Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9276–9315 · переход к 9281.
стр. 9276
في ترجمته ما يؤيد ذلك له، وكم له من مواقف مشهودة مع ملوك عصره وأمرائه، لم تنسه فيها جوائزهم أن ينكر عليهم ما يستحق الإنكار منهم، أو يغضب لنفسه إذا رأى منهم أقل تهاون به. حدث الحسين بن أبي السرى قال: مر القاسم بن الرشيد في موكب عظيم، وكان من أتْيَهِ الناس، وأبو العتاهية جالس مع قوم على ظهر الطريق، فقام أبو العتاهية حين رآه إعظاماً له، فلم يزل قائماً حتى جاز فأجازه ولم يلتفت إليه، فقال أبو العتاهية:
يتيه ابنُ آدم من جهله … كأن رحا الموت لا تطحنُهْ
فسمع بعض من كان في موكبه ذلك فأخبر به القاسم، فبعث إلى أبي العتاهية وضربه مائة مقرعة، وقال له: يا ابن الفاعلة أتعرض بي في مثل ذلك الموضع؟ وحبسه في داره، فدس أبو العتاهية إلى زبيدة بنت جعفر وكانت توجه له هذه الأبيات:
حتى متى ذو التَّيهِ في تيهه … أصلحه الله وعافاهُ
يتيه أهل التيه من جهلهم … وهم يموتون وإن تاهوا
من طلب العِزَّ ليبقى به … فإن عز المرء تقواه
لم يعتصم بالله من خلقه … من ليس يرجوه ويخشاه
وكتب إليها بحاله وضيق حبسه، وكانت مائلة إليه فرقت له، وأخبرت الرشيد بأمره وكلمته فيه، فأحضره وكساه ووصله، ولم يرض الرشيد عن القاسم حتى بر أبا العتاهية وأدناه واعتذر إليه
وحدث محمد بن عيسى قال: كنت جالساً مع أبي العتاهية إذ مر بنا حميد الطوسي في موكبه، وبين يديه الفرسان والرجالة، وكان بقرب أبي العتاهية سوادي على أتان، فضربوا وجه الأتان ونحُّوه عن الطريق، وحميد واضع طرفه على معرفة فرسه، والناس ينظرون إليه يعجبون منه وهو لا يلتفت تيهاً، فقال أبو العتاهية:
للموتِ أبناءٌ بهمْ … ما شئت من صلف وتيه
وكأنني بالموت قد … دارتْ رحاه على بنيهْ
فلما جاز حميد مع صاحب الأتان قال:
ما أذَلَّ المُقِلَّ في أعين النَّا … س لإقلاله وما أقماهُ
إنما تنظر العيون من النَّا … س إلى من ترجوه أو تخشاه
стр. 9277
وقد كان أبو العتاهية في آخر أمره يحاول جهده أن يجعل جوائز الملوك وغيرهم إليه في نظير هدايا يتقدم بها إليهم، كما كان يفعل ذلك مع الأمين والمأمون فيما ذكرنا في ترجمته، وهو في ذلك يشعر بسمو منزلته إلى منزلتهم، ويترفع عن ذلك التكسب الذي كان يأخذ به في أول أمره، وإن كان على تلك الطريقة التي لم يكن لها أثر معيب في نفسه
وأما بخله فنعتقد أنه لم يصل فيه إلى ذلك الحد الذي يؤثر فيه ما أثر عنه من تلك النوادر وغيرها، وإنما ذلك من اختلاق خصومه ومنافسيه عليه، ليشوهوا منه تلك الصيحة المُدَوِّيةَ في الزهد، ويظهروه في مظهر من يقول بما لا يفعل، فلا يتأثر الناس بدعوته، ولا ينظرون إلى أقواله، ولا شك أنه يشفع لأبي العتاهية في ضنه بماله أنه كان رجلاً شاعراً يجمع ماله من أيدي الملوك والعظماء، ويبذل في ذلك ماء وجهه على ما كانت عليه نفسه من عزة ورفعة، فإذا ضن به بعد هذا فإنما يحمله على ذلك أن يكون دائماً في غير حاجة ملحة إلى من يحاول أن يشتري شعره بها، فيسير فيه كما يشتهي هو لا كما يشتهي غيره، وقد كان أبو العتاهية دائماً مهدداً من أجل هذا بالحرمان، وعرضة للتضييق والسجن واستباحة المال، فهو يجمع من ذلك ما يجمع ليجده في وقت حرمانه، ويضن به على من لا يجده في ذلك الوقت إلا عدواً له أو شامتاً فيه، وقد كان يجد من الناس ما ساء به ظنه فيهم، وآثر به العزلة عنهم، وكان له فيهم مذهب غريب يقضي بتبخيلهم كلهم، فهو يقارضهم بخلاً ببخل، ويضن عليهم ضناً بضن، قال مخارق: لقيت أبا العتاهية على الجسر، فقلت له: يا أبا إسحاق أتنشدني قولك في تبخيل الناس كلهم؟ فضحك وقال لي: هاهنا؟ قلت: نعم، فأنشدني:
إن كنت متخذاً خليلاً … فَتَنَقَّ وانتقد الخليلا
من لم يكن لك منصفاً … في الود فابغ به بَدِيلا
ولربما سئل البخي … لُ الشيء لا يسوي فَتيلا
فيقول لا أجد السبي … ل إليه بَكْرَهُ أن يُنِيلا
فلذاك لا جعل الإل … هُ له إلى خير سبيلا
فاضرب بطرفك حيث شئ … تَ فلن ترى إلا بخيلا
فقلت له: أفرطت يا أبا إسحاق، فقال: فديتك فأكذبني بجواد واحد؟ فأحببت موافقته، فالتفت
стр. 9278
يمينا وشمالاً، ثم قلت: ما أجد؛ فقبل بين عيني وقال: فديتك يا بني، لقد رفقت حتى كدت تسرف
وهكذا مضى أبو العتاهية عظيماً لم يزر به بخله ولا تكسبه بشعره، كما أزرى ذلك بغيره، ولو أن ذلك أزرى به كما زعمه خصومه لما كان لمنصور بن المهدي أن يمد إليه يده ليزوجه إحدى ابنتيه، وقد كان لأبي العتاهية بنتان: إحداهما (لله) والأخرى (بالله)، فخطب منصور منه (لله) فلم يزوجه، وقال: إنما طلبها لأنها بنت أبي العتاهية، وكأني به قد ملها فلم يكن لي إلى الانتصاف منه سبيل، وما كنت لأزوجها إلا بائع خزف وجرار؛ ولكني أختاره لها موسراً.
عبد المتعال الصعيدي
стр. 9279
في اللغة والأدب
٢ - المثنيات في التاريخ والجغرافية والفلك
للأستاذ محمد شفيق
(الأخشبان) هما جبلا مكة الملصقان بها: أبو قبيس والأحمر، وهو الجبل المشرف وجهه على قعيقعان، والأخشب في اللغة هو الجبل الخشن العظيم، ويقال هو الذي لا يرتقي علوه. وهما جبلا منى. وقيل هما الأخشب الشرقي والأخشب الغربي، فالشرقي أبو قبيس والغربي جبل الخُط من وادي إبراهيم. قال أبو عبيد: وأخشبا المدينة حرتاها
(البونان) بفتح الموحدة وسكون الواو: موضعان باليمن البون الأعلى والبون الأسفل، وهما متصلان من أعمال صنعاء، ويقال إن فيهما البئر المعطلة والقصر المشيد المذكوران في القرآن الكريم
(الخراتان) نجمان من كواكب الأسد، وقيل كوكبان بينهما قدر سوط وهما كتفا الأسد، وقيل سميا بذلك لنفوذهما إلى جوف الأسد
(الزبانيان) هما كوكبان نيران، وهما قرنا العقرب ينزلهما القمر، وهما مفترقان بينهما أكثر من قامة الرجل في رأي العين، ويسميهما أهل الشام يدي العقرب، ويقال لهما زباني الصيف، لأن سقوطهما في زمن تحرك الحر
(الشرَطان) نجمان من الحمل وهما قرناه
(الشرفان) بالوادي الأخضر من دمشق وهما الجانبان المتقابلان شرف أعلى وهو الشمالي وأدنى وهو القبلي، وبينهما الوادي والنهران بردى وبانياس. ويقال: فلان حاز الشرفين أي شرف الأب والأم
(الغوطتان) بدمشق معروفتان قبلية وشمالية
(الصفصافتان) معروفتان عند الدمشقيين، وهما: شجرتا صفصاف بالوادي التحتاني معدتان للتنزه ذكرهما الشعراء المتأخرون في أشعارهم فمنهم الأمير المنجكي حيث قال:
وبالصفصافتين مقام أنس … عليل نسيمه يبري السقاما
إذا غنت حمائمه سكرنا … بما تملي ولم نشرب مداما
(العزيزيتان) قريتان بمصر في ناحية الشرقية منسوبتان إلى العزيز بن المعز
стр. 9280
(العسكريان) محمد بن علي والحسين بن رشيق، منسوبان إلى عسكر: محلة بمصر، وأبو الحسن علي بن محمد. . . بن جعفر وولده الحسن منسوبان إلى عسكر المعتصم وهي مدينة سر من رأى (سامرا)، والعسكريان الأديبان أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري وتلميذه أبو هلال الحسن بن عبد الله منسوبان إلى عسكر مكرم
(الفرقدان) نجمان منيران في بنات نعش يضرب المثل بهما في طول الصحبة في التساوي والتشاكل. قال البحتري:
كالفرقدين إذا تأمل ناظر … لم يعد موضع فرقد عن فرقد
(القرافتان) القرافة الصغرى والقرافة الكبرى، فيهما مقبرتا مصر، وكانتا من قبل خطتين لقبيلة من اليمن ثم من المعافر ابن يعفر يقال لهم بنو قرافة
(المحلفان) نجمان يطلعان قبل سهيل فيظن الناظر لكل منهما أنه سهيل، ويحلف آخر أنه ليس به
ما يتعلق بالمنطق من المثنيات
(الجنسان) الجنس القريب والجنس البعيد
(الحدان) الحد التام والحد الناقص
(الضدان) صفتان وجوديتان يتعاقبان في موضع واحد يستحيل اجتماعهما كالسواد والبياض
(المتقابلان) بالعدم والملكة أمران أحدهما وجودي والآخر عدم ذلك الوجودي لا مطلقاً بل من موضع مقابل له كالبصر والعمى، والعلم والجهل، فإن العمى عدم البصر عما من شأنه البصر، والجهل عدم العلم عما من شأنه العلم
(المتقابلان) بالإيجاب والسلب هما أمران أحدهما عدم الآخر مطلقاً كالفروسية واللافروسية
(المضافان) هما المتقابلان الوجوديان اللذان يعقل كل منهما بالقياس إلى الآخر كالأبوة والبنوة
(النوعان) الحقيقي والإضافي: فالحقيقي الكلي المقول على واحد أو كثيرين متفقين في الحقائق في جواب ما هو، والإضافي ماهية يقال عليها وعلى غيرها الجنس قولاً أولياً أي بلا واسطة كالإنسان بالقياس إلى الحيوان
المثنيات المتعلقة بالتفسير والقراءات
стр. 9281
(النجدان) هما الضلالة والهدى، في قوله تعالى (وهديناه النجدين)
(مدهامتان) هما في القرآن بمعنى سوداوين من شدة الخضرة من الري لأن العرب تسمي كل أخضر أسود
(الصدفان) هما في الآية الكريمة جبلان متلاصقان، من المصادفة أي المقابلة، وقيل من الصدف وهو الميل لأن كل واحد منهما منعزل عن الآخر
(السدان) هما في قوله جل وعز (حتى إذا بلغ السدين) الجبلان المبني بينهما السدان وهما جبلا أرمينيا وأذربيجان، وقيل هما جبلان منعيان في آخر بلاد الترك
(الابنان) هما في مصطلح أهل القراءات ابن كثير وابن عامر
(الأبوان) هما أبو عمر وأبو بكر بن عاصم القارئان المشهوران
(الأخوان) هما حمزة والكسائي. (الحرميان) هما ابن كثير ونافع من القراء السبعة
