه من لفظ قليل يدل على معنى كثير، ومثلوا للإيجاز والإطناب بالجوهرة الواحدة بالنسبة إلى الدراهم الكثيرة، فمن ينظر إلى طول الألفاظ يؤثر الدراهم لكثرتها، ومن ينظر إلى شرف المعاني يؤثر الجوهرة الواحدة لنفاستها، ولا يعدل عن الإيجاز إلى الإطناب إلا لإيضاح معنى أو تأكيد رأي. والحق إن الأدب العربي في هذا الباب من خير الآداب، فاكثر ما صدر في عصوره الأولى حبات من المطر تجمعت من سحاب منتشر، أو قطرات من العطر استخلصت من كثير من الزهر. وبعد، فلست أحب أن تكون كتابتنا كلها تلغرافات، وإذن لعدمنا ما للأسلوب من جمال، وما لتوضيح الفكرة وتجليتها وتحليتها من قيمة، وإنما أريد أن يكون المعنى هو القصد وهو المقياس فان أطنبنا فللمعنى، وإن أوجزنا فللمعنى. وأريد أن يقوّم الناس الكيف للكيف، وإذا قدروا الكم فللكيف. ولعل من ألطف ما كان، أني حين بلغت هذا الموضع من مقالتي أخذت أعد صفحات ما كتبت، فوجدتها قليلة العدد فآلمني ذلك لأني لم أبلغ ما حزرت أن يكون، ولأني خشيت أن يستصغرها صاحب الرسالة وقراء الرسالة وفرحت بهذه الملاحظة لأنها سدت فراغا ما في المقالة يكمل بعض ما فيها من قصر، ألسنا جميعا عباد (كم)، أو ليس هذا من نوع تقدير الخيار بالكوم؟

стр. 972

الشعر المرسل أيضاً للأستاذ محمد فريد أبو حديد نشرت الرسالة ترجمتين لقطعة من رواية (عطيل) الشهيرة إحداهما نثر والأخرى شعر مرسل وقد حاولت أن أعرف رأي الأصدقاء في أوقع الترجمتين في نفوسهم أهي الترجمة الأولى أم الثانية. وكان رأي الكثرة إنه الشعر المرسل. على أن بعضهم استدرك في قوله، فقال إن الذي يقرأ السطر الواحد من الشعر المرسل ثم يقف في آخره ينتظر ما اعتاد انتظاره من انتهاء المعنى يشعر بالمضاضة، ويقبح قي عينيه ذلك الأسلوب. ولكنه إذا قرأ ذلك الشعر المرسل على سجيته فلم يقف إلا حيث يقف به المعنى وجده قولا سائغا لا قبح فيه. وها أنا ذا أعرض على القارئ صفحة من رواية صغيرة لي بها علم وهي في شعر مرسل. وقف فيها رجل غجري يحاول إلانة قلب فتاة من جنسه جامحة العاطفة معرضة عنه. وهي تجيبه إجابة تمنع ودلال. الفتى: جرحت فؤادي بدلال يثير فيّ لهيباً فأعيدي سعادتي وأعيدي بسمات الرضا أعيدي حياتي الفتاة: (ضاحكة ساخرة) ليت قلبي يسير طوعي سميعاً فيلبي نداء كل شفيع. إن قلبي له هواه فيمضي حيث شاء الهوى جموحاً عنيداً. الفتى: كنتِ (ميسون) سلوتي وحياتي فاذكري عهدنا القديم وعودي لفؤادي الجريح يا ميسون. الفتاة: (بعناد)

