Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9241–9280 · переход к 9246.
стр. 9241
استعطاف
بقلم رفيق فاخوري
هواكَ عن هذا الوجودِ شاغلي … والوجدُ منذ غبتَ عني واصلي
إبعثْ مَوَاتَ خاطري بزورةٍ … واخطُ خُطا الظلال في الخمائل
واحملْ إلى قلبي الكليم باسماً … وشافياً من عَطفك الممنَّع
ما سَرّني أنَّ النعيم قسمتي … إنْ لم تكن في ناظري ومسمعي
لأَنتَ حسبي مِنْ ضياءٍ إن دجا … يومي، وحسبي من هُدًى في حَيرتي
رُدَّ على عيني جَلَاءها ومُرْ … يَسطعْ مُحَيّاك على دُجُنَّتي
وينحسِرْ عن مقلتي سهادُها … يا طالما منعتَها رقادَها!
عِدْني أعشْ إلى غدٍ بنظرةٍ … عابثةٍ كم أخْلَفتْ ميعادَها!
وبَسْمةٍ تُفحمني ولم تَقُلْ … شيئاً، وإنما البيانُ في الصُوَرْ
إذا عَلَتْ ثغرَكَ فَدّاها الحشا … بِدَمِهِ ثم مشى على الأثر
وهمسةٍ أرقَّ من نَفْحِ الصَّبا … تسكُنُ في أُذْنَيَّ ما عاش الهوى
تألفُها جوارحي فكُلُّها … أُذْنٌ، وينزاح عن الصدر الجوى
يا منيةَ الولهان صِلْ بعد النَوى … أوْ لَا فَخُذْ قلبي وخُذْ لسانيا
هذا شغلتَهُ بذِكْرٍ دائمٍ … وذاكَ قد أسهرتَه اللياليا
حمص
رفيق فاخوري
стр. 9242
طموح
للأستاذ محمود غنيم
خليليَّ هل للمجد حدٌّ فأنتهي … إليه لقد طال العبورُ ولم أُرْس
مآربُ تتري، كلما نلتُ مأرباً … تنازعُني عنه إلى غيره نفسي
فلا النفسُ إن أبْلُغْ تقفْ عند غايةٍ … ولا هي إن أُخفِقْ تُرحْنيَ باليأس
كذلك أشقى ما حييتُ فإن أمت … فيا ليت شعري ما ورائيَ في رمسي
محمود غنيم
стр. 9243
وراثة العبقرية
(نشرت مجلة (الشهر) الفرنسية بحثاً طريفاً في وراثة العبقرية استعرض فيه كاتبه أحدث النظريات العلمية في هذا الموضوع. فآثرنا نقله إلى قراء الرسالة)
شغلت مسألة وراثة العبقرية طائفة كبيرة من العلماء والفلاسفة منهم جالتون وموبياس وريبو ولمبروزو وكرتشمر وغيرهم من الباحثين
وهذه المعضلة تبدو في أشكال مختلفة. تبدو أولاً كحالة خاصة من معضلة الوراثة على العموم. إذ ما هي الآثار التي يتركها الآباء والأمهات؟ وبأي الأشكال تظهر؟ وما هي الآثار النسبية في تكوين الشخصية للوراثة المجردة من جهة، وللبيئة والتربية من جهة أخرى؟ وهل أثر الوراثة دائم أو غير دائم؟ وهناك وجهة نظر أخرى تعتبر العبقرية والذكاء شذوذاً إذا قورنا بحالة الشخص العادي. وكثيراً ما يصحب هذه العبقرية وهذا الذكاء فقدان في التوازن الجسماني، وغالباً في التوازن النفسي. كذلك قد تصحبهما حالة جنون
ولأننا نعلم أن عدداً من هذه الأمراض ينتقل بالوراثة، كان لنا أن نتسائل عن صدى هذا الاتجاه المزدوج: وراثة العبقرية، ووراثة الاضطراب العصبي أو المرض
إن مما لا شك فيه أن (في بعض الحالات) تكون العبقرية أحياناً وراثية. وقد ظهر ذلك جلياً في كثير من رجال العلم والموسيقيين والمصورين والشعراء وكبار الكتاب
فبين العلماء استطاع جالتون أن يجد أسراً كان بها عالمان وأحيانا ثلاثة أو أربعة أو خمسة، وأحياناً أخرى أكثر من ذلك. ووجد موبياس ٢١٥ أسرة اتفق فيها أن كان الأب والابن وافري الاستعداد الرياضي، (بين هذا العدد ثلاثة وثلاثون والداً لكل منهم أكثر من ابن واحد موهوب). وقد وجد هذا الاستعداد في ثلاثة أجيال متتالية سبع عشرة مرة، وبين خال وابن أخته عشرين مرة: وبين أبناء العم مرتين، وبين أشقاء أو شقيقات ١٣١ مرة، وبين أكثر من شقيقين ثلاثة وعشرين مرة. وكان العالم الفلكي الكبير (دومينيك فرانسوا آرجو) له ثلاثة أشقاء وولدان كلهم موهوبون في استعدادهم الرياضي. وكانت أسرة برنولي أعظم أسرة علمية عرفها التاريخ مما دفع الأستاذ دوبليه الفلكي بمرصد بوردو أن يخصص للكتابة عنها كتاب صدر عام ١٩٢٩ وسماه هذا الكتاب ذكر الأستاذ دوبليه أن أسرة برنولي شغلت كرسي العلوم الرياضية في جامعة بال - مسقط رأسها - مائة عام وثلاثة دون انقطاع؛ وبقيت أكاديمية العلوم في باريس نحو أحد أفراد أسرة برنولي مدة واحد
стр. 9244
وتسعين عاماً متوالية
وكما نرى أثر الوراثة بين العلماء نراه أيضاً بين الشعراء. وقد وجد جالتون اثنين من العباقرة في الشعر بين أسر: بيرون وشنييه وجوته وهين وراسين. . . . وثلاثة أو أربعة في أسر: أسكيل وارستوفان وكورني وملتون. . . وخمسة أو ستة في أسرتي كولردج ووردثويرت. . .
ووجد جالتون اثنين من الكتاب والأدباء في كل أسرة من أسر بوسويه وشاتوبريان وشامبليون وادجاربون ومِلْ. . . الخ وثلاثة أو أربعة في أسر بنتام وبوالو وفينيلون ولِسِنْج وسفيني، وخمسة أو أكثر في أسر فيلينج وماكولي وشليجل وستايل وغيرها
وبين الموسيقيين تجد أسرتي باخ وسترس هما الأسرتين اللتين ظهر فيهما أكبر عدد من الموسيقيين. ويبدأ تاريخ أسرة باخ عام ١٥٥٠، واستمر يظهر منها الموسيقيون الموهوبين ثمانية أجيال متعاقبة؛ وكان من عادة هذه الأسرة أن يجتمع أعضاؤها المغرمين بالفنون مرة في كل عام؛ فكان يصل عدد المجتمعين أحياناً إلى مائة وعشرين فناناً؛ وقد ذكر فتيس أن هذه الأسرة حوت سبعة وخمسين موسيقياً منهم تسعة وعشرون كانوا في عداد النابغين
على أننا لا ينبغي أن نخرج من هذه الحقائق بأن العبقرية (دائماً) وراثية. إذ أن توارث العبقرية محدد ببضعة أجيال فقط، كما أنه ليست هنالك قاعدة عامة لتوارث العبقرية. بل بالأحرى هناك استثناء. ويمكن أن نقول أكثر من ذلك وهو أن العبقرية الحقيقة دائماً منعزلة، أو كما يقول لوردا (إن العباقرة هم أطفال لقطاء ورجال أعزاب) ويقصد بذلك أن الطبيعة تمحى حين يُخلق العبقري
ولو كانت العبقرية تنتقل بالوراثة دائماً لكان من الضروري أن توجد (أجناس) معينة من العباقرة. وهذا ما لا وجود له. (إن العبقرية حادث فجائي يكون أحياناً وراثياً) ,
وقد ذكر لومبروزو الملاحظة الآتية: (إذا وضعنا جانباً عدداً قليلاً من الحالات الاستثنائية كالتي نجدها في أُسَرْ دارون وكاسّيني وبرنولي وسان هيلير وهيرشل، وجدنا أن العبقري لا ينقل إلى ذريته إلا اتجاهاً حقيقياً يُعظّمه في عيوننا الاسم المجيد!)
إن أبناء العباقرة هم في الغالب مخلوقات عادية بل أقل من العادية. ويقول ج. مورودوتوز: (إن الملاحظة العامة ترينا أن غالبية أبناء الرجال العباقرة ليسوا فقط أقل من آبائهم، بل هم
стр. 9245
كسائر الناس العاديين)، وقد أكد ألكسندر تاسوني أحد كتاب القرن السابع عشر أنه كثيراً ما يحدث أن ينجب آباءٌ عباقرة أبناءً عظيمي الغباوة، وآباءٌ شديدو الغباوة أبناءً علماء. واستشهد على النوع الأول بأبناء أفريكان الكبير وأنطوان وشيشرون ومارك أوريل وسقراط. ويعتقد أوسوالد الكيميائي الألماني الشهير أن أبناء الرجل العبقري لا بد أن يكونوا أقل منه
وذكر تاسوني رأي أحد العلماء المعاصرين له وكان يفسر النقص في كثرة أبناء الرجال العباقرة بقوله: (في الرجال العظام تتجمع معظم القوى الحيوية في المخ كيما تقويه وتبعث الحياة والعنف في القوى الفكرية. ولهذا السبب يكون الدم والخلية باردين ضعيفين. والنتيجة أن يكون أبناء أولئك الرجال وخصوصاً الذكور أغبياء)
وهناك حقيقة أخرى هامة فيما يختص بوراثة العبقرية، وهي أن هناك ظواهر من الجنون والاضطراب العصبي تحول دون وراثة هذه العبقرية. ذلك أن العبقري تصحبه غالباً أنواع خاصة من الأمراض النفسية. وكثيراً ما يُلاحظ المرض العقلي عند سلف وخلف الرجل العبقري. ومن المعلوم أن الجنون ينتقل غالباً وبكثرة شديدة في الأجيال القريبة. وحالات الجنون الوراثي في ثلاثة أجيال متعاقبة عديدة جداً. وكان الجنون فيها في الغالب من نوع واحد. والآن، أليس هنا تشابه - وإن لم يكن كاملاً - بين وراثة العبقرية ووراثة الجنون؟
وقد ذكر مورو دوتور أن بين طبقات المجتمع التي تحوي أكبر عدد ممكن من الرجال الممتازين بذكائهم الشديد يوجد أيضاً أكبر عدد ممكن من المجانين. وقد لاحظ كل علماء النفس أن هناك عدداً من المجانين لهم أقارب يتميزون بذكاء تتفاوت درجاته. من ذلك أولبمبيا أم اسكندر الأكبر التي كانت امرأة فاسدة الخلق ظاهرة الوضاعة. وكان أب الاسكندر داعراً إلى أقصى حد. وكان الاسكندر نفسه مصاباً بحالة عصبية في كوعه. وكان شقيقه أريدوس - الذي قتل بأمر أولبمبيا - أبله معتوها
وكان ابن برناردين دوسانت بيير، وإحدى بنات فكتور هوجو، ووالد وأشقاء فيلمان، وشقيقة الفيلسوف كانت، وشقيقة هيجل، وغيرهم وغيرهم كانوا جميعاً مجانين. وكانت شقيقة ريشليو تتصور أن ظهرها من البلور، وكان شقيقه معتوهاً. وكان والد الموسيقى بيتهوفن مدمناً الخمر، وكان الشاعر بودلير نفسه نصف مجنون. وقد كتب يقول: (أن
стр. 9246
والديّ اللذين كانا إما معتوهين أو مجنونين قد ماتا ضحيتي جنون فظيع) وكان والدا الشاعر الأمريكي الشهير ادجار بو شديدي الإدمان لتعاطي المشروبات الروحية
وكانت تحدث لشاتوبريان حركات تشنجية في ذراعه، وكان دائم التفكير في الانتحار، وكان أخوه نصف مجنون؛ وكان والد بلزاك غريب الأطوار، وكذلك كان بلزاك نفسه. وكانت جورج صاند شديدة الانقباض والحسرة وهي في السابعة عشرة من عمرها، وقد حاولت الانتحار فيما بعد عدة مرات. وقد كان والدها يشبهها من هاتين الناحيتين. وكان كثير من أقارب هوفمان مجانين. أما هوفمان نفسه فقد أصابه الخَرَف لطول استسلامه للشراب، وكان يتصور أمام عينيه أشباحاً ويصيبه من جراء ذلك الرعب الشديد، فيطلب من أمه أن تجلس بجانبه. وكانت خالة هيرنر مجنونة وأخته شديدة الكآبة؛ وقد جن ابنها
وكان أثر الوراثة المرضية بارزا في لورد بيرون. إذ كان أبوه رجلاً فاسد الخلق وقحاً. وكانت أمه غريبة الأطوار متكبرة طائشة. كذلك كان شوبنهور وارثاً لما كان عليه من غرابة الميول واضطراب الأعصاب. فقد كانت خالة جدته وجدها مجنونين. وكان أبوه تنتابه نوبات قوية من الغضب المتزايد والهم الدفين الذي يكشف عن نفسه المريضة
