← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9311–9350 · переход к 9316.

стр. 9311

الخطيرة؛ ويقضي هذا التعديل (بأنه يجب على مجلس العصبة أن يقرر ما إذا كانت قد ارتكبت مخالفة للميثاق) ولكن العصبة صرحت أيضاً أن المجلس لا يستطيع أن يفعل أكثر من أن يدعو الأعضاء إلى تطبيق العقوبات الاقتصادية، وقد يستطيع بعد ذلك أن يطالب الدول بتقديم المعاونة العسكرية التي يمكن استخدامها ضد الدولة المعتدية. بيد أن هذا التعديل لم تصدقه عليه الأغلبية المطلوبة من الأعضاء حتى اليوم وقد تستطيع السياسة الإنكليزية أن تقنع عصبة الأمم بتوقيع العقوبات الاقتصادية على إيطاليا، وهذا الإقناع ميسور إذا استطاعت أن تجذب السياسة الفرنسية إلى جانبها وأن تقنعها بضرورة العمل معها لدرء الأخطار التي تهددها وتهدد أوربا من جراء الحرب التي تعمل الفاشستية لاضرامها. وعندئذ يمكن أن تؤدي إنكلترا في هذا الحصار الاقتصادي الذي ينص عليه ميثاق العصبة أكبر دور، هذا فضلاً عن الدور الذي تؤديه باقي الدول المؤيدة لإنكلترا ضد إيطاليا، وذلك بقطع المواد الأولية عن إيطاليا ورفض التعامل معها في كل ما يمكن أن يسهل استعداداتها الحربية؛ أما إنكلترا ففي وسعها أولاً أن تلجأ إلى إغلاق قناة السويس بالاستناد إلى نص المادة (٢٠) من ميثاق العصبة، وهي التي تنص على إلغاء جميع المعاهدات السابقة التي لا تتفق مع نصوص الميثاق وغاياته، باعتبار أن معاهدة سنة ١٨٨٨ التي تضمن حيدة القناة وفتحها في كل وقت من أوقات السلم أو الحرب ولسفن جميع الدول أضحت مناقضة لميثاق العصبة، وهذا ما تنكره إيطاليا على إنكلترا كل الانكار، لأن معاهدة سنة ١٨٨٨ ما تزال قائمة في نظرها ويجب احترامها طبقاً لنص المادة ٢٨٢ من معاهدة فرساي (بند ١١)، حيث ينص على تعداد المعاهدات التي تبقى نافذة المفعول مع ألمانيا، وميثاق عصبة الأمم ليس إلا فصلا من فصول معاهدة فرساي. وفي وسع إنكلترا أن تلجأ أيضاً إلى إغلاق جبل طارق في وجه السفن الإيطالية، كما أنها تستطيع أن تغلق في وجهها بوغاز باب المندب فتقطع بذلك على إيطاليا كل سبيل للاتصال بالإرترية أو السومال. على أن إيطاليا ترى في هذه التصرفات كلها أعمالاً عدائية وإعلان حرب تقابله بالمثل، ومن المحقق أن إنكلترا ستفكر طويلا قبل أن تقدم على شيء منها وهناك مسألة تصدير السلاح إلى الحبشة، وهذه أيضاً وسيلة ناجعة في يد إنكلترا؛ وقد ألغي

стр. 9312

تصدير السلاح إلى الحبشة مؤقتاً في انتظار نتيجة المساعي السلمية، فإذا أصرت إيطاليا على موقفها، وهو الأرجح، فان إنكلترا ستعود إلى تصدير السلاح إلى الحبشة؛ وتزويد الحبشة بالسلاح يطيل أمد الحرب، ويزيد في متاعب إيطاليا إلى حدود قد لا تقوى على مغالبتها وسنرى على أي حال ما إذا كانت عصبة الأمم، أو بعبارة أخرى ما إذا كانت الدول التي تسيطر على مجلس العصبة، تستطيع في هذه الدورة القريبة التي ستعقد بعد يوم أو أثنين، أن تذهب في الشجاعة والحزم إلى حد المطالبة بتوقيع العقوبات على إيطاليا

стр. 9313

بين ثقافتين يتَّجه الناقد الأدبي بنظره إلى مختلف النوازع الفكرية والمتَّجهات الأدبية في هذا البلد، فلا يلبث أن يرتدّ إليه الطرف حيران؛ فما نستطيع أن ندّعي عن يقين أن لهذا العصر اتجاهاً أدبياً يُنسب إليه ويعرف به ويتسم بطابعه. ولكنها تيارات مختلفة يتنازعها الضعف والوهن، وتتوزَّعها الأهواءُ والشِّيع؛ وبين دُعاة الجديد وأنصار القديم حرب مشبوبة ومعركة هدّامة، لا نراها سيُؤذن لها أن تهدأ فتستقر إلا أن نعرف مدى هذا الجديد، وماهية ذلك القديم ولن يتأتى لنا أن نعرف ذلك أيضاً، مادامت مناهج الدراسة الأدبية في مصر لا تعرف لها مُتجهاً ومذهباً، وعندنا عديدٌ من معاهد الأدب، يذهب كل منها مذهباً في تخريج طُلابه، ويُمثل في منهاجه الدراسي صورة مصغرة للصراع الأدبي المختلف النزعة والاتجاه بين أدبائنا الكبار! فعندنا الأزهر، قديمٌ موغلٌ في القدم، لا يرى العلم والأدب والثقافة إلا كما كان يراها القُدامى الأولون من علمائه؛ وهو مذهبٌ في الإعداد الأدبي له قيمته وأثره، ولكن له إلى جانب ذلك عيوبه وخطره - وما نعني الأزهر الجديد الذي يخطو اليوم إلى التجديد خُطاه الأولى، بحنكة شيوخه وهمة شبابه، فانه ما يزال على الطريق، ولا نعرف أين تستقر به الغاية من الهدف الذي يرمي إليه ولو أنا تركنا الأزهر وولينا النظر شطر الجهة الأخرى، لرأينا منهجاً جديداً في كلية الآداب، بينه وبين منهج الأزهر ما بين طرفيْ خيطٍ طويل يصل أول التاريخ بما بعد التاريخ؛ فهناك القديم الغارق في القدم، كأنما يحاول أن يقف خطْو الزمان، وهنا الجديد الغالي في الجدَّة، كأنما يحاول أن ينسلخ من ماضي التاريخ. وهناك في الأزهر يُدرس القديم ويُعنى بالقديم، بعيداً من روح العصر وسنة التطور؛ وهنا في كلية الآداب يُحاول الجديد من غير أن يستند إلى أساس من العلم القديم، وهو بذلك كذلك، بعيدٌ من روح العصر وسنة التطور؛ ومن ثم ترى في أكثر ما ينتج أدباؤنا لهذا العهد نوعين من الأدب، لو وضعت أولهما في الذروة من بلاغة الوضع وحسن الأداء، لوضعت ثانيهما في المنحدر؛ على أنك لو نظرت إليهما من ناحية الموضوع والفكرة لجعلت أعلاهما أسفل وصعدت بالثاني. . . ولكنك لن تجد في واحد منهما - على الأكثر - ما يبعثك على

стр. 9314

الإعجاب بالفكرة والأسلوب معاً، ومن هذا لا ترضى عن أحدهما في ناحية إلا أغضبك في الأخرى، ومنه جاءت الدَّعويان اللتان تسمعهما دائماً عند ما يستحرُّ الجدل بين دعاة الجديد وأنصار القديم: (هذا أدب فارغ أكثر عنايته بأسلوب الأداء دون المعنى) أو (هذا أدبٌ ساقط يتحيفُ اللغة ويُهمل الجمال الفني في اللفظ) وكلتا هاتين الدعويين صادقة من وجه؛ لأن الأدب فكرةٌ وبيان، لا يتم تمامه إلا بهما معاً؛ وأنت قلما تجد بين الكاتبين والشعراء من أدبائنا من بجمع إلى جمالِ الفكرة جمال الأسلوب ولو قد تركنا الأدب في ناحية وأردنا أن نعرف اتجاه الثقافة في مصر بوجهٍ عام، وأثر ذلك في أخلاق أبنائها وفي المثُل العليا التي ينشدونها - لوجدنا مثل هذا الاضطراب وتلك الفوضى، ففي الأزهر ثقافة دينية، ولكنها جامدة لا تتطور، واقفة لا تتحرك، مغلقة من دونها الأبواب فلا تؤثر تأثيرها إلا في أبناء الأزهر وحدهم، أو في المحيط الضيق الذي يضطربون فيه من قسُراهم على أن في جمود الأزهر مدى طويلاً، قطعاً بين الأزهريين وبين عصرهم، ومن ثم أخذت الثقافة الدينية تتقلص رويداً رويداً، حتى غدت مقصورة على طائفة قليلة من أبناء الريف، وبدأ تأثير الأخلاق ينحسر تبعاً لذلك حتى نوشك بعد قليل ألا نرى أثراً له في نفوس الكهولة والشباب منا إلى جانب ذلك أخذت الثقافة المدنية في مدارس التعليم العام تفتن أبناءنا بالمناصب والوظائف والسلطان المرموق، فاتجهوا إليها بعقولهم وأفرغوا لها أنفسهم، حتى ما يكاد أبٌ يفكر في تعليم بنيه وبناته إلا ذهب إلى هذه المدارس المدنية ومنهاج التعليم في هذه المدارس هو ما نعرف، وهو ما يشكو منه واضعوه والقائمون عليه، ولعل شر عيوبه انه لا يرمي إلى غرض عام من أغراض التربية الصالحة، وأنهُ يُعنى أكثر ما يُعنى بتلقين المعلومات وتحفيظ النظريات، فلا الدين، ولا القومية، ولا الأخلاق، ولا المثُل العُليا؛ ومن ثم كانت القومية مريضة، والدين الزائغ، والأخلاق المنحلة، والأمثلة الدُّنيا هذان نوعان من التربية وأساليب التعليم في مصر، يكاد الشعب بهما أن يكون طائفتين مختلفتي الخلق والثقافة والتفكير كأنما تعيشان في عصرين مختلفين، وهاتان الطائفتان من

стр. 9315

متعلمينا وهذان المذهبان في التربية المصرية، هما اللذان يكشفان عن سر الاضطراب في الثقافة المصرية، كما يكشفان عن مقدار الفوضى في اتجاهنا الأدبي وإننا بسبيل هذا البحث لنُحاول أن نتعرف أي هذين المذهبين ستكون له الغلبة، وأي هاتين الثقافتين أجدر بالبقاء؟ إن تيار العصر يجرفنا في مسراه فما يدع لنا الفرصة أن نتلبث قليلاً لنعرف موقفنا، على أن كلتا التربيتين لا تجديان علينا الجدوى التي تقربنا إلى المثل الأعلى الذي ننشده؛ ولسنا بمستطيعين أن نظل أبداً نحلم بالماضي والحياةُ تتقدم، ولسنا بقادرين على أن ننسلخ من هذا الماضي ونخلع قوميتنا لنعدو في غبار الأوربيين، فلا غنى لنا عن المزاوجة بين هاتين الثقافتين والمزج بينهما، لنخرج من ذلك بمنهج تعليمي صالح، يحفظ علينا قوميتنا، ويصل بين ماضينا والعصر الذي نعيش فيه على أن فوضى الأدب ودعوى الجديد والقديم، يجب أن ينتهيا إلى غاية؛ فما في اللغة والأدب جديد ولا قديم، وما حسن أن نتنكر لتراث أدباء العربية الماضين بدعوى التجديد، ولا أن ننكر حكم العصر وسنة التطور بالدعوة إلى القديم؛ فما ينهض هذا إلا بذاك، وما يستطيع بانٍ أن يبني على غير أساس، ولابد لمن يتهيأ لحمل رسالة الأدب لينشئ فيه الجديد الذي تُنصت له الدنيا ويفاخرُ به العصر، أن يأخذ لهُ عدته ويتزود بزاده: فيتوفر على دراسة الأدب القديم، ويستمع إلى أئمته، ويروى عيونه، ويستظهر من روائعه، ثم يأخذ بسببٍ من كل علمٍ وفن مما يعرفه عصرُه، فإذا اجتمعت له الأسبابُ واستكمل الأهبة، عاد إلى دنياه التي يعيش فيها، وإلى عصر الذي يتصل به، وإلى الأحداث التي تنفعل بها نفسهُ، وإلى عواطفه التي انطبعت فيها صورة دنياه؛ ثم ليُنشئ ما ينشئ، فسيأتي بالجديد في الديباجة الصافية، وبالمعنى البكر في العبارة المستقيمة، وبالشعر الرائق في اللفظ الجزل، وبالفكر العميق في البيان الساحر ولكن أين نجد هذا مما يدرس هنا وهناك، وما نجد هنا وهناك إلا فكراً بلا بيان، أو بياناً بلا فكر؟ وما نرى هناك وهنا إلا رطانة مستعربة، أو عربية فارغة، نسميها الجديد والقديم! على أن في مصر مدرسة نحمد أثرها، ونذكر يدها على الأدب والثقافة العربية، هي مدرسة دار العلوم، فهي الصلة بين الثقافتين، والملتقى بين الغريبين؛ جمع منهجها بين