المثنيات المتعلقة بالحديث الشريف
(التدليسان) أحدهما تدليس الإسناد وهو أن يروى عمن لقيه ولم يسمع منه موهماً أنه لقيه أو سمع منه، والآخر تدليس الشيوخ وهو أن يروى حديثاً عن شيخ سمعه منه فيسميه أو يكنيه ويصفه بما لم يعرف به كيلا يعرف
(الشيخان) هما عند الإطلاق أبو بكر وعمر، وعند المحدثين يراد بهما البخاري ومسلم
(الذبيحان) في حديث (أنا ابن الذبيحين) اسمعيل أو إسحق وعبد الله أبو النبي ﷺ . والمرجح أن الذبيح هو اسمعيل، وأما القول بأنه إسحق فمردود بأكثر من عشرين وجهاً
(العودان) منبر النبي ﷺ وعصاه، وقد ورد ذكر العودين في الحديث وفسرا بذلك، وقال شمر في قول الفرزدق:
ومن ورث العودين والخاتم الذي … له الملك والأرض الفضاء رحيبها
وكني بالعودين عن الشاهدين، قال شريح: القضاء جمرة فادفع الجمر عنك بعودين
(الأسودان) الحية والعقرب، وفي الحديث (اقتلوا الأسودين)
(الثقلان) الإنس والجن سميا بذلك لثقلهما على الأرض ولرزانة رأيهم وقدرهم، أو لأنهم
стр. 9282
مثقلون بالتكليف، وفي الحديث (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي) سماها ثقلين لأن الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل إعظاماً لقدرهما وتضخيماً لشأنهما
(الأسواريان) محيسن ومحمد بن أحمد نسبة إلى أسوار - بالفتح - قرية بأصبهان، محدثان
(الأماميان) محمد بن عبد الحبار ومحمد بن اسمعيل البسطامي محدثان
المثنيات في الطب والكيمياء والنباتات
(البهقان) أبيض بياضه دقيق ظاهر البشرة لسوء مزاج العضو إلى البرودة وغلبة البلغم على الدم، وأسود يعتري الجلد إلى السواد لمخالطة المرة السوداء الدم
(الحلولان) حلول سرياني وهو عبارة عن اتحاد الجنسين بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر كحلول ماء الورد في الورد فسمي الساري حالاً والمسري محلاً، وحلول جواري وهو عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفاً للآخر كحلول الماء في الكوز
(الزرنيخان) أراد به الأطباء الزرنيخ الأحمر، والزرنيخ الأصفر
(البهمتان) نباتان أحمر ظاهره السواد وأبيض كذلك، وهما فارسيان معربان وكلاهما يضران السفل ويصلحهما الأنيسون والكثيرا أو العناب
المثنيات المتصلة بالفلسفة والأخلاق والتصوف
(الأجلان) هما على رأي الفلاسفة طبيعي واخترامي فإنهم قالوا: الرطوبة الغريزية من الحرارة الغريزية بمنزلة الدهن للفتيلة المشتعلة وكلما انتقص تتبعها الحرارة الغريزية في ذلك. . . . الخ ما ذكره المحبي في (جني الجنتين)
(الأدبان) أدب الغريزة، وهو الأصل، وأدب الرواية وهو الفرع، ولا يتفرع شيء إلا بنمو أصله، ولا ينمو الأصل إلا باتصال المادة، وقيل الأدبان أدب النفس وأدب الدرس
(الإمامان) هما في اصطلاح أهل التصوف: الشخصان اللذان أحدهما عن يمين العرش أي القطب ونظيره في الملكوت وهو مرآة ما يتوجه في المركز القطبي إلى العالم الروحاني من الإمدادات التي هي مادة الوجود والبقاء، وهذا الإمام مرآته، والآخر عن يساره ونظيره في الملك وهو مرآة ما يتوجه منه إلى المحسوسات من المادة الحيوانية وهذا مرآته ومحله أعلى من صاحبه وهو يخلف القطب إماماً إذا مات
стр. 9283
(الفناءان) أحدهما سقوط الأوصاف المذمومة، كما أن البقاء وجود الأوصاف المحمودة وهو بكثرة الرياضة، والثاني عدم الإحساس بعالم الملك والملكوت، وهو بالاستغراق في عظمة الباري ومشاهدة الحق
(الصورتان) النوعية والجسمية، وهما مجلهما الهيولي، وهي جوهر في الجسم قابل لما يعرض له من الاتصال والانفصال
ما يتصل بالفقه والأصول من المثنيات
(البيِّعان) هما البائع والمشتري، وفي الحديث: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)
(المفهومان) مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة: فالأول ما يفهم من الكلام بطريق المطابقة، والثاني ما يفهم من الكلام بطريق الالتزام، وقيل هو أن يثبت في السكوت على خلاف ما يثبت في المنطوق
(الخليطان) هما الشريكان يخلط أحدهما ماله بمال الآخر، وفي الحديث: (وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية
(البهيقان) حنفي وشافعي: فالحنفي إسماعيل بن الحسن، والشافعي أحمد بن الحسين
(يتبع)
محمد شفيق
стр. 9284
القصص
صور من هوميروس
٢ - حروب طروادة
باريس يعود
للأستاذ دريني خشبة
- (ألست تحن إلى وطنك، وتتمنى لو ترى والديك يا باريس؟. . .)
- (وطني ووالدي؟)
- (. . .؟. . .)
- (وهل لي وطن غير هذه المروج الخضر، ووالدان غير أبي الراعي وأمي المتداعية الفانية؟)
- (مسكين!!)
- (بل أسعد الناس بأن أكون ابنهما! ولمهْ؟ أليس أبي سيد هذه الفلوات، وأمي أعز الأمهات؟)
- (ذلك حق لو أن أباك هذا الراعي يا باريس!)
- (ماذا تعنين؟)
- (أعني أنك لست ابنه؟. . .)
- (وَيْ! لو لم تكوني فينوس لقتلتك!)
- (الحق أقول أيها العزيز!)
- (أنت تعذبينني! ابن من إذن؟. . .)
- (أترى إلى جمالك البارع، وجسمك الممشوق السمهري؟ أيكون هذا الخلق من نسل الرعاة الأجلاف؟)
- (. . . . . .؟. . . . . .)
- (أتدور بك الأرض إذا علمت أنك ابن ملك؟. . .)
- (سخرية وهزؤ. . . إلام تلذعين فؤادي يا ربة الحسن والحب؟ ألأنني أعطيتك التفاحة
стр. 9285
الخالدة؟. . . . . .)
- (الآلهة لا تكذب يا باريس!)
- (أنا؟. . . أبي. . . ملك؟. . . هذا الراعي؟! ملك ماذا؟)
- (ليس هذا الراعي قلت لك!! أنت لست ابنه! أنت سليل الملوك، الصيد!!. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .)
- (إذن من عسى أن يكون أبي؟. . . . . .)
- (ملك طرودة!!. . . . . .)
- (ملك طروادة أبي؟. . . بريام؟!. . . . . .)
- (هو. . . هُوَ. . . . . . . . .)
- (ها ها ها. . . . . . ومن جاء بي هنا؟ سرقوني؟. . . أليس كذلك؟. . . . . . . . .)
- (لا تنس يا باريس أنك في حضرة فينوس. . . وأقولها لك كرة أخرى: إن الآلهة لا تكذب. . . أجل أنت ابن بريام ملك طروادة. . . قيل له إنك تجر عليه ألواناً من العذاب فصدق، وأرسل بك من تركك فوق جبل بعيد، لتأكلك الذئاب. . . كل هذا إذ أنت طفل صغير. . . وليد. . . ولقد عثر بك ذلك الراعي الذي أباك ففرح بك وقال لامرأته: عسى أن يكون لنا منه ولد. . . والآن. . . لقد وعدتك زوجة جميلة. . . أجمل امرأة في العالم. . . فاذهب أولاً إلى طروادة، والق أباك فإنه سيعرفك. . . سيعرفك لأن له أبناء خلقهم كخلقك. . . وسيحدثه قلبه. . . وتكلمه روحه أنك ابنه. . . سيفرح بك بريام يا باريس، وسيخفق قلب هكيوبا. . . أمك التي تبكي من أجلك، وتتمناك بنصف ملكها!
فإذا اطمأنوا بك، ولبثت فيهم أياماً، فأبدِ لهم رغبتك في الإبحار إلى بلاد الإغريق في أسطول كبير. . . . . . إن ثمة المرأة التي وعدتك. . . أجمل نساء العالم. . .)
وغابت فينوس!
جلس باريس على صخرة تشرف على البحر المضطرب من جهة، وعلى السفح المعشوشب المصطخب بالحياة من جهة أخرى، ثم أخذ يفكر في كل كلمة انفرجت عنها شفتا فينوس. . .
(تُرى؟! أصحيح ما قالته فينوس؟ أصحيح أن بريام أبي؟ ألا أنادي أبي الراعي بعد اليوم؟
стр. 9286
وأنت أيتها الشاء والنَّعم: أفراق لا لقاء بعده؟ وا أسفاه! لم لقيت فينوس؟ عزيز علي أن أهجرك إلى الأبد أيتها البطاح! وأنت أيتها السماء الحبيبة؟ بمَ أستبدل قلائدك الدرية في الليل، وشمسك الدافئة، وسحبك الموشاة بالذهب في النهار؟!. . . . . . . . . . . . . . . . . .)
الآلهة لا تكذب!! هكذا كانت تقول فينوس! أنا إذن ابن ملك! وأبي لا بد أن يكون غِرَّا ضيق العطن، وإلا فلم صدق ما ذكرته له الكهنة عني؟ طفل صغير يُنبذ بالعراء لتأكله السباع! يا لقساوة القلوب، وتحجر الأكباد؟! وأمي؟ أين كانت أمي؟ وأين كان قلب الأم في هذه المرأة؟ كيف سهل عليها أن تدعني يُنطلق بي لأنبذ بالعراء، فريسة لا حول لها لكلاب الجبل، وطعمةً شقية لسباع البرية؟!. . . . . . . . . . . .)
لابد أن أذهب! لابد أن أعلم حقيقة أمري! وداعاً أيها البحر! وداعاً أيتها المروج! يا كل شيء هنا. . . وداعاً!)
وانطلق لا يلوي على شيء. . .
وكان أصدقاؤه الرعاة يلقونه في الطريق فينكرون منه كل شيء! ينكرون منه انقباضه وعهدهم به طلق المُحيّا لا يفارق المرح ثغره البسام، وينكرون منه صمته الطويل وهو الثرثار الذي لا يقف لسانه ولا تسكن شفتاه! وينكرون منه هذه النظرات العميقة الحزينة، وهو ذو العينين الضاحكتين والجبين المشرق الطروب. . .
وكان هو ينكرهم جميعاً كذلك! أليس قد عرف أنه ابن ملك؟ وابن أي ملوك العالم؟ ابن ملك طروادة! وهل أقوى وأعظم في ملوك العالم من ملك طروادة؟
وبرغم هذا الإنكار كان الرعاة ما يبرحون يحبون باريس ويعجبون به، وقد أحزنهم أن ينطلق فريداً وحيداً في فلوات تدمدم فيها السباع وتهمهم الوحوش، فذهبوا يقتصون أثره، وكانوا له حرساً شديداً في وحشة هذه البرية المخوفة. . .
ووصل إلى طروادة. . .
وجلس فوق هضبةٍ مرتفعةٍ قليلاً فنظر إلى المدينة الخالدة!
واجتمع حوله أصدقاءه الأمناء الأوفياء يسألونه فيم جاء إلى هذا البلد، ولم هجر قطعانه وأوطانه، وهل في أمره. . . حب. . .؟
стр. 9287
وطمأنهم باريس، وزوّق لهم الأحلام والأماني، ووعدهم خيراً (لا ترى مثله عين، ولا يخطر على قلب بشر)
ودخلوا المدينة. . .
