Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9206–9245 · переход к 9211.
стр. 9206
رأى فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر أن رسائل الاستفتاء عن مختلف المسائل الفقهية تنثال كل يوم على الرياسة الدينية من مصر ومن جميع الأقطار الإسلامية فأراد أن يجعل لهذا التثقيف المثمر جهة خاصة تتولى الفتوى على هذه الأسئلة وترجمتها إلى لغة المستفتى ثم عرضها على الرياسة العليا. فأصدر قراراً بتأليف لجنة تسمى (لجنة الفتاوي في الأزهر والمعاهد الدينية) وأسند رياستها إلى العالم الجليل الأستاذ حسين وإلى عضو هيئة كبار العلماء، وعضو مجمع اللغة العربية الملكي. وجعل أعضاءها أحد عشر عضواً يمثلون المذاهب الأربعة المشهورة، وسيكون دستورها في الفتوى أن تجب الطالب على المذهب أو المذاهب التي يريد الإجابة على مقتضاها. فإذا لم يعين المستفتى مذهباً أجابته بحكم الله المؤيد بالأدلة من غير تقيد بمذهب من المذاهب الشرعية
العارية الدولية للكتب
اجتمع في شهر مايو الماضي المؤتمر الدولي الثاني للمكتبات وفنونها بمدريد واشبيلية وسلمنكا وبرشلونة، وكان الغرض من اجتماعه إيجاد اتحاد أدبي بين الدول لنشر العلوم والثقافة بالتعاون بين مكتبات العالم. وكان من أهم ما نظر فيه مسألة (العارية الدولية للكتب) فاتخذ فيها قراراً ننقل خلاصته عن تقرير المندوب المصري فيما يلي:
١ - أن تكون المعاملة بين الدول في مسألة العارية الدولية للكتب على قاعدة المثل في أوسع معانيها
٢ - أن تتعهد المكتبة المستعيرة بضمان كل ما ينشأ من ضياع أو تلف للكتب التي ترسل إليها
٣ - تتعهد المكتبة المستعيرة بأن تتحمل كل نفقات الإرسال والتأمين
٤ - أن تنفذ عملية الاستعارة بأسهل الطرق وأسرعها وبأقل النفقات الممكنة
٥ - أن تكون الاستعارة بين الدول بطرقة مباشرة
٦ - يجب على كل مكتبة قبل أن تطلب مؤلفات من الخارج أن تتأكد من عدم وجود هذه المؤلفات في بلادها
٧ - يحسن أن يعين في كل مكتبة موظف خاص باستعارة الكتب وهو الذي يرسل ويتسلم
стр. 9207
الكتب المطلوب استعارتها
٨ - وعلى المكاتب المنضمة إلى الاتحاد أن تعمل إحصائية عن الكتب التي أعارتها أو استعارتها كل عام
الإنكليز واللغات الأجنبية
المعروف عن الإنكليز أنهم أقل الشعوب الأوربية ميلا إلى تعلم اللغات الأجنبية، وقد يرجع ذلك من وجوه كثيرة إلى انتشار لغتهم في كثير من البلاد والأمم التي يبسطون عليها سيادتهم أو نفوذهم؛ ولكن الواقع أن الإنكليز يرغب بطبيعته عن بذل أي جهد لتعلم لغة أخرى؛ بيد أنه لوحظ منذ بداية هذا القرن أن الشباب الإنكليزي قد أخذ يميل إلى تعلم لغة أجنبية، وأنه يؤثر الفرنسية في ذلك على كل لغة أخرى، وتليها اللغة الألمانية؛ وقد أذاع أحد كبار الأساتذة الفرنسيين الذين يتولون التدريس في جامعة لندن أخيراً تقريراً عن تقدم اللغة الفرنسية في إنكلترا وفيه يقول إنها أصبحت اللغة الأجنبية الوحيدة التي تدرس في المدارس الابتدائية الممتازة في إنكلترا وعددها نحو خمسمائة مدرسة؛ وأنه يوجد زهاء خمسين ألفاً من الشبان الإنكليز يتعلمون الفرنسية في المدارس الليلية، وعشرين ألفاً يتعلمون الألمانية، وتسعة آلاف يتعلمون الأسبانية. ويغلب تعلم الفرنسية في المدارس الابتدائية الحرة وفي المدارس الثانوية. ويختار الفرنسية كلغة أجنبية إضافية نحو تسعين في المائة من تلاميذ هذه المدارس. غير أنه يلاحظ من جهة أخرى أن الطلبة بعد تعلم الفرنسية في المدارس لا يجرؤن على التكلم بها بعد تخرجهم، لأنهم يجدون صعوبة كبيرة في التحدث بها سواء من جهة النطق أو النحو؛ ويلاحظ من جهة أخرى أنهم لا يقرأون بها سوى القليل من الكتب والنشرات السخيفة. وإلى جانب ذلك التقدم يتعلم اللغة الألمانية خصوصاً في الأقسام العلمية للجامعات
جائزة نوبل للسلام
من المعروف أن معهد نوبل يخصص جائزة سنوية لسلام يمنحها للشخص أو الأشخاص الذين يقدمون أعظم خدمات لقضية السلام العالمي. وقد منحت هذه الجائزة في العام الماضي للمستر ارثور هندرسون الوزير الإنكليزي السابق ورئيس مؤتمر نزع السلاح،
стр. 9208
والسير نورمان آنجل الكاتب الإنكليزي الذي اشتهر بمقالاته وكتبه لتأييد قضية السلام. وفي أنباء (أوسلو) الأخيرة أنهم يرشحون لنيل جائزة السلام عن سنة ١٩٣٥، المسيو مازاريك رئيس جمهورية تشيكوسلوفاكيا، والهير كارل فون اسيوتسكي. والأول معروف بحبه وخدماته للسلام، وأما الثاني فهو كاتب ألماني ذو نزعة ديموقراطية، كان يحرر صحيفة (دي فلث بينه) (المسرح العالمي)، وقد اشتهر بحملاته على الجمعيات الوطنية النازية السرية. فلما تولى النازي الحكم في يناير سنة ١٩٣٣، قبض عليه وأودع في معسكر الاعتقال. ولا يزال معتقلاً حتى اليوم
مشروع أدبي ضخم
وضع أحد كبار الناشرين في السويد مشروع مباراة أدبية ضخمة، خلاصتها أن يتقدم اثنا عشر ناشراً يمثلون كبرى الدول الأوربية، ويقدم كل ناشر منهم أنفس ما لديه من مخطوطات كبار المؤلفين المعدة للنشر إلى لجنة من المحكمين من أكابر المفكرين؛ وتنتخب كل لجنة مما يقدم إليها أنفس وأجمل رواية؛ ثم ترسل الروايات الاثنتا عشرة المختارة إلى السويد وتعرض هنالك على لجنة عليا من المحكمين، وهذه تختار أنفس وأجمل رواية من الجميع؛ ويمنح مؤلف هذه القصة المختارة مكافأة مالية قدرها ثلثمائة ألف فرنك (نحو أربعة آلاف جنيه). ثم تترجم إلى معظم اللغات الحية وتنشر في مختلف بلاد العالم؛ ويقدر واضع المشروع أنه يمكن أن يجتني من تنفيذه نحو مليون فرنك. بيد أن المهم في ذلك كله هو ما يصيب المؤلف الذي يسعده الحظ بأن تفوز قصته بالجائزة الكبرى، فهو يغدو بالحصول عليها من أصحاب الثراء
стр. 9209
الكتب
روض الشقيق في الجزل الرقيق
ديوان المرحوم الأمير نسيب أرسلان ١٢٨٤ - ١٣٤٦هـ
للأستاذ محمد بك كرد علي
بيت الأمراء أرسلان في لبنان عريق في النسب والأدب، وأشهرهم في هذا العصر الأمير شكيب أرسلان أحد من انبغتهم الشام من أرباب الأقلام، ويليه في الشهرة الأدبية شقيقاه الأمير عادل والأمير نسيب صاحب هذا الديوان. طبعه في دمشق شقيقه الأمير شكيب وقدم له مقدمة التزم فيها السجع على عادة أهل القرن الماضي، وعلق عليه حواشي وأردفه بترجمة الناظم ونسب العائلة الأرسلانية التي تنتسب إلى الأمير عون المتوفى سنة ١٣هـ. وكان قد حضر وقعة أجنادين، حضر مع خالد بن الوليد من العراق إلى الشام لنجدة أبي عبيدة بن الجراح، وحضر الأمير مسعود المتوفى سنة ٤٥هـ وقعة اليرموك بألف وخمسمائة من أصحابه، وشهد وقعة قِنَّسرين. وأرومة هذا البيت ترتقي بعد ذلك إلى المنذر بن الملك النعمان الشهير بأبي قابوس ممدوح النابغة الذبياني. وقد فصل الأمير شكيب كل ذلك تفصيلاً وافياً استغرق أكثر من نصف هذا الديوان، وهو في ٢٧٠ صفحة متوسطة القطع، وترجم لمن ورد ذكرهم من القضاة والعدول وغيرهم ممن شهدوا لهذا النسب، وردّ على بعض المؤرخين الذين أغفلوا لمقاصد حزبية ذكر آل أرسلان في بعض المواضع والمواقع، وقديماً قالوا: الناس مصدّقون بأنسابهم.
سمى الأمير أرسلان ديوان أخيه بروض الشقيق، في الجَزْل الرقيق، وذلك لجمعه بين متانة التركيب، ورقة الشعور؛ وفي لفظة الشقيق من التورية ما لا يخفى. وقد أشار إلى أصحاب الأدب الجديد، وهو من أنصار الأدب القديم بقوله: (لا ينبغي لناشئة العرب أن يعدلوا بهذه الأم العربية البرة أماً، ولا يجوز أن يجعلوا لها من بين اللغات نِداً، بل يجب أن يجعلوها قطب رحى المثافَنة، ويعلموا أنها نعم السند يوم المماتنة. فلا يرتبوا أفكارهم في لغة قبلها، ولا يضلوا في الأبانة عن ذات نفوسهم سبلها، حتى إذا صفت لهم مشارعها، وحنَت عليهم أجارعها، وصارت مَلَكتها جارية مجرى المهج من نفوسهم، نازلة منزلة
стр. 9210
الأدمغة من رءوسهم، كان لهم أن يستزيدوا من آداب الغرب والشرق ما شاءوا وتطالت إليه عزائمهم، وأن يضموا إلى البلاد العربي القديم طريف البضائع، وأن يضيفوا إلى الإرث العُدُملي الكريم حديث البدائع، مشروطاً في نقلها إلى خزانة العربية، لأجل تمام المقصد واجتناب الهجنة، أن يكون الأسلوب العربي الأصيل ظلها وماءها، وديباجة النطق بالضاد أرضها وسماءها، وأن تكون لغة الكتاب المنزل على أفصح العرب ألفها وياءها. .).