стр. 9316

الثقافة العربية والإسلامية التي تدرس في الأزهر، والثقافة المدنية التي تدرس في المدارس العامة؛ فإلى جانب دراسة الدين، ونصوص اللغة، وتراث السلف من أدباء هذه الأمة وعلمائها - يدرس التاريخ، والفلسفة، وأشتات من الرياضة والعلوم والفنون والآداب؛ فمن أجل ذلك كان لدار العلوم هذا الأثر القوي في النهضة الأدبية الحاضرة، وكان لأبنائها السبق في كثير من ميادين الإنتاج؛ وأنت ترى فيما يبدعه الكتاب والشعراء من أبناء دار العلوم، طابعا خاصا قلما تراه فيما ينتجه غيرهم من الكتاب والشعراء؛ ذلك لأنهم درسوا القديم دراسة روية وفهم، وعاشوا في عصرهم كما يعيش أهله؛ فلم ينسلخوا عن ماضي أمتهم، ولم يتخلفوا عن عصرهم، فكانوا بذلك صلة التاريخ بين ماضيه وحاضره تلك شهادة الحق لهذه الدار التي أنشأها إسماعيل منذ ستين عاماً ونيف، فنهضت بتبعاتها على أكمل وجه، وأدت أمانة العلم أحسن أداء، نذكرها لها منصفين في الوقت الذي تحاول فيه أحداث الزمان أن تنال منها وتنكر جدواها على أن فضل هذه الدراسة ليس مقصوراً على أثرها في اللغة والدين؛ فلعلها المدرسة الوحِدة التي تخرج المدرس القومي، والمدرسُ في بلدنا - كمناهج التعليم في مدارسنا - لا يراد منه أن يمثل الروح القومي أكثر مما يراد منه أن يكون مدرس مادة بعينها، ولكن خريج دار العلوم بحكم ثقافته وتربيته، هو وحده يمثل الروح القومي أصدق تمثيل، بعربيته، ودينه، وخلقه، ومكانه من زمانه؛ فليت وزارة المعارف عرفت له ذلك فلا تدعه في هذه الدائرة الضيقة من برنامج عمله المحدود، فان مصر في حاجة إلى هذا الروح القوي ليبعث في التلاميذ من أبنائها معنى القومية وينشئهم التنشئة القويمة التي تؤهلهم لحمل تبعات الجهاد في المستقبل القريب ونحن مستيقنون أن دار العلوم يوم ينفسح لها الميدان لتؤدي رسالتها ويمكن لها لتنهض بما استعدت له، ويزاد في مناهجها ما يؤهلها لأن تنظر في كل جديد فتتبع أحسنه - نكون قد عرفنا الاتجاه الأدبي الذي نسير إليه، ورسمنا لنا في الثقافة منهاجاً صالحا، لا يمكن للأجانب أن يغزونا في آدابناً وعقولنا، بعد أن نالوا منالهم من أرضنا وأموالنا.

стр. 9317

من تراثنا العلمي كتاب في البَيْزَرَة وصف وتحليل لنسخة فريدة من كتاب مفقود، في علم ضائع، لمؤلف مجهول للأستاذ علي الطنطاوي البَيْزَرَة (أو البَزْدَرَة): علم يبحث فيه عن أحوال الجوارح من حيث حفظ صحتها، وإزالة مرضها، ومعرفة العلامات الدالة على قوتها في الصيد، وضعفها فيه - قاله في كشف الظنون والكلمة معرّبة، وهي من قولهم (بَيْزار) معّرب (بازْدّار) و (بازْيار)، أي حافظ البازي وصاحبه، والجمع (بيازرة) كما في التاج واللسان، قال الكُميْت: كأن سوابقها في الغبار … صقور تعارض بيزارها وجاءت بالدال في قول أبي فراس: ثمّ تقدمت إلى الفهّاد … والبازداريين باستعداد قال الشيخ داود الأنطاكي: وغايته اقتناص ما يشق اصطياده واللهو والرياضة، وشرح الصدور، وتسكين نحو الجذام والنقرس والمفاصل لتوالى الفرح، وسكون الغضب الخ وقد سموه علم البزدرة (أو البيزرة)، إضافة له أشرف أنواعه وأخفها، وهي البزاة ولخصه في (التذكرة) في مقدمة وثلاثة مباحث: فالمقدمة في كيفية اهتداء الناس إلى اتخاذ الطيور، وأول متخذ لها، وما هو المعتبر منها والمبحث الأول في كيفية الاستدلال على الجيّد منها باللون والصفة، وفي ذكر طرق التعليم والمبحث الثاني في أوقات الإرسال وكيفية الصيد، واختلاف حال الطيور والمبحث الثالث في علامات الصحة والمرض وطب الجوارح وقد كان هذا العلم مزدهراً معروفاً أيام عز العرب وازدهار مدنيتهم، ثم ضاع فيما ضاع من تراث الأجداد، وفقدت كتبه كلها، ونسيه الناس، فلم يكد يذكره أحد ممن ألفّ في تاريخ الثقافة الاسلامية، ولم بيقى بين أيدينا من المراجع في هذا العلم إلا هذا الفصل الذي كتبه

стр. 9318

الشيخ داود الانطاكي في كتابه تذكرة أولي الألباب وكلمة في كشف الظنون للحاج خليفة لا تعدو الأسطر الثلاثة، نقلا عن جامع السعادة لكاشكري زاده، وكلمة في مُعْلم (دائرة معارف) البستاني تحت عنوان: بزدرة على أن للمتقدمين كتباً كثيرة في هذا العلم عدّ منها أبن النديم في الفهرست: كتاب الجوارح لمحمد بن عبد الله بن عمر البازيار، وكتاب البزاة للفرس، وكتاب البزاة للروم، وكتاب البزاة للترك، وكتاب البزاة للعرب، وكتاب البزاة واللعب بها لأبي دلف العجلي وسماه أبن خلكان كتاب البزاة والصيد ومن الكتب المؤلفة في هذا العلم كتاب (القانون الواضح) ذكره في كشف الظنون نقلا عن جامع السعادة لكاشكري زاده ووصفه بأنه كاف في هذا العلم ولم يسم مؤلفه وذكر الشاعر الكبير الأستاذ الشيخ رضا الشبيبي (وزير المعارف العراقية اليوم) في مجلة المقتبس أن في الخزانة التيمورية كتاباً اسمه (القانون في البيزرة) ولعله هو وذكر أن من كتب هذا العلم كتاب (أنس الملا بوحش الفلا) تأليف محمد بزمنكلي نقيب الجيش المصري في أواخر القرن الثامن، وهو في خزانة باريز تحت الرقم ٢٨٣٤، والقواعد المحبرة في البيطرة والبزْدَرَة للأنطاكي وهناك آثار تعم الصيد بالكلاب والنبل والنشاب وهي كثيرة منها: كتاب المصائد والمطارد لكشاجم ذكره أبن خلكان في الوفيات، وانتهاز الفرص في الصيد والقنص للشيخ تقي الدين الناثري ألفه بزبيد سنة ٩١٠، ذكره الحاج خليفة في كشف الظنون وغيرها وقد تكلم في طباع الجوارح وأحوالها كثيرون منهم: الدّميري في حياة الحيوان. والقزويني في عجائب المخلوقات وغيرهما وفي الأدب العربي أدب للصيد قائم برأسه، يعرف بالطرديات نبغ فيه جماعة منهم: أبو نواس، وأبو فراس، وكشاجم، والحلي وغيرهم وفي سنة ١٣٣٢هـ وجد الأستاذ الشيخ رضا الشبيبي بين (نفيسات آثار شعثها الإهمال، وطمسها الابتذال، منبوذة في ناحية غامضة، نبذك سقط المتاع، ملقاة نالت منها الأرضة والحشرات، أضعاف ما اقتبسه منها العقول النيرات. قد علاها من الزبل وسلح الطيور ونحوها ما غير محاسنها، وأخلق كريم ديباجتها) وجد بين هذه الآثار كتاباً في البيزرة،

стр. 9319

وأول شيء في هذا الكتاب إغفال تسمية مؤلفه فيه، وأنه خالٍ من البسملة والحمدلة، عار من تقديم مقدمة قبل الشروع في المقصود، وعلة ذلك انقطاع دابر هذا الفن وأهله حتى لم تتألف من مشاهيرهم إلا طبقة محدودة. . . وليس هذا الكتاب مما ألف للإسكندر الرومي ثم نقل إلى العربية كما يظهر مما جاء على ظهره وهذا نصه: (كتاب البيزرة صنفه الحكماء المتقدمين (كذا) للملك الاسكندر الرومي؛ وهو كتاب عجيب مما يصلح بالملوك إذ لابد لكل ملك من مسير إلى صيد بأحد هذه الطيور الجوارح)، والذي أوقع الوراقين في هذا الوهم ما ورد في نحر الكتاب من أن ثقات الروم من أهل المعرفة؛ ذكروا أن الاسكندر الرومي قال للحكماء المحتفين بخدمته: (أريد أن تعرفوني بطبيعة البازي وأمراضه وعلامة كل مرض ودائه وهل طبيعته تقارب طبيعة الآدمي أم لا؟) وأنت تعلم قصور هذه العبارة عما يدعون، كيف وفي الكتاب نقل كثير عن حكماء العرب والمستعربين، ومنهم من صحب الرشيد!! فالكتاب إذن من طرائف عصر عربي راقٍ كما يظهر أيضاً من أسلوب إنشائه السهل الممتنع البليغ. ولا يبعد أن يكون مؤلفه من رجال أواخر القرن الثالث أو الرابع للهجرة. يدلنا على ذلك أن المسعودي المتوفى سنة ٣٤٦ أورد في مروج الذهب عن الجوارح فصلين ترجح - بقول الأستاذ - أنهما منقولان عن هذا الكتاب باختلاف يسير وروى لنا خبير أن في خزانة باريز كتاباً رقمه ٢٨٣١ بدون اسم إلا أنه كتب على ظهره بخط غير خطه: (كتاب الجوارح والبزدرة تصنيف الفيلسوف (أبو) بكر بن يوسف بن أبي بكر أبن حسن بن محمد القاسمي القرشي العلوي الأشعري) تاريخ كتابته سنة ٨٤٨هـ فاسم هذا الكتاب طبق المحز وأصاب المفصل من الكتاب المماثل أمامي الآن، لكن لا تزال حقيقة مؤلفه مبهمة مجهولة. هذا وكتابنا جزآن أو مقالتان، في المقالة الأولى ٥٢ باباً في تاريخ الصيد بالجوارح وتقسيمها إلى أقسامها وكيفية ترتيبها وسياستها ثم إرسالها إلى غايتها وفي المقالة الثانية ٦٣ باباً في أدواء الجوارح وعللها وما يتخذ لعلاجها من المركبات فجملة الأبواب ١١٥ باباً في حجم ١٤٥ قائمة أو ٢٩٠ صحيفة صغيرة مخطوطة خطاً واضحاً متأخراً، أغاليطه يخطئها العد، وفي آخره: (وقع الفراغ من كتابة هذه البيزرة نهار السبت ١٢ جمادى الأخرى سنة ١٢٠١ من الهجرة على يد ملامط ابن عبد الله الطرفي) اهـ.