وكانت أسرة الفيلسوف رينان - الذي كان يعذبه اضطراب أعصابه - تسودها أنواع مختلفة من الجنون؛ وكان عمه مأفونا. وقد قضى حياته في التصعلك حتى وجد ذات ليلة ميتاً على قارعة الطريق. وكان جد رينان شديد الوطنية عظيم الإخلاص، ولكنه فقد عقله عام ١٨١٥م نتيجة همّ ألمّ به. وقد أصبحت بلدة تريجويير التي ولد بها رينان ممتلئة بالمجانين وأنصاف المجانين نتيجة إكثار أهلها من زواج بعضهم ببعض
فمما ذكرنا يظهر أن العبقرية ليست محدودة. وأنها لا تمتد إلا لأفراد مخصوصين، فلابد إذن من أن نعرف أن هناك شيئاً آخر غير الوراثة المجردة. إن العبقري يظهر في الأسرة في لحظة معينة ولا يمكن أن يظهر قبل ذلك. كذلك قد يتبعه وقد لا يتبعه عباقرة آخرون. والأب العبقري قد يكون له ابن عادي، وقد يكون هذا الابن غبياً. وإذا استمرت الأسرة في إنتاج عباقرة كثيرين فإن هذه الظاهرة تقف بعد بضعة أجيال كأن الطبيعة قد نالها الرهق والضنى. وأخيراً كثيراً ما يحدث أن يحل الجنون محل العبقرية ويكون ذلك راجعاً إلى نوع خاص من الوراثة متأثر بعوامل غير وراثية
стр. 9247
وقد قال البعض: إن الوراثة والبيئة يتعاونان معاً بنشاط على إيجاد العبقري، إذ أن (الوراثة) لا تنتج في الرجل إلا (ما يمكن أن يكون) وليس ما سيكون، أما آثار الوسط وحدها فهي قادرة على تحويل الاحتمال إلى أمر واقع. على أن (الوسط) لا يكون تأثيره بعد الولادة فقط، بل إنه يؤثر في الشخصية المستقبلية قبل الولادة، وذلك بطرق مختلفة
ولقد عملت أبحاث في جلاسجو عن علاقة عدد المواليد بالذكاء فظهر أن عدد المواليد يزيد عند الرجال الأقل ذكاء، كذلك الأسر يتكاثر عددها كلما قلت الكفاءة العقلية عند أعضائها
إن العبقرية شذوذ وشرود عن الحالة العادية، وهي بلا شك اضطراب أكيد؛ هي حادث فجائي، وكذلك الجنون، وهذا الحادث الفجائي قد يرجع إلى حالة الوالدين قبل الحمل أو إلى اضطراب يصيب الجنين، فما يحدث للوالدين قد ينتج عند الطفل نوعاً من الشذوذ النافع، وقد ينتج تشويهاً في خلقته، أو يؤدي إلى التحام الجنينين ببعضهما إذا كانت الأم تحمل اثنين: وهذا الشذوذ قد ينتقل بدوره بالوراثة. على أن انتقاله يكون بدرجة محدودة ولبعض أجيال فقط، والاضطراب الذي يحدث في حالة عدم استمرار التحام الجنينين قد يكون أثره فيما بعد إما أن ينتج عبقرية وإما جنوناً، أو اضطراباً في الأعصاب؛ وقد تجتمع الحالتان معاً. وأخيراً قد تتبع كل منهما الأخرى، أي أن يجمع الشخص أحياناً صفات العبقري ومواهبه، وأحياناً أخرى اضطراباً في الأعصاب يجعله أشبه ما يكون بمجنون حقيقي
وهناك أنواع من الشذوذ تنتقل أحياناً بالوراثة، وأحياناً لا تنتقل، مثل الحوَل، وقصر النظر، وصغر أحد أعضاء الجسم أو كبره أكثر من الحد الطبيعي؛ وأحياناً يكون هناك اتجاه نحو مصادر الإنسان الأولى. وقد تكلم عن ذلك ريبو في كتابه عن (الوراثة) إذ ذكر أن أسرة كلبورن كان بها شذوذ الست أصابع (أي زيادة إصبع في اليد أو في القدم) وقد استمر هذا الشذوذ في الأسرة مدة أربعة أجيال
والآن، أليس هناك تشابه بين الشذوذ الجثماني والشذوذ العقلي الذي يسمى العبقرية والذي تكون فيه الوراثة أيضاً محدودة؟
ذكرت مدام ناجوت ولبو كفتش أن سيدة كانت تتبع عبثاً وسائل لإجهاض نفسها، فعندما وضعت الطفل في ميعاده المعتاد كان هذا الطفل قويّ البنية ولكنه كان أبله. وكانت والدة (كاردان) قد حاولت إجهاض نفسها أيضاً عدة مرات دون جدوى، وكانت النتيجة أن أصبح
стр. 9248
الطفل الذي ولدته وهو (كاردان) عبقرياً فذاً؛ وقد تكون محاولة السيدتين كلتيهما إجهاض نفسيهما ليس هو السبب الحقيقي، ولكن هذا التشابه كاف لأن يرينا كيف تنتج حالات الشذوذ التي تسمى بالعبقرية. والتي هي وراثية ولكن إلى درجة محدودة
إذن ماذا عسى أن يكون قانون هذا الشذوذ؟ ذلك ما لا يعلمه أحد. ومنذ بضعة أعوام قال الأستاذ ج. هكسلي إنه قد يمكن في المستقبل أن يجعل كل طفل عبقرياً بتغيير بعض غدده، وقد يكون ذلك حلماً خيالياً. على أن مجموع الحقائق المعروفة تثبت أن في تكوين العبقرية قانوناً ينتج (شذوذاً) خاصاً. فمن يدري؟ قد يستطيع الإنسان في حالة فهم هذا القانون ودراسته أن يصنع العبقرية.
(. . .)
стр. 9249
دراسات في الأدب الإنكليزي
٤ - وليم وردزورث
بقلم جريس القسوس
تتمة
الحركة الإبتداعية
أما أبطال هذه الحركة فهم: الفيلسوف الشهير كانت في ألمانيا، والكردينال وسلي في بلاد الإنكليز، وروسو في فرنسا. ولا غرو في أن الأخير كان فارس هذه الحلبة وسيد زعمائها في مختلف البلدان. فقد نادى بالرجوع إلى الطبيعة، وبسيطرة العاطفة على أعمال الإنسان؛ ونظريته في التربية تتلخص فيما يلي: (ترك غريزة الإنسان وجسمه وقواه العقلية تنمو في مجراها الطبيعي، وذلك بنبذ قيود المدنية الحاضرة، والتقرب من الطبيعة)
وبعد مرور نحو ربع قرن على وفاة فيلسوف الثورة رجع شاعرنا صدى صوته في إقليم البحيرات، وأصبح حامل اللواء (الرومانتيكي) في بلاد الإنكليز. وتمتاز هذه الحركة بسمو مقام الرجل العادي، فقد أصبح موضوع الأدب بدل الرجل الأرستقراطي؛ وهذه الميزة تظهر بجلاء في قصص سرولتر سكوت، ودكنز، وفي معظم قصائد شعراء القرن التاسع عشر، وتشجع هذه الحركة حب الأطفال وتقليدهم لأنهم - كما أسلفنا - أقرب إلى الفضيلة من الشيوخ. ولقد رأينا شيئاً من هذا في أشعار وردزورث، وظهر شيء منه في نثر (لامب) وخصوصاً فصله المشهور: (أطفال الحلم)، وفي أشعار سونبرن أحد شعراء القرن التاسع عسر المتأخرين. وتمتاز أيضاً بالولع بالحيوانات الأهلية منها والبرية، وبحب القصص التي تدور حوادثها على الحب والحرب، خصوصاً ما كان منها شائعاً في العصور الوسطى؛ والتي بطلها الرجل العادي لا الأرستقراطي. ومن أهم مظاهرها شيوع الدين والتقوى، والتأمل والبحث في أسرار الكون، والخروج على العادات المألوفة، والتمرد على الهيئة البشرية. ولقد اتُخذ الأدب سلاحاً لمحاربة سخائف الحضارة وقيودها، ومن أهم أبطال هذا المظهر بيرون وشلي وكيتس. وتتميز هذه الحركة أيضاَ بالتقرب إلى الطبيعة
стр. 9250
وانتزاع الموضوعات الأدبية منها، والابتكار في اختيار الموضوع، والتفنن في التعبير عنه، لا النسج على منوال الأقدمين كما هو شائع في العصر الكلاسيكي
وإذا ما ألقينا نظرة على شعر وردذورث ألفيناه يمثل الأدب (الرومانتيكي) أصدق التمثيل، وما يصدق على شعره يصدق على آرائه ونزعاته، وخاصة في مستهل جهاده الأدبي، حينما كان من أنصار الثورة الفرنسية التي كانت ثمرة فلسفة روسو بطل الحركة الإبتداعية
زواجه، كهولته، منتهى حياته
تزوج وردزورث سنة ١٨٠٢م من ماري هتشنسن، من تلك العائلة التي كان يكثر من الترداد عليها. ويُروى أنه أراد أن يغتفر زلّته مع خدينته (أنيت فالون) قبيل إقدامه على الزواج، لهذا شرع في استرضائها بشتّى الوسائل، والظاهر أنه نجح في ذلك. والذي نعلمه أن (أنيت) هذه لم تلاق جفاءّ ومضضاً في عيشتها، وأن ابنتها زُوجت من أحد السراة. وفي قصيدة للشاعر موضوعها (على الشاطئ قرب كاليس) يخاطب ابنته هذه ويرخّم بها بكل وداد وتحنان. على أن هذه القصة لا تزال طيّ الخفاء ولم ينكشف لنا منها إلا الشيء القليل. والباحث في ترجمة حياة وردزورث وتحليل عبقريته يود لو أنه ذكر لنا تلك الحادثة بالتطويل شارحاً بذلك عواطفه نحوها وحبه لها قبل وبعد وقوعه في الجرم. لو فعل الشاعر ذلك لوفّر على الباحث الشيء الكثير من الحدس، ولأنار لنا هذه الناحية المهمة من حياته غير تارك مجالاً لتقوّل المتقولين، وإشاعات المشيعين
ولقد وجد في زوجته امرأة سامية الخلق عالية المدارك شديدة العطف والإحساس، لا تقلّ بذلك عن أخته دوروثي. فلا عجب أن رأينا دوروثي تخلد إلى الراحة بعد أن أدت واجبها إلى أخيها ونحو الأدب بكل أمانة وإخلاص، إذ رأت في امرأة أخيها خير خلف لها. ولقد خلّد الشاعر اسم زوجته هذه في قصيدة موضوعها (هي مثال الرضا)
وفي سنة ١٨٠٨ ورده نعي أخيه يوحنا، فقد مات غرقاً في أحد المراكب التي كان يتولى إدارتها. فكان ذلك باعثاً للحزن والأسى في نفسه. وعلى أثر موت شقيقه نظم قصيدة خالدة عنوانها (أخلاق المجاهد السعيد) مشيراً فيها إلى أخيه وحياته الحافلة بجليل الأعمال؛ ولهذه القصيدة من الشهرة ما جعل الإنكليز والأمريكان يتلونها في مآتمهم، فيجدون في ذلك ما يعزّي النفوس ويسرّي عنها الأحزان
стр. 9251
وفي تلك السنة أيضاً انتقل الشاعر وامرأته وأولاده الأربعة إلى ألان بارك إلى بيت رحب الفناء جميل الشكل حيث أتم قصيدته: (النزهة). هنالك افترق الشاعران الصديقان كولردج ووردزورث، وذلك على أثر تعريض وردزورث بصديقه ووصمه إياه بالجنون الناتج عن إدمانه الأفيون، فكان لهذا أثر بليغ في نفس كولردج لم يطق بعده العيش معه، وبانتهاء صداقتهما انتهت حياتهما الأدبية الخصبة، ويندر أن تجد بين عيون قصائد وردزورث واحدة نظمت بعد ذلك الافتراق
وفي سنة ١٨١١ انتقل شاعرنا إلى بيت مجاور لإحدى الكنائس حيث توفي اثنان من أولاده، إلا أنه لم يمكث هناك طويلاً، بل رحل سنة ١٨١٧ إلى بيته الجميل في (كدل ماونت) حيث أتيح له أن يلقى شخصيات ذات أدب جم ومكانة اجتماعية سامية؛ ولقد قام برحلات شتى أهمها إلى أواسط أوربا، وأخرى إلى سكوتلندا، وعلى أثر رحلته الأخيرة نظم خمس عشرة قصيدة تفيض بذكريات الطفولة وأحلام الشباب، منها قصيدته المشهورة (الحصاد المنعزل)
ولقد لبث طيلة هذه المدة مكلوم الفؤاد، حزين النفس، لما حل به من المصائب والويلات العديدة، ولما كان يلاقيه من جفاء وخصومة في الأوساط الأدبية. غير أنه حدث في سنة ١٨٣٩ ما طيب نفسه وسرى عنه شجونه وهمومه، وشجعه في مبدئه، فقد عرّفه كيبل أحد كبار أساتذة كمبردج إلى إحدى الشخصيات الكبرى في البلاط، وأشاد بذكره أمام ذوي المناصب السامية، فذاع صيته بين الخاص والعام، وأحرز مركزاً رفيعاً في الأدب لا يقل عن مركز ملتن