وهاكم نموذجاً من شعر هذا الأمير الشاعر من قصيدة يصف الفقير في ضنكه ويحث الموسر على إعانته، (وهي قصيدة فذة في بابها في وصف الفقر وشدته على المرء واستجلاب الرحمة والتحنان على الفقراء والتحذير من مغبة إرهاقهم):
رأيت سليل الفقر يعمل في الثرى … مكباً على محراثه يتلهف
يخدُّ أديم الأرض خداً كأنه … له قِبَل الغبراء ثار مخلف
كأني به نادته للحرب فاغتدى … يكرُّ عليها بالحديد ويعطف
كأني به إذ فرق الترب والحصى … يفتش هل في باطن الأرض منصف
كأني به إذ خط في الأرض قبره … يهمُّ على جثمانه ثم يصدف
به آية الجهد الذي ليس ناهضاً … بهِ بشر غض البنان مهفهف
جبين بمرفضِّ الصبيب مضمَّخٌ … وشعر بملتصِّ الغبار مغلف
وجِيد خفوق الأخدعين كأنما … تبينت من أوداجه الدم ينطف
رثيت لمكروب سحابة يومه … إذا قرَّ منه معطف ماج معطف
إذا زلزلته سرعة الخطو أوشكت … أضالعه في زوره تتقصف
كأن أزيز الجوف عند وجيبه … حسيسُ هشيم والندى يتوكف
يشقق عنه الثوب فالريح قد غدت … تصافح منه جلده حين تعصف
وأثبت حَمْىُ الشمس في أم رأسه … نبالاً فراس العظم منها منقف
تبطن منثور الغبار جفونه … فضرَّج منها مقلة تتحسف
كأن حماة الشوك في ذيل برده … طراز حواه العبقري المفوَّف
يمدُّ إلى الجبار كفاً تكدحت … أناملها والله بالعبد أرأف
стр. 9211
ومنها:
وصفت لك الضراء يا صاحب الغنى … وهل تعرف الضراء من حيث توصف
هي الفقر ما أدراك ما الفقر إنما … لهاث الردى منه أخف وألطف
حياة بلا أنس وعيش بلا رضى … فلا الرغد ميسور ولا العمر ينزف
بكيتك يا خلوَ اليدين بأدمعي … فأنت صريع النائبات المذفف
يروح كثير المال يسحب ذيله … وأنت المعِّني يا فقير المكلف
ألست الذي شاد الحصون بعزمه … وناط نجاد السيف للحرب يزحف
وأجرى سفين البحر في اللج ينثني … ومَّشى قطار النار في البيد يهذف
وقد ملأ الأنبار للخلق ميرةً … وحاك لهم موشية تتغضف
بلى إن من هان العسير بكده … على الأرض مفتول الشوى متقشف
أخو فاقة لم يدخل الطيب رأسه … ولا مسَّ كفيه القضيب المعقف
أفي الحق أن يشقى الفقير بعيشه … وذو المال في شر الغواية يسرف
وأن يدنف المثرى بأعقاب بطنه … غداة خفيف الحاذ بالجوع يدنف
أما في كبود العالمين هوادةٌ … ولا رحمة عند الشدائد تعطف
وهل فقدت بين الأنام قرابة … يحثُّ بها منهم عديم ومترف
أرى المرء لا يأسو جراحة مملق … ولو هزَّ فوْديه النصيح المعنف
أراه إذا ما نَعَّم الرغد جسمه … غدا قلبه يقسو لديه ويصلف
إليكم بني غبراَء تدمى عيونهم … وليس لهم إلا المياسير مسعف
يمدون نحو المحسنين أكفهم … وما يستوي المكفيُّ والمتكفف
سألت عزيز المال حين يغوثهم … من الرمل تحثو أم من البحر تغرف
ألا إنما الحسنى إليهم فريضةٌ … وفي ذلك الآيات لا تتحرف
فإن طلبوا الإنصاف قيل سماجة … ومن لك بالمظلوم لا يتنصف
عليكم بكشف العسر عنهم فإنما … أخو الضر يمسي ضارياً حين يهجف
فلا ترهقوهم بالشقاوة والطوى … فيبدو منهم بادر لا يكفكف
فإن لم ينالوا بالهوادة حقهم … ينالوه يوماً والصوارم ترعف
стр. 9212
ولا تهملوا حسن الخطاب ولينه … فإن الخطاب العذب نعم المثقف
لكم عبرة في الغرب من كل فتنة … تهز الجبال الراسيات وتخسف
فلو كان عيش للمفاليس طيب … لما قام منهم قائم متطرف
وفي الديوان كسائر الدواوين الشعرية مديح وقصائد في التهنئات، ومقاطع في الغزل والنسيب، وكلها من الشعر الجزْل. رحم الله ناظم عقودها وأمد في حياة ناشرها.
إلى صديقي العلامة الأمير شكيب أرسلان
نعم شقّ عليّ يا أخي أن تلقى دلوك في الدلاء، وأن تكتب مقدمة كتاب (قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث) بهذا اللسان الذي ما عهده فيك من تأدبوا بأدبك، وأكبروا عظمة بيانك. بالأمس كتبت مقدمة (النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي) للأستاذ محمد أحمد الغمراوي، فمن منا لم يعجب بما كتبت وحبرت، وإن كنت أطلت وتوسعت؟ واليوم تكتب ما تكتب لقواعد التحديث، في فن لست منه ولا أنا في العير ولا في النفير، وجئت تغالي بكتاب ليس فيه من حديثه ولا أسلوبه أسلوب المؤلفين، ولا يستحق هذه العناية والدعاية وهذه الضجة؛ ولكل رأيه واجتهاده
أنا أجلك عن الدخول في هذه المآزق، لأنك في غنية عنها، ولست بحمد الله محتاجاً إلى مصانعة الناس، ولا نضبت أمامك الموضوعات، تحتاج لمعالجتها لتورثك شهرة وحسن ذكر؛ وما أخالك إلا كتبت ما طلب منك في غير وقت نشاطك، وليس لك من القول ما تقول فتبدع على عادتك. ومهما كانت منزلة الكتاب وكاتبه من نفسك، ما أرى لقلمك أن يجري إلا فيما يصلح أن ينسب إلى إحسانه؛ وحملة الأقلام مسؤولون إذا اقتصروا مع المؤلفين والطابعين على مقارضة الثناء، ولم يتعاودوهم بالنقد الصحيح؛ والإفراط في التقريظ شيمة المتأخرين من أهل عصور الانحطاط الأدبي في العرب؛ والنقد المفيد عادةُ نقاد الإفرنج في زماننا. ومن الأمانة للعلم والأدب أن يُدَلّ كل كاتب على مواضيع الخطل من كلامه، إلا أن نغشه ونغش قراءه، فنجسم ما صغر حجمه في العيان، ولا يشول مهما نفخناه في الميزان
وأكتفي الآن بجملة من مقدمتك، وقد بدأتها بقولك: (لا يخفى على أهل الأدب، أن الجمالَ والقسام في العربي (؟) واحد، وأن معنى القاسم هو الجميل، فلا يوجد إذن لتأدية هذا المعنى أحسن من قولنا (الجمال القاسمي) الذي جاء اسماً على مسمى، مع العلم بأن الجمال
стр. 9213
الحقيقي هو الجمال المعنوي، لا الجمال الصوري، الذي هو جمال زائل؛ فالجمال المعنوي هو الذي ورد به الحديث الشريف: إن الله جميل ويحب الجمال. وعلى هذا يمكنني أن أقول إنه لم يُعط أحد شطر الجمال المعنوي الذي يحبه الله تعالى، ويشغف به عباد الله تعالى، بدرجة المرحوم الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي، الذي كان في هذه الحقبة الأخيرة جمال دمشق، وجمال القطر الشامي بأسره، في غزارة فضله، وسعة علمه، وشفوف حسه، وزكاء نفسه، وكرم أخلاقه، وشرف منازعه، وجمعه بين الشمائل الباهية، والمعارف المتناهية، بحيث أن كل من كان يدخل دمشق، ويتعرف إلى ذاك الحبر الفاضل، والجهبذ الكامل، كان يرى أنه لم يكن فيها إلا تلك الذات البهية، المتحلية بتلك الشمائل السرية، والعلوم العبقرية؛ لكان ذلك كافياً في إظهار مزيتها على سائر البلاد، واثبات أن أحاديث مجدها موصولة الإسناد. . . الخ)
بأبي أنت وأمي يا شكيب! هل هذا بيانك الذي عرفته وعرفه فيك قومك؟ أنا لا أطلب غير حكمك، فلا أحتكم إلا إليك. أهذا كلام ترضاه لنفسك في كتاب يبقى؟ وما هذا القلق في المعاني والمباني؟ ربما أغتفر صدور مثل هذا الصدر من فتى يشدو في الأدب، ولكن من شيخ كتاب العرب لا ثم لا! وحديث السجع أنت عرفت رأيي فيه، ولعلك تذكر أني كنت لفت نظرك إلى ما أسميت به كتاب رحلتك إلى الحجاز: (الارتسامات اللطاف، في خاطر الحاج إلى أسمى مطاف) وقلت لك يومئذ إن القارئ مهما بلغ من ثقوب ذهنه لا يدرك لأول وهلة معنى هذا العنوان المسجوع، إلا بكثير من إجهاد الفكر؛ وهكذا كدت باستحسانك السجع في بعض المقامات والغلو في تقريظ من ترى تقريظه، أن تنسينا حسناتك علينا في كلامك المرسل الكثير، وأنا على ما تعلم من أحرص الناس على تخليده وتأبيده
بحقك، هل رأيت لأحد من بلغاء القرون الأولى سجعاً في شيء من أسماء كتبهم؟ وهذا الجاحظ وابن المقفع، وهذه أسماء كتبهما ورسائلهما، هل وجدت لهما سجعاً تتقزَّز منه كصاحبك أبي إسحاق الصابي الذي أفسد اللغة على علو مكانته في الأدب بما سجع ورصع؟ وأظنك موافقي على رأيي في أن التسجيع أضعف ملكات المؤلفين من عهد ابن العميد إلى زمن أستاذنا الإمام الشيخ محمد عبده الذي قضى بقوة حكومته على استعمال السجع في الصحف والرسائل الرسمية، فعدّ عمله هذا أكبر حسنة منحسانته؛ ولولا عمله ما
стр. 9214
دخلت اللغة في هذا الأسلوب الممتع الذي نقرؤه اليوم للمنشئين والمؤلفين؛ ونرجو أن تعود به اللغة إلى رونقها السالف من الرشاقة والجزالة، على نحو ما كانت على عهد سهل بن هرون والجاحظ وعمرو بن مسعدة وأحمد بن يوسف الكاتب وابن المقفع وإضرابهم. وما أظنك تنكر عليّ أن رصف أبي حيان التوحيدي في القرن الرابع، وابن خلدون في القرن التاسع، أرفع وأمتع من تعسف الصابي والصاحب بن عباد وأبي بكر الخوارزمي والقاضي الفاضل والعماد الكاتب وابن الأثير إلى آخر أعيان ذاك المذهب المتكلف.
وأظنك موافقي أن في قولك: (وإن كان يجب حذفه (السجع) من هذه اللغة من أجل كونه في طريقة قديمة، ومن أجل أنه عبارة عن زينة كلامية، فإن هذا يؤدي بنا إلى اقتراح حذف الشعر أيضاً) - إن في قولك هذا مغالطة لطيفة، وفي علمك أكرمك الله أن النثر غير الشعر، والكراهة آتية من التزيد والتكلف
لو كنت على مقربة منك ما تركتك تقول في مقدمة الديوان الذي نشرته بأخَرةٍ ودعوته: (روض الشقيق، في الجزل الرقيق) ما قلته في فاتحته: (. . . الذي لا أجد لشعره وصفاً أو في من عرضه على الأنظار، ولا لديوانه حلية أجمل من نشره في الأقطار؛ وخير وصف الحسناء جلاؤها؛ والجواد عينه تُغني عن الفُرار. ولعمري لو وصفته بأزهار الربيع، وأنواع البديع، وشققت في تحليته أصناف الأساجيع، وكان هو في الواقع دون ما أصف لما أغنيته فتيلاً، ولا رفعته عن درجته كثيراً ولا قليلاً؛ كما أني لو قدمته للقراء فريدة معطالاً، لا يرن له حجل ولا سوار، ولا يتلألأ عليه ياقوت ولا نضار، وكان هو في نفسه دراً نظماً، وأمراً عظيماً، وديواناً تتأرج أرجاؤه ندّاً ولطيماً، لما خفي أمره على ذوي الوجدان، ولا تعامى عن سبقه أحد ممن له عينان. .) ولو كنت مكانك لقلت وما باليت: (. . . الذي لا أجد لشعره وصفاً أوفى من عرضه على الأنظار؛ ولو وصفته بأزهار الربيع، وكان هو في الواقع دون ما أصف لما أغنيته فتيلاً؛ ولو قدمته للقراء فريدة معطالاً، وكان هو في نفسه دراً نظيماً، لما خفي أمره. .)