стр. 9320

كلام الأستاذ الشبيبي أما الكتاب الذي أصفه اليوم فقد وقع عليه صديقنا الوراق العالم الشيخ حمدي السفرجلاني في خزانة قديمة في دمشق فعرف قدره فاشتراه. ثم كانت له قصة انتهت بأن بيع الكتاب إلى أحد المولعين بالكتب القديمة من الإفرنج وبقيت منه النسخة الفوتوغرافية التي أصفها عند الأستاذ السفرجلاني وكتابنا - وإن لم يعرف مؤلفه - من أقدم الكتب المصنفة في هذا العلم وأجلها. فقد وضع للعزيز بالله أبي منصور نزار بن المعز معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بالله محمد بن المهدي العبيدي الفاطمي صاحب مصر والشام المتوفى في الحمام يوم الثلاثاء ٢٨ رمضان سنة ٣٨٦هـ وكانُ مغرى بالصيد، يصيد بالحبل والجارح من الطير ويصيد بالسباع. وكان مؤلف الكتاب كما يتحدث عن نفسه من بيازرة العزيز والمقربين إليه، وكان غالباً في التشيع لا يذكر العزيز مرة إلا صلى عليه وسلم! ومن قوله وهو يتحدث عن بازٍ: (ولم أر في المدة التي لزمت فيها الصيد ومبلغها عشرون سنة إلى أن صنفت كتابي هذا في علم البيزرة مثل هذا البازي على كثرة ما رأيت منها. ولقد وصل إلينا في ليلة واحدة مائة باز من الشرق والغرب. فكم تراه يصل في كل سنة محمولاً إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه، مما لم يحمل إلى ملك قبله كثيرة وجوده، وكل ذلك أتولى تدبيره، وأمارس تضريته، والاصطياد به الخ) وقال في آخر الكتاب: (وقد كان مؤلف هذا الكتاب في جملة البيازرة متقدماً عليهم - لا في جملة واحد منهم لا يحسن شيئاً من البيزرة، ثم أفرده أمير المؤمنين صلى الله عليه عنهم، وله من العمر إحدى عشرة سنة، وعلمه وهو لا يملك عشرة دراهم وعليه ثواب - ثم خرج في صناعته إلى ما قد شاهده الناس وعرفوه، ورقى أمير المؤمنين صلى الله عليه منزلته إلى أن صار اقطاعه عشرين ألف دينار، وبلغ المنزلة التي لو رآها في النوم لما صدقها، فلا يخْف عن الناس ما كان فيه، وما صار إليه) والكتاب كله من النمط العالي في إنشائه وأسلوبه، وهو مشحون بالفوائد والأخبار الأدبية،

стр. 9321

والأشعار المستملحة، والقصص اللطيفة، ويقع في ٣٠٠ صفحة مكتوبة بخط قريب من النسخى، قليلة أخطاؤه، مشكول شكلاً لا يعتمد عليه دائماً، فيه إشارات خاصة كانت توضع على الحروف المهملة ثم أهملت، ومقدار المكتوب من الصفحة (١٨ - ١٠) سنتيمترا، وفيه ١٣ سطراً وفي آخره: (وقد وصينا بما فيه الصلاح لمن انتهى إليه وعمل به، وبالله نستعين وعليه نتوكل تم الكتاب والحمد لله رب العالمين، كما هو أهله ومستحقه، وصلى الله على نبيه محمد خاتم النبيين، وعلى الأئمة من عترته الطاهرين الأخيار وسلم تسليماً) وبعد ذلك ست صفحات يختلف خطها قليلاً عن خط الكتاب فيها: باب النفقة على البيازرة وما يصل من أموال أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين إليهم في كل سنة وباب في أحكام الصيد الشرعية وما يحل من ذلك وما يحرم في خمس صفحات في الثلاث الأخيرة منها خرم يصعب معه قراءتها وقد صرح بأن هذه الأحكام على المذهب الشيعي وعرض بالمذاهب الأخرى وليس في أول الكتاب أو آخره ما يدل على تاريخ كتابته ولكني عثرت في وسطه على جملة مكتوبة تحت (باب ذكر ما يحتاج إليه البازي في القرنصة) بخط الناسخ هذا نصها: (وكتب هذا الكتاب تاريخ سنة خمسمائة في شهر شوال) وإذن فيكون عمر النسخة التي نصفها أكثر من ثمانية قرون هذا وسنعرض على القراء خلاصة أبواب الكتاب، ونماذج منه صالحة في مقالة أخرى، فقد طال بنا نفس الكلام، والله المستعان علي الطنطاوي

стр. 9322

في الكتب ما كنت أتمنى أن أقرأ للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني ليس أكثر من الكتب في الدنيا، ولعلها الشيء الوحيد الذي يزيد ولا ينقص، ولو أن ما كتبه الناس من أقدم العصور التي بقى لنا منها أثر - ودع ما نقل بعضهم عم بعض - جمع في مكان واحد، لملأ المدينة واسعة كالقاهرة ومعها ضواحيها التي تزحف بها على الريف من ناحية، وعلى الصحراء من نواح، وليس أشد شرها ممن يستقل ذلك، أو لا يرى فيه غناء، وهنا موضع التحرز أو التنبيه إلى وهم قد يسبق إلى بعض الأذهان، فما أعني أن في الموجود من الكتب ما يغني عن الاستزادة أو يصدّ عن التطلع؛ أو ما يكتفي به العقل الإنساني عن المضي في البحث والتقصي، وإنما أعني أنه حسب من شاء أن يقرأ، فما يتسع عمرٌ - مهما طال - للإلمام ببعض هذا الموجود من ثمار العقول، ولو أن أعمار الذين لا خير فيهم أضيفت إلى عمر الواحد منا (!!) وزيدت عليه، لما كانت كافية لتحصيل ذلك كله، ولكني، مع ذلك، أراني أحياناً - وأنا جالس بين ما بقى لي من كتبي - أتحسر وأتمنى: أتحسر لأن مطبوعاً من هؤلاء المؤلفين، على الشعر، أبى إلا أن يكون جاهلا نفسه، وتوهم أنه ناقد أو فيلسوف أو غير ذلك، وذهب يكتب. أو أن كاتباً فذاً غالط نفسه فراح يقرض الشعر، ويجئ بالغث ويحسب أنه صنع شيئاً، وأتمنى لو أن بعضهم نظم قصيدة في معنى يخطر لي، وأراه كان أقدر على صوغه، أو وضع كتاباً في بحث معين، أو كتب قصة مثلا، أو أردف ما كتب بشرح ما يعني، كأنما كل هذه الكتب لا تكتف ولا تقنع! وأتساءل أحياناً - لو أن أبا العلاء لم ينظم أكثر سقط الزند وبعض اللزوميات، وزادنا من مثل رسالة الغفران، أكان هو ينقص شيئاً أم كان يزيد؟؟ وهل كنا نحن القراء نخسر أم نكسب؟؟ كنا نربح فيما أعتقد، ولم يكن يضيع علينا شيء من نظمه لا نهمله الآن، ولكن أبا العلاء غلط وآثر التكلف، ليرضي غروره، وليتعزى أيضاً بإظهار اقتداره. وإنه لفحل عظيم، وما يطيب لي أن يظن أحد أني أغمطه أو أنزله دون منزلته، وإني لأعلى به عيناً من أن يخطر لي أن في وسعي أن أظلمه، ولكني كنت أود لو زادنا من مثل الرسالة، وفي

стр. 9323

يقيني أنه لو كان فعل، لبلغ الذروة واستولى على الأمد ويؤسفني أحياناً أن الجاحظ لم يكتب قصة. أما لو كان فعل!؟ أين بين كتاب العرب، من كان أقدر على ذلك منه، وأولى بأن يكون أبرع فيه، وأسحر وأفتن؟؟ من له مثل قدرته على الكتابة ووفاء التعبير بلغته؟ من له مثل فطنته ونفاذ نظره، وفكاهته، وحسن تأتيه، ولطف مداخله، وحذقه في التناول والعرض، ودقة في فهم الناس واستبطانهم، والإحاطة بجوانبهم المتخلفة، والتفطن إلى نواحي الجد والهزل فيهم، وإلى مبلغ اختلاط هذا بذاك، وإرباء ذاك على هذا؟؟ أوليت الجاحظ كان مصوراً!؟ أترى كان يستطيع - لو ساعفته الأحوال وتاحت لذلك فرصة - أن يحول مواهبه إلى هذه الجهة؟؟ أكان يسعه أن يسخر قدرته اللفظية على البيان إلى قدرة من نوع آخر، على الأداء، فيثبت ما يريد على اللوح ويدعه، وهو ساكن لا حركة فيه ولا تتابع للحظاته ومناظره، ينطق بما حمله من المعاني؟ ومن يدري؟ إن مطلب الكاتب غير مطلب المصور، وأداة هذا غير أداة ذاك، وأقل ما بينهما من الفروق ووجوه الاختلاف أن الكاتب يقوم أسلوبه على الحركة والتعاقب، وأن المصور لا يسعه إلا أن يثبت لحظة ويعرضها ساكنة، والسكون لا ينفي التعبير والنطق، وقد يكون أنطق وأبلغ في نطقه من الكلام. فهل كان بيان الجاحظ - وهو فيض لا تصده السدود - يستطيع أن يحتمل الحصر والتجمد والتجمع، والنطق بقوة الإبراز لا بفضل الانسياب أو التدفق؟ أعود فأقول، لا أدري؟ وتمنيت، وأنا أدير عيني في كتبي على رفوفها، لو أن هؤلاء الألمان الذين يتفلسفون علينا بما لا نفهم، بينوا لنا - أو لي أنا على الأقل - ماذا يريدون أن يقولوا. عجيب أمرهم والله! قرأت مرة لأحدهم - وأظنه (هجل) فما أذكر الآن بعد هذا الزمن كله - كتاباً في (فلسفة التاريخ) فخرجت منه كما دخلت، وقلت لنفسي: إما إني أنا حمار، وإما أن هذا الرجل لا يحسن العبارة عما في رأسه، ولكني أفهم عن غيره فلماذا أراني لا أفهم عنه؟؟ وكيف يعقل أن أعجز عن فهم ما أخرجه عقل إنسان مثلي؟ وكان في هذا الكتاب فصل عن المدنية الإسلامية أو عن تاريخ العرب - فقد نسيت - خيل إلى أني فهمت أقله، ودارت الأيام، ووقع في يدي كتاب لرجل أمريكي اسمه (دريبر) عن المدنية ونشوئها، يكتب كما يكتب

стр. 9324

خلق الله - لا الألمان - فإذا فيه فصل طويل عن العرب يعد تطبيقاً لنظرية هجل التي لم أفهمها، فسألت نفسي: لماذا لم يكتب هجل كما يكتب هذا الرجل؟؟ ثم عدت أسألها وأتعجب: لماذا فهم (ديبر) عن (هجل) ولم أفهم أنا عنه؟ وأسأت الظن بنفسي واعتقدت أن بي نقصاً في التدريب العقلي، وراجعت (هجل) وكررت إلى هؤلاء الألمان المعوصين كرة المصمم المستميت، ولكن مضغ الجلاميد أعياني، فنفضت يدي منهم - ومن نفسي - يائساً، وقلت: يا هذا، لقد صدق القائل: كل ميسر لما خلق له، وأنت لم تخلق لتقرأ فلاسفة الألمان، فارجع عنهم، وانج بنفسك منهم ولست أعرف أن للمتنبي نثراً، وإن شعره لحسبه، فما يحتاج بعد أن قال هذا الشعر أن يصنع شيئاً آخر، أو يجشم نفسه جهداً في باب غيره، ولكني مع هذا أحس بحسرة لأنه لم يشأ أن يترك لنا كتاباً عن مقامه في مصر ورحلته إلى (الأستاذ) كافور! ألا يشعر القارئ معي أن كنوز الأدب العربي ينقصها هذا الكتاب من قلم المتنبي في (كافور)؟ يا لها من تحفة نادرة، ضن بها علينا المتنبي؟؟ أتراه لم يخطر له هذا قط؟ فماذا كان يصنع يا ترى حين لا يعالج النظم؟؟ لقد كان مقلا، وليس ديوانه الذي خلفه بالذي يستنفذ عمر مثله أو جهده، فلماذا يا ترى لم يشغل فراغه الطويل بالكتابة؟ أكان الكلام الجيد لا يؤاتيه إلا منظوماً، لأن عواطفه لا تتدفق إلا على لحن؟ وخواطره لا تنتظم أو تتسق إلا على النغم؟ ربما وينقص الأدب العربي - في رأيي - اعترافات رواته، فقد ملأوا عالمه بالدخيل والمنحول والمخترع؛ وتركوا لنا نخل ذلك كله وغربلته، فليت واحداً منهم كانت له جرأة (روسو) إذن لارتفعت عن الباحثين تكاليف ثقيلة، ولاستغنوا عن هذه الغرابيل التي لا نراها تغربل شيئاً، ولأمكن أن تنفق الأعمار التي تضيع في هذا البحث، فيما هو أجدى. لو أن الرواة كتبوا اعترافات لخلفوا لنا قصصاً من أمتع ما في الآداب، غربيها وشرقيها، ولكشفوا لنا عن خصائص، نفسية وعقلية، ينفع الناس العلم بها، ولتسنى أن نعلل هذه الفوضى التي أغرق فيها الرواة أدبنا، ولاسيما القديم منه. ومن الذي لا يشتاق أن يعرف لماذا كان الواحد منهم ينظم الأبيات ثم يحشرها في قصيدة لشاعر قديم، أو يخترع القصة أو النادرة ويعزوها إلى هذا أو ذاك من الأولين، ويصر على أن الأمر حق وأنه صادق، ويزعم أنه أخذ ذلك