стр. 973

إن ماء العيون يحلو جديدا وجمال الغرام أن نتولى كفراش الربيع بين الزهور الفتى: (بتذلل) أنت روحي. وكيف أحيا وحيدا؟ فانظري لي ببسمة لأداوي. . مهجتي الفتاة (جامدة) إنه كلام ثقيل الفتى: (غاضبا) ويل نفسي - أما بصدرك قلب؟ الفتاة: (ضاحكة) لا تحاول نوال حبي رجاءً لا ينال الهوى بدمع وشكوى إنما الحب آمر ليس يعصى يأخذ القلب قاهراً منصورا ولعل القارئ إذا اتبع نصيحة ذلك الصديق فقرأ ذلك القول كما يقرأ النثر واقفا عند نهاية المعاني وجد فيها ما يقبله ذوقه. هذا وقد عرضت لي ترجمه بارعة لقصة أخرى من قصص شكسبير، وهي ترجمة أستاذنا المفضل محمد بك حمدي ناظر مدرسة التجارة العليا، وقد كانت ترجمة حلوة بديعة دقيقة في نثر حلو ممتع، واتفق أن قطعة من تلك القصة كانت كذلك مترجمة في شعر مرسل، فرأيت أن أتبع الموازنة الأولى بموازنة ثانية، لعل ذلك يكون أفسح في التدليل وأقوى إعانة على صدق الحكم. وتلك القطعة المختارة هي في الموقف المشهور الذي وقفه أنطونيس يرثي قيصر بعد مقتله، وفيه استطاع تحويل رأي العامة من الحنق على قيصر والعطف على قاتليه إلى الثورة للثأر له والانتقام من أعدائه. ترجمة الأستاذ حمدي بك:

стр. 974

أنتوني: أيها الأخوان. أيها الرومان. بني وطني. أعيروني أسماعكم فإني ما جئت للتمدح بقيصر ومناقبه، ولكن لأواريه لحده وأهيل عليه التراب. فقد جرينا على أن ما يعمل الإنسان من شر يخلفه، وما يعمل من خير يرمس معه في غمار الرمم ولفيف الرفات، وهذا شأن قيصر معنا اليوم نتناسى مناقبه ونعدد معايبه. قال لكم بروتاس وهو رجل الشرف الصميم: إن قيصر طماع فان كان كذلك كان ذنبه يوجب الأسى والأسف كما كان جزاؤه أدعى للحزن والشجن، إني أقف بينكم الآن في جناز قيصر بإذن من بروتاس وهو رجل النبل والفضل وبإذن من زملائه الآخرين وكلهم مثله أجلاء نبلاء، ولكن قد كان لي في قيصر صديق حميم وبر كريم، لم أعهد فيه الطمع الذي يرميه به بروتاس رجل الفضل والشرف، أتاكم قيصر بالأسرى مكبلين فملأت دياتهم بيت المال، فهل كان في عمله هذا ما ينبئ عن طمع. كان قيصر يبكي شفقة ورحمة كلما ذرفت الفقراء دموع الفاقة والإملاق، وعهدي بالطماع أخشن طبعا وأغلظ كبدا، ولكن بروتاس يقول انه طماع وبرتاس كما تعلمون رجل الفضل والشرف. ألم تروا إني عرضت عليه التاج ثلاث مرات في (لوبركال) فكان يرفضه في كل مرة؟ فهل كان هذا لطمع فيه؟ ومع ذلك فان بروتاس يقول انه طماع، وبروتاس رجل الفضل والشرف. لا أريد أيها السادة أن أدحض دليل بروتاس ولا أن أقارعه الحجة بالحجة، وإنما أنا أقول ما أعرفه من الحق الصراح. لقد كنتم كلكم تحبون قيصر حباً جماً فهل كان ذا من غير داع وبلا مسوغ؟ إذن ما الذي يمنعكم الآن أن تقيموا عليه شعار الحداد؟ يا للعدالة! لقد أويت إلى قلوب الوحوش الضارية فغادرت الإنسان جباراً عتياً فاقد الرشد والصواب. عفواً سادتي إن قلبي مدرج مع قيصر في أكفانه فأمهلوني حتى يرتد إليّ.