أليس هذا الإيجاز أوقع في النفس، وأجمل في أداء المعنى، وأدعى إلى الأفهام من أسجاع تثقل على الطباع؟ ونحن إنما نكتب لنُفهم، لا لنُعجم ونُبهم. وبعد فمالنا وللتقيد بما قاله بعض المتأخرين في معنى التعلق بأهداب السجع، ولدينا في أقوال المتقدمين والمأثور من
стр. 9215
كتاباتهم ما يحملنا على تقليدهم في أساليبهم، يوم لا هذا الترصيع والتسجيع، ولا ذاك الضرب المستكره من أنواع البديع
محمد كرد علي
стр. 9216
العدد ١١٢ - بتاريخ: ٢٦ - ٠٨ - ١٩٣٥
стр. 9217
٢ - سعد باشا زغلول
بمناسبة ذكراه الثامنة
كانت رسالة سعد كما رأيت (الدفاع عن الحق) في زمن خذل الحقَّ فانتهى فيه الحكم إلى الأثرة، وشعب جهل الحق فجرى به الأمر على الباطل. وكانت عُدة هذا المحامي المِدْره لذلك الدفاع البلاغة والمنطق والقانون: فالبلاغة للجمهور، والمنطق للخصوم، والقانون للحكومة؛ ولست أرمي بذلك إلى تقسيم كلام الزعيم إلى التأثير المحض، والإقناع المطلق، والتطبيق المجرد، فإن خطبته في كل موضع وفي أي موضوع لا تخلو من هذه العناصر الثلاثة، وإنما يظهر بعضها على بعض حين يقتضي المقام ذلك الظهور؛ فهو يوجه التأثير بالفكرة إلى الذهن إذا هاجم الإنكار والجهل، وبالعاطفة إلى النفس إذا عالج الخمود والغفلة، وبالنصوص إلى الذاكرة إذا عارض القوة والسلطة. ولم ير التاريخ المصري بل الشرقي قبل سعد خطيباً بليل اللسان، نديَّ الصوت، طلق البديهة، دامغ الحجة، حافل الخاطر، رائع البيان، أنيق اللهجة، حسن السمت، يزاوج بين المنطق والشعر، ويعاقب بين الإقناع والإمتاع، ويراوح بين الجد والهزل، ويتصرف في فنون القول تصرف الشاعر برقة الأسلوب، والفيلسوف بدقة الفكر، والموسيقي بجمال الإيقاع؛ وكل ذلك في هالة من الشخصية المهيمنة الجذابة، تساعد بلاغة اللسان والعين واليد بشعاع إلهي باهر، ينفذ إلى النفوس المتكبرة فتَتَّضع، وإلى الأذهان المكابرة فتقتنع، وإلى القلوب اللينة فتنماع
كان سعد رجل جلاد وجدل؛ تمرس منذ الحداثة بشدائد الحياة ومكاره العمل، وراض نفسه منذ الدراسة على أدب اللسان والقلم، وتنفّس به العمر في ميادين الجهاد في الحق، فتكلمت عبقريته الموهوبة بالمعرفة، وتثقفت بالتجربة، وتقوت بالمران، حتى كان منه ذلك الخطيب المرتجل الذي يَهْضب بالكلام أربع ساعات متواليات لا يتلكأ، ولا يتلجلج، ولا يتكثر باللغو، ولا يستعين بالتكرار، ولا يطرد نشاط السامع؛ وكأنما كانت الخطابة لطول ما زاولها تصدر عنه كما يصدر الفعل عن الطبع الملازم والعادة المستحكمة؛ فالفكر عميق من غير إعنات، والأسلوب رشيق من غير تكلف، واللفظ متخير من غير قصد، والمعاني متساوقة تختلف باختلاف العقول والميول والحال، فتقع من قلوب سامعيها العشرين ألفاً موقع الأنداء من جفاف الأرض: هذا بالصورة الآخذة، وذاك بالفكرة النافذة، وذلك بالحجة
стр. 9218
الوثيقة، وأولئك جميعاً بالبيان الملهم، والأداء العجيب!
أكثر ما في خطب الخطباء حنجرة وإلقاء وحركة؛ فإذا قرأت بعد ذلك ما سمعت تبينت فيه الكلام الزائف والرأي المجازف والأسلوب المشوش؛ أما سعد فتسمعه وتقرأه فلا تجد بين الحالين إلا الفرق بين الخطيب الماثل بشخصه، والكاتب الماثل بروحه؛ ذلك لأنه يخطب كما يكتب ويكتب كما يخطب، متوخياً في الأمرين براعة التفكير، وبلاغة الأداء، وجمال الأخيلة، وصحة الأقيسة، وقوة الأدلة
كان سعد برد الله ثراه وخلد ذكراه يحب الكلام كما يحب العمل، وينشط بالجلاد كما ينشط بالجدل، ويطرب لِلَفتة الذهن كما يطرب لقهر الخصومة، ويقدس المنطق حتى ليأخذ به من نفسه لعدوه، ويقوى بالكفاح حتى ليركبه المرض والوهن إذا ما استجمَّ
دخلت ذات يوم بيت الأمة في وفد من قومي نجدد الثقة بالرئيس حين انصدع من حوله الوفد، وائتمرت به الحكومة، وتخشَّنَ عليه الإنجليز، ودس له المراءون الغدر في الملق، ولم يبق معه إلا اعتداده بنفسه، واعتقاده بحقه، وثقة الشعب الأعزل به؛ وكان في ذلك اليوم عليلاً لا يخرج إلى أحد ولا يدخل عليه أحد، ولكن الوفد المسافر المشوق يأبى في إلحاح وإصرار إلا أن يرى رئيسه وإن لم ينزل، ويسمعه رأيه وإن لم يتكلم؛ فنزل الزعيم النبيل مدثَّراً بلفائف المرض يتحامل على نفسه ويتهالك على مقعده؛ وكان فناء الدار وشارع الدار وحجرات الدار قد انفجرت انفجار عرفات بالدعاء والتفدية حين لاح وجهه الشاحب من العلة
قدَّم وفدنا إلى الرئيس عرائض الثقة في غلاف حريري جميل، ثم تعاقبت الخطب على الأسماع ما بين سمين وهزيل، والخطيب المعجز جالس إلى مكتبه يصغي إلى كل خطيب ويصفق لكل خطبة، حتى انتهى القوم ووقف هو يقول كلمة الشكر، فبدأها بصوت خافت متهافت، ثم ما لبث أن شبا وجهه، واستقام عوده، وارتفع صوته، وتنوعت لهجته بالنبرات المؤثرة، وتحركت يده الإشارات المبينة، ثم تدفق تدفق السيل الهادر ساعة كاملة هتك فيها أستار الغلول والخديعة عن سياسة الحكومة والخصوم، فما سمع الناس كاليوم خطيباً ينطق عن الوحي، وأسلوباً يتسامى للإعجاز، وصوتاً يمتزج رنينه الفضي بأجزاء النفس، وخطبة لا يظفر بمثلها البيانيون نموذجاً كاملاً للفن!
стр. 9219
تلك صورة جانبية لناحية من نواحي فن الزعيم، جلوناها على قدر هذه الصفحة؛ ولعلنا نعود يوماً إلى هذا الإجمال فنفصله، وإلى هذا التركيب فنحلله
أحمد حسن الزيات
стр. 9220
القومية العربية
للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
كثيراً ما يسألني الذين لم يشهدوا الثورة المصرية - لأنهم كانوا أطفالاً - (هل كانت حقيقة رائعة؟)
فأقول: (لقد بلغت غاية الروعة - في حدودها. ولم يكن في الوسع أن تكون فوق ما كانت؛ ولكنها فشلت - مع الأسف - لأنا أحطنا قوميتنا بمثل سور الصين)
ذلك أني أؤمن بما أسميه (القومية العربية) وأعتقد أن من خطل السياسة وضلال الرأي أن تنفرد كل واحدة من الأمم العربية بسعيها غير عابئة بشقيقاتها، أو ناظرة إليها؛ ويحنقني ويستفزني أن أرى أحداً ينظر إلى مصر كأنها من أوربا وليست من الشرق. وعندي أن الجنسية الشرقية هي أساس حياتنا وتاريخنا، وأن هذه النظرة تفسد مزايانا الشرقية - إذا لم تفقدنا إياها - ولا تكسبنا مزية من مزايا الغرب؛ والعلم ينقل، وقد نقل من الشرق إلى الغرب، ومن اليسير أن ينقل من الغرب إلى الشرق من غير أن يحاول الشرق أن يغيّر جلده أو يخسر خصائصه
وقد اعترض عليّ شاب - ذات مرة - ونحن في حديث كهذا، فقال: (وما الرأي في القومية؟ أليست حقيقة تاريخية تفرّق بين هذه الشعوب والأمم التي تريد أن تجمعها وتربطها برباط واحد؟)
فقلت له: (إن هذه القوميات العنيفة الضيقة الحدود، حديثة من الوجهة التاريخية، وهي - بحدتها الحاضرة - بنت العصر الحديث، أو إذا شئت، فقل إنها وليدة الحرب العظمى، وإن كان صحيحاً أنها سبقت الحرب بنصف قرن تقريباً، بل إن فكرة الإمبراطورية البريطانية نفسها ليست إلا بنت القرن العشرين. ولعل أكبر مسئول عن بث هذه الفكرة هو الشاعر كبلنج. ما علينا من هذا، ولنرجع إلى حديث الشرق: لقد كانت هناك وحدة وثقافة إسلاميتان دان لهما الشرق، أو ما يعنينا منه، وظلت هذه الوحدة قائمة على الرغم من انحطاط الثقافة، ولم يمنعها أن تظل قائمة أنَّ ثورات شبت، وحروباً استعرت، فإن هذه أشبه بالفتن الداخلية والحروب الأهلية؛ وقد كان العلماء والأدباء والفقهاء يرحلون من بلد إلى بلد، ولا يحسون أنهم تركوا أوطانهم وتغرّبوا، ولا يشعرون أنهم اجتازوا حدوداً، وتخطوا تخوماً، تفصل بين
стр. 9221
أقطار، وتعزل أمة عن أمة. ولا يزال الحال كذلك؛ ولو جبتم هذا الشرق لما شعرتم أنكم في غير مصر - إلا من حيث التقدم المادي - وكانت اللغة العربية هي اللسان الذي لا يحتاجون إلى اتخاذ غيره في حيثما يكونون من هذا الشرق العظيم الذي تقسمونه اليوم أمماً وشعوباً وتقولون هذا مصري وذاك فلسطيني أو شامي أو حجازي. وعلى أن القومية هي اللغة لا سواها. ولتكن طبيعة البلاد ما يشاء الله أن تكون، ولتكن الأصول البعيدة المتغلغلة في القدم ما شاءت، فما دام أن أقواماً لهم لغة واحدة فهم شعب واحد. ذلك أن الإنسان لا يستطيع أن يفكر - إلى الآن على الأقل - إلا بالألفاظ. هي وحدها أداة التفكير، فلا سبيل إليه بدونها؛ ومن المستحيل - الآن - أن نتمثل معنى مجرداً عن ألفاظ تعيّنه. ولكل لغة أساليبها وطرائقها، فأساليب التفكير وطريقة التصوّر خاضعة للأساليب التي يتألف على مقتضاها الكلام في اللغات المختلفة؛ ومن هنا يتفق ويتشابه أبناء كل لغة، ويختلفون عن أبناء كل لغة أخرى؛ وهذا فرق ما بين الإنكليزي والفرنسي، وما بين الإنكليزي والهندي؛ وهذه فيما أظن، حقيقة علمية، ومتى كان الأمر كذلك فكيف نكون إلا عرباً كالعراقيين، والسوريين، والفلسطينيين، والحجازيين، واليمانيين، مع اختلاف يسير تحدثه طبائع هذه البلاد؟)