ويمموا ميدانها الرحب الفسيح، حيث اجتمع خلق كثير يشهدون المهرجان الرياضي، ويمتعون أنظارهم بشتى الألعاب التي يمارسها أبطال طروادة وما جاورها من القرى. ولبث باريس وأصحابه ينظرون إلى المتبارين ساعة، ثم زهاههم الروح الرياضي فقدموا أنفسهم إلى الرئيس المشرف على الألعاب، فأشركهم في كثير من المباريات. . .
ولقد برّز باريس على أقرانه، وبذَّ كل من تبارى معهم في مضمار، حتى لفت إليه أعين النظّارة وأصبح موضع إعجاب الحاضرين. . .
وكانت الأسرة الملكية، الملك وزوجه وأبناؤه وحاشيته، يحدّقون في الفتى مشدوهين مأخوذين، وكانت الملكة خاصةً تحس كأن رباطاً روحانياً يجذبها إلى الناحية التي يجول باريس فيها ويصول؛ بل كانت تشعر كأن الحديد الذائب في عضلات البطل، إنما يتدفق من عضلاتها هي! وأعجب من ذلك جميعاً، ذلك الحنان المتفجر في قلبها، وذاك الحب الحزين السادر الذي يغمرها كلَّها من أجل هذا الغريب المفاجئ المجهول!
ولمحت كاسّنْدرا، ابنة الملك، ما كان ينتاب أمها من عواطف، وكانت فتاةً بارعة الحسن، مليحة الدل، فينانةً ريّانة؛ أعجب بها أبوللو فمنحها حبه، وهام بها حتى لكان يعبدها عبادةً، وهو الإله المعبود!
وكان ما يفتأ يباركها ويخلع عليها من نعمه؛ فمن ذلك أنه وهبها القدرة على كشف الغيب، والتنبؤ بما كان وما يكون؛ فكانت تخبر الناس بماضيهم وحاضرهم وما يكون من مستقبلهم وهم يسمعون ويعجبون. . .
ولكنها تاهت على أبوللو ودلّت، وكانت أبداً تمنحه الجفاء والصدود، وتُعرض عنه وهو المقبل عليها بروحه وقلبه وشعره وموسيقاه!
رجاها أبوللو أن تكون له، وأن ترتضيه لها بعلاً، ووعدها لقاء ذلك أن يبني لها القصور الشماء في قبة السماء، وأن يحملها معه أبداً في رحلاته العلوية فترى كل ما يدب على الأرض، وأغراها بالتوسط لدى كبير الآلهة زيوس الأعظم فيمنحها الخلود وربما رفعها إلى
стр. 9288
صفوف الآلهة أنفسهم. . . . . . بيد أنها ما كانت لتزداد إلا شماساً وعناداً
ولما ضاق أبوللو بها ذرعاً، صب جام غضبه عليها، وسلَّط عليها سخرية سامعيها، فما تقول شيئاً، ولا تتنّبأ بشيء، ولا تكشف غيباً، إلا استهزأ بها الناس، وعيروها بأنها تكذب وتهرف وتدعي!. . .
فلما شاهدت ما كان من فورة الإحساس التي تجرف قلب أمها من أجل باريس، ذكرت لها أن هذا الشاب إن هو إلا أخوها الذي نبذوه بالعراء فوق الجبل لتأكله السباع، وآيتها على ذلك هذا التشابه بينه وبين أخيها هكتور وبينه وبين أبيها الملك. وحاجها قومها فأحضروا باريس ليطابقوا بينه وبين هكتور. . . ولكن ما كادت المطابقة تتم حتى أخذته هكيوبا في حضنها الحنون المرتجف، صائحة مستعبرة: (ولدي باريس. . ابني باريس. . . ولدي. . . إليّ يا بني. . .!!). أما الملك فقد بكى هو الآخر، ونهض فعانق ابنه عناقاً طويلاً حاراً، غاسلاً جبينه المتلألئ المشرق بدموع الاعتذار عن الماضي البعيد المحزن
ولما أخبرهم باريس أن فينوس، ربة الحب والحسن، هي التي هدته إلى مولده ومنشئه وكريم أرومته، خر الملك وأهله لها ساجدين. . . إلا كاسندرا
لقد عبست عبوسةً قاتمة، وحدجت أخاها الغريب بنظرةٍ كالحةٍ!! ثم صاحت بالملك: (أبي! لتحذر هذا الأخ. . . لتحذر باريس. . . ولتذكر نبوءة الكهنة في معبد أبوللو. . . . . . ابنك يجر الخراب على مملكتك، ويعرض شعبك للدمار، وينشر الموت في بيوت رعاياك!!)
وهنا ينتقم أبوللو، ويسخر من حبيبته الجافية!
لقد تضاحك الملك مستهزئاً، وغمزت الملكة ابنتها ولمزتها بكلام قارص. . . أما هكتور، فقد عبث بأخته ومازحها مزاحاً ثقيلاً. . .
مسكينة كاسندرا!
حتى الحاشية استهزأت بها وأشعرتها المذلة والهوان. . .!
كل ذلك والرعاة. . . أصدقاء باريس. . . ينظرون ويعجبون. . . ولا يفهمون!!
الآلهة لا تكذب!!
أفرخ روْع باريس إذن! وصدق كل ما ذكرته فينوس!
стр. 9289
هاهو ذا يعيش في قصر منيف باذخ؛ وهاهو ذا، لأول مرة في حياته يخلع هذا الصوف الخشن الغليظ، ليلبس من سندسٍ أبيض وإستبرق! والولدان البيض كالتماثيل يطوفون عليه بأكواب الخمر من فضة، وصحاف الآكال من ذهب! وشعب بأسره يطيع أباه ويطيعه، وجيوش تصدع بأمره، وأساطيل لجابٌ تملأ البحر، إذا شاء أقلعت وإذا شاء أرست؛؛؛ وملك وسلطان، وتاج وصولجان. . .!!
لا تنقصه الآن إلا أجمل فتاة في العالم. . .
تلك الفتاة التي وعدته فينوس! وما دامت الآلهة لا تكذب فأجمل فتاة في العالم هي من غير ريب في بلاد الإغريق. . . لأن فينوس أوصته بوجوب الإبحار إليها. . . وهل أجمل من حسان إسبرطة في بلاد الإغريق؟! إنهم قوم يعبدون الجمال واعتدال القوام
إذن، فليبحر باريس إلى إسبرطة!!
(لها بقية)
دريني خشبة
стр. 9290
البريد الأدبي
كتاب جديد عن ستالين
قرأنا في مجلة (لوروب نوفيل) وصفاً لمؤلف جديد عن (ستالين) بقلم مسيو بيير فريدريس. والظاهر أن شخصية ستالين (أو الرجل الصلبي) طاغية روسيا السوفيتية أضحت مستقر الاهتمام والدرس؛ فلأسابيع قلائل يصدر عن ستالين كتاب جديد بالفرنسية. وقد سبق أن أشرنا في هذا المكان إلى صدور الكتاب الأول وهو بقلم مسيو هنري باربيس الكاتب الفرنسي الثوري؛ وأما الكتاب الثاني فعنوانه ستالين أيضاً وهو بقلم مسيو بوريس سوفارين الكاتب الشيوعي؛ والكتاب الجديد بالفرنسية أيضاً مع أن مؤلفه مسيو سوفارين روسي الأصل نشأ في مهد الصحافة الروسية، ولكنه نزح إلى فرنسا منذ الثورة البلشفية، وغدا من أقطاب الشيوعيين في فرنسا، وكتابه يقع في مجلد ضخم يناهز الستمائة صفحة، وهو كما يسميه في عنوانه (خلاصة لتاريخ البلشفية) بيد أنها خلاصة ضافية جداً. ويبدأ مسيو سوفارين بالكلام عن ستالين ونشأته الأسيوية في بلاد الكرج في أسرة ريفية فقيرة؛ ثم يتناول تاريخ الحركات الثورية في روسيا منذ أواخر القرن الماضي بإفاضة، وتاريخ الأحزاب الثورية ومبادئها، وكيف تمخضت عن قيام الحزب البلشفي في أوائل هذا القرن؛ ويتطرق من ذلك إلى الحديث عن مقدمات الثورة البلشفية التي انتهت بقيام الحكومة السوفيتية وقبض البلاشفة على أقدار روسيا إلى اليوم ويستعرض خلال ذلك كل ما سنه البلاشفة من القوانين أو النظم الجديدة الاقتصادية والاجتماعية؛ ويعنى عناية خاصة باستيعاب كل ما يتعلق بتلك الشخصية الغامضة - ستالين - وكل ما يمكن أن يلقي الضياء على خواصها الغريبة. ويبدو ستالين خلال هذا الدرس شخصية مدهشة، فبينما نراه في ثوب متواضع جداً رجلاً لا يتمتع بثقافة محترمة، إذا به رجل ذو إرادة حديدية مخيفة، وإذا به طاغية خطر، يتذرع بأقسى الوسائل لتحقيق سياسته وأهوائه، ثم إذا به لا يزال مطبوعاً بالنزعة والصفات الأسيوية القديمة في الشغف بالدس والعمل من وراء ستار. ثم لا ريب مع ذلك أن ستالين من أعظم شخصيات التاريخ الحديث، وهو بذلك جدير بأن يدرس دراسة عميقة واسعة كتلك التي يقدمها إلينا مسيو سوفارين بعد أعوام طويلة من البحث والدرس في جميع المصادر والمحفوظات الروسية والأجنبية
стр. 9291
وفاة شاعر إنكليزي كبير
توفي أخيراً الشاعر الإنكليزي السير وليم وطسون في نحو السابعة والسبعين من عمره، وكان يعاني آلام المرض منذ أعوام؛ وولد السير وطسون في سنة ١٨٥٨ في بلدة من أعمال يوركشير، وتلقى تربيته الأولى في ليفربول حيث كان أبوه يشتغل بالتجارة، ثم درس الحقوق في جامعة ابردين؛ وفي سنة ١٨٨٠ نشر أولى قصائده في كتاب سماه (أمنية الأمير) وظهر فيه تأثره بنفوذ الشاعرين كيتس وتنيسون؛ وبعد بضعة أعوام أخرج كتابه (صور من الفن والحياة والطبيعة)، ولكنه لفت الأنظار لأول مرة حينما نشر في سنة ١٨٩٠ قصيدته الشهيرة (قبر وردسورث) التي أثارت يومئذ إعجاب النقدة، واعتبرت دليلاً قاطعاً على مقدرته الشعرية؛ وأعقب السير وطسون ذلك بعدة قصائد وأناشيد شعرية؛ وظهر من ذلك الحين بمواهبه الأدبية، واشترك في تحرير كثير من الصحف الأدبية الشهيرة. ولما توفي الشاعر تنيسون رثاه بقصيدة رائعة ضم إليها قصيدة أخرى في الذكرى المئوية للشاعر شيللي (سنة ١٨٩٣). وفي ذلك العام منحته الحكومة (معاش الأدب) الذي كان مخصصاً لتنيسون وقدره مائتا جنيه. ولما وقعت المذابح الأرمنية في تركيا في أواخر القرن الماضي، نشر السير وطسون عدة قصائد وأناشيد عنها في جريدة (الوستمنستر جازيت) ثم جمعت بعد ذلك في ديوان سمي (عام العار). وفي سنة ١٩٠٩ نشر ديواناً سماه (القصائد الجديدة) فلقي نجاحاً عظيماً، ثم نشر (الشعر في المنفى)، وأنعم عليه بلقب (السير) سنة ١٩١٧؛ واستمر السير وطسون يعد ذلك يخرج مجموعات شعرية متعاقبة
ويحمل شعر السير وطسون طابع المدرسة الروائية وميلها إلى البلاغة، بيد أنه يمتاز بالوضوح الجم والاحتشام الرفيع