وفي سنة ١٨٤٢ منحته الدولة مرتباً سنوياً مقداره ٣٠٠ جنيه تشجيعاً ومكافأة له؛ وبعد موت روبرت سذى سنة ١٨٤٣ عرض عليه منصب شاعر الدولة، فرفضه في بدء الأمر لبلوغه الرابعة والسبعين، وقيل لأنه رأى صعوبة وعناء في نظم قصيدة في كل سنة يلقيها في عيد ميلاد الملكة كما جرت العادة قبله، غير أن رئيس الوزراء سر روبر بيل عاد وبعث إليه بكتاب نقتطف منه ما يلي:
(لما كانت صاحبة الجلالة توليك ثقتها الغالية فبادر بقبول هذا المنصب، وكن عند أملها فيك. وإنها لتتوخى بعملها هذا أن ترفعك إلى المركز الذي يليق بمقامك الأدبي والاجتماعي،
стр. 9252
ما دمت في رأيها ورأي الجميع سيد الشعراء الأحياء على الإطلاق؛ فلا ترفض هذه النعمة)
وبعد ما اطلع وردزورث على هذا الكتاب الرقيق قبل هذا المنصب السامي فتُوّج بإكليل من غار، وأصبح خليفة ملتون الأوحد، ولم يُنتجْ بعد تبوئه هذا المركز الرفيع شيئاً خالداً، بل استولى عليه الخمول منذ زواجه، ومنذ أن بدأت الحكومة تمدّه بمعاش سنوي كاف. ومن القصائد المشهورة التي نظمها بعد ذلك الأوان واحدة ضمنّها ولاءه وشعوره نحو صاحبة الجلالة قدّمها إليها مع نسخة من ديوانه
وفي سنة ١٨٤٧م تُوفيتْ ابنته (دورا) فعجلت بذلك وفاته. وكانت وفاته في الثالث والعشرين من أبريل (في اليوم الذي توفي فيه شكسبير) من سنة ١٨٥٠م. وهكذا خمد ذلك النفس الذي كان يلتهب عاطفة وعطفاً على الفقراء وولعاً بالطبيعة
ولقد دُفن جثمانه في كنيسة في (قراسمير) - حسب طلبه - في حضن ذلك الوادي الذي نشأ فيه وترعرع، وبه تغّنى، وبذكره أشاد
ولقد أقيم له نصبٌ تذكاري من رخام في مقبرة الشعراء في (وست منستر أبى) تحيط به أنصاب تذكارية لكبلْ وأرنلد وكنجزلي وموريس، ونقش على هذا النصب الكلمات التالية:
(لذكرى وليم وردزورث الشاعر الملهم والفيلسوف الكبير الذي وُهبَ عقلاً نيّراً، ولساناً غنياً، ليتحدث إلى الطبيعة والبشر، الذي لم يألُ جهداً في نشر الفضيلة والكمال، والذي تغنّى وأشاد بذكر البسطاء والفقراء، فذاع صيته بين العام والخاص، وأصبح رسول الحقّ وربّ الشعر. لذكراه يشيد أصدقاؤه والمعجبون بأدبه هذا النصب التذكاري، لينطق بنبوغه على مدى الأيام)
الكرك - شرقي الأردن
جريس القسوس
стр. 9253
صور من التاريخ الإسلامي
عبد الله بن الزبير (١ - ٧٣هـ)
بقلم محمد حسني عبد الرحمن
تتمة ما نشر في العدد الماضي
وقد يكون من الإنصاف للحق والتاريخ أن نثبت هنا آراء غيره، ممن عاصروه، في أسباب طلبه هذا الأمر، وانهماكه فيه: يروي المسعودي أن ابن عباس كان يقول (أما والله ما عرفت عبد الله إلا صوّاماً قوّاماً؛ ولكني ما زلت أخاف عليه منذ رأيته تعجبه بغلاتُ معاوية الشهب؛ وكان معاوية قد حجّ فدخل المدينة وخلفه خمس عشرة بغلة شهباء، عليها رحائل الأرجوان، فيها الجواري الحسان، عليهن الثياب معصفرات، ففتن الناس بموكبه)
وقال ابن الزبير لامرأة عبد الله بن عمر بن الخطاب: إنني لم أخرج ولم أطلب الخلافة إلا غضباً لله وللمسلمين من أثرة معاوية وابنه، فهم يستأثرون بالفيء دون الناس، ويستحلون محارمَ الله. قال هذا وسألها أن ترجو زوجَها في مبايعته؛ فلما جاء زوجها ذكرت له ابن الزبير وعبادته وجهاده، وأثنت عليه قائلة إنه يدعو إلى طاعة الله وأطنبت في مدحه، ثم طلبت من زوجها أن يبايعه ويؤيده، فأجابها ابن عمر (ويحك! أما رأيت البغلات الشهب التي كان يحج عليها معاوية قادماً إلينا من الشام؟ قالت، بلى! قال والله ما يريد ابن الزبير بعبادته غيرهن!!)
فهذان اثنان من أقطاب الرجال في عصره، ومن ذوي الشرف والفضل والنزاهة في المسلمين، يقرّران أنه ما يبغي إلا الدنيا، وأنه يتّخذ من العبادة سلماً يرقى به إلى قلوب الناس، ليساعدوه على قضاء مأربه في الخلافة
والذي يمكن أن نستنبطه من ظروف الحوادث في ذلك العصر، أن سعيه وراء الخلافة كان مبنياً على طائفة من الأسباب إذا راعيناها جميعاً، أمكن التوفيق بين وجهات النظر المختلفة؛ فقد أراد أن يليَ أمور المسلمين، ليحقق نزعتَه ويشبع رغبته، وليعدل في المسلمين، فيردّ الأمور إلى حالتها الأولى، ويقيم الأمر بالقسط؛ فكأنه كان يبغي بذلك أمْري الدنيا والآخرة معاً
стр. 9254
ومهما يكن الداعي إلى طلبه الخلافة، فإنه كان كفؤاً لها، وقد واتتْه الفرصة، التي لبث يترقبها زَمناً، بموت يزيد وابنه معاوية الثاني، ولم يبق في السفيانية من يقوى كاهله للقيام بأعباء الخلافة؛ وحينئذ نرى عبد الله يُهمّ بالعمل الجريء، فهو رجل الساعة، والظروف المهيَّأة تنتظر منه الوثوب والظهور، وقد كان ذلك؛ إذ دعا لنفسه على منبر الحجاز سنة ٦٤هـ، ولم تلبث الدعوة الجديدة أن سرت في أنحاء العالم الإسلامي؛ فخطب له على كافة المنابر (بالعراق وخراسان والحجاز والشام) سوى بعض جهات بالشام كان هواها ما يزال أموياً
وهنا تقوم عقبة شاقة أمام الخليفة الجديد! فأهل الشام الذين لم يبايعوا قد أخذتهم نعرة العصبية لبلدهم، فيمشي بعضهم إلى بعض، وفيهم الرؤساء والقواد يتشاورون ويقلّبون الأمر على كافة وجوهه، حتى لا يُفلتَ الملك من أيديهم، ولا يخرج السلطان من بلدهم؛ ثم يسفر اجتماعهم وتشاورهم على أن يبايعوا لمرْوان، وإن لم يكن سفيانياً فإنه أموي؛ وهو بعدُ أرشد القوم وأحزمهم وخير من يسند إليه هذا المنصب من أهل هذا البيت، في مثل تيك الظروف؛ ولكن الضحاك بن قيس ومعه جنده يعارض هذه البيعة بشدة، يريد أن يتم الأمر لابن الزبير، فتقع الحرب بين الفريقين بالشام، وتلوح بشائر النصر للضحاك، فيعمد مروان الداهية إلى الحيلة (كما فعل معاوية مع علي سابقاً) ويطلب الهدنة، ثم ينقض بجنده على جيش عدوه بغتة، فيشتتهم، ويقتل قائدهم الضحاك (بمرج راهط). وبهذه الهزيمة تنطفئ دعوة ابن الزبير بالشام، وتقوم الراية المرْوانية تخفق في ربوعه
ولو أن الضحاك ساعده الحظ وانتصر في مرج راهط لتغير أمر الخلافة، ولمحيَت الدولة الأموية في أول عهدها، وانقلبت سلسلة التاريخ الإسلامي، فرويت على غير وجهها الذي ترُوى عليه اليوم
بعد هذه الموقعة أضحى للمسلمين خليفتان؛ أحدُهما بالحجاز، والثاني بدمشق، ولكن مروان تعاجله المنيةُ بعد قليل، فيلي الأمر من بعده ابنه عبد الملك سنة ٦٥هـ. وكان عبد الملك حازماً وفيه صرامة، وله عزيمةٌ ورأي سديد، ولكنه مع هذا كله نراه يتهيب ابن الزبير؛ لما ثبت له في قلوب الناس من المكانة، ولأن كثرة الأقطار الإسلامية تؤيده. فكَّر عبد الملك في الأمر طويلاً، ثم طفق يُعد لحرب عدَّتها، فأخذ يحشد الجنود، ويعرضها بنفسه، وصمم أن
стр. 9255
يحسم هذه المشكلة الخطيرة التي بينه وبين منافسيه؛ فيحسن بنا أن نتركه قليلاً يستقرّ في منصبه الجديد، وينظم جيوشه، ويرى رأيه، لننظر ماذا يفعل الخليفة الآخر مع الوفود التي كانت تأتيه من أنحاء البلدان وأقاصي الأمصار، لتُقرَّ بخلافته، وتجدّدَ بيعته، وتطلب منه العطاء وتظهر له حسن استعدادها لنُصرته وتأييده، ولنرى في الجملة سياسته مع جنده الذين هم عماد خلافته وسند دعوته
جاءه مصعب أخوه بجماعة من أعيان أهل العراق، بعد أن مهَّدها، وملك زمامها، وخاطبه قائلاً: (لقد جئتُك بوجوه أهل العراق ورجالاتها، ليؤكدوا لك البيعة، وليأخذوا منك العطايا!) فيدعوه حرصه أن يمنعهم العطاء ويقول لأخيه: (إنما جئتني بعبيد أهل العراق، يستنزفون بيت المال؛ لوددت أن لي بهم صرفَ الدينار بالدرهم!!). وكان هذا الردّ طعنةً نجلاء أصابت قلوب أهل العراق، فزلزلت خلافته ولما تزل في مهدها؛ وما فتئ يجري على هذه السياسة، سياسة الحرص والشحّ بالمال، مع التأنيب والزجر، وعدم التشجيع بالكلمة الطيبة - ولقد بالغ في تقتيره على الجنود أيما مبالغة، فكان أحياناً يقتصر على إطعامهم التمر، مع التقتير في صرفه لهم، فإذا فرُّوا أنَّبهم بقوله: (أكلتم تمري، وعصيتم أمري!) حتى قال فيه شاعرهم:
ألم تر عبد الله، والله غالب … على أمره، يبغي الخلافةَ بالتمر!؟
وكان يدعوه حرصهُ أن يقول: ماذا عسى أن أنتفع بالدنيا، وإنما بطني شبرٌ في شبرٍ؟ ويقول المسعودي: أظهر عبدُ الله الزهد وملازمة العبادة مع الحرص على الخلافة، وشبر بطنه. وليس من شك في أن سياسة التقتير التي نهجها هي سياسة عاجزة، لا تنتج إلا الهزيمة وسقوط الدعوة، وضياع الأمر، فلا يسعُنا إلا أن نقول إن هذا موطن ضعفٍ كبير، ما كان ليليق بطالب الخلافة، ولا سيما إذا وجد أمامه مزاحماً قوياً، وخصماً عنيداً كعبد الملك بن مروان!! إذ كيف يبذل الجنودُ في سبيله الدماء، ثم يضنّ عليهم بالعطاء؟ إن هي إلا الهزيمة الكبرى! وإذن فقد جنى على عبد الله بخله، حيث صرف عنه القلوب، فتحولت الوجوه إلى الخليفة الآخر، يجدون فيه ملكاً يكثر العطايا، ويكرم الوفود، ولا يُعزُّ الدرهم والدينار، بل يجود بالدنيا لتقبل عليه الدنيا؛ اتجهت قلوبُ الناس إلى عبد الملك، وشخصت أبصارهم إلى بريق نُضاره، فلما أنس بهذا، ووثق بضعف عدوّه من هذه الناحية، توجه
стр. 9256
يقود جيشه الكبير إلى البصرة - وكانت لعبد الله مركز قوته، كما كانت الحجاز موطن دعوته - فلاقى بها أخاه مصعباً، ودارت بينهما رحا الحرب، فقُتل مصعب، وهُزم جنده، واستولى عبد الملك على العراق حصن الدعوة الزبيرية. وفي الحق أن عبد الملك ما قتل مصعباً، وإنما أرداه وهزم جيشه حرص أخيه على الدنيا، حرصاً نفر منه القلوب، فأسلمه أهل البصرة: وفروا إلى صفوف العدو، فقلّ ناصره، وراح ضحية التقتير وسوء التدبير
لم يبق بعد هذا إلا أن يلتقي القرنان ويتصادم الجيشان بالحجاز. فلندع عبد الملك ينظم أمر العراق الذي دخل في حوزته بعد النصر، ولنترك له فرصة يجهز فيها جيشاً آخر، تحت إمرة قائده الجبار الحجاج بن يوسف الثقفي، ليلقى به عبد الله في الحجاز. لندع كل هذا جانباً، لنشاهد موقف بني هاشم من خلافة ابن الزبير، وما صنع هو معهم بالحجاز!