فعاد الشاب يسألني: (وأصلنا المصري؟ وتاريخ الفراعنة ومدنيتهم؟)
فقلت له: (أكرم بهذا من أصل! وإنها لمدينة باهرة تلك التي كانت للفراعنة؛ وإن العالم كله لمدين بأكثر مما يعرف لهذه الحضارة القديمة، ولكنها بادت واندثرت، ولم يبق منها إلا الأثر المدفون في التراب، والذي لا يمكن أن يؤثر في حياتنا الحاضرة إلا من طريق واحد - هو إشعارنا العزة، وحثنا على استحقاق هذا الميراث الجليل، كما يكون الأب كريماً فيخجل الابن أن يكون كزاً لئيماً وأن يفعل ما ينافي كرم آبائه وطيب أرومتهم؛ ولكن المدينة العربية - أو قل الإسلامية إذا شئت - لم تفن، ولم تبد، ولم تندثر، ولم تفقد إلا القوة ومظاهر السلطان، وهذه تكتسب وتستفاد؛ ولكنها فيما عدا ذلك، بقيت حية، وأبقى ما بقي منها لغتها بكنوزها المختلفة، فهي - أي المدنية العربية - عاملٌ مؤثرٌ بوجوده - لا بذكراه كالعامل الفرعوني. ومن الممكن هدم هذه الحواجز المفتعلة التي يقيمها الغرب ويرفع منها سدوداً بيننا وبين إخواننا)
стр. 9222
وكثير ممن أحدثهم هذا الحديث يقتنعون، ولكنهم يرون أنفسهم شباناً، ويستهولون أن يوكل إلى أسنانهم الغضة توثيق ما أوهنه تفريط الشيوخ أو ضيق إدراكهم، ولكني أنا أؤمن بقدرة الشباب على المعجزات، لأن خياله أنشط، وجرأته أعظم وعزيمته جديدة لم تنل منها الخطوب والخيبات، وآماله فسيحة. وإذا كان الشباب لا يقدم، فمن ذا عساه يفعل؟؟
ولو أن هذه القومية العربية لم تكن إلا وهماً لا سند له من حقائق الحياة والتاريخ، لوجب أن نخلقها خلقاً، فما للأمم الصغيرة أمل في حياة مأمونة، وما خير مليون من الناس مثلاً؟ ماذا يسعهم في دنيا تموج دولها بالخلق، وكيف يدخل في طوقهم أن يحملوا حقيقتهم ويذودوا عن حوضهم؟ إن أية دولة تتاح لها الفرصة تستطيع أن تثب عليهم وتأكلهم أكلاً بلحمهم وعظمهم. ولكن مليون فلسطين إذا أضيف إليهم مليونا الشام وملايين مصر والعراق مثلاً يصبحون شيئاً له بأس يتقى. وهذه البلاد ما انفكت زراعية على الأكثر، وجل اعتمادها على حاصلات الأرض، والصناعة فيها ساذجة محدودة، وضيقة النطاق، والزراعة لا تفني الأمم كما تفنيها الصناعة، والمال عصب الحياة وسر القوة، وأخلق بهذه الأقطار العربية أن تظل صناعاتها ضئيلة ما بقيت هي مقسمة موزعة، لأنه لا يوافق الدول الغربية التي لها فيها سلطان أو نفوذ أن تدع صناعاتها تنشط وتنهض، ولا سبيل إلى نشاطها إلا إذا فتحت أسواق مصر، لجاراتها الشرقية، وأسواق الجارات لمصر، ومعقول أن تشتري منا دول أوربا حاصلاتنا الزراعية أو ما يزيد على حاجتنا منها، ولكن صناعتنا لا يعقل أن تجد لها أسواقاً في أوربا، فما بها حاجة إلى ما نصنع بالغاً ما بلغ التجويد فيه، وإنما يتسع الميدان لصناعتنا إذا وجدت سبيلها إلى الشرق، ومثل هذا يقال عن البلاد العربية الشرقية
قد يقال ولكن هذا ليس إلا حلماً، فنقول نعم إنه الآن حلم، لا أكثر، ولعله لا يتراءى إلا لآحاد يعدون على الأصابع في كل بلد، وعسى أن تكون العقبات المعترضة والصعاب القائمة قد صرفت كثيرين عنه بعد أن دار زمناً في نفوسهم، ولكنه، على كونه حلماً، ليس أعز ولا أبعد منالاً مما تحلم به أمم أخرى في هذا العصر؛ وبالأمم حاجة إلى الأحلام، وإلى الإلحاح على نفسها بها حتى تخلد إليها وتتعلق بها ولا تعود ترى للحياة قيمة أو معنى إذا لم تسع لتحقيقها، وإلا فلأية غاية تسعى؟؟ ماذا تطلب من الدنيا؟ وماذا عسى أن يكون مرامها في الحياة إذا لم تحلم بأمل؟ أيكون كل ما تبغي أن تأكل هنيئاً، وتشرب مريئاً، وتنام ملء
стр. 9223
جفونها؟؟ وهيهات أن يتيسر لها ذلك إذا هي أقصرت وكفت عن الأحلام والتأميل وما يغريان به من السعي، وغيرنا يحلم بنا إذا كنا نحن لا نحلم بشيء، وحقيق بنا إذا سلمنا إلى حين أن نعود فريسة لأمة من الأمم الطامعة الحالمة
والأحلام ضرورة من ضروريات الحياة، للأفراد والجماعات وبغيرها يمتنع السعي وتنقطع الحوافز، وتركد الدنيا ويأسن العيش، ومن لا حلم له، لا أمل له، ولا مستقبل، فلما يعيش إذن؟
إبراهيم عبد القادر المازني
стр. 9224
مصر وقت الفتح الفاطمي والعوامل التي مهدت لهذا
الفتح
للأستاذ محمد عبد الله عنان
تتمة
- ٣ -
كانت الدولة الفاطمية تضطرم بهذا الروح الوثاب، وهذه الخلال البدوية النقية حينما اعتزم المعز لدين الله فتح مصر، وكانت هذه الروح والخلال هي دعامة الدولة الجديدة؛ نشأت في مهدها، كما تنشأ معظم الدول المغامرة التي تجد في قفار المغرب خير ميدان لطالعها ونشاطها. وكانت هذه الإسبارطية الصارمة تطبع تصرفات الغزاة منذ البداية؛ وبينما كان أبو عبد الله الشيعي داعية الفاطميين وطليعة دولتهم يزحف بعصبته من البربر على بني الأغلب لينتزع ملكهم، كان زيادة الله بن الأغلب مكباً على لهوه ومسراته، ولم يك ثمة شك في مصير ملك يغشاه مثل هذا الانحلال في الروح وفي الخلال؛ ولما تم الظفر لأبي عبد الله ودخل رقادة عاصمة الأغالبة، واحتوى على تراث بني الأغلب، عرضت عليه جواري ابن الأغلب وفيهن عدة فائقات الحسن، فلم ينظر إلى واحدة منهن، وأمر لهن بما يصلح شأنهن وأقام على ما كان عليه من تقشف بالغ وخشونة في المأكل والملبس، ولم تزد إقامته في القصر الأنيق على إقامة القفر الساذج
ولما اعتزم المعز أن يحقق أمنية أسرته في افتتاح مصر، استعد لذلك استعداداً عظيماً، وحشد كل ما استطاع من جند وذخيرة ومال، وعهد بتلك الحملة الزاخرة إلى أعظم قواده جوهر الصقلي؛ ومع أن المعز كان قوي الأمل في التغلب على مصر، ومع أنه كان يعرف من طلائعه وعيونه مبلغ ما انتهت إليه من التفكك والضعف عقب موت كافور، فإنه لم يدخر عدة في الرجال أو المال، وإليك رواية توضح لنا ضخامة هذه الأهبة: استدعى المعز يوماً أبا جعفر حسين بن مهذب متولي بيت المال، وهو في وسط القصر، وقد جلس على صندوق وبين يديه ألوف صناديق مبددة، فقال له: هذه صناديق مال، وقد شذ عني ترتيبها، قال الحسين، فأخذت أجمعها حتى رتبت، وبين يديه جماعة من خدام بيت المال والفراشين،
стр. 9225
فلما رتبت أمر برفعها في الخزائن على ترتيبها، وأن يغلق عليها ويختم بخاتمه، وقال: قد خرجت عن خاتمنا وصارت إليك، فكانت جملتها أربعة وعشرين ألف ألف دينار، وكان ذلك في سنة ٣٥٧هـ؛ فأنفقت جميعها على الحملة التي سيرها إلى مصر؛ ويقال إن الحملة الفاطمية على مصر بلغت نيفاً ومائة ألف فارس، غير الجند المشاة، وهي قوة زاخرة تقتضي لكي تقطع هذا القفر الشاسع بين إفريقية ومصر بعددها وعددها جهوداً جبارة؛ ولقد أذكى منظر تلك القوى الجرارة وأهبتها الهائلة وقت خروجها من القيروان إلى مصر في يوم من أيام ربيع الأول سنة ٣٥٨هـ خيال الشاعر المعاصر ابن هانئ، فأنشد في وصفها:
رأيت بعيني فوق ما كنت أسمع … وقد راعني يوم من الحشر أروع
غداة كأن الأفق سد بمثله … فعاد غروب الشمس من حيث تطلع
فلم أدر إذ ودعت كيف أودع … ولم أدر إذ شيعت كيف أشيع
إلا أن هذا حشد من لم يذق له … غرار الكرى جفن ولا بات يهجع
إذا حل في أرض بناها مدائناً … وإن سار عن أرض غدت وهي بلقع
تحل بيوت المال حيث محله … وجم العطايا والرواق المرفع
وكبرت الفرسان لله إذ بدا … وظل السلاح المنتضى يتقعقع
وعب عباب الموكب الفخم حوله … ورق كما رقَّ الصباح الملمع
فإن يك في مصر ظماء لمورد … فقد جاءهم نيل سوى النيل يهرع
ولم تمض أسابيع قلائل حتى سرت الأنباء في مصر بمقدم العساكر الفاطمية؛ ولم يكن مشروع الفاطميين في فتح مصر مجهولاً؛ وكان للمعز بمصرَ دعاة يبثون دعوته خفية، ويبشرون بالفتح الفاطمي. ولم يك ثمة ما تخشاه الأمة المصرية من هذا الفتح، خصوصاً بعد الذي شهدته من عسف الجند العباسيين، وطغيان الولاة المستعربين، وما انتهت إليه شؤونها في أواخر عهد الدولة الأخشيدية من الاضطراب والفوضى، وما توالى عليها من محن الغلاء والوباء؛ ولقد كان من سخرية القدر أن يتولى حكم مصر أسود خصي هو كافور؛ وكان لهذا الحادث الفذ في تاريخ مصر الإسلامية، بلا ريب، وقع عميق في جرح الشعور القومي؛ وكانت الدولة الفاطمية تجذب إليها الأنظار بقوتها وغناها؛ وكان سواد الشعب المفكر يؤثر الانضواء تحت لواء دولة قوية فتية، تستظل بلواء الإمامة الإسلامية
стр. 9226
كالدولة الفاطمية، على الاستمرار في معاناة هذه الفوضى السياسية والاجتماعية؛ وهكذا ألفى الفاطميون حين مقدمهم إلى مصر، جواً ممهداً يبشر بتحقيق الفتح المنشود على خير الوجوه