стр. 975

الترجمة الأخرى في شعر مرسل: أيها الروم يا صحابي وقومي أنصتوا ساعة لبعض مقالي. لست آتِ أصوغ قيصر مدحاً بل لأسعى مشيعاً لرفاته. إنما تخلد الذنوب وتبقى بعد ما خاضها على حين تثوى حسنات الماضين بين القبور فليكن حظ قيصر مثل هذا. قد سمعتم (بروت) وهو كريم قال يا قوم إن قيصر طاغِ ولئن كان ما يقول صحيحا كان هذا لاشك وزراً كبيرا نال من أجله جزاءً أليماً. فلندع ذكر ذاك - أني مدين لبروت وصحبه إذ أجازوا أن أقوم الغداة أرثي صديقي فبروت كما علمتم كريم وذووه كما عرفتم كرام: كان نعم الصديق خلاً وفياً لا. ولكن بروت ينقم منه انه طامع حريص وأنتم قد عرفتم بروت شهما نبيلا. انه قد أتى بأسرى جموعاً وحبانا فداءهم أموالا

стр. 976

ملأت بالغنا خزائن روما. أبهذا ترون قيصر يطغى؟ كان والحق إذ يصيح فقير يسيل الدمع رأفة ولعمري أن قلب الطغاة عات صليب. غير أني أقول هذا وأنتم قد سمعتم بروت وهو كريم قال قد كان طامعا جبارا. أرأيتم تلك الغداة وأنا يوم عيد (الخصيب) إذ قد شهدتم كيف قدمت نحوه التاج أرجو لو تلقاه بالقبول ثلاثا فأباه - أكان ذلك حرصا؟ لا ولكن بروت قد قال حقا انه طامع. ولا شك فيه فبروت كما علمتم شريف ولئن قلت ما علمت فإني لست فيه مكذبا لبروت. أيها الناس كان قيصر منكم في ثنايا القلوب وهو جدير. فلماذا أرى العيون صلابا جامدات. وفيم هذا الجفاء؟ لا! قد أصبح الرجال سواما منذ طارت أحلامهم وكأني بوحوش الفلات أرجح عقلا.

стр. 977

أي رفاقي لا تعذلوني وعفوا إن تعديت في المقال. فإني ضاع لبي وضل عني فؤادي فغدا عند نعش قيصر رهنا. فدعوني حتى ألاقي فؤادي. أنظروني حتى يعود جناني. ولعلي أستطيع أن أسأل من لم أسأل من الأصدقاء بعد لأعرف رأيهم في هذه البدعة الأدبية أهي وسيلة صالحة أم هي مدخل إلى العبث والإسفاف؟ فان كان من الأدباء من يراها صالحة رجوت أن يبعث لنا منها قصة غنائية أو ملحمة بارعة بعد أن يكون قد فاض عليها من جمال روحه وروعة عبقريته.

стр. 978

بين بريسكا وتوفيق الحكيم بريسكا: أني أبغضك. أبغضك من أعماق قلبي. ت. الحكيم: استغفر الله! لماذا يا سيدتي؟ ما جنايتي؟ ب: واحتقرك كما احتقر غالياس. ت: لاحظي يا سيدتي قبل كل شئ أن ليست لي لحية غالياس! ب: قل لي أنت قبل كل شئ: ماذا عليك لو أنك أبقيت لي مشلينيا؟. . لو أن قلمك تمهل لحظة صغيرة ولم يقصف تلك الحياة قبل أن يحضر غالياس وعاء اللبن. . .! ماذا كسبت أنت من موت مشلينيا قبل الأوان؟ لحظة واحدة صغيرة كانت كافية لإنقاذ الفتى. . لكنك ضننت بها أيها القاسي الظلوم! ت: لست قاسيا يا سيدتي ولا ظلوما. ولو كنت أملك أمر بقاء مشلينيا دقيقة واحدة لأبقيته لك عن طيب خاطر. ب: لو كنت تملك؟ ومن غيرك يملك؟! ت: لا تحمّليني يا سيدتي هذه التبعة. ب: جميل أن يتنصل خالق من تبعة خلقه كل هذا التنصل!! ت: ما أظلم الإنسان! وما أحوج المبدعين إلى الرحمة والرثاء في هذا الوجود! ب: نحن الظالمون وهم المظلومون! شيء بديع! ت: إنكم تحملونهم التبعات وترمونهم بالظلم وهم براء من كل صفة من الصفات. فلا ظلم ولا عدل، ولا قسوة ولا حنان، ولا غضب ولا رضى، تلك عواطف لا يعرفونها ولا يشعرون بها. ولو أصغى إله لصوت آدمي لأنحلّ الكون في طرفة عين كما تنحل قصة أهل الكهف لو أني أصغيت إلى شخص واحد من أشخاصها! فأنت تريدين أن أؤخر موت مشلينيا دقيقة. ولا تعلمين أن هذه الدقيقة الواحدة كانت كفيلة أن تغير وجه القصة وتقلب مصير الأشخاص وتلقي عناصر الفوضى في العمل كله. كلاّ يا سيدتي. إني لم أرد موت مشلينيا ولم أرد بقاءه. ولم أحب ولم أكره. ولم أظلم ولم أعدل. إنّ المبدع لا يمكن أن يخضع لغير قانون واحد: (التناسق). ب: هذا كلام تبرر به قسوتك. ت: أنت يا سيدتي لا تعرفين ما مهنة المبدع! ثقي أن كلمة (قسوة) لا معنى لها في تلك