كان ابن عباس وابن الحنفية وغيرهما يعلمون من قبلُ طموح عبد الله إلى الخلافة، وينكرون عليه في أنفسهم، بل كانوا يستكثرون عليه ذلك، ويرون أنه ليس أحق منهم بالأمر (وإن كان أحقّ من مروان وابنه) وكانوا يرون أن الذي يدفعه إلى هذا إنما هو الجشعُ والحرصُ على المظاهر الدنيوية (وقد ذكرنا حكاية البغلات الشهب عن ابن عمر وابن عباس) - لذلك لم يبايعوه، فحنق عليهم، وضيق خناقهم، حتى إنه فكر في الخلاص منهم، فحبسهم في شعب عارم، وجمع حولهم حطباً كثيراً، وهددهم بالإحراق، وكاد يقضي عليهم؛ ويقال إنه ما فعل هذا إلا خوفاً من تفوق الكلمة، واختلاف الناس، كما فعل عمر مع عليّ لما تأخر عن مبايعة أبي بكر، فقد هدده كثيراً
ولقد لجأ ابن الزبير إلى النفي عقاباً لمن تخلف عن بيعته، فأخرج محمد بن الحنفية من مكة والمدينة، ونفى ابن عباس إلى الطائف، وبهذا العمل العدائي مع بني هاشم، واضطهاده لهم، ضم سبباً جديداً قوياً إلى أسباب خذلانه، ولإفلات الأمر من يده، فكان بذلك مجانباً الحزم والسياسة الرشيدة
ويسير الحجاج ذلك القائد العنيد إلى الحجاز، فيستولي بعد مناوشات قليلة على جبل أبي قبيس الذي يطل على مكة ثم يحاصر البلد الحرام، فتتعطل مشاعر الحج، حتى إنه هو وجنوده وقفوا بعرفات ولم يطوفوا بالبيت ذلك العام، وطاف عبد الله ومن معه بالبيت ولم يقفوا بعرفات؛ وطال الحصار حتى سئم أهل مكة؛ ويقول الطبري إن الحجاج حصره
стр. 9257
ثمانية شهور، ولم تزل الحرب بينهما حتى تفرّق عنه عامة أصحابه، وخرج أهل مكة إلى الحجاج بأمان، ولم يصبر مع ابن الزبير سوى نفرٍ قليل ممن بايعوه على الموت دونه
وفي يوم عصيب، من أيام الحصار الرهيب، يدخل عبد الله على أمه أسماء، فيدور بينه وبينها حوار رائع، يعرض عليها حاله وما آل إليه أمر أصحابه، ويطلب مشورتها، فتبذل له النصح، وتحثه على الاستمساك بما ولاّه المسلمون، وأن يدافع عن حقه إلى آخر قطرة من دمهِ، وألاّ يقبل من عدوه خطة يصحبها الذلُّ، وتقول له في عبارة حماسية مؤثرة: (والله يا بنيّ لضربةُ سيفٍ في عزّ، خيرٌ من ضربةِ سوطٍ في مذلةٍ) وتلهِبه هذه النصيحة، وتثير نخوته، فيخرج إلى العدو في قلة من صحبه، وفي كثير من جَلَدِه وإيمانهِ، وقوة عزمهِ؛ وحينئذ نقرأ في جهاده واستبساله أروع صفحة للبطولة الكريمة، والدفاع عن الحقّ الهضيم، صفحة يتجلى فيها البلاءُ الحسن، والصبر الجميل والاعتماد على قوة اليقين، مع ضعف العُدّة والعدد، ووفرة العدوّ وإحاطته، وتمكنه من ناصية الموقف. ملك الحجاجُ عليه أبواب المسجد الحرام، وحاصره فيه، فبات يصلي ليلته، ثم أغفى قليلاً، وقام يصلي الفجر، ولما انتقل من صلاته أخذ يستعد للنزال ليرمي آخر سهم في كنانته، وليموت بعده شهيد الوفاء لمبدئه، ثم قال لمن معه: (يا آل الزبير! لو طِبتم لي نفساً عن أنفسكم كنا أهل بيتٍ من العرب! أما بعد فلا يرعكم وقع السيوف. . . غضوا الأبصار عن البارقة، ولا يلهينكم السؤال عني، فلا يقولنَّ أحدكم أين عبد الله!. . . ألا من كان سائلاً عني فإني في الرعيل الأول، احملوا على بركة الله. .) وبعد أن بثَّ الحميَّةَ في قلوب من حوله، وألهبهم حماسة، حمل على عدوه بسيفين صارمين، يضرب بهما معاً، فيهزم الداخلين عليه من هذا الباب، ثم لا يلبث أن يتكاثر الهاجمون على الباب الآخر، فيصمد لهم، حتى يولوا الأدبار، فيوقع بهم، وهو يقول: (يا له من نصرٍ، لو كان له رجالٌ!!)
لو كان قرني واحداً أرديتُه … أوردتُه الموتَ وقد ذكيتُه!
ولم يزل يضرب القوم بصارميه ويشتت شملهم، حتى قُذِف بحجرٍ ضخم أصابه بين عينيه فخرَّ صريعاً، وتكاثر الجند على البطل المضرَّج بدمهِ الحرام، في المسجد الحرام، واحتزُّوا رأسه ولم يرْعَوا فيه ديناً ولا رَحماً
وكان مصرع البطل الشهيد سنة ٧٣هـ بعد أن أدرك وطره وسلّم الناس عليه بالخلافة
стр. 9258
زهاءَ تسع سنوات، كانت كلُّها خُطباً واستعداداً، وحرباً وجهاداً
وبعد فهذا بطل صنديد، وخليفة شهيد، نرى في طلبه الخلافة، وتعريض نفسه للمخاطر، إبان تلك الظروف العصيبة حدباً على المسلمين، وأنفةً أن يساموا الخسف من بني أُمية، ونوعاً من التضحية في سبيل الجماعة، كما نلمح في نفسه نزعةً ساميةً، وشرفاً وشجاعة، لا نجدها في كثير من رجالات عصره، فلقد كان هو رجل الوقت بلا منازع، لم يتوقع بنو أُمية الوثوب الظافر عليهم من غيره؛ ولقد صدقت فيه فراسة معاوية
والحق أن خلال عبد الله منذ تنشئته كانت ترشحه وتعده للخلافة، ولكن لأية خلافة؟ للخلافة المتقشفة الحريصة على أموال المسلمين أن تنفق في غير وجهها، لا تلك الخلافة المترفة التي تنغمس في النعيم، وتغمرُها أبهة الملك ومظاهر السلطان؛ ولو لم يرْنُ عبد الله بطرفه إلى هذا المركز السامي، لكان ذلك غريباً عن طبعه، مناقضاً لنشأته، وعلو همته وطموحه؛ فلنسجل له ثورته العنيفة الدامية على من طلبوا الملك والدنيا باسم الخلافة الإسلامية العتيدة
(ميت غمر)
محمد حسني عبد الرحمن
стр. 9259
نحو الفجر
للأستاذ عبد الرحمن شكري
المقدمة:
إن الذي يأمل للإنسانية فجراً تنجاب فيه ظلمة الضيم والشر، يرى في فجر كل نهار رمزاً له ووعداً به؛ فيتعلل بهذا الرمز ويتنظر إنجاز الوعد آملاً أن النومة التي يحدث فيها للإنسانية كابوس من الأضغان والأذى والتنابذ والكيد، والاستهتار في العبث بالحق، يكون فيها أيضاً نسيان لخصالها الوضيعة يدركها من طريق سنة النوم فتستيقظ في خلق الحق والخير (الناظم)
أرقتُ فطال الليل أم طال بي عمري … كأن انجياب الليل في موعد الحشر
كأنِيَ في لج من الليل غارق … سوى هدأة لم تُلْفَ في لجج البحر
كأني غريب من حراك لواعجي … بِعَلِم صمت غاله الصمت من سحر
كأن غصون الدوح في حندس الدجا … رءوس ثكالى أرسلت أسود الشَّعر
كأن النجومَ الغانياتُ تَرَهَّبَتْ … تبيت طوال الليل تعبد في دير
أو الفلُّ مزروعاً بحقل بنفسج … وكاللازورد الأفق رُصِّع بالدر
أو أنَّ ثقوباً في جدار زبرجد … تَطَلَّعُ منها الغيدُ يشرِفن من خدر
أُقَلب طرفي بينها مُتَفَهِّماً … تَفَهُّمَ معنى اللفظ في صفحة السِّفر
كأن الدجا دَيْرٌ به البدر راهب … جميل المُحَيَّا حوله هالة الحبر
كأن صقيعاً قد كسا الأرضَ نورُه … أو أن عليها أبيض الطُهر ما يمْرِي
كأن فراشاً أبيضاً مَدَّ نُورُه … مهاداً لروح أو شبا كامن السحر
أما يذهل الراؤون من سحر ضوئه … وقد تحسب الأحلام تسري وما تسري
وإن تكُ أحلام فأوهام خاشع … عراه جلال الحسن في الليل والبدر
أيحلم هذا الدوح في سحر ضوئه … فقد خلته من هدأة النوم في أسر
كأن حفيف الدوح أضغاث حالم … أو أنَّ حديثاً بينه خافت السر
أدور بعيني لا أرى غير ساكن … فأين احتيال الناس بالغدر والمكر
وأين نشاط القوم للهو والهوى … وأين مساعي الناس في الخير والشر
стр. 9260
ألا ليت نسياناً كذا النوم ساقياً … يدير لهم كأساً ألذ من الخمر
لتذهلهم عن كل شر وفتنة … فيستيقظ النُّوّامُ في خلق الطهر
خواطر آمال أُسَلِّي بها الدجا … وتمضي مُضيَّ الليل أو طيرة الطير
فلما تَقَضَّى الليل وانجاب جنحه … رأيت صباحاً يصبغ النبت بالتبر
تَشُوب اخْضِرَارَ الروض صفرةُ ساطع … من الضوء مثل الغيد في حلل خُضْر
كما تينع الأثمار شاب اخضرارَها … لدى النضج لونٌ في غلائلها الصُّفْر
كأن نبات الزهر من نبت جنة … رمى مَلَكٌ من أفقها الأرض بالبذر
أظل وطرفي في مدى الأفق ذاهل … أحاك عليه الفجر وشياً من السحر
ويرنو إليَّ الفجر من خلف ظلمة … بنور كما شَفَّ الرماد عن الجمر
كأن مَماتاً في الدجا أهلك الدُّنا … فتبعث فيها الروح في وضح الفجر
كأن كيان الكون يخلق ثانياً … فإن انفجار الفجر كالخلق والنشر
تخال تباشير الصباح أزاهراً … إذا ما بدت فوق الشجيرات كالنَّوْرِ
فيختلط الزهران حسناً ومنظراً … ويزداد نِظْرُ الحسن من مشهد النِّظْرِ
تحَدِّث أنباء السماء بمشرق … من الضوء مثل الرُّسْل تُبْعَثُ بالخير
تبادهنا منها محاسن جمة … كما باده الأذهان من حَسَن الفكر
تفض ختام النفس عن كل ذكرة … وكم ذِكَرٍ في الضوء والزهر والعطر
تذكرنا الآمال والحب والصِّبَى … كأن رواء الصبح ضرب من الشِّعر
كذلك يغدو منظر الحسن ذكرة … وخاطرة في النفس تُسعِدُ في الضُّر
وتستيقظ الأرض النَّؤوم إذا حنا الص … باح عليها يلمس الثغر بالثغر
كما استيقظ الطرف المُغَمَّضُ بعدما … أريق عليه ساطع من سنا البدر
تحن إليه النفس من بعد ظلمة … فتحكي حنين الطير تهفو إلى الوكر
ترى الصبح يجلو النهر كالقين سيفه … ويذكي الندى فوق الشجيرات كالدر
أُطِلُّ بأفكاري على النهر مثلما … لدُنْ هدأة يحنو النبات على النهر
تصب عليه الشمس رقراق عسجد … فيعلو لجينَ النهر نهرٌ من التبر
ترى تارة في متنه الماَء راجفاً … كما ارتعدت أبشار غيدٍ من القُرِّ
стр. 9261
وتحسب أن النهر يشعر بالذي … يعالج من حالَيْه في القر والحر
ترى النهر مثل العين سحراً وبهجة … ويُمْلأُ مثل العين بالصُّورِ الكُثْرِ
يبوح بسر الحسن لونٌ مجدد … ولولاه ما ألفيت في الكون ما يُغري