ولما مرض السير وطسون منذ أعوام ولم تف موارده بحاجته للعلاج، أبدى مواطنوه له تقديرهم وإعجابهم بفتح اعتماد مالي شعبي يمكنه من إتمام علاجه وارتياد المصحات اللازمة؛ وقد نجح الاكتتاب نجاحاً عظيماً
وفاة السيد محمد رشيد رضا
استأثر الله في يوم الخميس الماضي بالعالم الكاتب والفقيه الحجة السيد محمد رشيد رضا
стр. 9292
صاحب (المنار)؛ أدركه موت الفجاءة وهو في السيارة عائداً من توديع الأمير سعود في السويس. وليس في العالم الإسلامي مثقف يجهل تلميذ الأستاذ محمد عبده، وحامل لواء الإصلاح الديني من بعده؛ فإن أربعين سنة قضاها الفقيد الكريم في تحرير المنار يفسر كتاب الله على طريقة الإمام، ويبسط أحاديث الرسول على نهج السلف، ويحرر الفتاوى في المسائل الدينية المختلفة، ويقطع ألسنة المبشرين والملحدين بالأدلة النواهض، ويجلو عن الشريعة ظلام الشُبه بالعقل النير، ويزيد في ثروة الأدب الإسلامي بالمصنفات القيمة، حرية أن تحله من قلوب المؤمنين موضع التجلة، وتبوئه من صفحات التاريخ مكان الأئمة
ولد الفقيد في قرية (القلمون) إحدى قرى لبنان القريبة من طرابلس، فتلقى العلم طفلاً ويافعاً في هذه المدينة، ثم هاجر إلى مصر، فدخل الأزهر واتصل بالإمام محمد عبده اتصالاً وثيقاً، فأشار عليه أن يصدر (المنار) فكانت سجلاً لآراء الأستاذ الاجتهادية في حياته، واستمرار لدعوته الإصلاحية بعد مماته. ثم ساهم في النهضة العربية واتصل بجمعياتها السرية في أطوارها المختلفة من سنة ١٩٠٨ إلى قيام الحرب الكبرى. فلما أُعلنت الهدنة عاد إلى سورية فانتخب رئيساً للمؤتمر السوري الذي نادى بالأمير فيصل ملكاً؛ ثم ظل في خدمة هذه الدولة العربية الجديدة حتى ثل عرشها الفرنسيون سنة ١٩٢٠، فارتد إلى القاهرة يحرر المنار ويعالج التأليف، فأصدر طائفة من الكتب القيمة أشهرها تكملة تفسير الإمام على هديه ووحيه، ثم الجزء الأول من تاريخ الإمام وكان قد أصدر منه جزءه الثاني فيما قاله، والثالث فيما قيل فيه، ثم كتابه الجليل (الوحي المحمدي) وهو من غير شك معجزة نبوغه وكتاب خلوده. ﵀ رحمة واسعة وعوض فيه الإسلام والمسلمين خيراً
ذكرى آندرسن معبود الطفولة
احتفل أخيراً في كوبنهاجن عاصمة دانماركه بإحياء ذكرى الكاتب القصصي الكبير هانز كرستيان آندرسن، وذلك لمناسبة مرور ستين عاماً على وفاته. ويحق لدانماركه أن تفتخر أيما فخر بأن ينتسب إليها ذلك الذي يعتبر بحق معبود الطفولة في جميع أنحاء العالم. ذلك أن آندرسن هو أمير القصص الساذج الذي مازال سحر الطفولة المرحة منذ ثلثي قرن. وقد ولد آندرسن سنة ١٨٠٥ في مدينة أودنسي من أعمال جزيرة فينن؛ وكان أبوه صانع أحذية شديد الفاقة فلم يتمكن من تربيته، ولكن جماعة من أصدقائه لاحظوا مواهب الطفل الخارقة
стр. 9293
ولا سيما في الموسيقى؛ ولما بلغ هانز أشده أبدى مقدرة في قرض الشعر، وحاول أن ينتظم في سلك المسرح في كوبنهاجن؛ ولكن تربيته الساذجة حالت دون هذه الأمنية؛ وبلغ الملك خبر هذا الفتى العجيب ومواهبه الخارقة، فأمر بأن يلقن بعض ضروب الثقافة؛ وكان لذلك العامل الجديد أحسن الأثر في إبراز مواهبه الشعرية والفنية. وكان بدء شهرته ومجده قصيدته الخالدة (الطفل المحتضر). ثم تلاها بقطعة أدبية ساخرة اسمها (نزهة إلى آماك) وقد صدم آندرسن في بدء حياته الأدبية بمهاجمة النقدة؛ ولكنه لم يعبأ بهم؛ وأمر الملك بأن يسافر آندرسن في بعض الرحلات على نفقته. وكان أعظم ما أخرج آندرسن بعد رحلاته، قصصه الخالدة التي تعرف (بقصص الجن). ومنها (كتاب الصور الذي لا صور فيه) (سوق شاعر) (قصص من جتلندة) (البجعة المتوحشة) (العذراء الثلجية) (الجندي الشجاع) وغيرها؛ وهي جميعاً من القصص البريء الساذج الذي وضع للطفولة، ومن أبدع ما أخرج القلم في هذا الباب من القصص؛ ويمتاز آندرسون بخياله المبدع وأسلوبه الساحر، وخفة روحه التي تخلب لب قرائه الأطفال في جميع أنحاء العالم، وقد ترجمت قصصه إلى جميع اللغات الحية، بحيث أصبح بحق كاتباً عالمياً عظيماً.
قصور بيزنطية
من أنباء استانبول الأخيرة أن المباحث الأثرية التي يجريها العلامة الأثري الايكوسي الأستاذ باكستون للبحث عن مواقع بيزنطية القديمة قد أسفرت عن العثور على بعض آثار تحدد موقع القصر الإمبراطوري القديم أو قصر قياصرة الدولة الشرقية. وقد توفر على درس هذه المسألة عدد كبير من العلماء؛ ودرسوها على ضوء الخطط القديمة لعاصمة القياصرة؛ ولكن مباحثهم كانت نظرية في الغالب؛ وأشهر من قام بهذه الدراسات العالمان الأثريان ممبوري وفياند في رسالتين شهيرتين أثبتت بهما بعض الخرائط والخطط النظرية القديمة لعاصمة القياصرة. وقد استعان الأستاذ باكستر بهذه الدراسات التاريخية على إجراء مباحثه؛ وبدأ بالحفر على مقربة من جامع السلطان أحمد الذي تجتمع فيه عدة من أشهر الآثار البيزنطية مثل كنيسة أياصوفيا الشهيرة، وهي على مقربة منه، ومسرح الهيبدروم (مسرح الخيل)؛ وحصر الأستاذ حفرياته في المنحدر المتجه نحو البحر، فعثر على عمق مترين ونصف متر على ممشى من الرخام وعلى بعض الأساسات القديمة، ووجد بينها آثار
стр. 9294
أحجار وفسيفساء تدل على أنها من صنع الترك في القرن السادس عشر؛ ولما نظفت هذه الأسس وحفر حول الممشى الرخامي ظهرت فسيفساء أخرى، عرف في الحال أنها من بقايا القصر الإمبراطوري، فتوسع الأستاذ باكستر في الحفر في تلك المنطقة، فعثر على قطع أخرى من الفسيفساء البيزنطية القديمة، ولم يعرف بعد أي جزء من القصر الإمبراطوري هذا الذي أكتشف؛ على أن هذا الممر الرخامي يمتد نحو عشرين متراً، وعرضه نحو عشرة أمتار، وتظلله أعمدة ترتفع نحو خمسة أمتار ونصف متر. والمظنون أن هذا الممر إنما هو أحد أروقة (الهيبدروم)؛ وقد كانت هذه الأورقة في العصور القديمة داخل القصر في الجناح المخصص لشخص الإمبراطور؛ وربما كان هذا الممر الرخامي وهذه الفسيفساء من بقايا كنيسة (ثانيا) وهي الكنيسة الإمبراطورية الخاصة، وربما كان من بقايا الجناح الصيفي الذي بناه الإمبراطور تيوفيلوس. ومهما كانت الآراء الخاصة بهذه الآثار، فإن الرأي مجمع على أنها على أعظم جانب من الأهمية في الكشف عن مواقع القصر الإمبراطوري القديم
نظريات الجنس والدم في ألمانيا
تتخذ نظريات الجنس والدم والسلالة في ألمانيا كل يوم صوراً مدهشة من الغلو والإغراق؛ ومازالت التفرقة بين الجنس الآري والجنس السامي (وبخاصة اليهود) عماد الفكرة الجنسية؛ ولكن تحدث أخيراً بعض غلاة الوطنيين الاشتراكيين (الهلتريين) فقال إن الطب الحديث هو من عوامل فساد الدم، ويجب أن يحذر الجنس الآري والجنس الجرماني بنوع خاص تجارب الطب الحديث لأنه يهودي المنشأ والصبغة؛ وقد تفنن أقطاب الأطباء والباحثين اليهود في اختراع نظريات الميكروبات وغيرها وأفسدوا بذلك نظام الطب الطبيعي الذي يجب أن يكون شعار الجرمانية إلى غير ذلك من الأقوال المغرقة التي تدل على غلوّ لا في التعصب فقط ولكن في تشويه العلم والحقيقة أيضاً. وثمة صيحة غريبة أخرى يلقيها غلاة الهتلريين، فهم يحذرون الألمان من أكل البقول والمنتجات الأجنبية، لأنه لا يصح أن يتكون الدم الألماني النقي إلا بالأغذية والبقول التي تنتجها الأرض الألمانية. وضربت جريدة (الفرانكيشه تسيتونج) مثلاً لذلك بالليمون الذي ارتفعت أسعاره أخيراً في ألمانيا، فقالت يجب على الألمان أن يصرفوا النظر عن الليمون الأجنبي لأنه يفسد دماءهم،
стр. 9295
وأن يستعيضوا عنه ببقل ألماني آخر يسمى (الرها بارب) وهو بقل حامض يزرع بكثرة في ألمانيا ويمكن استخراج حامضه واستعماله مكان الليمون؛ وهكذا يخلط القوم خلطاً غريباً في نظريات الدم والسلالة والقومية وغيرها من حميات التعصب المغرق التي تجرف ألمانيا الهتلرية
الرقص العاري ليس فناً
هل يعتبر الرقص العاري منافياً للحياء؟ لقد انتشر الرقص العاري أخيراً في فرنسا وأصبحت عدة من ملاهيها الشهيرة تخصص للرقص العاري في برنامجها أهم مكان. والمقصود بالرقص العاري هو العراء المطلق، ويقوم به راقصات حسان يرقصن أمام الجمهور عاريات تماماً، ولم يكن البوليس يتدخل في أمر هذا الرقص لاعتباره داخلاً في باب الفن، ولكن القضاء تدخل أخيراً بناء على شكوى قدمت إليه من أحد النظارة، فقد اصطحب رجل زوجه وابنته إلى أحد الملاهي الشهيرة، وبعد حين غادرت ابنته المكان لسبب ما، ولم يمض على خروجها برهة حتى ظهرت الراقصة الشهيرة جوان وارنر عارية تماماً وأدت رقصتها، وهتف لها الجمهور طويلاً. ولكن السيد المشار إليه ذهب تواً إلى إدارة البوليس وقدم شكواه ضد هذا المنظر المنافي للحياء والذي ينطوي على فسق بين. ورفع الأمر إلى القضاء، فقدمت الراقصة وصاحب الملهى متهمين بارتكاب عمل ينافي الحياء، وأخذت المحكمة بهذا الرأي، وقضت على الراقصة بغرامة قدرها خمسون فرنكاً، وعلى صاحب الملهى بمائة فرنك، وذلك برغم ما دفعت به الممثلة من أن رقصها العاري إنما هو رقص محتشم يدخل في باب الفن، وبرغم ما دفع به صاحب الملهى من أن برنامج الليلة كان مذكوراً فيه هذا المنظر، وقد كان على المشتكي أن يمتنع من الدخول