стр. 9325

عن فلان وعلان، أو تلقفه من أفواه البدو الضاربين في الصحراء؛ والغريب من أمرهم أنهم ينزلون عن مزية كبيرة في سبيل مزية أصغر منها، ذلك أن اختراعاتهم وتصنيفاتهم تدل على خصب في القريحة، وعلى قوة الخيال ونشاطه، بل على وجود ملكات كافية لأن يكون الواحد منهم شاعراً مجيداً أو قصاصاً بارعاً؛ ولكنهم يزهدون في ذلك، ويظلمون أنفسهم، ويقنعون بأن يكونوا رواة فحسب؛ أي حفاظاً ليس إلا؛ أي خزانة مفتاحها في لسانهم؛ وأغرب من ذلك أنهم لو قنعوا بما حفظوا، وتوخوا الأمانة في الحفظ والرواية، لعدوا علماء، ولكانوا محل الثقة والاطمئنان؛ ولكنهم يأبون لأنفسهم منازل الكرامة، ويروحون يزورون ويفترون ويلفقون، ويظهرون في ذلك من الحذق والبراعة ما لو أظهروا بعضه في غيره لرفعهم مقاماً عالياً. فلابد أن يكون هناك عوج في طباعهم والتواء في عقولهم يزينان لهم الطريق الذي سلكوا، ويعدلان بهم عن المنهج الأقوم، ويغريانهم بإهمال مواهبهم، أو سوء استخدامها وعلى ذكر الاعترافات أقول إني لا أحب أن أقرأ اعترافات لذلك النواسي الفاجر، وليس هو بأفجر من سواه من أصحابه في زمانه، ولكنه أظهرهم لأنه أعلاهم لساناً وأقواهم بياناً، ومثل سيرته لا يزيد الناس فهماً للحياة وحسن إدراك لها، وما في الأمر إلا أنه كان أجرأ فلم يكتب نقائصه، كما يفعل غيره، ولم يحاول أن يستتر لما ابتلى، ولولا أنه شاعر لما شغل بقصصه أحد، والشهرة هي التي جنت عليه فأبرزت جانب السواء والاستهتاك من حياته، ولولا ذلك لكان شأنه كشأن سواه من أمثاله الذين لا يخلو منهم عصر أو شعب. فلو أنه كتب اعترافات لما كانت لها مزية يفيدها الناس، وماذا كان يمكن أن يكون في اعترافاته مما يجهله الناس، وإن كانوا لا يجاهرون بالعلم به. كل ما كنا خلقاء أن نستفيده هو صورة الحياة، كما عرفها وعاناها، فاسق عظيم وليت دعبلاً ترك لنا مذكرات! فانه متمرد ظريف، وليس أحب إلى المرء من الوقوف على مظاهر التمرد، ولكن التمرد صنيعه في حياته، وصنيع شعره معه - أو أكثره - فلو أنه كتب مذكرات لما أعوز خصومه الحطب لو ذهبت أذكر ما كنت أتمنى أن أجد فيه كتاباً، لما فرغت، فما لهذا آخر، فحسبي ما بينت، وليكن كإشارة الفهرس

стр. 9326

إبراهيم عبد القادر المازني

стр. 9327

الدكتور محمد إقبال أكبر شعراء الهند المسلمين في العصر الحاضر (إن صوتي قد أوقد النار القديمة في بلاد إيران ولكن العرب لا يعرفون شيئاً عن نغماتي الشجية) (إقبال) بقلم السيد أبو النصر أحمد الحسيني الهندي شدا صديقنا المفضل الشاعر الفيلسوف الدكتور السر محمد إقبال بهذا البيت في ديوانه (بيام مشرق) (أي رسالة الشرق) منذ ثلاث عشرة سنة، ولكنه لم يسمع صدى المعرفة الحقيقة (لنغماته الشجية) من العرب إلى اليوم. وثلاث عشرة سنة مدة طويلة. لأن الشيء إذا مر عليه زمن قليل يقال إنه مضى ودخل في ذمة التاريخ، وليس كل ما دخل حصن الماضي نال رعاية التاريخ. لأن مخالب التاريخ الحديدية لا تقتطف إلا ما هو مؤثر مباشرة في الحوادث المادية ولا تهتم بوجود الكائن الحي بنفسه أياً كان، ولكن هناك أشياء خارجة عن وصول مخالب التاريخ ومؤثرات الزمن مع كونها مؤثرة في الحوادث المادية. وتلك الأشياء هي الحقائق الملهمة، ومنها الشعر أو (النغمات الشجية) كما عبر الدكتور. فالحقيقة الملهمة شيء خالد بعيد المرام عن تلاعب الزمن، وعزيز المنال من مخالب التاريخ، تظمأ الحياة الإنسانية إلى مناسمته في كل زمان، وتتطلع إلى مؤانسته في كل مكان وعلى هذا أريد أن أعرف إخواني الناطقين بالضاد بتلك (النغمات الشجية) وأن أكون على الأقل ترجماناً لها إن لم أكن راوية، فأقدم اليوم إليهم على صفحات (الرسالة) ترجمة حياة الدكتور بالإيجاز، وسأتبع ذلك بحديث عن شعره وفلسفته وآرائه في نواحي الحياة المختلفة إذا وفقني الله لذلك انحدر الدكتور السر محمد إقبال من سلالة وثنية عريقة في المجد والشرف من طبقة (بَنْدِتْ) القاطنة ببلاد كشمير في شمال الهند. و (بندت) لقب يلقب به أهل العلم والفضل من طبقة البراهمة التي هي أرفع الطبقات وأعلاها شرفاً وعلماً ونفوذاً في النظام

стр. 9328

الاجتماعي الوثني في الهند، وقد أشار الدكتور إلى ذلك إذ قال: مرا بنكَركه درهند وستان ديكَرنمي بينى برهمن زاده رمزآ شناى روم وتبريزاست (انظر إلي لا تجد في الهند مثلي من سلالة برهمن ولكنه يعرف رموز روم وتبريز) تشرفت عائلة الدكتور باعتناق الإسلام قبل مائتين وخمس وعشرين سنة. وذلك أن أحد أجداده اتصل بولي من أولياء الله من الصوفية المسلمين فأشرب قلبه حب الإسلام فأسلم. وكان من آثار تلك الحادثة أن حسن الاعتقاد في الصوفية المخلصين لا يزال من الأوصاف المميزة لعائلة الدكتور إلى اليوم ولد الدكتور محمد إقبال في سنة ١٨٧٦ ميلادية في بلدة سيالكوت مسقط رأس فيلسوف الإسلام العلامة الشهير عبد الحكيم السيالكوتي من إقليم بنجاب في شمال الهند. فلما بلغ سن التعليم أدخله أبوه في مكتب من المكاتب الإسلامية في تلك البلدة، ومن وهبه الله الذكاء المتوقد والحذق الحاد ظهرت بوادره منذ نعومة أظافره. كذلك الدكتور إقبال فانه لم تمض عليه مدة قليلة حتى أتم دراسة المكتب فأدخله أبوه في المدرسة، وفي المدرسة أيضاً بقى مثالاً لحدة الذهن وموضع الإعجاب من جميع أساتذته. فانه لم ينتقل من فصل إلى فصل ولم ينل شهادة بعد شهادة إلا بتفوق على أقرانه وباستحقاق مساعدة مالية شهرية من قبل الحكومة جائزة لنبوغه إلى أن أتم دراسته الثانوية، وبعد إتمام الدراسة الثانوية دخل الدكتور كلية في نفس البلدة، وكان في تلك الكلية أحد كبار العلماء الدين أستاذا للغة الفارسية والعربية وهو شمس العلماء مولانا مير حسن الذي كان يشار إليه بالبنان في الأدب الفارسي والعربي فتتلمذ له الدكتور ونبغ في الفارسية كما تعلم منه العربية أيضاً. وبعد إتمام دراسة الكلية انتقل الدكتور إلى كلية الحكومة ببلدة لاهور حاضرة إقليم بنجاب ونال منها شهادة بتفوق حيث استحق مداليتين ذهبيتين والمساعدة المالية الشهرية من قبل الحكومة. وفي هذه الأثناء انتقلت خدمات المستشرق الشهير السر توماس آرنلد من كلية عليكره إلى كلية لاهور. وكان السر آرنلد هذا مشهوراً بسعة اطلاعه في علوم الفلسفة، وكان عند الدكتور إقبال أيضاً ميل غريزي إلى الفلسفة حيث لم يترك دراستها في نيل

стр. 9329

جميع شهاداته الماضية فتتلمذ للسر آرنلد. فكان السر آرنلد يعترف دائماً بذكاء تلميذه المتوقد واستعداده للفلسفة ويفتخر به إلى أن أتم الدكتور دراسة الجامعة ونال شهادة مع مدالية ذهبية عين الدكتور بعد إتمام دراسته مباشرة أستاذاً للفلسفة والسياسة المدنية في الكلية الشرقية بلاهور ثم أستاذاً للفلسفة واللغة الإنجليزية في كلية الحكومة بلاهور. فصنف في أيام تدريسه كتاباً في السياسة المدنية باللغة الأردية. وكان الدكتور طول مدة التدريس في الكليتين حسن الصيت في العلم والفضل عند أساتذتهما، وممدوح الخلال مأثور المحامد عند تلاميذه لم يسمح للدكتور عشقه للعلوم وطموحه إلى التوسع فيها بأن يقنع بتلك الوظيفة؛ فهجر في سنة ١٩٠٥ وطنه وأقاربه ثلاث سنوات طلباً للتوسع والمزيد في الفلسفة والقانون وللتحقيقات العلمية الأخرى إلى إنجلترا والتحق بجامعة كمبردج ونال منها شهادة في فلسفة الأخلاق، ثم انتقل إلى ألمانيا والتحق بجامعة مونيخ فيها ونال منها شهادة الدكتوراه في الفلسفة، ثم رجع إلى إنكلترا والتحق بجامعة لندن ونال منها شهادة المحاماة - إن كثيراً من طلاب الشرق حينما يذهبون إلى الغرب يجدون أنفسهم في عالم جديد لم يخطر ببالهم ولا هجس في ضمائرهم، إذ الفوضى الأخلاقية قد استحكمت عراها، والإباحية قد شيدت وطائد رباها، وأبواب المفاسد المفتوحة، ودواعي الخلاعة مسروحة. فيندفعون في تياره ويضيعون فيه أوقات فراغهم حتى أوقات أشغالهم، ولكن الدكتور لم يضع أوقاته، بل كان يستغل حتى وقت فراغه فقد سعى فيه لخدمة الإسلام بتبليغه إلى العوام، إذ ألقى في غضون قيامه في إنجلترا ست محاضرات في الإسلام بين حشد الخاص والعام. وقد منح الله الدكتور العبقرية الشاملة وأسبغ عليه جميع مزايا النبوغ، فهو ناثر بليغ كما هو ناظم مطبوع، وكاتب بارع كما هو خطيب مصقع فكان لمحاضراته رنة بين الناس ووقع حسن في أوساط العلم والأدب وإذا كان غاية ما يبتغيه الأستاذ من تلميذه ويتمنى له، لعكوفه على تعليمه ومكابدته في تهذيب نفسه وتنوير عقله، أن يبلغ منزلة في العلم والأدب، وأن يقوم بمهمته أتم قيام، وأن ينوب عنه أحسن مناب لا يشوبه خلل، ولا يعتريه أود ولا يخالطه وهن ولا أمْت. فقد بلغ