وأروعه ما كان منه فجاءةً … فجاءة صبغ النهر من سُحُبٍ حُمْر
وليس رواء الكون في الصيف وحده … فرب شتاء ناثر أيما ذُخر
جلال يريح النفس من بعد رونق … نصيبك من سحرين في الحر والقر
على أن ذكرى الصيف فيه جلية … ففي النهر من ذِكرٍ وفي الروض من ذكر
وقد يحلم المحروم باليسر واللهى … كذلك حلم الأرض بالصيف واليسر
فلما تقضي الليل يحدو لواعجي … وذكرى طيور الصيف تهزج في صدري
أخذت نصيباً من جَدَى الفجر وافراً … فنهنهت آلامي وأرخيت من صبري
وأملت للدنيا صباحاً مؤجلا … سيكشف عنها ظلمة الضيم والشر
فكل صباح رمزه ومثاله … ووعد به يحدو إلى الزمن النضر
نسر بنعماه وإن لم تكن لنا … وننشده فيما يكون من الدهر
عبد الرحمن شكري
стр. 9262
المثل الأعلى في السينما
حياة عبقرية متألمة
اللحن الذي لم يتم
للأستاذ خليل هنداوي
- ١ -
قد يكون الإقبال على هذا الفلم الناطق بالألمانية ضعيفاً، لأن مخرجه لم يترك مجالاً للمادة تعبث بالفن، وللمصلحة تغلب على العاطفة، وللعبث تسطو يداه على (مثل أعلى) ألفته عبقرية - أقامت في الأرض عمرها - بمداد روحها ودماء قلبها. على أن هذه الحياة قد فسدت، ولم يبق خالصاً ظاهرها ولا باطنها، فالقوم قد لجوا من صراع المادة المستحوذة عليهم، وهم الذين تركوا لها مجال التسيطر، تفر منهم، وهم إليها يفرون! وقد آل بهم هذا الصراع الدائم إلى أن يعموا عن جوهر الحياة الذي وضعته الحياة على أبنائها يوم كانت، فهم من صراع إلى صراع، ومن نزاع إلى نزاع، لا ترتاح لهم جنوب ولا تستقر مضاجع. أحلامهم طافحة بالعراك كيقظاتهم، وليت شعري لِمَ هذا العراك، وليت فيه هذا النزوع إلى محجة الحياة، فهم مضطرون إلى تهدئة أعصابهم المجنونة وقلوبهم الثائرة باللهو واللعب، يطلبون اللهو متى انتهوا من جدهم، ويتوخون العبث متى خرجوا من دائرة عملهم. لهو كثير وجد كثير تذوب بينهما حياة شفافة في سبيل الحياة البهيمية! وقد شعرت السينما بتعب الإنسانية وأحست بضناها، فأحبت أن تسعفها في جهادها، وتريها ومضات تلمع وتخبو في جنبات (الشاشة البيضاء). فهي تتشبث بالألحان والحسان ومظاهر الخيال الذي لا ينطبق على حقيقة، لتفرِّج عن هذه الإنسانية المنكوبة، ولكنه دواء من ينقش الشوكة بشوكة، وينير للشمعة سبيلها بذوبها. لأن مثل هذه الألحان المضطربة والنجوم الساطعة الخابية سرعان ما تفقد تأثيرها لأنها لم تصب هدفاً معلوماً ولم تطرق نهجاً مرسوماً
قد تكون السينما للأدب حليفة وقد تكون عدوة، لأنها تريد أن تهضم (الأدب) وتبلع زاد
стр. 9263
العقل لتحمله للناظر عن طريق العين، فهي مساعدة للأدب على خلق (المثل الأعلى)؛ وباعثة في الأرواح مختلف الأشواق والحنين إلى ربوع (المثل الأعلى)، ولكن من المخرجين من لا يبالي بهذا المثل ولا يسمع صوته، لأنه يريد أن يقبض على عيون الناس وجيوبهم، وهذا هو الأديب التاجر، ومنهم من يؤمن بهذا المثل، ولكنه لا يجد الفرصة سانحة لمثل هذا النوع. فهو يُلقي الومضة إثر الومضة لأنه لا يقدر أن يتبرأ من كل ما يجيش في صدره، ولكن أكثر بضاعته بضاعة يرضى بها رؤساءه. ورؤساؤه يعرضونها ليكسبوا بها جنوداً ونقوداً، وهذا هو البائس المداري، ومنهم من بلغ إيمانه بالمثل الأعلى مبلغاً عظيماً، يخرج من الروايات ما تؤمن به روحه، ويخلق فيها شيئاً جديداً متدفقاً لأنه يعمل بقلبه لا بيده، وهذا هو من يشفق على هذه الإنسانية، ويريد أن يحملها على أجنحة صوره وألحانه - ولو ساعة - إلى عالم المثل الأعلى؛ يريها ما هنالك من نور طافح وأمل خافق. والجالس إلى أفلام هذا المخرج ليجد نفسه وقد انسلخت عنه بغير شعور منه إلى عالم شعري بعيد، ما كان حامله إليه إلا فكرة سامية نقلتها أشعة العين إلى القلب فهام واستُهيم. . . إن مثل هذا المخرج يعطي أكثر مما يأخذ، ويهمه من الناس قلوبهم قبل جيوبهم
مرّت بي هذه الخطرات وازّاحمت في نفسي يوم رنت عيناي وخشع قلبي لهذا (اللحن الذي لم يتم) أراه للمرة الثانية، وقد تجردت روحي عني لتتسامى في هذا اللحن ما شاء لها التسامي
- ٢ -
هذا اللحن أو هذا (الفِلم) ترجمة دقيقة لفصل من حياة (شوبير) الموسيقي النمساوي الذي لم تفض عليه الحياة أجله (١٧٩٧ - ١٨٢٨) لكنه فصل مشحون بكل ما يتمثله فكر عن فنان. وسأعرض عليك هذا الفصل لتتلمس فيه هذا المثل الأعلى الذي نجح المخرج في إظهاره. وإنما هو حياة فنان يشق طريقه إلى المجد بأوتار قيثارته وأنامل (بَيانه) البيضاء، وتاريخ صراع هذا العبقري للمصادفات والأقدار التي انتصر عليها
نحن الآن في منزل (رهون) تجتمع فيه البذلة الثمينة بجوار تمثال (نابليون) والقيثارة الجريح بقرب الحسون في قفصه (رهين المحبسين!) تتسلم هذه الأشياء فتاة جميلة، لامعة
стр. 9264
العينين، لا تقدر قيمة الأشياء إلا بحسب قائمة عندها
يطل على النافذة فتى تكاد تيبس عضلات وجهه المتصلب، على عينيه نظارتان، يمد قيثارته التي طالما ملأت ألحاناً، وأشبعت وحدته أماناً، يقدمها بيد مرتعشة ليرهنها، يجد ثمن الرهن ضئيلاً فيراجع الفتاة الجالسة فتجيبه: هذا هو الثمن المحدد! ولكن صوتاً يهيب بها في داخلها، وإنما هو صوت الحنان على الفن الذبيح. . . فتزيد الثمن وتدعو الله أن يذهل والدها عما زادت، ليتسنى لصاحب القيثارة أن ينتفع ببدل قيثارته. فيأخذ الثمن ويحصيه بعد خروجه فيجده أكثر مما قالت، فيعود بقلبه البسيط، فيعثر بالفتاة خارجة وتخبره أنها شذت معه إكراماً لفنه؛ وإذ يسمع - شوبير - ألحاناً تأتي من بعيد فينطلق وراءها وهي تقودها إليه عاطفة غريبة، فتسأله سر ابتهاجه بهذه الألحان، فينبئها أنها ألحانه يرددها الصبايا الحانيات على الماء
- إن ألحانك ترددها (فينا)؟
- أجل! ترددها (فينا)
- أنت سعيد إذاً شوبير! ولابد أنك غني
- أما الغنى فلا
- ولماذا تثابر إذن على التلحين؟
- وما يكون عمل شوبير في الوجود إذا انصرف عن التلحين؟
- وهذه الأبيات الرقيقة التي أسمعها أهي من (جيته)؟
- لا!. ومن هو جيته؟ إنني لم أسمع به قبل اليوم
- إنها من نظم صديقي (موللر)
- عجيب، ألا تعرف (جيته)؟
وهنا يعودان على آثارهما فتثب إلى غرفتها وتقذف له على طريقه بديوان (لجيته) فيأخذ الكتاب، ويلتهم ما في الكتاب ويتلو ذاهلاً غافلاً؛ يخطر في الشوارع وعيناه شاخصتان في الكتاب، ويدخل قاعة الدرس وطلابه في حرب يعلنها بعضهم على بعض، سلاحها الأوراق والكتب وإهراق المداد! وقد تصيب دواة قبعته فتطير عن رأسه فلا يشعر: ولكنه لا يكاديستقر في مكانه حتى تهدأ الجلبة وتقر الحركة، فيعجبه هذا السكون ويشكر طلابه
стр. 9265
عليه، فيبدأ درس الحساب ويكتب على اللوح الأسود بادئاً بجدول الضرب، ولكن هذه اليد تتحرك بغير وعي وتنتقل بغير إرادة. لأن القلب الموسيقي الذي أطل عليه من وراء (جيته) قد استولى عليه، فيده تسطر وقلبه يلحن، وما هي إلا لحظة حتى كان الطلاب من ورائه يرددون اللحن الذي سطره! وإذا بدرس الحساب يتحول إلى درس موسيقى! فيسمع الرئيس الألحان شائعة في الفناء، فيطرق غرفة (شوبير) فيجده لاهياً وطلابه بهذه الأغنية، فيطلب إليه أن يهرع إلى مقابلته، ولكن هذه المقابلة التي يتخيلها الناظر عثور جد وسوء طالع، قد هيأت لشوبير أن يقابل (مدير الأوبرا) في (فينا) المعجب ببراعته، وهو ينتظره في بهو الرئيس يحمل إليه دعوة إلى منزل الكونتس (دي رنسكي) ليعزف في إحدى سهراتها الموسيقية الحافلة التي تقيمها كل خميس وتجعل من منزلها ملتقى أرباب الفن وأنصاره. وجدير بمثل هذه المقابلة أن تفتح أمام (شوبير) مستقبلاً زاهياً مضموناً. ولكن أنى له أن يخشى هذه الحفلة وليس عنده رداؤها. وقد طرق بيت الرهون فرده صاحبه خائباً، لأنه لا يملك ما يفك به رهينة، ولكن الفتاة الهائمة بفنه أعادت إليه رداءه وقبعته لتحقق له ظفره في هذه الليلة
كان بهو (الكونتس) يعج بالزائرين والزائرات ممن سما بأرواحهم الفن والموسيقى؛ وفجأة دخل (شوبير) منتفخ الرداء ساطع الوجه، يلمس غده بيده. ولكن نشوة السرور قد أذهلته عن أن ينزع (علامة الرهن) عن ظهر الرداء. فمر وعيون القوم رانية إليه، تتغامز عليه. فقبل يد الكونتس وحطم بخيط (العلامة) تمثالاً عزيزاً علق به، ولكن الكونتس لم تزد إلا ترحيبا به
جاء دور (شوبير) ومرت أنامله على (البيان) أنشودة أبدعها لمثل هذه الساعة. وأودعها كل ما يختلج في صدره من أماني وأشجان. فترى القوم سكارى وما هم بسكارى! فتدخل - خلال ذلك - الكونتة استركاز الفتاة الحسناء وهي متأخرة، فتأخذ مقعدها وتصغي بروحها المرحة إلى هذه النغمات، فتسأل فتاها فيجيب همساً: إنه (شوبير) فلا تفهم. فيكتب على صفحة مرآتها بعد ذر (البودرة) أحرف (ش وب ي ر) فلا تفهم. . . وتنفخ على اسمه فيطير. ولكن أوضاع جلوس شوبير على البيان تهيب بها إلى الضحك فتملك نفسها فلا تقدر، فترسلها ضحكات عالية تنال من عزة (شوبير) فيرمقها شزراً، ويغلق البيان بعنف،
стр. 9266
ويهب من مقعده لا يملك نفسه المهتاجة، فيدركه (مدير الأوبرا) فيجيبه بإباء وأنفة:
- أنا لست ممن يعزفون وهم يضحكون!