ولما ذاعت الأنباء بوصول العساكر الفاطمية إلى الأراضي المصرية، اشتد الاضطراب في مصر، وكثر الخلاف في الرأي، فرأى جماعة من الزعماء والجند من أنصار بني الأخشيد وكافور أن يحاولوا رد الغزاة بقوة السيف، وأخذوا يتأهبون للقتال؛ ولكن معظم الزعماء المصريين آثروا مهادنة الفاتحين والتفاهم معهم، وقر رأيهم على أن يتقدموا إلى جوهر بطلب الأمان والصلح، واتفقوا مع الوزير جعفر بن الفرات على أن يتولى تلك المهمة؛ وسألوا أبا جعفر مسلم بن عبد الله الحسيني أن يكون سفيرهم فأجابهم إلى ذلك؛ وسار على رأس جماعة من وجوه مصر إلى لقاء جوهر، فلقيه على مقربة من الإسكندرية، في قرية تعرف بأتروجه؛ (أواخر رجب سنة ٣٥٨) فاغتبط جوهر بمقدمهم وأجابهم إلى ما طلبوا؛ وكتب لهم أماناً يعتبر وثيقة هامة في الكشف عن غايات السياسة الفاطمية وأصولها المذهبية؛ وفيه ينوه بمزايا الحماية الفاطمية على مصر (بعد أن تخطفتها الأيدي واستطال عليها المستذل؛ الممعنة نفسه بالاقتدار عليها، وأسر من فيها، والاحتواء على نعمها وأموالها، حسبما فعله في غيرها من بلدان المشرق) وأن أمير المؤمنين بادر بتسيير الجيوش المظفرة لمجاهدته وحماية المسلمين ببلدان المشرق مما شملهم من الذل واكتنفهم من المصائب والرزايا، ثم يشير جوهر إلى ما تطرق إلى شؤون الحكم من فساد وإلى ما يعانيه الشعب من مظالم ومتاعب، وإلى ما يزمعه أمير المؤمنين من إقامة العدل وتأييد الشريعة وإصلاح المرافق والشؤون، ويختتم ببيان بعض الأحكام الشرعية الفاطمية وتوكيد الطاعة لأمير المؤمنين
وفي هذا الأمان الذي أصدره جوهر لأهل مصر إشارة ظاهرة إلى خطر القرامطة الذين كانوا قد اجتاحوا الشام يومئذ، وأخذوا يهددون مصر؛ وقد كان الخطر حقيقياً لا ريب فيه، ولو لم يبادر الفاطميون إلى احتلال مصر، لسقطت قبل بعيد فريسة هينة في يد أولئك الغزاة السفاكين؛ بل لم يمض على وجود الفاطميين بمصر زهاء عامين حتى اضطروا إلى لقاء القرامطة في أرض مصر ذاتها ولم يردوهم عنها إلا بعد جهد جهيد
стр. 9227
على أن جوهراً اضطر مع ذلك إلى خوض بعض المعارك قبل أن يفتتح مصر. ذلك أن فلول الأخشيدية والكافورية ومن والاهم من الجند لم يقبلوا الأمان وآثروا أن يقوموا بمحاولة أخيرة للدفاع عن سلطانهم الذاهب؛ فاختاروا لهم أميراً، واحتشدوا لقتال جوهر بالجيزة؛ ولما وصل الجيش الفاطمي إلى الجيزة ألفى القوى الخصيمة تتهيأ لرده عن عبور النيل، فدفع جوهر بعض قواته فاجتازت النيل خوضاً، ونشب القتال بين الفريقين، فانهزم الأخشيدية بعد أن قتل منهم عدد كبير، ولاذوا بالفرار وتم الفتح الفاطمي لمصر (منتصف شعبان سنة ٣٥٨)
واستجاب جوهر إلى رغبة المصريين كرة أخرى، فجدد لهم الأمان؛ وذهب الوزير ابن الفرات، والشريف أبو جعفر إلى لقائه على رأس العلماء والكبراء؛ وسار جوهر في ركبه المظفر إلى عاصمة مصر في عصر يوم الثلاثاء ١٧ شعبان سنة ٣٥٨هـ (٧ يوليه سنة ٩٦٠م) (وعليه ثوب ديباج مثقل، وتحته فرس أصفر)؛ وشق مدينة مصر (الفسطاط) ونزل في المكان الذي غدا فيما بعد مدينة القاهرة، واختط العاصمة الجديدة في نفس الليلة إيذاناً بقيام الدولة الجديدة، وبعث البشرى إلى مولاه المعز بالفتح العظيم، فوصلته في منتصف رمضان، وأنشد ابن هانئ بهذه المناسبة قصيدة مطلعها:
يقول بنو العباس قد فتحت مصر … فقل لبني العباس قد قضي الأمر
وقد جاوز الإسكندرية جوهر … تصاحبه البشرى ويقدمه النصر
- ٤ -
وقامت القاهرة عاصمة الدولة الجديدة بسرعة، وأعدت بقصورها ومسجدها (الجامع الأزهر) لتكون منزلاً ملوكياً لبني عبيد وعاصمة للخلافة الفاطمية، وبدأ الحكم الفاطمي بمصر على يد مبعوث الخليفة الفاطمي وقائده جوهر؛ وكان خطر القرامطة الذي أشار إليه جوهر في رسالته لأهل مصر يشتد ويتفاقم، ويهدد مصر بالويل والدمار، وملك الفاطميين بالفناء العاجل. وقد زحف القرامطة على مصر بالفعل في أوائل سنة ٣٦١هـ بقيادة زعيمهم الحسن الأعصم، ونشبت بينهم وبين الجيوش الفاطمية بقيادة جوهر، معارك هائلة في ظاهر الخندق (على مقربة من القاهرة) انتهت بهزيمتهم وارتدادهم نحو الشام. ولما رأى المعز أن ملكه الجديد قد توطد بمصر، سار من أفريقية إلى مصر بأهله وأمواله في
стр. 9228
ركب هائل تفيض الرواية المعاصرة في وصف ضخامته وروعته، فوصل إلى الإسكندرية من طريق برقة، في ٢٤ شعبان سنة ٣٦٢؛ وهرع وفد من أكابر المصريين للقائه وتحيته عند المنارة، فقال لهم (إنه لم يسر إلى مصر لازدياد في الملك أو المال، وإنما سار رغبة في الجهاد ونصرة المسلمين وإقامة الحق والسنة). ودخل المعز القاهرة، عاصمته الجديدة في أوائل رمضان، ولما وصل إلى قصره خر ساجداً في مجلسه شكراً لله، ثم صلى ركعتين، وصلى بصلاته كل من دخل؛ وسطعت في الحال آيات من عظمة الملك الجديد
وبذا استقرت الخلافة الفاطمية في مصر، وبدأت زعامتها الدينية في المشرق؛ وكانت الإمامة الدينية أخص الصفات التي تبدو بها الخلافة الجديدة، وكان المعز لدين اله يحرص جد الحرص على صفة الإمامة ورسومها؛ بيد أن الفاطميين قدموا إلى مصر يحيط بنسبتهم وإمامتهم نفس الريب الذي أحاط بهما منذ قيام دولتهم في المغرب؛ وقد أثيرت هذه المسألة عند مقدم المعز إذ اجتمع به جماعة من الأشراف العلويين الذين ينتسبون إلى علي وفاطمة، فسأله الشريف عبد الله بن طباطبا عن نسبه، فأجابه المعز أنه سيعقد مجلساً ويتلو عليهم نسبه. ثم عقد المعز مجلسه بالقصر ودعا إليه الكبراء، وسل نصف سيفه من غمده وقال لهم هذا نسبي؛ ونثر عليهم ذهباً كثيراً، وقال هذا حسبي؛ فقالوا جميعاً سمعنا وأطعنا!، وفي ذلك ما يدل على اعتداد الدولة الجديدة بقوتها وجاهها، قبل اعتمادها على إمامتها وهيبة انتسابها لآل البيت، وإن كانت قد اتخذت الإمامة شعارها لدى الكافة منذ الساعة الأولى، وأقامت ملكها السياسي على أسس دعوتها الدينية
وكان عهد المعز بمصر عهد توطيد ودفاع عن الملك الفتي. وكان خطر القرامطة لا يزال جاثماً في الأفق ينذر دولة الفاطميين الجديدة بالمحو والفناء. ولم يمض بعيد حتى غزا القرامطة دمشق وانتزعوها من يد حاكمها الفاطمي. ثم زحفوا على مصر بقيادة الحسن الأعصم كرة أخرى، فلقيتهم جيوش المعز على مقربة من بلبيس في أواخر سنة ٣٦٣هـ وأوقعت بهم هزيمة فادحة. بيد أنها لم تكن خاتمة النضال؛ فقد لبث المعز حتى وفاته في معارك مستمرة في الشأم مع القرامطة والروم؛ بيد أنه أتيح له قبيل وفاته أن يشهد ظفره؛ ولم يغادر هذه الحياة، (في ربيع الثاني سنة ٣٦٥) حتى كانت الخلافة الفاطمية تبسط سلطانها وإمامتها على المغرب ومصر والشأم والحرمين
стр. 9229
(تم البحث)
(النقل ممنوع)
محمد عبد الله عنان
стр. 9230
٣ - فريزر ودراسة الخرافة
الزواج
للدكتور إبراهيم بيومي مدكور
قد لا تكون الخرافة استولت على أية ظاهرة اجتماعية استيلاءها على الزواج وشؤونه؛ فرفعت قدره، ودعت الناس أليه، وحددت قيوده، ونظمت ما يحيط به من طقوس ورسوم؛ فلا يكاد المرء يفكر في أن يتزوج حتى تتسرب الخرافة مسرعة إلى تفكيره هذا، محاولة أن تعين له الزوجة التي تليق به، وباحثة عما إذا كان نجمها يتفق مع نجمه، وطالعها يتلاءم مع طالعه. وكثيراً ما أحيطت حفلات العقد والزفاف برقي وتعاويذ أملتها الخرافة وأحكمت وضعها. وبين ظهرانينا من هذه الخرافات الشيء الكثير؛ (فالتبييته)، وحساب الطالع، وقراءة الكف، (وضرب الرمل)، ترمي غالباً إلى اختيار الزوجة الصالحة والشريكة الملائمة في الحياة الأسرية؛ وإذا ما قر رأي الشاب والشابة على الزواج أسبغت عليهما الأحراز والتمائم التي تقيمها الساحر وضره والحاسد وشره. فتارة يكتب لهما بالألفة والمودة، وأخرى يحصنان مما يوقع بينهما الشحناء والبغضة. ولم تتعفف الخرافة عن التدخل في العلاقات الجنسية بين المرء وزوجه فتثيرها وتنشطها، أو تقف في طريقها وتقضي عليها. وكلنا يعرف خرافة (الحل والربط) السائدة في قرانا، والتي كانت ولا تزال مصدر رزق لجماعة السحرة والدجالين، وباب شر دائم وألم مستمر للزوجين ومن يتصل بهما من أهل وأصدقاء. طغت الخرافة كذلك على الأسرة المكونة فسولت لبعض الناس أنها قادرة على أن ترد العاقر ولوداً، وتسلب أم الأولاد نسلها وتقضي عليها بالحرمان والعقم