стр. 9296
الكتب
كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك
للمقريزي
نشرته لجنة التأليف والترجمة والنشر
للأستاذ محمد بك كرد علي
المقريزي مؤرخ القرن التاسع غير مدافع (٨٤٥هـ)، استفاضت شهرته بتآليفه في حياته وبعد مماته، وقد طبع له حتى الآن (كتاب التنازع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم) و (الإلمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام) و (البيان والإعراب عما في أرض مصر من الأعراب) و (الأوزان والمكاييل الشرعية) و (الطرفة الغريبة في أخبار حضرموت العجيبة). وأهم كتبه الذي حفظ به تاريخ عمران مصر كتابه (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) الذي يدعى تسهيلاً (الخطط) طبع غير مرة وعنى به علماء المشرقيات عناية خاصة ومنهم من اقتطع منه فصولاً نقلها إلى إحدى اللغات الأفرنجية، ومنهم من درسه في الجامعات وعلق عليه
ومن كتب المقريزي التي بقيت محفوظة في بعض دور الكتب العامة، واكتفى علماء الشرقيات بنقل ما يتعلق بغرضهم منها (كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك) وقد وفق الأستاذ محمد مصطفى زيادة المدرس بقسم التاريخ في كلية الآداب بالجامعة المصرية بإخراج هذا السفر الجليل على طريقة علماء المشرقيات في إحياء تراثنا الأدبي، معارضاً له على عدة نسخ مخطوطة وأهمها نسخة بخط المؤلف. وتجد في كل صفحة أثر العناية البالغة في هذا الجزء الأول - القسم الأول ٢٦١ صفحة من القطع الأخير
(كتب المقريزي - كما جاء في تصدير الناشر - كتابه على نظام الحوليات الشائع في مؤلفات المؤرخين الشرقيين في القرون الوسطى فسرد تاريخ كل سنة على حدته، ولم يحاول أن يصل بين سنة وأخرى أبداً، ولم يستوقف القارئ في وسط السنين إلا عند حدوث عهد جديد) وقال المقريزي إنه لما أكمل كتاب (عقد جواهر الأسفاط من أخبار مدينة الفسطاط) و (كتاب اتعاظ الحنفاء بأخبار الخلفاء) وهما يشتملان على ذكر من ملك مصر
стр. 9297
من الأمراء والخلفاء منذ فتحت وإلى أن زالت الدولة الفاطمية. أحب أن يصل ذلك بذكر من ملك مصر بعدهم من الملوك الأكراد الأيوبية والسلاطين المماليك التركية والجركسية غير معتن فيه بالتراجم والوفيات لأنه أفرد لها تأليفاً آخر
وفي هذا الكتاب كما في أكثر ما خطته يد المقريزي يسقط الباحث على شذرات في التاريخ وآراء سديدة في نقد الحوادث ما عرف عنه مثله في سائر كتبه المنقحة، فقد قال في دولة بني العباس وهو ما سبق له التصريح بمثله في كتابه النزاع والتخاصم: (وفيها افترقت كلمة الإسلام وسقط اسم العرب من الديوان، وأدخل الأتراك في الديوان، واستولت الديلم ثم الأتراك، وصار لهم دول عظيمة جداً، وانقسمت ممالك الأرض عدة أقسام، وصار بكل قطر قائم يأخذ الناس بالعسف ويملكهم بالقهر) وقال في المنصور إنه أول من أوقع الفرقة بين ولد العباس وولد علي بن أبي طالب وكان قبل ذلك أمرهم واحداً، وهو أول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم، وأول خليفة ترجمت له الكتب من اللغات، وأول خليفة استعمل مواليه وغلمانه في أعماله وقدمهم على العرب، فاقتدى به من بعده من الخلفاء، حتى سقطت قيادات العرب وزالت رياستها وذهبت مراتبها، وكان قد نظر في العلم فكثرت في أيامه روايات الناس واتسعت علومهم
ومما دونه من حوادث سنة ٥٩٤ أن معز الدين إسماعيل ابن سيف الإسلام طغتكين ملك اليمن ادعى الألوهية نصف نهار وكتب كتاباً وأرخه من مقر الألوهية ثم رجع عن ذلك، وادعى الخلافة، وزعم أنه من بني أمية ودعا لنفسه في سائر مملكته بالخلافة، وقطع الدعاء من الخطبة لبني العباس ولبس ثياباً خضراً وعمائم خضراً مذهبة، وأكره من كان في مملكته من أهل الذمة على الإسلام. . . وفي حوادث سنة ٦٠٧ أن الملك الأوحد ابن العادل ظفر بملك الكرج ففدى هذا نفسه منه بمائة ألف دينار وخمسة آلاف أسير من المسلمين، وأنه يلتزم الصلح ثلاثين سنة وأن يزوجه ابنته بشرط ألا تفارق دينها. وفي حوادث ٦٠٩ أنه كان في جهاز ضيفة خاتون ابنة العادل مائة مغنية يلعبن بأنواع الملهى، ومائة جارية يعملن أنواع الصنائع البديعة. وفي حوادث ٦٢٦ أنه وقعت الحوطة على دار القاضي الأشرف أحمد بن القاضي الفاضل، وحملت خزائن الكتب جميعها إلى قلعة الجبل بمصر، وجملة الكتب ثمانية وستون ألف مجلدة، وحمل من داره خشب خزائن الكتب
стр. 9298
مفصلة وحملها تسعة وأربعون جملاً، وإن عدة الكتب ١١٨٠٨ كتب، ومن جملة الكتب المأخوذة كتاب الأيك والغصون لأبي العلاء المعري في ستين مجلداً
وقال في الموفق العباسي إنه أول خليفة قُهر وحجر عليه ووكل به. وروى قول ابن مقلة: (إنني أزلت دولة بني العباس وأسلمتها إلى الديلم لأني كاتبت الديلم وقت انفاذي إلى أصبهان وأطمعتهم في سرير الملك ببغداد فإن اجتنيت ثمرة ذلك في حياتي وإلا فهي تجتني بعد موتي.) وذكر أنه قلت الجباية في عهد العزيز من الأيوبيين بمصر فاتفقوا في دار السلطان على ما يصرف إلى عياله وما يقتات به أولاده، وأفضى الأمر إلى أن يؤخذ من الأسواق ما لا يوزن له ثمن وما يغصب من أربابه، وأفضى هذا إلى غلاء أسعار المأكولات، فإن المتعيشين من أرباب الدكاكين يزيدون في الأسعار العامة بقدر ما يؤخذ منهم للسلطان، فاقتضى ذلك النظر في المكاسب الخبيثة وضمن باب المزر باثني عشر ألف دينار، وفسح في إظهاره وبيعه في القاعات والحوانيت، ولم يقدر أحد على إنكار ذلك، وصار ما يؤخذ من هذا السحت ينفق في طعام السلطان وما يحتاج إليه، وصار مال الثغور والجوالي إلى من لا يبالي من أين أخذ المال. . . العزيز هو الذي منع من استخدام أهل الذمة في شيء من الخدم السلطانية، وألزموا لبس الغيار في عهده، وأعاد المكوس التي كان أبطلها أبوه صلاح الدين وزاد في شناعتها، وتجاهر بالمعاصي والمنكرات، وأباح أرباب الأمر والنهي الخمر والحشيش، وأقيمت عليها الضرائب الثقيلة، واضطربت أحوال الديار المصرية من قلة العدل وكثرة المعاصي والفسوق، وكثر اجتماع النساء والرجال على الخليج لما فتح، وعلى ساحل مصر، وتلوث النيل بمعاص قبيحة (وعدمت الأرزاق من جانب الديوان، وتعذرت وجوه المال حتى عم المرتزق الحرمان، واستبيح ما كان محظوراً من فتح أبواب التأويلات وأخذ ما بأيدي الناس بالمصادرات) ومع هذا قال المقريزي في هذا الملك لما مات: إنه كان ملكاً كريماً عادلاً رحيماً، حسن الأخلاق، شجاعاً، سريع الانقياد، مفرط السخاء، سمع الحديث من السلفي وابن عوف وابن بري، وحدث، وكانت الرعية تحبه محبة كثيرة، وكان يعطي العشرة آلاف دينار، ويعمل سماطاً عظيماً يجمع الناس لأكله، فإذا جلسوا للأكل كره منهم أكله، ولا يطيب له ذلك، وهذا من غرائب الأخلاق &
стр. 9299
ووصف في حوادث سنة سبع وتسعين وخمسمائة الغلاء الذي حدث في مصر حتى أكل الناس الميتات وأكل بعضهم بعضاً وتبع ذلك فناءٌ عظيم، وتمادى الحال ثلاث سنين متوالية لا مدُّ النيل فيها إلا مداً يسيراً، وشنع الموت في الأغنياء والفقراء فبلغ من كفنه العادل من الأموات في مدة يسيرة نحواً من مائتي ألف إنسان وعشرين ألف إنسان، وأكلت الكلاب بأسرها، وأُكل من الأطفال خلق كثير، وصار الناس يحتال بعضهم على بعض ويؤخذ من قُدر عليه فيؤكل، وإذا غلب القوي ضعيفاً ذبحه وأكله، وفقد كثير من الأطباء لكثرة من كان يستدعيهم إلى المرضى فإذا صار الطبيب إلى دار المريض ذُبح وأُكل. وهذا الوباء والغلاء يشبهان ما وقع من مثلهما في أواخر عهد الفاطميين في مصر والشام
ويطول بنا المقال إذا أردنا الاستكثار من الاقتباس من كتاب الملوك، وقد استفدنا منه أنهم كانوا يطلقون على النبيلات من ربات الحجال (الستر العالي الصاحبة فاطمة)، (الستر العالي الصاحبة غازية خاتون)، (الستر الرفيع فلانة) كما نقول اليوم (صاحبة العصمة)، وكنت قرأت على حائط فناء مدرسة الفردوس بحلب: (هذا ما أمرت بإنشائه ذات الستر الرفيع والجناب المنيع الملكة الرحيمة عصمة الدنيا والدين، ضيفة خاتون ابنة السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب. . .)