стр. 979

المهنة. ب: أنت كائن لا يمكن أن يفهمني ولا يمكن أن يفهم الحب. ت: لا أفهمك، هذا صحيح. أمّا أني لا أفهم الحب فهذا غير صحيح. ب: هل أنت تفهم الحب؟ ت: قليلا. ب: هل أحببت في حياتك. .؟ ت: أيتها الأميرة. لا أسمح بالكلام في شؤوني الخاصة. ب: معذرة. إنما أردت أن أعرف كيف فهمك للحب؟ ت: ماذا تريدين أن تعرفي. أحب الخالق وهو روح التناسق. أم حب المخلوق. .؟ ب: حب المخلوق. . حب القلب. . الحب ما أريد. صدقت ما دمت أنت خالقا وأنا مخلوقتك فإن بيننا تلك الهوّة. . فأنت لا تنظر إليّ بعين خاصة. ولا تعرفني معرفة خاصة. ولا تتصل بي اتصالاً مباشرا. إنما تنظر إليّ كعنصر من عناصر الكل المتسق. تنظر إلي بعين ذلك القانون الذي تحكي عنه، وينبغي أن تكون مخلوقا مثلي وعنصراً أو جزءاً مثلي حتى يكون بيننا ذلك الارتباط الخاص وذلك الالتفات الخاص. فهبك كذلك وهبني أحببتك فهل تحبني؟ ت: يا لكِ من ذكية ماهرة! ب: أجب. إذا أحببتك. . .؟ ت: ومشلينيا؟ ب: دعنا الآن من مشلينيا. ت: إذا أحببتني؟. . أنا. .؟ ب: نعم. ت: إني أخشى هذا الحب. ب: لماذا؟ ت: لأنك لن تحبيني. ب: من أين لك العلم؟

стр. 980

ت: هل رأيتني؟ إني لا أشبه مشلينيا في شيء. فليست لي فتوته ولا جماله ولا قوامه ولا ذراعاه ولا شفتاه. . . ب: ولا قلبه؟ ت: أتردد قبل أن أجيب. قد يكون لي قلبه. لكن ثقي أني إذا شقيت في هذا الحب فإني لا أذهب إلى الكهف ولا أموت جوعا. أولاً ليس عندي كهف أموت فيه. وإن وجدنا الكهف فلسنا واجدين الشجاعة والصبر عن أكل الشواء والدجاج يوما واحداً. . . ب: إذن ليس لك حتى قلبه! ت: نعم وا أسفاه! ب: إذن ما يصنع مثلك لو شقي في هذا الحب؟ ت: يذهب إلى كهف من كهوف النبيذ في مونمارتر. . ويؤلف قصصاً تمثيلية. ب: مرحى!. مرحى. .! ت: لا تغضبي أيتها العزيزة بريسكا. ب: أهذا فهمك للحب؟ ت: ماذا تريدين إنّا لسنا قديسين! ب: أنتم مبدعون!. . كنت أحسبكم خيراً من هذا!! ت: كذلك قال غالياس يوما فيما أذكر عن القديسين الثلاثة إذ خالطهم وحادثهم. ألا تذكرين؟ ب: كنت أظنك على الأقل خيراً من غالياس المسكين فهماً للحب!! ت: يشق عليّ أن يخيب ظنك فيّ يا عزيزتي! ب: عزيزتك! كلا. لست أسمح لك. إنك تخاطبني كما لو كنت تعرفني من قبل. أو كما لو كنت لي بعلا!! ت: حقيقة أيتها الأميرة. ليس لي هذا الشرف. ب: تستطيع أن تنصرف يا هذا. ت: أنصرف إلى أين أيتها الأميرة. .؟ ب: أتسألني؟ إلى حيث كنت. . إلى سمائك. . ت: أين هي هذه السماء؟ في دمنهور؟ أو في قهوة (جراسمو)؟ ما أكثر أوهامكم أيتها