لم يعن فريزر في كتابه (محامي الشيطان) بدراسة هذه الخرافات المتعددة؛ وإنما تفرغ لإيضاح نقطة واحدة هي موضوع كلمة اليوم. وتتلخص في أن الخرافة غرست في القلوب حب الحياة الزوجية وتقديسها، وحملت الناس على احترام القواعد الخلقية والقوانين الجمعية الخاصة بالعلاقات الجنسية بين العزب والمتزوجين. ذلك أنها أثارت على الزنا والفسق حرباً شعواء وصورتهما في أقبح صورة ممكنة، فأبعدت الناس عنهما بقدر ما قربتهم من الحياة الأسرية المنظمة. فالزنا واللواط وكل اختلاط جنسي غير مشروع كانت ولا تزال لدى كثير من القبائل الهمجية من أفحش الخطايا الخلقية التي لا يقع إثمها على
стр. 9231
مرتكبيها وذويهم فحسب، بل يتعداهم إلى الطبيعة فيقلب نظامها، وإلى الآلهة فيثير سخطها وغضبها. وربما أدت فعلة من هذه الفعال السيئة إلى هلاك الحرث والنسل، وموت الزرع، ويبس الضرع، وسقوط المطر، والرعد والبرق، ونزول الصواعق التي لا تبقي ولا تذر. ذلك أضحى الزنا وتوابعه جريمة شعبية تهدد المجتمع بأسره وتعدو عليه في أهم عناصر حياته من غذاء وماء وأمن وعافية
يزعم سكان برمانيا من أعمال الهند الصينية أن الزنا ذو أثر سيئ على الحاصلات المختلفة. فإذا ساء المحصول في قرية من القرى أو انقطع عنها المطر عاماً أو عامين متتاليين اعتقد الناس أن ذلك راجع إلى ارتكاب الفحشاء التي أغضبت الآلهة. وإذا وقف البرمانيون على حادثة من حوادث الزنا ألزموا الجناة بشراء خنزير صغير يكون في سكب دمه ما يغسل خطيئتهم الشنعاء؛ وقد جرت عادة المتقرب أن يبتهل إلى الله حين يقدم قربانه قائلاً: (إله الأرض والسماء والجبال والهضاب، قد أجدبت الأرض من أجلي، فلا تنزل عليَّ جام غضبك ونذير سخطك، وارأف بي وارحمني. هأنذا أصلح الجبال وأسوي الهضاب وأحفر الأرض وأشق الأنهار، فاللهم رد إلينا الحصَل المفقود، ولا تضيع علينا أي مجهود، وأخصب أرضنا، ونم زرعنا)
ويعتقد كذلك كثير من برابرة أفريقية الغربية أن الآلهة تعاقب بالجوع والخوف والقحط والجدب كل جماعة انتهك فيها عرض إذا اعتدي على محرم. ويروى أنه سنة ١٨٩٨م انقطع المطر عن هذه الجهات زمناً طويلاً، فجفت الذرة، واحترقت أوراق البطاطس والنباتات الأخرى. فهرع الأهلون إلى قسسهم يرجونهم أن يستكشفوا سر هذا السخط العظيم. وبعد تضرع طويل وابتهال خالص تبين هؤلاء القسس أن آلهة السماء غاضبة على سكان الأرض لسوء سلوكهم. فجمع كل رئيس أتباعه، وأرسل فيهم العيون والأرصاد للبحث عن أصل هذه الجناية الكبرى. وقد أدى البحث الدقيق إلى إثبات أن ثلاث فتيات أبحن أعراضهن وأكلن بأثدائهن؛ وما إن همت القبائل بمعاقبتهن حتى نزل المطر مدراراً! ويزعم كثير من متوحشي سومطرة أن الزنا مجلبة للطاعون والأمراض المهلكة واعتداء الحيوانات المفترسة أمثال النمر والتمساح. وعلى الجملة فمعظم القبائل الهمجية الباقية إلى اليوم يعتقد أن كل اعتداء على العرض أو مخالفة لقوانين الزواج مصدر عقوبات سماوية
стр. 9232
كثيرة أخصها انقطاع المطر وجفاف الأرض ونقص الزرع
وليست هذه المعتقدات بمقصورة على القبائل المتوحشة، بل إن لها أثراً لدى بعض الشعوب المتمدينة. فالإغريق مثلاً يؤمنون ببعضها ويفسحون للخرافة المجال في العاقات الجنسية كما أفسحوا لها في شؤونهم الاجتماعية الأخرى. يروي سوفوكل أن بلاد تيبان أصيبت بالجدب والطاعون تحت حكم أوديب الملك الذي قتل عفواً أباه وتزوج أمه. فأصبحت القرى والحقول قفراء، وأضحى كثير من المدن خراباً يباباً. وأعلن وحي (دلف) أن لا سبيل لرفع هذه الطامة ورد الحياة إلى هذه الأرض الموات إلا بطرد المجرم. وفي شرائع بني إسرائيل ما يؤذن بأن ارتكاب الفحشاء يغير نظام الطبيعة، ويبدل سنة الله في خلقه. يقول أيوب: (الزنا جريمة شنعاء، وخطيئة تستوجب قصاصاً لا مفر منه وناراً تأكل الشحم واللحم وتقضي على الحاصلات كلها). وفي القرن الثالث الميلادي لم تؤت الحقول الأرلندية أكلها، فيما يزعمون، لأن أحد الملوك تزوج بأخته. وما لنا نذهب بعيداً وكثير منا يعتقد أن مرور الزاني بحقل أو وقوفه في بيدر يؤذي ثمره وينقص غلته ويذهب ببركته
أما أخطار الزنا المباشرة وأثره السيئ في مرتكبيه أنفسهم، فيكاد يسلم بها في مختلف الجمعيات الإنسانية. وكثيراً ما علل فقر الرجل وفشله في صناعته أو زراعته بفجوره وفسقه. وإذا أصاب المرء أمر أو حل به حادث، ظن الناس أن في هذا انتقاماً منه لجرم اقترفه أو عرض انتهكه. والأمثلة في هذا الباب كثيرة سواء لدى القبائل الهمجية أم في الأمم المتمدينة؛ وسنكتفي بعرض بعضها. فبدو روديسيا يلعنون كل امرأة تموت أثناء وضعها، ويتهمونها بالفجور والفسق وقتل روح بريئة لا إثم لها. وتزعم طائفة من سكان أفريقية الشرقية أن الطفل الذي يعدو على زوج أبيه يصاب بعاهة دائمة. وتقول طائفة أخرى إن المرأة تموت إن أتى زوجها الفاحشة أثناء حملها؛ وإذا لمس أب ابنه الصغير صبيحة ارتكابه المنكر مرض ولده على الأثر. وحدث مرة أن مات ثلاثة أخوة في فترة قصيرة، فاتهمت أمهم بالزنا مع رحم محرم. ويعتقد كثير من القبائل الهمجية أن خيانة الزوجة سبب محقق لفشل الزوج في صيده ورحلاته وحروبه؛ وربما أدى ذلك إلى موته. لهذا اعتاد كثير من الهنود، إن خرجوا إلى الحرب، أن يجمعوا نساءهم في صعيد واحد كي ترقب إحداهن الأخرى
стр. 9233
فواضح إذن أن الزنا وما اتصل به، في نظر كثير من الشعوب البائدة والحاضرة، خطر يهدد الفرد والأسرة والجماعة؛ فليس شره مقصوراً على مرتكبيه وحدهم، بل يتعداهم إلى القبيلة جميعها والشعب بأسره؛ هو جناية عامة وجريمة شعبية تصيب الأمة في أموالها وأرواحها. لذلك قسا الناس في محاربته وأنزلوا بالزناة أشد العذاب. وإذا صح أن نقيس الجريمة بما قدر لها من قصاص، استطعنا أن نقول إن الزنا من أشنع الجرائم التي عرفها الإنسان، إن لم يكن أشنعها. وهذه القسوة الزائدة في مطاردة الزنا والزناة سهلة التعليل؛ فإن المسألة مسألة حياة وموت، مسألة دفاع عن مجتمع مهدد في أعز شيء لديه، فهو مدفوع بطبيعته إلى أن يحارب من يحاول الاعتداء عليه
ومن هنا كانت العقوبات الصارمة التي أنزلتها الأمم والشرائع المختلفة بكل من استباح عرضاً أو جنى على عفاف امرأة. فقوانين (ماني) تقضي بأن ترسل على الزانية كلاب تنهشها جهرة تحت سمع الجمهور وبصره، وعلى الزاني بأن يوضع فوق حديدة محماة يقلى بها قلياً. وتعاقب قوانين حامورابي الزناة بالشنق والإغراق؛ وقد كان بنو إسرائيل يحكمون على الزاني غير المحصن بالرجم، وعلى المحصن بالقتل. ولا تزال بعض القبائل الهمجية تطبق هذه العقوبات على الزناة في غير ما شفقة. ففي أفريقية الوسطى يجلد الزاني وتهاجم حقوله ومنازله ويسلب ماله. وإذا تبين أحد الأحباش أن أخته أو ابنته ارتكبت الفاحشة قتلها جهرة وقتل عشيقها معها. ولدى الهوثيثوت قانون مشهور يحكم على الزناة بالقتل ضرباً بعصا غليظة. وقد اعتاد سكان الهند الشرقية أن يرموا الزناة في عرض النهر بعد أن يثقلوهم بالحجارة، فإذا استطاع أحدهم النجاة عفي عنه، وفي سومطرة يوأد الزاني ويقبر حياً
وهناك نوع خاص من الفحشاء اشتد هوله فقست الجمعية في محاربته، وهو ما كان بين أفراد الأسرة القريبين كالرجل وزوجة ابنه، والمرأة وأب زوجها. ولكي يُدرأ خطر هذا المنكر وضعت في سبيله عقبات تحول دون وقوعه؛ وهذا هو السر في أن القبائل الهمجية تباعد بين الأقارب الأقربين، في حين أنها لا تجد غضاضة في أن يختلط الأجانب بعضهم ببعض، فجماعة البنتو في أفريقية الوسطى لا يسمحون مطلقاً للرجل بأن يتناول طعام العشاء مع حماته، ولا للمرأة بأن تتعشى مع حميها منفردين، ومن الجرم أن يرى رجل
стр. 9234
حماته تأكل؛ وعليه أن يكفر عن هذا بمختلف القرابين، وليس له أن ينعم النظر فيها، وإذا خاطبها وجب عليه أن يطأطئ رأسه ويغض من طرفه، وإن صادفها على غرة أفسح لها الطريق، وسارع إلى الغابة مختفياً كي لا تراه ولا يراها تماماً. وأغرب من هذا أن أهل سومطرة لا يبيحون للرجل أن يأكل مع صهره عاري الوجه؛ وإذا رأى صهره فمه مفتوحاً أحس بخجل عظيم، وتوارى في الغابات المجاورة، فهذه العادات والتقاليد الغريبة يفسرها شيء واحد، وهو أن هذه القبائل تحول دون أي اختلاط يكون وراءه معصية الأقارب الأقربين
نرى بعد الذي تقدم أن الخرافة صورت الزنا والفسق بصورة شنعاء لدى كثير من الشعوب قديمها وحديثها، وأبرزتهما في مظهر عاملين خطرين من عوامل القضاء على الفرد والأسرة والجماعة، وبذا استطاعت إلى حد كبير محاربتها والقضاء عليهما. وإذا كانت الجمعية تنظر بعين السخط والمقت إلى كل اختلاط جنسي غير مشروع، فإنها تدفع الأفراد تبعاً إلى احترام الزواج والخضوع لقيوده. وكل رأي أو عقيدة أو تشريع يحارب الإباحية هو في الوقت نفسه سلاح قوي لتثبيت دعائم الحياة الأسرية.