محمد كرد علي
стр. 9300
العدد ١١٣ - بتاريخ: ٠٢ - ٠٩ - ١٩٣٥
стр. 9301
مصر والأمم الشرقية
أثارت زيارة سمو الأمير سعود ولي عهد المملكة السعودية لمصر مسألة قديمة لا تزال منذ أعوام موضع الدهشة والتساؤل، هي مسألة العلائق الرسمية بين مصر والمملكة السعودية؛ فمصر لم تعترف حتى اليوم بصفة رسمية بالمملكة السعودية، أعني بحكومة نجد والحجاز، كما أن المملكة السعودية لا تعترف من جانبها بالدولة المصرية؛ ولا توجد دولة أخرى من دول العالم لا تعترف بها مصر سوى روسيا السوفيتية
وقد كشفت الحفاوة الودية الرائعة التي استقبل بها الأمير سعود في مصر، واشتركت فيها الحكومة بصفة غير رسمية، عن مبلغ ما يعتور العلائق بين مصر والمملكة السعودية من شذوذ ونقص؛ وكانت حماسة الأمة المصرية في استقبال ضيفها العظيم أكبر دليل على ما تكنه مصر للأمة العربية الشقيقة من صادق الحب والإخاء، وعلى مبلغ ما تشعر به من بواعث الأسف لهذا الوضع الشاذ الذي ما زال يغشى صفاء العلائق الرسمية بين الدولتين
لماذا لا تبادر مصر بالاعتراف بالحكومة السعودية، وقد اعترفت بها
دول العالم جميعاً؟ هذا ما نتساءل عنه منذ أعوام. إن مصر تستطيع
أن تبرّر عدم اعترافها بروسيا السوفيتية، وهي الدولة الوحيدة الأخرى
التي لا تعترف بها، بما شاءت من الحجج والمعاذير؛ ولكن موقفها من
المملكة السعودية مما يصعب فهمه وتعليله. وإذا لم يكن ثمة موضع
للتحدث عن التبعات في هذا المقام، فانه مما يجدر ذكره أن جلالة ابن
السعود قد أبدى في كل فرصة استعداداً يحمد لتنظيم العلائق بين مملكته
وبين المملكة المصرية. وقد تكون ثمة مسائل وتفاصيل لابد من
تسويتها لإقامة الروابط الرسمية بين الحكومتين على أسس وطيدة
مرضية؛ ولكنا لا نعتقد أن هذه المسائل من الخطورة بحيث يتعذر
تذليلها وحلها
ولسنا في حاجة لأن تنوه في هذا المقام بما يجمع بين الأمتين من الروابط التاريخية
стр. 9302
القديمة، ولا بما يوثق بينهما من أواصر الدم والدين واللغة ومختلف المصالح المعنوية والمادية؛ وإذا كان مما يدعو إلى الغبطة أن الأمتين رغم هذا الشذوذ القائم في علائقهما الرسمية، تقدر كلتاهما واجبها نحو الأخرى، وتعاملها معاملة الأخت الشقيقة، بل وتبعث إليها بممثل غير رسمي يتمتع فعلاً بجميع المجاملات الممكنة، فإنه لابد من تتويج هذه الحالة الفعلية القائمة بالصبغة الرسمية الصريحة حتى يزول كل ريب والتباس في علائق الدولتين
وثمة ملاحظة أخرى في موقف مصر من الأمم الشرقية الشقيقة هي تصرفها في مسألة تبادل التمثيل السياسي مع أفغانستان؛ فقد أنشأت أفغانستان لها في مصر منذ أعوام مفوضية خاصة وبعثت إليها بوزير مفوض؛ ولبثت أفغانستان تنتظر مدى أعوام أن تعاملها مصر بالمثل، وأن تقوم في كابول مفوضية مصرية يتولى أمرها وزير مصري مفوض؛ ولكن الحكومة المصرية رأت أخيراً أن تكتفي بأن تنشئ في كابول مفوضية اسمية يتولى أمرها (قائم بالأعمال) وأن تسند إلى وزير مصر المفوض في طهران، فاضطرت الحكومة الأفغانية إزاء ذلك أن تلغى مفوضيتها في مصر، وأن تبعث بوزيرها المفوض إلى جهة أخرى، وأن تكتفي كالحكومة المصرية بمفوضية اسمية يتولاها (قائم بالأعمال) وتسند إلى وزير أفغانستان المفوض في تركيا
وهذه نتيجة يؤسف لها؛ خصوصاً إذا ذكرنا أن مصر في الوقت الذي تقدم فيه على هذا التصرف إزاء أفغانستان، وفي الوقت الذي تكتفي فيه بأن يمثلها في العراق (قائم بالأعمال)، تنشئ لها مفوضية جديدة في النمسا يتولاها وزير مفوض خاص
هذه مآخذ في سياسة مصر الخارجية نحو الأمم الشرقية، كنا نود أن تنزه عنها وأن ترتفع فوقها؛ فمصر وحدة بارزة في هذه الكتلة الشرقية التي تضطرم اليوم بروح جديدة، وتحفزها آمال وأماني مشتركة، وتجمع بينهما جميعاً صلات التاريخ والأجيال، وسياسة مصر نحو هذه الأمم الشقيقة يجب أن تقوم على اعتبارات معنوية سامية ترتفع فوق كل الاعتبارات المادية
ويجب أن تذكر مصر دائماً أنها تضطلع بتبعات خاصة نحو العربية والإسلام؛ فهي تحمل رسالة الثقافة العربية، وإليها تتجه أنظار الأمم العربية، تقفوا أثرها وتتعاون معها في إحياء
стр. 9303
الآداب العربية، ثم هي تحمل زعامة الإسلام الدينية والاجتماعية، وإليها تتجه أنظار الأمم الإسلامية لتتعاون معها في حماية التراث الإسلامي المشترك؛ وفي تضامن مصر مع الأمم العربية والإسلامية في بصوره الممكنة قوة لا يستهان بها؛ وهذا المركز الخاص الذي تتبوأه مصر بين الأمم العربية والإسلامية يحتم عليها أن تكون قدوة في حسن التفاهم مع هذه الأمم الشقيقة التي تلتف حولها وتحبوها بعطفها وتقديرها
فهل لنا أن نؤمل أن تتجه سياسة مصر الخارجية إلى تقدير هذه العوامل والاعتبارات الخطيرة؟ وهل نشهد في القريب العاجل عقد معاهدة الصداقة المصرية الحجازية؟ هذا ما نرجو لخير مصر، وخير العروبة والإسلام
стр. 9304
في الربيع الأزرق
خواطر مرسلة
للأستاذ مصطفى صادق الرفاعي
ما أجملَ الأرضَ على حاشيةِ الأزرقَيْن البحر والسماء؛ يكادُ الجالسُ يظنُّ نفسَه مرسوماً في صورة إلهية
نظرتُ إلى هذا البحر العظيم بعينَيْ طفلٍ يتخيل أن البحر قد مُلئَ بالأمس، وأن السماءَ كانت إناءً له، فانكفأ الإناء فاندفق البحر؛ وتَسرَّحْتُ مع هذا الخيال الطفليَّ الصغير فكأنما نالني رشاشٌ من الإناء. . . .
إننا لن ندركَ رَوعةَ الجمال في الطبيعة إلا إذا كانت النفسُ قريبةً من طفولتها، ومرَح الطفولة، ولعبها، وهَذَيَانها
تبدو لك السماءُ على البحر أعظمَ مما هي، كما لو كنتَ تنظر إليها من سماءٍ أخرى لا من الأرض
إذا أنا سافرتُ فجئتُ إلى البحر، أو نزلتُ بالصحراء، أو حللتُ بالجبل؛ شعرتُ أولَ وهلةٍ من دهشة السرور بما كنت أشعر بمثله لو أن الجبلَ أو الصحراءَ أو البحرَ قد سافرت هي وجاءت إليّ
في جمال النفس يكون كلُّ شيء جميلا إذ تُلقي النفسُ عليه من ألوانها، فتنقلب الدارُ الصغيرةُ قصراً لأنها في سَعِة النفس لا في مساحتها، وتَعرفُ لنور النهار عذوبةً كعذوبة الماء على الظمأ، ويظهر الليل كأنه معرضُ جواهر أقيم للحُور العِين في السماوات، ويبدو الفجرُ بألوانه وأنواره ونسماته كأنه جنةٌ سابحة في الهواء
في جمال النفس ترى الجمالَ ضرورةً من ضرورات الخليقة وَيْ كأن الله أمرَ العالَم ألَا يَعبسَ للقلب المبتسم
أيامُ الَمصِيف هي الأيامُ التي ينطلق فيها الإنسان الطبيعيُّ المحبوسُ في الانسان؛ فيرتدُّ إلى دهرِه الأول دهر الغابات والبحار والجبال
إن لم تكن أيامُ المصيف بمثل هذا المعنى، لم يكن فيها معنى
ليست اللذة في الراحة ولا الفراغ، ولكنها في التعب والكَدْح والمشقة حين تتحولُ أياماً إلى
стр. 9305
راحة وفراغ
لا تتمُّ فائدةُ الانتقال من بلد إلى بلد، إلا إذا انتقلت النفس من شعور إلى شعور؛ فإذا سافر معك الهمُّ فأنت مقيمٌ لم تَبرحْ
الحياةُ في المصيف تثبت للإنسان أنها إنما تكونُ حيث لا يُحْفَلُ بها كثيراً
يشعر المرءُ في المُدُن أنه بين آثار الإنسان وأعماله، فهو هناك في رُوح العَناء والكَدْح والنزاع؛ أما في الطبيعة فيحُسُّ أنه بين الجمال والعجائب الإلهية، فهو هنا في روُح اللذة والسرور والجلال
إذا كنت في أيام الطبيعة فاجعل فكرك خالياً وفَرِّغْه للنَّبت والشجر، والحجَر والمَدَر، والطير والحيوان، والزهر والعُشْب، والماءِ والسماء، ونورِ النهار وظلام الليل، حينئذ يفتح لك العالَم بابَه ويقول: ادخل
لطْفُ الجمال صورةٌ أخرى من عظَمَة الجمال؛ عرفتُ ذلك حينما أبصرتُ قطرةً من الماء تلمعُ في غصن، فخيِّل إليّ أن لها عظمة البحر لو صَغُر فعُلِّق على ورقة
في لحظة من لحظات الجسد الروحانية، حين يفورُ شِعرُ الجمال في الدم - أطلتُ النظرَ إلى وردة في غصنها زاهيةٍ، عطرة، متأنقة، متأنثة؛ فكدت أقول لها: أنتِ أيتها المرأة، أنت يا فلانة. . .
أليس عجيباً أن كل إنسان يرى في الأرض بعض الأمكنة كأنها أمكنةٌ للروح خاصة؛ فهل يدلّ هذا على شيء إلا أن خيالَ الجنة منذ آدمَ وحوَّاء، لا يزال يعمل في النفس الإنسانية؟
الحياةُ في المدينة كشرب الماء في كوب من الخزف؛ والحياة في الطبيعة كشرب الماء في كوب من البلُّور الساطع؛ ذاك يحتوي الماءَ وهذا يحتويه، ويُبدي جمالَه للعين
واأسفاه، هذه هي الحقيقة: إن دقَّةَ الفهم للحياة تُفسدها على صاحبها كدقة الفهم للحب؛ وإن العقل الصغير في فهمه للحب والحياة، هو العقلُ الكاملُ في التذاذه بهما. واأسفاه، هذه هي الحقيقة
في هذه الأيام الطبيعية التي يجعلها المصيفُ أيامَ سرورٍ ونسيان يشعرُ كلُّ إنسان أنه يستطيع أن يقول للدنيا كلمةَ هزلٍ ودُعابة. . .
من لم يرزق الفكرَ العاشقَ لم ير أشياءَ الطبيعة إلا في أسمائها وشِياتها، دون حقائقها
стр. 9306
ومعانيها؛ كالرجل إذا لم يعشق رأى النساء كلَّهن سواءً؛ فإذا عشق رأى فيهن نساءً غير من عرَف، وأصبحن عنده أدلةً على صفات الجمال الذي في قلبه
تقوم دنيا الرزق بما تحتاجُه الحياة؛ أما دنيا المصيف فقائمةٌ بما تلذُّه الحياة؛ وهذا هو الذي يغير الطبيعة ويجعلُ الجوَّ نفسه جوَّ مائدة ظُرفاء وظريفات. . .
تعمل أيام المصيف بعد انقضائها عملاً كبيراً، هو إدخالُ بعض الشعر في حقائق الحياة
هذه السماءُ فوقنا في كل مكان، غير أن العجيبَ أن أكثر الناس يرحلون إلى المصايف ليروا أشياءَ منها السماء. . .
إذا استقبلتَ العالم بالنفس الواسعة رأيتَ حقائقَ السرور تزيد وتتسع، وحقائق الهموم تصغُرُ وتضيق، وأدركتَ أن دنياك إن ضاقت فأنت الضيَّقُ لا هي
في الساعة التاسعة أذهبُ إلى عملي، وفي العاشرة أعملُ كيت، وفي الحادية عشرةَ أعملُ كيتَ وكيت؛ وهنا في المصيف تفقد التاسعةُ وأخواتها معانيَها الزمنيةَ التي كانت تضعها الأيامُ فيها، وتستبدلُ منها المعانيَ التي تضعها فيها النفسُ الحرة
هذه هي الطريقة التي تُصنع بها السعادةُ أحياناً؛ وهي طريقة لا يقدر عليها أحدٌ في الدنيا كصغار الأطفال
إذا تلاقى الناسُ في مكان على حالة متشابهة من السرور وتوهمه والفكرة فيه؛ وكان هذا المكانُ مُعَداً بطبيعته الجميلة لنسيان الحياة ومكارهها - فتلك هي الرواية وممثلوها ومسرحها أما الموضوعُ فالسخريةُ من إنسان المدنية ومدنية الإنسان
ما أصدَق ما قالوه: إن المرئيَّ في الرائي. مرضتُ مدةً في المصيف، فانقلبت الطبيعةُ العروسُ التي كانت تتزينُ كل يوم إلى طبيعة عجوز تذهب كل يوم إلى الطبيب. . .