وانطلق وقد ترك في المنزل، زوبعة، وصاحبة المنزل تقول للفتاة (ومما يؤسف له أن المقطوعة لا تبعث على الضحك)
تلك عزة الفن دعته فأجاب، وهو يقدر أنه قاتل مستقبله، وداع البؤس إلى ساحته، ولكن ما همه بمستقبله وبغناه إذا كان الفن يحيا في منزله مهاناً ويرضى بهوانه؟ أليس هذا المثل يضرب لكل فنَّان معنى العزة ويبعث فيه الكبرياء؟
خرج (شوبير) دامي القلب، ولكنه عنيف الثورة شديد النقمة على هذه الغادة التي حالت بينه وبين إتمام لحنه. . . آب إلى غرفته بأمانيه المهزومة كالقائد المنكسر يعود بفلول جيشه وأوسمته القديمة، فألفى غادته الأولى في انتظاره، وهي لم تكن لتحب أن تراه مقطباً عابساً، جلس إلى البيان يعاود ذلك اللحن الطائر، فلا يكاد يشرف على المهوى الذي تعالت فيه ضحكة الساخرة، حتى يتمثل أن ضحكتها تملأ جو غرفته، فيهب مذعوراً يسد أذنيه، وكأن يداً سحرية تحول بينه وبين الانتقال إلى المهوى الثاني. وبعد محاولة غير مجدية غادر البيان والبيان يضحك، وجدران الغرفة تضحك، وهي في قرارة ضميره تضحك. . .
كلفه هذا الحادث كثيراً، فقد أخرجوه من المدرسة، وحرموه الخبز الذي يأكله، فألحف الدائنون في الطلب، ولج الأصدقاء في الهرب. وشفعت له (فتاته ايمي) عند (مدير الأوبرا) ولكن هذا قد قُدَّ قلبه من جماد!
- كن لطيفاً معه
- أنا لست بلطيف
- لا تهجر شوبير!
- إنه يستحق
- ولكن اذكر أن (فينا) تترنم بأغانيه، فأين أغانيك؟
بمثل هذه البساطة وهذه الحدة كانت تجادل (ايمي) مدير الأوبرا لاستمالته إلى معاضدة (شوبير) ولكن العبقرية كتب عليها القدر ألا تخط طريقها إلا بدماء القلب الجريح، والشقاء الدائم، فليمش (شوبير) على طريق العبقرية. . .
стр. 9267
- ٣ -
طلب أحد الأمراء الموسرين في (هونفريا) إلى شوبير أن يقدم عليه ليعلم فتاته الموسيقى، فارتاح لهذا الطلب وأيقن أن الأمل طفق يبسم له، فودع (ايمي) ووعدها بأن يكاتبها وسار وراء الأمل الجديد
دخل المنزل فاستقبله الوالد بابنتيه (ماريا وكارولين). نظر شوبير في وجه (كارولين) فأدرك أن هذا الوجه هو وجه الساخرة، فاربّد وجهه وتقلصت شفتاه. ولكنه هدأ نفسه وكظم غيظه. وغادر الوالد المكان، وعدت وراءه (ماريا) لأنها لا رغبة لها في الموسيقى، وخلا له ولها المكان
قالت كارولين باسمة:
- أريد أن أعرفك، لأنني جعلت درس الموسيقى سبباً!
- أتودين أن تسخري مني أيضاً؟
- لا يا شوبير! أريد منك أن تغلق هذا البيان
فدنا شوبير من البيان وأغلقه بهدوء، فضحكت كارولين وقالت:
- في إمكان الإنسان أن يغلقه بدون ضوضاء! قد شعرت بخطيئتي العظمى، وإني لأرجو أن تصفح عني. . .
- قد صفحتُ!
- إذا سنبدأ غداً. . .
وفي اليوم الثاني كان (شوبير) يلقي على تلميذته قواعد في الموسيقى وفي الإيقاع، ويبدي لها أن الإيقاع هو حياة الموسيقى وأصل توازن ألحانها؛ ويعرض عليها مقطوعة صغيرة له تتلوها بصوت عال، فتتلو السطر الأول والثاني ثم يتعالى صوتها شادية مرنمة يتلاشى أمام نغماتها ونبراتها عزف البيان ولحن القيثار، فيذهل شوبير وأي ذهول! ويتصاغر أمام جلال هذا اللحن المتناسق؛ حتى انتهت من تلاوتها وجاءت على هذه الكلمة (وهي مقطوعة مهداة إلى الفتاة ايمي) فثارت في نفسها غيرة عميقة، لأنها كانت تشعر بأن هذا الفنان يجب أن يكون لها وحدها، فطلبت إليه أن يقدم لها في المرة الثانية من أغانيه ما لا تشركها فيها امرأة! ولتكن تلك الأغنية التي لن تكمل. . . ولكن هذه الأغنية ظلت غير تامة لأنه لم
стр. 9268
يستطع أن يتمها
قالت له كارولين في إحدى خلواتها:
- سمعت بأنك تختلط بعمالنا في المزرعة في جلسات طربهم وأني لأربأ بأستاذي أن يغشى هذه المجاميع الساقطة
ولكن شوبير كان يستوحي الفن حيثما كان، ويعتقد أن الفن يسكن في الأكواخ، وفي الجماعات المنحطة، وفي التراب. وظل يغشاها كعادته، حتى فجأته يوماً في مجلس لهؤلاء (الغجريين) الذين تخذوا الحياة عزفاً وطرباً، وقذفوا بهمومها من وراء ظهورهم. فجأته وهي ترتدي رداء (الغجريات) وعلى وجهها تطفو بهجتهن وسرورهن. فرقصت حتى بات المكان كله لا يتسع إلا لقدميها. رقصت حتى أعيت، ودنت منه تنشد مقطوعة رقيقة تدعو إلى الاستسلام الذي تولده الغبطة الكئيبة:
(قل انك تحبني؛ قل بدون انقطاع
قل انك تحبني قليلاً. . .
كلماتك هذه تبعث الغبطة في نفسي، والراحة في قلبي
عيناك هما السبيل الجميل حيث يتوارى حلمي
قل انك تحبني، واكذب إذا وجب الكذب. . .
قل ذلك. . . لأنك - إذا سكتَّ - تسلمني إلى الموت)
وجدير بمثل هذه الأغنية الرقيقة أن تذهلها عن نفسها، وأن تغيب أستاذها عن وعيه. فيلثم يدها، والزوبعة لا يزال هزيمها بين الأغصان. فغادرت المكان راكضة بين المروج الذهبية التي هي قبلة العشاق، ومرتجى أصحاب الوحدة، فتبعها ليرجع إليها نقابها
- قفي يا كارولين. . . لقد نسيت نقابك. ما عسى يقولون في القصر إذا عرفوا؟ لماذا جئت؟
- ألا تعرف أنت حتى الآن. . عانقني يا شوبير!
وهنا ضمتهما قبلة عميقة لم تشهدها إلا السماء. ولم تسمع همسها إلا الأزهار والأعشاب. . . . أذهلتها عن نقابها الذي سقط على الأرض فعادت بغير نقاب
- ٤ -
стр. 9269
أدرك الأمر والدها، ورأى في فتاته ميلاً إليه قد ينتهي بالزواج. فأحب أن يحول بينهما، فصرف (شوبير) صرفاً أدبياً ليعود إلى عزلته الأولى. وشوبير في كل غيبته لم يذكر (ايمي) بكتاب. لأن كفة (كارولين) رجحت على كفتها. فلم تستقبله (ايمي) ولكنها سمعت أنه يكاد يغدو مجنوناً. وهو في كل يوم يرتقب كتاباً من (كارولين) وهاقد دب اليأس في نفسه بعد انتظار ثلاثة أشهر، وهاقد أشفقت (ايمي) عليه فهرعت إليه بدون إرادة ولا عزيمة. . . . وفي لحظة حضورها وردت عليه بطاقة من القصر تأمره بالحضور العاجل. فما قابل (ايمي) إلا ليودعها وتودعه
- ايمي! كوني سعيدة إنني مسافر، سوف أبعث إليك بأنبائي
انطلق (شوبير) ولا يعرف ما كُتب له. فشاهد في القرية حالة غير معهودة؛ أجراس تدق، وثياب بيضاء ترف. وأغنٍ تتعالى. إنه عرس (كارولين) أجئتَ يا شوبير لتودع كارولين؟
لم يكن صاحب البطاقة المرسلة إلا (ماريا) أخت (كارولين) دعت (شوبير) ليحضر حفلة زفاف أختها. وليصفح عنها لأنها كفَّرت عن وزرها بالبكاء الطويل، ولكنها أذعنت لوالدها مضطرة غير مختارة. . . وقد وقف (شوبير) بين الجموع يشهد مرورهما أمامه
وقفت (ماريا) فجأة بين جموع المهنئين في بهو القصر، تعلن أن (شوبير) يريد أن يهنئ العروسين (فدخل شوبير وقد رنت العيون إيه، ومشى حتى بلغ موقف (كارولين) وقال لها: (يا سيدتي! هل تتفضلين بأن أقدم تتمة اللحن الذي لم يتم تقدمة لك في يوم عرسك؟) واختلف إلى البيان يردد اللحن الأول (وكارولين) بين الجموع تنتفض طوراً وتختلج تارة تحت تأثير الذكريات الهافية حولها. تفيض على قلبها مرارة، وعلى محجريها تطفح دمعتان. وما كاد ينتق (شوبير) إلى تتمة المقطع، وقد اختلفت النغمة، وامتزج الجلال بالجمال، ونطقت العاطفة، وغلب القلب على الأنامل، حتى سقطت (كارولين) مستخرطة في البكاء في الموقع الذي قاطعت شوبير بضحكتها. فانفض الجمع وأخذوا المريضة. وشوبير مُسمَّر في مكانه لا يتزحزح. وبعد برهة عاد إليه زوجها يقول له: (إنها تحسنت قليلاً وتود أن تقابلك). عادت كارولين ووجهها مقنع بكل ما رسمت على وجهها الحياة منذ طفولتها حتى الساعة. فالآمال مجاورة للآلام. واليأس مؤتلف مع القنوط: إنه وجه حياة كاملة
стр. 9270
- شوبير! هذه مقطوعتك أرسلها إليّ
- ولِمَه؟ أنها مكتوبة للجميع
- عش سعيداً يا شوبير! ولا تحزن. إنك تملك شيئاً هو أسمى من كل شيء. . . هو الفن الذي يعطيك الخلود
طفرت من عينها دمعة، وانصرفت راكضة لأنها لا تستطيع أن تقف أمام هذه السحابة الجارفة التي يسوقها فن عميق سامٍ جارف
عاد (شوبير) إلى لحنه، فأبقى ما عزفه، ومزق تتمة اللحن، وكتب حول ما مزقه: (ليكون دليلاً على حبي الذي لا ينتهي، جعلتُه لحناً لا ينتهي). وخرج (شوبير) يسلك الطريق الذي أبصر أحلامه الواثبة، والآن يبصر نفسه المكتئبة؛ وما زال يقذف به السير حتى وقف على تمثال (مريم العذراء) وهنالك تمازج كل ما فيه من عوامل متضادة، من يأس ورجاء. من غبطة وكآبة، وفن ومثل أسمى، لتؤلف هذه العوامل (أنشودة السلام الملائكي) التي خلدت شوبير في عالم الموسيقى. .