стр. 981

المخلوقات! ب: نعم ما أكثر أوهامنا. . وتخيلاتنا وخيبة آمالنا!. . ت: ذلك أنكم تريدون أن تخضعوا كل شيء لخيالكم أنتم. ب: صدقت. إنّا نتمثّل القديسين والآلهة كما تصورهم لنا عقولنا. . ت: ثقي أن لو كشف المجهول يوماً لأعين البشر لصاحوا كلهم بكلمتك التي لفظت الساعة: (كنّا نحسبه خيراً من هذا. .!) ب: ربما. . ت: ذلك أنهم سيرون المجهول شيئا لا علاقة له بعقلهم، ولا بخيالهم، ولا بمنطقهم، ولا بعواطفهم، ولا ببشريتهم. . ب: إنّا مخلوقات ماذا تريد من مخلوقات؟ إنا لا نستطيع أن نخرج من أنفسنا لنفهم ونرى شيئا غير أنفسنا. ت: ومع ذلك فإن لهذه المخلوقات كنزاً لا يوجد عند الآلهة. ب: القلب. ت: نعم. ب: إني أؤمن بما تقول. فها أنت ذا خالق من نوع تافه. . ليس لك القلب الذي لمشلينيا. .! ت: أعترف أني أقل شأنا من حبيبك. ب: ومع ذلك فقد اجترأت يدك على إطفاء حياته الجميلة. . . ت: عدنا إلى الاتهام. ب: إني أبغضك. . أمقتك. . أبغضك من أعماق قلبي. . ت: سبحان الله! اقسم أن لا فائدة من مناقشة امرأة تحب.