стр. 9307
حول النزاع الإيطالي الحبشي
عصبة الأمم
وما تستطيع أن تفرضه من العقوبات
بقلم باحث دبلوماسي كبير
تعاني عصبة الأمم أزمة دقيقة من جراء تعرضها للنزاع بين إيطاليا والحبشة؛ ولم يكن في وسع العصبة أن تقف جامدة أو أن تتنحى عن بحث مشكل يقع في صميم اختصاصها بمقتضى (الميثاق) وتثيره دولتان كلتاهما عضو في العصبة، وعصبة الأمم تعرف من البداية أنها تواجه في المشكلة الإيطالية الحبشية أزمة خطيرة، بل تواجه محنة قد يقوض الفشل في درئها صرح العصبة، وكل المبادئ الدولية التي يقوم عليها، وتعرف منذ البداية أيضاً أنها لن تستطيع أن تقوم في معالجة هذه الأزمة بدور فعال، أو بإجراء حاسم، ولكنها أيقنت في نفس الوقت أن قليلاً من الشجاعة في مواجهة الموقف، وأن تطبيق بعض الإجراءات النظرية التي ينص عليها ميثاق العصبة في مثل هذه الأحوال، وأخيراً أن محاولة اكتساب الوقت في بعض المجادلات الفقهية قد ينتهي بإنقاذها من مأزق الحياة والموت
وقد أبدت العصبة هذا القليل من الشجاعة فاستمعت إلى نداء الحبشة في بحث النزاع، وإن لم تبحثه إلا في الحدود الضيقة التي ارتضتها إيطاليا، وسعت إلى تطبيق المادة الثالثة عشرة من الميثاق، واتفق الطرفان على محاولة إجراء نوع من التحكيم، وألفت بالفعل لجنة تحكيم مشتركة تمثل الفريقين المتنازعين؛ ولكن الحوادث تطورت بسرعة، وأكدت إيطاليا وما تزال تؤكد بمنتهى الصراحة أنها لا تبغي بديلا بافتتاح الحبشة والاستيلاء عليها، وأنها سوف تلجأ لتحقيق غايتها بالقوة القاهرة، وأنها لن تني عن مشروعها أمام أي تدخل أو أية قوة في العالم؛ وهكذا تحطمت جميع الآمال التي علقت على تدخل العصبة، وعلى لجنة التحكيم، ولن يحول دون اضطرام الحرب في شرق أفريقية سوى معجزة، أو تطور في الحوادث لا يخطر ببال إنسان، ولن تحدث هذه المعجزة أو هذا التطور الخارق
ونحن نعرف كيف حاولت السياسة البريطانية جهد استطاعتها أن تحول دون اضطرام
стр. 9308
الحرب في هذه المنطقة التي تجاور عدة من الأملاك البريطانية، ويهدد حلول إيطاليا فيها وادي النيل من منبعه إلى مصبه، ويضع السودان ومصر في مأزق خطر، ويجعلها عرضة لأخطار النزعة الاستعمارية التي تضطرم في إيطاليا، ويهدد من جهة أخرى مواصلات الإمبراطورية البريطانية في البحر الأحمر، وفي عدن وباب المندب بصفة خاصة؛ ولكن السياسة البريطانية لم توافق رغم ما بذلته من الجهود وما عرضته من الحلول إلى إقناع السياسة الإيطالية الجامحة المتوثبة بالعدول عن مطامعها وأحلامها العريضة في إقامة إمبراطورية استعمارية ضخمة في شرق أفريقية
والآن، وقد فشلت كل محاولة للتسوية السلمية، ولم يبق سوى اضطرام هذه الحرب الهمجية التي تصر الفاشستية على إضرامها تحقيقاً لمطامعها ومشاريعها المثيرة في افتراس الشعوب الآمنة، تحاول السياسة البريطانية أن تجد سبيلاً لمقاومتها وتحطيم مشاريعها، لا حباً بالحبشة، أو نصرة لقضية السلام في ذاتها، ولكن توسلا إلى درء الأخطار التي تتهدد سيادتها ومصالحها الإمبراطورية في البحر الأبيض المتوسط وفي شرق أفريقية إذا استطاعت الفاشستية أن تفوز ببغيتها في افتتاح الحبشة. وقد تستطيع السياسة البريطانية أن تشل حركة الفاشستية ببعض الإجراءات والمساعي التمهيدية، وقد لا تحجم عن أن تخوض معها غمار الحرب إذا لم تجد مناصاً من خوضها
ومن هذه الإجراءات والمساعي التمهيدية التي تفكر إنكلترا في التذرع بها لرد الفاشستية عن عدوانها، محاولة توقيع العقوبات الدولية التي ينص عليها ميثاق الأمم. وقد كثرت الإشارة أخيراً إلى هذه العقوبات ومداها ومبلغ ما ينتظر من تأثيرها إذا طبقت. ولهذا نرى مناسبة لأن نتناولها بشيء من الشرح والتفصيل، فنقول إن المادة (١٥) من ميثاق العصبة تنص على الإجراءات والقرارات التي يمكن اتخاذها لتسوية المنازعات الدولية التي قد تقع بين أعضاء العصبة عن يد العصبة ذاتها وما يمكن أن يقوم به مجلس العصبة في هذا السبيل. وتنص المادة التالية أي المادة (١٦) على العقوبات الدولية التي يمكن توقيعها على الدولة التي تخالف تعهداتها وتلتجئ إلى الحرب، وإلى القارئ نص هذه المادة الشهيرة كاملاً:
(إذا التجأ عضو من أعضاء العصبة إلى الحرب خلافاً للتعهدات المنصوص عليها في
стр. 9309
المادتين ١٢ و١٣ أو المادة ١٥، فانه يعتبر فعلاً قد ارتكب عملاً حربياً ضد كل أعضاء العصبة الآخرين. ويتعهد هؤلاء أن يقطعوا في الحال معه كل علائقهم التجارية والمالية، وأن يحظروا كل علائق بين رعاياهم وبين رعايا الدولة التي خرقت الميثاق، وأن يقطعوا كل المواصلات المالية والتجارية والشخصية بين رعايا هذه الدولة وبين رعايا أية دولة أخرى سواء أكانت عضواً في العصبة أم لا
(وفي هذه الحالة يجب على المجلس (مجلس العصبة) أن يوصي إلى الحكومات المختلفة ذات الشأن بتقديم القوى العسكرية أو البحرية أو الجوية التي يساهم أعضاء العصبة في تقديمها للقوى المسلحة التي تقوم بالعمل على احترام تعهدات العصبة
(ويتعهد أعضاء العصبة أيضاً أن يعاونوا بعضهم بعضاً في تطبيق الإجراءات الاقتصادية والمالية التي تتخذ طبقاً لهذه المادة والتي يراد بها أن تخفض إلى أدنى حد ما يمكن أن يترتب عليها من الخسائر والمضار. ويتعهدون بالتعاون أيضاً في مقاومة كل إجراء خاص يوجه إلى أحدهم من جانب الدولة التي خالفت الميثاق؛ ويتخذون الإجراءات اللازمة لكي يسهل المرور في أراضيهم لقوات أي عضو من أعضاء العصبة يساهم في العمل المشترك الذي يقصد به العمل على احترام تعهدات العصبة
ويمكن أن بفصل من العصبة كل عضو ينتهك أحد التعهدات المترتبة على هذا الميثاق. ويصدر قرار الفصل بموافقة جميع أعضاء العصبة الآخرين الممثلين في المجلس)
هذا هو مجمل الإجراءات التي سجلها ميثاق العصبة لتوقيع العقوبات الدولية على العضو المعتدي أو المنتهك لميثاق العصبة. وظاهر أن هذه العقوبات ذات صبغة اقتصادية محضة؛ ويمكن وصفها بأنها نوع من الحصار الاقتصادي. ولهذا الحصار الاقتصادي إذا طبق على دولة من الدول أكبر الأئر في الضغط عليها وشل مشاريعها العسكرية، خصوصاً إذا كانت مثل إيطاليا تعتمد على الخارج في كثير من المواد الأولية الأساسية. بيد أن هذه النصوص التي سجلتها عصبة الأمم في ميثاقها لا تزال نظرية محضة، ولم يجر تطبيقها حتى اليوم بصورة فعلية، وإن كان ذكرها قد جرى في بعض الأزمات الدولية، ولا تزال أكبر نقطة ضعف فيها خلوها من أي ضمان فعلي للتنفيذ؛ فليست لعصبة الأمم أية قوة أو أية سلطة فعلية تمكنها من تطبيق مثل هذه العقوبات، وليس في وسع مجلس العصبة إلا أن (يوصي)
стр. 9310
إلى الحكومات ذات الشأن بتقديم القوى اللازمة، فإذا رفضت هذه الحكومات أن تقدم هذه القوى، فماذا عسى أن يستطيع مجلس العصبة إزاء الدولة (المعتدية)؟ هذا ومن جهة أخرى فان صفة (الاعتداء) لم تعرف حتى اليوم تعريفاً كافياً؛ وربما كان من الميسور أن يعرف (المعتدي) حالاً في مسألة النزاع الإيطالي الحبش، إذ لا ريب في أن (المعتدي) هو إيطاليا؛ ولكن ليس من السهل في كثير من المنازعات الدولية أن يقطع في أمر (المعتدي) قطعاً لا مرية فيه
وقد كان هذا النقص في ضمان التنفيذ وما زال أعظم نقط الضعف في مواثيق السلام والتحكيم الدولية، وهو أعظم نقط الضعف في ميثاق تحريم الحرب (ميثاق كلوج) الذي اغتبط اعقده أنصار السلام أيما اغتباط، ثم لم يلبث أن ظهر عقمه حين الحاجة إلى تطبيقه. وقد كان اعتداء اليابان على منشوريا أعظم صخرة ارتطم بها ميثاق عصبة الأمم وميثاق تحريم الحرب. والآن يبدو عقم هذه المواثيق الدولية مرة أخرى إزاء النزاع الإيطالي الحبشي؛ وحيثما كان الفريق الأقوى يعتبر المواثيق الدولية قصاصات لا قيمة لها، كما هو الشأن في حالة إيطاليا التي ترتبط مع الحبشة ومع فرنسا وإنكلترا بأكثر من معاهدة لاحترام استقلال الحبشة وسلامة أراضيها، فان المناقشات الفقهية في احترام مواثيق السلام لا تجدي ما لم تكن مؤيدة بالقوى الفعلية لتنفيذها
ولكن السياسة الإنكليزية ما زالت تعول على دستور عصبة الأمم في سعيها لرد عدوان السياسة الفاشستية. وهي تشير إلى مسألة العقوبات الاقتصادية التي نصت عليها المادة السادسة عشرة كوسيلة من وسائلها. والواقع أنه ربما كان لهذا السعي أثره المادي إذ أيدته الدول. فقد حدث في سنة ١٩٢١، حين غزت يوجوسلافيا الأراضي الألبانية، أن هددت عصبة الأمم بتطبيق العقوبات الاقتصادية، فكان ذلك كافياً لوقف الاعتداء. وقد عجزت العصبة في سنة ١٩٢٣ أن ترد السنيور موسوليني عن احتلال جزيرة كورفو البونانية تنفيذاً للبلاغ النهائي الذي وجهه إلى اليونان، ولكنها استطاعت بعد ذلك بعامين أن تحول دون اضطرام الحرب بين اليونان وبلغاريا من جراء النزاع بينهما على الحدود. وقد فطنت عصبة الأمم نفسها إلى هذا النقص الذي يعتور نص المادة (١٦)، وبحثت في أمره، وقررت في شأنه بعض التعديلات التي من شأنها أن تسهل الإجراءات في حالة الأزمات
стр. 9311
الخطيرة؛ ويقضي هذا التعديل (بأنه يجب على مجلس العصبة أن يقرر ما إذا كانت قد ارتكبت مخالفة للميثاق) ولكن العصبة صرحت أيضاً أن المجلس لا يستطيع أن يفعل أكثر من أن يدعو الأعضاء إلى تطبيق العقوبات الاقتصادية، وقد يستطيع بعد ذلك أن يطالب الدول بتقديم المعاونة العسكرية التي يمكن استخدامها ضد الدولة المعتدية. بيد أن هذا التعديل لم تصدقه عليه الأغلبية المطلوبة من الأعضاء حتى اليوم