стр. 9330

فيه صديقنا الدكتور إقبال حيث لم تبلغ الآمال والهمم، إذ الدكتور بذكائه المتوقد، وفكره الحاد، وحصافة رأيه، وطول باعه في العلوم والصناعات نال أجل مكان وأخص محل في أنظار جميع أساتذته فكانوا يتباهون به في السر والعلن، ويذكرونه فخراً في مسامرات الأدب وأندية العلم. وهذا هو الذي حفز أستاذه السر توماس آرنلد أن يفوض إليه القيام بأعمال وظيفته بجامعة كمبردج لستة أشهر عند غيابه عنها فخلفه الدكتور أستاذاً بالجامعة، وقام بالمهمة خير قيام تناقلته ألسنة المديح وناطه الذكر الجميل رجع الدكتور من أوربا إلى الهند في سنة ١٩٠٨ مزوداً بالعلوم والصناعات ومتأهباً لخدمة وطنه وأبناء دينه، فاستقبله حشد كبير من جميع الأجناس والطبقات والأديان والملل. وأقيمت في تكريمه مأدبة فاخرة ليلة وصوله إلى لاهور هنأه فيها أعيان البلد ورؤساء القوم بسلامة وصوله إلى وطنه، كما اعترف غير واحد من الشعراء والأدباء والعلماء والفضلاء بالقصائد والخطب فيها بعلمه وفضله. ومن ذلك الحين اختار الدكتور لنفسه الحياة الحرة ولم يقبل مناصب الحكومة لكي يجد مجالاً واسعاً لبحوثه العلمية، وميداناً أوسع لخدمة إخوانه ودينه. فبدأ يمارس مهنة الإرشاد القانوني للطالبين والدكتور بنفسه رجل قنوع، نزيه، عزيز النفس؛ يقنع بالكفاف ويرضى بالميسور، كما عبر عن ذلك في بيت من ديوانه: (رسالة الشرق) قال: ناز شهان نمى كشم … زخم كرم نمى خورم درنكَراى هوس فريب … همت اين كَداى را (أنا لا أتحمل دلال الملوك، ولا جرح الإحسان يا من انخدعت بالطمع! انظر إلى همة هذا الفقير) فقد رفض غير واحد من مناصب الحكومة التي قدمت إليه وآخرها منصب ممثل الحكومة الهندية لدى حكومة جنوب أفريقيا وهو منصب ذو مرتب باهظ وشرف عظيم اشتغل الدكتور بعد رجوعه من أوربا في تصنيف ديوانين (أسرار خودي) و (رموز بيخودي) على الترتيب باللغة الفارسية. فنالا إعجاب الجميع من ذوي الفضل والعلم، وترجم الأول الدكتور نكلسن إلى الإنجليزية فذاع به صيت الدكتور في أوربا وأمريكا فمنحته الحكومة في سنة ١٩٢٣ لقب (السير) اعترافاً بفضله في الشعر وطول باعه في

стр. 9331

العلوم وفي سنة ١٩٢٦ أجبره أحبابه وأصدقاؤه وأهالي لاهور على أن يرشح نفسه لعضوية المجلس التشريعي في إقليم بنجاب. فلم يقبل أولاً. فلما ألحوا عليه كثيراً قبله. فانتخب عضواً بأكثرية ساحقة. فسعى الدكتور سعياً حثيثاً لتخفيف الضرائب الفادحة عن كاهل الفلاح الهندي، ولسن قانون العقاب لكل من يطعن في شارع الدين أو أحد رؤسائه من غير دينه هو، وقد سنّ فعلاً، ولتقرير غاية الإصلاح لإدمان الخمر عند الحكومة حرمتها التامة تنفذ في مدة خمس عشرة سنة. وفي سنة ١٩٢٨ أثار الدكتور في مجلس بحثاً طريفاً استوقف الأنظار، وهو هل الأراضي من ملكية الحكومة أو ملكية الشعب؟ وفي سنة ١٩٣٢ عند انتقاد ميزانية الحكومة أثبت بالدلائل الناطقة والشواهد الصادقة أن الأراضي ليست من ملكية الحكومة فلا يجوز للحكومة جمع المال بالضرائب الفادحة على أراضي الفلاح وفي سنة ١٩٣١ انتخبه الحكومة عضواً في مجلس المائدة المستديرة المنعقدة في لندن لإصلاح الهند الدستوري فسافر إلى لندن وعند الرجوع لبى دعوة المؤتمر الإسلامي بالقدس وزار مصر أيضاً وألقى على طلبي منه محاضرة قيمة فلسفية دقيقة في جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة موضوعها (الإسلام كالتحول في التاريخ) باللغة الإنجليزية، ولكن من الأسف لم يقدر أحد من السامعين ولا من أركان إدارة الجمعية أن ينتقل تلك المحاضرة القيمة المفيدة إلى العربية للحاضرين أو يكتبها على الأقل وينشرها على صفحات الجرائد للإفادة وفي أواخر سنة ١٩٢٨ دعي الدكتور من قبل جمعية إسلامية ببلدة مدراس حاضرة إقليم جنوب الهند لإلقاء محاضرة في الإسلام، فلبى الدعوة، فلما وصل إلى مدراس احتفل به أهالي مدراس من جميع الأجناس والملل احتفالاً باهراً، وأقيمت في تكريمه مآدب كثيرة من قبل جمعيات مختلفة منها جمعية العلماء البراهمة وغيرها من جمعيات الوثنيين؛ ومن مدراس توجه الدكتور إلى حيدر آباد تلبية لدعوة صاحب السمو نظام حيدر آباد فمر بأمارة ميسور، وهي أمارة وثنية كبيرة في جنوب إمارة حيدر آباد، فلما وصل بنجلور بلدة من بلادها استقبله حشد كبير من الطلبة والعلماء والوجهاء، وكان بينهم رئيس الوزراء لأمارة ميسور أمين الملك ميرزا إسماعيل (وهو مسلم) فسافر معهم إلى بلدة ميسور حاضرة إمارة

стр. 9332

ميسور، ونزل ضيفاً على الأمير الوثني مهراجا ميسور، وأقيمت في تكريمه مآدب كثيرة أهمها مأدبة جامعة ميسور التي خطب فيها الدكتور، وفي هذه المأدبة خطب عالم وثني كبير وهو أستاذ الفلسفة بالجامعة فقال: (إن المسلمين مهما قالوا إن الدكتور إقبال منهم، فان الحقيقة أنه منا جميعاً، هو ليس من ملك دين واحد أو جماعة واحدة، فان افتخر المسلمون بأنه من أبناء دينهم، فلسنا نحن الوثنيين بأقل فخراً منهم بأنه من أبناء وطننا الهند). ومن ميسور توجه الدكتور إلى حيدر آباد، فاستقبله جمع غفير من جميع الأجناس والملل، بينهم أركان الحكومة وأساتذة الجامعة وطلبتها وغيرهم من ذوي الجاه والشرف، وكان طلبة المدارس مصطفين في الشوارع والمحطة ويغنون بأصواتهم الشجية (نشيد المسلم) الذي صنفه الدكتور باللغة الأردية وأوله: جين وعرب همارا، هندوستان همارا مسلم هين هم وطن، هي سارا جهان همارا (إن الصين والعرب لنا، (كما) أن الهند لنا إننا المسلمون، فالعالم كله وطننا) نزل الدكتور ضيفاً على سمو نظام حيدر آباد وحظي بالمثول في حضرة سموه، وألقى محاضرات عديدة بالجامعة العثمانية بحيدر آباد، ثم توجه من حيدر آباد إلى الجامعة الإسلامية بعلي قره تلبية لدعوتها، فألقى فيها أيضاً غير محاضرة؛ وجميع هذه المحاضرات التي ألقاها في مدراس، وحيدر آباد، وعلي قره، ست تحتوي على أعمق الأفكار وأدق المعاني، في فلسفة دين الإسلام، وقد سعى الدكتور فيها لتشكيل علم الكلام الجديد على ضوء الفلسفة الحديثة، وقد نشرت في شكل كتاب ونحن مستعدون أن نتحف قراء الرسالة بشيء منها لو تحملوا جفاف الفلسفة في جنب حلاوة الأدب وفي سنة ١٩٣٣ دعا الدكتور المغفور له جلالة الملك نادر شاه خان ملك أفغانستان مع عالمين كبيرين هنديين وهما الافوكاتو السيد راس مسعود رئيس الجامعة الإسلامية بعلي قره، وصديقي صاحب الفضيلة الشيخ السيد سليمان الندوي من كبار علماء الدين للاستشارة في تأسيس جامعة بكابل، وفي أمور تعليمية أخرى. فلبى الدكتور الدعوة، وفي هذا السفر صنف الدكتور ديوانه المسمى (مسافر) باللغة الفارسية

стр. 9333

وفي سنة ١٩٣٤ سافر الدكتور لزيارة البلاد الإسلامية في المغرب ولمشاهدة الآثار الإسلامية في الأندلس وصنف في هذا السفر ديوناً باللغة الأردية مسمى (بال جبريل) وفي أواخر نفس السنة دعي الدكتور إلى إنجلترا لإلقاء محاضرات في فلسفة الدين في سلسلة محاضرات هيبرت فلبى الدعوة هذه هي ترجمة حياة الدكتور بالاختصار وموعدنا بالحديث عن شعره المقال الآتي إن شاء الله. السيد أبو النصر أحمد الحسيني الهندي

стр. 9334

من بدائع شكسبير حلم منتصف ليلة صيف ' بقلم محمد رشاد رشدي يحملنا جو القصة أجيالاً عديدة إلى الوراء حيث (ثيزيوس) دوق أثينا يعد قصره للاحتفال بقرانه بملكة الأمازون الساحرة. أما أسلوب القصة فهو ملئ بالصور الخلابة التي تشيع في الذهن جواً يشبه جو الحلم الغريب. كذلك تنشر أشخاص الجن التي ما تزال تظهر ثم تختفي في القصة روحاً غريبة نائية حالمة. . . . والحب - سيد خالقي الأحلام والخيالات - هو موضوع القصة. . . بيد أن ليس بالحب المداعب اللاهي تحمله السطور في خفة ورشاقة مقبلاً حيناً مدبراً حيناً آخر. بل هو حب قوي قاهر يبهر النظر والسمع ويأبى إلا أن تعبر عنه الاستعارة والمجاز واللغة الشعرية الحارة. تبعثه من الصدر مثلما تبعث ليلة مقمرة هادئة من ليالي الصيف شعر شاعر من صدره، أو زفرة عاشق من حنايا ضلوعه (ليساندر) و (هرميا) يتفاقان على اللقاء: ليساندر: في مساء الغد عندما تبصر (نيبي) طلعتها في البحيرة ناشرة على العشب الأخضر لباساً من اللؤلؤ السيال - في ذلك الوقت قد اتفقنا على أن نجتاز أبواب أثينا ونمضي هاربين هرميا: وفي نفس الغابة حيث اعتدنا اللقاء، وحيث كنا أحياناً نرقد على العشب اللين الرخص ونشم أنفاس الزهر الوحشي. هناك يلقى أحدنا الآخر، أي ليساندر! ويضل كل من العاشقين سبيله وينهكهما البحث والفكر فيرقد كل تحت شجرة من أشجار الغاب ويغلب عليهما النعاس فما يدريان من أمرهما شيئاً، ويأتي (بَكْ) رسول ملك الجان فيهصر في عيني الفتى زهرة من أزهار الغاب سحرية تغير قلبه حتى إنه إذا ما صحا من نومه وقع في حب أول امرأة يلقاها. . . وفي نفس الوقت يهيم في الغاب الفسيح (يمثريوس) عاشق (هرميا) المنبوذ منها تتبعه (هيلينا) التي ينبذها هو ولا يصغي لما تريد أن تصل أذنه من ألفاظ الحب والتوسل. بيد أن (بَكْ) سرعان ما يأتيه هو الآخر بالزهرة