стр. 982

أدب القوة وأدب الضعف للأستاذ محمود الخفيف أحس إذ أتناول هذا الموضوع أني بين عاملين: عامل الحياء وعامل الفخر. أما الحياء فأول دواعيه أن أعقب أنا الصغير على مقال أستاذنا العلاّمة أحمد أمين. وأما الفخر فحسبي أن يقرأ لي الأستاذ سطوراً قد تحظى برضاه في موضوع كهذا يعنيه. يرى الأستاذ (أن الشاعر المجيد هو الذي يثير العواطف بقدر، ويبنيها على أساس عميق) ويرى أن الأدب في العصر العباسي كان أدباً ضعيفاً. إن أنت حصرته وجدته بين باك ومادح ومستهتر، ثم يرى أن عود الأديب الشرقي على نحو عود المغني الشرقي أشجى أغانيه أحزنها، وخير نغماته أبكاها. وعلى ذلك يسمي الأستاذ ذلك النوع من الأدب الباكي الذي يتعمق في إثارة العواطف أدباً مائعاً، وذلك الأدب الذي لا يثيرها إلاّ بقدر أدباً قوياً، فهل يسمح لي الأستاذ أن أتجرأ فأقلب هذا الوضع، فأسمّي ذلك الأدب الوجداني الحاد الذي يبالغ في إثارة العواطف أدباً قوياً، وذلك الأدب الذي لا يمت إلى العاطفة بصلة قوية أدباً جافاً أو مائعاً؟ أرى الأنغام الوجدانية الحادة أساس الأدب الحاد، ولن يكون الأدب الحاد مائعاً، وأرى العبارات الخالية مما يثير العواطف أو التي تثيرها بقدر أساس التفكير العقلي، والخطوة الأولى نحو الفلسفة (القوية) ولن تكون الفلسفة القوية أدبا قويا، وعلا ذلك فما يسميه الأستاذ أدبا مائعا هو في الواقع أدب قوي، وأما ما يسميه أدبا قويا فهو فلسفة قوية. والأدب والفلسفة شيئان: فالأدب لغة القلب، والفلسفة لغة العقل، والإنسان إنما يبدأ بقلبه فيفرح أو يبكي ويحب أو يبغض ويرضى أو يغضب ويأمل أو ييأس ويثور أو يهدأ حسب ما يحس من عواطف، فإن كان لابد من تخفيف حماسته، فليكن ذلك بشيء من حدة عقله، ولكني لا أرى تجريده من ذلك الحماس ولا أحسب ذلك ممكنا، إذ ما القلب بغير حماس؟ ثم ما الأدب بغير عاطفة؟ وإذا اشتدت العاطفة فكيف يكون الأدب مائعاً، وكيف تشتد العاطفة إلاّ إذا اشتدت بواعثها؟ وإذا ما اشتدت بواعثها فما القوة إن لم تكن القوة في إظهارها قوية رائعة؟ إن الإنسان بطبعه عسوف عنوف، لا يسكن إلاّ لعجز، ولا يرتدع إلاّ من خوف، ولا يعفو

стр. 983

إلاّ عن ضعف ولا يقنع إلاّ مضطراً، ولو أطلق له العنان لكان شره مستطيرا ومكره خطيرا بيد أنه على غلظته لا يخلو قلبه من عواطف نبيلة، ولكنها خامدة، وميول خيّرة ولكنها كامنة، ولذلك فهي في حاجة إلى الإبانة والتنبيه، والأدب الوجداني الحاد يخاطب القلوب فيهزها ويستثير ما كمن فيها من نبل فيبعثه، ولذلك كان هو عماد المصلحين ودعاة الإنسانية، فإنك إن تخاطب الإنسان في منطق وفي عبارات جافة فقلّما يصغي إليك، وإن استمع فقليلا ما يعي، وإن أنت بدأت بقلبه فهززته في رفق وألنته بأنغام قيثارتك ثم أهبت به فقد يهوي إليك. تحدّث شكسبير عن تأثير الموسيقى في النفوس فبدأ بالعجماوات فقال ما بال تلك الوحوش الكاسرة تسمع أناشيد الموسيقى فتقع متراخية وتظهر كأنها مأخوذة حائرة؟ وما بال ذلك العدد المضطرب من الخيل الجانحة يسمع الموسيقى فيهدأ فجأة ويسير في نظام كأنما تذهب الأنغام ثائرته وتسحره عن نفسه. والأدب الوجداني موسيقى النفس، وموقفه من القلوب البشرية الفطنة موقف الموسيقى الحسية من تلك الخلائق الهائمة الثائرة، فهو الذي ينفذ إلى القلب ويختلط بالنفس فيلائم بين ذراتها وينظم تموجاتها. ويقلل من عنف الإنسان وجبروته فيجعله رقيقا وادعاً. ولا تثريب على الشاعر، أو القصصي، أن يبكي فيبكي عيوناً تكاد أن تتحجر، ويفتح آذاناً ضربت عليها المطامع المادية ويهز قلوباً كانت لا تحفل دعاء أو تجيب رجاء. وهو إن بكى على نفسه فغير ملوم، فإنما ينطق بما يحس، وبذلك ينفس عن قلبه، وقد تخفق قلوب معه وتهوي أفئدة إليه، وها هو ذا البارودي الفارس يقول: أفي الحق أن تبكي الحمائم شجوها … ويبلي فلا يبكي على نفسه حرّ؟ وماذا عليهم إن ترنّم شاعر … بقافية لا عيب فيها ولا نكر؟ وهو في بكائه غير ضعيف، بل إن حدة عواطفه لتنهض دليلا على قوته، وإلاّ فما أضعف جيته ولامرتين وهوجو وأبا فراس والمعرّي وغيرهم ممن ضربوا على أوتار حزينة باكية! ولقد بكى هؤلاء في شبابهم أعني في أيام قوتهم وبكوا لقوة إحساسهم ونبالة قصدهم وكمال إنسانيتهم.