(السلام الملائكي)
سلام عليك يا مريم! يا ملكة السماء
إليك ترتفع صلاتي، وأرى العطف في عينيك
وفيك أيتها الطاهرة أضع رجائي
ولدي كان مخفف بؤسي، ومعزى فاقتي
إنه تألم، وا أسفاه، إنه قضى
افهمي دموعي أنتِ، يا من كنتِ أماً
وأعيدي إليّ طفلي البائس. . .
سلام عليك يا مريم! إن ولدي جميل
كنتُ به مختالة معجبة. . .
باركي سريره الصغير. . .
إنه كان خيري، بل خيري الوحيد
إذا أصابني الله في غضبه
стр. 9271
فاعطفي أنتِ على الصغير البريء
واستجيبي لي. . . إنني أُم
تطلب الموت في سبيل ولدها
سلام عليك يا مريم
أرى طفلي ولد ثانية بالصلاة
كأنه الزهرة العاطرة، والمنحة الجميلة،
والجمال الجذاب، والسر المقدس،
انظري إليّ! أنت يا موضع أملي!
ولدي! إن جبينك ليسطع نوراً. . .
شكراً لك أيتها الأم الإلهية
أنتِ التي أنقذتِ ولدي
سلام عليكِ يا مريم. . .
هي مقطوعة تناجي بها أُم ثكلى (مريمَ) وتبثها شكواها. وقد برح بها الحزن وأمضها الألم. والآن تغلق قلبها المفتوح وتطوي ألمها المنشور، وتحس براحة نفسية، تصافح الألم فلا تراه شائكاً، بل هي الآن أوسع صدراً للألم لأنه لا يطغى على إيمانها. وقد تكون هذه الفكرة فكرة فنان شاعر يناجي مثله الأعلى الذي وجد فيه أمله الأسمى. فهو يحمل نفسه المجرّحة يريد أن يلقى لها منزلاً تنزل فيه، فيجد الأبواب كلها مسدودة، وهاهو ذا الآن على طريق المثل الأعلى الذي سلخه عن الوجود
قد تلاشى الحب في (شوبير) وانطفأت جذوته الملتهبة، وابتعدت ذكرياته العذبة. لا لأن شوبير محب كاذب يسهل عليه الاتصال والانفصال. ولكن شوبير قلبه قلب فنان، وقلب الفنان كبير، قد ارتسمت - على قلبه - كل أشواقه الماضية، وآلامه الغابرة وسرت معه لتؤلف (ذلك المثل الأعلى) بفنه الذي - كما قالت كارولين - إنه وحده يعطيه الخلود
وقد يتسائل القارئ: أما وقد عاد شوبير خائباً، فكيف التقت به (ايمي) فتاته الأولى؟ بقيت نقطة غامضة لم يعالجها المخرج ليترك المثل الأعلى منتصراً على كل شيء
- ٥ -
стр. 9272
قد لا تروق هذه النتيجة للبعض، لأنهم يتلقونها بعقولهم وعقولهم لا يرضيها شيء من غذاء العاطفة، ولا تقبل إلا بما فيه غذاء لمنطقها، ولا يغذى منطقها إلا عالم الواقع الملموس. . . ولكن فاتهم أن هذا العالم الواقعي قد بدأت تطفو عليه عوا الاضمحلال لأنهم قتلوا فيه كل مثل، سواء ذلك المثل الذي يوحيه الفن أو يوحيه الشعر
لا يحمل الناس من هذه الوهدة التي نزلوا فيها وهذه المادية التي استغرقوا فيها إلا الإيمان بالمثل الأعلى فهل نرى - السينما! - تقف يوماً أمام الفن والشعر جنباً لجنب، لتؤدي ما عليها من التبشير بهذا (المثل الأعلى)؟
خليل هنداوي
стр. 9273
٩ - شاعرنا العالمي أبو العتاهية
للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
زهده وتكسبه بالشعر:
كان أبو العتاهية مع زهده لا يترك التكسب يشعره، وإذا رجعنا إلى حاله في ذلك وجدناه لم ينقطع عن بني العباس وقبول جوائزهم من عهد المهدي الذي ابتدأ اتصاله بهم فيه، إلى عهد المأمون الذي انتهت فيه حياته، وقد طعن عليه بذلك في زهده كثير من منافسيه في الشعر وغيره، وحملوا ذلك منه على الرياء والمخادعة، وقد أنشد المأمون بيت أبي العتاهية يخاطب سلماً الخاسر:
تعالى اللهُ يا سَلَم بن عمرو … أذلَّ الحرص أعناق الرجال
فقال المأمون: إن الحرص لمفسد للدين والمروءة، والله ما عرفت من رجل قط حرصاً ولا شرها فرأيت فيه مصطنعاً. فبلغ ذلك سلماً فقال: ويلي على المخنث الجرار الزنديق، جمع الأموال وكنزها، وعبأ البدر في بيته، ثم تزهد مراآة ونفاقاً، فأخذ يهتف بي إذا تصديت للطلب. واجتمع أبو العتاهية مع جماعة عند قُثَم بن جعفر بن سليمان فأخذ ينشد في الزهد، فطلب قثم الجماز فأحضر إليه وأبو العتاهية ينشده، فأنشأ الجماز يقول:
ما أقبح التزهيد من واعظ … يزهِّد الناس ولا يزهّد
لو كان في تزهيده صادقاً … أضحى وأمسى بيته المسجد
يخاف أن تنفد أرزاقه … والرزق عند الله لا ينفد
والرزق مقسوم على من ترى … يناله الأبيض والأسود
فالتفت أبو العتاهية إليه فقال من هذا؟ قالوا الجماز، وهو ابن أخت سلم الخاسر، اقتص لخاله منك، فأقبل عليه وقال له: يا ابن أخي إني لم أذهب حيث ظننت ولا ظن خالك ولا أردت أن أهتف به، وإنما خاطبته كما يخاطب الرجل صديقه، فالله يغفر لكما، ثم قام
وحدث حبيب بن عبد الرحمن عن بعض أصحابه قال: كنت في مجلس خزيمة فجرى حديث ما يسفك من الدماء، فقال والله ما لنا عند الله عذر ولا حجة إلا رجاء عفوه ومغفرته، ولولا عز السلطان وكراهة الذلة، وأن أصير بعد الرياسة سوقةً وتابعاً بعد ما كنت متبوعاً، ما كان في الأرض أزهد ولا أعبد مني، فإذا هو بالحاجب قد دخل عليه
стр. 9274
برقعة من أبي العتاهية فيها مكتوب:
أراك امرءاً ترجو من الله عفوه … وأنت على ما لا يحب مقيم
ندل على التقوى وأنت مقصر … أيا من يداوي الناس وهو سقيم
وإن امرءاً لم يلهه اليومُ عن غد … تخوَّف ما يأتي به لحكيم
وإن امرءاً لم يجعل البر كنزه … وإن كانت الدنيا له لعديمُ
فغضب خزيمة وقال: والله ما المعروف عند هذا المعتوه الملحف من كنوز البر فيرغب فيه حر. فقيل له وكيف ذاك؟ فقال لأنه من الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله
وقد كان أبو العتاهية يجمع إلى أخذه بهذا التكسب الذهاب في البخل إلى حد مكن منه خصومه فشوهوا به زهده أيضاً، وله في بخله نوادر كثيرة، وأخبار مأثورة، قال ثمامة بن أشرس أنشدني أبو العتاهية:
إذا المرء لم يعتق من المال نفسَهُ … تملكه المال الذي هو مالكه
ألا إنما مالي الذي أنا منفق … وليس لي المال الذي أنا تاركه
إذا كنتَ ذا مال فبادر به الذي … يحق وإلا استهلكته مهالكه
فقلت من أين قضيت بهذا؟ فقال من قول رسول الله ﷺ : إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت. فقلت له أتؤمن بأن هذا قول رسول الله ﷺ وإنه الحق؟ قال نعم، قلت فلم تحبس عندك سبعاً وعشرين بدرة في دارك ولا تأكل منها ولا تشرب ولا تزكي، ولا تقدمها ذخراً اليوم فقرك وفاقتك؟ فقال يا أبا معن والله إن ما قلت لهو الحق، ولكني أخاف الفقر والحاجة إلى الناس. فقلت وبم تزيد حال من افتقر على حالك وأنت دائم الحرص، دائم الجمع، شحيح على نفسك، لا تشتري اللحم إلا من عيد إلى عيد. فترك جواب كلامي كله، ثم قال لي والله لقد اشتريت في يوم عاشورا لحماً وتوابله وما يتبعه بخمسة دراهم، فلما قال لي هذا القول أضحكني حتى أذهلني عن جوابه ومعاتبته، فأمسكت عنه وعلمت أنه ليس ممن شرح الله صدره للإسلام
وحدث محمد بن عيسى الخزيمي وكان جار أبي العتاهية قال: كان لأبي العتاهية جار يلتقط
стр. 9275
النوى، ضعيف سيئ الحال، متجمل عليه ثياب، فكان يمر بأبي العتاهية طرفي النهار، فيقول أبو العتاهية اللهم أغنه عما هو بسبيله، شيخ ضعيف سيئ الحال عليه ثياب متجمل، اللهم أعنه، اصنع له، بارك فيه، فبقى على هذا إلى أن مات الشيخ نحواً من عشرين سنة، فقلت له يوماً يا أبا إسحاق إني أراك تكثر الدعاء لهذا الشيخ، وتزعم أنه فقير مقل، فلم لا تتصدق عليه بشيء؟ فقال أخشى أن يعتاد الصدقة، والصدقة آخر كسب العبد، وإن في الدعاء لخيراً كثيرا
وقال علي بن مهدي حدثني الحسين بن أبي السرى قال: قيل لأبي العتاهية مالك تبخل بما رزقك الله؟ قال والله ما بخلت بما رزقني الله قط، قيل وكيف ذاك وفي بيتك من المال ما لا يحصى؟ قال ليس ذلك رزقي، ولو كان رزقي لأنفقته
وقال محمد بن عيسى قلت لأبي العتاهية أتزكي مالك؟ فقال والله ما أنفق على عيالي إلا من زكاة مالي، فقلت سبحان الله، إنما ينبغي أن تخرج زكاة مالك إلى الفقراء والمساكين، فقال لو انقطعت عن عيالي زكاة مالي لم يكن في الأرض أفقر منهم
فأما تكسب أبي العتاهية بالشعر فلا شيء فيه عندي مع أخذه بذلك الزهد، لأن الزهد في الإسلام لا يمنع صاحبه من الأخذ بالأسباب والسعي في الحصول على الرزق، والتكسب بالشعر سبب من تلك الأسباب، والشعر فن من الفنون التي لا غنى للدولة عنها، فيجب أن يأخذ حظه من الأموال التي تجبي فيها، ويجب على أرباب الدولة أن يبسطوا أيديهم بالعطاء لرجاله، ليتوفروا على إجادته، ويتضافروا في النهوض به، وليس على الشعراء من حرج إذا لم يصل نصيبهم من ذلك إليهم أن يتلطفوا في الوصول إليه بمدح الملوك والوزراء، وكذا غيرهم ممن في أيديهم تلك الأموال، وإنما يذم التكسب بالشعر إذا بالغ صاحبه في الإلحاح به، وجعله كل غايته من الشعر، فحمله ذلك على الالتواء في سبيله، واتخاذ الشعر أداة شر بين الناس، يقلب الحقائق بينهم، ويجعل في سبيل المال الباطل حقاً والحق باطلاً، والظلم عدلاً والعدل ظلماً؛ وقد تكسب الشعراء بشعرهم عند رسول الله ﷺ ، وكان له شعراء يمدحونه وينصرون دعوته، ويدافعون عنه أعداءه، ويردون عنه هجائهم بالحق إذا هجوه بالباطل