стр. 9335

السحرية فيغير قلبه، ويصبح فإذا به مدله في حب (هيلينا)، ويهيم العشاق في الغاب كل يبحث عن أليفه تارة متباطئاً وأخرى مسرعاً. تراقبهم من علٍ أشجار البلوط الشاهقة ويظلهم الليل في ردائه الهادئ. ونبسم نحن إذ نرى كيف يتغيرون. كيف يشكون وكيف يتدلهون - على أننا لا يسعنا إلا الاشتراك في كل ما يفعلون هذه العاطفة هي حلم، غير أنه حلم يحركنا، فان الشاعر يلعب بالعواطف فيخلطها ويمزجها سوياً ثم يثنيها ثم يعود فيفصلها ويقيم كلا منها على حدة كأنما هي خليات رقصة جميلة، ونشاهد نحن الوجوه الغضة الوديعة تمر سريعة إلى جوار الشجيرات الخضراء وتحت أبصار النجوم اللامعة، تبللها حيناً دموع الشوق والألم ويشيع فيها حيناً آخر بريق الحب والأمل. . . أولئك قوم قد وهبوا أنفسهم للحب خالصة لا يبغون من عطائهم هذا جزاء ولا مقصداً، وإنما هي هبة نقية خالصة لأنها موجهة لله لا للشيطان، وللحب الخالص لا لشهوات البدن هي - في الحق - هبة للجمال الذي يخالج مشاعرهم ويملك عليهم حسهم وفكرهم - وإن مرآهم يألمون ثم يسعدون - يشكون ثم يفرحون، يطربهم التافه من الخير، ويعصف بهم خالج الفكر البسيط، تحنو عليهم بنات الغاب ساعة مداعبات، ثم تسخرن بهم ساعة أخرى لاهيات - لهو نوع من السحر المبين. . . ونشاهد بين الحين والآخر جماعة من القرويين يتدربون على تمثيل قطعة مسرحية يحيون بها حفل زواج أميرهم (تينريوس) - أولئك قوم بسطاء يعيشون مثل كل أهل الريف يعيشون عيشة طبيعية بسيطة لا يشغل فكرهم خاطر ولا يعذبهم شك لاهين قانعين مؤمنين كل الأيمان بالحياة، بعيدين كل البعد عن بحثها والتأمل فيها. ويفزعهم مرآى رفيقهم (بوتوم) وقد أتاهم يحمل فوق عنقه رأس حمار فيصيح أحدهم: (يا للشيطان! يا للغرابة! لقد زارنا إبليس صلّوا أيها الرفاق - اهربوا أيها الرفاق - المعونة!) كان هؤلاء رجالاً من المحتمل أن يكون شكسبير قد رأى وخبر أمثالهم في بلدته، لأن الدرامة لم تعد بعد مقصورة على بلاط الملوك والأمراء، بل عمت البلاد والقرى جميعها، وأصبحت وكأنها ضرورة من ضروريات العيش ومرفقاً من مرافق الحياة لا ينفصل عنها،

стр. 9336

ولقد كان كل عيد من أعيادهم مهرجاناً عظيماً يشترك فيه الصغير والكبير ويتعاون على إقامته الجميع، إذ أن القوم في ذلك العهد كانوا يعشقون التمثيل ويجيدونه بالطبيعة، لأن الروح إذا ما كانت ناضجة ممتلئة فهي لا تميل إلى التعبير عن خواطرها بالأرقام والمنطق، بل تعمد إلى تصويرها فتقصها وتقلدها، تلك هي لغة الأطفال، لغة الفن والخلق والسرور وفوق كل هؤلاء العشاق والممثلين البسطاء تلهو وترفرف بأجنحتها جماعة الجنّ وبنات الغاب. هم أيضاً يعشقون (فتيتانيا) ملكتهم التي تحب صبياً صغيراً أتت به من بلاد الهند، ويغار زوجها (أوبرُن) منه فيريد أن يبتاع الصبي منها على أنها لن تنيله ما يريد: تيتانيا: لو اجتمعت الجن كلها لما استطاعت أن تبتاع مني هذا الصبي، كانت أمه من أتباعي ولكم جلسنا جنباً إلى جنب على رمال نبتون الصفراء في الليل الهادئ، تهب علينا نسمات الهند العطرة، نرقب السفن يحملها الفيضان فوق تياره سريعة تتسابق - وكم كنا نضحك عندما نرى الشراع وقد حملت وانتفخت منها البطون، وكانت الريح العابثة هي الزواج أو العاشق المسئول ويتشاجر (أوبرن) مع زوجته فتهرع الجن خائفة إلى أكمام الزهر تختبئ فيها وتتخذ منها ملجأ يقيها غضب الملك والملكة ويريد (أوبرن) أن يثأر لنفسه، فيرسل خادمه (بَكْ) يلمس بالزهرة السحرية أجفان زوجه، حتى إذا ما صحت أجمل بنات الغاب وأرشقهن من سباتها وجدت نفسها مدلهة بحب مخلوق عجيب له رأس حمار وجسم رجل، هو (بوتوم) القروي الممثل وتركع الملكة أمام المريض المسحور، وتضع فوق كتفه المليء بالشعر إكليلا من الزهر النضر، ثم تنادي أتباعها وتخاطبهم: (ترفقوا بهذا الرجل وأحسنوا مثواه، غنوا له وارقصوا أمامه كلما مشى خطوة، أطعموه المشمش، والعنب، والتين الأخضر والتفاح) كان لزماً على (تيتانيا) أن تفعل هذا، لأن حبيبها كان ينهق نهيقاً فاحشاً، وكان إذا ما قدمت له الزهور والفاكهة هز رأسه في طلب الهشيم والبرسيم! أهناك أعذب وأمر من سخرية شكسبير هذه؟ أي هزء بالحب، وأي حدب عليه! العاطفة في

стр. 9337

نفسها نبيلة، بيد أن موضوعها تافه حقير، هي فراش ذهبي لكنه يطير في الوحل، فراش أعمى لا يدري أين يسير وشكسبير إذ يصف كل آلامها يحتفظ أيضاً بكل ما هو حلو وجميل فيها تيتانيا: تعال نجلس فوق هذا الزهر، دعني ألمس وجنتيك الجميلتين وأرشق الورد في رأسك الناعم، وأقبل أذنيك الطويلتين الحلوتين لقد طمس الحب عيني ملكة الغاب فباتت ترى في صدغي الحمار جمالاً، وتلمس في رأسه نعومة، وتحس في أذنيه حلاوة وطراوة وينقضي الليل، ويأتي الصباح فيبطل السحر ويزول، وتفيق (تيتانيا) إلى نفسها فتبدو لها ذكريات الأمس (مثل أشياء صغيرة يصعب تمييزها، فكأنها رؤوس جبال نائية يراها الإنسان عن بعد كالسحب الكثيفة قد تجمعت فوق الأفق) هذه هي القصة، فهل لنا أن نناقشها جدياً مثلما نناقش (هملت) أو (عطيل)؟ هل لنا أن نفرض منطق الحياة على حوادثها وأسلوبها وأشخاصها، أو أن نبحث عن الجمال والانسجام في كيانها وتركيبها؟ لا، فنحن إن فعلنا ذلك بعدنا عن الروح التي يجب أن نتفهمها فيها هذه القصة لا تصور الحياة بل تمثلها - هي تمثل الناحية الحلوة الناعمة السهلة الهادئة من العيش مثلما تصور قصة (لير) الناحية الأخرى العاصفة، المظلمة، المريرة، الموحشة على أن الحياة ليست دائماً عاصفة موحشة؛ كما أن القبرة لا تنشد كل يوم ألماً ونحيباً، فهناك في حياة الرجال لحظات يحسون فيها بجسومهم، وأرواحهم، وقد رقت وصفت وارتفعت فأصبحت في صفاء نسمات الخريف تهب عند الأصيل، وفي هذه اللحظات يكفي أن يثلج أفئدتهم ويملأها طرباً وحبوراً أن يشاهدوا زهرة جميلة قد تفتحت أكمامها، وتلألأ على أوراقها ندى الشروق، وأن يحرك مشاعرهم ويملأها عطفاً ورقة وحناناً، مرأى كلب بائس ينبح ألماً ويتضور جوعاً ذلك لأن في النفس حينذاك لحناً ونشيداً يعزف، فإذا كل ما بالعيش قد أصبح بهياً جميلاً، وإذا كل ما يدب على الأرض قد أمسى طيباً وديعاً كالحمل، ذلك أن بالروح موسيقى تسبغ الدفء والسلام والحب على كل شيء خارج الروح: موسيقى (أحلى من نغم الكروان،

стр. 9338

يسمعه الراعي وقد ترعرع قمحه ومشى النضوج في سنابله)؛ فهل نترك تلك الأوقات السعيدة دون أن نسجلها إن أكثر الواقعيين تطرفاً، وأشدهم تشاؤماً وانقباضاً لا يستطيع أن ينكر وجود أمثال تلك اللحظات، فان هو فعل فقد ترك إنتاجه ناقصاً مبتوراً ونفسه ضيقة يعوزها الاتساع والبسطة، على أن شكسبير الكامل لم يكن يستطيع أن يكون ناقصاً، فلم تكن تلك الأوقات النادرة لتمر دون أن يرقبها ويسجلها معاً لقد سجلها الشاعر كما يجب أن تسجل - أعني أنه لم يصورها كما هي في الحياة - لم يرسم لنا أحلام الشباب نفسها، يحلمها وهو يقظان فتسعده وتزكي خياله، بل صور لنا عالماً جميلاً غريباً حتى إذا ما تعرفنا إليه ودخلناه أحسسنا نفس ما يحسه الشباب الحالم من سعادة ودفء وسلام، وكانت المشاعر التي تختلج بها نفوسنا حينذاك هي نفس المشاعر التي تنتجها هذه الأوقات السعيدة في حياة الرجال أقول إن شكسبير كان واقعياً حتى في أحلامه وخيالاته وقد يبدو هذا القول غريباً، على أنه شرحه سهل بسيط؛ فكثير من الناس يحسب أن الفنان ساعة الخلق يقلد مظاهر الطبيعة نفسها ويصورها فان هو قلد - في زعم هؤلاء - شيئاً لا يراه الجميع في الطبيعة ويحسونه - كان تقليده خاطئاً وخلقه وهماً باطلا، وعندي أن هذا الرأي خاطئ من أساسه؛ فالحق أن الفنان لا يقلد مظاهر الطبيعة نفسها، بل يدرس ويقلد السبيل الذي تسلكه الطبيعة في خلق مظاهرها، وإنما هي الآلة المصورة التي تعنى بتصوير هذه المظاهر دون أن يهمها تقليد السبيل الخالقة وتصويرها. ومن هذا يكون الحكم على العمل الفني من حيث قربه من الواقع والحق لا يتعلق بمحتويات العمل نفسه بل بالإحساس الذي تنتجه هذه المحتويات على القارئ أو المشاهد أو المستمع فشكسبير هنا لا يعطينا هذه اللحظات السعيدة في حياتنا نفسها بل ما قد تنتج هذه اللحظات أو ما يقرب منها إن ما يعطينا الشاعر هو حلم حلمه ساعة منصف ليلة صيفية حيث يرق النسيم ويصفو، ويهدأ الفكر ويرتاح البدن، ذلك هو كائن دقيق يهيم وينتقل من حلم إلى حلم، له أجنحة فضية رقيقة تتكسر جميعها وتتلاشى إذا ما حاولنا أن نحبسه أسيراً في سجن العقل

стр. 9339

والمنطق وأن نضيق الخناق عليه هناك. فليس من الواجب أن نخبر طبيعة هذا الكائن ولا أن نديم البحث في حقيقته بل ندعه يمضي أمام أبصارنا ترفرف فوقه أجنحة الجميلة، فيبهر منا البصر ويحملنا معه إلى عالم الأحلام من حيث أتى. وهل هناك أحلى من أن نترك حياة الحقيقة هذه وراءنا لحظة لنريح الفكر في حياة اللاحقيقة؟ لقد يسعدنا أن نتحرر من أسر المنطق الثقيل لنمضي ونحيا حياة المغامرة والغرابة والشعر حيث لا قيد ولا شرط - مثل هذه الحياة للعقل تريحه وتجدد نشاطه، وللنفس تنقيها وتنضجها، ولكننا يجب أن نصدق ما نراه لكي نستمتع هذه المتعة ونستريح هذه الراحة نعم. إن بالقصة ما لا يمكن تصديقه وما لا يمكن وقوعه في الحياة، لكن عدم الإمكانية هذا هو الذي قد يمد العقل بالراحة والهدوء إذ أنه يجرد العواطف من حرارتها فلا يجعل المشاهد يتألم أو يشقى؛ فإذا ما جاءت اللحظة التي يقوى فيها إحساسه بالقصة ويشتد عطفه يذكر نفسه بأن الموضوع كله حلم وخيال فقط، فتهدأ نفسه ويبدأ يرى حوادثها مثل أشياء بعيدة نائية يكسوها البعد لباساً من الهواء أزرق شفافاً ولكن أترى ينقص عدم الإمكانية هذا من قيمة القصة أو يحط من مغزاها؟ ثم ترى هل الحياة خالية كل الخلو من الجني المداعب (بك) ورفقائه؟ لا! إن بنات الغاب يعشن فوق أرضنا هذه من وقت لآخر مداعبات حيناً نفوس الشباب وقلوبه، حدبات حيناً آخر على عقول رجال الأعمال الجامدة وأفئدتهم الصلدة، وأحياناً مشفقات منشدات للفقير والمكلوم أناشيد الراحة والأمل، ونحن نخشى (بك) الساحر ولكنا لا نراه - نحسه يسير معنا في حياتنا، ونحس سحره الفعال كما صوره شكسبير بغير رؤوس الرجال: إلى رؤوس الحمير والبغال - بيد أن سحره قوي لا يقاوم مرغوب من الناس محبوب من الشعراء. . . أحب أن أقول إنه برغم كل ما بهذه القصة من شذوذ وغرابة فإنها تطابق الحياة والواقع، ولا تقل في هذا عن قصة (لير) أو (هملت) - تطابق الحياة فقط في أن الإحساس الذي تنتجه في النفس هو إحساس صادق حقيقي كثيراً ما نحسه في حياتنا، العادية ونحتاج إليه، ولو أن ما بالقصة نفسها يختلف عن الحياة وذلك نوع من أنواع الخلق الفني النادر، ومثل من أمثلة الفن الإيعازي الذي ما أحسب أحداً غير شكسبير يستطيعه بسهولة ووضوح