стр. 984

ومن البلية أن يسام أخو الأسى … رعى التجلّد وهو غير جماد وليس من الضروري أن يكون الشعر المتناهي في وصف ما يلاقي المحب من عذاب غير مؤسس على عاطفة صحيحة، لأن مثل هذا الشعر يكون ترجمة لإحساس الشاعر فما دام أنه محب فله أن يعبر عمّا يحس، وليس لنا أن نتهمه في ذلك بضعف، بل أنه يكون ضعيفا حقاً إن هو أحسّ عذاباً من وراء حبه ثم لم يستطع الإفصاح عنه. ولم يكن الأدب العباسي ضعيفاً، لما جاء فيه من بكاء ومديح واستهتار، فإن الأدب في كل عصر صورة لذلك العصر، فإذا عبّر أدباء العباسيين عمّا يحسّون فلم نتهمهم بالضعف؟ وإذا كان أدبهم حزيناً باكياً يتخلله المديح والاستهتار فكيف كان يتسنى لهم أدب غيره، وإذا هم تطاولوا في غير عزّة وتفاخروا بغير فخر وضحكوا في غير مرح، أفما كنا نتهم أدبهم بأنه سقيم زائف أو بعبارة أخرى ضعيف مائع؟ ثم أن الضعف السياسي لا يسلتزم أن يكون وراءه ضعف في الأدب، بل لقد يكون الضعف السياسي ذاته سبباً قوياً من أسباب قوة الآداب كما يحدث عند انقسام الدول الواسعة كما كان الحال في القرن الرابع، وكما كان الحال عند الإغريق في مدنهم الحكومية وكما كان الحال في النهضة الإيطالية الحديثة. وليت شعري لم لا يكون بكاء الشعوب على ما يصيبها قوة واستنهاضاً للهمم؟ هزمت فرنسا في حرب السبعين وخرجت ألمانيا متفاخرة بالنصر، فخاطب أحد الأدباء الفرنسيين الألمان الظافرين بقوله (نعم قد انتصرتم علينا ولكن ليس لديكم شاعر يشيد بنصركم كشاعرنا هذا الذي يبكينا على مصابنا) فهل كان بكاء الفرنسيين في ذلك الوقت ضعفا؟ اللهم لا. وأما ما جاء عن مصعب بن الزبير حين استخفه الطرب وعن استخفاف المنصور به لذلك حتى جعله يتمثل بتلك الأبيات التي أوردها الأستاذ، فأقول أن مصعبا كان متغزلا وأن المنصور كان متفاخرا وشتّان بين الموقفين، فهذا تستملح فيه الرقة واللين وذلك لا يليق فيه إلاّ الصرامة والشدة. وإذا كان في كلام مصعب ضعف فماذا يكون في كلام الرشيد وهو يخاطب جارية بهذا البيت: أما يكفيك أنك تملكيني … وأن الناس كلّهم عبيدي؟ وبعد فيعجبني من الأستاذ قوله أن أرقى الأدب في نظره ما أحيا الضمير وزاد حياة الناس

стр. 985

قوة، وهذا في رأيي هو الأدب الوجداني القوي هو ذلك الأدب الذي يرقق القلوب ويستثير الهمم ويطهر النفوس، هو ذلك الأدب الذي يجعل من الشيخ شاباً فتياً، وهو ذلك الأدب الذي يملأ المحاجر بالدموع والقلوب بالشفقة والحنان.
следующие страницы →