وقد تستطيع السياسة الإنكليزية أن تقنع عصبة الأمم بتوقيع العقوبات الاقتصادية على إيطاليا، وهذا الإقناع ميسور إذا استطاعت أن تجذب السياسة الفرنسية إلى جانبها وأن تقنعها بضرورة العمل معها لدرء الأخطار التي تهددها وتهدد أوربا من جراء الحرب التي تعمل الفاشستية لاضرامها. وعندئذ يمكن أن تؤدي إنكلترا في هذا الحصار الاقتصادي الذي ينص عليه ميثاق العصبة أكبر دور، هذا فضلاً عن الدور الذي تؤديه باقي الدول المؤيدة لإنكلترا ضد إيطاليا، وذلك بقطع المواد الأولية عن إيطاليا ورفض التعامل معها في كل ما يمكن أن يسهل استعداداتها الحربية؛ أما إنكلترا ففي وسعها أولاً أن تلجأ إلى إغلاق قناة السويس بالاستناد إلى نص المادة (٢٠) من ميثاق العصبة، وهي التي تنص على إلغاء جميع المعاهدات السابقة التي لا تتفق مع نصوص الميثاق وغاياته، باعتبار أن معاهدة سنة ١٨٨٨ التي تضمن حيدة القناة وفتحها في كل وقت من أوقات السلم أو الحرب ولسفن جميع الدول أضحت مناقضة لميثاق العصبة، وهذا ما تنكره إيطاليا على إنكلترا كل الانكار، لأن معاهدة سنة ١٨٨٨ ما تزال قائمة في نظرها ويجب احترامها طبقاً لنص المادة ٢٨٢ من معاهدة فرساي (بند ١١)، حيث ينص على تعداد المعاهدات التي تبقى نافذة المفعول مع ألمانيا، وميثاق عصبة الأمم ليس إلا فصلا من فصول معاهدة فرساي. وفي وسع إنكلترا أن تلجأ أيضاً إلى إغلاق جبل طارق في وجه السفن الإيطالية، كما أنها تستطيع أن تغلق في وجهها بوغاز باب المندب فتقطع بذلك على إيطاليا كل سبيل للاتصال بالإرترية أو السومال. على أن إيطاليا ترى في هذه التصرفات كلها أعمالاً عدائية وإعلان حرب تقابله بالمثل، ومن المحقق أن إنكلترا ستفكر طويلا قبل أن تقدم على شيء منها
وهناك مسألة تصدير السلاح إلى الحبشة، وهذه أيضاً وسيلة ناجعة في يد إنكلترا؛ وقد ألغي
стр. 9312
تصدير السلاح إلى الحبشة مؤقتاً في انتظار نتيجة المساعي السلمية، فإذا أصرت إيطاليا على موقفها، وهو الأرجح، فان إنكلترا ستعود إلى تصدير السلاح إلى الحبشة؛ وتزويد الحبشة بالسلاح يطيل أمد الحرب، ويزيد في متاعب إيطاليا إلى حدود قد لا تقوى على مغالبتها
وسنرى على أي حال ما إذا كانت عصبة الأمم، أو بعبارة أخرى ما إذا كانت الدول التي تسيطر على مجلس العصبة، تستطيع في هذه الدورة القريبة التي ستعقد بعد يوم أو أثنين، أن تذهب في الشجاعة والحزم إلى حد المطالبة بتوقيع العقوبات على إيطاليا
стр. 9313
بين ثقافتين
يتَّجه الناقد الأدبي بنظره إلى مختلف النوازع الفكرية والمتَّجهات الأدبية في هذا البلد، فلا يلبث أن يرتدّ إليه الطرف حيران؛ فما نستطيع أن ندّعي عن يقين أن لهذا العصر اتجاهاً أدبياً يُنسب إليه ويعرف به ويتسم بطابعه. ولكنها تيارات مختلفة يتنازعها الضعف والوهن، وتتوزَّعها الأهواءُ والشِّيع؛ وبين دُعاة الجديد وأنصار القديم حرب مشبوبة ومعركة هدّامة، لا نراها سيُؤذن لها أن تهدأ فتستقر إلا أن نعرف مدى هذا الجديد، وماهية ذلك القديم
ولن يتأتى لنا أن نعرف ذلك أيضاً، مادامت مناهج الدراسة الأدبية في مصر لا تعرف لها مُتجهاً ومذهباً، وعندنا عديدٌ من معاهد الأدب، يذهب كل منها مذهباً في تخريج طُلابه، ويُمثل في منهاجه الدراسي صورة مصغرة للصراع الأدبي المختلف النزعة والاتجاه بين أدبائنا الكبار!
فعندنا الأزهر، قديمٌ موغلٌ في القدم، لا يرى العلم والأدب والثقافة إلا كما كان يراها القُدامى الأولون من علمائه؛ وهو مذهبٌ في الإعداد الأدبي له قيمته وأثره، ولكن له إلى جانب ذلك عيوبه وخطره - وما نعني الأزهر الجديد الذي يخطو اليوم إلى التجديد خُطاه الأولى، بحنكة شيوخه وهمة شبابه، فانه ما يزال على الطريق، ولا نعرف أين تستقر به الغاية من الهدف الذي يرمي إليه
ولو أنا تركنا الأزهر وولينا النظر شطر الجهة الأخرى، لرأينا منهجاً جديداً في كلية الآداب، بينه وبين منهج الأزهر ما بين طرفيْ خيطٍ طويل يصل أول التاريخ بما بعد التاريخ؛ فهناك القديم الغارق في القدم، كأنما يحاول أن يقف خطْو الزمان، وهنا الجديد الغالي في الجدَّة، كأنما يحاول أن ينسلخ من ماضي التاريخ. وهناك في الأزهر يُدرس القديم ويُعنى بالقديم، بعيداً من روح العصر وسنة التطور؛ وهنا في كلية الآداب يُحاول الجديد من غير أن يستند إلى أساس من العلم القديم، وهو بذلك كذلك، بعيدٌ من روح العصر وسنة التطور؛ ومن ثم ترى في أكثر ما ينتج أدباؤنا لهذا العهد نوعين من الأدب، لو وضعت أولهما في الذروة من بلاغة الوضع وحسن الأداء، لوضعت ثانيهما في المنحدر؛ على أنك لو نظرت إليهما من ناحية الموضوع والفكرة لجعلت أعلاهما أسفل وصعدت بالثاني. . . ولكنك لن تجد في واحد منهما - على الأكثر - ما يبعثك على
стр. 9314
الإعجاب بالفكرة والأسلوب معاً، ومن هذا لا ترضى عن أحدهما في ناحية إلا أغضبك في الأخرى، ومنه جاءت الدَّعويان اللتان تسمعهما دائماً عند ما يستحرُّ الجدل بين دعاة الجديد وأنصار القديم: (هذا أدب فارغ أكثر عنايته بأسلوب الأداء دون المعنى) أو (هذا أدبٌ ساقط يتحيفُ اللغة ويُهمل الجمال الفني في اللفظ)
وكلتا هاتين الدعويين صادقة من وجه؛ لأن الأدب فكرةٌ وبيان، لا يتم تمامه إلا بهما معاً؛ وأنت قلما تجد بين الكاتبين والشعراء من أدبائنا من بجمع إلى جمالِ الفكرة جمال الأسلوب
ولو قد تركنا الأدب في ناحية وأردنا أن نعرف اتجاه الثقافة في مصر بوجهٍ عام، وأثر ذلك في أخلاق أبنائها وفي المثُل العليا التي ينشدونها - لوجدنا مثل هذا الاضطراب وتلك الفوضى، ففي الأزهر ثقافة دينية، ولكنها جامدة لا تتطور، واقفة لا تتحرك، مغلقة من دونها الأبواب فلا تؤثر تأثيرها إلا في أبناء الأزهر وحدهم، أو في المحيط الضيق الذي يضطربون فيه من قسُراهم
على أن في جمود الأزهر مدى طويلاً، قطعاً بين الأزهريين وبين عصرهم، ومن ثم أخذت الثقافة الدينية تتقلص رويداً رويداً، حتى غدت مقصورة على طائفة قليلة من أبناء الريف، وبدأ تأثير الأخلاق ينحسر تبعاً لذلك حتى نوشك بعد قليل ألا نرى أثراً له في نفوس الكهولة والشباب منا
إلى جانب ذلك أخذت الثقافة المدنية في مدارس التعليم العام تفتن أبناءنا بالمناصب والوظائف والسلطان المرموق، فاتجهوا إليها بعقولهم وأفرغوا لها أنفسهم، حتى ما يكاد أبٌ يفكر في تعليم بنيه وبناته إلا ذهب إلى هذه المدارس المدنية
ومنهاج التعليم في هذه المدارس هو ما نعرف، وهو ما يشكو منه واضعوه والقائمون عليه، ولعل شر عيوبه انه لا يرمي إلى غرض عام من أغراض التربية الصالحة، وأنهُ يُعنى أكثر ما يُعنى بتلقين المعلومات وتحفيظ النظريات، فلا الدين، ولا القومية، ولا الأخلاق، ولا المثُل العُليا؛ ومن ثم كانت القومية مريضة، والدين الزائغ، والأخلاق المنحلة، والأمثلة الدُّنيا
هذان نوعان من التربية وأساليب التعليم في مصر، يكاد الشعب بهما أن يكون طائفتين مختلفتي الخلق والثقافة والتفكير كأنما تعيشان في عصرين مختلفين، وهاتان الطائفتان من
стр. 9315
متعلمينا وهذان المذهبان في التربية المصرية، هما اللذان يكشفان عن سر الاضطراب في الثقافة المصرية، كما يكشفان عن مقدار الفوضى في اتجاهنا الأدبي
وإننا بسبيل هذا البحث لنُحاول أن نتعرف أي هذين المذهبين ستكون له الغلبة، وأي هاتين الثقافتين أجدر بالبقاء؟
إن تيار العصر يجرفنا في مسراه فما يدع لنا الفرصة أن نتلبث قليلاً لنعرف موقفنا، على أن كلتا التربيتين لا تجديان علينا الجدوى التي تقربنا إلى المثل الأعلى الذي ننشده؛ ولسنا بمستطيعين أن نظل أبداً نحلم بالماضي والحياةُ تتقدم، ولسنا بقادرين على أن ننسلخ من هذا الماضي ونخلع قوميتنا لنعدو في غبار الأوربيين، فلا غنى لنا عن المزاوجة بين هاتين الثقافتين والمزج بينهما، لنخرج من ذلك بمنهج تعليمي صالح، يحفظ علينا قوميتنا، ويصل بين ماضينا والعصر الذي نعيش فيه
على أن فوضى الأدب ودعوى الجديد والقديم، يجب أن ينتهيا إلى غاية؛ فما في اللغة والأدب جديد ولا قديم، وما حسن أن نتنكر لتراث أدباء العربية الماضين بدعوى التجديد، ولا أن ننكر حكم العصر وسنة التطور بالدعوة إلى القديم؛ فما ينهض هذا إلا بذاك، وما يستطيع بانٍ أن يبني على غير أساس، ولابد لمن يتهيأ لحمل رسالة الأدب لينشئ فيه الجديد الذي تُنصت له الدنيا ويفاخرُ به العصر، أن يأخذ لهُ عدته ويتزود بزاده: فيتوفر على دراسة الأدب القديم، ويستمع إلى أئمته، ويروى عيونه، ويستظهر من روائعه، ثم يأخذ بسببٍ من كل علمٍ وفن مما يعرفه عصرُه، فإذا اجتمعت له الأسبابُ واستكمل الأهبة، عاد إلى دنياه التي يعيش فيها، وإلى عصر الذي يتصل به، وإلى الأحداث التي تنفعل بها نفسهُ، وإلى عواطفه التي انطبعت فيها صورة دنياه؛ ثم ليُنشئ ما ينشئ، فسيأتي بالجديد في الديباجة الصافية، وبالمعنى البكر في العبارة المستقيمة، وبالشعر الرائق في اللفظ الجزل، وبالفكر العميق في البيان الساحر
ولكن أين نجد هذا مما يدرس هنا وهناك، وما نجد هنا وهناك إلا فكراً بلا بيان، أو بياناً بلا فكر؟ وما نرى هناك وهنا إلا رطانة مستعربة، أو عربية فارغة، نسميها الجديد والقديم!
على أن في مصر مدرسة نحمد أثرها، ونذكر يدها على الأدب والثقافة العربية، هي مدرسة دار العلوم، فهي الصلة بين الثقافتين، والملتقى بين الغريبين؛ جمع منهجها بين
следующие страницы →