стр. 9340

لقد نحلم أحياناً عند ما نسمع لحناً شجياً أو نرى وجهاً بهياً. بيد أن الشاعر هنا يدعونا لأن نحلم عندما نقرأ شعره. فهل نرفض الدعوة؟ إن الحلم الهادئ الجميل نادر في هذا العيش، وإن الإحساس بالراحة والطمأنينة وحلاوة الحياة الذي يعقب الحلم ويقطن النفس بعد رحيله عنها أندر من الحلم نفسه وأثمن. . . فلزم علينا إذن أن نقبل دعوة الشاعر، وأن نقبلها فرحين شاكرين محمد رشاد رشدي بكالوريوس بامتياز في الأدب الإنجليزي

стр. 9341

١٠ - شاعرنا العالمي أبو العتاهية للأستاذ عبد المتعال الصعيدي حماقاته: روى صاحب الأغاني عن الحسن بن علي قال: حدثنا محمد أبن القاسم قال: حدثني إسماعيل بن عبد الله الكوفي قال: حدثني عمروس صاحب الطعام، وكان جار أبي العتاهية قال: كان أبو العتاهية من أقل الناس معرفة، سمعت بشراً المريسي يقول له: يا أبا إسحاق لا تصل خلف فلان جارك وإمام مسجدكم فانه مشبه، قال: كلا إنه قرأ بنا البارحة في الصلاة (قل هو الله أحد)، وإذا هو يظن أن المشبه لا يقرأ قل هو الله أحد وقد ذكرنا عن مخارق فيما سبق ما جرى لأبي العتاهية معه حينما دعاه فغناه وشرب معه ثم أمر غلامه فكسر كل ما بين أيديهم من النبيذ وآلته والملاهي، قال مخارق: فظننت أنها بعض حماقاته، فانصرفت وما لقيته زماناً، ثم تشوقته فأتيته فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت فإذا هو قد أخذ قوصرتين وثقب إحداهما وأدخل رأسه ويديه فيها، وأقامها مقام القميص، وثقب أخرى وأخرج رجليه منها وأقامها مقام السراويل، فلما رأيته نسيت كل ما كان عندي من الغم عليه والوحشة لعشرته، وضحكت والله ضحكاً ما ضحكت مثله قط، فقال: من أي شيء تضحك؟ فقلت: أسخن الله عينك هذا أي شيء هو؟ من بلغك عنه أنه فعل مثل هذا من الأنبياء والزهاد والصحابة والمجانين؟ انزع عنك هذا يا سخين العين، فكأنه استحيا مني؛ ثم بلغني أنه جلس حجاماً، فجهدت أن أراه بتلك الحال فلم أره، ثم مرض فبلغني أنه اشتهى أن أغنيه، فأتيته عائداً، فخرج إلي رسوله يقول: إن دخلت إلي جددت لي حزناً، وتاقت نفسي من سماعك إلى ما قد غلبتها عليه، وأنا أستودعك الله وأعتذر إليك من ترك الالتقاء، ثم كان آخر عهدي به وذكر بشر بن المعتمر أنه قال يوماً لأبي العتاهية: بلغني أنك لما نسكت جلست تحجم اليتامى والفقراء للسبيل، أكذلك كان؟ قال: نعم، قال له: فما أردت بذلك؟ قال: أردت أن أضع نفسي حسبما رفعتني الدنيا ليسقط عنها الكبر، وأكتسب بما فعلته الثواب، وكنت أحجم اليتامى والفقراء خاصة، فقال له بشر: دعني من تذليل نفسك بالحجامة، فانه ليس بحجة لك أن تؤديها وتصلحها بما لعلك تفسد به أمر غيرك، أحب أن تخبرني هل كنت

стр. 9342

تعرف الوقت الذي كان يحتاج فيه من تحجمه إلى إخراج الدم؟ قال: لا، قال: هل كنت تعرف مقدار ما يحتاج كل واحد منهم إلى أن يخرجه على قدر طبعه مما إذا زادت فيه أو نقصة منه ضر المحجوم؟ قال: لا، قال: فما أراك إلا أردت أن تتعلم الحجامة على أقفاء اليتامى والمساكين قالوا وإنه من أجل هذا وأشباهه غلب عليه هذا اللقب (أبو العتاهية) وقد أخبر ميمون بن هارون عن بعض مشايخه قال: كني بأبي العتاهية أن كان يحب الشهرة والمجون والتعته. وأخبر محمد بن موسى بن حماد قال: قال المهدي يوماً لأبي العتاهية أنت إنسان متحذلق معته، فاستوت له من ذلك كنية غلبت عليه دون اسمه وكنيته وسارت له في الناس، قال: ويقال للرجل المتحذلق عتاهية، كما يقال للرجل الطويل شناجية، ويقال أبو عتاهية بإسقاط الألف واللام ومن المحتمل عندي أن يكون تلقيته بذلك من أجل ابنه عتاهية الذي روينا عنه فيما سبق بعض أخبار أبيه، وأن تلك الأمور التي نسب إليه من أجلها هذا الحمق كان يتحامق بها لأغراض له فيها، وقد تحمل الأغراض بعض ذوي العقول على هذا التحامق فلا يكون لهم منه بد، كما قال الشافعي ﵀ وقد جرى بينه وبين بعض من صحبه مجانة: وأنزلني طولُ النوى دارَ غربة … إذا شئت لاقيتُ امرأ لا أشاكلهْ أحامقه حتى يقال سجية … ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله ويمكن أن يكون من تلك الأغراض التي حملت أبا العتاهية على ذلك اتقاء ما كان يدبر له من ضروب الكيد، ومحاولة الإيقاع به، وأخذه بتهمة الزندقة وما إليها، فان ظهوره بهذا المظهر يهون من أمره، ويجعله امرأ لا يخاف شره ويؤيد هذا ما رواه أبو الفرج قال: أخبرني محمد بن الصولي قال: حدثنا أبو ذكوان قال: حدثنا العباس بن رستم قال: كان حمدويه صاحب الزنادقة قد أراد أن يأخذ أبا العتاهية ففزع من ذلك وقعد حجاماً وإذا كان خوفه من حمدويه هو الذي حمله على أن يحترف هذه الحرفة التي ليست من شأنه، لا ما تظاهر به من إرادة تذليل نفسه، فيمكننا أن نحمل على ذلك كل تلك الحماقات التي تؤثر عنه، ونخرجها على ذلك التحامق الذي يقصد به مداراة أهل الظلم والحمق

стр. 9343

وقد كان أبو العتاهية يعتمد في هذه الحياة المضطربة التي عاش فيها على ضروب من الحيلة كان يجيد تمثيلها، ولولاها لطاحت رقبته فيمن طاحت رقابهم ممن لم تساعفهم الحيلة في تلك البيئة، ولأبي العتاهية في ذلك نوادر لطيفة كان يتوصل بها إلى ما يعجز عنه غيره، ويحوز بها القبول لدى أرباب الحل والعقد في عصره من رجاله ونسائه، ولنختم هذا الفصل بتلك النادرة الظريفة من نوادره ذكر أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي أن أبا العتاهية لما ألح في أمر عتبة لأول دخوله بغداد ولم ينل منها شيئاً، وجدها يوماً قد جلست في أصحاب الجوهر، فمضى فلبس ثياب راهب، ودفع ثيابه إلى إنسان كان معه، وسأل عن رجل كبير من أهل السوق، فدل على شيخ صائغ، فجاء إليه فقال: إني قد رغبت في الإسلام على يدي هذه المرأة، فقام معه وجمع جماعة من أهل السوق وجاءها فقال: إن الله قد ساق إليك أجراً، هذا راهب قد رغب في الإسلام على يديك، فقالت هاتوه، فدنا منها فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد عبده ورسوله، وقطع الزنار ودنا فقبل يدها، فلما فعل ذلك رفعت البرنس فعرفته، فقالت نَحُّوهُ لعنه الله، فقالوا لا تلعنيه فقد أسلم، فقالت إنما فعلت ذلك لقذره، فعرضوا عليه كسوة فقال ليس لي حاجة إلى هذه، وإنما أردت أن أشرف بولائها، فالحمد الله الذي من علي بحضوركم، وجلس فجعلوا يعلمونه الحمد وصلى معهم العصر، وهو في ذاك بين يديها ينظر إليها لا تقدر له على حيلة عبد المتعال الصعيدي

стр. 9344

أسطورة يونانية (اورفيوس وبوريديس) الألم (مهداة إلى شاعر يتألم: إلى الصديق محمد الفراتي) للأستاذ خليل هنداوي (أعيدوه إلى أرض الحياة وحده! إن عوده سيسكت إذا عادت معه، وان قيثارة الأرض ستنقص وتراً، إني أريده يغني فلا تعطوها له. نحن في السماء كما على الأرض نتلذذ بالآلام المولدة) قد أَطرَبَ الطيرَ بأَنغامِه … وسهَّدَ الوحشَ بألحانِهِ يغيبُ عن إحساسهِ ذاهلاً … منتقلاً في غير أوطانه يشكو إلى القيثارِ أشجانَه … فيملاُّ الكونَ بأشجانِهِ سكرانُ! لا يُدرك ما مسَّه … نشوانُ! لا يَخرجُ من حانِه البحر والأمواجُ تصغي له … والليلُ إن أَسبلَ أستارَه يأوى إلى عزلتِه حائراً … يُذيعُ في العزلةِ أسرارَه ما باله يُعول قيثارُه … فحطموا الليلةَ قيثارَه هو الهوى امتدَّ إلى قلبه … وأضرمَ الحبُّ به نارَه وهذهِ من أيقظَتْ روحَه … تسرَحُ في الغابةِ كالحالمه خاليةُ القلبِ، تلاقي الفتى … معرضةً عن حِّبه، واجمه لا تفهمُ اليومَ نداء الهوى … لا توقظوها! إنها نائمه يا هائماً قد لجَّ منه الجوى=إنهَدْ إلى غانيةٍ هائمه. . . سيفُتح القيثارُ من نفسِها … ما تعجِزُ الأزهارُ عن فتحِه ويفتحُ الألحانُ محزونُها … جرحا بها أعمقَ مِن جرحهِ وينقلُ النَّغمُ إلى سمعِها … ما راحَ يشكو الصبُّ من برحهِ لا تُنزِلي الرأفة في قلبها! … فانما الإبداعُ في نوحهِ. . . طفا على الكون سكونُ الدجى … وقد غفا غيرُ عيونٍ الزهرْ