(لها بقية)
إبراهيم بيومي مدكور
دكتور في الآداب والفلسفة
стр. 9235
البدر الحسني
محدث ولغوي أيضاً
للأستاذ عبد القادر المغربي
عضو مجمع اللغة العربية الملكي
وهي الكلمة التي ألقاها الأستاذ المغربي رئيس المجمع العلمي في الحفلة الكبرى التي أقيمت على ذكر المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني والد فخامة الشيخ تاج الدين رئيس الوزارة السورية، وذلك في يوم الثلاثاء ١٣ من أغسطس سنة ١٩٣٥، وقد أقيمت الحفلة في مدرج الجامعة السورية
شيخُنا البدر، أشبه ما يكون بالبحر: فهو من أيّ النواحي أتيته وجدت علماً وفضلاً، ووجدتَ ورعاً وتقوى، ووجدت من جميل خصاله ومستحبّ أخباره مجالاً للقول، وموضعاً للعظة، وموضوعات للبحث
لكنني لضيقِ الموقت سأقتصرُ من ترجمة حياته على وصف طريقتنا في الدروس التي أخذناها عنه، تعرفون منها أنه كان ﵀ نسخة طبق الأصل عن رجال سلفنا الصالح في وَرَعهم وتقواهم ووقوفهم عند حدود الشريعة
في شهر ذي الحجة سنة ألف وثلثمائة وأربع وثلاثين بدأت بقراءة صحيح مسلم على شيخنا ﵀ في دار الحديث الأشرفية، وشاركني في هذه الدراسة قليلً من الإخوان، حتى إذا أتممت صحيح مسلم وشرعت في سنن الترمذي ازدحم علماء دمشق وفضلاؤها على غرفة الدرس؛ وكنت عدا ضبط الأحاديث والتعليق عليها، ألتقط من فم شيخنا بالمناسبة فوائد تتعلق بعلم الحديث، من ذلك قوله:
- كلُّ حديث فيه لفظ (الحميراء) مثل حديث (خذوا ثلثي دينكم عن هذه الحميراء) يعنون عائشة ﵂ فهو دليلٌ على ضعفه
- حديث (توسّلوا بجاهي الخ): قال شيخنا اشتهر على الألسنة وهو غيرُ صحيح
- حديث: إن جبريل كان يدسُّ الطين في فم فرعون كي لا ينطق بالشهادتين استبعدته أنا، وأقرني الشيخ قائلاً: (الله أعلم بصحة هذا الحديث)
стр. 9236
- وسمعته مرة يروي عنه ﷺ أنه قال: (أُلهُو والعبوا فإني أكره أن أرى في دينكم غلظة) وبديهيُّ أن المراد باللهو واللعب المباحان شرعاً
وبمناسبة حديث الأمَةِ التي سألها النبي ﷺ : أين ربك يا جارية؟ فأشارت إلى السماء - قال الشيخ: (مرّ عيسى ﵇ برجلٍ يصلي وصنعته عمل البراذع وهو يقول في سجوده: (دُلَّني يا ربّ على حمارك لأصنع له برذعه من ذهب) فاعترضه عيسى. فأوحى الله إليه: (دعهُ فإنه مَجّدَني بحسب عقله)
وكنا أحياناً نلمح في الحديث بصيصاً من معنى يتعلق بأحوالنا الاجتماعية، فنريد شيخنا على التوسع في شرح الحديث، فيأبى تورعاً وخشية أن نقعَ في باطل من القول:
جاء في حديث عائشة أن جبريل أراه ﷺ صورتها في قطعة من جيّد الحرير. فتساءلنا في الدرس عما إذا كان هذا الحديث يدلُّ على جواز التصوير؟ أو على جواز أن يرى الرجلُ من يَوَدُّ خِطبتها من النساء: فيكون التصوير حاجةً من حاجات الاجتماع
فقال أحد الإخوان: ما دام للرجل الحقُّ أن يرى خطيبته نفسها فليس ثم حاجةٌ إلى رؤية صورتها. فرد عليه آخر بأنه قد يتفق أن يكون هو في بلد وهي في بلد آخر فيحملَ إليه البريدُ صورتها، كما حمل جبريلُ صورةَ السيدة عائشة
كان يجري هذا الحوارُ في الدرس وشيخنا ساكت وأردناه على أن يفيدنا ما عنده في هذا الموضوع فلم يفعل، وظل ساكتاً. واستدرجتُه مرةً إلى موضوع عصريّ طريف فأفتى به أو كاد. ثم عاد إلى الاعتصام بالسكوت:
ذلك أنه مرَّ معنا في حديث مسلم قوله: (لِمَ؟ أُصلي فأتيمم)، فقرأتها (لمْ أصلي فأتيمم) واستشكلت رفع (أصلي)، فقال الشيخ (لمَ) للاستفهام لا للجزم، وأصلي مستأنف مرفوع
فاغتنمت هذه الفرصة وقلت له: إنهم اليوم اصطلحوا على علامات يرقمونها بين الجمل، ويسمونها علامات التنقيط: وهي نقطة، ونقطتان، وواو صغيرة كالضمة، وخط صغير أفقي، وخط آخر عمودي، وغير ذلك مما يستعملونه في مقامات التعجب والاستفهام والوقف
فقولُ الحديث (لمَ أُصلّي فأتيمم)؛ لو وُضعتْ علامة الاستفهام بعد (لمَ) لقُرئت استفهاماً من أول الأمر
стр. 9237
فهل يجوز لنا استعمالُ هذه العلامات المستحدثة في كتاباتنا كما استعمل السلف الصالح ما أحدثوه من النقط والتشكيل؟
قال الشيخ: يجوز، قلتُ ونستعملها في كتب الحديث؟ قال يجوز، قلت وفي القرآن. قال يجوز
ثم سألني قائلاً: ولكن لماذا لم نُرْقم هذه العلامات في كتابِ مسلمٍ المطبوع الذي نقرؤه؟ قلتُ لأنه كتابٌ دينيٌ. وطابعوه يخشون إنكار بعض العلماء عليهم فلا يباع الكتاب، فلم يضعوا هذه العلامات، واجتهدتُ أن لا أسميها له بأسمائها الإفرنجية مثل فلحظ الشيخُ أن في الأمر سراً، فتبسم وضرب على كتفي وقال: (الله يصلحك) ولم يُردْ أن يُفتي بشيءٍ جديدٍ قد يمكن أن تكون فيه شائبة بدعة
إلى هذا الحد كان شيخُنا ﵁ يحرص على سلامة الدين ويحذَر أن يَتسرَّب إليه شيءٌ من البدع
ومن ذلك أيضاً أنه مرَّ معنا في الحديث نهيُ النبي ﷺ عن تشييدِ المساجد، وفسر ابنُ عباسِ التشييد بالزخرفة، فقال بعض الإخوان: المراد بالتشييد رفع بناء المساجد. فقلتُ بل الصحيحُ ما قاله ابنُ عباس من أن التشييد هو الزخرفة وهو مشتقُّ من (الشيد) الذي معناه الجصّ، والجصّ عادة تزخرف به الأبنية. أما رفع بناءِ المساجد فأمرٌ مستحبٌ في عمارتها، وذلك لكي يتخلّلها الهواء ويَسْهُل التنفّسُ على المصلين، فالتفتَ إليَّ الشيخُ وقال مبتسماً: وما دخل الهواءِ والتنفس في الدين والتشريع؟ وعجبَ من قولي أشدَّ العجب
أما أن الشيخَ كان متوسعاً في اللغة العربية؛ فهذا يلحظُه منه كلُّ من أطالَ مجالسته، وراجعه القولُ في تفسيرِ غريبِ الحديث؛ ولكنه ﵀ ما كان يُكثر من الاستشهاد بنصوص الأدباء، ولا بأقوالِ الشعراء، لما يقعُ فيها أحياناً من اللغوِ وعَبَثِ القول
وقد سمعتهُ مرةً يُنشد بنغمة حزينةٍ:
(أيا نجدُ لو كان النوى منك مرةً … صَبَرنا ولكنَّ النوى منكَ دائم)
وأنشدني مرةً أُخرى:
صديقُ الصدقِ في الدنيا قليل … فمنْ لكَ إنْ ظَفِرتَ به فمن لك
لحاجتهِ يَوَدُّكَ كلُ شخصٍ … وذاكَ إذا قضاها منك ملك
стр. 9238
صديقُكَ مَنْ إذا ما كنت منه … طلبتَ الروحَ بالتمليكِ ملّك
وجاء يوماً ذكرُ طرابلس الشام وليمونها فسألني: ما معنى قولهم في المثلَ (مَنْ لم يجئ بشراب الليمون يجئ بشوكِهِ وحَطَبه) فتجاهلتُ الجواب لأسمع من فمه ولو مرةً تفسيرَ النصوص الأدبية - كما سمعتُ منه مراراً تفسير النصُوص الدينية
ففسره لي قائلاً:
المرادُ بشوكه وحَطَبه قُضبانُه وعيدانه. والمعنى من لم يجئ باللين واللطفْ، يجئ بالشدّة والعُنف
وأنشدني يوماً قولَ الراجز:
(التمرُ والسَمْنُ جميعاً والأقِط … الحيْسُ إلاَّ أنه لم يختلط)
فاعترضتُ بأن الحيسَ هو حلوى للعرب تكون مختلطةً من التمر والسمن والأقِط الذي هو ضربٌ من الجبن فكيفَ يقولُ الشاعر (لم يختلطْ). ثم قلتُ للشيخ لعلَّ صحةَ الروايةِ في البيت هكذا: (لكنْ شرطهُ أن يختلط). ثم راجعت كُتُبَ اللغة فوجدتُ رواية البيت كما قال شيخنا ﵀ ورأيتُ علماءَ اللغة استشكلوا البيتَ كما استشكلته أنا. وأجاب بعضهم على هذا الإشكال بجوابِ لم يعجبني
ومن عادة شيخنا ﵀ أنه إذا طَلبَ منه أحدٌ إجازةً بالعلوم تمنَّعَ وتَمثَّل بقول القائل
(ولستُ بأهلٍ أن أُجازَ فكيفَ أنْ … أُجيزَ ولكنَّ الحقائق قدْ تخفى)
وأنقُلُ من مذكّراتِ شاعرنا (خليل بك مردم) - وكان رفيقي في درس صحيح مسلم - هذا الخبرَ الذي يتعلَّقُ بي، وقد أنسيته أنا وهو: أَنني قرأتُ يوماً على الشيخ عدةَ أحاديثَ يدلُّ ظاهرها على عَدَم إيمان أبي طالب. فأطبقتُ الكتابَ بين يَدَيَّ وسألت شيخنا عن حقيقة ذلك وأبيت إلا كلمةَ صريحةَ منه يطمئنُّ إليها القلبُ في إيمان عمَ النبي ﷺ . فامتعضَ الشيخُ من إلحاحي، وقالَ سبحانَ الله يا شيخ عبد القادر أنت كاتبٌ وأديب، أما سمعتَ ما قاله (أبو طالب) مخاطباً النبيَّ ﷺ
ودعوتني وزعمتَ أنك ناصحٌ … ولقد صدقتَ وكنتَ ثمَّ أميناً
فأنتَ تسمعُ أبا طالبٍ يقولُ لابن أخيه (ولَقَدْ صَدقت) ثم تستشكل؟
فسررت يعلم الله بجواب شيخنا كما سرني استظهاره للشعر القديم واستحضاره له حين
стр. 9239
الحاجة إليه
ولا عجبَ أن يكونَ شيخُنا لغوياً، فإنه لا يكادُ يوجد محّدِث إلا وهو لُغَوي، ولا لُغَوي إلا وهو محدّث؛ لأن المحّدِث لا يمكنه أن يفهم معانيَ أحاديثِ الرسول إلا بعد فهمِ معنى كلماتها اللغوية، واللغويُّ لا ترسخُ قدمه في اللغة ما لم يستظهر الجمَّ الكثيرَ من أحاديث الرسول، تكون له عُدّةً في الاستشهاد بها حين الحاجة فاللغويُّ المتقنُ محّدِث، والمحدث المتقنُ لُغوي
وشيخنا الذي يحفظُ على أقل تقدير خمسة آلاف حديث يحفظ على أقل تقدير ألف كلمة لغوية بشواهدها من كلام النُّبوة
فأنتم ترون أن بين شيخنا البدر، وبين مجمعنا العلمي العربي نسبةً موصولة السببْ في خدمة لغة العرب
هو ﵀ كان ينشر اللغة العربية بواسطة دروسه المشهورة، ونحن ننشرها بوسائطنا المجمعية المعروفة
أذكرُ أنه زارني يوماً في دار المجمع العلمي، فأجلستُه في صحن المدرسة، خشية أن يرى في ردهتها صُوَرَ المتوفين من أعضاء المجمع، معلَّقةً على جدرانها، فيمتنعَ عن الدخول كما هي عادته
وبعد أن استقرَّ به المجلس سألني: وماذا تصنعون هنا؟
قلت: إننا يا مولانا نشتغلُ في خدمة اللغة العربية ونشرِها وفي ذلك خدمة للدين الإسلامي ونشرِه
وإذا أحد تلاميذه (اللطفاء) يَلمَسُ كتفه من ورائه، ويشير إلى التماثيل الحجرية المنصوبة في أحد أركان المدرسة، فقال لي الشيخ: وما هذه التماثيل؟ وأشار إليها بإصبعه
فشعرتُ إذ ذاك بخطورة الموقف، وبصعوبة الاعتذار عن وجودِ تماثيلَ في صحنِ مدرسةٍ دينية إسلامية؛ غير أن الله ألهمني جواباً تضَّمن حقيقة معقولة، لكنها ويا للأسف منسيةٌ مجهولة
فقلت: إن هذه التماثيل تجْمعُ في دوْر الآثار للاستدلال بها على تاريخ الجاهلية الأولى، ويدخل في ذلك عبادة تلك الأمم للتماثيل، وإرسال الرسل لإنقاذهم من تلك العبادة، كما كان
стр. 9240
من نبينا ﷺ مذ أنقذَ أهلَ الجاهلية من الشرك، وصَقَلَ نفوسهم بصقالِ التوحيد
ولكنَّنا اليوم نرى الناسَ قد أغفلوا دراسة هذه الناحية من تاريخ الأمم القديمة، ونسوا نعمةَ الله عليهم بالبعثة المحمدية، حتى إذا رأوا هذه التماثيل في المتاحف تذَّكروا النعمة، وحمدوا الله عليها
قلتُ هذا وسكتُّ منتظراً ماذا يقول الشيخ؟ فلم يقل إلا خيراً وتبسم ودعا لي وللمجمع
رَحِمَ الله شيخَنا البَدرْ، وأثابه عن حياتهِ الصالحة بأجزل الأجر. . . .