ولم يكن شاعرنا أبو العتاهية بحيث يصل به التكسب بالشعر إلى هذا الحد، وقد مضى لنا
стр. 9276
في ترجمته ما يؤيد ذلك له، وكم له من مواقف مشهودة مع ملوك عصره وأمرائه، لم تنسه فيها جوائزهم أن ينكر عليهم ما يستحق الإنكار منهم، أو يغضب لنفسه إذا رأى منهم أقل تهاون به. حدث الحسين بن أبي السرى قال: مر القاسم بن الرشيد في موكب عظيم، وكان من أتْيَهِ الناس، وأبو العتاهية جالس مع قوم على ظهر الطريق، فقام أبو العتاهية حين رآه إعظاماً له، فلم يزل قائماً حتى جاز فأجازه ولم يلتفت إليه، فقال أبو العتاهية:
يتيه ابنُ آدم من جهله … كأن رحا الموت لا تطحنُهْ
فسمع بعض من كان في موكبه ذلك فأخبر به القاسم، فبعث إلى أبي العتاهية وضربه مائة مقرعة، وقال له: يا ابن الفاعلة أتعرض بي في مثل ذلك الموضع؟ وحبسه في داره، فدس أبو العتاهية إلى زبيدة بنت جعفر وكانت توجه له هذه الأبيات:
حتى متى ذو التَّيهِ في تيهه … أصلحه الله وعافاهُ
يتيه أهل التيه من جهلهم … وهم يموتون وإن تاهوا
من طلب العِزَّ ليبقى به … فإن عز المرء تقواه
لم يعتصم بالله من خلقه … من ليس يرجوه ويخشاه
وكتب إليها بحاله وضيق حبسه، وكانت مائلة إليه فرقت له، وأخبرت الرشيد بأمره وكلمته فيه، فأحضره وكساه ووصله، ولم يرض الرشيد عن القاسم حتى بر أبا العتاهية وأدناه واعتذر إليه
وحدث محمد بن عيسى قال: كنت جالساً مع أبي العتاهية إذ مر بنا حميد الطوسي في موكبه، وبين يديه الفرسان والرجالة، وكان بقرب أبي العتاهية سوادي على أتان، فضربوا وجه الأتان ونحُّوه عن الطريق، وحميد واضع طرفه على معرفة فرسه، والناس ينظرون إليه يعجبون منه وهو لا يلتفت تيهاً، فقال أبو العتاهية:
للموتِ أبناءٌ بهمْ … ما شئت من صلف وتيه
وكأنني بالموت قد … دارتْ رحاه على بنيهْ
فلما جاز حميد مع صاحب الأتان قال:
ما أذَلَّ المُقِلَّ في أعين النَّا … س لإقلاله وما أقماهُ
إنما تنظر العيون من النَّا … س إلى من ترجوه أو تخشاه
стр. 9277
وقد كان أبو العتاهية في آخر أمره يحاول جهده أن يجعل جوائز الملوك وغيرهم إليه في نظير هدايا يتقدم بها إليهم، كما كان يفعل ذلك مع الأمين والمأمون فيما ذكرنا في ترجمته، وهو في ذلك يشعر بسمو منزلته إلى منزلتهم، ويترفع عن ذلك التكسب الذي كان يأخذ به في أول أمره، وإن كان على تلك الطريقة التي لم يكن لها أثر معيب في نفسه
وأما بخله فنعتقد أنه لم يصل فيه إلى ذلك الحد الذي يؤثر فيه ما أثر عنه من تلك النوادر وغيرها، وإنما ذلك من اختلاق خصومه ومنافسيه عليه، ليشوهوا منه تلك الصيحة المُدَوِّيةَ في الزهد، ويظهروه في مظهر من يقول بما لا يفعل، فلا يتأثر الناس بدعوته، ولا ينظرون إلى أقواله، ولا شك أنه يشفع لأبي العتاهية في ضنه بماله أنه كان رجلاً شاعراً يجمع ماله من أيدي الملوك والعظماء، ويبذل في ذلك ماء وجهه على ما كانت عليه نفسه من عزة ورفعة، فإذا ضن به بعد هذا فإنما يحمله على ذلك أن يكون دائماً في غير حاجة ملحة إلى من يحاول أن يشتري شعره بها، فيسير فيه كما يشتهي هو لا كما يشتهي غيره، وقد كان أبو العتاهية دائماً مهدداً من أجل هذا بالحرمان، وعرضة للتضييق والسجن واستباحة المال، فهو يجمع من ذلك ما يجمع ليجده في وقت حرمانه، ويضن به على من لا يجده في ذلك الوقت إلا عدواً له أو شامتاً فيه، وقد كان يجد من الناس ما ساء به ظنه فيهم، وآثر به العزلة عنهم، وكان له فيهم مذهب غريب يقضي بتبخيلهم كلهم، فهو يقارضهم بخلاً ببخل، ويضن عليهم ضناً بضن، قال مخارق: لقيت أبا العتاهية على الجسر، فقلت له: يا أبا إسحاق أتنشدني قولك في تبخيل الناس كلهم؟ فضحك وقال لي: هاهنا؟ قلت: نعم، فأنشدني:
إن كنت متخذاً خليلاً … فَتَنَقَّ وانتقد الخليلا
من لم يكن لك منصفاً … في الود فابغ به بَدِيلا
ولربما سئل البخي … لُ الشيء لا يسوي فَتيلا
فيقول لا أجد السبي … ل إليه بَكْرَهُ أن يُنِيلا
فلذاك لا جعل الإل … هُ له إلى خير سبيلا
فاضرب بطرفك حيث شئ … تَ فلن ترى إلا بخيلا
فقلت له: أفرطت يا أبا إسحاق، فقال: فديتك فأكذبني بجواد واحد؟ فأحببت موافقته، فالتفت
стр. 9278
يمينا وشمالاً، ثم قلت: ما أجد؛ فقبل بين عيني وقال: فديتك يا بني، لقد رفقت حتى كدت تسرف
وهكذا مضى أبو العتاهية عظيماً لم يزر به بخله ولا تكسبه بشعره، كما أزرى ذلك بغيره، ولو أن ذلك أزرى به كما زعمه خصومه لما كان لمنصور بن المهدي أن يمد إليه يده ليزوجه إحدى ابنتيه، وقد كان لأبي العتاهية بنتان: إحداهما (لله) والأخرى (بالله)، فخطب منصور منه (لله) فلم يزوجه، وقال: إنما طلبها لأنها بنت أبي العتاهية، وكأني به قد ملها فلم يكن لي إلى الانتصاف منه سبيل، وما كنت لأزوجها إلا بائع خزف وجرار؛ ولكني أختاره لها موسراً.
عبد المتعال الصعيدي
стр. 9279
في اللغة والأدب
٢ - المثنيات في التاريخ والجغرافية والفلك
للأستاذ محمد شفيق
(الأخشبان) هما جبلا مكة الملصقان بها: أبو قبيس والأحمر، وهو الجبل المشرف وجهه على قعيقعان، والأخشب في اللغة هو الجبل الخشن العظيم، ويقال هو الذي لا يرتقي علوه. وهما جبلا منى. وقيل هما الأخشب الشرقي والأخشب الغربي، فالشرقي أبو قبيس والغربي جبل الخُط من وادي إبراهيم. قال أبو عبيد: وأخشبا المدينة حرتاها
(البونان) بفتح الموحدة وسكون الواو: موضعان باليمن البون الأعلى والبون الأسفل، وهما متصلان من أعمال صنعاء، ويقال إن فيهما البئر المعطلة والقصر المشيد المذكوران في القرآن الكريم
(الخراتان) نجمان من كواكب الأسد، وقيل كوكبان بينهما قدر سوط وهما كتفا الأسد، وقيل سميا بذلك لنفوذهما إلى جوف الأسد
(الزبانيان) هما كوكبان نيران، وهما قرنا العقرب ينزلهما القمر، وهما مفترقان بينهما أكثر من قامة الرجل في رأي العين، ويسميهما أهل الشام يدي العقرب، ويقال لهما زباني الصيف، لأن سقوطهما في زمن تحرك الحر
(الشرَطان) نجمان من الحمل وهما قرناه
(الشرفان) بالوادي الأخضر من دمشق وهما الجانبان المتقابلان شرف أعلى وهو الشمالي وأدنى وهو القبلي، وبينهما الوادي والنهران بردى وبانياس. ويقال: فلان حاز الشرفين أي شرف الأب والأم
(الغوطتان) بدمشق معروفتان قبلية وشمالية
(الصفصافتان) معروفتان عند الدمشقيين، وهما: شجرتا صفصاف بالوادي التحتاني معدتان للتنزه ذكرهما الشعراء المتأخرون في أشعارهم فمنهم الأمير المنجكي حيث قال:
وبالصفصافتين مقام أنس … عليل نسيمه يبري السقاما
إذا غنت حمائمه سكرنا … بما تملي ولم نشرب مداما
(العزيزيتان) قريتان بمصر في ناحية الشرقية منسوبتان إلى العزيز بن المعز
стр. 9280
(العسكريان) محمد بن علي والحسين بن رشيق، منسوبان إلى عسكر: محلة بمصر، وأبو الحسن علي بن محمد. . . بن جعفر وولده الحسن منسوبان إلى عسكر المعتصم وهي مدينة سر من رأى (سامرا)، والعسكريان الأديبان أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري وتلميذه أبو هلال الحسن بن عبد الله منسوبان إلى عسكر مكرم
(الفرقدان) نجمان منيران في بنات نعش يضرب المثل بهما في طول الصحبة في التساوي والتشاكل. قال البحتري:
كالفرقدين إذا تأمل ناظر … لم يعد موضع فرقد عن فرقد
(القرافتان) القرافة الصغرى والقرافة الكبرى، فيهما مقبرتا مصر، وكانتا من قبل خطتين لقبيلة من اليمن ثم من المعافر ابن يعفر يقال لهم بنو قرافة
(المحلفان) نجمان يطلعان قبل سهيل فيظن الناظر لكل منهما أنه سهيل، ويحلف آخر أنه ليس به
ما يتعلق بالمنطق من المثنيات
(الجنسان) الجنس القريب والجنس البعيد
(الحدان) الحد التام والحد الناقص
(الضدان) صفتان وجوديتان يتعاقبان في موضع واحد يستحيل اجتماعهما كالسواد والبياض
(المتقابلان) بالعدم والملكة أمران أحدهما وجودي والآخر عدم ذلك الوجودي لا مطلقاً بل من موضع مقابل له كالبصر والعمى، والعلم والجهل، فإن العمى عدم البصر عما من شأنه البصر، والجهل عدم العلم عما من شأنه العلم
(المتقابلان) بالإيجاب والسلب هما أمران أحدهما عدم الآخر مطلقاً كالفروسية واللافروسية
(المضافان) هما المتقابلان الوجوديان اللذان يعقل كل منهما بالقياس إلى الآخر كالأبوة والبنوة
(النوعان) الحقيقي والإضافي: فالحقيقي الكلي المقول على واحد أو كثيرين متفقين في الحقائق في جواب ما هو، والإضافي ماهية يقال عليها وعلى غيرها الجنس قولاً أولياً أي بلا واسطة كالإنسان بالقياس إلى الحيوان
المثنيات المتعلقة بالتفسير والقراءات
следующие страницы →