стр. 9345

وخفَّ في الأجواءِ عبقُ الشذا … ونامتِ الأكوانُ إلا القَدَرْ هبَّا إلى الرقص يُحيَّيهما … في صفحةِ المشرقِ ضوءُ القمر من يُنبئ الإلفينِ أن القضا … مُبدِّلٌ صفوَهما بالكدر؟ تسلَّل الصلُّ إلى جسمِها … بوخزةٍ من وَخَزاتِ المنونْ فلم يكن في عمرها فسحةٌ … فخاطَبتْ محبوبَها بالسكونْ يا ليلةً ضلَّتْ مسراتُها! … وما اهتدَتْ إلا عيونُ الشجونْ! زَفوا عروسَ الموتِ يا ويلتا! … للموتِ، ما تُغني فتاها الشئون استنطَقَ القيثارَ لكنما … قيثارُه المحزونُ لا يُسعدُ سعى إلى وادي الردى ذاهلاً … لكي يناجي روحَ من يعبُد أصغى إليه الموتُ في فترةٍ … فجاَءه يسألُ ما يقصدُ؟ فقال: والقيثارُ في شجوِه … لي عندكم محبوبةٌ ترقدُ يأيها النادي إلى عالمٍ! … داخلُه المفقودُ لا يرجعٌ ليس شفيعٌ للذي جاَءنا … بمهجةٍ محزونةٍ يشفعُ أجابَ عندي لكَ أغنيةٌ … أنشدَها قلبي، فهل تسمعُ؟ ثم انبرى يَنفُثُ من حزنهِ … ما تنهمي حزناً له الأدمعُ رقت له زوجُ الردى فانثنت … تستعطفُ الموتَ على من نزلْ قالت له: عطفاً على هائمٍ … ليس له من بعدها من أملْ. . . أرجع إليه من سَبت عقله … نوَّارةَ الوادي، ونورَ المقل قد أرعنَ الوادي برناته … ألم يُلن قلبك هذا الغَزَلْ؟ قال له الموتُ وقد راقُه … ورق، والقلبُ أسيرُ النغمْ أُخرج من الوادي، ولا تلتفت! … إني معيدٌ خلقها من عَدَمْ فحطَّمَ القيثارَ من بشرِه … وخفَّ جذلانَ، سريعَ القدمْ يسبق من تسري بأعراقها الروحُ وتهتزُّ اهتزَازَ النَّسَمْ مشى وئيداً مرهفاً سمعه … لعله يُصغِي إلى جرسها أصغى إلى الأزهار من حولهِ … أصغى، فلم يسمع سوى همسها

стр. 9346

الزهرُ والأعشابُ في يقظةٍ … كأنها تمشي إلى عرسِها أَوَقْعُها أَلينْ من وقعِها؟ … أم حُّسها أرفقُ من حسِّها؟ رنا إلى خلفُ على رقبةٍ … وقد عراه الشكُّ من عودِها إن لم تعد حيةً فلأَعد! … إنَّ الردى أهونُ من فقدِها فأبصَرَ الغادةَ شفافةً … كشعلةٍ تَسطعُ من وقدِها ولمعةُ الأحلاِم في عينهِا … وجذوةُ الأشواقِ في خدِّها تقابلا! لكنَّ صوتَ الردى … صاحَ، فحالَت كُتلةً من ترابْ فلم يعانِقْ غير أحلامِه … ولم يُشارِفْ غيرَ لمعِ السرابْ وهاتفٍ صاح به: يا فتى … عُدْ للهوى الباكي، وعُدْ للعذابْ واحمل بقايا العود، لا تمتهِلْ … حَرَقْتَهَا: ليس لها من إيابْ غداً إذا آبَ وآلامهُ … هادئةٌ، يسكُتُ قيثارُه غذوه بالآلام لا ترأَفوا … تَرِنُّ بالآلام أوتارُه لا تقتلوا الأشجانَ في نفسِه … تفيضُ بالأشجانِ أشعارُه لولا الذي تسكُبُه يا ندى! … ما ضحِكَتْ في الروضِ أزهارُه لنا بآلامِ الورى لذةٌ … وبالنَّدَى يُشرِقُ لونُ الزهَرْ نريدُه يشدو لنا فليعدْ! … حليفُه الهمُّ وطولُ الضجرْ نريده يشدو فلا تَقطعوا … من مِعزَف الألحانِ هذا الوترْ قد يَطرَبُ اللهُ وأملاكُه … لنكبةٍ تُنطِق قلبَ البشرْ لِلأرضِ من قلب الفتى مِزقةٌ … ومزقةٌ يرفعها للسماءْ فوزعِ القلبَ على أهلهِ … وامنحْ من الآلاِم معنى الهناءْ خُلقتَ هتافاً فلا تبتئسْ=هل نتاجُ الطيرِ إلا غناءْ؟ إن تَبقَ منه بضعةٌ فلتكنْ=هديةً مشكورةً للفناءْ. . . دمشق خليل هنداوي

стр. 9347

ظمأ على ظمأ بقلم فريد عين شوكه ظمأ على ظمأ وليس لمهجتي … رِيٌّ سواك يَبُلُّ حَرَّ ظِمائي يا مهد أحلامي ومُتعة خاطري … ومناط آمالي وفيض رجائي أنت الحياة ولا أزيدك بعدها … وصفا، فذلك منتهى إيفائي كم ذا تشعُّ بخاطري فأغيب عن … صحبي ولا أصغي إلى خلصائي وأظل أسبح في هواك وألتقي … بك في الخيال وأنت عنيَ نائي وأراٍجع العهد الحبيب المشتهَى … فلعل في ذكراه بعض عزائي والصحب من حولي عيون تجتلى … حالي وتلحظني على استحياء حتى إذا جمح الحنين ولج في … خلدي وألهب بالأسى أحشائي مدُّوا إليَّ عيونهم وتساءلوا … عما يغُول بشاشتي وصفائي فأحار ثم أجيب غيرَ موفَّق … مع وفرة الأعذار في حوبائي يا غائباً عن ناظريّ وليس في … قلبي سواه يرِفُّ بين دمائي كم أشتهي برح الضنى لتعودني … وأراك رأي العين في جلسائي يا مستريح البال من عبث الهوى … لو كنت تعلم في نواك شقائي الفرقة الهوجاء قد رانت على … كبدي فيا للفرقة الهوجاء شتان ما بيني وبينك في النوى … كالبعد بين قراراتي وسمائي ما أبعد الحالين! أنت منعَّم … غافي العيون على رضىً وهناء تسعى لك الدنيا وتحتشد المنى … للقاك كل صبيحة ومساء وتعيش في وادي الهوى متفيئاً … أندى الظلال وأكرم الأفياء وأنا، وقاك الله من سَرَف الجوى … وكفاك ما ألقى من الأعباء! وأنا - كما تدري - أهيم بمهمه … قفر الجوانب موحش الأرجاء حَرَّانُ تلفحني الهواجر باللظى … حتى تذيب عزيمتي ومضائي ظمآن أستسقي الغمام وإنه … ليضن أن يهمى بقطرة ماء حيران ما أرتاح لحظ بصيرة … حتى أعاف إقامتي وثوائي

стр. 9348

وا لوعة المهجور في وادي النوى … مما يساوره من البرحاء يا جنة السلوان، ناءت عزمتي … من فادح الذكرى وخار بنائي فمتى أفيء إلى ذَراك وأستقي … بَرْد العزاء ونشوة التأساء فريد عين شوكه

стр. 9349

فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية ١٨ - تطور الحركة الفلسفة في ألمانيا فريدريك نيتشه للأستاذ خليل هنداوي الآن تبين لنيتشه أن هاوية سحيقة تفصل بينه وبين شوبنهاور وفاجنر، وقد تقبل مذهب التشاؤم من قبل ليتخذه سلاحاً يصرع به التفاؤل الخادع، وقد بدا له أن نقد الوجود نقداً مصحوباً بالتشاؤم هو من واجب كل نفس خالصة، ولكنه لم يتقبل تلك النتائج السلبية التي استخلصها شوبنهاور من نظراته، ولم يتقبل العدم وسلب الحياة كغاية منشودة في الوجود. ولكن هذا المذهب العدمي الذي يستسر فيه الخطر، قد لا يكاد يقل مذهب التفاؤل المطلق عنه خطراً، فان جيلنا إذا نمت فيه الروح الراضية القانعة والذات الخانعة، كان هذا منه علامة الوهن والضعف والانحطاط. تنشأ في جيل تعب من الحياة وتصدع من الألم، ويرتاح إلى الراحة المتمثلة في العدم، وهكذا بدرت لنيتشه مسألة جديدة شغلته طيلة حياته. . . ما هو منشأ هذا الانحطاط الحديث؟ ما هي العلامات التي ساعدت على نشره. وما هو داء العدمية؟ وما هو دواؤه؟ ولم يكد يبلغ هذه النقطة حتى وجد أن حكمه على ذينك المعلمين قد تحول من الكل إلى الكل. وإذا برفيقيه اللذين كانا عدته في مكافحة التفاؤل يغدوان خصمين عنيفين له تثقل عداوتهما عليه وعلى المجتمع. وأدرك في النهاية أن ثباته على صداقتهما فيه خطر عليه كبير، فإذا لم يبرأ من هذه الصداقة ويخلص من تأثيرها ومرضها فانه لن يتاح له أن يقف أمام نفسه واعياً همسها فاهماً نجواها لابساً لباسها، ولن يتاح له أن يأتي الناس بإنسانه الكامل الذي أوحته إليه تعاليمه الجبارة فيما درس من عبقريات اليونان، فنفض عنه هذه الزخارف الصبيانية التي يتحلى بها أسلوب (فاجنر) ووجد فيه ذلك الدليل الأمين الذي ينفع المفكر الذي يبغي أن يدرس هذه النفس وينحدر إلى أعماقها. فهو اعتنق مذهب (فاجنر) بادئ ذي بدء ليصل إلى هذه النفس. والآن يحاول أن ينجو من حبائل هذا الساحر. (إن ما يشغلني الآن هو الشقاء. . . لم يكن (فاجنر) إلا علة من عللي). . على أن الأندية الأدبية قد ارتاعت لهذا الانقلاب وهذه المفاجأة. وأجمعت كلها

стр. 9350

الحملة على نيتشه العقوق الذي رأت فيه الناكث للعهود. وأخذت الأندية تبعث بتآويل شتى لمعنى هذه الانفصال. وكلها أزمعت القول بأن نيتشه كان في الحالة الأولى خير من تفهم (فاجنر) ووقف على دقائق مذهبه، وكان تحليله الأول له خير ما أخرجه ناقد محلل عن هذا الفنان. وعللت بأن ما عراه من مرضه العقلي الذي ساقه إلى قطع علاقاته مع المجتمع، هو الذي ساقه إلى التنكر لأصدقائه، ولكن هذا التعليل تعليل فاسد يفسد على الرجل كل فلسفة، وهو الذي كتب نظراته وأعطى مذهبه حراً مفكراً مختاراً. لم يكن مجنوناً ولا مخبولاً يوم طعن (فاجنر) ونال من مذهبه. أما أصدقاء نيتشه فهم يعزون ذلك إلى انخداع نيتشه بهذا الفنان. وهنالك آراء تقاربت تجئ طوراً مع نيتشه وتارة عليه. أما الذين يمقتونه فهم ينقمون منه هذه الشخصية أو هذه الأنانية التي قادته إلى نكران الصداقة، زاعمين أن شخصية نيتشه لا تود أن ترى ظلاً لشخصية غيرها، وشخصية نيتشه في الحقيقة شخصية ذاتية قوية، لأن الرجل يرى أن الشخصية هي كل شيء، يضحي في سبيلها بكل شيء ولا يضحي بها في سبيل أي شيء. فوجد نيتشه أن شخصيته تكاد تفنى في شخصية (فاجنر) وهو الذي التصق به واتصل لمجرد الوصول إلى نفسه وتفهمها. ولم يجعل منه رسولاً هادياً ولا مثلاً سامياً. . وهكذا أخذت هذه الشخصية الغالبة تضيق عليه ويضيق بها، وتخفي صوته الحقيقي، فليضح بكل شيء في سبيل ذاته. ولعل نيتشه أدرك أن القوم سيختلفون في تعليل هذا الانقلاب فكتب هذه الرسالة التي تنطوي على صفاته ولون تفكيره. (كنا صديقين غريبين. . . . . كنا كمركبين. كلاهما له غايته وله سبيله. . . . قد نتلاقى ونرفع أعلام اللقاء كما فعلنا. . . وفي هذه اللحظة ذاتها قد رسا المركبان في مرفأ واحد، يغمرهما شعاع واحد، كأنهما مقدمان على هدفهما، وكأن هذا الهدف واحد عندهما، ولكن الضرورة التي لا تُدفع قد تقذف بمركبينا قذفة جديدة نحو بحار مختلفة وأنواء متباينة. وقد نتراءى ولكن لا نتلاقى. كم لوحتنا الشمس والأمواج! نظل غريبين لأن الشريعة الغالبة تريد ذلك. . ولكن صداقتنا القديمة تبقى شيئاً قدسياً. . . وهكذا نريد أن نؤمن بصداقتنا (في النجوم) حتى في العهد الذي يجب أن نكون فيه خصمين علٍى الأرض) أليس في هذه الكلمة ما يجعل نيتشه بريئاً شريفاً بازاء خصميه وأنصار خصميه؟ نيتشه الفيلسوف!
следующие страницы →