المغربي
стр. 9241
استعطاف
بقلم رفيق فاخوري
هواكَ عن هذا الوجودِ شاغلي … والوجدُ منذ غبتَ عني واصلي
إبعثْ مَوَاتَ خاطري بزورةٍ … واخطُ خُطا الظلال في الخمائل
واحملْ إلى قلبي الكليم باسماً … وشافياً من عَطفك الممنَّع
ما سَرّني أنَّ النعيم قسمتي … إنْ لم تكن في ناظري ومسمعي
لأَنتَ حسبي مِنْ ضياءٍ إن دجا … يومي، وحسبي من هُدًى في حَيرتي
رُدَّ على عيني جَلَاءها ومُرْ … يَسطعْ مُحَيّاك على دُجُنَّتي
وينحسِرْ عن مقلتي سهادُها … يا طالما منعتَها رقادَها!
عِدْني أعشْ إلى غدٍ بنظرةٍ … عابثةٍ كم أخْلَفتْ ميعادَها!
وبَسْمةٍ تُفحمني ولم تَقُلْ … شيئاً، وإنما البيانُ في الصُوَرْ
إذا عَلَتْ ثغرَكَ فَدّاها الحشا … بِدَمِهِ ثم مشى على الأثر
وهمسةٍ أرقَّ من نَفْحِ الصَّبا … تسكُنُ في أُذْنَيَّ ما عاش الهوى
تألفُها جوارحي فكُلُّها … أُذْنٌ، وينزاح عن الصدر الجوى
يا منيةَ الولهان صِلْ بعد النَوى … أوْ لَا فَخُذْ قلبي وخُذْ لسانيا
هذا شغلتَهُ بذِكْرٍ دائمٍ … وذاكَ قد أسهرتَه اللياليا
حمص
رفيق فاخوري
стр. 9242
طموح
للأستاذ محمود غنيم
خليليَّ هل للمجد حدٌّ فأنتهي … إليه لقد طال العبورُ ولم أُرْس
مآربُ تتري، كلما نلتُ مأرباً … تنازعُني عنه إلى غيره نفسي
فلا النفسُ إن أبْلُغْ تقفْ عند غايةٍ … ولا هي إن أُخفِقْ تُرحْنيَ باليأس
كذلك أشقى ما حييتُ فإن أمت … فيا ليت شعري ما ورائيَ في رمسي
محمود غنيم
стр. 9243
وراثة العبقرية
(نشرت مجلة (الشهر) الفرنسية بحثاً طريفاً في وراثة العبقرية استعرض فيه كاتبه أحدث النظريات العلمية في هذا الموضوع. فآثرنا نقله إلى قراء الرسالة)
شغلت مسألة وراثة العبقرية طائفة كبيرة من العلماء والفلاسفة منهم جالتون وموبياس وريبو ولمبروزو وكرتشمر وغيرهم من الباحثين
وهذه المعضلة تبدو في أشكال مختلفة. تبدو أولاً كحالة خاصة من معضلة الوراثة على العموم. إذ ما هي الآثار التي يتركها الآباء والأمهات؟ وبأي الأشكال تظهر؟ وما هي الآثار النسبية في تكوين الشخصية للوراثة المجردة من جهة، وللبيئة والتربية من جهة أخرى؟ وهل أثر الوراثة دائم أو غير دائم؟ وهناك وجهة نظر أخرى تعتبر العبقرية والذكاء شذوذاً إذا قورنا بحالة الشخص العادي. وكثيراً ما يصحب هذه العبقرية وهذا الذكاء فقدان في التوازن الجسماني، وغالباً في التوازن النفسي. كذلك قد تصحبهما حالة جنون
ولأننا نعلم أن عدداً من هذه الأمراض ينتقل بالوراثة، كان لنا أن نتسائل عن صدى هذا الاتجاه المزدوج: وراثة العبقرية، ووراثة الاضطراب العصبي أو المرض
إن مما لا شك فيه أن (في بعض الحالات) تكون العبقرية أحياناً وراثية. وقد ظهر ذلك جلياً في كثير من رجال العلم والموسيقيين والمصورين والشعراء وكبار الكتاب
فبين العلماء استطاع جالتون أن يجد أسراً كان بها عالمان وأحيانا ثلاثة أو أربعة أو خمسة، وأحياناً أخرى أكثر من ذلك. ووجد موبياس ٢١٥ أسرة اتفق فيها أن كان الأب والابن وافري الاستعداد الرياضي، (بين هذا العدد ثلاثة وثلاثون والداً لكل منهم أكثر من ابن واحد موهوب). وقد وجد هذا الاستعداد في ثلاثة أجيال متتالية سبع عشرة مرة، وبين خال وابن أخته عشرين مرة: وبين أبناء العم مرتين، وبين أشقاء أو شقيقات ١٣١ مرة، وبين أكثر من شقيقين ثلاثة وعشرين مرة. وكان العالم الفلكي الكبير (دومينيك فرانسوا آرجو) له ثلاثة أشقاء وولدان كلهم موهوبون في استعدادهم الرياضي. وكانت أسرة برنولي أعظم أسرة علمية عرفها التاريخ مما دفع الأستاذ دوبليه الفلكي بمرصد بوردو أن يخصص للكتابة عنها كتاب صدر عام ١٩٢٩ وسماه هذا الكتاب ذكر الأستاذ دوبليه أن أسرة برنولي شغلت كرسي العلوم الرياضية في جامعة بال - مسقط رأسها - مائة عام وثلاثة دون انقطاع؛ وبقيت أكاديمية العلوم في باريس نحو أحد أفراد أسرة برنولي مدة واحد
стр. 9244
وتسعين عاماً متوالية
وكما نرى أثر الوراثة بين العلماء نراه أيضاً بين الشعراء. وقد وجد جالتون اثنين من العباقرة في الشعر بين أسر: بيرون وشنييه وجوته وهين وراسين. . . . وثلاثة أو أربعة في أسر: أسكيل وارستوفان وكورني وملتون. . . وخمسة أو ستة في أسرتي كولردج ووردثويرت. . .
ووجد جالتون اثنين من الكتاب والأدباء في كل أسرة من أسر بوسويه وشاتوبريان وشامبليون وادجاربون ومِلْ. . . الخ وثلاثة أو أربعة في أسر بنتام وبوالو وفينيلون ولِسِنْج وسفيني، وخمسة أو أكثر في أسر فيلينج وماكولي وشليجل وستايل وغيرها
وبين الموسيقيين تجد أسرتي باخ وسترس هما الأسرتين اللتين ظهر فيهما أكبر عدد من الموسيقيين. ويبدأ تاريخ أسرة باخ عام ١٥٥٠، واستمر يظهر منها الموسيقيون الموهوبين ثمانية أجيال متعاقبة؛ وكان من عادة هذه الأسرة أن يجتمع أعضاؤها المغرمين بالفنون مرة في كل عام؛ فكان يصل عدد المجتمعين أحياناً إلى مائة وعشرين فناناً؛ وقد ذكر فتيس أن هذه الأسرة حوت سبعة وخمسين موسيقياً منهم تسعة وعشرون كانوا في عداد النابغين
على أننا لا ينبغي أن نخرج من هذه الحقائق بأن العبقرية (دائماً) وراثية. إذ أن توارث العبقرية محدد ببضعة أجيال فقط، كما أنه ليست هنالك قاعدة عامة لتوارث العبقرية. بل بالأحرى هناك استثناء. ويمكن أن نقول أكثر من ذلك وهو أن العبقرية الحقيقة دائماً منعزلة، أو كما يقول لوردا (إن العباقرة هم أطفال لقطاء ورجال أعزاب) ويقصد بذلك أن الطبيعة تمحى حين يُخلق العبقري
ولو كانت العبقرية تنتقل بالوراثة دائماً لكان من الضروري أن توجد (أجناس) معينة من العباقرة. وهذا ما لا وجود له. (إن العبقرية حادث فجائي يكون أحياناً وراثياً) ,
وقد ذكر لومبروزو الملاحظة الآتية: (إذا وضعنا جانباً عدداً قليلاً من الحالات الاستثنائية كالتي نجدها في أُسَرْ دارون وكاسّيني وبرنولي وسان هيلير وهيرشل، وجدنا أن العبقري لا ينقل إلى ذريته إلا اتجاهاً حقيقياً يُعظّمه في عيوننا الاسم المجيد!)
إن أبناء العباقرة هم في الغالب مخلوقات عادية بل أقل من العادية. ويقول ج. مورودوتوز: (إن الملاحظة العامة ترينا أن غالبية أبناء الرجال العباقرة ليسوا فقط أقل من آبائهم، بل هم
стр. 9245
كسائر الناس العاديين)، وقد أكد ألكسندر تاسوني أحد كتاب القرن السابع عشر أنه كثيراً ما يحدث أن ينجب آباءٌ عباقرة أبناءً عظيمي الغباوة، وآباءٌ شديدو الغباوة أبناءً علماء. واستشهد على النوع الأول بأبناء أفريكان الكبير وأنطوان وشيشرون ومارك أوريل وسقراط. ويعتقد أوسوالد الكيميائي الألماني الشهير أن أبناء الرجل العبقري لا بد أن يكونوا أقل منه
وذكر تاسوني رأي أحد العلماء المعاصرين له وكان يفسر النقص في كثرة أبناء الرجال العباقرة بقوله: (في الرجال العظام تتجمع معظم القوى الحيوية في المخ كيما تقويه وتبعث الحياة والعنف في القوى الفكرية. ولهذا السبب يكون الدم والخلية باردين ضعيفين. والنتيجة أن يكون أبناء أولئك الرجال وخصوصاً الذكور أغبياء)
وهناك حقيقة أخرى هامة فيما يختص بوراثة العبقرية، وهي أن هناك ظواهر من الجنون والاضطراب العصبي تحول دون وراثة هذه العبقرية. ذلك أن العبقري تصحبه غالباً أنواع خاصة من الأمراض النفسية. وكثيراً ما يُلاحظ المرض العقلي عند سلف وخلف الرجل العبقري. ومن المعلوم أن الجنون ينتقل غالباً وبكثرة شديدة في الأجيال القريبة. وحالات الجنون الوراثي في ثلاثة أجيال متعاقبة عديدة جداً. وكان الجنون فيها في الغالب من نوع واحد. والآن، أليس هنا تشابه - وإن لم يكن كاملاً - بين وراثة العبقرية ووراثة الجنون؟
وقد ذكر مورو دوتور أن بين طبقات المجتمع التي تحوي أكبر عدد ممكن من الرجال الممتازين بذكائهم الشديد يوجد أيضاً أكبر عدد ممكن من المجانين. وقد لاحظ كل علماء النفس أن هناك عدداً من المجانين لهم أقارب يتميزون بذكاء تتفاوت درجاته. من ذلك أولبمبيا أم اسكندر الأكبر التي كانت امرأة فاسدة الخلق ظاهرة الوضاعة. وكان أب الاسكندر داعراً إلى أقصى حد. وكان الاسكندر نفسه مصاباً بحالة عصبية في كوعه. وكان شقيقه أريدوس - الذي قتل بأمر أولبمبيا - أبله معتوها
وكان ابن برناردين دوسانت بيير، وإحدى بنات فكتور هوجو، ووالد وأشقاء فيلمان، وشقيقة الفيلسوف كانت، وشقيقة هيجل، وغيرهم وغيرهم كانوا جميعاً مجانين. وكانت شقيقة ريشليو تتصور أن ظهرها من البلور، وكان شقيقه معتوهاً. وكان والد الموسيقى بيتهوفن مدمناً الخمر، وكان الشاعر بودلير نفسه نصف مجنون. وقد كتب يقول: (أن
следующие страницы →